وقال – ﷺ : ".. إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار، أمر الله الملائكة أن يخرجوا من يعبد الله، فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود" (١) .
وإن من فضل الله عليكِ أن جعل السجود في الصلاة أكثر من الركوع، وذلك لعلمه بحال عبده وحاجته إليه، فالعبد في السجود يسأل الله ويدعوه بما شاء، فأكثري من سؤال الله في سجودك وتذكري فيه كل ما تحتاجينه من أمور الآخرة ومن أمور الدنيا، فإن رسول الله – ﷺ كان يقول: " وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم " (٢) أي حري أن يستجاب لكم.
وإن من فضل الدعاء في السجود الدعاء بما كان يدعو به – ﷺ فقد كان يذكر الله ويثني عليه بما يتناسب مع وضع الساجد، فهو في أدنى مكان والله – سبحانه – في أعلى مكان لذلك كان يقول:" سبحان ربي الأعلى" ويكررها ثم يدعو بالمغفرة فيقول: " سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي " (٣) .
وكان أيضًا يقول:" اللهم لك سجدت وبك آمنت، ولك أسلمت، [وأنت ربي] سجد وجهي للذي خلقه وصوره [فأحسن صوره] وشق سمعه وبصره [فـ] تبارك الله أحسن الخالقين " (٤) .
ويقول: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، ودقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره " (٥) .
ويقول: " سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، أبوء بنعمتك عليَّ، هذي يدي، ما جنيت على نفسي" (٦) .
ويقول:"سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة " (٧) .
стр. 37
ويقول: "سبحانك [اللهم] وبحمدك، لا إله إلا أنت " (١) .
ويقول: "اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت " (٢) .
ويقول: " اللهم اجعل في قلبي نورًا [وفي لساني نورًا] ، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، وعن يميني نورًا وعن يساري نورًا، واجعل أمامي نورًا، واجعل خلفي نورًا، [واجعل في نفسي نورًا] ، وأعظم لي نورًا " (٣) .
ويقول: " اللهم "إني " أعوذ برضاك من سخطك، و [أعوذ] بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك " (٤) .
وعليكِ – أخيتي – إذا أردتِ الخشوع أن تحفظي هذه الأذكار، تقولينها في سجودك تارة هذا وتارة ذاك، ولا تقتصري عليها بل اسألي الله ما أنت بحاجته حتى ولو كان الذي تحتاجينه الملح في الطعام.
ثم إذا أردت الرفع من السجود فتذكري أنك تفارقين أقرب الأماكن إلى الله وهو أقرب أحوالك إلى الله. ترفعين من حال تبثين فيه حزنك وهمك إلى الله وهو يستمع إليكِ ولا يلتفت عنك ما دمت مقبلة عليه.
стр. 38
وبذلك يكون رفعك من السجود بتثاقل كأنما تجرين منه جرًّا وذلك لرغبتك في الدعاء فيه، ثم تكبرين حال رفعكِ موقنة أن الله أكبر من كل شيء فهو القادر على إجابة دعائك، ثم تجلسين مفترشة قدمكِ اليسرى ناصبة قدمكِ اليمنى، أو مقعية على عقبيكِ وصدور قدميك تسألين الله المغفرة قائلة: " رب اغفر لي رب اغفر لي " (١) . وتكررينها متخيلة كثرة ذنوبك حتى تبلغ جلستك في طولها السجدة أو تقولين: "رب اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني واهدني وعافني وارزقني" (٢) . وتستحضرين في دعائك هذا أنك مذنبة تحتاجين المغفرة، مسكينة تحتاجين إلى الرحمة، وكسيرة تحتاجين الجبر، وضيعة تحتاجين الرفع، وضالة تحتاجين الهداية، مريضة مبتلاة تحتاجين العافية، فقيرة تحتاجين الرزق.
ثم تخرين للسجود لتعاودي التسبيح والدعاء مرة أخرى وتفعلين كالسجدة الأولى تلحين في الدعاء عالمة أنه - سبحانه - يحب الملحين في الدعاء.
ثم إذا رفعت من سجودكِ جلستِ جلسة قصيرة تستريحين فيها قبل القيام، قمتِ وشرعتِ في الركعة الثانية متحرية الخشوع كما تحريته في الركعة الأولى.
الخشوع في التشهد:
ثم إذا بلغت التشهد , وجلست له , فعليك أن تستحضري أنك تلقين بين يدي الله كلمات عظيمات علمها رسول الله ﷺ لأمته , وتلقين التحيات بجميع أنواعها الحسنة لله فهو المستحق لذلك ,كما تعترفين بأن الملك له وحده حيث التحية تكون غالباً للملوك, فالله -سبحانه - ملك الملوك لذا فله جميع التحيات.
وأنتِ حيث تلقين التحية عليكِ ألا تلتفتي عنه - جل وعلا- بل تجتهدين في مدافعة نفسك أن تحيد أو تنصرف وهي تلقي التحية بين يدي الله تعالى وجلة أن يغضب عليك ولا يقبلها منك.
стр. 39
وتعترفين بأن جميع الصلوات لله فلا أحد يستحق أي نوع من أنواع الصلوات سواء الفعلية أو القولية.
وكذلك جميع أنواع الطيبات من أقوال وصدقات لله – سبحانه – هو الذي يستحق أن تصرف له.
ثم تثنين بإلقاء التحية على رسول الله – ﷺ وأنتِ مستحضرة أنه يرد عليك سلامك وهو في قبره، ترد عليه روحه حتى يرد عليك، ثم تسلمين على عباد الله الصالحين جميعًا من الملائكة والإنس والجن، وتستحضرين كرم الله عليك حيث يؤتيك الأجر بكل من سلمت عليه، ثم تكررين إخلاصك خاتمة به فتشهدين أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتشهدين أن محمدًا عبده ورسوله، فأنتِ شهدتِ بالفعل بألوهيته – سبحانه – حيث ائتمرت بما أمرك به، وتشهدين بالقول بألوهيته ووحدانيته، تشهدين بالفعل برسالة محمد – ﷺ حيث تابعته وأديتِ سنته، وتشهدين بالقول بأن محمداً عبده ورسوله – ﷺ .
ثم تصلين على النبي – ﷺ كما أمرك الله – سبحانه – بذلك حيث قال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: ٥٦]
وصلاتك عليه – ﷺ اعترافًا بفضله عليك حيث كان سبب هدايتكِ لهذا الدين القويم والصراط المستقيم الذي أنقذك به من عذاب النار.
ثم تستعيذين بالله من أربع تجعلينها نصب عينيكِ دائمًا في كل حين على كل حال ...
عذاب النار – عذاب القبر- فتنة المسيح الدجال – فتنة المحيا والممات.
стр. 40
ثم تسألين الله بعد ذلك من خير الدنيا والآخرة وذلك قبل السلام، كما ورد في سنة محمد – ﷺ ، أما جعل الدعاء بعد السلام فهو خلاف السنة، وفي ذلك قال الإمام شمس الدين ابن القيم:" وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وأمر بها فيها، وهذا هو اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربه، يناجيه ما دام في الصلاة، فإذا سلم منها انقطعت تلك المناجاة، وزال ذلك الموقف بين يديه، وبالقرب منه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه والإقبال عليه، ثم يسأله إذا انصرف عنه؟! ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلي, إلا أن هاهنا نكتة لطيفة، وهو أن المصلي إذا فرغ من صلاته، وذكر الله وهلله وسبحه وحمده وكبره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة، استحب له أن يصلي على النبي ﷺ بعد ذلك ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقيب هذه العبادة الثانية، لا لكونه دبر الصلاة، فإن كل من ذكر الله، وحمده وأثنى عليه، وصلى على رسول الله – ﷺ استحب له الدعاء عقيب ذلك، كما في حديث فضالة بن عبيد: “إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي – ﷺ ، ثم ليدعُ بما شاء" (١) قال الترمذي حديث صحيح اهـ " (٢) .
وإذا علمتِ السنة في جعل الدعاء بعد الصلاة قبل السلام، فاختاري من الدعاء ما تشائين، والأفضل أن يكون دعاؤك بدعاء رسول الله – ﷺ . أسوق لكِ بعضه ليسهل عليك حفظه ومراجعته قبل الصلاة.
" اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل" (٣) .
"اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا " (٤) .
стр. 41
"اللهم بعلمك الغيب وقدرتك عَلَى الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني ما علمت الوفاة خيراً لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إِلَى وجهك الكريم، والشوق إِلَى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين" (١) .
" اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم " (٢) .
" اللهم إني أسألك من الخير كله [عاجله وآجله] , ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله [عاجله وآجله] ، ما علمت منه وما لم أعلم، وأسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك من خير ما سألك منه عبدك ورسولك [محمد] – ﷺ ، وأعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ورسولك محمد – ﷺ ، و [أسألك] ما قضيت لي من أمر أن تجعل عاقبته [لي] رشدًا " (٣) .
"اللهم اغفر لي ما قدمت, وما أخرت, وما أسررت, وما أعلنت, وما أسرفت, وما أنت أعلم به مني, أنت المقدم, وأنت المؤخر لا إله إلا أنت" (٤) .
ويسن لكِ أن تشيري بأصبعك السبابة محلقة بالإبهام والوسطى قابضة للخنصر والبنصر، أو قابضة لأصابعك جميعها ما عدا السبابة مع كل دعوة تدعين بها.
الخشوع في التسليم
стр. 42
ثم إذا انتهيتِ من الدعاء فسلمي عن يمينك تحية تخيلي أن من على جانبك الأيمن يردها، ثم سلمي على شمالك تحية تخيلي أن من على جانبك الأيسر يردها من الملائكة والجن والأنس، وإذا فعلت ذلك فقد انتهيت من صلاة خاشعة مطمئنة أجرها عظيم، استغفري الله بعد سلامك خشية أن تكوني قصرت في أداء الصلاة كما ينبغي، ثم اشرعي في الأذكار الواردة بعد السلام وهي: " اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام " (١) .
" لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (٢) .
" لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل, وله الثناء الحسن ,لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون " (٣) .
ويسن أن تقرئي آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة فقد قال – ﷺ :"من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت" (٤) .
كما يسن لك بعد الصلاة أن تسبحي ثلاثًا وثلاثين وتحمدي ثلاثًا وثلاثين، وتكبري ثلاثًا وثلاثين وتقولي تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (٥) ، أو تتمي المائة بتكبيرة فيكون التكبير أربعًا وثلاثين.
стр. 43
وبذلك تكونين قد أتممتِ صلاة خاشعة مطمئنة قد عملتِ فيها بسنة رسول الله ﷺ حيث قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١) .
وكما ذكرتُ لكِ سالفًا أن قراءة ما كان عليه السلف في خشوعهم يرفع في النفس الهمة ويعينها، وسأذكر لكِ من أحوالهم ما تيسر لي وأرجو أن ينفعك الله به.
خشوع السلف:
قال ﷺ : إذا قمت في صلاتك، فصلِّ صلاة مودِّعٍ، ولا تتكلم بكلام تعتذر منه، وأجمع اليأس عمَّا في أيدي الناس (٢) .
وقال ﷺ : اذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحري أن يحسن صلاته، فصل صلاة رجلٍ لا يظن أنه يصلى صلاة غيرها، وإياك وكل أمر يعتذر منه (٣)
" كان علي بن الحسين إذا فرغ من وضوئه للصلاة، وصار بين وضوئه وصلاته أخذته رعدة ونفضة، فقيل له في ذلك، فقال: ويحكم أتدرون إلى من أقوم، ومن أريد أن أناجي " (٤) .
стр. 44
" ذكر عن محمد بن المنكدر أنه بينما هو ذات ليلة قائم يصلي إذا استبكى وكثر بكاؤه حتى فزع أهله وسألوه ما الذي أبكاه، فاستعجم عليهم وتمادى في البكاء فأرسلوا إلى أبي حازم فأخبروه بأمره فجاء أبو حازم إليه فإذا هو يبكي، قال: يا أخي ما الذي أبكاك قد روعت أهلك، من علة، أم ما بك؟ قال: إنه مرت بي آية في كتاب الله !، قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) [الزمر: ٤٧] فبكى أبو حازم أيضًا معه واشتد بكاؤهما، فقال بعض أهله لأبي حازم: جئنا بك لتفرج عنه فزدته، فأخبرهم ما الذي أبكاهما " (١) . " كان عطاء بن أبي رباح - بعدما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرأ مائتي آية من سورة البقرة، وهو قائم لا يزول منه شيء ولا يتحرك " (٢) .
عن ميمون بن مهران قال: نظر رجل من المهاجرين إلى رجل يصلي فأخف الصلاة فعاقبه، فقال: إني ذكرت ضيعة لي، فقال: أكبر الضيعة أضعته (٣) .
" وكان أبو وائل إذا صلى في بيته ينشج نشيجًا، ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله وأحد يراه ما فعله ".
стр. 45
وكان يقول وهو ساجد: " رب اغفر لي، رب اعف عني، إن تعف عني فطولاً من فضلك، وإن تعذبني غير ظالم لي ولا مسبوق. ثم يبكي حتى يسمع نحيبه من وراء المسجد " (١) .
وكان إبراهيم التيمي إذا سجد تجيء العصافير تستقر على ظهره كأنه جذم حائط (٢) .
"وكان سعيد بن جُبير يردد هذه الآية في الصلاة بضعًا وعشرين مرة، (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) [البقرة: ٢٨١] .
وكان إذا أتى على هذه الآية (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ) [غافر: ٧٠ - ٧١] . رجع فيها ورددها مرتين أو ثلاثًا " (٣) .
كان خلف بن أيوب لا يطرد الذباب عن وجهه في الصلاة، فقيل له: كيف تصبر؟ قال: بلغني أن الفُساق يتصبرون تحت السياط ليقال: فلان صبور، وأنا بين يدي ربي، أفلا أصبر على ذباب يقع عليَّ؟! (٤) .
قال حاتم الأصم: فاتتني صلاة الجماعة، فعزاني أبو إسحاق البخاري وحده، ولو مات لي ولد لعزَّاني أكثر من عشرة آلاف؛ لأن مصيبة الدين عندهم أهون من مصيبة الدنيا (٥) .
стр. 46
قال الذهبي في السير (٤/١٨) : قيل: كان عامر (عامر بن عبد قيس) لا يزال يصلي من طلوع الشمس إلى العصر، فينصرف وقد انتفخت ساقاه، فيقول: يا أمّارة بالسوء، إنما خُلقتِ للعبادة (١) ٥) . وقيل لعامر بن عبد قيس: أما تسهو في صلاتك؟ قال: أوَ حديث أحَبّ إليَّ من القرآن حتى أشتغل به!! هيهات، مناجاة الحبيب تستغرق الإحساس (٢) ٦) .
وكان أبو يزيدٍ الرَّبِيعُ بنُ خُثَيْم ﵀ يقول: إني لآنس بصوت عصفور المسجد عن أُنسي بزوجتي.
وكان ﵀ إذا سجد كأنه ثوب مطروحٌ، فتجئ العصافير فتقع عليه.
وكان ﵀ بعدما سقط شقه يهادى بين رجلين إلى مسجد قومه، وكان أصحاب عبد الله بن مسعود يقولون: يا أبا يزيد، لقد رخص الله لك لو صليت في بيتك. فيقول: إنه كما تقولون، ولكني سمعته ينادي: حيّ على الفلاح، فمن سمع منكم: حيّ على الفلاح، فليجبه ولو زحفًا، ولو حبوًا.
وعن أبي حيان التيمي عن أبيه، قال: أصاب الربيع الفالج، فكان يحمل إلى الصلاة، فقيل له: أنه قد رخص لك. قال: قد علمت، ولكن أسمع النداء بالفلاح (٣) ٧) .
قال بكر بن منير: كان محمد بن إسماعيل يصلي ذات ليلة فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى الصلاة، قال: انظروا أيش آذاني (٤) .
قال محمد بن أبي حاتم: دُعِي محمد بن إسماعيل إلى بستان بعض أصحابه، فلما صلى بالقوم الظهر، قام يتطوع، فلما فرغ من صلاته رفع ذيل قميصه، فقال لبعض من معه: انظر، هل ترى تحت قميصي شيئًا؟ فإذا زنبور قد أبره في ستة عشر أو سبعة عشر موضعًا، وقد تورم من ذلك جسده، فقال له بعض القوم: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما أبرك؟ قال: كنت في سورة، فأحببت أن أُتمها"
стр. 47
هذا والله أسأل أن يجعلنا ممن يخشعون في صلواتهم ويخشونه في أعمالهم وأقوالهم غيبًا وشهادة. والله المستعان وعليه التكلان وبه الاطمئنان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
الفهرس
الموضوع ... الصفحة
مقدمة............................................................................. ... ٥
فضل الخشوع................................................................. ... ٧
قبل الصلاة.................................................................... ... ١٠
الاستعداد للصلاة قبل الصلاة.............................................. ... ١٨
أثناء الصلاة................................................................... ... ٣٧
الخشوع في الركوع.......................................................... ... ٥٦
الخشوع في السجود.......................................................... ... ٦٠
الخشوع في التشهد.......................................................... ... ٦٦
خشوع السلف................................................................. ... ٧٥
الفهرس.......................................................................... ... ٧٩
الغلاف الخارجي
والناس في الصلاة على مراتب خمس:
أحدهما: مرتبة الظالم لنفسه المفرط؛ وهو الذي انتقص من وضوئها، ومواقيتها، وحدودها وأركانها.
الثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها، وأركانها الظاهرة ووضوئها، لكن قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة، فذهب مع الوساوس والأفكار.
الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها، وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهدة عدوِّه؛ لئلا يسرق صلاته؛ فهو في صلاة وجهاد.
стр. 48
الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكْمَل حقوقها، وأركانها، وحدودها، واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها، لئلاَّ يضيع شيئًا منها، بل همُّه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها وإتمامها. قد استغرق قلب شأنُ الصلاة وعبودية ربِّه ﵎ فيها.
الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربِّه ، ناظرًا بقلبه إليه، مراقبًا له، ممتلئًا من محبته وعظمته، كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلَّت تلك الوساوس والخطرات وارتفعت حُجُبُها بينه وبين ربِّه. فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل وأعظم ممَّا بين السماء والأرض
ابن القيم