Полный текст (16 874 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
مِنْهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ وَكَمَا قَالَ: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ . وَأَمَّا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ؛ فَلَا يُطْلَبُ إلَّا مِنْ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَسْتَغِيثُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَيَسْتَسْقُونَ بِهِ وَيَتَوَسَّلُونَ بِهِ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد: ﴿أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنَّا نَسْتَشْفِعُ بِاَللَّهِ عَلَيْك وَنَسْتَشْفِعُ بِك عَلَى اللَّهِ؛ فَقَالَ: شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ إنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ﴾ فَأَقَرَّهُ عَلَى قَوْلِهِ نَسْتَشْفِعُ بِك عَلَى اللَّهِ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ نَسْتَشْفِعُ بِاَللَّهِ عَلَيْك. وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ نَبِيَّنَا شَفِيعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَّ الْخَلْقَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الشَّفَاعَةَ لَكِنْ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ يُشَفَّعُ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَأَمَّا عِنْدَ الوعيدية فَإِنَّمَا يُشَفَّعُ فِي زِيَادَةِ الثَّوَابِ. وَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ مَنْ تَوَسَّلَ إلَى اللَّهِ بِنَبِيِّ. فَقَالَ: أَتَوَسَّلُ إلَيْك بِرَسُولِك فَقَدْ اسْتَغَاثَ بِرَسُولِهِ حَقِيقَةً، فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَجَمِيعِ الْأُمَمِ قَدْ كُذِّبَ عَلَيْهِمْ فَمَا يُعْرَفُ هَذَا فِي لُغَةِ أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ بَلْ الْجَمِيعُ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْمُسْتَغَاثَ مَسْئُولٌ بِهِ مَدْعُوٌّ وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمَسْئُولِ وَالْمَسْئُولِ بِهِ سَوَاءٌ اسْتَغَاثَ بِالْخَالِقِ
стр. 107
أَوْ بِالْمَخْلُوقِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَغَاثَ بِالْمَخْلُوقِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَى النَّصْرِ فِيهِ. وَالنَّبِيُّ ﷺ أَفْضَلُ مَخْلُوقٍ يُسْتَغَاثُ بِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ لِمَنْ يَسْتَغِيثُ بِهِ: أَسْأَلُك بِفُلَانِ أَوْ بِحَقِّ فُلَانٍ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّهُ اسْتَغَاثَ بِمَا تَوَسَّلَ بِهِ بَلْ إنَّمَا اسْتَغَاثَ بِمَنْ دَعَاهُ وَسَأَلَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُونَ فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى: إنَّ الْمُغِيثَ بِمَعْنَى الْمُجِيبِ لَكِنَّ الْإِغَاثَةَ أَخَصُّ بِالْأَفْعَالِ وَالْإِجَابَةَ أَخَصُّ بِالْأَقْوَالِ. وَالتَّوَسُّلُ إلَى اللَّهِ بِغَيْرِ نَبِيِّنَا ﷺ سَوَاءٌ سُمِّيَ اسْتِغَاثَةً أَوْ لَمْ يُسَمَّ - لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ فَعَلَهُ. وَلَا رَوَى فِيهِ أَثَرًا وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ إلَّا مَا أَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ مِنْ الْمَنْعِ وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَفِيهِ حَدِيثٌ فِي السُّنَنِ رَوَاهُ النَّسَائِي وَالتِّرْمِذِي وَغَيْرُهُمَا ﴿: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي أُصِبْت فِي بَصَرِي فَادْعُ اللَّهَ لِي فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ تَوَضَّأْ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ يَا مُحَمَّدُ إنِّي أَتَشَفَّعُ بِك فِي رَدِّ بَصَرِي. اللَّهُمَّ شَفِّعْ نَبِيَّك فِيَّ وَقَالَ: فَإِنْ كَانَتْ لَك حَاجَةٌ فَمِثْلُ ذَلِكَ فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرَهُ.﴾ فَلِأَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ اسْتَثْنَى الشَّيْخُ التَّوَسُّلَ بِهِ. وَلِلنَّاسِ فِي مَعْنَى هَذَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا التَّوَسُّلَ هُوَ الَّذِي ذَكَرَ " عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ " ﵁ لَمَّا قَالَ: كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا نَتَوَسَّلُ بِنَبِيِّنَا إلَيْك فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَقَدْ ذَكَرَ عُمَرُ ﵁: أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ ثُمَّ تَوَسَّلُوا بِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَتَوَسُّلُهُمْ
стр. 108
بِهِ هُوَ اسْتِسْقَاؤُهُمْ بِهِ بِحَيْثُ يَدْعُو وَيَدْعُونَ مَعَهُ فَيَكُونُ هُوَ وَسِيلَتَهُمْ إلَى اللَّهِ وَهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ الصَّحَابَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا فِي مَغِيبِهِ وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ فِي مِثْلِ هَذَا شَافِعًا لَهُمْ دَاعِيًا لَهُمْ وَلِهَذَا قَالَ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَى: اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ. فَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَفَعَ لَهُ فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُشَفِّعَهُ فِيهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ التَّوَسُّلَ يَكُونُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ وَفِي مَغِيبِهِ وَحَضْرَتِهِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّ مَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَقَدْ كَفَرَ وَلَا وَجْهَ لِتَكْفِيرِهِ فَإِنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ خَفِيَّةٌ لَيْسَتْ أَدِلَّتُهَا جَلِيَّةً ظَاهِرَةً وَالْكُفْرُ إنَّمَا يَكُونُ بِإِنْكَارِ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً أَوْ بِإِنْكَارِ الْأَحْكَامِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِيمَا يُشْرَعُ مِنْ الدُّعَاءِ وَمَا لَا يُشْرَعُ كَاخْتِلَافِهِمْ هَلْ تُشْرَعُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ عِنْدَ الذَّبْحِ؛ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ مَسَائِلِ السَّبِّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ مَنْ نَفَى التَّوَسُّلَ الَّذِي سَمَّاهُ اسْتِغَاثَةً بِغَيْرِهِ كَفَرَ وَتَكْفِيرُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ وَأَمْثَالِهِ فَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى جَوَابٍ؛ بَلْ الْمُكَفِّرُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ يَسْتَحِقُّ مِنْ غَلِيظِ الْعُقُوبَةِ وَالتَّعْزِيرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ أَمْثَالُهُ مِنْ الْمُفْتَرِينَ عَلَى الدِّينِ لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ: كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا﴾ . وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ فِيهِ إلَّا بِهِ فَقَدْ قَالَ الْحَقَّ بَلْ لَوْ قَالَ كَمَا قَالَ أَبُو يَزِيدَ: اسْتِغَاثَةُ الْمَخْلُوقِ بِالْمَخْلُوقِ كَاسْتِغَاثَةِ الْغَرِيقِ بِالْغَرِيقِ وَكَمَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ اسْتِغَاثَةُ الْمَخْلُوقِ بِالْمَخْلُوقِ كَاسْتِغَاثَةِ الْمَسْجُونِ بِالْمَسْجُونِ لَكَانَ قَدْ أَحْسَنَ. فَإِنَّ مُطْلَقَ هَذَا الْكَلَامِ يُفْهِمُ الِاسْتِغَاثَةَ
стр. 109
الْمُطْلَقَةَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﴿إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ﴾ . وَإِذَا نَفَى الرَّسُولُ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ أَمْرًا كَانَ هُوَ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ فِي ذَلِكَ كَمَا هُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ وَعَلَيْنَا أَنْ نُصَدِّقَهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ وَمَنْ رَدَّ خَبَرَهُ تَعْظِيمًا لَهُ أَشْبَهَ النَّصَارَى الَّذِينَ كَذَّبُوا الْمَسِيحَ فِي إخْبَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِالْعُبُودِيَّةِ تَعْظِيمًا لَهُ وَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نَنْفِيَ مَا نَفَاهُ وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُقَابِلَ نَفْيَهُ بِنَقِيضِ ذَلِكَ الْبَتَّةَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 110
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّة ﵁: (*)
مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَفَّقَهُمْ اللَّهُ لِطَاعَتِهِ فِيمَنْ يَقُولُ: لَا يُسْتَغَاثُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلُ وَهَلْ هُوَ كُفْرٌ أَمْ لَا؟ وَإِنْ اسْتَدَلَّ بِآيَاتِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَأَحَادِيثِ رَسُولِهِ ﷺ هَلْ يَنْفَعُهُ دَلِيلُهُ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قَامَ الدَّلِيلُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ يُخَالِفُ ذَلِكَ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، قَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ بَلْ الْمُتَوَاتِرَةِ وَاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ: أَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ الشَّافِعُ الْمُشَفَّعُ وَأَنَّهُ يُشَفَّعُ فِي الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَّ النَّاسَ يَسْتَشْفِعُونَ بِهِ يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ إلَى رَبِّهِمْ (*) وَأَنَّهُ يَشْفَعُ لَهُمْ. ثُمَّ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُ يُشَفَّعُ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَأَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ أَحَدٌ. وَأَمَّا الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ فَأَنْكَرُوا شَفَاعَتَهُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ وَلَمْ يُنْكِرُوا شَفَاعَتَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وَهَؤُلَاءِ مُبْتَدِعَةٌ ضُلَّالٌ وَفِي تَكْفِيرِهِمْ نِزَاعٌ وَتَفْصِيلٌ.
стр. 111
وَأَمَّا مَنْ أَنْكَرَ مَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ وَالْإِجْمَاعِ فَهُوَ كَافِرٌ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ وَسَوَاءٌ سَمَّى هَذَا الْمَعْنَى اسْتِغَاثَةً أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ. وَأَمَّا مَنْ أَقَرَّ بِشَفَاعَتِهِ وَأَنْكَرَ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَهُ مِنْ التَّوَسُّلِ بِهِ وَالِاسْتِشْفَاعِ بِهِ؛ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ ﴿أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جَهَدَتْ الْأَنْفُسُ وَجَاعَ الْعِيَالُ وَهَلَكَ الْمَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِك عَلَى اللَّهِ وَنَسْتَشْفِعُ بِاَللَّهِ عَلَيْك. فَسَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ وَقَالَ: وَيْحَك إنَّ اللَّهَ لَا يُسْتَشْفَعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ﴾ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ فَأَنْكَرَ قَوْلَهُ نَسْتَشْفِعُ بِاَللَّهِ عَلَيْك وَلَمْ يُنْكِرْ قَوْلَهُ نَسْتَشْفِعُ بِك عَلَى اللَّهِ بَلْ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ فَعُلِمَ جَوَازُهُ فَمَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَهُوَ ضَالٌّ مُخْطِئٌ مُبْتَدِعٌ؛ وَفِي تَكْفِيرِهِ نِزَاعٌ وَتَفْصِيلٌ. وَأَمَّا مَنْ أَقَرَّ بِمَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ مِنْ شَفَاعَتِهِ وَالتَّوَسُّلِ بِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَكِنْ قَالَ لَا يُدْعَى إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ الْأُمُورَ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إلَّا اللَّهُ لَا تُطْلَبُ إلَّا مِنْهُ مِثْلَ غُفْرَانِ الذُّنُوبِ وَهِدَايَةِ الْقُلُوبِ وَإِنْزَالِ الْمَطَرِ وَإِنْبَاتِ النَّبَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَهَذَا مُصِيبٌ فِي ذَلِكَ بَلْ هَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا. كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا اللَّهُ﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ
стр. 112
وَالْأَرْضِ﴾ وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وَقَالَ: ﴿إلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الْغَارِ إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ . فَالْمَعَانِي الثَّابِتَةُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: يَجِبُ إثْبَاتُهَا وَالْمَعَانِي الْمَنْفِيَّةُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ يَجِبُ نَفْيُهَا وَالْعِبَارَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعَانِي نَفْيًا وَإِثْبَاتًا إنْ وُجِدَتْ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ وَجَبَ إقْرَارُهَا. وَإِنْ وُجِدَتْ فِي كَلَامِ أَحَدٍ وَظَهَرَ مُرَادُهُ مِنْ ذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ وَإِلَّا رُجِعَ فِيهِ إلَيْهِ. وَقَدْ يَكُونُ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ عِبَارَةٌ لَهَا مَعْنًى صَحِيحٌ لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَفْهَمُ مِنْ تِلْكَ غَيْرَ مُرَادِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ فَهَذَا يُرَدُّ عَلَيْهِ فَهْمُهُ. كَمَا رَوَى الطَّبَرَانِي فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ ﴿أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُنَافِقٌ يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: قُومُوا بِنَا لِنَسْتَغِيثَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا الْمُنَافِقِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاَللَّهِ﴾ فَهَذَا إنَّمَا أَرَادَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الْمَعْنَى الثَّانِيَ وَهُوَ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ وَإِلَّا فَالصَّحَابَةُ كَانُوا يَطْلُبُونَ مِنْهُ الدُّعَاءَ وَيَسْتَسْقُونَ بِهِ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رُبَّمَا ذَكَرْت قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَسْقِي فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ لَهُ مِيزَابٌ: وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُصَنِّفُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى: يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنْ لَا غِيَاثَ وَلَا مُغِيثَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ كُلَّ
стр. 113
غَوْثٍ فَمِنْ عِنْدِهِ وَإِنْ كَانَ جَعَلَ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِ فَالْحَقِيقَةُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ مَجَازٌ. قَالُوا: مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْمُغِيثُ وَالْغِيَاثُ وَجَاءَ ذِكْرُ الْمُغِيثِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالُوا وَاجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحليمي: الْغِيَاثُ هُوَ الْمُغِيثُ وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ غِيَاثُ الْمُسْتَغِيثِينَ وَمَعْنَاهُ الْمُدْرِكُ عِبَادَهُ فِي الشَّدَائِدِ إذَا دَعَوْهُ وَمُجِيبُهُمْ وَمُخَلِّصُهُمْ وَفِي خَبَرِ الِاسْتِسْقَاءِ فِي الصَّحِيحَيْنِ: ﴿اللَّهُمَّ أَغِثْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا﴾ يُقَالُ أَغَاثَهُ إغَاثَةً وَغِيَاثًا وَغَوْثًا وَهَذَا الِاسْمُ فِي مَعْنَى الْمُجِيبِ وَالْمُسْتَجِيبِ قَالَ تَعَالَى: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ إلَّا أَنَّ الْإِغَاثَةَ أَحَقُّ بِالْأَفْعَالِ وَالِاسْتِجَابَةَ أَحَقُّ بِالْأَقْوَالِ وَقَدْ يَقَعُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَوْقِعَ الْآخَرِ. قَالُوا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْتَغِيثِ وَالدَّاعِي أَنَّ الْمُسْتَغِيثَ يُنَادِي بِالْغَوْثِ. وَالدَّاعِيَ يُنَادِي بِالْمَدْعُوِّ وَالْمُغِيثِ. وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ مِنْ صِيغَةِ الِاسْتِغَاثَةِ يَا لَلَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِي أَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ وَا غَوْثَاهُ وَيَقُولَ إنِّي سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ ﴿: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ بِرَحْمَتِك أَسْتَغِيثُ أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَلَا إلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِك﴾ . وَالِاسْتِغَاثَةُ بِرَحْمَتِهِ اسْتِغَاثَةٌ بِهِ فِي الْحَقِيقَةِ كَمَا أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بِصِفَاتِهِ اسْتِعَاذَةٌ بِهِ فِي الْحَقِيقَةِ وَكَمَا أَنَّ الْقَسَمَ بِصِفَاتِهِ قَسَمٌ بِهِ فِي الْحَقِيقَةِ فَفِي الْحَدِيثِ: ﴿أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ وَفِيهِ ﴿أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك وَبِك مِنْك لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك﴾ .
стр. 114
وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ الْأَئِمَّةُ فِيمَا اسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ بِقَوْلِهِ: ﴿أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ﴾ قَالُوا: وَالِاسْتِعَاذَةُ لَا تَصْلُحُ بِالْمَخْلُوقِ. وَكَذَلِكَ الْقَسَمُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ﴿مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ﴾ وَفِي لَفْظٍ ﴿مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ﴾ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. ثُمَّ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: الْحَلِفُ " بِعِزَّةِ اللَّهِ " و " لَعَمْرُ اللَّهِ " وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ وَالِاسْتِغَاثَةُ بِمَعْنَى أَنْ يُطْلَبَ مِنْ الرَّسُولِ ﷺ مَا هُوَ اللَّائِقُ بِمَنْصِبِهِ لَا يُنَازِعُ فِيهَا مُسْلِمٌ وَمَنْ نَازَعَ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ إمَّا كَافِرٌ إنْ أَنْكَرَ مَا يَكْفُرُ بِهِ وَإِمَّا مُخْطِئٌ ضَالٌّ. وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الَّذِي نَفَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ أَيْضًا مِمَّا يَجِبُ نَفْيُهَا وَمَنْ أَثْبَتَ لِغَيْرِ اللَّهِ مَا لَا يَكُونُ إلَّا لِلَّهِ فَهُوَ أَيْضًا كَافِرٌ إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ أَبِي يَزِيدَ البسطامي اسْتِغَاثَةُ الْمَخْلُوقِ بِالْمَخْلُوقِ كَاسْتِغَاثَةِ الْغَرِيقِ بِالْغَرِيقِ وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ الْمَشْهُورِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ: اسْتِغَاثَةُ الْمَخْلُوقِ بِالْمَخْلُوقِ كَاسْتِغَاثَةِ الْمَسْجُونِ بِالْمَسْجُونِ. وَفِي دُعَاءِ مُوسَى ﵇ " اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ وَإِلَيْك الْمُشْتَكَى وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ وَبِك الْمُسْتَغَاثُ وَعَلَيْك التكلان وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِك " وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمَفْهُومَ مِنْهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَكَانَ مُخْتَصًّا بِاَللَّهِ: صَحَّ إطْلَاقُ نَفْيِهِ عَمَّا سِوَاهُ وَلِهَذَا لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ جَوَّزَ مُطْلَقَ الِاسْتِغَاثَةِ بِغَيْرِ اللَّهِ وَلَا أَنْكَرَ عَلَى مَنْ نَفَى مُطْلَقَ الِاسْتِغَاثَةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ.
стр. 115
وَكَذَلِكَ الِاسْتِغَاثَةُ أَيْضًا فِيهَا مَا لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلَّهِ وَهِيَ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فَإِنَّهُ لَا يُعِينُ عَلَى الْعِبَادَةِ الْإِعَانَةَ الْمُطْلَقَةَ إلَّا اللَّهُ وَقَدْ يُسْتَعَانُ بِالْمَخْلُوقِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الِاسْتِنْصَارُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ وَالنَّصْرُ الْمُطْلَقُ هُوَ خَلْقُ مَا بِهِ يُغْلَبُ الْعَدُوُّ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ. وَمَنْ خَالَفَ مَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: فَإِنَّهُ يَكُونُ إمَّا كَافِرًا وَإِمَّا فَاسِقًا وَإِمَّا عَاصِيًا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا فَيُثَابُ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَيُغْفَرُ لَهُ خَطَؤُهُ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَمْ يَبْلُغْهُ الْعِلْمُ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ بِهِ الْحُجَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ . وَأَمَّا إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الثَّابِتَةُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَخَالَفَهَا: فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ بِحَسَبِ ذَلِكَ إمَّا بِالْقَتْلِ وَإِمَّا بِدُونِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 116
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
فَصْلٌ:
سَمَّى اللَّهُ آلِهَتَهُمْ الَّتِي عَبَدُوهَا مِنْ دُونِهِ شُفَعَاءَ كَمَا سَمَّاهَا شُرَكَاءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَقَالَ فِي يُونُسَ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . وَقَالَ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ . وَجَمَعَ بَيْنَ الشِّرْكِ وَالشَّفَاعَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ هِيَ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ بِهَا تَعَلُّقٌ. الْأَوَّلُ: مِلْكُ شَيْءٍ وَلَوْ قَلَّ الثَّانِي: شِرْكُهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمِلْكِ. فَلَا مِلْكَ وَلَا شَرِكَةَ وَلَا مُعَاوَنَةَ يَصِيرُ بِهَا نِدًّا. فَإِذَا انْتَفَتْ الثَّلَاثَةُ: بَقِيَتْ الشَّفَاعَةُ فَعَلَّقَهَا بِالْمَشِيئَةِ.
стр. 117
وَقَالَ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ وَقَالَ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ الْآيَتَيْنِ. وَقَالَ فِي اتِّخَاذِهِمْ قُرْبَانًا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . وَقَالَ: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .
стр. 118
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀:
فَصْلٌ:
فِي الشَّفَاعَةِ الْمَنْفِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ . وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ . وَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَاحْتَجَّ بِكَثِيرِ مِنْهُ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ عَلَى مَنْعِ الشَّفَاعَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ إذْ مَنَعُوا أَنْ يَشْفَعَ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ أَوْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ النَّارِ مَنْ يَدْخُلُهَا وَلَمْ يَنْفُوا الشَّفَاعَةَ لِأَهْلِ الثَّوَابِ فِي زِيَادَةِ الثَّوَابِ. وَمَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: إثْبَاتُ الشَّفَاعَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ. وَأَيْضًا: فَالْأَحَادِيثُ الْمُسْتَفِيضَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الشَّفَاعَةِ: فِيهَا - اسْتِشْفَاعُ أَهْلِ الْمَوْقِفِ لِيُقْضَى بَيْنَهُمْ وَفِيهِمْ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَهَذَا فِيهِ
стр. 119
نَوْعُ شَفَاعَةٍ لِلْكُفَّارِ. وَأَيْضًا: فَفِي الصَّحِيحِ ﴿عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَفَعْت أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءِ؟ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَك قَالَ: نَعَمْ هُوَ فِي ضِحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: سَمِعْت ﴿الْعَبَّاسَ يَقُولُ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْصُرُكَ فَهَلْ نَفَعَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنْ نَارٍ فَأَخْرَجْتُهُ إلَى ضِحْضَاحٍ.﴾ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁ ﴿أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ضِحْضَاحٍ مِنْ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ﴾ . فَهَذَا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ لِشَفَاعَتِهِ فِي بَعْضِ الْكُفَّارِ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ الْعَذَابُ بَلْ فِي أَنْ يُجْعَلَ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا كَمَا فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ﴾ . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿إنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلَيْهِ﴾ وَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿إنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَجُلٌ يُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ﴾ وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿إنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا﴾ .
стр. 120
وَهَذَا السُّؤَالُ الثَّانِي يُضْعِفُ جَوَابَ مَنْ تَأَوَّلَ نَفْيَ الشَّفَاعَةِ عَلَى الشَّفَاعَةِ لِلْكُفَّارِ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ هُمْ الْكَافِرُونَ. . . (١)
فَيُقَالُ: الشَّفَاعَةُ الْمَنْفِيَّةُ هِيَ الشَّفَاعَةُ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ النَّاسِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَهِيَ أَنْ يَشْفَعَ الشَّفِيعُ إلَى غَيْرِهِ ابْتِدَاءً فَيَقْبَلُ شَفَاعَتَهُ فَأَمَّا إذَا أَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يَشْفَعَ فَشَفَعَ؛ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بِالشَّفَاعَةِ بَلْ يَكُونُ مُطِيعًا لَهُ أَيْ تَابِعًا لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ وَتَكُونُ شَفَاعَتُهُ مَقْبُولَةً وَيَكُونُ الْأَمْرُ كُلُّهُ لِلْآمِرِ الْمَسْئُولِ. وَقَدْ ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ آيَةٍ: أَنَّ أَحَدًا لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَاَلَّذِي يُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الشَّفَاعَةُ الْمَنْفِيَّةُ: أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ. وَأَمَّا نَفْيُ الشَّفَاعَةِ بِدُونِ إذْنِهِ: فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ إذَا كَانَتْ بِإِذْنِهِ لَمْ تَكُنْ مِنْ دُونِهِ كَمَا أَنَّ الْوِلَايَةَ الَّتِي بِإِذْنِهِ لَيْسَتْ مِنْ دُونِهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾. وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ стр. 121
شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ . ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فَذَمَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ وَأَخْبَرَ أَنَّ لِلَّهِ الشَّفَاعَةَ جَمِيعًا؛ فَعُلِمَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ مُنْتَفِيَةٌ عَنْ غَيْرِهِ إذْ لَا يَشْفَعُ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ وَتِلْكَ فَهِيَ لَهُ. وَقَدْ قَالَ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ: أَنَّهُ نَفَى يَوْمَئِذٍ الْخُلَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إنَّمَا نَفَى الْخُلَّةَ الْمَعْرُوفَةَ وَنَفْعَهَا الْمَعْرُوفَ كَمَا يَنْفَعُ الصَّدِيقُ الصَّدِيقَ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وَقَالَ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ . لَمْ يَنْفِ أَنْ يَكُونَ فِي الْآخِرَةِ خُلَّةٌ نَافِعَةٌ بِإِذْنِهِ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ الْآيَاتُ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ﴾ وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلِّي﴾ . فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ عَائِدٌ إلَى تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ وَأَنَّهُ لَا يَنْفَعُ أَحَدٌ وَلَا يَضُرُّ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْبَدَ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ وَلَا يُسْتَعَانَ بِهِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَظْهَرُ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ وَيَتَبَرَّأُ كُلُّ مُدَّعٍ مِنْ
стр. 122
دَعْوَاهُ الْبَاطِلَةِ فَلَا يَبْقَى مَنْ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ مَعَهُ شِرْكًا فِي رُبُوبِيَّتِهِ أَوْ إلَهِيَّتِهِ وَلَا مَنْ يَدَّعِي ذَلِكَ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَبٌّ وَلَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَقَدْ اتَّخَذَ غَيْرَهُ رَبًّا وَإِلَهًا وَادَّعَى ذَلِكَ مُدَّعُونَ. وَفِي الدُّنْيَا يَشْفَعُ الشَّافِعُ عِنْدَ غَيْرِهِ وَيَنْتَفِعُ بِشَفَاعَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ وَيَكُونُ خَلِيلَهُ فَيُعِينُهُ وَيَفْتَدِي نَفْسَهُ مِنْ الشَّرِّ فَقَدْ يَنْتَفِعُ بِالنُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ فِي الدُّنْيَا، النُّفُوسُ يُنْتَفَعُ بِهَا تَارَةً بِالِاسْتِقْلَالِ وَتَارَةً بِالْإِعَانَةِ وَهِيَ الشَّفَاعَةُ، وَالْأَمْوَالُ بِالْفِدَاءِ فَنَفَى اللَّهُ هَذِهِ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ وَقَالَ: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ . فَهَذَا هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَادَ مَا نَفَاهُ اللَّهُ مِنْ الشَّفَاعَةِ إلَى تَحْقِيقِ أَصْلَيْ الْإِيمَانِ وَهِيَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ التَّوْحِيدِ وَالْمَعَادِ كَمَا قَرَنَ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
стр. 123
سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
عَنْ رَجُلَيْنِ تَنَاظَرَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لَا بُدَّ لَنَا مِنْ وَاسِطَةٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللَّهِ فَإِنَّا لَا نَقْدِرُ أَنْ نَصِلَ إلَيْهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وَاسِطَةٍ تُبْلِغُنَا أَمْرَ اللَّهِ: فَهَذَا حَقٌّ. فَإِنَّ الْخَلْقَ لَا يَعْلَمُونَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ وَمَا أَمَرَ بِهِ وَمَا نَهَى عَنْهُ وَمَا أَعَدَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ وَمَا وَعَدَ بِهِ أَعْدَاءَهُ مِنْ عَذَابِهِ وَلَا يَعْرِفُونَ مَا يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى: وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا الَّتِي تَعْجِزُ الْعُقُولُ عَنْ مَعْرِفَتِهَا وَأَمْثَالِ ذَلِكَ إلَّا بِالرُّسُلِ؛ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ اللَّهُ إلَى عِبَادِهِ. فَالْمُؤْمِنُونَ بِالرُّسُلِ الْمُتَّبِعُونَ لَهُمْ هُمْ الْمُهْتَدُونَ الَّذِينَ يُقَرِّبُهُمْ لَدَيْهِ زُلْفَى وَيَرْفَعُ دَرَجَاتِهِمْ وَيُكْرِمُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَأَمَّا الْمُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ: فَإِنَّهُمْ مَلْعُونُونَ وَهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ ضَالُّونَ مَحْجُوبُونَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ ﴿وَمَنْ
стр. 124
أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ . ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أَنْ لَا يَضِلَّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ النَّارِ: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إنْ أَنْتُمْ إلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ . وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ. وَهَذَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ وَالْيَهُودِ؛ وَالنَّصَارَى؛ فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ الْوَسَائِطَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ وَهُمْ الرُّسُلُ الَّذِينَ بَلَّغُوا عَنْ اللَّهِ
стр. 125
أَمْرَهُ وَخَبَرَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ وَمَنْ أَنْكَرَ هَذِهِ الْوَسَائِطَ فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْمِلَلِ. وَالسُّوَرُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ بِمَكَّةَ مِثْلُ: الْأَنْعَامِ؛ وَالْأَعْرَافِ؛ وَذَوَاتِ: (الر) و (حم) و (طس) وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ هِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِأُصُولِ الدِّينِ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَقَدْ قَصَّ اللَّهُ قِصَصَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وَكَيْفَ أَهْلَكَهُمْ؛ وَنَصَرَ رُسُلَهُ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ . وَقَالَ: ﴿إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ . فَهَذِهِ الْوَسَائِطُ: تُطَاعُ وَتُتَّبَعُ وَيُقْتَدَى بِهَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وَقَالَ: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ . وَإِنْ أَرَادَ بِالْوَاسِطَةِ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وَاسِطَةٍ فِي جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ مِثْلَ: أَنْ يَكُونَ وَاسِطَةً فِي رِزْقِ الْعِبَادِ وَنَصْرِهِمْ وَهُدَاهُمْ؛ يَسْأَلُونَهُ ذَلِكَ وَيَرْجُونَ إلَيْهِ فِيهِ: فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الشِّرْكِ الَّذِي كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ الْمُشْرِكِينَ؛ حَيْثُ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهُ أَوْلِيَاءَ وَشُفَعَاءَ؛ يَجْتَلِبُونَ بِهِمْ الْمَنَافِعَ وَيَجْتَنِبُونَ الْمَضَارَّ. لَكِنَّ الشَّفَاعَةَ لِمَنْ يَأْذَنُ اللَّهُ لَهُ فِيهَا حَتَّى قَالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
стр. 126
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ وَقَالَ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ وَقَالَ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: كَانَ أَقْوَامٌ يَدْعُونَ الْمَسِيحَ وَالْعُزَيْرَ وَالْمَلَائِكَةَ: فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهُمْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ: لَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْهُمْ وَلَا تَحْوِيلًا وَأَنَّهُمْ يَتَقَرَّبُونَ إلَى اللَّهِ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ: أَنَّ اتِّخَاذَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا كُفْرٌ. فَمَنْ جَعَلَ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ وَسَائِطَ يَدْعُوهُمْ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ وَيَسْأَلُهُمْ جَلْبَ الْمَنَافِعِ وَدَفْعَ الْمَضَارِّ مِثْلَ أَنْ يَسْأَلَهُمْ غُفْرَانَ الذَّنْبِ وَهِدَايَةَ الْقُلُوبِ وَتَفْرِيجَ الْكُرُوبِ وَسَدَّ الفاقات: فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾
стр. 127
﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنِّي إلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ﴾ . وَقَالَ ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ . وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ.
وَمَنْ سِوَى الْأَنْبِيَاءِ - مِنْ مَشَايِخِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ - فَمَنْ أَثْبَتَهُمْ وَسَائِطَ بَيْنَ
стр. 128
الرَّسُولِ وَأُمَّتِهِ يُبَلِّغُونَهُمْ؛ وَيُعَلِّمُونَهُمْ؛ وَيُؤَدِّبُونَهُمْ؛ وَيَقْتَدُونَ بِهِمْ؛ فَقَدْ أَصَابَ فِي ذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ إذَا أَجْمَعُوا فَإِجْمَاعُهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَإِنْ تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ؛ إذْ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَيْسَ بِمَعْصُومِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ وَيُتْرَكُ: إلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ﴿الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّ وَافِرٍ﴾ . وَإِنْ أَثْبَتَهُمْ وَسَائِطَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ - كَالْحُجَّابِ الَّذِينَ بَيْنَ الْمَلِكِ وَرَعِيَّتِهِ - بِحَيْثُ يَكُونُونَ هُمْ يَرْفَعُونَ إلَى اللَّهِ حَوَائِجَ خَلْقِهِ؛ فَاَللَّهُ إنَّمَا يَهْدِي عِبَادَهُ وَيَرْزُقُهُمْ بِتَوَسُّطِهِمْ؛ فَالْخَلْقُ يَسْأَلُونَهُمْ وَهُمْ يَسْأَلُونَ اللَّهَ؛ كَمَا أَنَّ الْوَسَائِطَ عِنْدَ الْمُلُوكِ: يَسْأَلُونَ الْمُلُوكَ الْحَوَائِجَ لِلنَّاسِ؛ لِقُرْبِهِمْ مِنْهُمْ وَالنَّاسُ يَسْأَلُونَهُمْ؛ أَدَبًا مِنْهُمْ أَنْ يُبَاشِرُوا سُؤَالَ الْمَلِكِ؛ أَوْ لِأَنَّ طَلَبَهُمْ مِنْ الْوَسَائِطِ أَنْفَعُ لَهُمْ مِنْ طَلَبِهِمْ مِنْ الْمَلِكِ؛ لِكَوْنِهِمْ أَقْرَبَ إلَى الْمَلِكِ مِنْ الطَّالِبِ لِلْحَوَائِجِ. فَمَنْ أَثْبَتَهُمْ وَسَائِطَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: فَهُوَ كَافِرٌ مُشْرِكٌ يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَهَؤُلَاءِ مُشَبِّهُونَ لِلَّهِ شَبَّهُوا الْمَخْلُوقَ بِالْخَالِقِ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا. وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ الرَّدِّ عَلَى هَؤُلَاءِ: مَا لَمْ تَتَّسِعْ لَهُ هَذِهِ الْفَتْوَى. فَإِنَّ الْوَسَائِطَ الَّتِي بَيْنَ الْمُلُوكِ وَبَيْنَ النَّاسِ: يَكُونُونَ عَلَى أَحَدِ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: - إمَّا لِإِخْبَارِهِمْ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ بِمَا لَا يَعْرِفُونَهُ.
стр. 129
وَمَنْ قَالَ إنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ أَحْوَالَ عِبَادِهِ حَتَّى يُخْبِرَهُ بِتِلْكَ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْأَنْبِيَاءُ أَوْ غَيْرُهُمْ: فَهُوَ كَافِرٌ بَلْ هُوَ - سُبْحَانَهُ - يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . يَسْمَعُ ضَجِيجَ الْأَصْوَاتِ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ عَلَى تَفَنُّنِ الْحَاجَاتِ لَا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ وَلَا تُغَلِّطُهُ الْمَسَائِلُ. وَلَا يَتَبَرَّمُ بِإِلْحَاحِ الْمُلِحِّينَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَلِكُ عَاجِزًا عَنْ تَدْبِيرِ رَعِيَّتِهِ وَدَفْعِ أَعْدَائِهِ - إلَّا بِأَعْوَانِ يُعِينُونَهُ - فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْصَارٍ وَأَعْوَانٍ لِذُلِّهِ وَعَجْزِهِ. وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ - لَيْسَ لَهُ ظَهِيرٌ وَلَا وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ . وَكُلُّ مَا فِي الْوُجُودِ مِنْ الْأَسْبَابِ: فَهُوَ خَالِقُهُ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ فَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ؛ بِخِلَافِ الْمُلُوكِ الْمُحْتَاجِينَ إلَى ظهرائهم وَهُمْ - فِي الْحَقِيقَةِ - شُرَكَاؤُهُمْ فِي الْمُلْكِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى: لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ بَلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَلِكُ لَيْسَ مُرِيدًا لِنَفْعِ رَعِيَّتِهِ وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ وَرَحْمَتِهِمْ: إلَّا بِمُحَرِّكِ يُحَرِّكُهُ مِنْ خَارِجٍ. فَإِذَا خَاطَبَ الْمَلِكُ مَنْ يَنْصَحُهُ وَيُعَظِّمُهُ أَوْ مَنْ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ يَرْجُوهُ وَيَخَافُهُ: تَحَرَّكَتْ إرَادَةُ الْمَلِكِ
стр. 130
وَهِمَّتُهُ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ رَعِيَّتِهِ إمَّا لِمَا حَصَلَ فِي قَلْبِهِ مِنْ كَلَامِ النَّاصِحِ الْوَاعِظِ الْمُشِيرِ وَإِمَّا لِمَا يَحْصُلُ مِنْ الرَّغْبَةِ أَوْ الرَّهْبَةِ مِنْ كَلَامِ الْمُدِلِّ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى: هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ وَهُوَ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا وَكُلُّ الْأَشْيَاءِ إنَّمَا تَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ إذَا أَجْرَى نَفْعَ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ: فَجَعَلَ هَذَا يُحْسِنُ إلَى هَذَا وَيَدْعُو لَهُ وَيُشَفَّعُ فِيهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهُوَ الَّذِي خَلَقَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ فِي قَلْبِ هَذَا الْمُحْسِنِ الدَّاعِي الشَّافِعِ إرَادَةَ الْإِحْسَانِ وَالدُّعَاءِ وَالشَّفَاعَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْوُجُودِ مَنْ يُكْرِهُهُ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ أَوْ يُعَلِّمُهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَوْ مَنْ يَرْجُوهُ الرَّبُّ وَيَخَافُهُ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ﴿لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إنْ شِئْت؛ وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ؛ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ﴾ . وَالشُّفَعَاءُ الَّذِينَ يَشْفَعُونَ عِنْدَهُ: لَا يَشْفَعُونَ إلَّا بِإِذْنِهِ كَمَا قَالَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . فَبَيَّنَ أَنَّ كُلَّ مَنْ دُعِيَ مِنْ دُونِهِ لَيْسَ لَهُ مُلْكٌ وَلَا شِرْكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَا هُوَ ظَهِيرٌ. وَأَنَّ شَفَاعَتَهُمْ لَا تَنْفَعُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُلُوكِ فَإِنَّ الشَّافِعَ عِنْدَهُمْ قَدْ يَكُونُ لَهُ مُلْكٌ وَقَدْ يَكُونُ شَرِيكًا لَهُمْ فِي الْمُلْكِ وَقَدْ يَكُونُ مُظَاهِرًا لَهُمْ مُعَاوِنًا لَهُمْ عَلَى مُلْكِهِمْ وَهَؤُلَاءِ
стр. 131
يُشَفَّعُونَ عِنْدَ الْمُلُوكِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُلُوكِ هُمْ وَغَيْرُهُمْ وَالْمَلِكُ يَقْبَلُ شَفَاعَتَهُمْ: تَارَةً بِحَاجَتِهِ إلَيْهِمْ وَتَارَةً لِخَوْفِهِ مِنْهُمْ وَتَارَةً لِجَزَاءِ إحْسَانِهِمْ إلَيْهِ وَمُكَافَأَتِهِمْ وَلِإِنْعَامِهِمْ عَلَيْهِ؛ حَتَّى إنَّهُ يَقْبَلُ شَفَاعَةَ وَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى الزَّوْجَةِ وَإِلَى الْوَلَدِ؛ حَتَّى لَوْ أَعْرَضَ عَنْهُ وَلَدُهُ وَزَوْجَتُهُ لَتَضَرَّرَ بِذَلِكَ وَيَقْبَلُ شَفَاعَةَ مَمْلُوكِهِ؛ فَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ شَفَاعَتَهُ؛ يَخَافُ أَنْ لَا يُطِيعُهُ أَوْ أَنْ يَسْعَى فِي ضَرَرِهِ. وَشَفَاعَةُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ عِنْدَ بَعْضٍ: كُلُّهَا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ. فَلَا يَقْبَلُ أَحَدٌ شَفَاعَةَ أَحَدٍ إلَّا لِرَغْبَةِ أَوْ رَهْبَةٍ. وَاَللَّهُ تَعَالَى: لَا يَرْجُو أَحَدًا وَلَا يَخَافُهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَحَدٍ بَلْ هُوَ الْغَنِيُّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا إنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إلَّا يَخْرُصُونَ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ . وَالْمُشْرِكُونَ: يَتَّخِذُونَ شُفَعَاءَ مِنْ جِنْسِ مَا يَعْهَدُونَهُ مِنْ الشَّفَاعَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . وَأَخْبَرَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا ": ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ
стр. 132
أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ .
فَأَخْبَرَ أَنَّ مَا يَدَّعِي مِنْ دُونِهِ لَا يَمْلِكُ كَشْفَ ضُرٍّ وَلَا تَحْوِيلَهُ وَأَنَّهُمْ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ وَيَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ. فَهُوَ - سُبْحَانَهُ - قَدْ نَفَى مَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ؛ إلَّا مِنْ الشَّفَاعَةِ بِإِذْنِهِ وَالشَّفَاعَةُ هِيَ الدُّعَاءُ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ دُعَاءَ الْخَلْقِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ نَافِعٌ وَاَللَّهُ قَدْ أَمَرَ بِذَلِكَ لَكِنَّ الدَّاعِيَ الشَّافِعَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ وَيَشْفَعَ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لَهُ فِي ذَلِكَ فَلَا يَشْفَعُ شَفَاعَةً نُهِيَ عَنْهَا؛ كَالشَّفَاعَةِ لِلْمُشْرِكِينَ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ اللَّهَ نَهَى نَبِيَّهُ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لَهُمْ. كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ - فِي الدُّعَاءِ - وَمِنْ الِاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ: أَنْ يَسْأَلَ الْعَبْدُ مَا لَمْ يَكُنْ الرَّبُّ لِيَفْعَلَهُ. مِثْلُ: أَنْ يَسْأَلَهُ مَنَازِلَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ أَوْ الْمَغْفِرَةَ لِلْمُشْرِكِينَ وَنَحْوَ ذَلِكَ. أَوْ يَسْأَلَهُ مَا فِيهِ مَعْصِيَةُ اللَّهِ كَإِعَانَتِهِ عَلَى الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ.
стр. 133
فَالشَّفِيعُ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ: شَفَاعَتُهُ فِي الدُّعَاءِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ عُدْوَانٌ. وَلَوْ سَأَلَ أَحَدُهُمْ دُعَاءً لَا يَصْلُحُ لَهُ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ أَنْ يُقِرُّوا عَلَى ذَلِكَ. كَمَا قَالَ نُوحٌ: ﴿إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ﴿قَالَ رَبِّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . وَكُلُّ دَاعٍ شَافِعٍ دَعَا اللَّهَ وَشُفِّعَ: فَلَا يَكُونُ دُعَاؤُهُ وَشَفَاعَتُهُ إلَّا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَهُوَ الَّذِي يُجِيبُ الدُّعَاءَ وَيَقْبَلُ الشَّفَاعَةَ فَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّبَبَ وَالْمُسَبِّبَ، وَالدُّعَاءُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّهُ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَالِالْتِفَاتُ إلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ وَمَحْوُ الْأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْأَسْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ قَدْحٌ فِي الشَّرْعِ؛ بَلْ الْعَبْدُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَوَكُّلُهُ وَدُعَاؤُهُ وَسُؤَالُهُ وَرَغْبَتُهُ إلَى اللَّهِ وَاَللَّهُ يُقَدِّرُ لَهُ مِنْ الْأَسْبَابِ - مِنْ دُعَاءِ الْخَلْقِ وَغَيْرِهِمْ - مَا شَاءَ. وَالدُّعَاءُ مَشْرُوعٌ أَنْ يَدْعُوَ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى وَالْأَدْنَى لِلْأَعْلَى: فَطَلَبُ الشَّفَاعَةِ وَالدُّعَاءِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسْتَشْفِعُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَيَطْلُبُونَ مِنْهُ الدُّعَاءَ؛ بَلْ وَكَذَلِكَ بَعْدَهُ اسْتَسْقَى عُمَرُ وَالْمُسْلِمُونَ بِالْعَبَّاسِ عَمِّهِ وَالنَّاسُ يَطْلُبُونَ الشَّفَاعَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ
стр. 134
وَمُحَمَّدٌ ﷺ وَهُوَ سَيِّدُ الشُّفَعَاءِ وَلَهُ شَفَاعَاتٌ يَخْتَصُّ بِهَا - وَمَعَ هَذَا - فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ ذَلِكَ الْعَبْدَ فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وَقَدْ ﴿قَالَ لِعُمَرِ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ وَوَدَّعَهُ: يَا أَخِي لَا تَنْسَنِي مِنْ دُعَائِك﴾ . فَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ طَلَبَ مِنْ أُمَّتِهِ أَنْ يَدْعُوا لَهُ؛ وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ سُؤَالِهِمْ، بَلْ أَمْرُهُ بِذَلِكَ لَهُمْ كَأَمْرِهِ لَهُمْ بِسَائِرِ الطَّاعَاتِ الَّتِي يُثَابُونَ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّهُ ﷺ لَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ فِي كُلِّ مَا يَعْمَلُونَهُ فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ دَعَا إلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْوِزْرِ مِثْلُ أَوْزَارِ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا﴾ وَهُوَ دَاعِي الْأُمَّةِ إلَى كُلِّ هُدًى فَلَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ فِي كُلِّ مَا اتَّبَعُوهُ فِيهِ. وَكَذَلِكَ إذَا صَلَّوْا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُصَلِّي عَلَى أَحَدِهِمْ عَشْرًا وَلَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ مَعَ مَا يَسْتَجِيبُهُ مِنْ دُعَائِهِمْ لَهُ فَذَلِكَ الدُّعَاءُ قَدْ أَعْطَاهُمْ اللَّهُ أَجْرَهُمْ عَلَيْهِ وَصَارَ مَا حَصَلَ لَهُ بِهِ مِنْ النَّفْعِ نِعْمَةً مِنْ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ بِدَعْوَةِ إلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكًا كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِدَعْوَةِ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَك مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: ﴿أَسْرَعُ الدُّعَاءِ دَعْوَةُ غَائِبٍ لِغَائِبِ﴾ .
стр. 135
فَ الدُّعَاءُ لِلْغَيْرِ يَنْتَفِعُ بِهِ الدَّاعِي وَالْمَدْعُوُّ لَهُ وَإِنْ كَانَ الدَّاعِي دُونَ الْمَدْعُوِّ لَهُ فَدُعَاءُ الْمُؤْمِنِ لِأَخِيهِ يَنْتَفِعُ بِهِ الدَّاعِي وَالْمَدْعُوُّ لَهُ. فَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ اُدْعُ لِي وَقَصَدَ انْتِفَاعَهُمَا جَمِيعًا بِذَلِكَ كَانَ هُوَ وَأَخُوهُ مُتَعَاوِنَيْنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى فَهُوَ نَبَّهَ الْمَسْئُولَ وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِمَا يَنْفَعُهُمَا، وَالْمَسْئُولُ فَعَلَ مَا يَنْفَعُهُمَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَأْمُرُ غَيْرَهُ بِبِرِّ وَتَقْوَى؛ فَيُثَابُ الْمَأْمُورُ عَلَى فِعْلِهِ وَالْآمِرُ أَيْضًا يُثَابُ مِثْلَ ثَوَابِهِ؛ لِكَوْنِهِ دَعَا إلَيْهِ لَا سِيَّمَا وَمِنْ الْأَدْعِيَةِ مَا يُؤْمَرُ بِهَا الْعَبْدُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فَأَمَرَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ . فَذَكَرَ - سُبْحَانَهُ - اسْتِغْفَارَهُمْ وَاسْتِغْفَارَ الرَّسُولِ لَهُمْ إذْ ذَاكَ مِمَّا أُمِرَ بِهِ الرَّسُولُ حَيْثُ أَمَرَهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ مَخْلُوقًا أَنْ يَسْأَلَ مَخْلُوقًا شَيْئًا لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ الْمَخْلُوقَ بِهِ بَلْ مَا أَمَرَ اللَّهُ الْعَبْدَ أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ اسْتِحْبَابٍ؛ فَفِعْلُهُ هُوَ عِبَادَةٌ لِلَّهِ وَطَاعَةٌ وَقُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ وَصَلَاحٌ لِفَاعِلِهِ وَحَسَنَةٌ فِيهِ وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ أَعْظَمَ لِإِحْسَانِ اللَّهِ إلَيْهِ وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ.
بَلْ أَجَلُّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ أَنْ هَدَاهُمْ لِلْإِيمَانِ. وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَالْحَسَنَاتِ وَكُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ عَمَلًا لِلْخَيْرِ. ازْدَادَ إيمَانُهُ. هَذَا هُوَ الْإِنْعَامُ الْحَقِيقِيُّ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ . بَلْ نِعَمُ الدُّنْيَا بِدُونِ الدِّينِ هَلْ هِيَ مِنْ نِعَمِهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ.
стр. 136
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهَا نِعْمَةٌ مِنْ وَجْهٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نِعْمَةً تَامَّةً مِنْ وَجْهٍ وَأَمَّا الْإِنْعَامُ بِالدِّينِ الَّذِي يَنْبَغِي طَلَبُهُ فَهُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ فَهُوَ الْخَيْرُ الَّذِي يَنْبَغِي طَلَبُهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ النِّعْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ إذْ عِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَنْعَمَ بِفِعْلِ الْخَيْرِ. وَالْقَدَرِيَّةُ عِنْدَهُمْ إنَّمَا أَنْعَمَ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ الصَّالِحَةِ لِلضِّدَّيْنِ فَقَطْ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ مَخْلُوقًا أَنْ يَسْأَلَ مَخْلُوقًا إلَّا مَا كَانَ مَصْلَحَةً لِذَلِكَ الْمَخْلُوقِ إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ. فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَطْلُبُ مِنْ الْعَبْدِ إلَّا ذَلِكَ فَكَيْفَ يَأْمُرُ غَيْرَهُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ؟ بَلْ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْأَلَ الْعَبْدَ مَالَهُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ. وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ مَصْلَحَةَ الْمَأْمُورِ أَوْ مَصْلَحَتَهُ وَمَصْلَحَةَ الْمَأْمُورِ فَهَذَا يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ حُصُولَ مَطْلُوبِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ لِانْتِفَاعِ الْمَأْمُورِ فَهَذَا مِنْ نَفْسِهِ أَتَى وَمِثْلُ هَذَا السُّؤَالِ لَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ قَطُّ بَلْ قَدْ نَهَى عَنْهُ إذْ هَذَا سُؤَالٌ مَحْضٌ لِلْمَخْلُوقِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِهِ لِنَفْعِهِ وَلَا لِمَصْلَحَتِهِ وَاَللَّهُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَهُ وَنَرْغَبَ إلَيْهِ، وَيَأْمُرُنَا أَنْ نُحْسِنَ إلَى عِبَادِهِ وَهَذَا لَمْ يَقْصِدْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا فَلَمْ يَقْصِدْ الرَّغْبَةَ إلَى اللَّهِ وَدُعَائِهِ وَهُوَ الصَّلَاةُ. وَلَا قَصَدَ الْإِحْسَانَ إلَى الْمَخْلُوقِ الَّذِي هُوَ الزَّكَاةُ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ لَا يَأْثَمُ بِمِثْلِ هَذَا السُّؤَالِ؛ لَكِنْ فَرْقٌ مَا بَيْنَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْعَبْدُ وَمَا يُؤْذَنُ لَهُ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ: أَنَّهُمْ لَا يسترقون. وَإِنْ كَانَ الِاسْتِرْقَاءُ جَائِزًا. وَهَذَا قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ وَسَائِطَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ كَالْوَسَائِطِ الَّتِي
стр. 137
تَكُونُ بَيْنَ الْمُلُوكِ وَالرَّعِيَّةِ فَهُوَ مُشْرِكٌ؛ بَلْ هَذَا دِينُ الْمُشْرِكِينَ عُبَّادُ الْأَوْثَانِ كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّهَا تَمَاثِيلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَإِنَّهَا وَسَائِلُ يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَى اللَّهِ؛ وَهُوَ مِنْ الشِّرْكِ الَّذِي أَنْكَرَهُ اللَّهُ عَلَى النَّصَارَى حَيْثُ قَالَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ أَيْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي إذَا دَعَوْتُهُمْ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَلْيُؤْمِنُوا بِي أَنْ أُجِيبَ دُعَاءَهُمْ لِي بِالْمَسْأَلَةِ وَالتَّضَرُّعِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ . ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلَّا إيَّاهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ . وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ هَذَا التَّوْحِيدَ فِي كِتَابِهِ وَحَسَمَ مَوَادَّ الْإِشْرَاكِ بِهِ حَتَّى لَا يَخَافَ أَحَدٌ غَيْرَ اللَّهِ وَلَا يَرْجُوَ سِوَاهُ وَلَا يَتَوَكَّلَ إلَّا عَلَيْهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ﴿إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أَيْ يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ
стр. 138
وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلَّا اللَّهَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ . فَبَيَّنَ أَنَّ الطَّاعَةَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَمَّا الْخَشْيَةُ فَلِلَّهِ وَحْدَهُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ . وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَقِّقُ هَذَا التَّوْحِيدَ لِأُمَّتِهِ وَيَحْسِمُ عَنْهُمْ مَوَادَّ الشِّرْكِ؛ إذْ هَذَا تَحْقِيقُ قَوْلِنَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِنَّ الْإِلَهَ هُوَ الَّذِي تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ؛ لِكَمَالِ الْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَالرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ حَتَّى قَالَ لَهُمْ: ﴿لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ؛ وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ﴾ ﴿وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت. فَقَالَ: أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ﴾ وَقَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ؛ فَلَوْ جَهَدَتْ الْخَلِيقَةُ عَلَى أَنْ تَنْفَعَك لَمْ تَنْفَعْك إلَّا بِشَيْءِ كَتَبَهُ اللَّهُ لَك وَلَوْ جَهَدَتْ أَنْ تَضُرَّك لَمْ تَضُرَّك إلَّا بِشَيْءِ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْك﴾ وَقَالَ أَيْضًا: ﴿لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ﴾ وَقَالَ: ﴿اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ﴾ وَقَالَ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ وَقَالَ فِي مَرَضِهِ: ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ
стр. 139
أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ﴾ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ؛ وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ.
وَمَعَ عِلْمِ الْمُؤْمِنِ أَنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ: فَإِنَّهُ لَا يُنْكِرُ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَسْبَابِ كَمَا جَعَلَ الْمَطَرَ سَبَبًا لِإِنْبَاتِ النَّبَاتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ وَكَمَا جَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ سَبَبًا لِمَا يَخْلُقُهُ بِهِمَا وَكَمَا جَعَلَ الشَّفَاعَةَ وَالدُّعَاءَ سَبَبًا لِمَا يَقْضِيهِ بِذَلِكَ مِثْلُ صَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جِنَازَةِ الْمَيِّتِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَرْحَمُهُ اللَّهُ بِهَا وَيُثِيبُ عَلَيْهَا الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ؛ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ فِي الْأَسْبَابِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ السَّبَبَ الْمُعَيَّنَ لَا يَسْتَقِلُّ بِالْمَطْلُوبِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ أَسْبَابٍ أُخَرَ وَمَعَ هَذَا فَلَهَا مَوَانِعُ. فَإِنْ لَمْ يُكْمِلْ اللَّهُ الْأَسْبَابَ وَيَدْفَعْ الْمَوَانِعَ: لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - مَا شَاءَ كَانَ - وَإِنْ لَمْ يَشَأْ النَّاسُ - وَمَا شَاءَ النَّاسُ لَا يَكُونُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَجُوزَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الشَّيْءَ سَبَبٌ إلَّا بِعِلْمِ فَمَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا سَبَبًا بِلَا عِلْمٍ أَوْ يُخَالِفُ الشَّرْعَ: كَانَ مُبْطِلًا مِثْلَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ النَّذْرَ سَبَبٌ فِي دَفْعِ الْبَلَاءِ وَحُصُولِ النَّعْمَاءِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ﴿: أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ: إنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرِ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ﴾ . الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَعْمَالَ الدِّينِيَّةَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا شَيْءٌ سَبَبًا إلَّا أَنْ تَكُونَ مَشْرُوعَةً؛ فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوْقِيفِ؛ فَلَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُشْرِكَ بِاَللَّهِ فَيَدْعُوَ غَيْرَهُ - وَإِنْ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ فِي حُصُولِ بَعْضِ أَغْرَاضِهِ -
стр. 140
وَكَذَلِكَ لَا يَعْبُدُ اللَّهَ بِالْبِدَعِ الْمُخَالَفَةِ لِلشَّرِيعَةِ - وَإِنْ ظَنَّ ذَلِكَ - فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ قَدْ تُعِينُ الْإِنْسَانَ عَلَى بَعْضِ مَقَاصِدِهِ إذَا أَشْرَكَ وَقَدْ يَحْصُلُ بِالْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ بَعْضُ أَغْرَاضِ الْإِنْسَانِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ إذْ الْمَفْسَدَةُ الْحَاصِلَةُ بِذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْحَاصِلَةِ بِهِ إذْ الرَّسُولُ ﷺ بُعِثَ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا فَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ: فَمَصْلَحَتُهُ رَاجِحَةٌ وَمَا نَهَى عَنْهُ: فَمَفْسَدَتُهُ رَاجِحَةٌ وَهَذِهِ الْجُمَلُ: لَهَا بَسْطٌ لَا تَحْتَمِلُهُ هَذِهِ الْوَرَقَةُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 141
وَسُئِلَ ﵀:
قَالَ السَّائِلُ: إنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ الدُّعَاءَ بِوَاسِطَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإِنَّهُ الْوَسِيلَةُ وَالْوَاسِطَةُ.
الْجَوَابُ
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدِ وَطَاعَتَهُ وَالصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَيْهِ وَسِيلَةٌ لِلْعَبْدِ فِي قَبُولِ دُعَائِهِ وَثَوَابِ دُعَائِهِ فَهُوَ صَادِقٌ؛ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُجِيبُ دُعَاءَ أَحَدٍ حَتَّى يَرْفَعَهُ إلَى مَخْلُوقٍ أَوْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ بِهِ أَوْ أَنَّ أَنْفُسَ الْأَنْبِيَاءِ بِدُونِ الْإِيمَانِ بِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ وَبِدُونِ شَفَاعَتِهِمْ وَسِيلَةٌ فِي إجَابَةِ الدُّعَاءِ: فَقَدْ كَذَبَ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 142
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
هَلْ يَجُوزُ التَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا التَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَبِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ أَفْعَالِهِ وَأَفْعَالِ الْعِبَادِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي حَقِّهِ. فَهُوَ مَشْرُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ يَتَوَسَّلُونَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَتَوَسَّلُوا بَعْدَ مَوْتِهِ بِالْعَبَّاسِ عَمِّهِ كَمَا كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَتَوَسَّلُ إلَيْك بِهِ. فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ قَوْلَانِ: كَمَا لَهُمْ فِي الْحَلِفِ بِهِ قَوْلَانِ: وَجُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ كَمَالِكِ؛ وَالشَّافِعِيِّ؛ وَأَبِي حَنِيفَةَ: عَلَى أَنَّهُ لَا يَسُوغُ الْحَلِفُ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْسِكِهِ الَّذِي كَتَبَهُ للمروذي صَاحِبِهِ: إنَّهُ يُتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي دُعَائِهِ؛ وَلَكِنْ غَيْرُ أَحْمَدَ قَالَ: إنَّ هَذَا إقْسَامٌ عَلَى اللَّهِ بِهِ وَلَا يُقْسَمُ عَلَى اللَّهِ بِمَخْلُوقِ وَأَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ قَدْ جَوَّزَ الْقَسَمَ بِهِ فَلِذَلِكَ جَوَّزَ التَّوَسُّلَ بِهِ. وَلَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى عَنْهُ: هِيَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُقْسِمُ بِهِ؛
стр. 143
فَلَا يُقْسَمُ عَلَى اللَّهِ بِهِ كَسَائِرِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ قَالَ إنَّهُ يُقْسَمُ بِهِ عَلَى اللَّهِ؛ كَمَا لَمْ يَقُولُوا إنَّهُ يُقْسَمُ بِهِمْ مُطْلَقًا؛ وَلِهَذَا أَفْتَى أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ عَلَى اللَّهِ بِأَحَدِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ؛ لَكِنْ ذُكِرَ لَهُ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ فِي الْإِقْسَامِ بِهِ فَقَالَ: إنْ صَحَّ الْحَدِيثُ كَانَ خَاصًّا بِهِ وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِقْسَامِ بِهِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ﴿مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ وَإِلَّا فَلْيَصْمُتْ﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ﴾ وَالدُّعَاءُ عِبَادَةٌ وَالْعِبَادَةُ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوْقِيفِ وَالِاتِّبَاعِ لَا عَلَى الْهَوَى وَالِابْتِدَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 144
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا. أَرْسَلَهُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا فَهَدَى بِهِ مِنْ الضَّلَالَةِ وَبَصَّرَ بِهِ مِنْ الْعَمَى وَأَرْشَدَ بِهِ مِنْ الْغَيِّ وَفَتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا. فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الْأَمَانَةَ وَنَصَحَ الْأُمَّةَ وَجَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَعَبَدَ رَبَّهُ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. فَفَرْقٌ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ وَالرَّشَادِ وَالْغَيِّ وَطَرِيقِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَطَرِيقِ أَهْلِ النَّارِ وَبَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ. فَالْحَلَالُ مَا حَلَّلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَقَدْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ إلَى الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَيَتَّبِعَهُ فِي بَاطِنِهِ وَظَاهِرِهِ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَمُتَابَعَتُهُ هُوَ سَبِيلُ اللَّهِ وَهُوَ دِينُ اللَّهِ،
стр. 145
وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَهُوَ طَاعَةُ اللَّهِ وَهُوَ طَرِيقُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَهُوَ الْوَسِيلَةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ فَابْتِغَاءُ الْوَسِيلَةِ إلَى اللَّهِ إنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ تَوَسَّلَ إلَى اللَّهِ بِالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدِ وَاتِّبَاعِهِ. وَهَذَا التَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بَاطِنًا وَظَاهِرًا فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَعْدَ مَوْتِهِ فِي مَشْهَدِهِ وَمَغِيبِهِ لَا يُسْقِطُ التَّوَسُّلَ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِطَاعَتِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ وَلَا بِعُذْرِ مِنْ الْأَعْذَارِ. وَلَا طَرِيقَ إلَى كَرَامَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَالنَّجَاةِ مِنْ هَوَانِهِ وَعَذَابِهِ إلَّا التَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِطَاعَتِهِ. وَهُوَ ﷺ شَفِيعُ الْخَلَائِقِ صَاحِبُ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ والآخرون فَهُوَ أَعْظَمُ الشُّفَعَاءِ قَدْرًا وَأَعْلَاهُمْ جَاهًا عِنْدَ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى عَنْ مُوسَى ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ وَقَالَ عَنْ الْمَسِيحِ ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ . وَمُحَمَّدٌ ﷺ أَعْظَمُ جَاهًا مِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ؛ لَكِنْ شَفَاعَتُهُ وَدُعَاؤُهُ إنَّمَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ شَفَعَ لَهُ الرَّسُولُ وَدَعَا لَهُ فَمَنْ دَعَا لَهُ الرَّسُولُ وَشَفَعَ لَهُ تَوَسَّلَ إلَى اللَّهِ بِشَفَاعَتِهِ وَدُعَائِهِ كَمَا كَانَ أَصْحَابُهُ يَتَوَسَّلُونَ إلَى اللَّهِ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ وَكَمَا يَتَوَسَّلُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى اللَّهِ ﵎ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
وَلَفْظُ (التَّوَسُّلِ) فِي عُرْفِ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَسْتَعْلِمُونَهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَالتَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ يَنْفَعُ مَعَ الْإِيمَانِ بِهِ وَأَمَّا بِدُونِ الْإِيمَانِ بِهِ فَالْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ لَا تُغْنِي عَنْهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ فِي الْآخِرَةِ.
следующие страницы →