Полный текст (16 874 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وَذَكَرَ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ قَالَ: هُوَ عَلَى عَرْشِهِ وَعِلْمُهُ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا. وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: اللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ كُلِّهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِيمَانِ بِهَا وَحَمْلِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ، إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُكَيِّفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَحُدُّونَ فِيهِ صِفَةً مَحْصُورَةً، وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ كُلُّهَا وَالْخَوَارِجُ فَكُلُّهُمْ يُنْكِرُهَا وَلَا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَا مُشَبِّهٌ وَهُمْ عِنْدَ مَنْ أَقَرَّ بِهَا نَافُونَ لِلْمَعْبُودِ وَالْحَقُّ فِيهَا مَا قَالَ الْقَائِلُونَ: بِمَا نَطَقَ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ وَهُمْ أَئِمَّةُ الْجَمَاعَةِ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَأَئِمَّةُ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا الْإِيمَانُ بِمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا وَالتَّصْدِيقُ بِذَلِكَ وَتَرْكُ التَّحْدِيدِ وَالْكَيْفِيَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ الْعَارِفُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ أَبِي صَالِحٍ الكيلاني فِي كِتَابِ " الغنية " لَهُ: أَمَّا مَعْرِفَةُ الصَّانِعِ بِالْآيَاتِ وَالدَّلَالَاتِ - عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ - فَهُوَ أَنْ يَعْرِفَ وَيَتَيَقَّنَ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ أَحَدٌ. إلَى أَنْ قَالَ وَهُوَ بِجِهَةِ الْعُلُوِّ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ مُحْتَوٍ عَلَى الْمُلْكِ مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِالْأَشْيَاءِ. قَالَ: وَلَا يَجُوزُ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، بَلْ يُقَالُ إنَّهُ فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ. كَمَا قَالَ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وَذَكَرَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ إلَى أَنْ قَالَ: وَيَنْبَغِي إطْلَاقُ صِفَةِ الِاسْتِوَاءِ
стр. 1157
مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَأَنَّهُ اسْتِوَاءُ الذَّاتِ عَلَى الْعَرْشِ. قَالَ وَكَوْنُهُ عَلَى الْعَرْشِ مَذْكُورٌ فِي كُلِّ كِتَابٍ أُنْزِلَ عَلَى نَبِيٍّ أُرْسِلَ بِلَا كَيْفٍ. وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الكرجي الشَّافِعِيُّ فِي مُقَدِّمَتِهِ الْمَشْهُورَةِ فِي " اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ " وَهِيَ مَنْقُولَةٌ مِنْ خَطِّ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الصَّلَاحِ:
عَقِيدَتُهُمْ أَنَّ الْإِلَهَ بِذَاتِهِ … عَلَى عَرْشِهِ مَعَ عِلْمِهِ بالغوائب
وَهَذِهِ الْآثَارُ لَمْ أَذْكُرْهَا كُلَّهَا لِلرَّسُولِ لَكِنْ هِيَ مِمَّا أَشَرْت إلَيْهِ بِقَوْلِي: إنِّي لَمْ أَقُلْ شَيْئًا مِنْ نَفْسِي وَإِنَّمَا قُلْت مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَهَذَا الْمَوْضِعُ يَضِيقُ بِهَا فِي ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْأُمَّةِ فَقَالَ لِي: نَعَمْ هُوَ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ حَقِيقَةً بِذَاتِهِ بِلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ. قُلْت نَعَمْ وَهَذَا هُوَ فِي " الْعَقِيدَةِ " فَقَالَ فَاكْتُبْ هَذِهِ السَّاعَةَ أَوْ قَالَ اُكْتُبْ هَذَا أَوْ نَحْوَ هَذَا فَقُلْت هَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي الْعَقِيدَةِ الَّتِي عِنْدَكُمْ الَّتِي بُحِثَتْ بِدِمَشْقَ وَاتَّفَقَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ فَأَيُّ شَيْءٍ هُوَ الَّذِي أُرِيدُهُ؟ وَقُلْت لَهُ: أَنَا قَدْ أَحْضَرْت أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ كِتَابًا - مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ وَالْمُتَكَلِمِينَ وَالْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ: الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ - تُوَافِقُ مَا قُلْت. وَقُلْت: أَنَا أُمْهِلُ مَنْ خَالَفَنِي ثَلَاثَ سِنِينَ أَنْ يَجِيءَ بِحَرْفِ وَاحِدٍ عَنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ يُخَالِفُ مَا قُلْته. فَمَا الَّذِي أَصْنَعُهُ؟ فَلَمَّا خَرَجَ الطيبرسي وَالْفَتَّاحُ عَادَ الْفَتَّاحُ بَعْدَ سَاعَةٍ فَقَالَ: يُسَلِّمُ عَلَيْك
стр. 1158
نَائِبُ السُّلْطَانِ وَقَالَ: فَاكْتُبْ لَنَا الْآنَ " عَقِيدَةً " بِخَطِّك فَقُلْت: سَلِّمْ عَلَى نَائِبِ السُّلْطَانِ، وَقُلْ لَهُ: لَوْ كَتَبْت السَّاعَةَ شَيْئًا لَقَالَ الْقَائِلُ: قَدْ زَادَ وَنَقَصَ أَوْ غَيَّرَ الِاعْتِقَادَ وَهَكَذَا بِدِمَشْقَ لَمَّا طَلَبُوا الِاعْتِقَادَ لَمْ أُتَّهَمْ إلَّا بِشَيْءِ قَدْ كُتِبَ مُتَقَدِّمًا. قُلْت: وَهَذَا الِاعْتِقَادُ هُوَ الَّذِي قُرِئَ بِالشَّامِ فِي الْمَجَالِسِ الثَّلَاثَةِ وَقَدْ أَرْسَلَهُ إلَيْكُمْ نَائِبُكُمْ مَعَ الْبَرِيدِ وَالْجَمِيعُ عِنْدَكُمْ ثُمَّ أَرْسَلَ لَكُمْ مَعَ الْعُمَرِيِّ ثَانِيًا لَمَّا جَاءَ الْكِتَابُ الثَّانِي مَا قَالَهُ: الْقُضَاةُ وَالْعُلَمَاءُ وَالْمَحْضَرُ وَكِتَابُ الْبُخَارِيِّ الَّذِي قَرَأَهُ المزي، وَالِاعْتِقَادُ لَيْسَ هُوَ شَيْئًا أَبْتَدِئُهُ مِنْ عِنْدِي حَتَّى يَكُونَ كُلَّ يَوْمٍ لِي اعْتِقَادٌ وَهُوَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ بِعَيْنِهِ وَالنُّسْخَةُ بِعَيْنِهَا. فَانْظُرُوا فِيهَا فَرَاحَ، ثُمَّ عَادَ، وَطَلَبَ أَنْ أَكْتُبَ بِخَطِّي أَيَّ شَيْءٍ كَانَ. فَقُلْت فَمَا الَّذِي أَكْتُبُهُ قَالَ مِثْلَ الْعَفْوِ وَأَلَّا تَتَعَرَّضَ لِأَحَدِ. فَقُلْت: نَعَمْ هَذَا أَنَا مُجِيبٌ إلَيْهِ، لَيْسَ غَرَضِي فِي إيذَاءِ أَحَدٍ، وَلَا الِانْتِقَامَ مِنْهُ وَلَا مُؤَاخَذَتَهُ. وَأَنَا عَافٍ عَمَّنْ ظَلَمَنِي. وَأَرَدْت أَنْ أَكْتُبَ هَذَا ثُمَّ قُلْت مِثْلَ هَذَا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِكِتَابَتِهِ فَإِنَّ عَفْوَ الْإِنْسَانِ عَنْ حَقِّهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا. وَتَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ لَمَّا جَرَى عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَادَ بَعْضُ الْقُلُوبِ يَتَغَيَّرُ عَلَى الشَّيْخِ وَظَنُّوا أَنَّ هَذَا الدُّرْجَ قَدْ أَقَرَّ بِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يُنَاقِضُ مَا كَانَ يَقُولُهُ وَيُرْسِلُ بِهِ. فَجَعَلْت أَنَا وَأَخِي نَدْفَعُ ذَلِكَ. وَنَقُولُ: هَذَا مِنْ فِعْلِ ابْنِ مَخْلُوفٍ وَقَدْ تَحَقَّقْت أَنَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ ابْنِ مَخْلُوفٍ. وَيَعْرِفُ الشَّيْخُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الَّتِي قَدْ اُشْتُهِرَتْ وَانْتَشَرَتْ لَا تَنْدَفِعُ
стр. 1159
عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَأَنَا أَبْذُلُ غَايَةَ مَا وَسِعَنِي مِنْ الْإِحْسَانِ، وَتَرْكِ الِانْتِقَامِ، وَتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ، لَكِنْ هُوَ يَعْرِفُ خَلْقًا كَثِيرًا مِمَّنْ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنْجُو مِنْ شَرِّهِمْ وَظُلْمِهِمْ إلَّا بِأَخْذِ طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا مُسْتَقِرٌّ، وَالْآخَرُ مُتَقَلِّبٌ. (الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ اللَّهِ تَأْيِيدٌ وَسُلْطَانٌ وَالْتِجَاءٌ إلَيْهِ وَاسْتِعَانَةٌ بِهِ وَتَوَكُّلٌ عَلَيْهِ وَاسْتِغْفَارٌ لَهُ وَطَاعَةٌ لَهُ: يَدْفَعُ بِهِ عَنْهُ شَرَّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الثَّابِتَةُ الْبَاقِيَةُ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: إنْ جَاءَ مِنْ ذِي جَاهٍ، فَإِنَّهُمْ يُرَاعُونَ ذَا الْجَاهِ مَا دَامَ جَاهُهُ قَائِمًا فَإِذَا انْقَلَبَ جَاهُهُ كَانُوا مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ قِيَامًا عَلَيْهِ هُمْ بِأَعْيَانِهِمْ، حَتَّى إنَّهُمْ قَدْ يَضْرِبُونَ الْقَاضِي بِالْمَقَارِعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكَادُ يُعْرَفُ لِغَيْرِهِمْ أَعْدَاؤُهُ وَمُبْغِضُوهُ كَثِيرُونَ وَقَدْ دَخَلَ فِي إثْبَاتَاتٍ وَأَمْلَاكٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مُتَعَلِّقَةٍ بِالدَّوْلَةِ وَغَيْرِ الدَّوْلَةِ. فَلَوْ حَصَلَ مِنْ ذَوِي الْجَاهِ مَنْ لَهُ غَرَضٌ فِي نَقْضِ أَحْكَامِهِ وَنَقْلِ الْأَمْلَاكِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَيْسَرِ الْأُمُورِ عَلَيْهِ: أَمَّا أَنْ يَكْتُبَ رِدَّتَهُ، وَأَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ لَا تَنْفُذُ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنْهُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ أَنَّهُ جَعَلَ مَا فَعَلَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ شَرْعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْإِنْسَانُ مَتَى حَلَّلَ الْحَرَامَ - الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ - أَوْ حَرَّمَ الْحَلَالَ - الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ - أَوْ بَدَّلَ الشَّرْعَ - الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ - كَانَ كَافِرًا مُرْتَدًّا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَفِي مِثْلِ هَذَا
стр. 1160
نَزَلَ قَوْلُهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أَيْ هُوَ الْمُسْتَحِلُّ لِلْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلَفْظُ الشَّرْعِ يُقَالُ فِي عُرْفِ النَّاسِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: " الشَّرْعُ الْمُنَزَّلُ " وَهُوَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَهَذَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَمَنْ خَالَفَهُ وَجَبَتْ عُقُوبَتُهُ. وَالثَّانِي " الشَّرْعُ الْمُؤَوَّلُ " وَهُوَ آرَاءُ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهَا كَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَنَحْوِهِ. فَهَذَا يَسُوغُ اتِّبَاعُهُ وَلَا يَجِبُ وَلَا يَحْرُمُ، وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُلْزِمَ عُمُومَ النَّاسِ بِهِ وَلَا يَمْنَعَ عُمُومَ النَّاسِ مِنْهُ. وَالثَّالِثُ " الشَّرْعُ الْمُبَدَّلُ " وَهُوَ الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ أَوْ عَلَى النَّاسِ بِشَهَادَاتِ الزُّورِ وَنَحْوِهَا وَالظُّلْمِ الْبَيِّنِ فَمَنْ قَالَ إنَّ هَذَا مِنْ شَرْعِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ بِلَا نِزَاعٍ. كَمَنْ قَالَ: إنَّ الدَّمَ وَالْمَيْتَةَ حَلَالٌ - وَلَوْ قَالَ هَذَا مَذْهَبِي وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَلَوْ كَانَ الَّذِي حَكَمَ بِهِ ابْنُ مَخْلُوفٍ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَوْ الْأَشْعَرِيِّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ جَمِيعَ النَّاسِ بِهِ وَيُعَاقِبَ مَنْ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ، فَكَيْفَ وَالْقَوْلُ الَّذِي يَقُولُهُ وَيُلْزِمُ بِهِ هُوَ خِلَافَ نَصِّ مَالِكٍ وَأَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ وَخِلَافَ نَصِّ الْأَشْعَرِيِّ وَأَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ: كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي الْحَسَنِ الطبري،
стр. 1161
وَأَبِي بَكْرِ بْنِ فورك وَأَبِي الْقَاسِمِ القشيري وَأَبِي بَكْرٍ البيهقي؟ وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ، كُلُّهُمْ مُصَرِّحُونَ بِمِثْلِ مَا قُلْنَاهُ، وَبِنَقِيضِ مَا قَالَهُ. وَلِهَذَا اصْطَلَحَتْ الْحَنْبَلِيَّةُ وَالْأَشْعَرِيَّةُ وَاتَّفَقَ النَّاسُ كُلُّهُمْ. وَلَمَّا رَأَى الْحَنْبَلِيَّةُ كَلَامَ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ قَالُوا: هَذَا خَيْرٌ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْمُوَفَّقِ وَزَالَ مَا كَانَ فِي الْقُلُوبِ مِنْ الْأَضْغَانِ وَصَارَ الْفُقَهَاءُ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: يَقُولُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى اتِّفَاقِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ لَوْ فُرِضَ أَنَّ هَذَا الَّذِي حَكَمَ فِيهِ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَ غَيْرِهِ فَكَيْفَ إذَا نُقِضَ حُكْمُ حُكَّامِ الشَّامِ جَمِيعِهِمْ بِلَا شُبْهَةٍ، بَلْ بِمَا يُخَالِفُ دِينَ الْمُسْلِمِينَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّ حُكَّامَ الشَّامِ مُكْرَهُونَ، فَفِيهِمْ مَنْ يُصَرِّحُ بِعَدَمِ الْإِكْرَاهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَهَؤُلَاءِ بِمِصْرِ كَانُوا أَظْهَرَ إكْرَاهًا لِمَا اُشْتُهِرَ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ غَرَضِ الدَّوْلَةِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمُلْكِ وَأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَتَكَلَّمَ الْحُكَّامُ بِأَشْيَاءَ وَهَذَا ثَابِتٌ عَنْ حُكَّامِ مِصْرَ. فَكَيْفَ وَهَذَا الْحُكْمُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ مُخَالِفٌ لِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ مِنْ بِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ وَجْهًا؟ وَعَامَّتُهَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْوُجُوهُ مَكْتُوبَةٌ مَعَ الشَّرَفِ مُحَمَّدٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَرَّفَ الشَّيْخُ " نَصْرٌ " بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ وَبَاطِنِ الْقَضِيَّةِ لِيَطِبَّهَا بِتَدْبِيرِهِ. فَأَنَا لَيْسَ مُرَادِي إلَّا طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا يُخَافُ عَلَى الْمِصْرِيِّينَ إلَّا مِنْ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ: كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ. وَقَدْ سَمِعْتُمْ مَا جَرَى بِدِمَشْقَ - مَعَ أَنَّ
стр. 1162
أُولَئِكَ أَقْرَبُ إلَى الِاتِّفَاقِ - مِنْ تَجْدِيدِ الْقَاضِي الْمَذْكُورِ إسْلَامُهُ عِنْدَ الْقَاضِي الْآخَرِ. وَأَنَا لَمَّا كُنْت هُنَاكَ كَانَ هَذَا الْآذِنُ " يَحْيَى الْحَنَفِيُّ " فَذَهَبَ إلَى الْقَاضِي تَقِيِّ الدِّينِ الْحَنْبَلِيِّ وَجَدَّدَ إسْلَامَهُ وَحَكَمَ بِحَقْنِ دَمِهِ لَمَّا قَامَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِمْ فِي أَشْيَاءَ. وَكَانَ مِنْ مُدَّةٍ لَمَّا كَانَ الْقَاضِي حُسَامُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ مُبَاشِرًا لِقَضَاءِ الشَّامِ: أَرَادَ أَنْ يَحْلِقَ لِحْيَةَ هَذَا الأذرعي وَأَحْضَرَ الْمُوسَى وَالْحِمَارَ لِيَرْكَبَهُ وَيَطُوفَ بِهِ فَجَاءَ أَخُوهُ عَرَّفَنِي ذَلِكَ فَقُمْت إلَيْهِ وَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى كَفَّ عَنْ ذَلِكَ. وَجَرَتْ أُمُورٌ لَمْ أَزَلْ فِيهَا مُحْسِنًا إلَيْهِمْ. وَهَذِهِ الْأُمُورُ لَيْسَتْ مِنْ فِعْلِي وَلَا فِعْلِ أَمْثَالِي. نَحْنُ إنَّمَا نَدْخُلُ فِيمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، لَيْسَ لَنَا غَرَضٌ مَعَ أَحَدٍ، بَلْ نَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ وَنَعْفُو وَنَغْفِرُ. وَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ قَدْ انْتَشَرَتْ وَظَهَرَ مَا فَعَلَ فِيهَا وَعِلْمُهُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ. فَلَوْ تَغَيَّرَتْ الْأَحْوَالُ حَتَّى جَاءَ أَمِيرٌ أَوْ وَزِيرٌ لَهُ فِي نَقْلِ مِلْكٍ قَدْ أَثْبَتَهُ أَوْ حَكَمَ بِهِ: لَكَانَ هَذَا عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ أَسْهَلِ مَا يَكُونُ. فَيُثْبِتُونَ رِدَّتَهُ وَالْمُرْتَدُّ أَحْكَامُهُ مَرْدُودَةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَيَعُودُ ضَرَرُهُ عَلَى الَّذِينَ أَعَانُوهُ وَنَصَرُوهُ بِالْبَاطِلِ مِنْ أَهْلِ الدَّوْلَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَهَذَا أَمْرٌ كَبِيرٌ لَا يَنْبَغِي إهْمَالُهُ. فَالشَّيْخُ خَبِيرٌ يَعْرِفُ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ.
стр. 1163
وَأَنَا وَاَللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ مُعَاوَنَةً عَلَى إطْفَاءِ كُلِّ شَرٍّ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا وَإِقَامَةِ كُلِّ خَيْرٍ، وَابْنُ مَخْلُوفٍ لَوْ عَمِلَ مَهْمَا عَمِلَ وَاَللَّهِ مَا أَقْدِرُ عَلَى خَيْرٍ إلَّا وَأَعْمَلُهُ مَعَهُ وَلَا أُعِينُ عَلَيْهِ عَدُوَّهُ قَطُّ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ. هَذِهِ نِيَّتِي وَعَزْمِي، مَعَ عِلْمِي بِجَمِيعِ الْأُمُورِ. فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَنْ أَكُونَ عَوْنًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى إخْوَانِي الْمُسْلِمِينَ. وَلَوْ كُنْت خَارِجًا لَكُنْت أَعْلَمُ بِمَاذَا أُعَاوِنُهُ، لَكِنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَدْ فَعَلُوهَا زُورًا وَاَللَّهُ يَخْتَارُ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعِهِمْ مَا فِيهِ الْخِيَرَةُ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. وَلَنْ يَنْقَطِعَ الدَّوْرُ وَتَزُولَ الْحَيْرَةُ إلَّا بِالْإِنَابَةِ إلَى اللَّهِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ وَصِدْقِ الِالْتِجَاءِ. فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا مَلْجَأَ مِنْهُ إلَّا إلَيْهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرْت عَنْ الشَّيْخِ " نَصْرٍ " أَنَّهُ قَالَ: كُنْت أوثر أَنْ لَا يُحِسُّوا بِهِ إلَّا وَقَدْ خَرَجَ خَشْيَةَ أَنْ يَعْلَمَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَيَطَّلِعُوا وَيَتَكَلَّمُوا. فَتَكْثُرَ الْغَوْغَاءُ وَالْكَلَامُ فَعَرَّفَهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَالَ حَقًّا: فَأَنَا أَحَقُّ مَنْ سَمِعَ الْحَقَّ وَالْتَزَمَهُ وَقَبِلَهُ. سَوَاءٌ كَانَ حُلْوًا أَوْ مُرًّا وَأَنَا أَحَقُّ أَنْ يَتُوبَ مِنْ ذُنُوبِهِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْهُ، بَلْ وَأَحَقُّ بِالْعُقُوبَةِ إذَا كُنْت أُضِلُّ الْمُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ. وَقَدْ قُلْت فِيمَا مَضَى: مَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ أَنْ يَحْمِلَهُ تَحَنُّنُهُ لِشَخْصِ وَمُوَالَاتُهُ لَهُ عَلَى أَنْ يَتَعَصَّبَ مَعَهُ بِالْبَاطِلِ أَوْ يُعَطِّلَ لِأَجْلِهِ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ قَدْ قَالَ
стр. 1164
النَّبِيُّ ﷺ " ﴿مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدَ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ﴾ ". وَهَذَا الَّذِي يَخَافُهُ - مِنْ قِيَامِ " الْعَدُوِّ " وَنَحْوِهِ فِي الْمَحْضَرِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ مِنْ الشَّامِ إلَى ابْنِ مَخْلُوفٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِغَاثَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ إنْ أَظْهَرُوهُ كَانَ وَبَالُهُ عَلَيْهِمْ وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ دِينِ الْمُسْلِمِينَ وَدِينِ النَّصَارَى. فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى مَا عَلِمُوهُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْبُدَ وَلَا يَدْعُوَ وَلَا يَسْتَغِيثَ وَلَا يَتَوَكَّلَ إلَّا عَلَى اللَّهِ، وَأَنَّ مَنْ عَبَدَ مَلَكًا مُقَرَّبًا أَوْ نَبِيًّا مُرْسَلًا أَوْ دَعَاهُ أَوْ اسْتَغَاثَ بِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ. فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ يَا جبرائيل أَوْ يَا ميكائيل أَوْ يَا إبْرَاهِيمُ أَوْ يَا مُوسَى أَوْ يَا رَسُولَ اللَّهِ اغْفِرْ لِي أَوْ ارْحَمْنِي أَوْ اُرْزُقْنِي أَوْ اُنْصُرْنِي أَوْ أَغِثْنِي أَوْ أَجِرْنِي مِنْ عَدُوِّي أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، بَلْ هَذَا كُلُّهُ مِنْ خَصَائِصِ الْإِلَهِيَّةِ. وَهَذِهِ مَسَائِلُ شَرِيفَةٌ مَعْرُوفَةٌ قَدْ بَيَّنَهَا الْعُلَمَاءُ وَذَكَرُوا الْفَرْقَ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا [دُونَ] (١) الرُّسُلِ. وَالْحُقُوقِ الَّتِي لَهُ وَلِرُسُلِهِ، كَمَا يُمَيِّزُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ ذَلِكَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ فَالتَّعْزِيرُ وَالتَّوْقِيرُ لِلرَّسُولِ، وَالتَّسْبِيحُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا لِلَّهِ. стр. 1165
وَكَمَا قَالَ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ . فَالطَّاعَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَالْخَشْيَةُ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ وَكَمَا يَقُولُ الْمُرْسَلُونَ: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ فَيَجْعَلُونَ الْعِبَادَةَ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ وَيَجْعَلُونَ لَهُمْ الطَّاعَةَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ﴿قُلْ إنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ ﴿قُلْ إنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ
стр. 1166
تَدْرُسُونَ﴾ ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فَمَنْ اتَّخَذَ الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا فَقَدْ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَعَنْ أَنْ يُجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا فِي خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ: فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ﴾ " يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ﴾ وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا﴾ ". وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ﴾ ". ﴿وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت، فَقَالَ: أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ قُلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ ". وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَنْ زَارَ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلِمُهُ وَلَا يُقَبِّلُهُ وَلَا يُشَبِّهُ بَيْتَ الْمَخْلُوقِ بِبَيْتِ الْخَالِقِ: الَّذِي يُسْتَلَمُ وَيُقَبَّلُ مِنْهُ الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ وَيُسْتَلَمُ الرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ. وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ تَقْبِيلُ شَيْءٍ مِنْ الْأَحْجَارِ وَلَا اسْتِلَامُهُ - إلَّا الرُّكْنَانِ الْيَمَانِيَّانِ - حَتَّى " مَقَامَ إبْرَاهِيمَ " الَّذِي بِمَكَّةَ لَا يُقَبَّلُ وَلَا يُتَمَسَّحُ بِهِ فَكَيْفَ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَقَامَاتِ وَالْمَشَاهِدِ
стр. 1167
وَأَنْتَ لَمَّا ذَكَرْت فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ هَذَا قُلْت لَك هَذَا مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ. فَإِذَا كَانَ الْقَاضِي لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ دِينِ الْإِسْلَامِ وَدِينِ النَّصَارَى الَّذِينَ يَدْعُونَ الْمَسِيحَ وَأُمَّهُ فَكَيْفَ أَصْنَعُ أَنَا؟ .
وَلَكِنْ مَنْ يَتَّخِذُ نَفِيسَةً رِبًا وَيَقُولُ: إنَّهَا تُجِيرُ الْخَائِفَ وَتُغِيثُ الْمَلْهُوفَ وَأَنَا فِي حَسَبِهَا وَيَسْجُدُ لَهَا وَيَتَضَرَّعُ فِي دُعَائِهَا مِثْلَ مَا يُتَضَرَّعُ فِي دُعَاءِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ وَيُتَوَكَّلُ عَلَى حَيٍّ قَدْ مَاتَ وَلَا يَتَوَكَّلُ عَلَى الْحَقِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ إشْرَاكَهُ بِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا يَكُونُ أَقْوَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ . وَحَدِيثُ ﴿مُعَاذٍ لَمَّا رَجَعَ مِنْ الشَّامِ فَسَجَدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُعَاذُ فَقَالَ: رَأَيْتهمْ فِي الشَّامِ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَيَذْكُرُونَ ذَلِكَ عَنْ أَنْبِيَائِهِمْ فَقَالَ يَا مُعَاذُ: أَرَأَيْت لَوْ مَرَرْت بِقَبْرِي أَكُنْت سَاجِدًا لَهُ؟ قَالَ لَا قَالَ: فَلَا تَسْجُدْ لِي، فَلَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدِ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا﴾ . فَمَنْ لَا يَنْهَى الضَّالِّينَ عَنْ مِثْلِ هَذَا الشِّرْكِ الْمُحَرَّمِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. كَيْفَ يَنْهَى عَمَّا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ؟ وَمَنْ دَعَا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ مُضَاهٍ لِمَنْ اتَّخَذَ الْمَسِيحَ وَأُمَّهُ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 1168
أَنَّهُ قَالَ: " ﴿لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ﴾ ". بَلْ مَنْ سَوَّغَ أَنْ يُدْعَى الْمَخْلُوقُ وَمَنَعَ مِنْ دُعَاءِ الْخَالِقِ الَّذِي فِيهِ تَحْقِيقُ صَمَدِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ فَقَدْ نَاقَضَ " الْإِسْلَامَ " فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ: وَهُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. وَأَمَّا حُقُوقُ رَسُولِ اللَّهِ - بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي - مِثْلُ تَقْدِيمِ مَحَبَّتِهِ عَلَى النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ، وَتَعْزِيرُهُ وَتَوْقِيرُهُ وَإِجْلَالُهُ وَطَاعَتُهُ وَاتِّبَاعُ سُنَّتِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَعَظِيمَةٌ جِدًّا. [وَكَذَلِكَ مِمَّا يُشْرَعُ التَّوَسُّلُ بِهِ فِي الدُّعَاءِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ أَنَّ ﴿النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَ شَخْصًا أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَتَوَسَّلُ بِك إلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي لِيَقْضِيَهَا اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِي﴾ " فَهَذَا التَّوَسُّلُ بِهِ حَسَنٌ] (*). وَأَمَّا دُعَاؤُهُ وَالِاسْتِغَاثَةُ بِهِ: فَحَرَامٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. الْمُتَوَسِّلُ إنَّمَا يَدْعُو اللَّهَ وَيُخَاطِبُهُ وَيَطْلُبُ مِنْهُ لَا يَدْعُو غَيْرَهُ إلَّا عَلَى سَبِيلِ اسْتِحْضَارِهِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الطَّلَبِ مِنْهُ وَأَمَّا الدَّاعِي وَالْمُسْتَغِيثُ فَهُوَ الَّذِي يَسْأَلُ الْمَدْعُوَّ وَيَطْلُبُ مِنْهُ وَيَسْتَغِيثُهُ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ
стр. 1169
وَمَالِكُ الْمُلْكِ وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الَّذِي يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَهُوَ الْقَرِيبُ الَّذِي يُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إذَا دَعَاهُ وَهُوَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ : عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَأَنَا قَدْ صَنَّفْت كِتَابًا كَبِيرًا سَمَّيْته " الصَّارِمَ الْمَسْلُولَ عَلَى شَاتِمِ الرَّسُولِ " وَذَكَرْت فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا لَمْ أَعْرِفْ أَحَدًا سَبَقَ إلَيْهِ. وَكَذَلِكَ هَذِهِ " الْقَوَاعِدُ الْإِيمَانِيَّةُ " قَدْ كَتَبْت فِيهَا فُصُولًا هِيَ مِنْ أَنْفَعِ الْأَشْيَاءِ فِي أَمْرِ الدِّينِ. وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ بِهِ الشَّيْخُ أَنِّي أَخَافُ أَنَّ الْقَضِيَّةَ تَخْرُجُ عَنْ أَمْرِهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَيَكُونُ فِيهَا مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ وَعَلَى ابْنِ مَخْلُوفٍ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّهُ قَدْ طَلَبَ مِنِّي مَا يَجْعَلُ سَبَبًا لِذَلِكَ وَلَمْ أُجِبْ إلَيْهِ فَإِنِّي إنَّمَا أَنَا لَوْنٌ وَاحِدٌ وَاَللَّهُ مَا غَشَشْتُهُمَا قَطُّ وَلَوْ غَشَشْتُهُمَا كَتَمْت ذَلِكَ. وَأَنَا مُسَاعِدٌ لَهُمَا عَلَى كُلِّ بِرٍّ وَتَقْوَى. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي تَصْلُحُ عَلَيْهِ الْأُمُورُ رُجُوعُ كُلِّ شَخْصٍ إلَى اللَّهِ وَتَوْبَتُهُ إلَيْهِ فِي هَذَا الْعَشْرِ الْمُبَارَكِ. فَإِذَا حَسُنَتْ السَّرَائِرُ أَصْلَحَ اللَّهُ الظَّوَاهِرَ. فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ كَبِيرَةٌ كُلَّمَا كَانَتْ تَزْدَادُ ظُهُورًا تَزْدَادُ انْتِشَارًا. وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
стр. 1170
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَّة ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالْفُرْقَةِ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
стр. 1171
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي أمامة الْبَاهِلِيِّ ﴿عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخَوَارِجِ أَنَّهُمْ كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ﴾ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: صَحَّ الْحَدِيثُ فِي الْخَوَارِجِ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ، وَقَدْ خَرَّجَهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ طَائِفَةً مِنْهَا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " ﴿يُحَقِّرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ. يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمْيَةِ - وَفِي رِوَايَةٍ - يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ﴾ ".
وَالْخَوَارِجُ هُمْ أَوَّلُ مَنْ كَفَّرَ الْمُسْلِمِينَ يُكَفِّرُونَ بِالذُّنُوبِ، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي بِدْعَتِهِمْ وَيَسْتَحِلُّونَ دَمَهُ وَمَالَهُ. وَهَذِهِ حَالُ أَهْلِ الْبِدَعِ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا. وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَتَّبِعُونَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَيَتَّبِعُونَ الْحَقَّ وَيَرْحَمُونَ الْخَلْقَ.
وَأَوَّلُ بِدْعَةٍ حَدَثَتْ فِي الْإِسْلَامِ بِدْعَةُ الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ حَدَثَتَا فِي أَثْنَاءِ خِلَافَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَعَاقَبَ الطَّائِفَتَيْنِ. أَمَّا الْخَوَارِجُ فَقَاتَلُوهُ فَقَتَلَهُمْ وَأَمَّا الشِّيعَةُ فَحَرَّقَ غَالِيَتَهُمْ بِالنَّارِ وَطَلَبَ قَتْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَأٍ فَهَرَبَ مِنْهُ وَأَمَرَ بِجَلْدِ مَنْ يُفَضِّلُهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ قَالَ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ، وَرَوَاهُ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ.
стр. 1172
فَصْلٌ:
وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ الْجُمَعَ وَالْأَعْيَادَ وَالْجَمَاعَاتِ لَا يَدَعُونَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْبِدَعِ مِنْ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مَسْتُورًا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ بِدْعَةٌ وَلَا فُجُورٌ صَلَّى خَلْفَهُ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ إنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ إلَّا خَلْفَ مَنْ عُلِمَ بَاطِنُ أَمْرِهِ بَلْ مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ بَعْدِ نَبِيِّهِمْ يُصَلُّونَ خَلْفَ الْمُسْلِمِ الْمَسْتُورِ وَلَكِنْ إذَا ظَهَرَ مِنْ الْمُصَلِّي بِدْعَةٌ أَوْ فُجُورٌ وَأَمْكَنَ الصَّلَاةُ خَلْفَ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ مُبْتَدِعٌ أَوْ فَاسِقٌ مَعَ إمْكَانِ الصَّلَاةِ خَلْفَ غَيْرِهِ فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُصَحِّحُونَ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ الصَّلَاةُ إلَّا خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ أَوْ الْفَاجِرِ كَالْجُمُعَةِ الَّتِي إمَامُهَا مُبْتَدِعٌ أَوْ فَاجِرٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ جُمُعَةٌ أُخْرَى فَهَذِهِ تُصَلَّى خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ وَالْفَاجِرِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَهُمْ. وَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ إذَا كَثُرَتْ الْأَهْوَاءُ يُحِبُّ أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا خَلْفَ مَنْ يَعْرِفُهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِمَنْ سَأَلَهُ. وَلَمْ يَقُلْ أَحْمَدُ إنَّهُ لَا تَصِحُّ إلَّا خَلْفَ مَنْ أَعْرِفُ حَالَهُ.
стр. 1173
وَلَمَّا قَدِمَ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مَرْزُوقٍ إلَى دِيَارِ مِصْرَ وَكَانَ مُلُوكُهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مُظْهِرِينَ لِلتَّشَيُّعِ وَكَانُوا بَاطِنِيَّةً مَلَاحِدَةً وَكَانَ بِسَبَبِ ذَلِكَ قَدْ كَثُرَتْ الْبِدَعُ وَظَهَرَتْ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يُصَلُّوا إلَّا خَلْفَ مَنْ يَعْرِفُونَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِهِ فَتَحَهَا مُلُوكُ السُّنَّة مِثْلُ صَلَاحِ الدِّينِ وَظَهَرَتْ فِيهَا كَلِمَةُ السُّنَّةِ الْمُخَالِفَةُ لِلرَّافِضَةِ ثُمَّ صَارَ الْعِلْمُ وَالسُّنَّةُ يَكْثُرُ بِهَا وَيَظْهَرُ. فَالصَّلَاةُ خَلْفَ الْمَسْتُورِ جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ قَالَ إنَّ الصَّلَاةَ مُحَرَّمَةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ خَلْفَ مَنْ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ فَقَدْ خَالَفَ إجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يُصَلُّونَ خَلْفَ مَنْ يَعْرِفُونَ فُجُورَهُ كَمَا صَلَّى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ خَلْفَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي معيط وَكَانَ قَدْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَصَلَّى مَرَّةً الصُّبْحَ أَرْبَعًا وَجَلَدَهُ عُثْمَانُ بْنُ عفان عَلَى ذَلِكَ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ يُصَلُّونَ خَلْفَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ. وَكَانَ الصَّحَابَةُ وَالَتَا بعون يُصَلُّونَ خَلْفَ ابْنِ أَبِي عُبَيْدٍ وَكَانَ مُتَّهَمًا بِالْإِلْحَادِ وَدَاعِيًا إلَى الضَّلَالِ.
стр. 1174
فَصْلٌ:
وَلَا يَجُوزُ تَكْفِيرُ الْمُسْلِمِ بِذَنْبِ فَعَلَهُ وَلَا بِخَطَأِ أَخْطَأَ فِيهِ كَالْمَسَائِلِ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا أَهْلُ الْقِبْلَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَابَ هَذَا الدُّعَاءَ وَغَفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ خَطَأَهُمْ. وَالْخَوَارِجُ الْمَارِقُونَ الَّذِينَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقِتَالِهِمْ قَاتَلَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ. وَاتَّفَقَ عَلَى قِتَالِهِمْ أَئِمَّةُ الدِّينِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَلَمْ يُكَفِّرْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ بَلْ جَعَلُوهُمْ مُسْلِمِينَ مَعَ قِتَالِهِمْ وَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ عَلِيٌّ حَتَّى سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ وَأَغَارُوا عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَقَاتَلَهُمْ لِدَفْعِ ظُلْمِهِمْ وَبَغْيِهِمْ لَا لِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ. وَلِهَذَا لَمْ يَسْبِ حَرِيمَهُمْ وَلَمْ يَغْنَمْ أَمْوَالَهُمْ. وَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ثَبَتَ ضَلَالُهُمْ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ لَمْ يُكَفَّرُوا مَعَ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِقِتَالِهِمْ فَكَيْفَ بِالطَّوَائِفِ الْمُخْتَلِفِينَ الَّذِينَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ الْحَقُّ فِي مَسَائِلَ غَلِطَ فِيهَا مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ؟ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدِ مِنْ هَذِهِ
стр. 1175
الطَّوَائِفِ أَنْ تُكَفِّرَ الْأُخْرَى وَلَا تَسْتَحِلَّ دَمَهَا وَمَالَهَا وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا بِدْعَةٌ مُحَقَّقَةٌ فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ الْمُكَفِّرَةُ لَهَا مُبْتَدِعَةً أَيْضًا؟ وَقَدْ تَكُونُ بِدْعَةُ هَؤُلَاءِ أَغْلَظَ وَالْغَالِبُ أَنَّهُمْ جَمِيعًا جُهَّالٌ بِحَقَائِقِ مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَعْرَاضَهُمْ مُحَرَّمَةٌ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لَا تَحِلُّ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا خَطَبَهُمْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ " ﴿إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا﴾ " وَقَالَ " ﴿كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ﴾ ". وَقَالَ " ﴿مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ " وَقَالَ " ﴿إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ﴾ " وَقَالَ: " ﴿لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ﴾ " وَقَالَ " ﴿إذَا قَالَ الْمُسْلِمُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا﴾ " وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا فِي الصِّحَاحِ. وَ إِذَا كَانَ الْمُسْلِمُ مُتَأَوِّلًا فِي الْقِتَالِ أَوْ التَّكْفِيرِ لَمْ يُكَفَّرْ بِذَلِكَ كَمَا ﴿قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بلتعة: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيك أَنَّ اللَّهَ قَدْ اطَّلَعَ
стр. 1176
عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ؟﴾ وَهَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَفِيهِمَا أَيْضًا: مِنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ: ﴿أَنَّ أسيد بْنَ الحضير. قَالَ لِسَعْدِ بْنِ عبادة: إنَّك مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ وَاخْتَصَمَ الْفَرِيقَانِ فَأَصْلَحَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ﴾ . فَهَؤُلَاءِ الْبَدْرِيُّونَ فِيهِمْ مَنْ قَالَ لِآخَرَ مِنْهُمْ: إنَّك مُنَافِقٌ وَلَمْ يُكَفِّرْ النَّبِيُّ ﷺ لَا هَذَا وَلَا هَذَا بَلْ شَهِدَ لِلْجَمِيعِ بِالْجَنَّةِ. وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ﴿أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا بَعْدَ مَا قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَعَظَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ لَمَّا أَخْبَرَهُ وَقَالَ يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْته بَعْدَ مَا قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ وَكَرَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ أُسَامَةُ: تَمَنَّيْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْت إلَّا يَوْمَئِذٍ﴾ . وَمَعَ هَذَا لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ قَوَدًا وَلَا دِيَةً وَلَا كَفَّارَةً لِأَنَّهُ كَانَ مُتَأَوِّلًا ظَنَّ جَوَازَ قَتْلِ ذَلِكَ الْقَائِلِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ قَالَهَا تَعَوُّذًا. فَهَكَذَا السَّلَفُ قَاتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ أَهْلِ الْجَمَلِ وصفين وَنَحْوِهِمْ وَكُلُّهُمْ مُسْلِمُونَ مُؤْمِنُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ مَعَ اقْتِتَالِهِمْ وَبَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إخْوَةٌ مُؤْمِنُونَ وَأَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ.
стр. 1177
وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ مَعَ الِاقْتِتَالِ يُوَالِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مُوَالَاةَ الدِّينِ، لَا يُعَادُونَ كَمُعَادَاةِ الْكُفَّارِ فَيَقْبَلُ بَعْضُهُمْ شَهَادَةَ بَعْضٍ وَيَأْخُذُ بَعْضُهُمْ الْعِلْمَ عَنْ بَعْضٍ وَيَتَوَارَثُونَ وَيَتَنَاكَحُونَ وَيَتَعَامَلُونَ بِمُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، مَعَ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْقِتَالِ وَالتَّلَاعُنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ ﴿النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتَهُ بِسَنَةِ عَامَّةٍ فَأَعْطَاهُ ذَلِكَ وَسَأَلَهُ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَاهُ ذَلِكَ وَسَأَلَهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يُعْطَ ذَلِكَ﴾ " وَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ يَغْلِبُهُمْ كُلَّهُمْ حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا وَبَعْضُهُمْ يَسْبِي بَعْضًا. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ﴿لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ أَعُوذُ بِوَجْهِك ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ أَعُوذُ بِوَجْهِك ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قَالَ هَاتَانِ أَهْوَنُ﴾ ". هَذَا مَعَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالْجَمَاعَةِ والائتلاف وَنَهَى عَنْ الْبِدْعَةِ وَالِاخْتِلَافِ وَقَالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ " ﴿عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ﴾ " وَقَالَ: " ﴿الشَّيْطَانُ
стр. 1178
مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ﴾ " وَقَالَ: " ﴿الشَّيْطَانُ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ وَالذِّئْبُ إنَّمَا يَأْخُذُ الْقَاصِيَةَ وَالنَّائِيَةَ مِنْ الْغَنَمِ﴾ ". فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ إذَا صَارَ فِي مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُمْ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَيُوَالِيَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يُعَادِيَهُمْ وَإِنْ رَأَى بَعْضَهُمْ ضَالًّا أَوْ غَاوِيًا وَأَمْكَنَ أَنْ يَهْدِيَهُ وَيُرْشِدَهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُوَلِّيَ فِي إمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْأَفْضَلَ وَلَّاهُ وَإِنْ قَدَرَ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يُظْهِرُ الْبِدَعَ وَالْفُجُورَ مَنَعَهُ. وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ فَالصَّلَاةُ خَلْفَ الْأَعْلَمِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ الْأَسْبَقِ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَفْضَلُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " ﴿يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً. فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا﴾ ". وَإِنْ كَانَ فِي هَجْرِهِ لِمُظْهِرِ الْبِدْعَةِ وَالْفُجُورِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ هَجَرَهُ كَمَا هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا إذَا وَلَّى غَيْرَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَيْسَ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ كَانَ تَفْوِيتُ هَذِهِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ جَهْلًا وَضَلَالًا وَكَانَ قَدْ رَدَّ بِدْعَةً بِبِدْعَةِ. حَتَّى إنَّ الْمُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ خَلْفَ الْفَاجِرِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي إعَادَتِهِ الصَّلَاةَ وَكَرِهَهَا أَكْثَرُهُمْ حَتَّى قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةِ عبدوس: مَنْ أَعَادَهَا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. وَهَذَا أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا يُعِيدُونَ الصَّلَاةَ إذَا صَلَّوْا خَلْفَ
стр. 1179
أَهْلِ الْفُجُورِ وَالْبِدَعِ وَلَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ أَحَدًا إذَا صَلَّى كَمَا أَمَرَ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ. وَلِهَذَا كَانَ أَصَحُّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ صَلَّى بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ لَا يُعِيدَ حَتَّى الْمُتَيَمِّمَ لِخَشْيَةِ الْبَرْدِ وَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ إذَا صَلَّى بِحَسَبِ حَالِهِ وَالْمَحْبُوسُ وذووا الْأَعْذَارِ النَّادِرَةِ وَالْمُعْتَادَةِ وَالْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْقَطِعَةِ لَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ إذَا صَلَّى الْأُولَى بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الصَّحَابَةَ صَلَّوْا بِغَيْرِ مَاءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ لَمَّا فَقَدَتْ عَائِشَةُ عِقْدَهَا وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِالْإِعَادَةِ بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ جَهْلًا بِوُجُوبِهَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْقَضَاءِ فَعَمْرٌ وَعَمَّارٌ لَمَّا أَجْنَبَا وَعَمْرٌ لَمْ يُصَلِّ وَعَمَّارٌ تَمَرَّغَ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ لَمْ يَأْمُرْهُمَا بِالْقَضَاءِ وَأَبُو ذَرٍّ لَمَّا كَانَ يُجْنِبُ وَلَا يُصَلِّي لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْقَضَاءِ وَالْمُسْتَحَاضَةُ لَمَّا اسْتَحَاضَتْ حَيْضَةً شَدِيدَةً مُنْكَرَةً مَنَعَتْهَا الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ لَمْ يَأْمُرْهَا بِالْقَضَاءِ. وَاَلَّذِينَ أَكَلُوا فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِأَحَدِهِمْ الْحَبْلُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْحَبْلِ الْأَسْوَدِ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقَضَاءِ وَكَانُوا قَدْ غَلِطُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ فَظَنُّوا أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ هُوَ الْحَبْلُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ " ﴿إنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ﴾ " وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقَضَاءِ، وَالْمُسِيءُ فِي صَلَاتِهِ لَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَاَلَّذِينَ صَلَّوْا إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِمَكَّةَ وَالْحَبَشَةِ وَغَيْرِهِمَا بَعْدَ أَنْ نُسِخَتْ (بِالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ إلَى الْكَعْبَةِ وَصَارُوا يُصَلُّونَ إلَى الصَّخْرَةِ حَتَّى بَلَغَهُمْ
стр. 1180
النَّسْخُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِإِعَادَةِ مَا صَلَّوْا وَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ أَعْذَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ لِتَمَسُّكِهِمْ بِشَرْعِ مَنْسُوخٍ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي خِطَابِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ هَلْ يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْعَبِيدِ قَبْلَ الْبَلَاغِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. قِيلَ يَثْبُتُ وَقِيلَ لَا يَثْبُتُ وَقِيلَ يَثْبُتُ الْمُبْتَدَأُ دُونَ النَّاسِخِ. وَالصَّحِيحُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وَقَوْلِهِ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " ﴿مَا أَحَدٌ أَحَبُّ إلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ". فَالْمُتَأَوِّلُ وَالْجَاهِلُ الْمَعْذُورُ لَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُعَانِدِ وَالْفَاجِرِ بَلْ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا.
стр. 1181
فَصْلٌ:
أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ يَجْزِمُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَقْطَعُونَ بِهِ وَلَا يَرْتَابُونَ وَكُلُّ مَا عَلِمَهُ الْمُسْلِمُ وَجَزَمَ بِهِ فَهُوَ يَقْطَعُ بِهِ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ قَادِرًا عَلَى تَغْيِيرِهِ فَالْمُسْلِمُ يَقْطَعُ بِمَا يَرَاهُ وَيَسْمَعُهُ وَيَقْطَعُ بِأَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ وَإِذَا قَالَ الْمُسْلِمُ أَنَا أَقْطَعُ بِذَلِكَ فَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِهِ بَلْ مَنْ قَالَ إنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ إمَاتَةِ الْخَلْقِ وَإِحْيَائِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ وَعَلَى تَسْيِيرِ الْجِبَالِ وَتَبْدِيلِ الْأَرْضِ غَيْرِ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَاَلَّذِينَ يَكْرَهُونَ لَفْظَ الْقَطْعِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ هُمْ قَوْمٌ أَحْدَثُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الشَّيْخُ يُنْكِرُ هَذَا، وَلَكِنْ أَصْلُ هَذَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَثْنُونَ فِي الْإِيمَانِ كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَيَسْتَثْنُونَ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ. صَلَّيْت إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَمُرَادُ السَّلَفِ مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءِ إمَّا لِكَوْنِهِ لَا يَقْطَعُ بِأَنَّهُ فَعَلَ الْوَاجِبَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَيَشُكُّ فِي قَبُولِ اللَّهِ لِذَلِكَ فَاسْتَثْنَى ذَلِكَ أَوْ لِلشَّكِّ فِي الْعَاقِبَةِ أَوْ يَسْتَثْنِي لِأَنَّ الْأُمُورَ جَمِيعَهَا إنَّمَا تَكُونُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ
стр. 1182
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ مَعَ أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ بِأَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ أَوْ لِئَلَّا يُزَكِّيَ أَحَدُهُمْ نَفْسَهُ. وَكَانَ أُولَئِكَ يَمْتَنِعُونَ عَنْ الْقَطْعِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ جُهَّالٌ فَكَرِهُوا لَفْظَ الْقَطْعِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ أَحَادِيثَ مَكْذُوبَةً وَكُلُّ مَنْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ عَنْ أَصْحَابِهِ أَوْ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ كَرِهَ لَفْظَ الْقَطْعِ فِي الْأُمُورِ الْمَجْزُومِ بِهَا فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِ. وَصَارَ الْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ يَظُنُّ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ فَقَدْ أَقَرَّ بِأَمْرِ عَظِيمٍ فِي الدِّينِ وَهَذَا جَهْلٌ وَضَلَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ لَمْ يَسْبِقْهُمْ إلَى هَذَا أَحَدٌ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا كَانَ شَيْخُهُمْ أَبُو عَمْرِو بْنُ مَرْزُوقٍ وَلَا أَصْحَابُهُ فِي حَيَاتِهِ وَلَا خِيَارُ أَصْحَابِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ يَمْتَنِعُونَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ مُطْلَقًا بَلْ إنَّمَا فَعَلَ هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ جُهَّالِهِمْ. كَمَا أَنَّ طَائِفَةً أُخْرَى زَعَمُوا أَنَّ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَهُ وَإِنْ تَابَ وَرَوَوْا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ " ﴿سَبُّ أَصْحَابِي ذَنْبٌ لَا يُغْفَرُ﴾ " وَهَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ الْمُعْتَمَدَةِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَتُبْ. وَقَالَ فِي حَقِّ التَّائِبِينَ ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا
стр. 1183
مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فَثَبَتَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ سَبَّ الرَّسُولَ مِنْ الْكُفَّارِ الْمُحَارَبِينَ، وَقَالَ: هُوَ سَاحِرٌ أَوْ شَاعِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ مُعَلَّمٌ أَوْ مُفْتَرٍ وَتَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَقَدْ كَانَ طَائِفَةٌ يَسُبُّونَ النَّبِيَّ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَسْلَمُوا وَحَسُنَ إسْلَامُهُمْ وَقَبِلَ النَّبِيُّ مِنْهُمْ: مِنْهُمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَمِّ النَّبِيِّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ وَكَانَ قَدْ ارْتَدَّ وَكَانَ يَكْذِبُ عَلَى النَّبِيِّ وَيَقُولُ: أَنَا كُنْت أُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ ثُمَّ تَابَ وَأَسْلَمَ وَبَايَعَهُ النَّبِيُّ عَلَى ذَلِكَ. وَإِذَا قِيلَ: سَبُّ الصَّحَابَةِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ. قِيلَ: الْمُسْتَحِلُّ لِسَبِّهِمْ كالرافضي يَعْتَقِدُ ذَلِكَ دِينًا كَمَا يَعْتَقِدُ الْكَافِرُ سَبَّ النَّبِيِّ دِينًا. فَإِذَا تَابَ وَصَارَ يُحِبُّهُمْ وَيُثْنِي عَلَيْهِمْ وَيَدْعُو لَهُمْ مَحَا اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ بِالْحَسَنَاتِ. وَمَنْ ظَلَمَ إنْسَانًا فَقَذَفَهُ أَوْ اغْتَابَهُ أَوْ شَتَمَهُ ثُمَّ تَابَ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ. لَكِنْ إنْ عَرَفَ الْمَظْلُومُ مَكَّنَهُ مِنْ أَخْذِ حَقِّهِ وَإِنْ قَذَفَهُ أَوْ اغْتَابَهُ وَلَمْ يَبْلُغْهُ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يُعْلِمُهُ أَنِّي اغْتَبْتُك وَقَدْ قِيلَ بَلْ يُحْسِنُ إلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ كَمَا أَسَاءَ إلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ. كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَفَّارَةُ الْغَيْبَةِ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِمَنْ اغْتَبْته. فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ قَدْ سَبَّ الصَّحَابَةَ أَوْ غَيْرَ الصَّحَابَةِ وَتَابَ فَإِنَّهُ يُحْسِنُ إلَيْهِمْ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ
стр. 1184
مَا أَسَاءَ إلَيْهِمْ وَالْحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. كَمَا أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي كَانَ يَسُبُّ النَّبِيَّ وَيَقُولُ إنَّهُ كَذَّابٌ إذَا تَابَ وَشَهِدَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ وَصَارَ يُحِبُّهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ: كَانَتْ حَسَنَاتُهُ مَاحِيَةً لِسَيِّئَاتِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
стр. 1185
سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: (*)
هَلْ يَجُوزُ الْخَوْضُ فِيمَا تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ مَسَائِلَ فِي أُصُولِ الدِّينِ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فِيهَا كَلَامٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قِيلَ بِالْجَوَازِ: فَمَا وَجْهُهُ؟ وَقَدْ فَهِمْنَا مِنْهُ ﵇ النَّهْيَ عَنْ الْكَلَامِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ. وَإِذَا قِيلَ بِالْجَوَازِ: فَهَلْ يَجِبُ ذَلِكَ؟ وَهَلْ نُقِلَ عَنْهُ ﵇ مَا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ؟ وَهَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ مَا يَصِلُ إلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ مِنْ غَلَبَةِ الظَّنِّ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْقَطْعِ؟ وَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى الْقَطْعِ فَهَلْ يُعْذَرُ فِي ذَلِكَ أَوْ يَكُونُ مُكَلَّفًا بِهِ؟ وَهَلْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قِيلَ بِالْوُجُوبِ: فَمَا الْحِكْمَةُ فِي أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ مِنْ الشَّارِعِ نَصٌّ يَعْصِمُ مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْمَهَالِكِ - وَقَدْ كَانَ ﵇ حَرِيصًا عَلَى هَدْيِ أُمَّتِهِ؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1186
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فَقَوْلُ السَّائِلِ - هَلْ يَجُوزُ الْخَوْضُ فِيمَا تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ مَسَائِلَ فِي أُصُولِ الدِّينِ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ فِيهَا كَلَامٌ أَمْ لَا؟ - سُؤَالٌ وَرَدَ بِحَسَبِ مَا عُهِدَ مِنْ الْأَوْضَاعِ الْمُبْتَدَعَةِ الْبَاطِلَةِ. فَإِنَّ الْمَسَائِلَ الَّتِي هِيَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ - الَّتِي تَسْتَحِقُّ أَنْ تُسَمَّى أُصُولَ الدِّينِ - أَعْنِي الدِّينَ الَّذِي أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كِتَابَهُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ فِيهَا كَلَامٌ؛ بَلْ هَذَا كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ فِي نَفْسِهِ إذْ كَوْنُهَا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَهَمِّ أُمُورِ الدِّينِ؛ وَأَنَّهَا مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الدِّينُ، ثُمَّ نَفْيُ نَقْلِ الْكَلَامِ فِيهَا عَنْ الرَّسُولِ يُوجِبُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ. إمَّا أَنَّ الرَّسُولَ أَهْمَلَ الْأُمُورَ الْمُهِمَّةَ الَّتِي يَحْتَاجُ الدِّينُ إلَيْهَا فَلَمْ يُبَيِّنْهَا، أَوْ أَنَّهُ بَيَّنَهَا فَلَمْ تَنْقُلْهَا الْأُمَّةُ، وَكِلَا هَذَيْنِ بَاطِلٌ قَطْعًا. وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ مَطَاعِنِ الْمُنَافِقِينَ فِي الدِّينِ؛ وَإِنَّمَا يَظُنُّ هَذَا وَأَمْثَالُهُ مَنْ هُوَ جَاهِلٌ بِحَقَائِقِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ أَوْ جَاهِلٌ بِمَا يَعْقِلُهُ النَّاسُ بِقُلُوبِهِمْ أَوْ جَاهِلٌ بِهِمَا جَمِيعًا. فَإِنَّ جَهْلَهُ بِالْأَوَّلِ: يُوجِبُ عَدَمَ عِلْمِهِ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ. وَجَهْلَهُ بِالثَّانِي: يُوجِبُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْحَقَائِقِ الْمَعْقُولَةِ مَا يُسَمِّيهِ هُوَ
стр. 1187
وَأَشْكَالُهُ عَقْلِيَّاتٍ؛ وَإِنَّمَا هِيَ جهليات. وَجَهْلُهُ بِالْأَمْرَيْنِ: يُوجِبُ أَنْ يَظُنَّ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهَا مِنْ الْمَسَائِلِ وَالْوَسَائِلِ الْبَاطِلَةِ وَأَنْ يَظُنَّ عَدَمَ بَيَانِ الرَّسُولِ لِمَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَقِدَ فِي ذَلِكَ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ لِطَوَائِفَ مِنْ أَصْنَافِ النَّاسِ حُذَّاقِهِمْ فَضْلًا عَنْ عَامَّتِهِمْ. وَذَلِكَ أَنَّ أُصُولَ الدِّينِ إمَّا أَنْ تَكُونَ مَسَائِلَ يَجِبُ اعْتِقَادُهَا قَوْلًا أَوْ قَوْلًا وَعَمَلًا كَمَسَائِلِ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمُعَادِ. أَوْ دَلَائِلَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ.
أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فَكُلُّ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَى مَعْرِفَتِهِ وَاعْتِقَادِهِ وَالتَّصْدِيقِ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَقَدْ بَيَّنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بَيَانًا شَافِيًا قَاطِعًا لِلْعُذْرِ. إذْ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا بَلَّغَهُ الرَّسُولُ الْبَلَاغَ الْمُبِينَ، وَبَيَّنَهُ لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَقَامَ اللَّهُ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَى عِبَادِهِ فِيهِ بِالرُّسُلِ الَّذِينَ بَيَّنُوهُ وَبَلَّغُوهُ. وَكِتَابُ اللَّهِ الَّذِي نَقَلَ الصَّحَابَةُ ثُمَّ التَّابِعُونَ عَنْ الرَّسُولِ لَفْظَهُ وَمَعَانِيَهُ، وَالْحِكْمَةُ الَّتِي هِيَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ الَّتِي نَقَلُوهَا أَيْضًا عَنْ الرَّسُولِ مُشْتَمِلَةٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى غَايَةِ الْمُرَادِ وَتَمَامِ الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَعَثَ إلَيْنَا رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِنَا يَتْلُو عَلَيْنَا آيَاتِهِ وَيُزَكِّينَا وَيُعَلِّمُنَا الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ؛ الَّذِي أَكْمَلَ لَنَا الدِّينَ وَأَتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ وَرَضِيَ لَنَا الْإِسْلَامَ دِينًا؛ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى
стр. 1188
لِلْمُسْلِمِينَ ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . وَإِنَّمَا يَظُنُّ عَدَمَ اشْتِمَالِ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ عَلَى بَيَانِ ذَلِكَ مَنْ كَانَ نَاقِصًا فِي عَقْلِهِ وَسَمْعِهِ وَمَنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَثِيرًا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ وَجُهَّالِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ دَلَائِلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ " فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَظُنُّ طَوَائِفُ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ والمتفلسفة أَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا يَدُلُّ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ الصَّادِقِ. فَدَلَالَتُهُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْعِلْمِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ وَيَجْعَلُونَ مَا يُبْنَى عَلَيْهِ صِدْقُ الْمُخْبِرِ مَعْقُولَاتٍ مَحْضَةً. فَقَدْ غَلِطُوا فِي ذَلِكَ غَلَطًا عَظِيمًا؛ بَلْ ضَلُّوا ضَلَالًا مُبِينًا فِي ظَنِّهِمْ: أَنَّ دَلَالَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إنَّمَا هِيَ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ الْمُجَرَّدِ؛ بَلْ الْأَمْرُ مَا عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا - أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ - مِنْ أَنَّ اللَّهَ بَيَّنَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الْعِلْمِ بِذَلِكَ مَا لَا يُقَدِّرُ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْرَهُ. وَنِهَايَةُ مَا يَذْكُرُونَهُ جَاءَ الْقُرْآنُ بِخُلَاصَتِهِ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ وَذَلِكَ كَالْأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ الَّتِي يَذْكُرُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الَّتِي قَالَ فِيهَا ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ فَإِنَّ الْأَمْثَالَ الْمَضْرُوبَةَ هِيَ " الْأَقْيِسَةُ الْعَقْلِيَّةُ " سَوَاءٌ كَانَتْ قِيَاسَ شُمُولٍ أَوْ قِيَاسَ تَمْثِيلٍ. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا يُسَمُّونَهُ بَرَاهِينَ وَهُوَ
стр. 1189
الْقِيَاسُ الشُّمُولِيُّ الْمُؤَلَّفُ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ الْيَقِينِيَّةِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْبُرْهَانِ فِي اللُّغَةِ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا سَمَّى اللَّهُ آيَتَيْ مُوسَى بُرْهَانَيْنِ. وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ الْعِلْمَ الْإِلَهِيَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَدَلَّ فِيهِ بِقِيَاسِ تَمْثِيلٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ وَلَا بِقِيَاسِ شُمُولِيٍّ تَسْتَوِي أَفْرَادُهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمَثِّلَ بِغَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ هُوَ وَغَيْرُهُ تَحْتَ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ تَسْتَوِي أَفْرَادُهَا - وَلِهَذَا لَمَّا سَلَكَ طَوَائِفُ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ مِثْلَ هَذِهِ الْأَقْيِسَةِ فِي الْمَطَالِبِ الْإِلَهِيَّةِ لَمْ يَصِلُوا بِهَا إلَى يَقِينٍ بَلْ تَنَاقَضَتْ أَدِلَّتُهُمْ وَغَلَبَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّنَاهِي الْحَيْرَةُ وَالِاضْطِرَابُ؛ لِمَا يَرَوْنَهُ مِنْ فَسَادِ أَدِلَّتِهِمْ أَوْ تَكَافُئِهَا. وَلَكِنْ يُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ قِيَاسُ الْأَوْلَى سَوَاءٌ كَانَ تَمْثِيلًا أَوْ شُمُولًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ مِثْلَ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ كَمَالٍ ثَبَتَ لِلْمُمْكِنِ أَوْ الْمُحْدِثِ لَا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ: وَهُوَ مَا كَانَ كَمَالًا لِلْمَوْجُودِ غَيْرِ مُسْتَلْزِمٍ لِلْعَدَمِ فَالْوَاجِبُ الْقَدِيمُ أَوْلَى بِهِ. وَكُلُّ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ ثَبَتَ نَوْعُهُ لِلْمَخْلُوقِ - الْمَرْبُوبِ الْمَعْلُولِ الْمُدَبِّرِ فَإِنَّمَا اسْتَفَادَهُ مِنْ خَالِقِهِ وَرَبِّهِ وَمُدَبِّرِهِ - فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ. وَأَنَّ كُلَّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ فِي نَفْسِهِ - وَهُوَ مَا تَضَمَّنَ سَلْبَ هَذَا الْكَمَالِ إذَا وَجَبَ نَفْيُهُ عَنْ شَيْءٍ مَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَخْلُوقَاتِ وَالْمُحْدَثَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ - فَإِنَّهُ يَجِبُ نَفْيُهُ عَنْ الرَّبِّ ﵎ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَأَنَّهُ أَحَقُّ بِالْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ مِنْ كُلِّ مَوْجُودٍ وَأَمَّا الْأُمُورُ الْعَدَمِيَّةُ فَالْمُمْكِنُ بِهَا أَحَقُّ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
стр. 1190
وَمِثْلُ هَذِهِ الطُّرُقِ هِيَ الَّتِي كَانَ يَسْتَعْمِلُهَا السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَطَالِبِ كَمَا اسْتَعْمَلَ نَحْوَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَمَنْ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَبِمِثْلِ ذَلِكَ جَاءَ الْقُرْآنُ فِي تَقْرِيرِ " أُصُولِ الدِّينِ " مِنْ مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ وَالْمُعَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَخْبَرَ بِالْمُعَادِ؛ وَالْعِلْمُ بِهِ تَابِعٌ لِلْعِلْمِ بِإِمْكَانِهِ فَإِنَّ الْمُمْتَنِعَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ إمْكَانَهُ أَتَمَّ بَيَانٍ؛ وَلَمْ يَسْلُكْ فِي ذَلِكَ مَا يَسْلُكُهُ " طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ " حَيْثُ يُثْبِتُونَ الْإِمْكَانَ الْخَارِجِيَّ بِمُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ الذِّهْنِيِّ فَيَقُولُونَ: هَذَا مُمْكِنٌ لِأَنَّهُ لَوْ قَدَّرَ وُجُودَهُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ تَقْدِيرِ وُجُودِهِ مُحَالٌ فَإِنَّ الشَّأْنَ فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ فَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَقْدِيرِ وُجُودِهِ مُحَالٌ. وَالْمُحَالُ هُنَا أَعَمُّ مِنْ الْمُحَالِ لِذَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَالْإِمْكَانُ الذِّهْنِيُّ حَقِيقَتُهُ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ. وَعَدَمُ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِالْإِمْكَانِ الْخَارِجِيِّ؛ بَلْ يَبْقَى الشَّيْءُ فِي الذِّهْنِ غَيْرَ مَعْلُومِ الِامْتِنَاعِ. وَلَا مَعْلُومِ الْإِمْكَانِ الْخَارِجِيِّ وَهَذَا هُوَ الْإِمْكَانُ الذِّهْنِيُّ. فَاَللَّهُ لَمْ يَكْتَفِ فِي بَيَانِ إمْكَانِ الْمُعَادِ بِهَذَا. إذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مُمْتَنِعًا وَلَوْ لِغَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الذِّهْنُ امْتِنَاعَهُ؛ بِخِلَافِ الْإِمْكَانِ الْخَارِجِيِّ. فَإِنَّهُ إذَا عَلِمَ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا. وَالْإِنْسَانُ يَعْلَمُ الْإِمْكَانَ الْخَارِجِيَّ: تَارَةً بِعِلْمِهِ بِوُجُودِ الشَّيْءِ وَتَارَةً بِعِلْمِهِ بِوُجُودِ نَظِيرِهِ وَتَارَةً بِعِلْمِهِ بِوُجُودِ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ فَإِنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا هُوَ دُونَهُ أَوْلَى بِالْإِمْكَانِ مِنْهُ.
стр. 1191
ثُمَّ إنَّهُ إذَا بَيَّنَ كَوْنَ الشَّيْءِ مُمْكِنًا فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ قُدْرَةِ الرَّبِّ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الْعِلْمِ بِإِمْكَانِهِ لَا يَكْفِي فِي إمْكَانِ وُقُوعِهِ إنْ لَمْ تُعْلَمْ قُدْرَةُ الرَّبِّ عَلَى ذَلِكَ. فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ هَذَا كُلَّهُ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إلَّا كُفُورًا﴾ وَقَوْلِهِ ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وَقَوْلِهِ ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ بِبَدَاهَةِ الْعُقُولِ أَنَّ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَعْظَمُ مِنْ خَلْقِ أَمْثَالِ بَنِي آدَمَ وَالْقُدْرَةُ عَلَيْهِ أَبْلَغُ - وَأَنَّ هَذَا الْأَيْسَرَ أَوْلَى بِالْإِمْكَانِ وَالْقُدْرَةِ مِنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ اسْتِدْلَالُهُ عَلَى ذَلِكَ بِالنَّشْأَةِ الْأُولَى فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وَقَالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الْآيَةَ. وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الْآيَاتِ. فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ قِيَاسٌ حُذِفَتْ إحْدَى مُقَدِّمَتَيْهِ لِظُهُورِهَا وَالْأُخْرَى سَالِبَةٌ كُلِّيَّةٌ قُرِنَ مَعَهَا دَلِيلُهَا وَهُوَ الْمَثَلُ الْمَضْرُوبُ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ:
стр. 1192
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ مُتَضَمِّنٌ لِلنَّفْيِ: أَيْ لَا أَحَدَ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. فَإِنَّ كَوْنَهَا رَمِيمًا يَمْنَعُ عِنْدَهُ إحْيَاءَهَا لِمَصِيرِهَا إلَى حَالِ الْيُبْسِ وَالْبُرُودَةِ: الْمُنَافِيَةِ لِلْحَيَاةِ الَّتِي مَبْنَاهَا عَلَى الْحَرَارَةِ وَالرُّطُوبَةِ وَلِتَفَرُّقِ أَجْزَائِهَا وَاخْتِلَاطِهَا بِغَيْرِهَا وَلِنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الشُّبُهَاتِ. وَالتَّقْدِيرُ هَذِهِ الْعِظَامُ رَمِيمٌ وَلَا أَحَدَ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ فَلَا أَحَدَ يُحْيِيهَا وَلَكِنَّ هَذِهِ السَّالِبَةَ كَاذِبَةٌ وَمَضْمُونُهَا امْتِنَاعُ الْإِحْيَاءِ. وَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ إمْكَانَهُ مِنْ وُجُوهٍ بِبَيَانِ إمْكَانِ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ وَقُدْرَتُهُ عَلَيْهِ فَقَالَ ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وَقَدْ أَنْشَأَهَا مِنْ التُّرَابِ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ لِيُبَيِّنَ عِلْمَهُ بِمَا تَفَرَّقَ مِنْ الْأَجْزَاءِ وَاسْتَحَالَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ فَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْرَجَ النَّارَ الْحَارَّةَ الْيَابِسَةَ مِنْ الْبَارِدِ الرَّطْبِ وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْمُنَافَاةِ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ الْحَرَارَةِ وَالرُّطُوبَةِ أَيْسَرُ مِنْ اجْتِمَاعِ الْحَرَارَةِ وَالْيُبُوسَةِ؛ فَالرُّطُوبَةُ تَقْبَلُ مِنْ الِانْفِعَالِ مَا لَا تَقْبَلُهُ الْيُبُوسَةُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ وَهَذِهِ مُقَدِّمَةٌ مَعْلُومَةٌ بِالْبَدِيهَةِ - وَلِهَذَا جَاءَ فِيهَا بِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَقِرٌّ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ قُدْرَتَهُ الْعَامَّةَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
стр. 1193
وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْقُرْآنِ مِنْ الْأَسْرَارِ وَبَيَانِ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ عَلَى الْمَطَالِبِ الدِّينِيَّةِ مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ التَّنْبِيهُ. وَكَذَلِكَ مَا اسْتَعْمَلَهُ سُبْحَانَهُ فِي تَنْزِيهِهِ وَتَقْدِيسِهِ عَمَّا أَضَافُوهُ إلَيْهِ مِنْ الْوِلَادَةِ سَوَاءٌ سَمَّوْهَا حِسِّيَّةً أَوْ عَقْلِيَّةً كَمَا تَزْعُمُهُ النَّصَارَى مِنْ تَوَلُّدِ الْكَلِمَةِ - الَّتِي جَعَلُوهَا جَوْهَرَ الِابْنِ - مِنْهُ وَكَمَا تَزْعُمُهُ الْفَلَاسِفَةُ الصَّابِئُونَ مِنْ تَوَلُّدِ الْعُقُولِ الْعَشَرَةِ وَالنُّفُوسِ الْفَلَكِيَّةِ التِّسْعَةِ: الَّتِي هُمْ مُضْطَرِبُونَ فِيهَا هَلْ هِيَ جَوَاهِرُ أَوْ أَعْرَاضٌ؟ وَقَدْ يَجْعَلُونَ الْعُقُولَ بِمَنْزِلَةِ الذُّكُورِ، وَالنُّفُوسَ بِمَنْزِلَةِ الْإِنَاثِ وَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ آبَاءَهُمْ وأمهاتهم وَآلِهَتَهُمْ وَأَرْبَابَهُمْ الْقَرِيبَةَ، وَعِلْمُهُمْ بِالنُّفُوسِ أَظْهَرُ لِوُجُودِ الْحَرَكَةِ الدَّوْرِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْحَرَكَةِ الْإِرَادِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى النَّفْسِ الْمُحَرِّكَةِ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْعَلُونَ النَّفْسَ الْفَلَكِيَّةَ عَرَضًا لَا جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ شَبِيهٌ بِقَوْلِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ: الَّذِينَ جَعَلُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَلَا إنَّهُمْ مِنْ إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ وَكَانُوا يَقُولُونَ الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ كَمَا يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ: أَنَّ الْعُقُولَ أَوْ الْعُقُولَ وَالنُّفُوسَ " هِيَ الْمَلَائِكَةُ " وَهِيَ مُتَوَلِّدَةٌ عَنْ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ
стр. 1194
الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ أَيْ جَائِرَةٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ. فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الرَّبَّ الْخَالِقَ أَوْلَى بِأَنْ يُنَزَّهُ عَنْ الْأُمُورِ النَّاقِصَةِ مِنْكُمْ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ لَهُ مَا تَكْرَهُونَ أَنْ يَكُونَ لَكُمْ وَتَسْتَخِفُّونَ مِنْ إضَافَتِهِ إلَيْكُمْ مَعَ أَنَّهُ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ وَلَا تُنَزِّهُونَهُ عَنْ ذَلِكَ وَتَنْفُونَهُ عَنْهُ وَهُوَ أَحَقُّ بِنَفْيِ الْمَكْرُوهَاتِ الْمُنْقِصَاتِ مِنْكُمْ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي التَّوْحِيدِ ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ كَخِيفَةِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وَفِي قَوْلِهِ ﴿لَوْلَا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وَفِي قَوْلِهِ ﴿فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ فَإِنَّ الْمُرَادَ فِي هَذَا كُلِّهِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ. فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَكُونُ مَمْلُوكُهُ شَرِيكَهُ فِيمَا لَهُ حَتَّى يَخَافَ مَمْلُوكُهُ كَمَا يَخَافُ نَظِيرُهُ
стр. 1195
بَلْ تَمْتَنِعُونَ أَنْ يَكُونَ الْمَمْلُوكُ لَكُمْ نَظِيرًا فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِي أَنْ تَجْعَلُوا مَا هُوَ مَخْلُوقِي وَمَمْلُوكِي شَرِيكًا لِي: يُدْعَى وَيُعْبَدُ - كَمَا أُدْعَى وَأُعْبَدَ - كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك إلَّا شَرِيكًا هُوَ لَك تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ - وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ عَظِيمٌ جِدًّا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.
وَإِنَّمَا الْغَرَضُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ فِي الْقُرْآنِ وَالْحِكْمَةِ النَّبَوِيَّةِ عَامَّةَ أُصُولِ الدِّينِ مِنْ الْمَسَائِلِ وَالدَّلَائِلِ: الَّتِي تَسْتَحِقُّ أَنْ تَكُونَ أُصُولَ الدِّينِ. وَأَمَّا مَا يُدْخِلُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الْمُسَمَّى مِنْ الْبَاطِلِ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ؛ وَإِنْ أَدْخَلَهُ فِيهِ مِثْلُ " الْمَسَائِلِ " وَالدَّلَائِلِ " الْفَاسِدَةِ: مِثْلُ نَفْيِ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ. وَمِثْلُ " الِاسْتِدْلَالِ " عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ بِحُدُوثِ " الْأَعْرَاضِ " الَّتِي هِيَ صِفَاتُ الْأَجْسَامِ الْقَائِمَةِ بِهَا: إمَّا الْأَكْوَانُ وَإِمَّا غَيْرُهَا وَتَقْرِيرُ الْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا هَذَا الدَّلِيلُ: مِنْ إثْبَاتِ " الْأَعْرَاضِ " الَّتِي هِيَ الصِّفَاتُ أَوَّلًا أَوْ إثْبَاتُ " بَعْضِهَا " كَالْأَكْوَانِ الَّتِي هِيَ الْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ وَالِاجْتِمَاعُ وَالِافْتِرَاقُ " وَإِثْبَاتُ حُدُوثِهَا " ثَانِيًا بِإِبْطَالِ ظُهُورِهَا بَعْدَ اُلْكُمُونِ، وَإِبْطَالُ انْتِقَالِهَا مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ - ثُمَّ إثْبَاتُ " امْتِنَاعِ خُلُوِّ الْجِسْمِ " ثَالِثًا؛ إمَّا عَنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ أَجْنَاسِ الْأَعْرَاضِ: بِإِثْبَاتِ أَنَّ الْجِسْمَ قَابِلٌ لَهَا وَأَنَّ الْقَابِلَ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو عَنْهُ وَعَنْ ضِدِّهِ؛ وَإِمَّا عَنْ الْأَكْوَانِ - وَإِثْبَاتِ " امْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا " رَابِعًا وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ:
следующие страницы →