← Джавами‘

Джавами‘ · id 7289

مجموع الفتاوى

ابن تيمية

Полный текст (16 874 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ: أَثْبَتَتْ مَحَبَّةَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَحَبَّتَهُمْ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ﴿يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ . وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ . وَقَدْ أَجْمَعَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا عَلَى إثْبَاتِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَحَبَّتِهِمْ لَهُ وَهَذَا أَصْلُ دِينِ الْخَلِيلِ إمَامِ الْحُنَفَاءِ ﵇. وَأَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ فَضَحَّى بِهِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ يَوْمَ الْأَضْحَى بِوَاسِطِ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ: ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ إنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا تَعَالَى اللَّه عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ عُلُوًّا كَبِيرًا ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ. وَقَوْلُهُ: الْمَحَبَّةُ مَا تَكُونُ إلَّا مِنْ غَيْرٍ لِغَيْرِ وَغَيْرٌ مَا ثَمَّ) كَلَامٌ بَاطِلٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. فَإِنَّ قَوْلَهُ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ غَيْرٍ لَيْسَ بِصَحِيحِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُحِبُّ نَفْسَهُ وَلَيْسَ غَيْرًا لِنَفْسِهِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ وَقَوْلُهُ مَا ثَمَّ غَيْرٌ: بَاطِلٌ فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ

стр. 737

غَيْرُ الْخَالِقِ وَالْمُؤْمِنُونَ غَيْرُ اللَّهِ وَهُمْ يُحِبُّونَهُ فَالدَّعْوَى بَاطِلَةٌ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ مُقَدِّمَتَيْ الْحُجَّةِ بَاطِلَةٌ - قَوْلُهُ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ غَيْرٍ لِغَيْرِ وَقَوْلُهُ غَيْرٌ مَا ثَمَّ - فَإِنَّ الْغَيْرَ مَوْجُودٌ وَالْمَحَبَّةُ تَكُونُ مِنْ الْمُحِبِّ لِنَفْسِهِ وَلِهَذَا كَثِيرٌ مِنْ الِاتِّحَادِيَّةِ يُنَاقِضُهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ وَيَقُولُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْفَارِضِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: التَّوْحِيدُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ عَبْدٍ لِرَبِّ) وَلَوْ أَنْصَفَ النَّاسُ مَا رَأَوْا عَابِدًا وَلَا مَعْبُودًا: كِلَا الْمُقَدِّمَتَيْنِ بَاطِلٌ فَإِنَّ التَّوْحِيدَ يَكُونُ مِنْ اللَّهِ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُوَحِّدُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ﴾ وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ لِنَفْسِهِ فَقَدْ وَحَّدَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ﴾ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: فَقَوْلُهُ إنَّ النَّاسَ لَوْ أَنْصَفُوا مَا رَأَوْا عَابِدًا وَلَا مَعْبُودًا - مَعَ أَنَّهُ غَايَةٌ فِي الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ - كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَابِدٌ وَلَا مَعْبُودٌ بَلْ الْكُلُّ وَاحِدٌ: فَمَنْ هُمْ الَّذِينَ لَا يُنْصِفُونَ؟ إنْ كَانُوا هُمْ اللَّهُ؟ فَيَكُونُ اللَّهُ هُوَ الَّذِي لَا يُنْصِفُ وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ اللَّهِ فَقَدْ ثَبَتَ الْغَيْرُ ثُمَّ إذَا فَسَّرُوهُ عَلَى كُفْرِهِمْ وَقَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي لَا يُنْصِفُ وَهُوَ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَكْفُرُ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِشَيْخِهِ: الْفَقِيرُ إذَا صَحَّ أَكَلَ بِاَللَّهِ فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: الْفَقِيرُ إذَا صَحَّ أَكَلَ اللَّهُ. وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ عَرَبِيٍّ وَغَيْرُهُ مِنْ شُيُوخِهِمْ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَجُوعُ وَيَعْطَشُ

стр. 738

وَيَمْرَضُ وَيَبُولُ وَيَنْكِحُ وَيُنْكَحُ وَأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِكُلِّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْكَمَالُ عِنْدَهُمْ. كَمَا قَالَ فِي " الْفُصُوصِ ": فَالْعَلِيُّ بِنَفْسِهِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ الْكَمَالُ الَّذِي يَسْتَقْصِي بِهِ جَمِيعَ الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ وَالنِّسَبِ الْعَدَمِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَحْمُودَةً عُرْفًا وَعَقْلًا وَشَرْعًا أَوْ مَذْمُومَةً عُرْفًا وَعَقْلًا وَشَرْعًا وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِمُسَمَّى اللَّهِ خَاصَّةً وَقَالَ: أَلَا تَرَى الْحَقَّ يَظْهَرُ بِصِفَاتِ الْمُحْدَثَاتِ وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ وَبِصِفَاتِ النَّقْصِ وَالذَّمِّ؟ أَلَا تَرَى الْمَخْلُوقَ يَظْهَرُ بِصِفَاتِ الْخَالِقِ؟ فَهِيَ كُلُّهَا مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا صِفَاتٌ لِلْعَبْدِ كَمَا أَنَّ صِفَاتِ الْعَبْدِ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا الْمُتَكَلِّمُ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ يَتَنَاقَضُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: فَأَنْتَ الْكَامِلُ فِي نَفْسِك الَّذِي لَا تَرَى عَابِدًا وَلَا مَعْبُودًا نُعَامِلُك بِمُوجِبِ مَذْهَبِك فَتُضْرَبُ وَتُوجَعُ وَتُهَانُ وَتُصْفَعُ وَإِذَا تَظَلَّمَ مِمَّنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ وَاشْتَكَى وَصَاحَ مِنْهُ وَبَكَى قِيلَ لَهُ: مَا ثَمَّ غَيْرٌ وَلَا عَابِدٌ وَلَا مَعْبُودٌ فَلَمْ يَفْعَلْ بِك هَذَا غيرك بَلْ الضَّارِبُ هُوَ الْمَضْرُوبُ وَالشَّاتِمُ هُوَ الْمَشْتُومُ وَالْعَابِدُ هُوَ الْمَعْبُودُ فَإِنْ قَالَ: تَظَلَّمَ مِنْ نَفْسِهِ وَاشْتَكَى مِنْ نَفْسِهِ قِيلَ لَهُ أَيْضًا: فَقُلْ عَبَدَ نَفْسَهُ فَإِذَا أَثْبَتَ ظَالِمًا وَمَظْلُومًا وَهُمَا وَاحِدٌ قِيلَ لَهُ: فَأَثْبَتَ عَابِدًا وَمَعْبُودًا وَهُمَا وَاحِدٌ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: هَذَا الَّذِي يَضْحَكُ وَيَضْرِبُ: هُوَ نَفْسُ الَّذِي يَبْكِي وَيَصِيحُ؟ وَهَذَا الَّذِي شَبِعَ وَرَوِيَ: هُوَ نَفْسُ هَذَا الَّذِي جَاعَ وَعَطِشَ؟ فَإِنْ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ

стр. 739

غَيْرُهُ أَثْبَتَ الْمُغَايَرَةَ وَإِذَا أَثْبَتَ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا فَبَيْنَ الْعَابِدِ وَالْمَعْبُودِ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَإِنْ قَالَ: بَلْ هُوَ هُوَ - عُومِلَ مُعَامَلَةَ السوفسطائية فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ أَقْبَحِ السَّفْسَطَةِ. فَيُقَالُ: فَإِذَا كَانَ هُوَ هُوَ فَنَحْنُ نَضْرِبُك وَنَقْتُلُك وَالشَّيْءُ قَتَلَ نَفْسَهُ وَأَهْلَكَ نَفْسَهُ. وَالْإِنْسَانُ قَدْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِالذُّنُوبِ فَيَقُولُ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ لِكَوْنِ نَفْسِهِ أَمَرَتْهُ بِالسُّوءِ وَالنَّفْسُ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ لَكِنَّ جِهَةَ أَمْرِهَا لَيْسَتْ جِهَةَ فِعْلِهَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ نَوْعِ تَعَدُّدٍ؛ إمَّا فِي الذَّاتِ وَإِمَّا فِي الصِّفَاتِ وَكُلُّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِالْحِسِّ وَالِاضْطِرَارِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي ظَلَمَ ذَاكَ لَيْسَ هُوَ إيَّاهُ وَلَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ الَّذِي ظَلَمَ نَفْسَهُ. وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْمَخْلُوقِينَ: فَالْخَالِقُ أَعْظَمُ مُبَايَنَةً لِلْمَخْلُوقِينَ مِنْ هَذَا لِهَذَا. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَلَوْلَا أَنَّ أَصْحَابَ هَذَا الْقَوْلِ كَثُرُوا وَظَهَرُوا وَانْتَشَرُوا وَهُمْ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ سَادَاتُ الْأَنَامِ وَمَشَايِخُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلُ التَّوْحِيدِ وَالتَّحْقِيقِ. وَأَفْضَلُ أَهْلِ الطَّرِيقِ حَتَّى فَضَّلُوهُمْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَأَكَابِرِ مَشَايِخِ الدِّينِ: لَمْ يَكُنْ بِنَا حَاجَةٌ إلَى بَيَانِ فَسَادِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَإِيضَاحِ هَذَا الضَّلَالِ. وَلَكِنْ يَعْلَمُ أَنَّ الضَّلَالَ لَا حَدَّ لَهُ وَأَنَّ الْعُقُولَ إذَا فَسَدَتْ: لَمْ يَبْقَ لِضَلَالِهَا حَدٌّ مَعْقُولٌ فَسُبْحَانَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ نَوْعِ الْإِنْسَانِ؛ فَجَعَلَ مِنْهُ مَنْ هُوَ أَفْضَلَ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ مِنْهُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ الشَّيَاطِينِ وَلَكِنَّ تَشْبِيهَ هَؤُلَاءِ بِالْأَنْبِيَاءِ

стр. 740

الْأَوْلِيَاءِ كَتَشْبِيهِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ بِسَيِّدِ أُولِي الْأَلْبَابِ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ جِهَادَ هَؤُلَاءِ الْمُلْحِدِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ الدُّنْيَا وَالدِّينَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: رَدُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَبَيَانُ الْهُدَى مِنْ الضَّلَالِ. وَأَمَّا تَوْبَةُ مَنْ قَالَهَا وَمَوْتُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَهَذَا يَرْجِعُ إلَى الْمَلِكِ الْعَلَّامِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَمِنْ الْمُمْكِنَات أَنَّهُ قَدْ تَابَ عَلَى أَصْحَابِ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ وَاَللَّهُ تَعَالَى غَافِرُ الذَّنْبِ قَابِلُ التَّوْبِ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَالذَّنْبُ وَإِنْ عَظُمَ وَالْكُفْرُ وَإِنْ غَلُظَ وَجَسُمَ فَإِنَّ التَّوْبَةَ تَمْحُو ذَلِكَ كُلَّهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ لِمَنْ تَابَ بَلْ يَغْفِرُ الشِّرْكَ وَغَيْرَهُ لِلتَّائِبِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وَهَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ مُطْلَقَةٌ؛ لِأَنَّهَا لِلتَّائِبِينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فَإِنَّهَا مُقَيَّدَةٌ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهَا فِي حَقّ غَيْرِ التَّائِبِينَ لَا يَغْفِرُ لَهُمْ الشِّرْكَ وَمَا دُونَ الشِّرْكِ مُعَلَّقٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا الْحِكَايَةُ الْمَذْكُورَةُ عَنْ الَّذِي قَالَ: إنَّهُ الْتَقَمَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ: أَنَا الْحَقُّ وَأُخْتُهَا الَّتِي قِيلَ فِيهَا: إنَّ الْإِلَهِيَّةَ لَا يَدَّعِيهَا إلَّا أَجْهَلُ خَلْقِ اللَّهِ أَوْ أَعْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ - هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ.

стр. 741

وَالْفَقِيرُ الَّذِي قَالَ: مَا خَلَقَ اللَّهُ أَقَلَّ عَقْلًا مِمَّنْ ادَّعَى أَنَّهُ إلَهٌ - مِثْلُ فِرْعَوْنَ ونمرود) وَأَمْثَالِهِمَا - هُوَ الَّذِي أَصَابَ وَنَطَقَ بِالصَّوَابِ وَسَدَّدَ فِي الْخِطَابِ. وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ يُعَظِّمُونَ فِرْعَوْنَ وَأَمْثَالَهُ وَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ خَيْرٌ مِنْ مُوسَى وَأَمْثَالِهِ حَتَّى أَنَّهُ حَدَّثَنِي بَهَاءُ الدِّينِ عَبْدُ السَّيِّدِ الَّذِي كَانَ قَاضِي الْيَهُودِ وَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ ﵀ وَكَانَ قَدْ اجْتَمَعَ بِالشِّيرَازِيِّ أَحَدِ شُيُوخِ هَؤُلَاءِ وَدَعَاهُ إلَى هَذَا الْقَوْلِ وَزَيَّنَهُ لَهُ فَحَدَّثَنِي بِذَلِكَ فَبَيَّنْت لَهُ ضَلَالَ هَؤُلَاءِ وَكُفْرِهِمْ وَأَنَّ قَوْلَهُمْ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ فِرْعَوْنَ. فَقَالَ لِي: إنَّهُ لَمَّا دَعَاهُ حَسَنٌ الشِّيرَازِيُّ إلَى هَذَا الْقَوْلِ قَالَ لَهُ: قَوْلُكُمْ هَذَا يُشْبِهُ قَوْلَ فِرْعَوْنَ فَقَالَ: نَعَمْ وَنَحْنُ عَلَى قَوْلِ فِرْعَوْنَ وَكَانَ عَبْدُ السَّيِّدِ إذْ ذَاكَ لَمْ يُسْلِمْ بَعْدُ فَقَالَ: أَنَا لَا أَدَعُ مُوسَى وَأَذْهَبُ إلَى فِرْعَوْنَ قَالَ لَهُ وَلِمَ؟ قَالَ لِأَنَّ مُوسَى أَغْرَقَ فِرْعَوْنَ. فَانْقَطَعَ فَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالنَّصْرِ الْقَدَرِيِّ الَّذِي نَصَرَ اللَّهُ بِهِ مُوسَى لَا بِكَوْنِهِ كَانَ رَسُولًا صَادِقًا قُلْت لِعَبْدِ السَّيِّدِ: وَأَقَرَّ لَك أَنَّهُ عَلَى قَوْلِ فِرْعَوْنَ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَمَعَ إقْرَارِ الْخَصْمِ لَا يُحْتَاجُ إلَى بَيِّنَةٍ. أَنَا كُنْت أُرِيدُ أَنْ أُبَيِّنَ لَك أَنَّ قَوْلَهُمْ: هُوَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ فَإِذَا كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِهَذَا فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ. فَهَذِهِ الْمَقَالَاتُ وَأَمْثَالُهَا مِنْ أَعْظَمِ الْبَاطِلِ وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى بَعْضِ مَا بِهِ يُعْرَفُ مَعْنَاهَا وَأَنَّهُ بَاطِلٌ وَالْوَاجِبُ إنْكَارُهَا؛ فَإِنَّ إنْكَارَ هَذَا الْمُنْكَرِ السَّارِي فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى مِنْ إنْكَارِ دِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِي لَا يَضِلُّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ لَا سِيَّمَا وَأَقْوَالُ هَؤُلَاءِ شَرٌّ مِنْ أَقْوَالِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَفِرْعَوْنَ وَمَنْ عَرَفَ

стр. 742

مَعْنَاهَا وَاعْتَقَدَهَا كَانَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ بِجِهَادِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ وَالنِّفَاقُ إذَا عَظُمَ كَانَ صَاحِبُهُ شَرًّا مِنْ كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ. وَلَيْسَ لِهَذِهِ الْمَقَالَاتِ وَجْهٌ سَائِغٌ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ بَعْضَهَا يَحْتَمِلُ فِي اللُّغَةِ مَعْنًى صَحِيحًا فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ مَقْصُودُ صَاحِبِهَا وَهَؤُلَاءِ قَدْ عُرِفَ مَقْصُودُهُمْ كَمَا عُرِفَ دِينُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالرَّافِضَةِ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ كُتُبٌ مُصَنَّفَةٌ وَأَشْعَارٌ مُؤَلَّفَةٌ وَكَلَامٌ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَقَدْ عُلِمَ مَقْصُودُهُمْ بِالضَّرُورَةِ فَلَا يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ إلَّا جَاهِلٌ لَا يُلْفَتُ إلَيْهِ وَيَجِبُ بَيَانُ مَعْنَاهَا وَكَشْفُ مَغْزَاهَا لِمَنْ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِهَا وَخِيفَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْسِنَ الظَّنَّ بِهَا أَوْ أَنْ يَضِلَّ فَإِنَّ ضَرَرَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ السُّمُومِ الَّتِي يَأْكُلُونَهَا وَلَا يَعْرِفُونَ أَنَّهَا سُمُومٌ وَأَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ السُّرَّاقِ وَالْخَوَنَةِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ سُرَّاقٌ وَخَوَنَةٌ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ: غَايَةُ ضررهم مَوْتُ الْإِنْسَانِ أَوْ ذَهَابُ مَالِهِ وَهَذِهِ مُصِيبَةٌ فِي دُنْيَاهُ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِرَحْمَتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَأَمَّا هَؤُلَاءِ: فَيَسْقُونَ النَّاسَ شَرَابَ الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ فِي آنِيَةِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابَ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُمْ فِي الْبَاطِنِ مِنْ الْمُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَيُظْهِرُونَ كَلَامَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ فِي قَوَالِبِ أَلْفَاظِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُحَقِّقِينَ فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ مَعَهُمْ عَلَى أَنْ يَصِيرَ مُؤْمِنًا وَلِيًّا لِلَّهِ فَيَصِيرُ مُنَافِقًا عَدُوًّا لِلَّهِ.

стр. 743

وَلَقَدْ ضَرَبْت لَهُمْ مَرَّةً مَثَلًا بِقَوْمِ أَخَذُوا طَائِفَةً مِنْ الْحُجَّاجِ لِيَحُجُّوا بِهِمْ فَذَهَبُوا بِهِمْ إلَى قُبْرُصَ لِيُنَصِرُوهُمْ فَقَالَ لِي بَعْضُ مَنْ كَانَ قَدْ انْكَشَفَ لَهُ ضَلَالُهُمْ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ لَوْ كَانُوا يَذْهَبُونَ بِنَا إلَى قُبْرُصَ لَكَانُوا يَجْعَلُونَنَا نَصَارَى وَهَؤُلَاءِ كَانُوا يَجْعَلُونَنَا شَرًّا مِنْ النَّصَارَى وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ. وَقَدْ رَأَيْت وَسَمِعْت عَمَّنْ ظَنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَنَّ كَلَامَهُمْ كَلَامُ الْعَارِفِينَ الْمُحَقِّقِينَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالدِّينِ مَا لَا أُحْصِيهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ فِي إلْحَادِهِمْ وَفَهِمَهُ وَصَارَ مِنْهُمْ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِمَا لَا يَعْلَمُ وَيُعَظِّمُ مَا لَا يَفْهَمُ وَيُصَدِّقُ بِالْمَجْهُولَاتِ. وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَصْلَحُ الطَّوَائِفِ الضَّالِّينَ وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُعَظِّمُ أَعْدَاءَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَيُوَالِي الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ ظَانًّا أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَأُولِي الْأَلْبَابِ وَقَدْ دَخَلَ بِسَبَبِ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ الْمُعَظِّمِينَ لَهُمْ مِنْ الشَّرِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا لَا يُحْصِيه إلَّا رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَهَذَا الْجَوَابُ: لَمْ يَتَّسِعْ لِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْخِطَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 744

وَسُئِلَ: مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَهُدَاةُ الْمُسْلِمِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ فِي الْكَلَامِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ كِتَابُ " فُصُوصِ الْحُكْمِ " وَمَا شَاكَلَهُ مِنْ الْكَلَامِ الظَّاهِرِ فِي اعْتِقَادِ قَائِلِهِ: أَنَّ الرَّبَّ وَالْعَبْدَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَأَنَّ مَا ثَمَّ غَيْرٌ كَمَنْ قَالَ فِي شِعْرِهِ: أَنَا وَهُوَ وَاحِدٌ مَا مَعَنَا شَيْء وَمِثْلُ: أَنَا مَنْ أَهْوَى وَمَنْ أَهْوَى أَنَا وَمِثْلُ: إذَا كُنْت لَيْلَى وَلَيْلَى أَنَا وَكَقَوْلِ مَنْ قَالَ: لَوْ عَرَفَ النَّاسُ الْحَقَّ مَا رَأَوْا عَابِدًا وَلَا مَعْبُودًا. وَحَقِيقَةُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لَمْ تَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي السُّنَّةِ وَلَا فِي كَلَامِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِينَ. وَيَدَّعِي الْقَائِلُ لِذَلِكَ: أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وَاَللَّهُ ذَكَرَ خَيْرَ

стр. 745

خَلْقِهِ بِالْعُبُودِيَّةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَقَالَ تَعَالَى عَنْ خَاتَمِ رُسُلِهِ ﷺ ﴿فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي حَقِّ عِيسَى ﵇ ﴿إنْ هُوَ إلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ - الْآيَةَ. فَالنَّصَارَى كُفَّارٌ بِقَوْلِهِمْ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ فِي عِيسَى بِمُفْرَدِهِ فَكَيْفَ بِمَنْ يَعْتَقِدُ هَذَا الِاعْتِقَادَ: تَارَةً فِي نَفْسِهِ وَتَارَةً فِي الصُّوَرِ الْحَسَنَةِ: مِنْ النِّسْوَانِ والمردان وَيَقُولُونَ: إنَّ هَذَا الِاعْتِقَادَ لَهُ سِرٌّ خَفِيٌّ وَبَاطِنٌ حَقٌّ وَإِنَّهُ مِنْ الْحَقَائِقِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إلَّا خَوَاصُّ خَوَاصِّ الْخَلْقِ. فَهَلْ فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ سِرٌّ خَفِيٌّ يَجِبُ عَلَى مَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ أَنْ يَجْتَهِدَ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهَا وَالْوُصُولِ إلَى حَقَائِقِهَا - كَمَا زَعَمَ هَؤُلَاءِ - أَمْ بَاطِنُهَا كَظَاهِرِهَا؟ وَهَذَا الِاعْتِقَادُ الْمَذْكُورُ هُوَ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ أَمْ هُوَ الْكُفْرُ بِعَيْنِهِ؟ . وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّبِعَ فِي ذَلِكَ قَوْلَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أَمْ يَقِفُ مَعَ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الضَّالِّينَ الْمُضِلِّينَ؟ وَإِنَّ تَرْكَ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَوَافَقَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ فَمَاذَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ لَهُ يَوْمَ الدِّينِ؟ . أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْكَرِيمُ.

стр. 746

فَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، مَا تَضَمَّنَهُ كِتَابُ " فُصُوصِ الْحُكْمِ " وَمَا شَاكَلَهُ مِنْ الْكَلَامِ: فَإِنَّهُ كُفْرٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا؛ وَبَاطِنُهُ أَقْبَحُ مِنْ ظَاهِرِهِ. وَهَذَا يُسَمَّى مَذْهَبَ أَهْلِ الْوَحْدَةِ وَأَهْلِ الْحُلُولِ وَأَهْلِ الِاتِّحَادِ. وَهُمْ يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ الْمُحَقِّقِينَ. وَهَؤُلَاءِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَقُولُ بِذَلِكَ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ صَاحِبِ الْفُصُوصِ ابْنِ عَرَبِيٍّ وَأَمْثَالِهِ: مِثْلُ ابْنِ سَبْعِينَ وَابْنِ الْفَارِضِ. والقونوي والششتري وَالتِّلْمِسَانِيّ وَأَمْثَالِهِمْ مِمَّنْ يَقُولُ: إنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ وَيَقُولُونَ: إنَّ وُجُودَ الْمَخْلُوقِ هُوَ وُجُودُ الْخَالِقِ لَا يُثْبِتُونَ مَوْجُودَيْنِ خَلَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بَلْ يَقُولُونَ: الْخَالِقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ وَالْمَخْلُوقُ هُوَ الْخَالِقُ.

стр. 747

وَيَقُولُونَ: إنَّ وُجُودَ الْأَصْنَامِ هُوَ وُجُودُ اللَّهِ وَإِنَّ عُبَّادَ الْأَصْنَامِ مَا عَبَدُوا شَيْئًا إلَّا اللَّهَ. وَيَقُولُونَ: إنَّ الْحَقَّ يُوصَفُ بِجَمِيعِ مَا يُوصَفُ بِهِ الْمَخْلُوقُ مِنْ صِفَاتِ النَّقْصِ وَالذَّمِّ. وَيَقُولُونَ: إنَّ عُبَّادَ الْعِجْلِ مَا عَبَدُوا إلَّا اللَّهَ وَأَنَّ مُوسَى أَنْكَرَ عَلَى هَارُونَ لِكَوْنِ هَارُونَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عِبَادَةَ الْعِجْلِ وَأَنَّ مُوسَى كَانَ بِزَعْمِهِمْ مِنْ الْعَارِفِينَ الَّذِينَ يَرَوْنَ الْحَقَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ بَلْ يَرَوْنَهُ عَيْنَ كُلِّ شَيْءٍ وَأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ بَلْ هُوَ عَيْنُ الْحَقِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَقُولُهُ صَاحِبُ الْفُصُوصِ. وَيَقُولُ أَعْظَمُ مُحَقِّقِيهِمْ: إنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ شِرْكٌ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ؛ وَلَيْسَ التَّوْحِيدُ إلَّا فِي كَلَامِنَا. فَقِيلَ لَهُ: فَإِذَا كَانَ الْوُجُودُ وَاحِدًا فَلِمَ كَانَتْ الزَّوْجَةُ حَلَالًا وَالْأُمُّ حَرَامًا؟ فَقَالَ: الْكُلُّ عِنْدَنَا وَاحِدٌ وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ الْمَحْجُوبُونَ قَالُوا: حَرَامٌ. فَقُلْنَا: حَرَامٌ عَلَيْكُمْ. وَكَذَلِكَ مَا فِي شِعْرِ ابْنِ الْفَارِضِ فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي سَمَّاهَا نَظْمُ السُّلُوكِ كَقَوْلِهِ: لَهَا صَلَوَاتِي بِالْمَقَامِ أُقِيمُهَا … وَأَشْهَدُ فِيهَا أَنَّهَا لِي صَلَّتْ كِلَانَا مُصَلٍّ وَاحِدٌ سَاجِدٌ إلَى … حَقِيقَتِهِ بِالْجَمْعِ فِي كُلِّ سَجْدَةِ

стр. 748

وَمَا كَانَ لِي صَلَّى سِوَايَ وَلَمْ تَكُنْ … صَلَاتِي لِغَيْرِي فِي أَدَاءِ كُلِّ سَجْدَةِ وَقَوْلِهِ: وَمَا زِلْت إيَّاهَا وَإِيَّايَ لَمْ تَزَلْ … وَلَا فَرْقَ بَلْ ذَاتِي لِذَاتِي أَحَبَّتْ وَقَوْلِهِ: إلَيَّ رَسُولًا كُنْت مِنِّي مُرْسَلًا … وَذَاتِي بِآيَاتِي عَلَيَّ اسْتَدَلَّتْ فَأَقْوَالُ هَؤُلَاءِ وَنَحْوِهَا: بَاطِنُهَا أَعْظَمُ كُفْرًا وَإِلْحَادًا مَنْ ظَاهِرِهَا فَإِنَّهُ قَدْ يُظَنُّ أَنَّ ظَاهِرَهَا مَنْ جِنْسِ كَلَامِ الشُّيُوخِ الْعَارِفِينَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ وَالتَّوْحِيدِ وَأَمَّا بَاطِنُهَا فَإِنَّهُ أَعْظَمُ كُفْرًا وَكَذِبًا وَجَهْلًا مِنْ كَلَامِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَعُبَّادِ الْأَصْنَامِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَعْرَفُ بِبَاطِنِ الْمَذْهَبِ وَحَقِيقَتِهِ - كَانَ أَعْظَمَ كُفْرًا وَفِسْقًا كالتلمساني؛ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَعْرَفِ هَؤُلَاءِ بِهَذَا الْمَذْهَبِ وَأَخْبَرِهِمْ بِحَقِيقَتِهِ فَأَخْرَجَهُ ذَلِكَ إلَى الْفِعْلِ فَكَانَ يُعَظِّمُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ وَيَسْتَحِلُّ الْمُحَرَّمَاتِ وَيُصَنِّفُ للنصيرية كُتُبًا عَلَى مَذْهَبِهِمْ يُقِرُّهُمْ فِيهَا عَلَى عَقِيدَتِهِمْ الشركية. وَكَذَلِكَ ابْنُ سَبْعِينَ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ هَؤُلَاءِ وَكَانَ لَهُ مِنْ الْكُفْرِ وَالسِّحْرِ

стр. 749

الَّذِي يُسَمَّى السِّيمِيَا وَالْمُوَافَقَةُ لِلنَّصَارَى وَالْقَرَامِطَةِ وَالرَّافِضَةِ: مَا يُنَاسِبُ أُصُولَهُ. فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَخْبَرَ بِبَاطِنِ هَذَا الْمَذْهَبِ وَوَافَقَهُمْ عَلَيْهِ كَانَ أَظْهَرَ كُفْرًا وَإِلْحَادًا. وَأَمَّا الْجُهَّالُ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ الظَّنَّ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ وَلَا يُفْهِمُونَهُ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ الْمَشَايِخِ الْعَارِفِينَ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامِ صَحِيحٍ لَا يَفْهَمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَهَؤُلَاءِ تَجِدُ فِيهِمْ إسْلَامًا وَإِيمَانًا وَمُتَابَعَةً لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِحَسَبِ إيمَانِهِمْ التَّقْلِيدِيِّ وَتَجِدُ فِيهِمْ إقْرَارًا لِهَؤُلَاءِ وَإِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ وَتَسْلِيمًا لَهُمْ بِحَسَبِ جَهْلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ؛ وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُثْنِيَ عَلَى هَؤُلَاءِ إلَّا كَافِرٌ مُلْحِدٌ أَوْ جَاهِلٌ ضَالٌّ. وَهَؤُلَاءِ مِنْ جِنْسِ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ حَالٌّ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَلَكِنَّ أَهْلَ وَحْدَةِ الْوُجُودِ: حَقَّقُوا هَذَا الْمَذْهَبَ أَعْظَمَ مِنْ تَحْقِيقِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْجَهْمِيَّة. وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي: فَهُوَ قَوْل مَنْ يَقُولُ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ فِي مُعَيَّنٍ كَالنَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا بِذَلِكَ فِي الْمَسِيحِ عِيسَى وَالْغَالِيَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِذَلِكَ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْحَاكِمِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِذَلِكَ فِي الْحَاكِمِ، وَالْحَلَّاجِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِذَلِكَ فِي الْحَلَّاجِ، واليونسية الَّذِينَ يَقُولُونَ

стр. 750

بِذَلِكَ فِي يُونُسَ وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ يَقُولُ بِإِلَهِيَّةِ بَعْضِ الْبَشَرِ وَبِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ فِيهِ وَلَا يَجْعَلُ ذَلِكَ مُطْلَقًا فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ النِّسْوَانِ والمردان أَوْ بَعْضِ الْمُلُوكِ أَوْ غَيْرِهِمْ؛ فَهَؤُلَاءِ كُفْرُهُمْ شَرٌّ مِنْ كُفْرِ النَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. وَأَمَّا الْأَوَّلُونَ: فَيَقُولُونَ بِالْإِطْلَاقِ. وَيَقُولُونَ: النَّصَارَى إنَّمَا كَفَرُوا بِالتَّخْصِيصِ. وَأَقْوَالُ هَؤُلَاءِ شَرٌّ مِنْ أَقْوَالِ النَّصَارَى وَفِيهَا مِنْ التَّنَاقُضِ مِنْ جِنْسِ مَا فِي أَقْوَالِ النَّصَارَى؛ وَلِهَذَا يَقُولُونَ بِالْحُلُولِ تَارَةً وَبِالِاتِّحَادِ أُخْرَى وَبِالْوَحْدَةِ تَارَةً فَإِنَّهُ مَذْهَبٌ مُتَنَاقِضٌ فِي نَفْسِهِ؛ وَلِهَذَا يَلْبِسُونَ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْهَمْهُ. فَهَذَا كُلُّهُ كُفْرٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا بِإِجْمَاعِ كُلِّ مُسْلِمٍ وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِ هَؤُلَاءِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ قَوْلِهِمْ وَمَعْرِفَةِ دِينِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَافِرٌ كَمَنْ يَشُكُّ فِي كُفْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ. وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يُشَبِّهُونَ بِشَيْءِ آخَرَ وَهُوَ مَا يَعْرِضُ لِبَعْضِ الْعَارِفِينَ فِي مَقَامِ الْفَنَاءِ وَالْجَمْعِ وَالِاصْطِلَامِ وَالسُّكْرِ فَإِنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لِأَحَدِهِمْ - لِقُوَّةِ اسْتِيلَاءِ الْوَجْدِ وَالذِّكْرِ عَلَيْهِ - مِنْ الْحَالِ مَا يَغِيبُ فِيهِ عَنْ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ فَيَغِيبُ بِمَعْبُودِهِ عَنْ عِبَادَتِهِ وَبِمَعْرُوفِهِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَبِمَذْكُورِهِ عَنْ ذِكْرِهِ وَبِمَوْجُودِهِ عَنْ وُجُودِهِ.

стр. 751

وَمِثْلُ هَذَا قَدْ يَعْرِضُ لِبَعْضِ الْمُحِبِّينَ لِبَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ كَمَا يَذْكُرُونَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُحِبُّ آخَرَ فَأَلْقَى الْمَحْبُوبُ نَفْسَهُ فِي الْيَمِّ فَأَلْقَى الْمُحِبُّ نَفْسه خَلْفَهُ فَقَالَ لَهُ: أَنَا وَقَعْت؛ فَمَا الَّذِي أَوْقَعَك؟ فَقَالَ: غِبْت بِك عَنِّي. فَظَنَنْت أَنَّك أَنِّي. وَيُنْشِدُونَ: - رَقَّ الزُّجَاجُ وَرَاقَتْ الْخَمْرُ وَتَشَاكَلَا فَتَشَابَهَ الْأَمْرُ فَكَأَنَّمَا خَمْرٌ وَلَا قَدَحٌ وَكَأَنَّمَا قَدَحٌ وَلَا خَمْرُ وَهَذِهِ الْحَالُ تَعْرِضُ لِكَثِيرِ مِنْ السَّالِكِينَ وَلَيْسَتْ حَالًا لَازِمَةً لِكُلِّ سَالِكٍ وَلَا هِيَ أَيْضًا غَايَةٌ مَحْمُودَةٌ بَلْ ثُبُوتُ الْعَقْلِ وَالْفَهْمِ وَالْعِلْمُ مَعَ التَّوْحِيدِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا كَحَالِ نَبِيِّنَا ﷺ وَأَصْحَابِهِ أَكْمَل مِنْ هَذَا وَأَتَمُّ. وَالْمَعْنَى الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْفَنَاءَ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: فَنَاءٌ عَنْ عِبَادَةِ السِّوَى وَفَنَاءٌ عَنْ شُهُودِ السِّوَى وَفَنَاءٌ عَنْ وُجُودِ السِّوَى. فَالْأَوَّلُ: أَنْ يَفْنَى بِعِبَادَةِ اللَّهِ عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ وَبِخَوْفِهِ عَنْ خَوْفِ مَا سِوَاهُ وَبِرَجَائِهِ عَنْ رَجَاءِ مَا سِوَاهُ وَبِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ عَنْ التَّوَكُّلِ عَلَى مَا سِوَاهُ وَبِمَحَبَّتِهِ عَنْ مَحَبَّةِ مَا سِوَاهُ؛ وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ الَّذِي أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ وَهُوَ تَحْقِيقُ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّه " فَإِنَّهُ يَفْنَى مِنْ قَلْبِهِ كُلُّ تَأَلُّهٍ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَا يَبْقَى فِي قَلْبِهِ تَأَلُّهٌ لِغَيْرِ اللَّهِ وَكُلُّ مَنْ كَانَ أَكْمَلَ فِي هَذَا التَّوْحِيدِ كَانَ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ.

стр. 752

وَالثَّانِي: أَنْ يَفْنَى عَنْ شُهُودِ مَا سِوَى اللَّهِ وَهَذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ كَثِيرٌ مِنْ الصُّوفِيَّةِ حَالَ الِاصْطِلَامِ وَالْفَنَاءِ وَالْجَمْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذَا فِيهِ فَضِيلَةٌ مِنْ جِهَةِ إقْبَالِ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ وَفِيهِ نَقْصٌ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ شُهُودِهِ لِلْأَمْرِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إذَا شَهِدَ أَنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ وَخَالِقُهُ وَأَنَّهُ الْمَعْبُودُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ وَأَمَرَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رُسُلِهِ وَنَهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَمَعْصِيَةِ رُسُلِهِ فَشَهِدَ حَقَائِقَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَحْكَامِهِ خُلُقًا وَأَمْرًا: كَانَ أَتَمَّ مَعْرِفَةً وَشُهُودًا وَإِيمَانًا وَتَحْقِيقًا مِنْ أَنْ يَفْنَى بِشُهُودِ مَعْنًى عَنْ شُهُودِ مَعْنًى آخَرَ وَشُهُودِ التَّفْرِقَةِ فِي الْجَمْعِ وَالْكَثْرَةِ فِي الْوَحْدَةِ وَهُوَ الشُّهُودُ الصَّحِيحُ الْمُطَابِقُ. لَكِنْ إذَا كَانَ قَدْ وَرَدَ عَلَى الْإِنْسَانِ مَا يَعْجِزُ مَعَهُ عَنْ شُهُودِ هَذَا وَهَذَا كَانَ مَعْذُورًا لِلْعَجْزِ لَا مَحْمُودًا عَلَى النَّقْصِ وَالْجَهْلِ. وَالثَّالِثُ: الْفَنَاءُ عَنْ وُجُودِ السِّوَى؛ وَهُوَ قَوْلُ الْمَلَاحِدَةِ أَهْلِ الْوَحْدَةِ كَصَاحِبِ الْفُصُوصِ وَأَتْبَاعِهِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: وُجُودُ الْخَالِقِ هُوَ وُجُودُ الْمَخْلُوقِ وَمَا ثَمَّ غَيْرٌ وَلَا سِوَى فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. فَهَؤُلَاءِ قَوْلُهُمْ أَعْظَمُ كُفْرًا مِنْ قَوَّلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَعُبَّادِ الْأَصْنَامِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ وِلَايَةَ اللَّهِ: هِيَ مُوَافَقَتُهُ بِالْمَحَبَّةِ لِمَا يُحِبُّ وَالْبُغْضُ لِمَا يُبْغِضُ وَالرِّضَا بِمَا يَرْضَى وَالسُّخْطُ بِمَا يَسْخَطُ وَالْأَمْرُ بِمَا يَأْمُرُ بِهِ وَالنَّهْيُ عَمَّا يَنْهَى عَنْهُ وَالْمُوَالَاةُ لِأَوْلِيَائِهِ وَالْمُعَادَاةُ لِأَعْدَائِهِ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ

стр. 753

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا؛ فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَسْعَى؛ وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنهُ؛ وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ﴾ فَهَذَا أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي الْأَوْلِيَاءِ. فَالْمَلَاحِدَةُ والاتحادية يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى قَوْلِهِمْ لِقَوْلِهِ: " كُنْت سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ وَرِجْلَهُ " وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ: - مِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ﴾ فَأَثْبَتَ مُعَادِيًا مُحَارِبًا وَوَلِيًّا غَيْرَ الْمُعَادِي وَأَثْبَتَ لِنَفْسِهِ سُبْحَانَهُ هَذَا وَهَذَا. وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ﴾ فَأَثْبَتَ عَبْدًا مُتَقَرِّبًا إلَى رَبِّهِ وَرَبًّا افْتَرَضَ عَلَيْهِ فَرَائِضَ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ﴾ فَأَثْبَتَ مُتَقَرِّبًا وَمُتَقَرَّبًا إلَيْهِ وَمُحِبًّا وَمَحْبُوبًا غَيْرَهُ. وَهَذَا كُلُّهُ يَنْقُضُ قَوْلَهُمْ: الْوُجُودُ وَاحِدٌ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ

стр. 754

بِهِ﴾ إلَى آخِرِهِ. فَإِنَّهُ جَعَلَ لِعَبْدِهِ بَعْدَ مَحَبَّتِهِ هَذِهِ الْأُمُورَ وَهُوَ عِنْدَهُمْ قَبْلَ الْمَحَبَّةِ وَبَعْدَهَا وَاحِدٌ وَهُوَ عِنْدَهُمْ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ: بَطْنُهُ وَفَرْجُهُ وَشَعْرُهُ وَكُلُّ شَيْءٍ لَا تَعَدُّدَ عِنْدَهُمْ وَلَا كَثْرَةَ فِي الْوُجُودِ؛ وَلَكِنْ يُثْبِتُونَ مَرَاتِبَ وَمَجَالِيَ وَمَظَاهِرَ؛ فَإِنْ جَعَلُوهَا مَوْجُودَةً نَقَضُوا قَوْلَهُمْ. وَإِنْ جَعَلُوهَا ثَابِتَةً فِي الْعَدَمِ - كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ عَرَبِيٍّ - أَوْ جَعَلُوهَا الْمُعَيَّنَاتِ وَالْمُطْلَقُ هُوَ الْحَقُّ - كَانُوا قَدْ بَنَوْا ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْمَعْدُومُ شَيْءٌ وَقَوْلُ مَنْ جَعَلَ الْكُلِّيَّاتِ ثَابِتَةً فِي الْخَارِجِ زَائِدَةٌ عَلَى الْمُعَيَّنَاتِ. وَالْأَوَّلُ: قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَرَبِيٍّ. وَالثَّانِي: قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَهُوَ قَوْلُ القونوي صَاحِبُ ابْنِ عَرَبِيٍّ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ بَاطِلَانِ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ وَلِهَذَا كَانَ التلمساني أَحْذَقَ مِنْهُمَا فَلَمْ يُثْبِتْ شَيْئًا وَرَاءَ الْوُجُودِ. كَمَا قِيلَ: - وَمَا الْبَحْرُ إلَّا الْمَوْجُ لَا شَيْءَ غَيْرَهُ وَإِنْ فَرَّقَتْهُ كَثْرَةُ الْمُتَعَدِّدِ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الضُّلَّالَ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ مَا قَالُوا: وُجُودُ الْمَخْلُوقِ هُوَ وُجُودُ الْخَالِقِ وَهَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةُ قَالُوا: هَذَا هُوَ هَذَا؛ وَلِهَذَا صَارُوا يَقُولُونَ بِالْحُلُولِ مِنْ وَجْهٍ لِكَوْنِ الْوُجُودِ فِي كُلِّ الذَّوَاتِ أَوْ بِالْعَكْسِ وَبِالِاتِّحَادِ مِنْ وَجْهٍ لِاتِّحَادِهِمَا؛ وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ هِيَ وَحْدَةُ الْوُجُودِ.

стр. 755

وَفِي الْحَدِيثِ وُجُوهٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ. وَالْحَدِيثُ حَقٌّ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَإِنَّ وَلِيَّ اللَّهُ لِكَمَالِ مَحَبَّتِهِ لِلَّهِ وَطَاعَتِهِ لِلَّهِ يَبْقَى إدْرَاكُهُ لِلَّهِ وَبِاَللَّهِ وَعَمَلُهُ لِلَّهِ وَبِاَللَّهِ؛ فَمَا يَسْمَعُهُ مِمَّا يُحِبُّهُ الْحَقُّ أَحَبَّهُ وَمَا يَسْمَعُهُ مِمَّا يُبْغِضُهُ الْحَقُّ أَبْغَضَهُ وَمَا يَرَاهُ مِمَّا يُحِبُّهُ الْحَقُّ أَحَبَّهُ وَمَا يَرَاهُ مِمَّا يُبْغِضُهُ الْحَقُّ أَبْغَضَهُ؛ وَيَبْقَى فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ مِنْ النُّورِ مَا يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ ﴿اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَعَنْ يَمِينِي نُورًا وَعَنْ يَسَارِي نُورًا وَفَوْقِي نُورًا وَتَحْتِي نُورًا وَأَمَامِي نُورًا وَخَلْفِي نُورًا وَاجْعَلْ لِي نُورًا﴾ . فَوَلِيُّ اللَّهِ فِيهِ مِنْ الْمُوَافَقَةِ لِلَّهِ: مَا يَتَّحِدُ بِهِ الْمَحْبُوبُ وَالْمَكْرُوهُ وَالْمَأْمُورُ وَالْمَنْهِيُّ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَيَبْقَى مَحْبُوبُ الْحَقِّ مَحْبُوبَهُ وَمَكْرُوهُ الْحَقِّ مَكْرُوهَهُ وَمَأْمُورُ الْحَقِّ مَأْمُورَهُ وَوَلِيُّ الْحَقِّ وَلَيَّهُ وَعَدُوُّ الْحَقِّ عَدُوَّهُ؛ بَلْ الْمَخْلُوقُ إذَا أَحَبَّ الْمَخْلُوقَ مَحَبَّةً تَامَّةً حَصَلَ بَيْنَهُمَا نَحْوٌ مِنْ هَذَا حَتَّى قَدْ يَتَأَلَّمُ أَحَدُهُمَا بِتَأَلُّمِ الْآخَرِ وَيَلْتَذُّ بِلَذَّتِهِ. وَلِهَذَا قَالَ ﷺ ﴿مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ: كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ﴾ وَلِهَذَا كَانَ الْمُؤْمِنُ يَسُرُّهُ مَا يَسُرُّ الْمُؤْمِنِينَ وَيَسُوءُهُ مَا يَسُوءُوهُمْ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ.

стр. 756

فَهَذَا الِاتِّحَادُ الَّذِي بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ: لَيْسَ هُوَ أَنَّ ذَاتَ أَحَدِهِمَا هِيَ بِعَيْنِهَا ذَاتُ الْآخَرِ وَلَا حَلَّتْ فِيهِ بَلْ هُوَ تَوَافُقُهُمَا وَاتِّحَادُهُمَا فِي الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَشُعَبِ ذَلِكَ: مِثْلَ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْقُولًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ: فَالْعَبْدُ إذَا كَانَ مُوَافِقًا لِرَبِّهِ تَعَالَى فِيمَا يُحِبُّهُ وَيُبْغِضُهُ وَيَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُحِبُّهُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ: كَيْفَ تَكُونُ ذَاتُ أَحَدِهِمَا هِيَ الْأُخْرَى أَوْ حَالَّةٌ فِيهَا؟ . فَإِذَا عَرَفْت هَذِهِ الْأُصُولَ مِنْ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ الْمُطْلَقِ وَالْمُعَيَّنِ الَّذِي هُوَ بَاطِلٌ وَمِمَّا هُوَ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَمِنْ وِلَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُوَافَقَتِهِ فِيمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ: تَبَيَّنَ لَك جَوَابُ مَسَائِلِ السَّائِلِ. وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَجِدُونَ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ - كَلِمَاتٌ مُشْتَبِهَةٌ مُجْمَلَةٌ - فَيَحْمِلُونَهَا عَلَى الْمَعَانِي الْفَاسِدَةِ كَمَا فَعَلَتْ النَّصَارَى فِيمَا نُقِلَ لَهُمْ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ فَيَدَعُونَ الْمُحْكَمَ وَيَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ. فَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ الرَّبَّ وَالْعَبْدَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ: كُفْرٌ صَرِيحٌ لَا سِيَّمَا إذَا دَخَلَ فِي ذَلِكَ كُلُّ عَبْدٍ مَخْلُوقٍ؛ وَأَمَّا إذَا أَرَادَ بِذَلِكَ عِبَادَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلِيَاءَهُ الْمُتَّقِينَ فَهَؤُلَاءِ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وَيُوَافِقُونَهُ فِيمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَيَأْمُرُ بِهِ؛ فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ. وَلَمَّا رَضُوا مَا يَرْضَى وَسَخِطُوا مَا يَسْخَطُ: كَانَ الْحَقُّ يَرْضَى لِرِضَاهُمْ وَيَغْضَبُ لِغَضَبِهِمْ؛ إذْ ذَلِكَ مُتَلَازِمٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ.

стр. 757

وَلَا يُقَالُ فِي أَفْضَلِ هَؤُلَاءِ: إنَّ الرَّبَّ وَالْعَبْدَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ؛ لَكِنْ يُقَالُ لِأَفْضَلِ الْخَلْقِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. وَأَمَّا سَائِرُ الْعِبَادِ: فَإِنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ وَمَالِكُهُمْ وَرَبُّهُمْ وَخَالِقُ قُدْرَتِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ ثُمَّ مَا كَانَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ مُوَافِقًا لِمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ: كَانَ مُحِبًّا لِأَهْلِهِ مُكْرِمًا لَهُمْ وَمَا كَانَ مِنْهَا مِمَّا يُسْخِطُهُ وَيَكْرَهُهُ: كَانَ مُبْغِضًا لِأَهْلِهِ مُهِينًا لَهُمْ. وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ مَفْعُولَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ لَيْسَتْ صِفَةً لَهُ وَلَا فِعْلًا قَائِمًا بِذَاتِهِ. وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ فَمَعْنَاهُ: وَمَا أَوْصَلْت إذْ حَذَفْت وَلَكِنَّ اللَّهَ أَوْصَلَ الْمَرْمِيَّ؛ فَإِنَّ ﴿النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَدْ رَمَى الْمُشْرِكِينَ بِقَبْضَةِ مِنْ تُرَابٍ وَقَالَ: شَاهَتْ الْوُجُوهُ﴾ فَأَوْصَلَهَا اللَّهُ إلَى وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ وَعُيُونِهِمْ؛ وَكَانَتْ قُدْرَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَاجِزَةً عَنْ إيصَالِهَا إلَيْهِمْ وَالرَّمْيُ لَهُ مَبْدَأٌ وَهُوَ الْحَذْفُ وَمُنْتَهَى وَهُوَ الْوُصُولُ؛ فَأَثْبَتَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ الْمَبْدَأَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ وَنَفَى عَنْهُ الْمُنْتَهَى وَأَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُثْبَتُ عَيْنَ الْمَنْفِيِّ؛ فَإِنَّ هَذَا تَنَاقُضٌ.

стр. 758

وَاَللَّهُ تَعَالَى - مَعَ أَنَّهُ هُوَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ - فَإِنَّهُ لَا يَصِفُ نَفْسَهُ بِصِفَةِ مَنْ قَامَتْ بِهِ تِلْكَ الْأَفْعَالُ؛ فَلَا يُسَمِّي نَفْسَهُ مُصَلِّيًا وَلَا صَائِمًا وَلَا آكِلًا وَلَا شَارِبًا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَقَوْلُ الْقَائِلِ: " مَا ثَمَّ غَيْرٌ " إذَا أَرَادَ بِهِ مَا يُرِيدُهُ أَهْلُ الْوَحْدَةِ أَيْ مَا ثَمَّ غَيْرٌ مَوْجُودٌ سِوَى اللَّهِ: فَهَذَا كُفْرٌ صَرِيحٌ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرٌ لَمْ يَقُلْ: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ وَلَمْ يَقُلْ ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَأْمُرُونَهُ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ اللَّهِ لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ وَلَمْ يَقُلْ الْخَلِيلُ ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: ﴿إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ لَمْ يُعَادِ رَبَّهُ وَلَمْ يَتَبَرَّأْ مِنْ رَبِّهِ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْآلِهَةُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا هُمْ وَآبَاؤُهُمْ الْأَقْدَمُونَ غَيْرَ اللَّهِ: لَكَانَ إبْرَاهِيمُ قَدْ تَبَرَّأَ مِنْ اللَّهِ وَعَادَى اللَّهَ وَحَاشَا إبْرَاهِيمَ مِنْ ذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمْ يَنْفُونَ الصِّفَاتِ وَيَقُولُونَ: الْقُرْآنُ هُوَ اللَّهُ أَوْ غَيْرُ اللَّهِ. فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: غَيْرُ اللَّهِ. قَالُوا: فَغَيْرُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ. وَفِي آخِرِ أَمْرِهِمْ يَقُولُونَ: مَا ثَمَّ مَوْجُودٌ غَيْرُ اللَّهِ أَوْ يَقُولُونَ الْعَالَمُ لَا هُوَ اللَّهُ وَلَا هُوَ غَيْرُهُ. وَيَقُولُونَ:

стр. 759

وَكُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامُهُ سَوَاءٌ عَلَيْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ فَيُنْكِرُونَ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ إذَا أَثْبَتُوا الصِّفَاتِ وَلَمْ يُطْلِقُوا عَلَيْهَا اسْمَ الْغَيْرِ وَهُمْ لَا يُطْلِقُونَ عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ اسْمَ الْغَيْرِ وَقَدْ سَمِعْت هَذَا التَّنَاقُضَ مِنْ مَشَايِخِهِمْ فَإِنَّهُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. وَأَمَّا قَوْل الشَّاعِرِ فِي شِعْرِهِ: أَنَا مَنْ أَهْوَى وَمَنْ أَهْوَى أَنَا؟ وَقَوْلُهُ: إذَا كُنْت لَيْلَى وَلَيْلَى أَنَا. فَهَذَا إنَّمَا أَرَادَ بِهِ هَذَا الشَّاعِرُ الِاتِّحَادَ الْوَضْعِيَّ كَاتِّحَادِ أَحَدِ الْمُتَحَابَّيْنِ بِالْآخَرِ الَّذِي يُحِبُّ أَحَدُهُمَا مَا يُحِبُّ الْآخَرَ وَيُبْغِضُ مَا يُبْغِضُ وَيَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ وَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا يَفْعَلُ وَهُوَ تَشَابُهٌ وَتَمَاثُلٌ لَا اتِّحَادُ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ إذْ كَانَ قَدْ اسْتَغْرَقَ فِي مَحْبُوبِهِ حَتَّى فَنِيَ بِهِ عَنْ رُؤْيَةِ نَفْسِهِ كَقَوْلِ الْآخَرِ: غِبْت بِك عَنِّي فَظَنَنْت أَنَّك أَنِّي فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غالطا مُسْتَغْرِقًا بِالْفَنَاءِ أَوْ يَكُونُ عَنَى التَّمَاثُلَ وَالتَّشَابُهَ وَاتِّحَادَ الْمَطْلُوبِ وَالْمَرْهُوبِ لَا الِاتِّحَادَ الذَّاتِيَّ. فَإِنْ أَرَادَ الِاتِّحَادَ الذَّاتِيَّ - مَعَ عَقْلِهِ لِمَا يَقُولُ - فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ مُسْتَحِقٌّ لِعُقُوبَةِ الْمُفْتَرِينَ. وَأَمَّا قَوْل الْقَائِلِ: لَوْ رَأَى النَّاسُ الْحَقَّ لَمَا رَأَوْا عَابِدًا وَلَا مَعْبُودًا: فَهَذَا مِنْ جِنْسِ قَوْلِ الْمَلَاحِدَةِ الِاتِّحَادِيَّةِ الَّذِينَ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ؛

стр. 760

وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الضَّلَالِ وَالْغَيِّ بَيْنَ شَهَوَاتِ الْغَيِّ فِي بُطُونِهِمْ وَفُرُوجِهِمْ وَبَيْنَ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ شَهَوَاتِ الْغَيِّ فِي بُطُونِكُمْ وَفُرُوجِكُمْ﴾ حَتَّى يَبْلُغَ الْأَمْرُ بِأَحَدِهِمْ إلَى أَنْ يَهْوَى المردان وَيَزْعُمُ أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى تَجَلَّى فِي أَحَدِهِمْ وَيَقُولُونَ: هُوَ الرَّاهِبُ فِي الصَّوْمَعَةِ؛ وَهَذِهِ مَظَاهِرُ الْجَمَالِ؛ وَيُقَبِّلُ أَحَدُهُمْ الْأَمْرَدَ وَيَقُولُ: أَنْتَ اللَّهُ. وَيُذْكَرُ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي ابْنَهُ وَيَدَّعِي أَنَّهُ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَوْ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ لِجَلِيسِهِ: أَنْتَ خَلَقْت هَذَا وَأَنْتَ هُوَ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. فَقَبَّحَ اللَّهُ طَائِفَةً يَكُونُ إلَهُهَا الَّذِي تَعْبُدُهُ هُوَ مَوْطَؤُهَا الَّذِي تَفْتَرِشُهُ؛ وَعَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُمْ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا. وَمَنْ قَالَ: إنَّ لِقَوْلِ هَؤُلَاءِ سِرًّا خَفِيًّا وَبَاطِنَ حَقٍّ وَإِنَّهُ مِنْ الْحَقَائِقِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إلَّا خَوَاصَّ خَوَاصِّ الْخَلْقِ: فَهُوَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ - إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ كِبَارِ الزَّنَادِقَةِ أَهْلِ الْإِلْحَادِ وَالْمَحَالِّ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ كِبَارِ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ. فَالزِّنْدِيقُ يَجِبُ قَتْلُهُ؛ وَالْجَاهِلُ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ الْبَاطِلِ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ وَجَبَ قَتْلُهُ.

стр. 761

وَلَكِنْ لِقَوْلِهِمْ سِرٌّ خَفِيٌّ وَحَقِيقَةٌ بَاطِنَةٌ لَا يَعْرِفُهَا إلَّا خَوَاصُّ الْخَلْقِ. وَهَذَا السِّرُّ هُوَ أَشَدُّ كُفْرًا وَإِلْحَادًا مِنْ ظَاهِرِهِ؛ فَإِنَّ مَذْهَبَهُمْ فِيهِ دِقَّةٌ وَغُمُوضٌ وَخَفَاءٌ قَدْ لَا يَفْهَمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ. وَلِهَذَا تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ عَوَامِّ أَهْلِ الدِّينِ وَالْخَيْرِ وَالْعِبَادَةِ يُنْشِدُ قَصِيدَةَ ابْنِ الْفَارِضِ وَيَتَوَاجَدُ عَلَيْهَا وَيُعَظِّمُهَا ظَانًّا أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَالْمَعْرِفَةِ وَهُوَ لَا يَفْهَمُهَا وَلَا يَفْهَمُ مُرَادَ قَائِلِهَا؛ وَكَذَلِكَ كَلَامُ هَؤُلَاءِ يَسْمَعُهُ طَوَائِفُ مِنْ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ فَلَا يَفْهَمُونَ حَقِيقَتَهُ فَإِمَّا أَنْ يَتَوَقَّفُوا عَنْهُ أَوْ يُعَبِّرُوا عَنْ مَذْهَبِهِمْ بِعِبَارَةِ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ حَقِيقَةً؛ وَإِمَّا أَنْ يُنْكِرُوهُ إنْكَارًا مُجْمَلًا مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِحَقِيقَتِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَهَذَا حَالُ أَكْثَرِ الْخَلْقِ مَعَهُمْ. وَأَئِمَّتُهُمْ إذَا رَأَوْا مَنْ لَمْ يَفْهَمْ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ طَمِعُوا فِيهِ وَقَالُوا: هَذَا مِنْ عُلَمَاءِ الرُّسُومِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَهْلِ الْقِشْرِ وَقَالُوا: عِلْمُنَا هَذَا لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْكَشْفِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى شُرُوطٍ وَقَالُوا: لَيْسَ هَذَا عُشُّك فَادْرُجْ عَنْهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ تَعْظِيمٌ لَهُ وَتَشْوِيقٌ إلَيْهِ وَتَجْهِيلٌ لِمَنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ. وَإِنْ رَأَوْهُ عَارِفًا بِقَوْلِهِمْ نَسَبُوهُ إلَى أَنَّهُ مِنْهُمْ وَقَالُوا: هُوَ مِنْ كِبَارِ الْعَارِفِينَ.

стр. 762

وَإِذَا أَظْهَرَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ وَالتَّكْفِيرَ قَالُوا: هَذَا قَامَ بِوَصْفِ الْإِنْكَارِ لِتَكْمِيلِ الْمَرَاتِبِ وَالْمَجَالِي. وَهَكَذَا يَقُولُونَ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَنَهْيِهِمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ. وَهَذَا كُلُّهُ وَأَمْثَالُهُ مِمَّا رَأَيْته وَسَمِعْته مِنْهُمْ. فَضَلَالُهُمْ عَظِيمٌ وَإِفْكُهُمْ كَبِيرٌ وَتَلْبِيسُهُمْ شَدِيدٌ. وَاَللَّهُ تَعَالَى يُظْهِرُ مَا أَرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 763

فَصْلٌ: فِيمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ مِنْ الْأَوَّلِينَ والآخرين مِمَّا يُشْبِهُ الِاتِّحَادَ وَالْحُلُولَ الْبَاطِلَ وَهُوَ حَقّ - وَإِنْ سُمِّيَ حُلُولًا أَوْ اتِّحَادًا - وَهُوَ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَهْلُ الْمَعْرِفَةِ وَالْيَقِينِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. أَمَّا الْحُلُولُ: فَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى فِي قَلْبِهِ مِنْهُ أَثَرٌ وَنَعْتٌ وَلَيْسَ حَالُهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ كَحَالِهِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ حَتَّى يَكُونَ الْعِلْمُ نِسْبَةً مَحْضَةً بِمَنْزِلَةِ الْعُلُوِّ وَالسُّفُولِ. فَإِنَّ الْمُسْتَعْلِيَ إذَا نَزَلَ زَالَ عُلُوُّهُ وَالسَّافِلَ إذَا اعْتَلَى زَالَ سُفُولُهُ وَالْعِلْمُ لَا يَزُولُ؛ بَلْ يَبْقَى أَثَرُهُ بِكُلِّ حَالٍ؛ فَإِذَا كَانَ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ يُحِبُّهُ أَوْ يَرْجُوهُ أَوْ يَخَافُهُ: كَانَ لِهَذِهِ الْأَحْوَالِ أَثَرٌ وَنَعْتٌ آخَرُ وَرَاءَ الْعِلْمِ وَالشُّعُورِ وَإِنْ كَانَا قَدْ يَتَلَازَمَانِ. فَإِذَا ذَكَرَهُ بِلِسَانِهِ: كَانَتْ هَذِهِ الْآثَارُ أَعْظَمَ. وَإِذَا خَضَعَ لَهُ بِسَائِرِ جَوَارِحِهِ: كَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَ وَأَعْظَمَ. وَهَذِهِ الْمَعَانِي هِيَ فِي الْأَصْلِ مُشْتَرِكَةٌ فِي كُلِّ مُدْرِكٍ وَمُدْرَكٍ وَمُحِبٍّ وَمَحْبُوبٍ وَذَاكِرٍ وَمَذْكُورٍ وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ كَعِبَادَةِ اللَّهِ

стр. 764

وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ أَوْ عِبَادَةِ الْأَنْدَادِ مِنْ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ أَوْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْعِبَادَةِ كَمُحِبِّ الْإِخْوَانِ وَالْوِلْدَانِ وَالنِّسْوَانِ وَالْأَوْطَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَكْوَانِ. فَالْمُؤْمِنُ الَّذِي آمَنَ بِاَللَّهِ بِقَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ إيمَانُهُ يَجْمَعُ بَيْنَ عِلْمِ قَلْبِهِ وَحَالِ قَلْبِهِ: تَصْدِيقُ الْقَلْبِ وَخُضُوعُ الْقَلْبِ وَيَجْمَعُ قَوْلَ لِسَانِهِ وَعَمَلَ جَوَارِحِهِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْإِيمَانِ هُوَ مَا فِي الْقَلْبِ أَوْ مَا فِي الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهِ التَّصْدِيقُ بِاَللَّهِ وَالْإِسْلَامُ لَهُ هَذَا قَوْلُ قَلْبِهِ وَهَذَا عَمَلُ قَلْبِهِ وَهُوَ الْإِقْرَارُ بِاَللَّهِ. وَالْعِلْمُ قَبْلَ الْعَمَلِ وَالْإِدْرَاكُ قَبْلَ الْحَرَكَةِ وَالتَّصْدِيقُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَالْمَعْرِفَةُ قَبْلَ الْمَحَبَّةِ وَإِنْ كَانَا يَتَلَازَمَانِ؛ لَكِنَّ عِلْمَ الْقَلْبِ مُوجِبٌ لِعَمَلِهِ مَا لَمْ يُوجَدْ مُعَارِضٌ رَاجِحٌ وَعَمَلُهُ يَسْتَلْزِمُ تَصْدِيقَهُ إذْ لَا تَكُونُ حَرَكَةً إرَادِيَّةً وَلَا مَحَبَّةً إلَّا عَنْ شُعُورٍ لَكِنْ قَدْ تَكُونُ الْحَرَكَةُ وَالْمَحَبَّةُ فِيهَا فَسَادٌ إذَا لَمْ يَكُنْ الشُّعُورُ وَالْإِدْرَاكُ صَحِيحًا. قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: " مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ " فَأَمَّا الْعَمَلُ الصَّالِحُ بِالْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ: فَلَا يَكُونُ إلَّا عَنْ عِلْمٍ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ تَنْتَظِمُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا: عِلْمَ الْقَلْبِ وَحَالَهُ وَإِنْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللِّسَانِ وَعَمَلُ الْجَوَارِحِ أَيْضًا فَإِنَّ وُجُودَ الْفُرُوعِ الصَّحِيحَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِوُجُودِ الْأُصُولِ؛ وَهَذَا ظَاهِرٌ لَيْسَ الْغَرَضُ هُنَا بَسْطُهُ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ (١).

стр. 765

فَصْلٌ: وَهُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِقَلْبِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ: مَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَعْرُوفِ الْمَحْبُوبِ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْآثَارِ مَا يُشْبِهُ الْحُلُولَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ لَا أَنَّهُ حُلُولُ ذَاتِ الْمَعْرُوفِ الْمَحْبُوبِ لَكِنْ هُوَ الْإِيمَانُ بِهِ وَمَعْرِفَةُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ الْآيَةَ قَالَ أبي بْنُ كَعْبٍ: " مَثَلُ نُورِهِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ " فَهَذِهِ هِيَ الْأَنْوَارُ الَّتِي تَحْصُلُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ إنَّهُ الْكُفْرُ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّ مَنْ كَفَرَ بِالْإِقْرَارِ الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْإِسْلَامُ لَهُ: الْمُتَضَمِّنُ لِلِاعْتِقَادِ وَالِانْقِيَادِ لِإِيجَابِ الْوَاجِبَاتِ وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ وَإِبَاحَةِ الْمُبَاحَاتِ: فَهُوَ كَافِرٌ؛ إذْ الْمَقْصُودُ لَنَا مِنْ إنْزَالِ الْكُتُبِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ هُوَ حُصُولُ الْإِيمَانِ لَنَا فَمَنْ كَفَرَ بِهَذَا فَهُوَ كَافِرٌ بِذَاكَ وَهَذَا قَدْ يُسَمَّى الْمَثَلَ وَالْمِثَالَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّ الْعِلْمَ مِثَالُ الْمَعْلُومِ فِي الْعَالَمِ وَكَذَلِكَ الْحُبُّ يَكُونُ فِيهِ تَمْثِيلُ الْمَحْبُوبِ فِي الْمُحِبِّ. ثُمَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ وَكُلَّ حُبٍّ فَفِيهِ هَذَا الْمِثَالُ كَمَا يَقُولُهُ قَوْمٌ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ حُصُولَ شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْمِثَالِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعِلْمِ وَالْحُبِّ. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ تَمَثُّلٌ وَتَخَيُّلٌ لِبَعْضِ الْعَالِمِينَ وَالْمُحِبِّينَ حَتَّى

стр. 766

يَتَخَيَّلَ صُورَةَ الْمَحْبُوبِ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ تَخَيُّلٌ حِسِّيٌّ وَلَيْسَ هَذَا الْمَثَلُ مَنْ جِنْسِ الْحَقِيقَةِ أَصْلًا؛ وَإِنَّمَا لَمَّا كَانَ الْعِلْمُ مُطَابِقًا لِلْمَعْلُومِ وَمُوَافِقًا لَهُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لَهُ كَانَ بَيْنَ الْمُطَابِقِ وَالْمُطَابَقِ وَالْمُوَافِقِ وَالْمُوَافَقِ نَوْعُ تَنَاسُبٍ وَتَشَابُهٍ وَنَوْعٌ مَا مِنْ أَنْوَاعِ التَّمْثِيلِ فَإِنَّ الْمَثَلَ يُضْرَبُ لِلشَّيْءِ لِمُشَارَكَتِهِ إيَّاهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَهُنَا قَطْعًا اشْتِرَاكٌ مَا وَاشْتِبَاهٌ مَا. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أَنَّهُ هَذَا وَفِي حَدِيثٍ مَأْثُورٍ: ﴿مَا وَسِعَنِي أَرْضِي وَلَا سَمَائِي وَوَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ النَّقِيِّ التَّقِيِّ الْوَدَاعِ اللَّيِّنِ﴾ وَيُقَالُ: الْقَلْبُ بَيْتُ الرَّبِّ وَهَذَا هُوَ نَصِيبُ الْعِبَادِ مِنْ رَبِّهِمْ وَحَظُّهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ بِهِ كَمَا جَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَعْلَمَ كَيْفَ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ؟ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللَّهِ مِنْ قَلْبِهِ؟ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ الْعَبْدَ مِنْ نَفْسِهِ حَيْثُ أَنْزَلَهُ الْعَبْدُ مِنْ قَلْبِهِ. وَرُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الموصلي وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الذِّكْرِ وَلِهَذَا قَالَ أَبْنَاءُ يَعْقُوبَ: ﴿نَعْبُدُ إلَهَك وَإِلَهَ آبَائِك إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ فَإِنَّ أُلُوهِيَّةَ اللَّهِ مُتَفَاوِتَةٌ فِي قُلُوبِهِمْ عَلَى دَرَجَاتٍ عَظِيمَةٍ تَزِيدُ وَتَنْقُصُ وَيَتَفَاوَتُونَ فِيهَا تَفَاوُتًا لَا يَنْضَبِطُ طَرَفَاهُ حَتَّى قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ﴿عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَقِّ شَخْصَيْنِ: هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنْ مِثْلِ هَذَا﴾ فَصَارَ وَاحِدٌ

стр. 767

مِنْ الْآدَمِيِّينَ خَيْرًا مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنْ بَنِي جِنْسِهِ؛ وَهَذَا تَبَايُنٌ عَظِيمٌ لَا يَحْصُلُ مِثْلُهُ فِي سَائِرِ الْحَيَوَانِ. وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ مَنْ قَالَ: " مَا سَبَقَكُمْ أَبُو بَكْرٍ بِفَضْلِ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَكِنْ بِشَيْءِ وَقَرَ فِي قَلْبِهِ ". وَهُوَ الْيَقِينُ وَالْإِيمَانُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ ﴿وُزِنْت بِالْأُمَّةِ فَرَجَحْت ثُمَّ وُزِنَ أَبُو بَكْرٍ بِالْأُمَّةِ فَرَجَحَ ثُمَّ وُزِنَ عُمَرُ بِالْأُمَّةِ فَرَجَحَ ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ﴾ وَقَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ الصِّدِّيقُ ﴿أَيُّهَا النَّاسُ: سَلُوا اللَّهَ الْيَقِينَ وَالْعَافِيَةَ فَلَمْ يُعْطَ أَحَدٌ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنْ الْعَافِيَةِ﴾ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِي فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَابْنُ مَاجَه وَقَالَ رَقَبَةُ بْنُ مِصْقَلَةٍ لِلشَّعْبِيِّ: " رَزَقَك اللَّهُ الْيَقِينَ الَّذِي لَا تَسْكُنُ النُّفُوسُ إلَّا إلَيْهِ وَلَا يُعْتَمَدُ فِي الدِّينِ إلَّا عَلَيْهِ ". وَفِي كِتَابِ الزُّهْدِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ [سيار، وحدثنا جعفر، عن عمران القصير] (١) قَالَ ﴿قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ أَيْنَ أَجِدُك؟ قَالَ: يَا مُوسَى عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي أَقْتَرِبُ إلَيْهَا كُلَّ يَوْمٍ شِبْرًا؛ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاحْتَرَقَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. وَقَدْ يُتَوَسَّعُ فِي الْعِبَارَةِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى حَتَّى يُقَالَ: مَا فِي قَلْبِي إلَّا اللَّهُ مَا عِنْدِي إلَّا اللَّهُ كَمَا ﴿قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ اللَّهِ : أَمَا عَلِمْت أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ؟ فَلَوْ عُدْته لَوَجَدْتنِي عِنْدَهُ﴾ وَيُقَالُ: سَاكِنٌ فِي الْقَلْبِ يَعْمُرُهُ … لَسْت أَنْسَاهُ فَأَذْكُرُهُ وَيُقَالُ:

стр. 768

مِثَالُك فِي عَيْنِي وذكراك فِي فَمِي … وَمَثْوَاك فِي قَلْبِي فَأَيْنَ تَغِيبُ؟ وَهَذَا الْقَدْرُ يَقْوَى قُوَّةً عَظِيمَةً حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ بِالتَّجَلِّي وَالْكَشْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ وَيَحْصُلُ مَعَهُ الْقُرْبُ مِنْهُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ﴿أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ﴾ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ ﴿مَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْت إلَيْهِ ذِرَاعًا﴾ . لَكِنْ هَلْ فِي تَقَرُّبِ الْعَبْدِ إلَى اللَّهِ حَرَكَةٌ إلَى اللَّهِ أَوْ إلَى بَعْضِ الْأَمَاكِنِ؟ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ قَدْ تَحْصُلُ حَرَكَةُ بَدَنِ الْعَبْدِ إلَى بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ الْمُشْرِفَةِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيهَا الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَذِكْرِهِ وَعِبَادَتِهِ كَالْحَجِّ إلَى بَيْتِهِ وَالْقَصْدِ إلَى مَسَاجِدِهِ وَمِنْهُ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ: ﴿إنِّي ذَاهِبٌ إلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ . وَأَمَّا حَرَكَةُ رُوحِهِ إلَى مِثْلِ السَّمَوَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمْكِنَةِ: فَأَقَرَّ بِهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَنْكَرَهُ الصَّابِئَةُ الْفَلَاسِفَةُ الْمَشَّاءُونَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ وَحَرَكَةُ رُوحِهِ أَوْ بَدَنِهِ إلَى اللَّهِ أَقَرَّ بِهَا أَهْلُ الْفِطْرَةِ وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَنْكَرَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ. وَأَمَّا الْقُرْبُ مِنْ اللَّهِ إلَى عَبْدِهِ: هَلْ هُوَ تَابِعٌ لِتُقَرِّبْ الْعَبْدِ وَتَقْرِيبِهِ الَّذِي هُوَ عِلْمُهُ أَوْ عَمَلُهُ أَوْ هُنَاكَ قُرْبٌ آخَرُ مِنْ الرَّبِّ؟ . هَذَا فِيهِ كَلَامٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.

стр. 769

وَمَنْ لَمْ يُثْبِتْ إلَّا الْأَوَّلَ: فَهُمْ فِي قُرْبِ الرَّبِّ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ تَجَلِّيهِ وَظُهُورُهُ لَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ دُنُوُّ الْعَبْدِ مِنْهُ وَاقْتِرَابُهُ الَّذِي هُوَ بِعَمَلِهِ وَحَرَكَتِهِ: وَلِلْقُرْبِ مَعْنًى آخَرَ: وَهُوَ التَّقَارُبُ بِمَعْنَى الْمُنَاسَبَةِ كَمَا يُقَالُ: هَذَا يُقَارِبُ هَذَا. وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ. فَصْلٌ: وَأَمَّا مَا يُشْبِهُ الِاتِّحَادَ: فَإِنَّ الذَّاتَيْنِ الْمُتَمَيِّزَتَيْن لَا تَتَّحِدُ عَيْنُ إحْدَاهُمَا بِعَيْنِ الْأُخْرَى وَلَا عَيْنُ صِفَتِهَا بِعَيْنِ صِفَتِهَا إلَّا إذَا اسْتَحَالَتَا بَعْدَ الِاتِّحَادِ إلَى ذَاتٍ ثَالِثَةٍ كَاتِّحَادِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ فَإِنَّهُمَا بَعْدَ الِاتِّحَادِ شَيْءٌ ثَالِثٌ وَلَيْسَ مَاءً مَحْضًا وَلَا لَبَنًا مَحْضًا. وَأَمَّا اتِّحَادُهُمَا وَبَقَاؤُهُمَا بَعْدَ الِاتِّحَادِ عَلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ فَمُحَالٌ وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّحِدَ بِخَلْقِهِ فَإِنَّ اسْتِحَالَتَهُ مُحَالٌ؛ وَإِنَّمَا تَتَّحِدُ الْأَسْبَابُ وَالْأَحْكَامُ فِي الْعَيْنِ وَتَتَّحِدُ الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ فِي النَّوْعِ - مِثْلَ الْمُتَحَارِبِينَ المتخالين الَّذِينَ صَارَ أَحَدُهُمَا يُحِبُّ عَيْنَ مَا يُحِبُّهُ الْآخَرُ وَيُبْغِضُ مَا يُبْغِضُهُ وَيَتَنَعَّمُ بِمَا يَتَنَعَّمُ بِهِ وَيَتَأَلَّمُ بِمَا يَتَأَلَّمُ بِهِ؛ وَهَذَا فِيهِ مَرَاتِبُ وَدَرَجَاتٌ لَا تَنْضَبِطُ؛ فَأَسْمَاؤُهُمَا وَصِفَاتُهُمَا صَارَتَا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ.

стр. 770

وَعَيْنُ الْأَحْكَامِ وَالْأَسْبَابِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِمَا الَّتِي هِيَ - مَثَلًا - الْمَحْبُوبُ وَالْمَكْرُوهُ هُوَ وَاحِدٌ بِالْعَيْنِ كَالرَّسُولِ الَّذِي يُحِبُّهُ كُلُّ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَهُمْ مُتَّحِدُونَ فِي مَحَبَّتِهِ بِمَعْنَى أَنَّ مَحْبُوبَهُمْ وَاحِدٌ وَمَحَبَّةُ هَذَا مِنْ نَوْعِ مَحَبَّتِهِ هَذَا؛ لَا أَنَّهَا عَيْنُهَا. فَهَذَا فِي اتِّحَادِ النَّاسِ بَعْضُهُمْ بِبَعْضِ وَهِيَ الْأُخُوَّةُ وَالْخُلَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ ﴿مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ﴾ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَجُعِلَ الْمُؤْمِنُ مَعَ الْمُؤْمِنِ بِمَنْزِلَةِ الْعُضْوِ مَعَ الْعُضْوِ اللَّذَيْنِ تَجْمَعُهُمَا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ. وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ الْأَخَ الْمُؤْمِنَ نَفْسًا لِأَخِيهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وَقَالَ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ . فَالْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ إذَا أَنَابَ إلَى رَبِّهِ وَعَبَدَهُ وَوَافَقَهُ حَتَّى صَارَ يُحِبُّ مَا يُحِبُّ رَبُّهُ وَيَكْرَهُ مَا يَكْرَهُ رَبُّهُ وَيَأْمُرُ بِمَا يَأْمُرُ بِهِ رَبُّهُ وَيَنْهَى عَمَّا يَنْهَى عَنْهُ رَبُّهُ وَيَرْضَى بِمَا يُرْضِي رَبَّهُ وَيَغْضَبُ لِمَا يَغْضَبُ لَهُ رَبُّهُ وَيُعْطِي مَنْ أَعْطَاهُ رَبُّهُ وَيَمْنَعُ مَنْ مَنَعَ رَبُّهُ فَهُوَ الْعَبْدُ الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أمامة: ﴿مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ

стр. 771

لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ﴾ وَصَارَ هَذَا الْعَبْدُ دِينُهُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَأَتَى بِمَا خَلَقَ لَهُ مِنْ الْعِبَادَةِ. فَقَدْ اتَّحَدَتْ أَحْكَامُ هَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي لَهُ وَأَسْبَابُهَا بِأَحْكَامِ صِفَاتِ الرَّبِّ وَأَسْبَابِهَا. وَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى دَرَجَاتٍ؛ فَإِنْ كَانَ نَبِيًّا كَانَ لَهُ مِنْ الْمُوَافَقَةِ لِلَّهِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ وَالْمُرْسَلُونَ فَوْقَ ذَلِكَ وَأُولُو الْعَزْمِ أَعْظَمُ وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ لَهُ الْوَسِيلَةُ الْعُظْمَى فِي كُلِّ مَقَامٍ. فَهَذِهِ الْمُوَافَقَةُ هِيَ الِاتِّحَادُ السَّائِغُ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا وَفِي مِثْلِ هَذَا جَاءَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْمَسِيحِ - إنْ ثَبَتَ هَذَا اللَّفْظُ عَنْهُ - " أَنَا وَأَبِي وَاحِدٌ مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى أَبِي " وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ اللَّفْظِ الَّذِي فِيهِ تَشَابُهٌ.

стр. 772

فَصْلٌ: وَجَاءَ فِي " أَوْلِيَاءِ اللَّهِ " الَّذِينَ هُمْ الْمُتَّقُونَ نَوْعٌ مِنْ هَذَا: فَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ﴿يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ؛ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ؛ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنهُ وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ﴾ . فَأَوَّلُ مَا فِي الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: ﴿مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ﴾ فَجَعَلَ مُعَادَاةَ عَبْدِهِ الْوَلِيِّ مُعَادَاةً لَهُ؛ فَعَيْنُ عَدُوِّهِ عَيْنُ عَدُوِّ عَبْدِهِ وَعَيْنُ مُعَادَاةِ وَلَيِّهِ عَيْنُ مُعَادَاتِهِ لَيْسَا هُمَا شَيْئَيْنِ مُتَمَيِّزَيْنِ وَلَكِنْ لَيْسَ اللَّهُ هُوَ عَيْنُ عَبْدِهِ وَلَا جِهَةُ عَدَاوَةِ عَبْدِهِ عَيْنُ جِهَةِ عَدَاوَةِ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا اتَّفَقَا فِي النَّوْعِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ وَرِجْلَهُ﴾ وَفِي رِوَايَةٍ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ: ﴿فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي﴾ فَقَوْلُهُ:

стр. 773

" بِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي " بَيْنَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿كُنْت سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ وَرِجْلَهُ﴾ لَا أَنَّهُ يَكُونُ نَفْسُ الْحَدَقَةِ وَالشَّحْمَةِ وَالْعَصَبِ وَالْقَدَمِ وَإِنَّمَا يَبْقَى هُوَ الْمَقْصُودُ بِهَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَالْقُوَى وَهُوَ بِمَنْزِلَتِهَا فِي ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَبْدَ بِحَسَبِ أَعْضَائِهِ وَقُوَاهُ يَكُونُ إدْرَاكُهُ وَحَرَكَتُهُ؛ فَإِذَا كَانَ إدْرَاكُهُ وَحَرَكَتُهُ بِالْحَقِّ؛ لَيْسَ بِمَعْنَى خَلْقِ الْإِدْرَاكِ وَالْحَرَكَةِ فَإِنَّ هَذَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيمَنْ يُحِبُّهُ وَفِيمَنْ لَا يُحِبُّهُ وَإِنَّمَا لِلْمَحْبُوبِ الْحَقُّ مِنْ الْحَقِّ مِنْ هَذِهِ الْإِعَانَةِ بِقَدْرِ مَا لَهُ مِنْ الْمَعِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ؛ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ﴿يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: عَبْدِي مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي فَيَقُولُ: رَبِّ كَيْفَ أَعُودُك وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْت أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ؟ فَلَوْ عُدْته لَوَجَدْتنِي عِنْدَهُ. عَبْدِي جُعْت فَلَمْ تُطْعِمْنِي. فَيَقُولُ: رَبِّ كَيْفَ أُطْعِمُك وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْت أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا جَاعَ؟ فَلَوْ أَطْعَمْته لَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي﴾ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ذَكَرَ الْمَعْنَيَيْنِ الْحَقَّيْنِ وَنَفَى الْمَعْنَيَيْنِ الْبَاطِلَيْنِ وَفَسَّرَهُمَا. فَقَوْلُهُ: " جُعْت وَمَرِضْت " لَفْظُ اتِّحَادٍ يُثْبِتُ الْحَقَّ. وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَجَدْتنِي عِنْدَهُ وَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي﴾ نَفْيٌ لِلِاتِّحَادِ الْعَيْنِيِّ بِنَفْيِ الْبَاطِلِ وَإِثْبَاتٌ لِتَمْيِيزِ الرَّبِّ عَنْ الْعَبْدِ.

стр. 774

وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَجَدْتنِي عِنْدَهُ﴾ لَفْظُ ظَرْفٍ؛ وَبِكُلِّ يَثْبُتُ الْمَعْنَى الْحَقُّ مِنْ الْحُلُولِ الْحَقِّ؛ الَّذِي هُوَ بِالْإِيمَانِ لَا بِالذَّاتِ. وَيُفَسَّرُ قَوْلُهُ: ﴿مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي﴾ فَلَوْ كَانَ الرَّبُّ عَيْنَ الْمَرِيضِ وَالْجَائِعِ لَكَانَ إذَا عَادَهُ وَإِذَا أَطْعَمَهُ يَكُونُ قَدْ وَجَدَهُ إيَّاهُ وَقَدْ وَجَدَهُ قَدْ أَكَلَهُ. وَفِي قَوْلِهِ فِي الْمَرِيضِ: ﴿وَجَدْتنِي عِنْدَهُ﴾ وَفِي الْجَائِعِ: ﴿لَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي﴾ فَرْقَانِ حَسَنٌ؛ فَإِنَّ الْمَرِيضَ الَّذِي تُسْتَحَبُّ عِيَادَتُهُ وَيَجِدُ اللَّهَ عِنْدَهُ: هُوَ الْمُؤْمِنُ بِرَبِّهِ الْمُوَافِقُ لِإِلَهِهِ الَّذِي هُوَ وَلِيُّهُ؛ وَأَمَّا الطَّاعِمُ فَقَدْ يَكُونُ فِيهِ عُمُومٌ لِكُلِّ جَائِعٍ يُسْتَحَبُّ إطْعَامُهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةِ وَاجِبَةٍ أَوْ مُسْتَحَبَّةٍ: فَقَدْ أَقْرَضَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِمَا أَعْطَاهُ لِعَبْدِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا الطِّيبَ - فَإِنَّ اللَّهَ يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّ الصَّدَقَةَ لَتَقَعُ بِيَدِ الْحَقِّ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ بِيَدِ السَّائِلِ﴾ . لَكِنَّ الْأَشْبَهَ: أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ الْمَذْكُورَ فِي الْجُوعِ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمَرَضِ وَهُوَ الْعَبْدُ الْوَلِيُّ الَّذِي فِيهِ نَوْعُ اتِّحَادٍ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ يُثِيبُ عَلَى طَعَامِ الْفَاسِقِ وَالذِّمِّيِّ. وَنَظِيرُ الْقَرْضِ: النَّصْرُ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ

стр. 775

وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ وَنَحْوُ ذَلِكَ لَكِنَّ النَّصْرَ فِيهِ مَعْنًى؛ لَكِنْ لَا يُقَالُ فِي مِثْلِهِ جُعْت. فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ الْقَرْضَ وَالنَّصْرَ وَجَعَلَهُ لَهُ هَذَا فِي الرِّزْقِ وَهَذَا فِي النَّصْرِ وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْعِيَادَةُ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ وَإِنَّمَا فِي الْحَدِيثِ أَمْرُ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْفَرِدُ بِهِ الْوَاحِدُ الْمُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَبْدِي مَرِضْت وَجُعْت﴾ فَلِذَلِكَ عَاتَبَهُ. وَأَمَّا النَّصْرُ: فَيَحْتَاجُ فِي الْعَادَةِ إلَى عَدَدٍ؛ فَلَا يُعْتَبُ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ مُعَيَّنٍ غَالِبًا أَوْ الْمَقْصُودُ بِالْحَدِيثِ التَّنْبِيهُ وَفِي الْقُرْآنِ النَّصْرُ وَالرِّزْقُ وَلَيْسَ فِيهِ الْعِيَادَةُ؛ لِأَنَّ النَّصْرَ وَالْقَرْضَ فِيهِ عُمُومٌ لَا يَخْتَصُّ بِشَخْصِ دُونَ شَخْصٍ. وَأَمَّا الْعِيَادَةُ: فَإِنَّمَا تَكُونُ لِمَنْ يَجِدُ الْحَقَّ عِنْدَهُ.
следующие страницы →