Полный текст (16 874 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
[نَقَلَ الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ: أَنَّ الشَّيْخَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - قَالَ: - فِي مَجْلِسِ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ الأفرم - لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ اعْتِقَادِهِ وَكَانَ الشَّيْخُ أَحْضَرَ عَقِيدَتَهُ " الواسطية " قَالَ - هَذِهِ كَتَبْتهَا مِنْ نَحْوِ سَبْعِ سِنِينَ قَبْلَ مَجِيءِ التَّتَارِ إلَى الشَّامِ؛ فَقُرِئَتْ فِي الْمَجْلِسِ. ثُمَّ نَقَلَ عَلَمُ الدِّينِ عَنْ الشَّيْخِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ سَبَبُ كِتَابَتِهَا أَنَّ بَعْضَ قُضَاةِ وَاسِطٍ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالدِّينِ شَكَا مَا النَّاسُ فِيهِ - بِبِلَادِهِمْ فِي دَوْلَةِ التتر - مِنْ غَلَبَةِ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ] (*) وَدُرُوسِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ؛ وَسَأَلَنِي أَنْ أَكْتُبَ لَهُ " عَقِيدَةً " فَقُلْت لَهُ: قَدْ كَتَبَ النَّاسُ عَقَائِدَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ؛ فَأَلَحَّ فِي السُّؤَالِ، وَقَالَ: مَا أُحِبُّ إلَّا عَقِيدَةً تَكْتُبُهَا أَنْتَ. فَكَتَبْت لَهُ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ - وَأَنَا قَاعِدٌ بَعْدَ الْعَصْرِ فَأَشَارَ الْأَمِيرُ لِكَاتِبِهِ فَقَرَأَهَا عَلَى الْحَاضِرِينَ حَرْفًا حَرْفًا فَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلِي فِيهَا: وَمِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ الْإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ: مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ. وَمَقْصُودُهُ أَنَّ هَذَا يَنْفِي التَّأْوِيلَ الَّذِي هُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ: إمَّا وُجُوبًا وَإِمَّا جَوَازًا.
стр. 1087
فَقُلْت: إنِّي عَدَلْت عَنْ لَفْظِ التَّأْوِيلِ إلَى لَفْظِ التَّحْرِيفِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيفَ اسْمٌ جَاءَ الْقُرْآنُ بِذَمِّهِ؛ وَأَنَا تَحَرَّيْت فِي هَذِهِ الْعَقِيدَةِ اتِّبَاعَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَنَفَيْت مَا ذَمَّهُ اللَّهُ مِنْ التَّحْرِيفِ وَلَمْ أَذْكُرْ فِيهَا لَفْظَ التَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ لَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ؛ كَمَا بَيَّنْته فِي مَوْضِعِهِ مِنْ الْقَوَاعِدِ. فَإِنَّ مَعْنَى لَفْظِ التَّأْوِيلِ فِي كِتَابِ اللَّهِ غَيْرُ لَفْظِ التَّأْوِيلِ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْفِقْهِ. وَغَيْرُ مَعْنَى لَفْظِ التَّأْوِيلِ فِي اصْطِلَاحِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالسَّلَفِ. وَقُلْت لَهُمْ ذَكَرْت فِي النَّفْيِ التَّمْثِيلَ وَلَمْ أَذْكُرْ التَّشْبِيهَ؛ لِأَنَّ التَّمْثِيلَ نَفَاهُ اللَّهُ بِنَصِّ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ . وَأَخَذُوا يَذْكُرُونَ نَفْيَ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ وَيُطْنِبُونَ فِي هَذَا وَيُعْرِضُونَ بِمَا يَنْسُبُهُ بَعْضُ النَّاسِ إلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ. فَقُلْت قَوْلِي مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ يَنْفِي كُلَّ بَاطِلٍ؛ وَإِنَّمَا اخْتَرْت هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ: لِأَنَّ التَّكْيِيفَ مَأْثُورٌ نَفْيُهُ عَنْ السَّلَفِ كَمَا قَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَة وَغَيْرُهُمْ الْمَقَالَةَ - الَّتِي تَلَقَّاهَا الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ - الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ فَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ السَّلَفُ عَلَى أَنَّ الْكَيْفَ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا فَنَفَيْت ذَلِكَ اتِّبَاعًا لِسَلَفِ الْأُمَّةِ. وَهُوَ أَيْضًا مَنْفِيٌّ بِالنَّصِّ. فَإِنَّ تَأْوِيلَ آيَاتِ الصِّفَاتِ يَدْخُلُ فِيهَا حَقِيقَةُ
стр. 1088
الْمَوْصُوفِ وَحَقِيقَةُ صِفَاتِهِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وَهَذَا مِنْ التَّأْوِيلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ كَمَا قَرَّرْت ذَلِكَ فِي قَاعِدَةٍ مُفْرَدَةٍ ذَكَرْتهَا فِي " التَّأْوِيلِ وَالْمَعْنَى " وَالْفَرْقُ بَيْنَ عِلْمِنَا بِمَعْنَى الْكَلَامِ وَبَيْنَ عِلْمِنَا بِتَأْوِيلِهِ. وَكَذَلِكَ التَّمْثِيلُ مَنْفِيٌّ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ الْقَدِيمِ مَعَ دَلَالَةِ الْعَقْلِ عَلَى نَفْيِهِ وَنَفْيِ التَّكْيِيفِ؛ إذْ كُنْهُ الْبَارِي غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْبَشَرِ. وَذَكَرْت فِي ضِمْنِ ذَلِكَ كَلَامَ الخطابي الَّذِي نَقَلَ أَنَّهُ مَذْهَبُ السَّلَفِ: وَهُوَ " إجْرَاءُ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ نَفْيِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ عَنْهَا؛ إذْ الْكَلَامُ فِي الصِّفَاتِ فَرْعُ الْكَلَامِ فِي الذَّاتِ: يُحْتَذَى حَذْوُهُ وَيُتَّبَعُ فِيهِ مِثَالُهُ فَإِذَا كَانَ إثْبَاتُ الذَّاتِ إثْبَاتَ وُجُودٍ لَا إثْبَاتَ تَكْيِيفٍ؛ فَكَذَلِكَ إثْبَاتُ الصِّفَاتِ إثْبَاتُ وُجُودٍ لَا إثْبَاتُ تَكْيِيفٍ ". فَقَالَ أَحَدُ كُبَرَاءِ الْمُخَالِفِينَ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هُوَ جِسْمٌ؛ لَا كَالْأَجْسَامِ. فَقَلَتْ لَهُ أَنَا وَبَعْضُ الْفُضَلَاءِ إنَّمَا قِيلَ: إنَّهُ يُوصَفُ اللَّهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ حَتَّى يَلْزَمَ هَذَا. وَأَوَّلُ مَنْ قَالَ إنَّ اللَّهَ جِسْمٌ: هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ الرافضي. وَأَمَّا قَوْلُنَا: فَهُمْ الْوَسَطُ فِي فِرَقِ الْأُمَّةِ كَمَا أَنَّ الْأُمَّةَ هِيَ الْوَسَطُ فِي الْأُمَمِ. فَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ صِفَاتِ اللَّهِ بَيْنَ أَهْلِ التَّعْطِيلِ الْجَهْمِيَّة وَأَهْلِ التَّمْثِيلِ الْمُشَبِّهَةِ فَقِيلَ لِي أَنْتَ صَنَّفْت اعْتِقَادَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَرَادُوا قَطْعَ النِّزَاعِ لِكَوْنِهِ مَذْهَبًا مَتْبُوعًا.
стр. 1089
فَقُلْت: مَا خَرَجَتْ إلَّا عَقِيدَةُ السَّلَفِ الصَّالِحِ جَمِيعِهِمْ؛ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ اخْتِصَاصٌ بِهَذَا. وَقُلْت: قَدْ أَمْهَلْت مَنْ خَالَفَنِي فِي شَيْءٍ مِنْهَا ثَلَاثَ سِنِينَ فَإِنْ جَاءَ بِحَرْفِ وَاحِدٍ عَنْ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ يُخَالِفُ مَا ذَكَرْته فَأَنَا أَرْجِعُ عَنْ ذَلِكَ وَعَلَيَّ أَنْ آتِيَ بِنُقُولِ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ عَنْ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ يُوَافِقُ مَا ذَكَرْته مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ. ثُمَّ طَلَبَ الْمُنَازِعُ الْكَلَامَ فِي (مَسْأَلَةِ الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ فَقُلْت: هَذَا الَّذِي يُحْكَى عَنْ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ صَوْتَ الْقَارِئِينَ وَمِدَادَ الْمَصَاحِفِ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ كَذِبٌ مُفْتَرًى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحْمَدُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَخْرَجْت كُرَّاسًا وَفِيهِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي " كِتَابِ السُّنَّةِ " عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَا جَمَعَهُ صَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ المروذي مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ وَكَلَامِ أَئِمَّةِ زَمَانِهِ فِي أَنَّ مَنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جهمي وَمَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. قُلْت: فَكَيْفَ بِمَنْ يَقُولُ لَفْظِي أَزَلِيٌّ؟ فَكَيْفَ بِمَنْ يَقُولُ صَوْتِي قَدِيمٌ فَقَالَ الْمُنَازِعُ: إنَّهُ انْتَسَبَ إلَى أَحْمَدَ أُنَاسٌ مِنْ الْحَشْوِيَّةِ وَالْمُشَبِّهَةِ وَنَحْوِ هَذَا الْكَلَامِ فَقُلْت: الْمُشَبِّهَةُ وَالْمُجَسِّمَةُ فِي غَيْرِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فِيهِمْ: فَهَؤُلَاءِ أَصْنَافُ الْأَكْرَادِ كُلُّهُمْ شَافِعِيَّةٌ وَفِيهِمْ مِنْ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ مَا لَا يُوجَدُ فِي صِنْفٍ آخَرَ، وَأَهْلُ جِيلَانَ فِيهِمْ شَافِعِيَّةٌ وَحَنْبَلِيَّةٌ؛ وَأَمَّا الْحَنْبَلِيَّةُ الْمَحْضَةُ فَلَيْسَ فِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَا فِي غَيْرِهِمْ والكَرَّامِيَة الْمُجَسِّمَةُ كُلُّهُمْ حَنَفِيَّةٌ.
стр. 1090
وَقُلْت لَهُ: مَنْ فِي أَصْحَابِنَا حَشْوِيٌّ بِالْمَعْنَى الَّذِي تُرِيدُهُ؟ الْأَثْرَمُ أَبُو دَاوُد المروذي الْخَلَّالُ، أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ بْنُ حَامِدٍ الْقَاضِي، أَبُو يَعْلَى أَبُو الْخَطَّابِ بْنُ عَقِيلٍ؛ وَرَفَعْت صَوْتِي وَقُلْت: سَمِّهِمْ قُلْ لِي مَنْ مِنْهُمْ؟ . أَبِكَذِبِ ابْنِ الْخَطِيبِ وَافْتِرَائِهِ عَلَى النَّاسِ فِي مَذَاهِبِهِمْ تَبْطُلُ الشَّرِيعَةُ وَتَنْدَرِسُ مَعَالِمُ الدِّينِ كَمَا نَقَلَ هُوَ وَغَيْرُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ الْقَدِيمُ هُوَ أَصْوَاتُ الْقَارِئِينَ وَمِدَادُ الْكَاتِبِينَ؛ وَأَنَّ الصَّوْتَ وَالْمِدَادَ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ. مَنْ قَالَ هَذَا؟ وَفِي أَيِّ كِتَابٍ وُجِدَ عَنْهُمْ هَذَا؟ قُلْ: لِي. وَكَمَا نُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ بِاللُّزُومِ الَّذِي ادَّعَاهُ وَالْمُقَدِّمَةِ الَّتِي نَقَلَهَا عَنْهُمْ.
وَلَمَّا جَاءَتْ " مَسْأَلَةُ الْقُرْآنِ " وَأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ: نَازَعَ بَعْضُهُمْ فِي كَوْنِهِ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ وَطَلَبُوا تَفْسِيرَ ذَلِكَ فَقُلْت: أَمَّا هَذَا الْقَوْلُ: فَهُوَ الْمَأْثُورُ وَالثَّابِتُ عَنْ السَّلَفِ. مِثْلُ مَا نَقَلَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَدْرَكْت النَّاسَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَقُولُونَ: اللَّهُ الْخَالِقُ وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ؛ إلَّا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ. وَمَعْنَى مِنْهُ بَدَأَ أَيْ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَهُ مِنْ لَدُنْهُ لَيْسَ هُوَ كَمَا تَقُولُهُ الْجَهْمِيَّة أَنَّهُ خُلِقَ فِي الْهَوَاءِ أَوْ غَيْرِهِ وَبَدَأَ مِنْ غَيْرِهِ. وَأَمَّا إلَيْهِ يَعُودُ: فَإِنَّهُ يَسْرِي بِهِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ الْمَصَاحِفِ وَالصُّدُورِ
стр. 1091
فَلَا يَبْقَى فِي الصُّدُورِ مِنْهُ كَلِمَةٌ وَلَا فِي الْمَصَاحِفِ مِنْهُ حَرْفٌ. وَوَافَقَ عَلَى ذَلِكَ غَالِبُ الْحَاضِرِينَ. فَقُلْت: هَكَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " ﴿مَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ﴾ ": يَعْنِي الْقُرْآنَ. وَقَالَ خباب بْنُ الْأَرَتِّ: يَا هَنَتَاهُ تَقَرَّبْ إلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَعْت؛ فَلَنْ يُتَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ بِشَيْءِ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ. وَقُلْت: وَأَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً، وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً؛ لَا كَلَامُ غَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ عِبَارَةٌ؛ بَلْ إذَا قَرَأَ النَّاسُ الْقُرْآنَ أَوْ كَتَبُوهُ فِي الْمَصَاحِفِ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةً. فَإِنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا. لَا إلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا. فَامْتَعَضَ بَعْضُهُمْ مِنْ إثْبَاتِ كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ حَقِيقَةً بَعْدَ تَسْلِيمِهِ أَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً ثُمَّ إنَّهُ سَلَّمَ ذَلِكَ لَمَّا بَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْمَجَازَ يَصِحُّ نَفْيُهُ؛ وَهَذَا لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ وَأَنَّ أَقْوَالَ الْمُتَقَدِّمِينَ الْمَأْثُورَةَ عَنْهُمْ وَشِعْرَ الشُّعَرَاءِ الْمُضَافَ إلَيْهِمْ هُوَ كَلَامُهُمْ حَقِيقَةً. وَلَمَّا ذَكَرْت فِيهَا أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا لَا إلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا اسْتَحْسَنُوا هَذَا الْكَلَامَ وَعَظَّمُوهُ. وَذَكَرْت مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ مِنْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَأَنَّهُ مَعَنَا حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ؛ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَحْرِيفٍ وَلَكِنْ يُصَانُ عَنْ الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ
стр. 1092
وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالْخَلْقِ فَإِنَّ هَذَا لَا تُوجِبُهُ اللُّغَةُ وَهُوَ خِلَافُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَخِلَافُ مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْخَلْقَ بَلْ الْقَمَرُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مِنْ أَصْغَرِ مَخْلُوقَاتِهِ؛ وَهُوَ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ مَعَ الْمُسَافِرِ أَيْنَمَا كَانَ.
وَلَمَّا ذَكَرْت: أَنَّ جَمِيعَ أَسْمَاءِ اللَّهِ الَّتِي يُسَمَّى بِهَا الْمَخْلُوقُ - كَلَفْظِ " الْوُجُودِ ": الَّذِي هُوَ مَقُولٌ بِالْحَقِيقَةِ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ: تَنَازَعَ كَبِيرَانِ هَلْ هُوَ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ أَوْ بِالتَّوَاطُؤِ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا هُوَ مُتَوَاطِئٌ. وَقَالَ آخَرُ هُوَ مُشْتَرَكٌ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّرْكِيبُ. وَقَالَ هَذَا: قَدْ ذَكَرَ فَخْرُ الدِّينِ أَنَّ هَذَا النِّزَاعَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ وُجُودَهُ هَلْ هُوَ عَيْنُ مَاهِيَّتِه أَمْ لَا؟ فَمَنْ قَالَ: إنَّ وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ عَيْنُ مَاهِيَّتِهِ قَالَ: إنَّهُ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ وَمَنْ قَالَ إنَّ وُجُودَهُ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَاهِيَّتِهِ قَالَ: إنَّهُ مَقُولٌ بِالتَّوَاطُؤِ فَأَخْذُ الْأَوَّلِ يُرَجِّحُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْوُجُودَ زَائِدٌ عَلَى الْمَاهِيَّةِ لِيَنْصُرَ أَنَّهُ مَقُولٌ بِالتَّوَاطُؤِ فَقَالَ الثَّانِي: مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ وَأَهْلِ السُّنَّة أَنَّ وُجُودَهُ عَيْنُ مَاهِيَّتِهِ؛ فَأَنْكَرَ الْأَوَّلُ ذَلِكَ. فَقُلْت: أَمَّا مُتَكَلِّمُو أَهْلِ السُّنَّة فَعِنْدَهُمْ أَنَّ وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ عَيْنُ مَاهِيَّتِه؛ وَأَمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ: فَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ: أَنَّ وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَاهِيَّتِهِ. وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَصَابَ مِنْ وَجْهٍ؛ فَإِنَّ الصَّوَابَ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ مَقُولَةٌ بِالتَّوَاطُؤِ. كَمَا قَدْ قَرَّرْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
стр. 1093
وَأَمَّا بِنَاءُ ذَلِكَ عَلَى كَوْنِ وُجُودِ الشَّيْءِ عَيْنَ مَاهِيَّتِه أَوْ لَيْسَ عَيْنَ وُجُودِ مَاهِيَّتِهِ فَهُوَ مِنْ الْغَلَطِ الْمُضَافِ إلَى ابْنِ الْخَطِيبِ؛ فَإِنَّا وَإِنْ قُلْنَا إنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ عَيْنُ مَاهِيَّتِهِ: لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ مَقُولًا عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ فَقَطْ؛ كَمَا فِي جَمِيعِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ: فَإِنَّ اسْمَ السَّوَادِ مَقُولٌ عَلَى هَذَا السَّوَادِ وَهَذَا السَّوَادُ بِالتَّوَاطُؤِ وَلَيْسَ عَيْنُ هَذَا السَّوَادِ هُوَ عَيْنَ هَذَا السَّوَادِ؛ إذْ الِاسْمُ دَالٌّ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْمُطْلَقُ الْكُلِّيُّ؛ لَكِنَّهُ لَا يُوجَدُ مُطْلَقًا بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ إلَّا فِي الذِّهْنِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَفْيُ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْأَعْيَانِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ فَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ تَنْتَفِي " الْأَسْمَاءُ الْمُتَوَاطِئَةُ " وَهِيَ جُمْهُورُ الْأَسْمَاءِ الْمَوْجُودَةِ فِي اللُّغَاتِ وَهِيَ " أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ اللُّغَوِيَّةِ " وَهُوَ الِاسْمُ الْمُعَلَّقُ عَلَى الشَّيْءِ وَمَا أَشْبَهَهُ - سَوَاءٌ كَانَ اسْمَ عَيْنٍ أَوْ اسْمَ صِفَةٍ جَامِدًا أَوْ مُشْتَقًّا وَسَوَاءٌ كَانَ جِنْسًا مَنْطِقِيًّا أَوْ فِقْهِيًّا أَوْ لَمْ يَكُنْ. بَلْ اسْمُ الْجِنْسِ فِي اللُّغَةِ تَدْخُلُ فِيهِ الْأَجْنَاسُ وَالْأَصْنَافُ وَالْأَنْوَاعُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَكُلُّهَا أَسْمَاءٌ مُتَوَاطِئَةٌ وَأَعْيَانُ مُسَمَّيَاتِهَا فِي الْخَارِجِ مُتَمَيِّزَةٌ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: ثُمَّ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ هَذَا مُعْتَقَدٌ سَلَفِيٌّ جَيِّدٌ (*).
стр. 1094
وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ تَيْمِيَّة لِأَخِيهِ زَيْنِ الدِّينِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ أَخِيهِ " عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ تَيْمِيَّة " إلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ الْفَاضِلِ الصَّدْرِ الْكَبِيرِ " زَيْنِ الدِّينِ " زَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِحِلْيَةِ أَوْلِيَائِهِ وَأَكْرَمَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِكَرَامَةِ أَصْفِيَائِهِ وَجَعَلَ لَهُ الْبُشْرَى بِالنَّصْرِ الْأَكْبَرِ عَلَى أَعْدَائِهِ وَأَوْزَعَهُ شُكْرَ النَّعْمَاءِ؛ خُصُوصًا أَفْضَلَ نَعْمَائِهِ: بِمَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْ النَّصْرِ الْعَزِيزِ لِلْإِسْلَامِ وَلِلسُّنَّةِ وَأَهْلِهَا عَلَى حِزْبِ الشَّيْطَانِ وَأَوْلِيَائِهِ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَحْمَدُ إلَيْك اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَهُوَ لِلْحَمْدِ أَهْلٌ، وَأُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. وَأُعَرِّفُهُ بِمَا مَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْنَا وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ بِالنَّصْرِ الْأَكْبَرِ وَالْفَتْحِ الْمُبِينِ. وَهُوَ وَإِنْ كَانَتْ الْعُقُولُ تَعْجِزُ عَنْ دَرْكِهِ عَلَى التَّفْضِيلِ وَالْأَلْسُنِ عَنْ وَصْفِهِ عَنْ التَّكْمِيلِ. لَكِنْ نَذْكُرُ مِنْهُ مَا يَسَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُلَخَّصًا خَالِيًا عَنْ التَّطْوِيلِ.
стр. 1095
وَهُوَ أَنَّهُ - لَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ الثَّامِنُ مِنْ رَجَبٍ - جَمَعَ نَائِبُ السُّلْطَانِ الْقُضَاةَ الْأَرْبَعَةَ وَنُوَّابَهُمْ وَالْمُفْتِينَ وَالْمَشَايِخَ: نَجْمَ الدِّينِ، وَشَمْسَ الدِّينِ وَتَقِيَّ الدِّينِ، وَجَمَالَ الدِّينِ، وَجَلَالَ الدِّينِ: نَائِبَ نَجْمِ الدِّينِ، وَشَمْسَ الدِّينِ بْنَ الْعِزِّ: نَائِبَ شَمْسِ الدِّينِ، وَعِزَّ الدِّينِ: نَائِبَ تَقِيِّ الدِّينِ، وَنَجْمَ الدِّينِ: نَائِبَ جَمَالِ الدِّينِ، وَالشَّيْخَ كَمَالَ الدِّينِ بْنَ الزملكاني، وَالشَّيْخَ كَمَالَ الدِّينِ بْنَ الشرشي، وَابْنَ الْوَكِيلِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَالشَّيْخَ بُرْهَانَ الدِّينِ بْنَ عَبْدِ الْحَقِّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّيْخَ شَمْسَ الدِّينِ الْحَرِيرِيَّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّيْخَ شِهَابَ الدِّينِ الْمَجْدَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَالشَّيْخَ مُحَمَّدَ بْنَ قَوَّامٍ، وَالشَّيْخَ مُحَمَّدَ بْنَ إبْرَاهِيمَ الأرموي. ثُمَّ سَأَلَ نَائِبُ السُّلْطَانِ عَنْ الِاعْتِقَادِ. فَقَالَ: لَيْسَ الِاعْتِقَادُ لِي وَلَا لِمَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنِّي؛ بَلْ الِاعْتِقَادُ يُؤْخَذُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ. يُؤْخَذُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَعْرُوفَةِ وَمَا ثَبَتَ عَنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ. فَقَالَ الْأَمِيرُ نُرِيدُ أَنْ تَكْتُبَ لَنَا صُورَةَ الِاعْتِقَادِ فَقَالَ الشَّيْخُ: إذَا قُلْت السَّاعَةَ شَيْئًا مِنْ حِفْظِي: قَدْ يَقُولُ الْكَذَّابُونَ قَدْ كَتَمَ بَعْضَهُ أَوْ دَاهَنَ. بَلْ أَنَا أُحْضِرُ مَا كَتَبْته قَبْلَ هَذَا الْمَجْلِسِ بِسِنِينَ مُتَعَدِّدَةٍ قَبْلَ مَجِيءِ التَّتَارِ. فَأَحْضَرْت " الواسطية " وَسَبَبُ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ: أَنَّ الَّذِي طَلَبَهَا مِنْ الشَّيْخِ رَجُلٌ مِنْ قُضَاةِ وَاسِطٍ - مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - قَدِمَ حَاجًّا مِنْ نَحْوِ عَشْرِ سِنِينَ وَكَانَ فِيهِ صَلَاحٌ كَبِيرٌ وَدِيَانَةٌ كَبِيرَةٌ فَالْتَمَسَ مِنْ الشَّيْخِ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ عَقِيدَةً فَقَالَ لَهُ
стр. 1096
الشَّيْخُ: النَّاسُ قَدْ كَتَبُوا فِي هَذَا الْبَابِ شَيْئًا كَثِيرًا فَخُذْ بَعْضَ عَقَائِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ تَكْتُبَ لِي أَنْتَ. فَكَتَبَ لَهُ - وَهُوَ قَاعِدٌ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ هَذِهِ " الْعَقِيدَةَ ". ذَكَرَ الشَّيْخُ لِلْأَمِيرِ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ ثُمَّ قُرِئَتْ عَلَى الْحَاضِرِينَ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا كَلِمَةً كَلِمَةً وَبَحَثَ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا، وَفِيهِمْ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِنْ الشَّيْخِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَكَانَ ظَنُّهُمْ أَنَّهُمْ إذَا تَكَلَّمُوا مَعَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَظْهَرُوا أَنَّهُ يُخَالِفُ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَأَوْرَدُوا ثَلَاثَةَ أَسْئِلَةٍ - فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ - وَهِيَ " تَسْمِيَتُهَا بِاعْتِقَادِ أَهْلِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ " وَقَوْلُ: " اسْتَوَى حَقِيقَةً " وَقَوْلُ: " فَوْقَ السَّمَوَاتِ " فَقَالَ الشَّيْخُ لِلْكَاتِبِ الَّذِي أَقْعَدَهُ نَائِبُ السُّلْطَانِ وَهُوَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الزملكاني: اُكْتُبْ جَوَابَهَا - وَكَانَ الْمَجْلِسُ قَدْ طَالَ مِنْ الضُّحَى إلَى قَرِيبِ الْعَصْرِ - فَأَشَارُوا بِتَأْخِيرِ ذَلِكَ إلَى مَجْلِسٍ ثَانٍ - وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثَانِي عَشَرَ رَجَبٍ - فَاجْتَمَعُوا هُمْ وَحَضَرَ مَعَهُمْ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَحَضَرْت أَنَا الْمَجْلِسَ الثَّانِيَ؛ وَمَا عَلِمْت بِالْمَجْلِسِ الْأَوَّلِ حِينَ حَضَرُوا - وَقَدْ كَانُوا بَحَثُوا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ بِالْفُصُوصِ وَطَالَعُوهُ - وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُبْقُوا مُمْكِنًا. فَلَمَّا حَضَرْت بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَاسْتَقَرَّ الْمَجْلِسُ: أَثْنَى النَّاسُ عَلَى الصَّفِيِّ الْهِنْدِيِّ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ هُوَ شَيْخُ الْجَمَاعَةِ وَكَبِيرُهُمْ فِي هَذَا؛ وَعَلَيْهِ اشْتَغَلَ النَّاسُ فِي هَذَا الْفَنِّ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ مَعَ الشَّيْخِ وَحْدَهُ فَإِذَا فَرَغَ تَكَلَّمَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ.
стр. 1097
فَخَطَبَ الشَّيْخُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِخُطْبَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ ثُمَّ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِالْجَمَاعَةِ والائتلاف، وَنَهَى عَنْ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ وَرَبُّنَا وَاحِدٌ، وَرَسُولُنَا وَاحِدٌ، وَكِتَابُنَا وَاحِدٌ وَدِينُنَا وَاحِدٌ؛ وَأُصُولُ الدِّينِ لَيْسَ بَيْنَ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ فِيهَا خِلَافٌ؛ وَلَا يَحِلُّ فِيهَا الِافْتِرَاقُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ وَيَقُولُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ . وَهَذَا الْبَابُ قَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهِ؛ وَيَقُولُ هَذَا: أَنَا حَنْبَلِيٌّ وَيَقُولُ هَذَا: أَنَا أَشْعَرِيٌّ وَقَدْ أَحْضَرْت كُتُبَ الْأَشْعَرِيِّ وَكُتُبَ أَكَابِرِ أَصْحَابِهِ: مِثْلَ كُتُبِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْبَاقِلَانِي وَأَحْضَرْت أَيْضًا مِنْ نَقْلِ مَذَاهِبِ السَّلَفِ: مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَشُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ وَأَنَّهُمْ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى اعْتِقَادٍ وَاحِدٍ. وَكَذَلِكَ أَحْضَرَ نَقْلَ شُيُوخِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: مِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ والطَّحَاوِي وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الصِّفَاتِ وَغَيْرِهَا فِي أُصُولِ الدِّينِ وَقَرَأَ فَصْلًا مِمَّا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي كِتَابِهِ " الْإِبَانَةِ " وَأَنَّهُ يَقُولُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَأَحْضَرَ " كِتَابَ التَّمْهِيدِ " لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْبَاقِلَانِي. وَأَحْضَرَ " النُّقُولَ " عَنْ مَالِكٍ وَأَكَابِرِ أَصْحَابِهِ: مِثْلَ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ بِتَصْرِيحِهِمْ أَنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ بِذَاتِهِ عَلَى الْعَرْشِ. وَقَالَ أَمَّا الَّذِي أَذْكُرُهُ فَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَأَحْضَرَ أَلْفَاظَهُمْ وَأَلْفَاظَ مَنْ
стр. 1098
نَقَلَ مَذَاهِبَهُمْ مِنْ الطَّوَائِفِ الْأَرْبَعَةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْمُتَكَلِّمِين وَالصُّوفِيَّةِ وَأَذْكُرُ مُوَافَقَةَ ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَنْفِيهِ الْعَقْلُ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يَجْمَعُ قُلُوبَ الْجَمَاعَةِ عَلَى ذَلِكَ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ وَإِنْ خَالَفَ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ كَانَ فِي كَلَامِ الْآخَرِ مَا أَقُولُهُ وَأَكْشِفُ الْأَسْرَارَ وَأَهْتِكُ الْأَسْتَارَ وَأُبَيِّنُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بَيَانُهُ وَأَجْتَمِعُ بِالسُّلْطَانِ وَأَقُولُ لَهُ كَلَامًا آخَرَ. وَكَانَ يَوْمًا عَظِيمًا مَشْهُودًا بُيِّنَ فِيهِ لِلْحَاضِرِينَ مِنْ الْبَحْثِ وَالنَّقْلِ أَمْرًا عَظِيمًا وَبَحَثَ عَنْ أَشْيَاءَ خَارِجَةٍ عَنْ " الْعَقِيدَةِ الواسطية " لَمَّا أَحْضَرَ لَهُمْ جَوَابَهُ: فِي مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ وَمَسْأَلَةِ الِاسْتِوَاءِ - لَمَّا سُئِلَ عَنْهَا قَدِيمًا مِنْ نَحْوِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً - وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ الْجَوَابِ وَسَأَلُوهُ عَنْ أَلْفَاظٍ فِي الْمَسْأَلَةِ " الحموية " وَأَوْرَدُوا عَلَيْهِ جَمِيعَ مَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ الْأَجْوِبَةِ وَقَالُوا هَذَا سُؤَالُنَا وَمَا بَقِيَ فِي أَنْفُسِنَا شَيْءٌ فَلَمَّا أَجَابَ الشَّيْخُ عَنْ أَسْئِلَتِهِمْ وَافَقُوهُ وَانْفَصَلَ الْمَجْلِسُ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ قَالَ لَهُمْ كُلُّ مَنْ خَالَفَ شَيْئًا مِمَّا قُلْته فَلْيَكْتُبْ بِخَطِّهِ خِلَافَهُ وَلْيَنْقُلْ فِيمَا خَالَفَ فِي ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ؛ أَوْ يَكْتُبُ كُلُّ شَخْصٍ عَقِيدَةً وَتُعْرَضُ هَذِهِ الْعَقَائِدُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ وَيُعْرَفُ أَيُّهَا الْمُوَافِقُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَالَ أَيْضًا مَنْ جَاءَ بِحَرْفِ وَاحِدٍ عَنْ السَّلَفِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرْت فَأَنَا أَصِيرُ إلَيْهِ وَأَنَا أُحْضِرُ نَقْلَ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا مَذْهَبَ السَّلَفِ كَمَا وَضَعْته وَأَنَا مُوَافِقُ السَّلَفِ
стр. 1099
وَمُنَاظِرٌ عَلَى ذَلِكَ؛ وَجَمِيعُ أَئِمَّةِ الطَّوَائِفِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةِ مُوَافِقُونَ مَا أَقُولُهُ. وَسَأَلُوهُ عَنْ الظَّاهِرِ هَلْ هُوَ مُوَافِقٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ هَذَا لَيْسَ فِي " الْعَقِيدَةِ " وَأَنَا أَتَبَرَّعُ بِالْجَوَابِ عَنْ أَكْثَرِ مَنْ حَكَى مَذْهَبَ السَّلَفِ - كالخطابي وَأَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ والبغوي وَأَبِي بَكْرٍ وأبي الْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ الْبَاقِلَانِي وَأَبِي عُثْمَانَ الصَّابُونِيِّ وَأَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَالسَّيْفِ الآمدي وَغَيْرِهِمْ فِي نَفْيِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ عَنْهَا وَأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَلَى الْكَلَامِ فِي الذَّاتِ: يُحْتَذَى فِيهِ حَذْوُهُ وَيُتَّبَعُ فِيهِ مِثَالُهُ؛ فَإِذَا كَانَ إثْبَاتُ الذَّاتِ إثْبَاتَ وُجُودٍ لِإِثْبَاتِ كَيْفِيَّةٍ؛ فَكَذَلِكَ إثْبَاتُ الصِّفَاتِ: إثْبَاتُ وُجُودٍ لَا إثْبَاتُ كَيْفِيَّةٍ.
وَقَدْ نَقَلَ طَائِفَةٌ. . . (١) (*) أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ أَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ. قَالَ: وَالْجَمْعُ بَيْنَ النَّقْلَيْنِ أَنَّ الظَّاهِرَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ؛ فَالظَّاهِرُ الَّذِي لَا يَلِيقُ إلَّا بِالْمَخْلُوقِ غَيْرُ مُرَادٍ وَأَمَّا الظَّاهِرُ اللَّائِقُ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ فَهُوَ مُرَادٌ: أَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَصِفَاتِهِ مِثْلَ الْحَيِّ وَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالسَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ؛ وَجَرَتْ بُحُوثٌ دَقِيقَةٌ لَا يَفْهَمُهَا إلَّا قَلِيلٌ مِنْ النَّاسِ. وَبُيِّنَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوْقَ عَرْشِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ بِجَلَالِهِ؛ وَلَا أَقُولُ стр. 1100
فَوْقَهُ كَالْمَخْلُوقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ كَمَا تَقُولُهُ الْمُشَبِّهَةُ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ لَا فَوْقَ السَّمَوَاتِ وَلَا عَلَى الْعَرْشِ رَبٌّ كَمَا تَقُولُهُ الْمُعَطِّلَةُ الْجَهْمِيَّة بَلْ يُقَالُ إنَّهُ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ. وَتَكَلَّمَ عَلَى لَفْظِ الْجِهَةِ؛ وَأَنَّهُ مَعْنًى مُشْتَرَكٌ وَعَلَى لَفْظِ الْحَقِيقَةِ. وَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ وَالصَّوْتِ فَأَجَابَ بِالتَّفْصِيلِ وَكَانَ أَجَابَ بِهِ قَدِيمًا - فَقَالَ: مَنْ قَالَ إنَّ صَوْتَ الْعَبْدِ بِالْقُرْآنِ وَمِدَادَ الْمُصْحَفِ قَدِيمٌ فَهُوَ مُخْطِئٌ ضَالٌّ وَلَمْ يَقُلْ بِهَذَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَلَا غَيْرِهِمْ. وَمَا نُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لَيْسَ الْقُرْآنُ إلَّا الصَّوْتُ الْمَسْمُوعُ مِنْ الْقَارِئِ وَالْمِدَادُ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ قَدِيمٌ فَهَذَا كَذِبٌ مُفْتَرًى. مَا قَالَهُ أَحْمَدُ وَأَحْضَرَ نُصُوصَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ مَنْ قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَقُولُ صَوْتِي بِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أَوْ يَقُولُ صَوْتِي بِهِ قَدِيمٌ وَحَرَّرَ الْكَلَامَ فِيهَا وَإِنَّ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِنَفْيِ الْحَرْفِ بِدْعَةٌ: لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ. بَلْ مَذْهَبُ السَّلَفِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ: حُرُوفُهُ وَمَعَانِيهِ؛ وَالْكَلَامُ يُضَافُ حَقِيقَةً إلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا؛ لَا إلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا وَأَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِصَوْتِ وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ. فَأَخَذَ نَائِبُ
стр. 1101
الْمَالِكِيِّ يَقُولُ: أَنْتَ تَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يُنَادِي بِصَوْتِ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: هَكَذَا قَالَ نَبِيُّك إنْ كُنْت مُؤْمِنًا بِهِ، وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إنْ كَانَ رَسُولًا عِنْدَك. وَجَعَلَ نَائِبُ السُّلْطَانِ كُلَّمَا ذَكَرَ حَدِيثًا وَعَزَاهُ إلَى الصَّحِيحَيْنِ يَقُولُ لَهُمْ: هَكَذَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُونَ نَعَمْ. فَيَقُولُ فَمَنْ قَالَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَيُّ شَيْءٍ يُقَالُ لَهُ. وَقَالَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ قُلْته مِنْ عِنْدِك قُلْته؟ فَقَالَ بَلْ أَنْقُلُهُ جَمِيعًا عَنْ نَبِيِّ الْأُمَّةِ ﷺ وَأُبَيِّنُ أَنَّ طَوَائِفَ الْإِسْلَامِ تَنْقُلُهُ عَنْ السَّلَفِ كَمَا نَقَلْته وَأَنَّ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ وَأَنَا أُنَاظِرُ عَلَيْهِ وَأَعْلَمُ كُلَّ مَنْ يُخَالِفُنِي بِمَذْهَبِهِ. وَانْزَعَجَ الشَّيْخُ انْزِعَاجًا عَظِيمًا عَلَى نَائِبِ الْمَالِكِيِّ وَالصَّفِيِّ الْهِنْدِيِّ وَأَسْكَتَهُمَا سُكُوتًا لَمْ يَتَكَلَّمَا بَعْدَهُ بِمَا يُذْكَرُ. وَجُزْئِيَّاتُ الْأُمُورِ لَا يَتَّسِعُ لَهَا هَذَا الْوَرَقُ، وَبَعْدَ الْمَجْلِسِ حَمَلَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ النَّقْلَ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ بِأَنَّ السَّلَفَ لَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ حَقِيقَةً وَأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِنَفْيِ الْجِهَةِ وَلَا يَنْطِقُونَ إلَّا بِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ رُسُلُهُ، وَخُصَّ الْعَرْشُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ وَإِنَّمَا جَهِلُوا كَيْفِيَّةَ الِاسْتِوَاءِ وَأَنَّهُ لَا تُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ؛ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ - يَعْنِي فِي اللُّغَةِ - وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ فَقَالَ الْمَالِكِيُّ مَا كُنَّا نَعْرِفُ هَذَا.
стр. 1102
وَبَعْدَ الْمَجْلِسِ حَصَلَ مِنْ ابْنِ الْوَكِيلِ وَغَيْرِهِ: مِنْ الْكَذِبِ وَالِاخْتِلَاقِ وَالتَّنَاقُضِ بِمَا عَلَيْهِ الْحَالُ مَا لَا يُوصَفُ. فَجَمِيعُ مَا يَرِدُ إلَيْك مِمَّا يُنَاقِضُ مَا ذَكَرْت: مِنْ الْأَكَاذِيبِ؛ وَالِاخْتِلَاقَاتِ فَتَعْلَمُ ذَلِكَ. وَلَمْ نَدْرِ إلَى الْآنَ كَيْفَ وَقَعَ الْأَمْرُ فِي مِصْرَ؛ إلَّا مَا فِي كِتَابِ السُّلْطَانِ أَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ الشَّيْخَ فُلَانًا كَتَبَ عَقِيدَةً يَدْعُو إلَيْهَا وَأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ أَنْكَرَهَا فَلْيُعْقَدْ لَهُ مَجْلِسٌ لِذَلِكَ وَلْتُطَالِعْ مَا يَقَعُ وَتَكْشِفُ أَنْتَ ذَلِكَ كَشْفًا شَافِيًا وَتُعَرِّفُنَا بِهِ. وَالسَّلَامُ عَلَيْك وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَعَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْكَبِيرِ الْعَالِمِ الْفَاضِلِ قُرَّةِ الْعَيْنِ عِزِّ الدِّينِ أَفْضَلُ السَّلَامِ وَكَذَلِكَ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ الْأَهْلِ وَالْأَصْحَابِ وَالْمَعَارِفِ وَالسَّلَامُ.
стр. 1103
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ: أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة فِي " جَوَابِ ". وَرَقَةٍ أُرْسِلَتْ إلَيْهِ فِي السِّجْنِ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِمِائَةٍ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا. مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ: أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ؛ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا. ﵌ تَسْلِيمًا. أَمَّا بَعْدُ قَدْ وَصَلَتْ " الْوَرَقَةُ " الَّتِي فِيهَا رِسَالَةُ الشَّيْخَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ الْعَالِمَيْنِ النَّاسِكَيْنِ الْقُدْوَتَيْنِ. أَيَّدَهُمَا اللَّهُ وَسَائِرَ الْإِخْوَانِ بِرُوحِ مِنْهُ وَكَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الْإِيمَانَ وَأَدْخَلَهُمْ مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرَجَهُمْ مُخْرَجَ صِدْقٍ وَجَعَلَهُمْ مِمَّنْ يُنْصَرُ بِهِ السُّلْطَانُ: سُلْطَانُ الْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ وَالْبُرْهَانِ. وَسُلْطَانُ الْقُدْرَةِ وَالنَّصْرِ بِالسِّنَانِ وَالْأَعْوَانِ. وَجَعَلَهُمْ مِنْ أَوْلِيَائِهِ الْمُتَّقِينَ وَجُنْدِهِ الْغَالِبِينَ: لِمَنْ نَاوَأَهُمْ مِنْ الْأَقْرَانِ وَمِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ: الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الصَّبْرِ
стр. 1104
وَالْإِيقَانِ؛ وَاَللَّهُ مُحَقِّقٌ ذَلِكَ وَمُنْجِزٌ وَعْدَهُ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ؛ وَمُنْتَقِمٌ مِنْ حِزْبِ الشَّيْطَانِ: لِعِبَادِ الرَّحْمَنِ. لَكِنْ بِمَا اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وَمَضَتْ بِهِ سُنَّتُهُ. مِنْ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ. الَّذِي يُخَلِّصُ اللَّهُ بِهِ أَهْلَ الصِّدْقِ وَالْإِيمَانِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَالْبُهْتَانِ؛ إذْ قَدْ دَلَّ كِتَابُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْفِتْنَةِ لِكُلِّ مِنْ الدَّاعِي إلَى الْإِيمَانِ وَالْعُقُوبَةِ لِذَوِي السَّيِّئَاتِ وَالطُّغْيَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الم﴾ ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ . ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ . فَأَنْكَرَ سُبْحَانَهُ عَلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّ أَهْلَ السَّيِّئَاتِ يُفَوِّتُونَ الطَّالِبَ وَأَنَّ مُدَّعِي الْإِيمَانِ يُتْرَكُونَ بِلَا فِتْنَةٍ تُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ، وَأَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ الصِّدْقَ فِي الْإِيمَانِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ . وَأَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ بِخُسْرَانِ الْمُنْقَلَبِ عَلَى وَجْهِهِ عِنْدَ الْفِتْنَةِ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهَا عَلَى حَرْفٍ وَهُوَ الْجَانِبُ وَالطَّرْفُ الَّذِي لَا يَسْتَقِرُّ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ بَلْ لَا يَثْبُتُ الْإِيمَانُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ مَا يَهْوَاهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ
стр. 1105
عَلَى حَرْفٍ﴾ الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ . وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُرْتَدِّينَ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْمُحِبِّينَ الْمَحْبُوبِينَ الْمُجَاهِدِينَ فَقَالَ ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ الْآيَةَ. وَهَؤُلَاءِ هُمْ الشَّاكِرُونَ لِنِعْمَةِ الْإِيمَانِ الصَّابِرُونَ عَلَى الِامْتِحَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . فَإِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِالصَّبْرِ وَالشُّكْرِ: كَانَ جَمِيعُ مَا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ مِنْ الْقَضَاءِ خَيْرًا لَهُ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " ﴿لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ قَضَاءٍ إلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ: إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ
стр. 1106
فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ﴾ " وَالصَّابِرُ الشَّكُورُ هُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ. وَمَنْ لَمْ يُنْعِمْ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالصَّبْرِ وَالشُّكْرِ فَهُوَ بِشَرِّ حَالٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ فِي حَقِّهِ يُفْضِي إلَى قَبِيحِ الْمَآلِ؛ فَكَيْفَ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ مِحَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَفِيهَا تَثْبِيتُ أُصُولِ الدِّينِ، وَحِفْظُ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ مِنْ كَيْدِ أَهْلِ النِّفَاقِ وَالْإِلْحَادِ وَالْبُهْتَانِ. فَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ. وَاَللَّهُ هُوَ الْمَسْئُولُ أَنْ يُثَبِّتَكُمْ وَسَائِرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُتِمَّ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ الْبَاطِنَةَ وَالظَّاهِرَةَ وَيَنْصُرَ دِينَهُ وَكِتَابَهُ وَعِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ: الَّذِي أُمِرْنَا بِجِهَادِهِمْ وَالْإِغْلَاظِ عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ. وَأَنْتُمْ فَابْشُرُوا مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ وَالسُّرُورِ بِمَا لَمْ يَخْطِرْ فِي الصُّدُورِ. وَشَأْنُ هَذِهِ " الْقَضِيَّةِ " وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا أَكْبَرُ مِمَّا يَظُنُّهُ مَنْ لَا يُرَاعِي إلَّا جُزْئِيَّاتِ الْأُمُورِ. وَلِهَذَا كَانَ فِيمَا خَاطَبْت بِهِ أَمِينَ الرَّسُولِ عَلَاءَ الدِّينِ الطيبرسي أَنْ قُلْت: هَذِهِ " الْقَضِيَّةُ " لَيْسَ الْحَقُّ فِيهَا لِي بَلْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ شَرْقِ الْأَرْضِ إلَى مَغْرِبِهَا؛ وَأَنَا لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أُبَدِّلَ الدِّينَ وَلَا أُنَكِّسَ رَايَةَ الْمُسْلِمِينَ. وَلَا أَرْتَدَّ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ لِأَجْلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ.
стр. 1107
نَعَمْ يُمْكِنُنِي أَنْ لَا أَنْتَصِرَ لِنَفْسِي وَلَا أُجَازِيَ مَنْ أَسَاءَ إلَيَّ وَافْتَرَى عَلَيَّ وَلَا أَطْلُبُ حَظِّي وَلَا أَقْصِدُ إيذَاءَ أَحَدٍ بِحَقِّي وَهَذَا كُلُّهُ مَبْذُولٌ مِنِّي وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَنَفْسِي طَيِّبَةٌ بِذَلِكَ وَكُنْت قَدْ قُلْت لَهُ الضَّرَرُ فِي هَذِهِ " الْقَضِيَّةِ " لَيْسَ عَلَيَّ؛ بَلْ عَلَيْكُمْ. فَإِنَّ الَّذِينَ أَثَارُوهَا مِنْ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ: الَّذِينَ يُبْغِضُونَهُ وَيُبْغِضُونَ أَوْلِيَاءَهُ وَالْمُجَاهِدِينَ عَنْهُ وَيَخْتَارُونَ انْتِصَارَ أَعْدَائِهِ مِنْ التَّتَارِ وَنَحْوِهِمْ. وَهُمْ دَبَّرُوا عَلَيْكُمْ حِيلَةً يُفْسِدُونَ بِهَا مِلَّتَكُمْ وَدَوْلَتَكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى بُلْدَانِ التَّتَارِ وَبَعْضُهُمْ مُقِيمٌ بِالشَّامِ وَغَيْرِهِ؛ وَلِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ أَسْرَارٌ لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَذْكُرَهَا وَلَا أُسَمِّيَ مَنْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ حَتَّى تُشَاوِرُوا نَائِبَ السُّلْطَانِ فَإِنْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ ذَكَرْت لَك ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا يُقَالُ ذَلِكَ لَهُ وَمَا أَقُولُهُ فَاكْشِفُوهُ أَنْتُمْ فَاسْتَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ يَا مَوْلَانَا: أَلَا تُسَمِّي لِي أَنْتَ أَحَدًا؟ فَقُلْت: وَأَنَا لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ. لَكِنْ تَعْرِفُونَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ أَنَّهُمْ قَصَدُوا فَسَادَ دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ. وَجَعَلُونِي إمَامًا تَسَتُّرًا؛ لِعِلْمِهِمْ بِأَنِّي أُوَالِيكُمْ وَأَسْعَى فِي صَلَاحِ دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ وَسَوْفَ إنْ شَاءَ اللَّهُ يَنْكَشِفُ الْأَمْرُ. قُلْت لَهُ وَإِلَّا فَأَنَا عَلَى أَيِّ شَيْءٍ أَخَافُ إنْ قُتِلْت كُنْت مِنْ أَفْضَلِ الشُّهَدَاءِ وَكَانَ عَلَيَّ الرَّحْمَةُ وَالرِّضْوَانُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَانَ عَلَى مَنْ قَتَلَنِي اللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابُ فِي الْآخِرَةِ لِيَعْلَمَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنِّي إنْ قُتِلْت
стр. 1108
لِأَجْلِ دِينِ اللَّهِ وَإِنْ حُبِسْت فَالْحَبْسُ فِي حَقِّي مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ ووالله مَا أُطِيقُ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيَّ فِي هَذَا الْحَبْسِ وَلَيْسَ لِي مَا أَخَافُ النَّاسَ عَلَيْهِ لَا أَقْطَاعِي وَلَا مَدْرَسَتِي وَلَا مَالِي وَلَا رِيَاسَتِي وَجَاهِي. وَإِنَّمَا الْخَوْفُ عَلَيْكُمْ إذَا ذَهَبَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ وَفَسَدَ دِينُكُمْ الَّذِي تَنَالُونَ بِهِ سَعَادَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهَذَا كَانَ مَقْصُودُ الْعَدُوِّ الَّذِي أَثَارَ هَذِهِ الْفِتْنَةَ. وَقُلْت: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بِمِصْرِ مِنْ الْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالْمَشَايِخِ: إخْوَانِي وَأَصْحَابِي؛ أَنَا مَا أَسَأْت إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ قَطُّ وَمَازِلْت مُحْسِنًا إلَيْهِمْ فَأَيُّ شَيْءٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَلَكِنْ لَبَّسَ عَلَيْهِمْ الْمُنَافِقُونَ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ. وَأَنَا أَقُولُ لَكُمْ - لَكِنْ لَمْ يَتَّفِقْ أَنِّي قُلْت هَذَا لَهُ - إنَّ فِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يَسْمَعُ كَلَامَ الْمُنَافِقِينَ وَيُطِيعُهُمْ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَافِقًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ . وَالنِّفَاقُ لَهُ شُعَبٌ وَدَعَائِمُ؛ كَمَا أَنَّ لِلْإِيمَانِ شُعَبًا وَدَعَائِمَ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا ائتمن خَانَ﴾ وَفِيهِمَا أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: " ﴿أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ وَإِذَا ائتمن خَانَ﴾ ".
стр. 1109
وَقُلْت لَهُ: هَذِهِ الْقَضِيَّةُ أَكْبَرُ مِمَّا فِي نُفُوسِكُمْ؛ فَإِنَّ طَائِفَةً مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاءِ ذَهَبُوا إلَى بِلَادِ التتر. فَقَالَ: إلَى بِلَادِ التتر؟ فَقُلْت نَعَمْ. هُمْ مِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى تَحْرِيكِ الشَّرِّ عَلَيْكُمْ إلَى أُمُورٍ أُخْرَى لَا يَصْلُحُ أَنْ أَذْكُرَهَا لَك. وَكَانَ قَدْ قَالَ لِي: فَأَنْتَ تُخَالِفُ الْمَذَاهِبَ الْأَرْبَعَةَ؛ وَذَكَرَ حُكْمَ الْقُضَاةِ الْأَرْبَعَةِ فَقُلْت لَهُ: بَلْ الَّذِي قُلْته عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ الْمَذَاهِبُ وَقَدْ أَحْضَرْت فِي الشَّامِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ كِتَابًا: مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالْمُتَكَلِّمِين وَالصُّوفِيَّةِ كُلُّهَا تُوَافِقُ مَا قُلْته بِأَلْفَاظِهِ؛ وَفِي ذَلِكَ نُصُوصُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا. وَلَمْ يَسْتَطِعْ الْمُنَازِعُونَ مَعَ طُولِ تَفْتِيشِهِمْ كُتُبَ الْبَلَدِ وَخَزَائِنَهُ أَنْ يُخْرِجُوا مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَسَلَفِهِ. وَكَانَ لَمَّا أَعْطَانِي الدُّرْجَ. فَتَأَمَّلْته فَقُلْت لَهُ: هَذَا كُلُّهُ كَذِبٌ؛ إلَّا كَلِمَةً وَاحِدَةً. وَهِيَ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ حَقِيقَةً؛ لَكِنْ بِلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ. قُلْت وَهَذَا هُوَ فِي " الْعَقِيدَةِ " بِهَذَا اللَّفْظِ بِلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ وَلَا تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ. فَقَالَ: فَاكْتُبْ خَطَّك بِهَذَا. قُلْت: هَذَا مَكْتُوبٌ قَبْلَ ذَلِكَ فِي " الْعَقِيدَةِ " وَلَمْ أَقُلْ: بِمَا يُنَاقِضُهُ؛ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي تَجْدِيدِ الْخَطِّ. وَقُلْت: هَذَا اللَّفْظُ قَدْ حَكَى إجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ: الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ؛ وَمَا فِي عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ مَنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ إلَّا هَؤُلَاءِ الْخُصُومُ.
стр. 1110
قُلْت: فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: مَا فَوْقَ الْعَرْشِ رَبٌّ يُدْعَى وَلَا فَوْقَ السَّمَاءِ إلَهٌ يُعْبَدُ؛ وَمَا هُنَاكَ إلَّا الْعَدَمُ الْمَحْضُ وَالنَّفْيُ الصِّرْفُ وَأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يُعْرَجْ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ وَلَكِنْ صَعِدَ إلَى السَّمَاءِ وَنَزَلَ. وَأَنَّ الدَّاعِيَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَى اللَّهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ هُوَ هَذَا الْوُجُودُ؛ وَأَنَا اللَّهُ؛ وَأَنْتَ اللَّهُ؛ وَالْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَالْعَذِرَةُ وَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَالٌّ فِي ذَلِكَ. فَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ وَهَالَهُ أَنَّ أَحَدًا يَقُولُ هَذَا. فَقَالَ " هَؤُلَاءِ " يَعْنِي ابْنَ مَخْلُوفٍ وَذَوِيهِ فَقُلْت: هَؤُلَاءِ مَا سَمِعْت كَلَامَهُمْ وَلَا خَاطَبُونِي بِشَيْءِ؛ فَمَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَقُولَ عَنْهُمْ مَا لَمْ أَعْلَمْهُ؛ وَلَكِنَّ هَذَا قَوْلُ الَّذِينَ نَازَعُونِي بِالشَّامِ وَنَاظَرُونِي وَصَرَّحُوا لِي بِذَلِكَ وَصَرَّحَ أَحَدُهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ مِنْ الرَّسُولِ ﷺ مَا يَقُولُهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا يُخَالِفُهُمْ. وَجَعَلَ الرَّجُلُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ يُصْغِي لِمَا أَقُولُهُ وَيَعِيهِ: لَمَّا رَأَى غَضَبِي وَلِهَذَا بَلَغَنِي مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ خَرَجَ فَرِحًا مَسْرُورًا بِمَا سَمِعَهُ مِنِّي. وَقَالَ: هَذَا عَلَى الْحَقِّ وَهَؤُلَاءِ قَدْ ضَيَّعُوا اللَّهَ وَإِلَّا فَأَيْنَ هُوَ اللَّهُ؟ وَهَكَذَا يَقُولُ كُلُّ ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ. كَمَا قَالَهُ: جَمَالُ الدِّينِ الْأَخْرَمُ لِلْمَلِكِ الْكَامِلِ لَمَّا خَاطَبَهُ الْمَلِكُ الْكَامِلُ فِي أَمْرِ هَؤُلَاءِ فَقَالَ لَهُ الْأَخْرَمُ: هَؤُلَاءِ قَدْ ضَيَّعُوا إلَهَك فَاطْلُبْ لَك إلَهًا تَعْبُدْهُ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ اللَّهَ حَيٌّ حَقِيقَةً عَلِيمٌ حَقِيقَةً قَدِيرٌ حَقِيقَةً سَمِيعٌ حَقِيقَةً بَصِيرٌ حَقِيقَةً إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَإِنَّمَا يُنْكِرُ ذَلِكَ
стр. 1111
الْفَلَاسِفَةُ الْبَاطِنِيَّةُ. فَيَقُولُونَ: نُطْلِقُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ وَلَا نَقُولُ إنَّهَا حَقِيقَةٌ. وَغَرَضُهُمْ بِذَلِكَ جَوَازُ نَفْيِهَا فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَا حَيَّ حَقِيقَةً وَلَا مَيِّتَ حَقِيقَةً وَلَا عَالِمَ وَلَا جَاهِلَ وَلَا قَادِرَ وَلَا عَاجِزَ وَلَا سَمِيعَ وَلَا أَصَمَّ. فَإِذَا قَالُوا إنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ مَجَازٌ: أَمْكَنَهُمْ نَفْيُ ذَلِكَ لِأَنَّ عَلَامَةَ الْمَجَازِ صِحَّةُ نَفْيِهِ. فَكُلُّ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً لَزِمَهُ جَوَازُ إطْلَاقِ نَفْيِهِ فَمَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ حَقِيقَةً فَإِنَّهُ يَقُولُ لَيْسَ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى كَمَا أَنَّ مَنْ قَالَ إنَّ لَفْظَ الْأَسَدِ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ وَالْحِمَارِ لِلْبَلِيدِ لَيْسَ بِحَقِيقَةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ صِحَّةُ نَفْيِهِ. فَيَقُولُ: هَذَا لَيْسَ بِأَسَدِ وَلَا بِحِمَارِ وَلَكِنَّهُ آدَمِيٌّ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ لَهُمْ لَا يَسْتَوِي اللَّهُ عَلَى الْعَرْشِ. كَقَوْلِ إخْوَانِهِمْ لَيْسَ هُوَ بِسَمِيعِ وَلَا بَصِيرٍ وَلَا مُتَكَلِّمٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عِنْدَهُمْ مَجَازٌ. فَيَأْتُونَ إلَى مَحْضِ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ يُقَابِلُونَهُ بِالنَّفْيِ وَالرَّدِّ؛ كَمَا يُقَابِلُهُ الْمُشْرِكُونَ بِالتَّكْذِيبِ؛ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَنْفُونَ اللَّفْظَ مُطْلَقًا. وَقَالَ الطلمنكي أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ - قَبْلَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ والباجي وَطْبِ قتهما - فِي " كِتَابِ الْوُصُولِ إلَى مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ ": أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْقُرْآنِ: أَنَّ ذَلِكَ عِلْمُهُ وَأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ بِذَاتِهِ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ كَيْفَ شَاءَ. وَقَالَ أَيْضًا: قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
стр. 1112
اسْتَوَى﴾ إنَّ الِاسْتِوَاءَ مِنْ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ الْمَجِيدِ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لَا عَلَى الْمَجَازِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي " التَّمْهِيدِ " - شَرْحِ الْمُوَطَّأِ وَهُوَ أَشْرَفُ كِتَابٍ صُنِّفَ فِي فَنِّهِ - لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى حَدِيثِ النُّزُولِ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي صِحَّتِهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ كَمَا قَالَتْ الْجَمَاعَةُ وَهُوَ مِنْ حُجَّتِهِمْ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ؛ وَلَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ. قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ: أَهْلُ الْحَقِّ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وَقَالَ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وَقَالَ ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إلَيْهِ﴾ وَقَالَ ﴿يَا عِيسَى إنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إلَيَّ﴾ وَذَكَرَ آيَاتٍ. إلَى أَنْ قَالَ: وَهَذَا أَشْهَرُ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى أَكْثَرَ مِنْ حِكَايَتِهِ لِأَنَّهُ اضْطِرَارٌ لَمْ يُوقِفْهُمْ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَلَا خَالَفَهُمْ فِيهِ مُسْلِمٌ. وَهَذَا مِثْلُ مَا ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الهمداني أَنَّهُ حَضَرَ مَجْلِسَ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ فَقَالَ: " كَانَ اللَّهُ وَلَا عَرْشَ " فَقَالَ: يَا أُسْتَاذُ دَعْنَا مِنْ ذِكْرِ الْعَرْشِ. أَخْبِرْنَا عَنْ هَذِهِ الضَّرُورَاتِ الَّتِي نَجِدْهَا فِي قُلُوبِنَا مَا قَالَ عَارِفٌ قَطُّ يَا اللَّهُ إلَّا وَجَدَ فِي قَلْبِهِ ضَرُورَةً تَطْلُبُ الْعُلُوَّ لَا تَلْتَفِتُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً. فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ: حَيَّرَنِي الهمداني، حَيَّرَنِي الهمداني: أَرَادَ الشَّيْخُ أَنَّ إقْرَارَ
стр. 1113
الْفِطَرِ بِأَنَّ مَعْبُودَهَا وَمَدْعُوَّهَا فَوْقَ: هُوَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ عَقْلِيٌّ فِطْرِيٌّ لَمْ تَسْتَفِدْهُ مِنْ مُجَرَّدِ السَّمْعِ بِخِلَافِ الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ - بَعْدَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ - فَإِنَّ هَذَا عُلِمَ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ. وَلِهَذَا لَا تُعْرَفُ أَيَّامُ الْأُسْبُوعِ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْمُقِرِّينَ بِالنُّبُوَّاتِ فَأَمَّا مَنْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ كَالتُّرْكِ الْمُشْرِكِينَ فَلَيْسَ فِي لُغَتِهِمْ أَسْمَاءُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ. وَهَذَا مِنْ حِكْمَةِ اجْتِمَاعِ أَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فِي الْأُسْبُوعِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " ﴿الْيَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ وَبَعْدَ غَد لِلنَّصَارَى﴾ ". وَبَسَطَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ. إلَى أَنْ قَالَ: وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لَهُمْ؛ لِأَنَّ عُلَمَاءَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ قَالُوا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ عَلَى الْعَرْشِ وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَمَا خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ كُلِّهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِيمَانِ بِهَا وَحَمْلِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لَا عَلَى الْمَجَازِ؛ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُكَيِّفُونَ شَيْئًا وَلَا يَحُدُّونَ فِيهِ صِفَةً مَحْصُورَةً. وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ: الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ فَكُلُّهُمْ يُنْكِرُهَا؛ وَلَا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَا مُشَبِّهٌ وَهُمْ - عِنْدَ مَنْ أَقَرَّ بِهَا - نَافُونَ لِلْمَعْبُودِ وَالْحَقُّ مَا نَطَقَ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ ﷺ وَهُمْ أَئِمَّةُ الْجَمَاعَةِ.
стр. 1114
وَقَالَ أَيْضًا الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَأَئِمَّةُ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا: الْإِيمَانُ بِمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ وَالتَّصْدِيقُ بِذَلِكَ وَتَرْكُ التَّحْدِيدِ وَالْكَيْفِيَّةُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. وَقَالَ السجزي فِي " الْإِبَانَةِ " وَأَئِمَّتُنَا كَالثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَابْنِ عُيَيْنَة، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ والْفُضَيْل وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ: مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِذَاتِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ وَأَنَّ عِلْمَهُ بِكُلِّ مَكَانٍ وَأَنَّهُ يُرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْأَبْصَارِ فَوْقَ الْعَرْشِ وَأَنَّهُ يَنْزِلُ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَأَنَّهُ يَغْضَبُ وَيَرْضَى وَيَتَكَلَّمُ بِمَا شَاءَ. فَمَنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَهُمْ مِنْهُ بُرَآءُ. وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ فِي " الغنية " أَمَّا مَعْرِفَةُ الصَّانِعِ بِالْآيَاتِ وَالدَّلَالَاتِ - عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ - فَهُوَ أَنْ يَعْرِفَ وَيَتَيَقَّنَ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ أَحَدٌ صَمَدٌ. إلَى أَنْ قَالَ: وَهُوَ بِجِهَةِ الْعُلُوِّ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ مُحْتَوٍ عَلَى الْمُلْكِ مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِالْأَشْيَاءِ. قَالَ: وَلَا يَجُوزُ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ؛ بَلْ يُقَالُ: إنَّهُ فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ. إلَى أَنْ قَالَ: وَيَنْبَغِي إطْلَاقُ صِفَةِ الِاسْتِوَاءِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَأَنَّهُ اسْتِوَاءُ الذَّاتِ عَلَى الْعَرْشِ. قَالَ: وَكَوْنُهُ عَلَى الْعَرْشِ فِي كُلِّ كِتَابٍ أُنْزِلَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ أُرْسِلَ بِلَا تَكْيِيفٍ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ " نَصْرٌ المقدسي " فِي " كِتَابِ الْحُجَّةِ " عَنْ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْت أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ السُّنَّةِ؟ فَقَالَا أَدْرَكْنَا الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ
стр. 1115
الْأَمْصَارِ: حِجَازًا وَعِرَاقًا وَمِصْرَ وَشَامًا ويَمَنًا؛ فَكَانَ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ: أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ. وَالْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ؛ غَيْرُ مَخْلُوقٍ بِجَمِيعِ جِهَاتِهِ إلَى أَنْ قَالَ: وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ بِلَا كَيْفٍ. أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. وَقَالَ الشَّيْخُ نَصْرٌ فِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ إنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ ذَكَرْت مَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ: مِنْ اتِّبَاعِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ وَالْعُلَمَاءُ. فَاذْكُرْ مَذْهَبَهُمْ وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ الَّذِي أَدْرَكْنَا عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ وَمَنْ بَلَغَنِي قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِهِمْ. فَذَكَرَ مُجْمَلَ " اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّة " وَفِيهِ: وَأَنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ. كَمَا قَالَ: فِي كِتَابِهِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الكرجي الشَّافِعِيُّ فِي " قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ فِي السُّنَّةِ ":
عَقِيدَتُهُمْ أَنَّ الْإِلَهَ بِذَاتِهِ … عَلَى عَرْشِهِ مَعَ عِلْمِهِ بالغوائب
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ - صَاحِبُ التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ - فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ قَالَ هَذِهِ " مَسْأَلَةُ الِاسْتِوَاءِ " وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا كَلَامٌ. فَذَكَرَ قَوْلَ الْمُتَكَلِّمِينَ. ثُمَّ قَالَ: كَانَ السَّلَفُ الْأَوَّلُ لَا يَقُولُونَ بِنَفْيِ الْجِهَةِ وَلَا يَنْطِقُونَ بِذَلِكَ. بَلْ نَطَقُوا هُمْ وَالْكَافَّةُ بِإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ، كَمَا نَطَقَ بِهِ كِتَابُهُ وَأَخْبَرَتْ
стр. 1116
بِهِ رُسُلُهُ. قَالَ: وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا جَهِلُوا كَيْفِيَّةَ الِاسْتِوَاءِ. فَإِنَّهُ لَا تُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ. ثُمَّ قَالَ: بَعْدَ أَنْ حَكَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَوْلًا - وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ مَا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الْآيُ وَالْأَخْبَارُ وَالْفُضَلَاءُ الْأَخْيَارُ: أَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ بِلَا كَيْفٍ. بَائِنٌ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ. هَذَا مَذْهَبُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِيمَا نَقَلَهُ الثِّقَاتُ عَنْهُمْ. وَلَمَّا اجْتَمَعْنَا بِدِمَشْقَ وَأَحْضَرَ فِيمَا أَحْضَرَ كُتُبَ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ: مِثْلَ " الْمَقَالَاتِ " وَ " الْإِبَانَةِ " وَأَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ فورك وَالْبَيْهَقِي وَغَيْرِهِمْ. وَأَحْضَرَ كِتَابَ " الْإِبَانَةِ " وَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي كِتَابِ " تَبْيِينِ كَذِبِ الْمُفْتَرِي فِيمَا نُسِبَ إلَى الْأَشْعَرِيِّ " وَقَدْ نَقَلَهُ بِخَطِّهِ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيُّ. وَقَالَ فِيهِ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ أَنْكَرْتُمْ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّة والحرورية وَالرَّافِضَةِ وَالْمُرْجِئَةِ: فَعِّ رفونا قَوْلَكُمْ الَّذِي بِهِ تَقُولُونَ. قِيلَ لَهُ: قَوْلُنَا: التَّمَسُّكُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. وَنَحْنُ بِذَلِكَ مُعْتَصِمُونَ وَبِمَا كَانَ يَقُولُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَرَفَعَ دَرَجَتَهُ وَأَجْزَلَ مَثُوبَتَهُ قَائِلُونَ وَلِمَا خَالَفَ قَوْلَهُ مُجَانِبُونَ، لِأَنَّهُ الْإِمَامُ الْفَاضِلُ الَّذِي أَبَانَ اللَّهُ بِهِ الْحَقَّ عِنْدَ ظُهُورِ الضَّلَالِ وَأَوْضَحَ بِهِ الْمِنْهَاجَ وَقَمَعَ بِهِ بِدَعَ الْمُبْتَدِعِينَ وَزَيْغَ الزَّائِغِينَ وَشَكَّ الشَّاكِّينَ.
стр. 1117
وَذَكَرَ الِاعْتِقَادَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي " الْمَقَالَاتِ " عَنْ أَهْلِ السُّنَّة ثُمَّ احْتَجَّ عَلَى أَبْوَابِ الْأُصُولِ مِثْلَ " مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ " " وَالرُّؤْيَةِ " " وَالصِّفَاتِ "
ثُمَّ قَالَ: بَابُ ذِكْرِ الِاسْتِوَاءِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا تَقُولُونَ فِي الِاسْتِوَاءِ: قِيلَ بِأَنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ. كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وَقَالَ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ وَقَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إلَى إلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ كَذَّبَ مُوسَى فِي قَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ. وَقَالَ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ وَالسَّمَوَاتُ فَوْقَهَا الْعَرْشُ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْعَرْشَ الَّذِي هُوَ عَلَى السَّمَوَاتِ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ السَّمَوَاتِ فَقَالَ: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ لَمْ يُرِدْ أَنَّ الْقَمَرَ يَمْلَؤُهُنَّ جَمِيعًا وَأَنَّهُ فِيهِنَّ جَمِيعًا. وَرَأَيْنَا الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إذَا دَعَوْا نَحْوَ الْعَرْشِ. قَالَ وَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ: مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة والحرورية إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أَيْ اسْتَوْلَى وَمَلَكَ وَقَهَرَ. وَاَللَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَجَحَدُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَهُ أَهْلُ الْحَقِّ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا: كَانَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَرْشِ وَبَيْنَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَقَدَّرَ ذَلِكَ.
стр. 1118
وَسَاقَ الْكَلَامَ إلَى أَنْ قَالَ: وَمِمَّا يُؤَكِّدُ لَكُمْ أَنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ دُونَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مَا نَقَلَهُ أَهْلُ الرِّوَايَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ قَوْلِهِ " ﴿يَنْزِلُ اللَّهُ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ فَيَقُولُ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيهِ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرُ لَهُ؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ﴾ " ثُمَّ ذَكَرَ الْأَحَادِيثَ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا عِيسَى إنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَالَ: وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ رَفَعَ عِيسَى إلَى السَّمَاءِ. وَذَكَرَ دَلَائِلَ. إلَى أَنْ قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ فِي خَلْقِهِ وَلَا خَلْقُهُ فِيهِ وَأَنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ جَلَّ وَعَزَّ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. جَلَّ عَمَّا يَقُولُ الَّذِينَ لَمْ يُثْبِتُوا لَهُ فِي وَصْفِهِمْ لَهُ حَقِيقَةً وَلَا أَوْجَبُوا لَهُ بِذِكْرِهِمْ إيَّاهُ وَحْدَانِيَّةً، إذَا كَانَ كَلَامُهُمْ يُؤَوَّلُ إلَى التَّعْطِيلِ وَجَمِيعُ أَوْصَافِهِمْ عَلَى النَّفْيِ فِي التَّأْوِيلِ: يُرِيدُونَ بِذَلِكَ فِيمَا زَعَمُوا التَّنْزِيهَ وَنَفْيَ التَّشْبِيهِ، فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ تَنْزِيهٍ يُوجِبُ النَّفْيَ وَالتَّعْطِيلَ، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لَا يُحْصَرُ فِيهِ كَلَامُ الْعُلَمَاءِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ وَمَا يُعَارِضُ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ حُجَجِ الْنُّفَاةِ وَالْجَوَابِ عَنْهَا، وَقَدْ كَتَبْت فِي هَذَا مَا يَجِيءُ عِدَّةَ مُجَلَّدَاتٍ وَذَكَرْت فِيهَا مَقَالَاتِ الطَّوَائِفِ جَمِيعِهَا، وَحُجَجَهَا الشَّرْعِيَّةَ وَالْعَقْلِيَّةَ وَاسْتَوْعَبْت مَا ذَكَرَهُ الرَّازِي فِي كِتَابِ " تَأْسِيسِ التَّقْدِيسِ " " وَنِهَايَةِ الْعُقُولِ " وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى أَتَيْت عَلَى مَذَاهِبِ
стр. 1119
الْفَلَاسِفَةِ الْمَشَّائِينَ أَصْحَابِ أَرِسْطُو وَغَيْرِ الْمَشَّائِينَ مُتَقَدِّمِيهِمْ وَمُتَأَخِّرِيهِمْ: كَأَفْضَلِ مُتَأَخِّرِيهِمْ " ابْنِ سِينَا " وَأَوْحَدِهِمْ فِي زَمَانِهِ " أَبِي الْبَرَكَاتِ " وَذَكَرْت حُجَجَهُمْ. فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْبَابَ قَدْ كَثُرَ فِيهِ الِاضْطِرَابُ وَحَارَ فِيهِ طَوَائِفُ مِنْ الْفُضَلَاءِ الْأَذْكِيَاءِ؛ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُمْ. وَقَرَّرْت الْأَدِلَّةَ اللَّفْظِيَّةَ الصَّحِيحَةَ وَمَيَّزْت بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشُّبُهَاتِ الْفَاسِدَةِ، مَعَ مَا يَجِيءُ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ مِنْ أُصُولٍ عَظِيمَةٍ وَقَوَاعِدَ جَسِيمَةٍ. مِنْ أَوَّلِهَا - وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ الْأُمُورِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ - مِنْ تَقْرِيرِ اسْتِدَارَةِ الْأَفْلَاكِ. فَإِنِّي قَرَّرْت ذَلِكَ وَذَكَرْت كَلَامَ مَنْ ذَكَرَ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ: مِثْلُ ابْنِ الْمُنَادِي وَابْنِ حَزْمٍ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْحِسَابِيَّةِ السَّمْعِيَّةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ وَصْفُهُ. وَأَيْضًا لَمَّا كُنْت فِي الْبُرْجِ ذُكِرَ لِي أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ عَلَّقَ مُؤَاخَذَةً عَلَى الْفُتْيَا " الحموية " وَأُرْسِلَتْ إلَيَّ وَقَدْ كَتَبْت فِيمَا بَلَغَ مُجَلَّدَاتٍ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ. وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَحْشَةٌ وَمُنَافَرَةٌ. وَأَنَا كُنْت مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَطَلَبًا لِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ وَاتِّبَاعًا لِمَا أُمِرْنَا بِهِ مِنْ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ وَأَزَلْت عَامَّةَ مَا كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنْ الْوَحْشَةِ وَبَيَّنْت لَهُمْ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ مِنْ أَجَلِّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ
стр. 1120
إلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ وَنَحْوِهِ الْمُنْتَصِرِينَ لِطَرِيقِهِ كَمَا يَذْكُرُ الْأَشْعَرِيُّ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ. وَكَمَا قَالَ أَبُو إسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: إنَّمَا نَفَقَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ عِنْدَ النَّاسِ بِانْتِسَابِهِمْ إلَى الْحَنَابِلَةِ وَكَانَ أَئِمَّةُ الْحَنَابِلَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ وَنَحْوِهِمَا يَذْكُرُونَ كَلَامَهُ فِي كُتُبِهِمْ بَلْ كَانَ عِنْدَ مُتَقَدِّمِيهِمْ كَابْنِ عَقِيلٍ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ، لَكِنَّ ابْنَ عَقِيلٍ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِمَعْرِفَةِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ وَأَمَّا الْأَشْعَرِيُّ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى أُصُولِ أَحْمَدَ مِنْ ابْنِ عَقِيلٍ وَأَتْبَعُ لَهَا فَإِنَّهُ كُلَّمَا كَانَ عَهْدُ الْإِنْسَانِ بِالسَّلَفِ أَقْرَبَ كَانَ أَعْلَمَ بِالْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ. وَكُنْت أُقَرِّرُ هَذَا لِلْحَنْبَلِيَّةِ - وَأُبَيِّنُ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ، وَإِنْ كَانَ مِنْ تَلَامِذَةِ الْمُعْتَزِلَةِ ثُمَّ تَابَ، فَإِنَّهُ كَانَ تِلْمِيذَ الجبائي وَمَالَ إلَى طَرِيقَةِ ابْنِ كُلَّابٍ وَأَخَذَ عَنْ زَكَرِيَّا الساجي أُصُولَ الْحَدِيثِ بِالْبَصْرَةِ، ثُمَّ لَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ أَخَذَ عَنْ حَنْبَلِيَّةِ بَغْدَادَ أُمُورًا أُخْرَى، وَذَلِكَ آخِرُ أَمْرِهِ كَمَا ذَكَرَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي كُتُبِهِمْ. وَكَذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ كَانَ تِلْمِيذَ ابْنِ الْوَلِيدِ وَابْنِ التَّبَّانِ الْمُعْتَزِلِيَّيْن ثُمَّ تَابَ مِنْ ذَلِكَ، وَتَوْبَتُهُ مَشْهُورَةٌ بِحَضْرَةِ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ. وَكَمَا أَنَّ فِي أَصْحَابِ أَحْمَدَ مَنْ يُبْغِضُ ابْنَ عَقِيلٍ وَيَذُمُّهُ: فَاَلَّذِينَ يَذُمُّونَ الْأَشْعَرِيَّ لَيْسُوا مُخْتَصِّينَ بِأَصْحَابِ أَحْمَدَ بَلْ فِي جَمْعِ الطَّوَائِفِ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ. وَلَمَّا أَظْهَرْت كَلَامَ الْأَشْعَرِيِّ - وَرَآهُ الْحَنْبَلِيَّةُ - قَالُوا: هَذَا خَيْرٌ مِنْ
стр. 1121
كَلَامِ الشَّيْخِ الْمُوَفَّقِ وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ. وَأَظْهَرْت مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي مَنَاقِبِهِ أَنَّهُ لَمْ تَزَلْ الْحَنَابِلَةُ وَالْأَشَاعِرَةُ مُتَّفِقِينَ إلَى زَمَنِ القشيري فَإِنَّهُ لَمَّا جَرَتْ تِلْكَ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَادَ تَفَرَّقَتْ الْكَلِمَةُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي جَمِيعِ الطَّوَائِفِ مَنْ هُوَ زَائِغٌ وَمُسْتَقِيمٌ. مَعَ أَنِّي فِي عُمْرِي إلَى سَاعَتِي هَذِهِ لَمْ أَدْعُ أَحَدًا قَطُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ إلَى مَذْهَبٍ حَنْبَلِيٍّ وَغَيْرِ حَنْبَلِيٍّ، وَلَا انْتَصَرْت لِذَلِكَ، وَلَا أَذْكُرُهُ فِي كَلَامِي، وَلَا أَذْكُرُ إلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا. وَقَدْ قُلْت لَهُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ: أَنَا أُمْهِلُ مَنْ يُخَالِفُنِي ثَلَاثَ سِنِينَ إنْ جَاءَ بِحَرْفِ وَاحِدٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ يُخَالِفُ مَا قُلْته فَأَنَا أُقِرُّ بِذَلِكَ. وَأَمَّا مَا أَذْكُرُهُ فَأَذْكُرُهُ عَنْ أَئِمَّةِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ بِأَلْفَاظِهِمْ وَبِأَلْفَاظِ مِنْ نَقْلِ إجْمَاعِهِمْ مِنْ عَامَّةِ الطَّوَائِفِ. هَذَا مَعَ أَنِّي دَائِمًا وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي: أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَةٍ، إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرسالية الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِرًا تَارَةً وَفَاسِقًا أُخْرَى وَعَاصِيًا أُخْرَى وَإِنِّي أُقَرِّرُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَطَأَهَا: وَذَلِكَ يَعُمُّ الْخَطَأَ فِي الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ. وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَتَنَازَعُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ لَا بِكُفْرِ وَلَا بِفِسْقِ وَلَا مَعْصِيَةٍ كَمَا أَنْكَرَ شريح قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ لَا يَعْجَبُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِي
стр. 1122
فَقَالَ إنَّمَا شريح شَاعِرٌ يُعْجِبُهُ عِلْمُهُ. كَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَعْلَمَ مِنْهُ وَكَانَ يَقْرَأُ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ . وَكَمَا نَازَعَتْ عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ الصَّحَابَةِ فِي رُؤْيَةِ مُحَمَّدٍ رَبَّهُ وَقَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ وَمَعَ هَذَا لَا نَقُولُ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُنَازِعِينَ لَهَا: إنَّهُ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ. وَكَمَا نَازَعَتْ فِي سَمَاعِ الْمَيِّتِ كَلَامَ الْحَيِّ وَفِي تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ آلَ الشَّرُّ بَيْنَ السَّلَفِ إلَى الِاقْتِتَالِ. مَعَ اتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّة عَلَى أَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا مُؤْمِنَتَانِ، وَأَنَّ الِاقْتِتَالَ لَا يَمْنَعُ الْعَدَالَةَ الثَّابِتَةَ لَهُمْ، لِأَنَّ الْمُقَاتِلَ وَإِنْ كَانَ بَاغِيًا فَهُوَ مُتَأَوِّلٌ وَالتَّأْوِيلُ يَمْنَعُ الْفُسُوقَ. وَكُنْت أُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّمَا نُقِلَ لَهُمْ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ مَنْ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ أَيْضًا حَقٌّ، لَكِنْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ. وَهَذِهِ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ تَنَازَعَتْ فِيهَا الْأُمَّةُ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الْكِبَارِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ " الْوَعِيدِ " فَإِنَّ نُصُوصَ الْقُرْآنِ فِي الْوَعِيدِ مُطْلَقَةٌ كَقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الْآيَةَ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا وَرَدَ: مَنْ فَعَلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا. فَإِنَّ هَذِهِ مُطْلَقَةٌ عَامَّةٌ. وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ مَنْ قَالَ كَذَا: فَهُوَ كَذَا. ثُمَّ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ يلتغي حُكْمُ الْوَعِيدِ فِيهِ: بِتَوْبَةِ أَوْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ أَوْ شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ.
стр. 1123
وَالتَّكْفِيرُ هُوَ مِنْ الْوَعِيدِ. فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ تَكْذِيبًا لِمَا قَالَهُ الرَّسُولُ، لَكِنْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامِ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةِ بَعِيدَةٍ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكْفُرُ بِجَحْدِ مَا يَجْحَدُهُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ. وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَا يَسْمَعُ تِلْكَ النُّصُوصَ أَوْ سَمِعَهَا وَلَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ أَوْ عَارَضَهَا عِنْدَهُ مُعَارِضٌ آخَرُ أَوْجَبَ تَأْوِيلَهَا، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا، وَكُنْت دَائِمًا أَذْكُرُ الْحَدِيثَ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ: " ﴿إذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ ذروني فِي الْيَمِّ فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ، فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: مَا حَمَلَك عَلَى مَا فَعَلْت. قَالَ خَشْيَتُك: فَغَفَرَ لَهُ﴾ ". فَهَذَا رَجُلٌ شَكَّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ وَفِي إعَادَتِهِ إذَا ذُرِّيَ، بَلْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يُعَادُ، وَهَذَا كُفْرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ كَانَ جَاهِلًا لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ وَكَانَ مُؤْمِنًا يَخَافُ اللَّهَ أَنْ يُعَاقِبَهُ فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ. وَالْمُتَأَوِّلُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ الْحَرِيصُ عَلَى مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ أَوْلَى بِالْمَغْفِرَةِ مِنْ مِثْلِ هَذَا.
стр. 1124
فَصْلٌ:
مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ لِينِ الْكَلَامِ وَالْمُخَاطَبَةِ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: فَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ اسْتِعْمَالًا لِهَذَا، لَكِنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ حَسَنٌ، وَحَيْثُ أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِالْإِغْلَاظِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ لِبَغْيِهِ وَعُدْوَانِهِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِمُقَابَلَتِهِ، لَمْ نَكُنْ مَأْمُورِينَ أَنْ نُخَاطِبَهُ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَإِنَّهُ الْأَعْلَى بِنَصِّ الْقُرْآنِ. وَقَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ وَاَللَّهُ مُحَقِّقٌ وَعْدَهُ لِمَنْ هُوَ كَذَلِكَ كَائِنًا مَنْ كَانَ. وَمِمَّا يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَسُوغُ فِي الْعَقْلِ وَلَا الدِّينِ طَلَبُ رِضَا الْمَخْلُوقِينَ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ. كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ رِضَا النَّاسِ غَايَةٌ لَا تُدْرَكُ. فَعَلَيْك بِالْأَمْرِ الَّذِي يُصْلِحُك فَالْزَمْهُ وَدَعْ مَا سِوَاهُ وَلَا تُعَانِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّا مَأْمُورُونَ بِأَنْ نَتَحَرَّى رِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى:
стр. 1125
﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ وَعَلَيْنَا أَنْ نَخَافَ اللَّهَ فَلَا نَخَافُ أَحَدًا إلَّا اللَّهَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . وَقَالَ: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ وَقَالَ: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ . فَعَلَيْنَا أَنْ نَخَافَ اللَّهَ وَنَتَّقِيَهُ فِي النَّاسِ، فَلَا نَظْلِمَهُمْ بِقُلُوبِنَا وَلَا جَوَارِحِنَا وَنُؤَدِّيَ إلَيْهِمْ حُقُوقَهُمْ بِقُلُوبِنَا وَجَوَارِحِنَا، وَلَا نَخَافَهُمْ فِي اللَّهِ فَنَتْرُكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ خِيفَةً مِنْهُمْ. وَمَنْ لَزِمَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ كَانَتْ الْعَاقِبَةُ لَهُ كَمَا كَتَبَتْ عَائِشَةُ إلَى مُعَاوِيَةَ: " أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ مَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ وَعَادَ حَامِدُهُ مِنْ النَّاسِ ذَامًّا، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ ﵁ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ ". فَالْمُؤْمِنُ لَا تَكُونُ فِكْرَتُهُ وَقَصْدُهُ إلَّا رِضَا رَبِّهِ وَاجْتِنَابَ سَخَطِهِ وَالْعَاقِبَةُ لَهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ. هَذَا مَعَ أَنَّ الْمُرْسَلَ فَرِحَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ جَوَّانِيَّهُ فِي الْبَاطِنِ وَكُلُّ مَا يُظْهِرُهُ فَإِنَّهُ مُرَاءَاةٌ لِقَرِينِهِ، وَإِلَّا فَهُمَا فِي الْبَاطِنِ مُتَبَايِنَانِ. وَثَمَّ أُمُورٌ تَعْرِفُهَا خَاصَّتُهُمْ، وَيَكْفِيك الطيبرسي قَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ الْفَرَحُ وَالِاسْتِبْشَارُ بِمَا جَرَى مَعَ أَنَّهُ الْمُخَاصِمُ الْمُغَلَّظُ عَلَيْهِ. وَهَذَا سَوَاءٌ كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ. الْأَصْلُ الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ هُوَ الْأَوَّلُ وَقَوْلُ النَّبِيِّ " ﴿لَا تَبْدَءُوهُمْ بِقِتَالِ وَإِنْ أكثبوكم فَارْمُوهُمْ بِالنَّبْلِ﴾ ". عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ وَلَمْ نَرْمِ إلَّا بَعْدَ أَنْ قَصَدُوا شَرَّنَا وَبَعْدَ أَنْ أكثبونا وَلِهَذَا نَفَعَ اللَّهُ بِذَلِكَ.
следующие страницы →