← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7292

تأويل مختلف الحديث

ابن قتيبة

Полный текст (511 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أبيدوا خضراءهم" ١. "وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ خِلَافُ مَنْ خَالَفَهُمْ"٢. وَ "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" ٣. ٢- وَالْقَاعِدُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: "عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَيْهَا" ٤. وَ "مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قَيْدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ" ٥. وَ "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مجدّع الْأَطْرَاف" ٦.

стр. 37

و"صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ برٍّ وَفَاجِرٍ"١. وَلَا بُدَّ مِنْ إِمَامٍ بَرٍّ أَو فَاجر. و"كُنْ حِلْسَ بَيْتِكَ فَإِنْ دُخِلَ عَلَيْكَ فَادْخُلْ مَخْدَعَكَ، فَإِنْ دُخِلَ عَلَيْكَ، فَقُلْ بُؤْ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ" ٢. وكُنْ عبدَ اللَّهِ المقتولَ، وَلَا تكنْ عبدَ اللَّهِ القاتلَ. ٣- وَالْمُرْجِئُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: "مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، قِيلَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ" ٣. وَ "مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ -مُخْلِصًا- دَخَلَ الْجَنَّةَ وَلَمْ تَمَسُّهُ النَّارُ" ٤. وَ "أَعْدَدْتُ شَفَاعَتِي، لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي" ٥. ٤- وَالْمُخَالِفُ لَهُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن" ٦.

стр. 38

وَ "لَمْ يُؤْمِنْ مَنْ لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوَائِقَهُ" ١. وَ "لَمْ يُؤْمِنْ مَنْ لَمْ يَأْمَنِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ" ٢. وَ "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ رَجُلٌ قَدْ ذَهَبَ حَبْرُهُ وَسَبْرُهُ" ٣. وَ "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ قَدِ امْتَحَشُوا فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَوْ كَمَا تَنْبُتُ التَّغَارِيزُ" ٤. ٥- وَالْقَدَرِيُّ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ" ٥. وَبِأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: "خَلَقْتُ عِبَادِي جَمِيعًا حُنَفَاءَ فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ دِينِهِمْ" ٦. ٦- وَالْمُفَوِّضُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: "اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خلق لَهُ. أما

стр. 39

مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَهُوَ يَعْمَلُ لِلسَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيَعْمَلُ لِلشَّقَاءِ"١. وَ "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَسَحَ ظَهْرَ آدَمَ فَقَبَضَ قَبْضَتَيْنِ، فَأَمَّا الْقَبْضَةُ الْيُمْنَى فَقَالَ: إِلَى الْجَنَّةِ برحمتي، والقبضة الْأُخْرَى فَقَالَ: إِلَى النَّارِ وَلَا أُبَالِي" ٢. و"السعيد مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالشَّقِيُّ، مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ" ٣ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ. ٧- وَالرَّافِضَةُ تَتَعَلَّقُ فِي إِكْفَارِهَا صَحَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرِوَايَتِهِمْ " لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَقْوَامٌ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّي أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي، فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ" ٤. وَ "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" ٥. وَيَحْتَجُّونَ فِي تَقْدِيمِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِرِوَايَتِهِمْ "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي" ٦. وَ " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ، فعليٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن وَالَاهُ، وعادِ مَن عَادَاهُ" ٧.

стр. 40

- و "أَنْت وصيِّي" ١. ٨- وَمُخَالِفُوهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي تَقْدِيمِ الشَّيْخَيْنِ ﵄ بِرِوَايَتِهِمْ: "اقْتَدُوا باللذيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ" ٢، وَ "يَأْبَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُسْلِمُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ" ٣. وَ "خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ" ٤. ٩- وَيَتَعَلَّقُ مُفَضِّلُو الْغِنَى بِرِوَايَتِهِمْ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ غِنَايَ وَغِنَى مَوْلَايَ" ٥ "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فَقْرٍ مَرَبٍّ أَوْ مُلِبٍّ" ٦. ١٠- وَيَتَعَلَّقُ مُفَضِّلُو الْفَقْرِ بِرِوَايَتِهِمْ: "اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ" ٧. وَ "الْفَقْرُ بِالرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ، أَحْسَنُ مِنَ الْعَذَارِ الْحَسَنِ، عَلَى خَدِّ الْفرس" ٨.

стр. 41

١١- وَيَتَعَلَّقُ الْقَائِلُونَ بِالْبَدَاءِ -بِالْبِرِّ أَنَّهُ يُنْسِئُ الْعُمُرَ وَبِالْعُقُوقِ أَنَّهُ يَخْرِمُ الْعُمُرَ- بِرِوَايَتِهِمْ: "صِلَةُ الرَّحِمِ، تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ وَالصَّدَقَةُ تَدْفَعُ الْقَضَاءَ الْمُبْرَمَ " ١. وَبِقَوْلِ عُمَرَ: "اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي أَهْلِ الشَّقَاءِ فَامْحُنِي وَاكْتُبْنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ". ١٢- هَذَا مَعَ رِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي الْأَحْكَامِ، اخْتَلَفَ لَهَا الْفُقَهَاءُ فِي الْفُتْيَا، حَتَّى افْتَرَقَ الْحِجَازِيُّونَ وَالْعِرَاقِيُّونَ فِي أَكْثَرِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَكُلٌّ يَبْنِي عَلَى أَصْلٍ مِنْ رِوَايَتِهِمْ. قَالُوا وَمَعَ افْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَحَادِيثِ التَّشْبِيهِ كَحَدِيثِ "عَرَقِ الْخَيْلِ"٢ وَ"زَغَبِ الصَّدْرِ"٣ وَ"نُورِ الذِّرَاعَيْنِ" وَ"عِيَادَةِ الْمَلَائِكَةِ". وَ "قَفَصِ الذَّهَبِ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ، عَشِيَّةَ عَرَفَةَ" ٤. وَ "الشَّابِّ الْقَطِطِ، وَدُونَهُ فِرَاشُ الذَّهَبِ" ٥ و"كشف السَّاق يَوْم

стр. 42

الْقِيَامَة"١ إِذَا كَادُوا يُبَاطِشُونَهُ٢، وَ"خَلْقِ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ" ٣ وَ" وَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفِيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَنْدُوَتَيَّ" ٤ وَ "قَلْبُ الْمُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ تَعَالَى" ٥. وَمَعَ رِوَايَتِهِمْ كُلُّ سَخَافَةٍ تَبْعَثُ عَلَى الْإِسْلَامِ الطَّاعِنِينَ، وَتُضْحِكُ مِنْهُ الْمُلْحِدِينَ، وَتُزَهِّدُ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ الْمُرْتَادِينَ٦، وَتَزِيدُ فِي شُكُوكِ الْمُرْتَابِينَ. كَرِوَايَتِهِمْ: فِي "عَجِيزَةِ٧ الْحَوْرَاءِ إِنَّهَا مَيْلٌ فِي مَيْلٍ" وَفِيمَنْ قَرَأَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا، وَمن فعل كَذَا، أُسْكِنَ مِنَ الْجَنَّةِ سَبْعِينَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ سَبْعُونَ أَلِفَ مَقْصُورَةٍ، فِي كُلِّ مَقْصُورَة سَبْعُونَ ألف مهاد، علسى كُلِّ مِهَادٍ سَبْعُونَ أَلْفَ كَذَا. وَكَرِوَايَتِهِمْ: فِي الْفَأْرَةِ "إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ، وَإِنَّهَا لَا تَشْرَبُ أَلْبَانَ الْإِبِلِ، كَمَا أَنَّ الْيَهُودَ لَا تَشْرَبُهَا"٨. وَفِي الْغُرَابِ إِنَّهُ فَاسِقٌ، وَفِي السنور إِنَّهَا عطسة

стр. 43

الْأسد، وَالْخِنْزِيرِ إِنَّهُ عَطْسَةُ الْفِيلِ، وَفِي الْإِرْبِيَانَةِ١ أَنَّهَا كَانَتْ خَيَّاطَةٌ، تَسْرِقُ الْخُيُوطَ فَمُسِخَتْ، وَأَنَّ الضَّبَّ كَانَ يَهُودِيًّا عَاقًّا فَمُسِخَ، وَأَنَّ سُهَيْلًا كَانَ عَشَّارًا بِالْيَمَنِ، وَأَنَّ الزُّهْرَةَ كَانَتْ بَغِيًّا عَرَجَتْ إِلَى السَّمَاءِ بِاسْمِ اللَّهِ الْأَكْبَرِ٢، فَمَسَخَهَا اللَّهُ شِهَابًا، وَأَنَّ الْوَزَغَةَ كَانَتْ تَنْفُخُ النَّارَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَنَّ الْعَظَايَةَ٣ تَمُجُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْغُولَ كَانَتْ تَأْتِي مَشْرَبَةَ أَبِي أَيُّوبَ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَأَنَّ عُمَرَ ﵁، صَارَعَ الْجِنِّيَّ فَصَرَعَهُ٤ وَأَنَّ الْأَرْضَ عَلَى ظَهْرِ حُوتٍ، وَأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ مِنْ كَبِدِهِ٥؛ أَوَّلَ مَا يَدْخُلُونَ، وَأَنَّ ذِئْبًا دَخَلَ الْجَنَّةَ لِأَنَّهُ أَكَلَ عشارًا -و"إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي الْإِنَاءِ، فَامْقِلُوهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سُمًّا، وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً وَأَنَّهُ يقدم السم، وَيُؤَخر الشِّفَاء٦، و"أَن الْإِبِلَ خُلِقَتْ مِنَ الشَّيْطَانِ" مَعَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ يَطُولُ اسْتِقْصَاؤُهَا٧. قَالُوا: وَمِنْ عَجِيبِ شَأْنِهِمْ أَنَّهُمْ يَنْسُبُونَ الشَّيْخَ٨ إِلَى الْكَذِبِ وَلَا يَكْتُبُونَ عَنْهُ مَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْمُحَدِّثُونَ بِقَدْحِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ٩ وَعَلِيِّ بن الْمَدِينِيّ وأشباههما.

стр. 44

ويحتجون بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ١ -فِيمَا لَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ- وَقَدْ أَكْذَبَهُ عُمَرُ٢، وَعُثْمَانُ٣، وَعَائِشَةُ٤. وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ٥ -وَقَدْ أَكْذَبَهَا عُمَرُ، وَعَائِشَةُ- وَقَالُوا: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ. وَيُبَهْرِجُونَ٦ الرَّجُلَ بِالْقَدَرِ، فَلَا يَحْمِلُونَ عَنْهُ كَـ "غيلَان"، و"عَمْرو بن عبيد"٧ و"معبد الْجُهَنِيّ"٨، و"عَمْرو بْنِ فَائِدٍ"، وَيَحْمِلُونَ عَنْ أَمْثَالِهِمْ من

стр. 45

أهل مَقَالَتِهِمْ، كَـ "قَتَادَةَ"١، وَابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ٢، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ٣، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ٤، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ٥. وَيَقْدَحُونَ فِي الشَّيْخِ يُسَوِّي بَيْنَ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ، أَوْ يُقَدِّمُ عَلِيًّا عَلَيْهِ. وَيَرْوُونَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ٦، صَاحِبِ رَايَةِ الْمُخْتَارِ، وَعَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ٧، وَكِلَاهُمَا يَقُولُ بِالرَّجْعَةِ٨. قَالُوا: وَهُمْ مَعَ هَذَا أَجْهَلُ النَّاسِ بِمَا يَحْمِلُونَ، وَأَبْخَسُ النَّاسِ حَظًّا فِيمَا يَطْلُبُونَ، وَقَالُوا فِي ذَلِك:

стр. 46

زوامِلُ١ لِلْأَشْعَارِ، لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ ... بِجَيِّدِهَا إِلَّا كَعِلْمِ الْأَبَاعِرِ لَعَمْرُكَ مَا يَدْرِي٢ الْبَعِيرُ إِذَا غَدَا ... بِأَحْمَالِهِ٣ أَوْ رَاحَ مَا فِي الْغَرَائِرِ قَدْ قَنِعُوا مِنَ الْعِلْمِ بِرَسْمِهِ، وَمِنَ الْحَدِيثِ بِاسْمِهِ. وَرَضُوا بِأَن يُقَال٤: فُلَانٌ عَارِفٌ بِالطُّرُقِ، وَرَاوِيَةٌ لِلْحَدِيثِ. وَزَهِدُوا فِي أَنْ يُقَالَ: عَالِمٌ بِمَا كَتَبَ، أَوْ عَامِلٌ بِمَا عَلِمَ. وَقَالَ: وَمَا ظَنُّكُمْ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ، يُحْمَلُ عَنْهُ الْعِلْمُ وَتُضْرَبُ٥ إِلَيْهِ أَعْنَاقُ الْمَطِيِّ خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ نَحْوَهَا، سُئِلَ فِي مَلَأٍ مِنَ النَّاسِ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي بِئْرٍ فَقَالَ: "الْبِئْرُ جَبَارٌ" ٦. وَآخَرَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ ٧ فَقَالَ: هُوَ هَذَا الصَّرْصَرُ، يَعْنِي صَرَاصِرَ اللَّيْلِ. وَآخَرَ حَدَّثَهُمْ عَنْ سَبْعَةٍ وَسَبْعِينَ، وَيُرِيد شُعْبَة وسفين٨. وَآخَرَ رَوَى لَهُمْ: يَسْتُرُ الْمُصَلِّيَ مِثْلُ آجُرّة الرَّجُلِ، يُرِيدُ: مِثْلَ آخِرَة الرّحل٩.

стр. 47

وَسُئِلَ آخَرُ: مَتَى يَرْتَفِعُ هَذَا الْأَجَلُ؟ فَقَالَ: إِلَى قَمَرَيْنِ، يُرِيدُ: إِلَى شَهْرَيْ هِلَالٍ. وَقَالَ آخَرُ: يُدْخِلُ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَيَقْضِمُهَا قَضْمَ الْفُجْلِ، يُرِيدُ: قَضْمَ الْفَحْلِ. وَقَالَ آخَرُ: أَجِدُ فِي كِتَابِي الرَّسُولَ، وَلَا أَجِدُ اللَّهَ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ الْمُسْتَمْلِي: اكْتُبُوا؛ وَشَكَّ فِي الله تَعَالَى، مَعَ أَشْيَاء يكثر تَعْدَادُهَا. قَالُوا: وَكُلَّمَا كَانَ الْمُحَدِّثُ أَمْوَقَ١ كَانَ عِنْدَهُمْ أَنْفَقَ. وَإِذَا كَانَ كَثِيرَ اللَّحْنِ وَالتَّصْحِيفِ، كَانُوا بِهِ أَوْثَقَ. وَإِذَا سَاءَ خُلُقُهُ، وَكثر غَضَبه، واشتدت٢حِدته، وعثر٣ فِي الحَدِيث، تهافتوا عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ٤ كَانَ الْأَعْمَشُ يَقْلِبُ الْفَرْوَ، وَيَلْبَسُهُ، وَيَطْرَحُ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْدِيلَ الْخِوَانِ. وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ إِسْنَادِ حَدِيثٍ، فَأَخَذَ بِحَلْقِهِ وَأَسْنَدَهُ إِلَى الْحَائِطِ، وَقَالَ هَذَا إِسْنَادُهُ. وَقَالَ: إِذَا رَأَيْتُ الشَّيْخَ لَمْ يَطْلُبِ الْفِقْهَ أَحْبَبْتُ أَنْ أَصْفَعَهُ. مَعَ حَمَاقَاتٍ كَثِيرَةٍ تُؤْثَرُ عَنْهُ لَا نَحْسَبُهُ كَانَ يُظْهِرُهَا إِلَّا لِيَنْفُقَ٥ بِهَا عِنْدَهُمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ٦: هَذَا مَا حَكَيْتَ مِنْ طَعْنِهِمْ عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَشَكَوْتَ تَطَاوُلَ الْأَمْرِ بِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَن ينضح عَنْهُم نَاضِح،

стр. 48

وَيَحْتَجَّ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ مُحْتَجٌّ، أَوْ يَتَأَوَّلَهَا مُتَأَوِّلٌ، حَتَّى أَنِسُوا بِالْعَيْبِ، وَرَضُوا بِالْقَذْفِ، وَصَارُوا بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الْجَوَابِ، كالمسلِّمين، وَبِتِلْكَ الْأُمُورِ مُعْتَرِفِينَ. وَتَذْكُرْ أَنَّكَ وَجَدْتَ فِي كِتَابِي الْمُؤَلَّفِ فِي "غَرِيبِ الْحَدِيثِ" بَابًا ذَكَرْتُ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الْمُتَنَاقِضِ عِنْدَهُمْ، وَتَأَوَّلْتُهُ فَأَمَّلْتَ بِذَلِكَ أَنْ تَجِدَ عِنْدِي فِي جَمِيعِهِ مِثْلَ الَّذِي وَجَدْتَهُ فِي تِلْكَ١ مِنَ الْحُجَجِ، وَسَأَلْتَ أَنْ أَتَكَلَّفَ ذَلِكَ مُحْتَسِبًا لِلثَّوَابِ. فَتَكَلَّفْتُهُ بِمَبْلَغِ عِلْمِي وَمِقْدَارِ طَاقَتِي، وَأَعَدْتُ مَا ذَكَرْتُ فِي كُتُبِي مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ؛ لِيَكُونَ الْكِتَابُ تَامًّا جَامِعًا لِلْفَنِّ الَّذِي قَصَدُوا الطَّعْنَ بِهِ. وَقَدَّمْتُ -قَبْلَ ذِكْرِ الْأَحَادِيثِ، وَكَشْفِ مَعَانِيهَا- وَصْفَ أَصْحَابِ الْكَلَامِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، بِمَا أُعَرِّفُ بِهِ كُلَّ فَرِيقٍ. وَأَرْجُو أَنْ لَا يَطَّلِعَ ذُو النُّهَى مِنِّي، عَلَى تَعَمُّدٍ لِتَمْوِيهٍ، وَلَا إِيثَارٍ لِهَوًى، وَلَا ظُلْمٍ لخصم. وعَلى الله أتوكل فيمَ أحاول، وَبِه أستعين.

стр. 49

الرَّد على مطاعن المناهضين: الرَّد على أَصْحَاب الْكَلَام وَأَصْحَاب الرَّأْي قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ تَدَبَّرْتُ -رَحِمَكَ اللَّهُ- كَلَامَ الْعَايِبِينَ وَالزَّارِينَ١ فوجدتهم يَقُولُونَ على الله مَا لا يَعْلَمُونَ، وَيَعِيبُونَ٢ النَّاسَ بِمَا يَأْتُونَ وَيُبْصِرُونَ الْقَذَى فِي عُيُونِ النَّاسِ، وَعُيُونُهُمْ تَطْرِفُ٣ عَلَى الْأَجْذَاعِ٤ وَيَتَّهِمُونَ غَيْرَهُمْ فِي النَّقْلِ، وَلَا يَتَّهِمُونَ آرَاءَهُمْ فِي التَّأْوِيلِ. وَمَعَانِي الْكِتَابِ٥ وَالْحَدِيثِ، وَمَا أَوْدَعَاهُ مِنْ لَطَائِفِ الْحِكْمَةِ وَغَرَائِبِ اللُّغَةِ، لَا يُدْرَكُ بِالطَّفْرَةِ٦ وَالتَّوَلُّدِ وَالْعَرْضِ وَالْجَوْهَرِ، وَالْكَيْفِيَّةِ وَالْكَمِّيَّةِ وَالْأَيْنِيَّةِ. وَلَوْ رَدُّوا الْمُشْكَلَ مِنْهُمَا، إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِمَا، وَضَحَ لَهُمُ الْمَنْهَجُ، وَاتَّسَعَ لَهُمُ الْمَخْرَجُ. وَلَكِنْ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ طَلَبُ الرِّيَاسَةِ، وَحُبُّ الْأَتْبَاعِ، وَاعْتِقَادُ الإخوان بالمقالات.

стр. 50

وَالنَّاسُ أَسْرَابُ١ طَيْرٍ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَلَوْ ظَهَرَ لَهُمْ مَنْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ -مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِأَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ مَنْ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ- لَوَجَدَ عَلَى ذَلِكَ أَتْبَاعًا وَأَشْيَاعًا. وَقَدْ كَانَ يَجِبُ -مَعَ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ وَإِعْدَادِ آلَاتِ النَّظَرِ- أَنْ لَا يَخْتَلِفُوا كَمَا لَا يَخْتَلِفُ الحُسّاب والمُسّاح، وَالْمُهَنْدِسُونَ، لِأَنَّ آلَتَهُمْ لَا تَدُلُّ إِلَّا عَلَى عَدَدٍ وَاحِدٍ، وَإِلَّا عَلَى شَكْلٍ وَاحِدٍ، وَكَمَا لَا يَخْتَلِفُ حُذَّاقُ الْأَطِبَّاءِ فِي الْمَاءِ وَفِي نَبْضِ الْعُرُوقِ؛ لِأَنَّ الْأَوَائِلَ قَدْ وَقَّفُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ فَمَا بَالُهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ اخْتِلَافًا، لَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ فِي الدِّينِ. فَـ "أَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَّافُ"٢ يُخَالِفُ "النَّظَّامَ"٣ و"النجار"٤ يخالفهما، و"هِشَام بْنُ الْحَكَمِ"٥ يُخَالِفُهُمْ، وَكَذَلِكَ "ثُمَامَةُ" و"مويس" و"هَاشم الأوقص" و"عبيد الله بن الْحسن"٦ و"بكر الْعَمى"

стр. 51

و"حَفْص"١ و"قبَّة" وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ. لَيْسَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ إِلَّا وَلَهُ مَذْهَبٌ فِي الدِّينِ، يُدَانُ بِرَأْيهِ٢ وَلَهُ عَلَيْهِ تَبَعٌ. الْاخْتِلَافُ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ فِي الْأُصُولِ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَوْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْفُرُوعِ وَالسُّنَنِ، لَاتَّسَعَ لَهُمُ الْعُذْرُ عِنْدَنَا، وَإِنْ كَانَ لَا عُذْرَ لَهُمْ، مَعَ مَا يَدَّعُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا اتَّسَعَ لِأَهْلِ الْفِقْهِ، وَوَقَعَتْ لَهُمُ الْأُسْوَةُ بِهِمْ. وَلَكِنَّ اخْتِلَافَهُمْ، فِي التَّوْحِيدِ، وَفِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي قُدْرَتِهِ٣، وَفِي نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَعَذَابِ أَهْلِ النَّارِ، وَعَذَابِ الْبَرْزَخِ، وَفِي اللَّوْحِ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا نَبِيٌّ إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَنْ٤ يَعْدَمَ هَذَا مِنْ رَدِّ مِثْلِ هَذِهِ الْأُصُولِ إِلَى اسْتِحْسَانِهِ وَنَظَرِهِ وَمَا أَوْجَبَهُ الْقِيَاسُ عِنْدَهُ، لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي عُقُولِهِمْ وَإِرَادَاتِهِمْ وَاخْتِيَارَاتِهِمْ. فَإِنَّكَ لَا تَكَادُ تَرَى رَجُلَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ، حَتَّى يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، يَخْتَارُ مَا يَخْتَارُهُ الْآخَرُ، وَيَرْذُلُ مَا يَرْذُلُهُ الْآخَرُ، إِلَّا مِنْ جِهَةِ التَّقْلِيدِ. وَالَّذِي خَالَفَ بَيْنَ مَنَاظِرِهِمْ وَهَيْئَاتِهِمْ وَأَلْوَانِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ وَخُطُوطِهِمْ وَآثَارِهِمْ -حَتَّى فَرَّقَ الْقَائِفُ٥ بَيْنَ الْأَثَرِ والأثر، وَبَين الْأُنْثَى

стр. 52

وَالذكر -هُوَ الَّذِي خَالَفَ بَيْنَ آرَائِهِمْ، وَالَّذِي خَالَفَ بَيْنَ الْآرَاءِ، هُوَ الَّذِي أَرَادَ الْاخْتِلَافَ لَهُمْ، وَلَنْ تَكْمُلَ الْحِكْمَةُ وَالْقُدْرَةُ إِلَّا بِخَلْقِ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ لِيُعْرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ. فَالنُّورُ يُعْرَفُ بِالظُّلْمَةِ، وَالْعِلْمُ يُعْرَفُ بِالْجَهْلِ، وَالْخَيْرُ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ، وَالنَّفْعُ يُعْرَفُ بِالضُّرِّ، وَالْحُلْوُ يُعْرَفُ بِالْمُرِّ؛ لِقَوْلِ١ اللَّهِ ﵎: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ ٢. وَالْأَزْوَاجُ: الْأَضْدَادُ وَالْأَصْنَافُ كَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْيَابِسِ وَالرَّطْبِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ٣. وَلَوْ أَرَدْنَا -رَحِمَكَ اللَّهُ- أَنْ نَنْتَقِلَ عَنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَنَرْغَبَ عَنْهُمْ، إِلَى أَصْحَابِ الْكَلَامِ وَنَرْغَبَ فِيهِمْ، لَخَرَجْنَا مِنِ اجْتِمَاعٍ إِلَى تَشَتُّتٍ، وَعَنْ نِظَامٍ إِلَى تَفَرُّقٍ، وَعَنْ أُنْسٍ إِلَى وَحْشَةٍ، وَعَنِ اتِّفَاقٍ إِلَى اخْتِلَافٍ، لِأَنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ كُلَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ٤ لَا يَكُونُ. وَعَلَى أَنَّهُ خَالِقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَعَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى تَقْدِيمِ الشَّيْخَيْنِ، وَعَلَى الْإِيْمَانِ بِعَذَابِ الْقَبْرِ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي هَذِهِ الْأُصُولِ، وَمَنْ فَارَقَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا نَابَذُوهُ وَبَاغَضُوهُ وَبَدَّعُوهُ وَهَجَرُوهُ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي اللَّفْظِ بِالْقُرْآنِ، لِغُمُوضٍ وَقَعَ فِي ذَلِكَ، وَكُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ: عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ بِكُلِّ حَالٍ -مَقْرُوءًا وَمَكْتُوبًا وَمَسْمُوعًا وَمَحْفُوظًا- غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهَذَا الْإِجْمَاع.

стр. 53

الْاقْتِدَاءُ بِالْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ: وَأَمَّا الِايتِّسَاءُ١ فَبِالْعُلَمَاءِ الْمُبَرَّزِينَ، وَالْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَالْعُبَّادِ الْمُجْتَهِدِينَ الَّذِينَ لَا يُجَارَوْنَ، وَلَا يُبْلَغُ شَأْوُهُمْ. مِثْلَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ٢، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ٣، وَالْأَوْزَاعِيِّ٤، وَشُعْبَةَ٥، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ٦ وَعُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ وَكَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ٧، وَمُسْلِمٍ الْخَوَّاصِ، وَالْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ٨، وَدَاوُدَ الطَّائِيِّ٩، وَمُحَمّد بن النَّضر

стр. 54

الْحَارِثِيّ، وَأحمد بْنِ حَنْبَلٍ١، وَبِشْرٍ الْحَافِي٢، وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، مِمَّنْ قَرُبَ مِنْ زَمَانِنَا. فَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَبْلُغَهُمُ الْإِحْصَاءُ وَيَحُوزَهُمُ الْعَدَدُ٣. ثُمَّ بِسَوَادِ النَّاسِ وَدَهْمَائِهِمْ٤ وَعَوَامِّهِمْ، فِي كُلِّ مِصْرٍ وَفِي كُلِّ عَصْرٍ. فَإِنَّ مِنْ أَمَارَاتِ الْحَقِّ، إِطْبَاقَ قُلُوبِهِمْ عَلَى الرِّضَاءِ بِهِ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي مَجَامِعِهِمْ وَأَسْوَاقِهِمْ، بِمَذَاهِبِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَا إِجْمَاعَهُمْ عَلَيْهَا، مَا كَانَ فِي جَمِيعِهِمْ لِذَلِكَ مُنْكِرٌ، وَلَا عَنْهُ نَافِرٌ. وَلَوْ قَامَ بِشَيْءٍ مِمَّا يَعْتَقِدُهُ أَصْحَابُ الْكَلَامِ، مِمَّا يُخَالِفُهُ، مَا ارْتَدَّ إِلَيْهِ طَرْفُهُ إِلَّا مَعَ خُرُوج نَفسه"٥. مزاعم النظام وأكاذيبه: فَإِذَا نَحْنُ أَتَيْنَا أَصْحَابَ الْكَلَامِ، لِمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ، وَحُسْنِ النَّظَرِ، وَكَمَالِ الْإِرَادَةِ٦، وَأَرَدْنَا أَنْ نَتَعَلَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ، وَنَعْتَقِدَ شَيْئًا مِنْ نِحَلِهِمْ، وَجَدْنَا "النَّظَّامَ" شَاطِرًا مِنَ الشُّطَّارِ، يَغْدُو عَلَى سُكْرٍ، وَيَرُوحُ عَلَى سُكْرٍ، وَيَبِيتُ عَلَى جَرَائِرِهَا٧ وَيدخل فِي الأدناس

стр. 55

ويرتكب الْفَوَاحِشَ وَالشَّائِنَاتِ وَهُوَ الْقَائِلُ: مَا زِلْتُ آخُذُ رُوحَ الزِّقِّ١ فِي لُطْفٍ ... وَأَسْتَبِيحُ دَمًا مِنْ غَيْرِ مَجْرُوحٍ حَتَّى انْثَنَيْتُ وَلِي رُوحَانِ فِي جَسَدِي ... وَالزِّقُّ مُطَّرَحٌ جِسْمٌ بِلَا رُوحٍ ثُمَّ نَجِدُ أَصْحَابَهُ يَعُدُّونَ مِنْ خَطَئِهِ قَوْلَهُ: إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فِي كُلِّ وَقْتٍ من غير إفنائها٢. قَالُوا فَاللَّهُ فِي قَوْلِهِ يُحْدِثُ الْمَوْجُودَ، وَلَوْ جَازَ إِيجَادُ الْمَوْجُودِ، لَجَازَ إِعْدَامُ الْمَعْدُومِ؛ وَهَذَا فَاحِشٌ فِي ضَعْفِ الرَّأْيِ، وَسُوءِ الْاخْتِيَارِ. مُخَالَفَةُ النَّظَّامِ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَطَعْنُهُ بِالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: وَحَكَوْا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُجْمِعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى الْخَطَأِ؛ قَالَ: وَمِنْ ذَلِكَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً دُونَ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَكُلُّ نَبِيٍّ فِي الْأَرْضِ -بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى-

стр. 56

فَإِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ بَعْثُهُ؛ لِأَنَّ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ -لِشُهْرَتِهَا- تَبْلُغُ آفَاقَ الْأَرْضِ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيَتَّبِعَهُ. فَخَالَفَ الرِّوَايَة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ" ١ وأوَّلَ الحديثَ. وَفِي مُخَالَفَةِ الرِّوَايَةِ وَحْشَةٌ، فَكَيْفَ بِمُخَالَفَةِ الرِّوَايَةِ وَالْإِجْمَاع لما اسْتحْسنَ. وَكَانَ يَقُولُ فِي الْكِنَايَاتِ عَنِ الطَّلَاقِ، كَالْخَلِيَّةِ، وَالْبَرِّيَّةِ، وَحَبْلِكِ عَلَى غَارِبِكِ، وَالْبَتَّةِ٢، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ، نَوَى الطَّلَاقَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ. فَخَالَفَ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ، وَخَالَفَ الرِّوَايَةَ لِمَا اسْتُحْسِنَ. وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ: إِذَا ظَاهَرَ بالبطن أَو الْفرج، لم يكون مُظَاهِرًا، وَإِذَا آلَى بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا، لِأَنَّ الْإِيلَاءَ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَكَانَ يَقُولُ: إِذَا نَامَ الرَّجُلُ أَوَّلَ اللَّيْلِ عَلَى طَهَارَةٍ، مُضْطَجِعًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ مُتَوَرِّكًا، أَوْ كَيْفَ نَامَ إِلَى الصُّبْحِ، لم ينْتَقض وضوؤه، لِأَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. قَالَ: وَإِنَّمَا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى الْوُضُوءِ٣ مِنْ نَوْمِ الضَّجْعَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَوَائِلَهُمْ إِذَا قَامُوا بِالْغَدَاةِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ تَطَهَّرُوا؛ لِأَنَّ عَادَاتِ النَّاسِ الْغَائِطُ وَالْبَوْلُ مَعَ الصُّبْحِ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ يَسْتَيْقِظُ وبعينه رمص٤ وبفيه

стр. 57

خلوف، وَهُوَ مُتَهَيِّجُ الْوَجْهِ، فَيَتَطَهَّرُ لِلْحَدَثِ وَالنُّشْرَةِ١ لَا لِلنَّوْمِ وَكَمَا أَوْجَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِالْغَدَاةِ فِي حِيطَانِهِمْ٢؛ فَإِذَا أَرَادُوا الرَّوَاحَ اغْتَسَلُوا. فَخَالَفَ بِهَذَا الْقَوْلِ الرِّوَايَةَ وَالْإِجْمَاعَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى خَطَأٍ" ٣. خَطَّأَ النَّظَّامُ أَبَا بَكْرِ وَعُمَرَ: وَذَكَرَ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: "لَوْ كَانَ هَذَا الدِّينُ بِالْقِيَاسِ، لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِ"٤. فَقَالَ النَّظَّامُ: كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى عُمَرَ، الْعَمَلُ بِمِثْلِ مَا قَالَ فِي الْأَحْكَامِ كُلِّهَا. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ قَوْلِهِ: أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْجَدِّ٥ أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ ثُمَّ قَضَى فِي الْجَدِّ بِمِائَةِ قَضِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَذَكَرَ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، حِينَ سُئِلَ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، أَمْ أَيْنَ أَذْهَبُ؟ أَمْ كَيْفَ أَصْنَعُ إِذَا أَنَا قُلْتُ فِي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، بِغَيْرِ مَا أَرَادَ اللَّهُ. ثُمَّ سُئِلَ عَنِ الْكَلَالَةِ٦، فَقَالَ: "أَقُولُ فِيهَا برأيي فَإِن كَانَ صَوَابا،

стр. 58

فَمن اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي -هِيَ مَا دُونَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ". قَالَ: وَهَذَا خِلَافُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَمَنِ اسْتَعْظَمَ الْقَوْلَ بِالرَّأْيِ ذَلِكَ الْاسْتِعْظَامَ، لَمْ يُقْدِمْ عَلَى الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ هَذَا الْإِقْدَامَ حَتَّى يُنْفِذَ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ. وَذَكَرَ قَوْلَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، حِينَ سُئِلَ عَنْ بَقَرَةٍ قَتَلَتْ حِمَارًا، فَقَالَ: "أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِنْ وَافَقَ رَأْيِي قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَقَضَائِي رَذْلٌ فَسْلٌ". قَالَ وَقَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَقَحَّمَ جَرَاثِيمَ جَهَنَّمَ، فَلْيَقُلْ فِي الْجَدِّ" ثُمَّ قَضَى فِيهِ بِقَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ. وَكَذَّبَ ابْنَ مَسْعُودٍ وَاتَّهَمَهُ: وَذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ١ فِي حَدِيثِ بِرْوع بِنْتِ وَاشِقٍ: "أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي، وَإِنْ كَانَ صَوَابًا، فَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى". قَالَ النظام: وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ بِالظَّنِّ، وَالْقَضَاءُ بِالشُّبْهَةِ، وَإِذَا كَانَتِ الشَّهَادَةُ بِالظَّنِّ حَرَامًا، فَالْقَضَاءُ بِالظَّنِّ أَعْظَمُ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ بَدَلَ نَظْرِهِ فِي الْفُتْيَا، نَظَرَ فِي الشَّقِيِّ كَيْفَ يَشْقَى، وَالسَّعِيدِ كَيْفَ يَسْعَدُ، حَتَّى لَا يفحُشَ قولُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَشْتَدَّ غلطُه، كَانَ أَوْلَى بِهِ. قَالَ: وَزَعَمَ أَنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ، وَأَنَّهُ رَآهُ، وَهَذَا مِنَ الْكَذِبِ الَّذِي لَا خَفَاءَ بِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَشُقُّ الْقَمَرَ لَهُ وَحده، وَلَا لآخر مَعَه، وَإِنَّمَا

стр. 59

يشقه لِيَكُونَ آيَةً لِلْعَالَمِينَ، وَحُجَّةً لِلْمُرْسَلِينَ، وَمَزْجَرَةً لِلْعِبَادِ، وَبُرْهَانًا فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ. فَكَيْفَ لَمْ تَعْرِفْ بِذَلِكَ الْعَامَّةُ، وَلَمْ يُؤَرِّخِ النَّاسُ بِذَلِكَ الْعَامِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ شَاعِرٌ، وَلَمْ يُسْلِمْ عِنْدَهُ كَافِرٌ، وَلَمْ يَحْتَجُّ بِهِ مُسْلِمٌ عَلَى مُلْحِدٍ؟ قَالَ: ثُمَّ جَحَدَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى سُورَتَيْنِ: فَهَبْهُ لَمْ يشهدْ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِهِمَا، فَهَلَّا اسْتَدَلَّ بِعَجِيبِ تَأْلِيفِهِمَا، وَأَنَّهُمَا عَلَى نَظْمِ سَائِرِ الْقُرْآنِ الْمُعْجِزِ لِلْبُلَغَاءِ أَنْ يَنْظِمُوا نَظْمَهُ، وَأَنْ يُحْسِنُوا مِثْلَ تَأْلِيفِهِ. قَالَ النظام: وَمَا زَالَ يطبِّق فِي الرُّكُوعِ إِلَى أَنْ مَاتَ، كَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ مَعَ النَّبِيَّ ﷺ ، أَوْ كَانَ غَائِبًا. وَشَتَمَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ: وَشَتَمَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ١ بِأَقْبَحِ الشَّتْمِ، لَمَّا اخْتَارَ الْمُسْلِمُونَ قِرَاءَتَهُ لِأَنَّهَا آخِرُ الْعَرْضِ. وَعَابَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ: وَعَابَ عُثْمَان ﵁، حِينَ بَلَغَهُ أَنه صلى بـ "منى" أَرْبَعًا٢، ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ:

стр. 60

الْخِلَافُ شَرٌّ وَالْفُرْقَةُ شَرٌّ، وَقَدْ عَمِلَ بِالْفُرْقَةِ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَلم يزل يَقُولُ فِي عُثْمَانَ الْقَوْلَ الْقَبِيحَ، مُنْذُ اخْتَارَ قِرَاءَةَ زَيْدٍ. وَرَأَى قَوْمًا مِنَ الزُّطِّ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَشْبَهُ مَنْ رَأَيْتُ بِالْجِنِّ، لَيْلَةَ الْجِنِّ، ذَكَرَ ذَلِكَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنِ ابْن مَسْعُود. وَذكر دَاوُد عَنِ الشَّعْبِيِّ١ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ: كُنْتَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ سلم لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ فَقَالَ: مَا شَهِدَهَا منا أحد. وَذكر حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ٢ فَقَالَ: جَعَلَ يَحْلِفُ لِعُثْمَانَ عَلَى أَشْيَاءَ بِاللَّهِ تَعَالَى مَا قَالَهَا، وَقَدْ سَمِعُوهُ قَالَهَا. فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، مَخَافَةَ أَنْ يَذْهَبَ كُلَّهُ، رَوَاهُ مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ٣ـ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ. وَطَعَنَ بِأَبِي هُرَيْرَةَ: وَذَكَرَ أَبَا هُرَيْرَةَ: فَقَالَ النَّظَّامُ: أَكْذَبَهُ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ وَعَائِشَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وَرَوَى حَدِيثًا فِي الْمَشْيِ فِي الْخُفِّ الْوَاحِدِ، فَبَلَغَ عَائِشَةَ، فَمَشَتْ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ وَقَالَتْ: لَأُخَالِفَنَّ أَبَا هُرَيْرَة.

стр. 61

وروى أَنَّ الْكَلْبَ وَالْمَرْأَةَ وَالْحِمَارَ، تَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: رُبَّمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَسْطَ السَّرِيرِ، وَأَنَا عَلَى السَّرِيرِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ. قَالَ النَّظَّامُ: وَبَلَغَ عَلِيًّا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَبْتَدِئُ بِمَيَامِنِهِ فِي الْوُضُوءِ، وَفِي اللِّبَاسِ. فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، فَبَدَأَ بِمَيَاسِرِهِ، وَقَالَ: لَأُخَالِفَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ. وَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ حَدَّثَنِي خَلِيلِي، وَقَالَ خَلِيلِي، وَرَأَيْتُ خَلِيلِي. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: مَتَى كَانَ النَّبِيُّ خَلِيلَكَ، يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: وَقَدْ رَوَى "مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، فَلَا صِيَامَ لَهُ". فَأَرْسَلَ مَرْوَانُ فِي ذَلِكَ إِلَى عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، يَسْأَلُهُمَا، فَقَالَتَا: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يَصُومُ. فَقَالَ لِلرَّسُولِ: اذْهَبْ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، حَتَّى تُعْلِمَهُ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّمَا حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ١. فَاسْتَشْهَدَ مَيِّتًا، وَأَوْهَمَ النَّاسَ أَنَّهُ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ. تَفْنِيدُ مَزَاعِمِ النَّظَّامِ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا قَوْله فِي جُلَّةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ بِقَوْلِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ٢ إِلَى آخر السُّورَة.

стр. 62

وَلَمْ يَسْمَعْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ ١. وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرَهُمْ بِهِ حَقًّا، لَا مَخْرَجَ مِنْهُ وَلَا عُذْرَ فِيهِ، وَلَا تَأْوِيلَ لَهُ، إِلَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، لَكَانَ حَقِيقًا بِتَرْكِ ذِكْرِهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ، إِذْ كَانَ قَلِيلًا يَسِيرًا مَغْمُورًا فِي جَنْبِ مَحَاسِنِهِمْ، وَكَثِيرِ مَنَاقِبِهِمْ، وَصُحْبَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَذْلِهِمْ مُهَجَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. تَفْنِيدُ مَا زَعَمَهُ النَّظَّامُ عَلَى عُمَرَ فِي قَضِيَّةِ الْجَدِّ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا شَيْءَ أَعْجَبُ عِنْدِي مِنِ ادِّعَائِهِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّهُ قَضَى فِي الْجَدِّ بِمِائَةِ قَضِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَأَهْلِ الْقِيَاسِ. فَهَلَّا اعْتَبَرَ هَذَا وَنَظَرَ فِيهِ، لِيَعْلَمَ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَقْضِيَ عُمَرُ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ بِمِائَةِ قَضِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ. فَأَيْنَ هَذِهِ الْقَضَايَا؟ وَأَيْنَ عُشْرُهَا وَنِصْفُ عُشْرِهَا؟ أَمَا كَانَ فِي حَمَلَةِ الْحَدِيثِ مَنْ يَحْفَظُ مِنْهَا خَمْسًا أَوْ سِتًّا؟ وَلَوِ اجْتَهَدَ مُجْتَهِدٌ أَنْ يَأْتِيَ مِنَ الْقَضَاءِ فِي الْجَدِّ بِجَمِيعِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ، مِنْ قَوْلٍ وَمِنْ حِيلَةٍ٢، مَا كَانَ يَتَيَسَّرُ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ بِعِشْرِينَ قَضِيَّةً. وَكَيْفَ لَمْ يَجْعَلْ هَذَا الْحَدِيثَ، إِذْ كَانَ مُسْتَحِيلًا، مِمَّا يُنْكَرُ مِنَ الْحَدِيثِ وَيَدْفَعُ مِمَّا قَدْ أَتَى بِهِ الثِّقَاتُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِضَغْنٍ يَحْتَمِلُهُ عَلَى عُمَرَ ﵁ وَعَدَاوَةٍ. مَزَاعِمُهُ فِي أَبِي بَكْرٍ بِشَأْنِ تَفْسِيرِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا طَعْنُهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِأَنَّهُ سُئِلَ عَن

стр. 63

آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَاسْتَعْظَمَ أَنْ يَقُولَ فِيهَا شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ فِي الْكَلَالَةِ بِرَأْيِهِ. فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مُتَشَابَهِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، فَأَحْجَمَ عَنِ الْقَوْلِ فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ يُفَسِّرَهُ بِغَيْرِ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَفْتَى فِي الْكَلَالَةِ بِرَأْيِهِ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ نَابَ الْمُسْلِمِينَ وَاحْتَاجُوا إِلَيْهِ فِي مَوَارِيثِهِمْ، وَقَدْ أُبِيحَ لَهُ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ فِيمَا لَمْ يُؤْثَرْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَمْ يَأْتِ لَهُ فِي الْكِتَابِ شَيْءٌ كَاشِفٌ، وَهُوَ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ وَمَفْزَعُهُمْ فِيمَا يَنُوبُهُمْ، فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَقُولَ. وَكَذَلِكَ قَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدٌ ﵃، حِينَ سُئِلُوا، وَهُمُ الْأَئِمَّةُ وَالْمَفْزَعُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ النَّوَازِلِ. فَمَاذَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا عِنْدَهُ، أيَدعون النَّظَرَ فِي الْكَلَالَةِ وَفِي الْجَدِّ، إِلَى أَنْ يَأْتِيَ هُوَ وَأَشْبَاهُهُ، فَيَتَكَلَّمُوا فِيهِمَا. تفنيد مطاعته بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: ثُمَّ طَعْنُهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ، وَأَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ، ثُمَّ نَسَبَهُ فِيهِ إِلَى الْكَذِبِ. وَهَذَا لَيْسَ بِإِكْذَابٍ لِابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَكِنَّهُ بخسٌ لِعَلَمِ النُّبُوَّةِ وَإِكْذَابٌ لِلْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ١. فَإِنْ كَانَ الْقَمَرُ لَمْ يَنْشَقَّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَانَ مُرَادُهُ: سَيَنْشَقُّ الْقَمَرُ فِيمَا بَعْدُ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ٢ بعقب هَذَا الْكَلَام؟

стр. 64

أَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْمًا رَأَوْهُ مُنْشَقًّا فَقَالُوا: "هَذَا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ مِنْ سِحْرِهِ، وَحِيلَةٌ مِنْ حِيَلِهِ كَمَا قَدْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْلَامِهِ ﷺ . وَكَيْفَ صَارَتِ الْآيَةُ مِنْ آيَاتِ النَّبِيَّ ﷺ وَالْعَلَمُ مِنْ أَعْلَامِهِ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَرَاهَا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ والنفر دون الْجَمِيع. أَو لَيْسَ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانُ وَالنَّفَرُ وَالْجَمِيعُ، كَمَا أَخْبَرَ مُكَلِّمُ الذِّئْبِ، بِأَنَّ ذِئْبًا كَلَّمَهُ وَأَخْبَرَ آخَرُ بِأَنَّ بَعِيرًا شَكَا إِلَيْهِ، وَأَخْبَرَ آخَرُ أَنَّ مَقْبُورًا لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ. وَطَعْنُهُ عَلَيْهِ لِجَحْدِهِ سُورَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، يَعْنِي "الْمُعَوِّذَتَيْنِ" فَإِنَّ لِابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ سَبَبًا، وَالنَّاسُ قَدْ يَظُنُّونَ وَيَزِلُّونَ، وَإِذَا كَانَ هَذَا جَائِزًا عَلَى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، فَهُوَ عَلَى غَيْرِهِمْ أَجْوَزُ. وَسَبَبُهُ فِي تَرْكِهِ إِثْبَاتِهِمَا فِي مُصْحَفِهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَرَى النَّبِيَّ ﷺ يُعَوِّذُ بِهِمَا الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَيُعَوِّذُ غَيْرَهُمَا، كَمَا كَانَ يُعَوِّذُهُمَا بِـ"أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ" فَظَنَّ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنَ الْقُرْآنِ، فَلَمْ يُثْبِتْهُمَا فِي مُصْحَفِهِ. وَبِنَحْوِ هَذَا السَّبَبِ أَثْبَتَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ١ فِي مُصْحَفِهِ، افْتِتَاحَ دُعَاءِ الْقُنُوتِ، وَجَعَلَهُ سُورَتَيْنِ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَدْعُو بِهِمَا فِي الصَّلَاةِ دُعَاءً دَائِمًا فَظَنَّ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا التَّطْبِيقُ٢ فَلَيْسَ مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا الْفَرْضُ، الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ ٣.

стр. 65

فَمن طَبَّقَ فَقَدْ رَكَعَ، وَمَنْ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَدْ رَكَعَ، وَإِنَّمَا وضع الْيَدَيْنِ على الركتبين، أَوِ التَّطْبِيقُ مِنْ آدَابِ الرُّكُوعِ. وَقَدْ كَانَ الْاخْتِلَافُ فِي آدَابِ الصَّلَاةِ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُقْعِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَرِشُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَرَّكُ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا١. وَأَمَّا نِسْبَتُهُ إِيَّاهُ إِلَى الْكَذِبِ فِي حَدِيثِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ" ٢. فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكْذِبَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ الْجَلِيلِ الْمَشْهُورِ، وَيَقُولُ: حَدَّثَنِي الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَوَافِرُونَ، وَلَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ؟ وَلِأَيِّ مَعْنًى يَكْذِبُ مِثْلُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَمْرٍ لَا يَجْتَذِبُ بِهِ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُ ضُرًّا، وَلَا يُدْنِيهِ مِنْ سُلْطَانٍ وَلَا رَعِيَّةٍ، وَلَا يَزْدَادُ بِهِ مَالًا إِلَى مَالِهِ؟ وَكَيْفَ يَكْذِبُ فِي شَيْءٍ، قَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَتِهِ، عَدَدٌ مِنْهُمْ أَبُو أُمَامَةَ٣ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "سَبَقَ الْعِلْمُ، وَجَفَّ الْقَلَمُ، وَقُضِيَ الْقَضَاءُ، وَتَمَّ الْقَدَرُ بِتَحْقِيقِ الْكِتَابِ، وَتَصْدِيقِ الرُّسُلِ بِالسَّعَادَةِ لِمَنْ آمَنَ وَاتَّقَى، وَالشَّقَاءِ لِمَنْ كَذَّبَ وَكَفَرَ ". وَقَالَ : "ابْنَ آدَمَ بِمَشِيئَتِي كُنْتَ، أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ، لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ، وَبِإِرَادَتِي كُنْتَ. أَنْتَ الَّذِي تُرِيدُ لِنَفْسِكَ مَا تُرِيدُ، وَبِفَضْلِي وَرَحْمَتِي أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَرَائِضِي، وَبِنِعْمَتِي قويت على معصيتي".

стр. 66

وَهَذَا الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: "يَا غُلَامُ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، وَتَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَأَنَّ الْقَلَمَ قَدْ جَفَّ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"١. وَكَيْفَ يَكْذِبُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي أَمْرٍ يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ؟! يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ ٢. أَيْ جَعَلَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيْمَانَ كَمَا قَالَ فِي الرَّحْمَةِ: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ٣ الْآيَةَ. أَيْ: سَأَجْعَلُهَا: وَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَلْبِهِ الْإِيْمَانَ، فَقَدْ قَضَى لَهُ بِالسَّعَادَةِ. وَقَالَ لِرَسُولِهِ ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٤. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: إِنَّكَ لَا تُسَمِّي مَنْ أَحْبَبْتَ هَادِيًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَمِّي من يَشَاء هاديًا. وَقَالَ: ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٥ كَمَا قَالَ: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ ٦ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمَّى فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ ضَالِّينَ، وَمَا سماهم مهتدين.

стр. 67

وَقَالَ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ١. وَقَالَ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٢ وَأَشْبَاهُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، يَكْثُرُ وَيَطُولُ: وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، الْاحْتِجَاجَ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ، فَنَذْكُرُ مَا جَاءَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَنَذْكُرُ فَسَادَ تَأْوِيلَاتِهِمْ وَاسْتِحَالَتَهَا، وَقَدْ ذَكَرْتُ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، مِنْ كُتُبِي فِي الْقُرْآنِ. وَكَيْفَ يَكْذِبُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي أَمْرٍ تُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ قَالَ بَعْضُ الرُّجَّازِ: يَا أَيهَا الْمُضمر هما لاتهم ... إِنَّكَ إِنْ تُقْدَر لَكَ الحُمَّى تُحَمْ وَلَوْ عَلَوْتَ شَاهِقًا مِنَ الْعَلَمِ ... كَيْفَ تَوَقِّيكَ وَقَدْ جفَّ الْقَلَمْ "وَقَالَ آخَرُ " هِيَ المقاديرُ فلُمْنِي أَوْ فَذَرْ ... إِنْ كُنْتُ أخطأتُ فَمَا أَخَطَا القدرْ "وَقَالَ لَبِيَدٌ" إِنَّ تقوَى رَبِّنَا خيرُ نَفَلْ٤ ... وبأمرِ٥ اللَّهِ رَيْثِي وَعَجَلْ مَن هَدَاهُ سبلَ الْخَيْرِ اهْتَدَى ... ناعمَ البالِ وَمن شَاءَ أضلّ

стр. 68

"وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ"١ نَدِمْتُ نَدَامَةَ الْكُسَعِيِّ٢ لَمَّا ... غَدَتْ مِنِّي مَطْلَقَةً نَوَارُ وَكَانَتْ جَنَّةً فَخَرَجْتُ مِنْهَا ... كَآدَمَ حِينَ أَخْرَجَهُ الضِّرَارُ وَلَوْ ضَنَّتْ يَدَايَ بِهَا٣ وَنَفْسِي ... لَكَانَ عَلَيَّ لِلْقَدَرِ الْخِيَارُ "وَقَالَ النَّابِغَةُ" وَلَيْسَ امْرُؤٌ نَائِلًا مِنْ هَوَا ... هُ شَيْئًا إِذَا هُوَ لَمْ يُكْتَبْ وَكَيْفَ يَكْذِبُ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فِي أَمْرٍ تُوَافِقُهُ عَلَيْهِ كُتُبُ اللَّهِ تَعَالَى؟! وَهَذَا وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ٥، يَقُولُ: قَرَأْتُ فِي اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى، اثْنَانِ وَعِشْرُونَ مِنْهَا مِنَ الْبَاطِنِ، وَخَمْسُونَ مِنَ الظَّاهِرِ، أَجِدُ فِيهَا كُلَّهَا أَنَّ مَنْ أَضَافَ إِلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الِاسْتِطَاعَة فقد كفر.

стр. 69

وَهَذِهِ التَّوْرَاةُ فِيهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى: "اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ فَقُلْ لَهُ: أَخْرِجْ إِلَيَّ بَنِي بَكْرِيٍّ، بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، لِيَحْمَدُونِي وَيُمَجِّدُونِي، وَيُقَدِّسُونِي، اذْهَبْ إِلَيْهِ فَأَبْلِغْهُ وَأَنَا أُقْسِي قَلْبَهُ، حَتَّى لَا يَفْعَلَ"١. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: بَكْرِيٌّ أَيْ: هُوَ لِي: بِمَنْزِلَةِ أَوْلَادِ٢ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ، وَهُوَ بَكْرِيٌّ أَيْ: أَوَّلُ مَنِ اخْتَرْتُهُ. وَقَالَ حَمَّادٌ٣ رِوَايَةً عَنْ مُقَاتِلٍ٤، قَالَ لِي عَمْرُو بْنُ فَائِدٍ: "يَأْمُرُ اللَّهُ بِالشَّيْءِ، وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ"؟ قُلْتُ: نَعَمْ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَ. قَالَ: إِنَّ تِلْكَ رُؤْيَا. قُلْتُ رُؤْيا الْأَنْبِيَاء وحيٌّ؛ ألم تسمعه يَقُول: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ ؟ وَهَذِهِ أُمَمُ الْعَجَمِ كُلُّهَا، تَقُولُ بِالْإِثْبَاتِ بِالْقَدَرِ. فالهند تَقُولُ فِي كِتَابِ "كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ" وَهُوَ مِنْ جَيِّدِ كُتُبِهِمُ الْقَدِيمَةِ: "الْيَقِينُ٥ بِالْقَدَرِ، لَا يَمْنَعُ الْحَازِمَ تَوَقِّي الْمَهَالِكِ، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ النَّظَرُ فِي الْقَدَرِ المغيَّب، وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْعَمَل٦ بالحزم".

стр. 70

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَجْمَعُ، تَصْدِيقًا بِالْقَدَرِ، وَأَخْذًا بِالْحَزْمِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَرَأْتُ فِي كُتُبِ الْعَجَمِ أَنَّ هُرْمُزَ سُئِلَ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي بَعَثَ فَيْرُوزَ عَلَى غَزْوِ الْهَيَاطِلَةِ، ثُمَّ الْغَدْرِ بِهِمْ؛ فَقَالَ: إِنَّ الْعِبَادَ يَجْرُونَ مِنْ قَدَرِ رَبِّنَا وَمَشِيئَتِهِ، فِيمَا لَيْسَ لَهُمْ صُنْعٌ مَعَهُ، وَلَا يَمْلِكُونَ تَقَدُّمًا وَلَا تَأَخُّرًا عَنْهُ. فَمَنْ كَانَتْ مَسْأَلَتُهُ عَمَّا سَأَلَ عَنْهُ، وَهُوَ مُسْتَشْعِرٌ لِلْمَعْرِفَةِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ لَا يَقْصِدُ بِمَسْأَلَتِهِ إِلَّا عَنِ الْعِلَّةِ الَّتِي جَرَى بِهَا الْمِقْدَارُ١ عَلَى مَنْ جَرَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَالسَّبَبُ الظَّاهِرُ الَّذِي أَدْرَكَتْهُ الْأَعْيُنُ مِنْهُ مُتَّبِعٌ٢ لِمَا جَرَى عَلَيْهِ النَّاسُ فِي قَوْلِهِمْ: "مَا صَنَعَ فُلَانٌ"؟ وَهُمْ يُرِيدُونَ "مَا صُنِعَ بِهِ" أَوْ "صُنِعَ عَلَى يَدَيْهِ". وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: مَاتَ فُلَانٌ، أَوْ عَاشَ فُلَانٌ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ: فُعِلَ بِهِ، فَذَلِكَ الْقَصْدُ مِنْ مَسْأَلَتِهِ، وَمَنْ تَعَدَّى ذَلِكَ، كَانَ الْجَهْلُ أَوْلَى بِهِ. وَلَيْسَ حَمْلُنا مَا حَمَلْنا عَلَى الْمَقَادِيرِ فِي قِصَّتِهِ، تحرِّيًا لِمَعْذِرَتِهِ، وَلَا طَلَبًا لِتَحْسِينِ أَمْرِهِ، وَلَا إِنْكَارًا أَنْ يَكُونَ مَا قُدِّرَ عَلَى الْمَخْلُوقِ مِنْ آثَارِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ دَفْعَ مَكْرُوهِهَا، وَلَا اجْتِلَابَ مَحْمُودِهَا إِلَى نَفْسِهِ وَهُوَ السَّبَبُ الَّذِي يَجْرِي بِهِ مَا غُيِّبَ عَنَّا مِنْ ثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ، بِمَا٣ حَتَمَ بِهِ عَدْلُ الْمُبْتَدِي لِخَلْقِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُهُ الْآخَرُ الَّذِي نَسَبَهُ فِيهِ إِلَى الْكَذِبِ، فَقَالَ: رَأَى قَوْمًا مِنَ الزُّطِّ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَشْبَهُ مَنْ رَأَيْتُ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنَّ، ثُمَّ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقِيلَ لَهُ: كنتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ فَقَالَ: مَا شَهِدَهَا مِنَّا أَحَدٌ. فَادَّعَى فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ شَهِدَهَا، وَأَنْكَرَ ذَلِك فِي الحَدِيث الآخر

стр. 71

وتصحيحه الْخَبَرَيْنِ عَنْهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مَعَ ثَاقِبِ فَهْمِهِ، وَبَارِعِ عِلْمِهِ، وَتَقَدُّمِهِ فِي السِّتَّةِ١ الَّذِينَ انْتَهَى إِلَيْهِمُ الْعِلْمُ بِهَا، وَاقْتَدَتْ بِهِمُ الْأُمَّةُ مَعَ خَاصَّتِهِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلُطْفِ مَحِلِّهِ. وَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنَّ يُقِرَّ بِالْكَذِبِ هَذَا الْإِقْرَارَ؟ فَيَقُولُ: الْيَوْمَ شَهِدْتُ، وَيَقُولُ غَدًا: لَمْ أَشْهَدْ، وَلَوْ جَهَدَ عَدُّوهُ، أَنْ يَبْلُغَ مِنْهُ مَا بَلَغَهُ مِنْ نَفْسِهِ مَا قَدَرَ، وَلَوْ كَانَ بِهِ خَبَلٌ، أَوْ عَتَهٌ، أَوْ آفَةٌ، مَا زَادَ عَلَى مَا وَسَمَ بِهِ نَفْسَهُ. وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ لَا يُثْبِتُونَ حَدِيثَ الزُّطِّ، وَمَا ذَكَرَ مِنْ حُضُورِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ، وَهُمُ الْقُدْوَةُ عِنْدَنَا فِي الْمَعْرِفَةِ بِصَحِيحِ الْأَخْبَارِ وَسَقِيمِهَا، لِأَنَّهُمْ أَهْلُهَا والمعتنون بِهَا٢. وَكُلُّ ذِي صِنَاعَةٍ أَوْلَى بِصِنَاعَتِهِ. غَيْرَ أَنَّا لَا نَشُكُّ فِي بُطْلَانِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ يُخْبِرُ النَّاسَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ قَدْ كَذَبَ، وَلَا تَسْقُطُ٣ عِنْدَهُمْ مَرْتَبَتُهُ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ، لَقِيلَ لَهُ: فَلِمَ خَبَّرْتَنَا أَمْسِ بِأَنَّكَ شَهِدْتَ؟ فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، فَقَدْ سَقَطَ٤ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثَانِ جَمِيعًا صَحِيحَيْنِ، فَلَا أَرَى النَّاقِلَ لِلْخَبَرِ الثَّانِي إِلَّا وَقَدْ أَسْقَطَ مِنْهُ حَرْفًا٥، وَهُوَ "غَيْرِي"؛ يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ لَهُ، أَكُنْتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ فَقَالَ: "مَا شَهِدَهَا أَحَدٌ مِنَّا غَيْرِي". فَأَغْفَلَ الرَّاوِي "غَيْرِي" إِمَّا بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ، أَوْ بِأَنَّهُ سَمِعَهُ فَنَسِيَهُ٦ أَوْ بِأَنَّ النَّاقِلَ عَنْهُ أَسْقَطَهُ. وَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ قَدْ يَقَعُ وَلَا يُؤمن.

стр. 72

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، أَنَّهُ قَالَ لَهُ: هَلْ كُنْتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ فَقَالَ: "مَا شَهِدَهَا أَحَدٌ مِنَّا". وَلَيْسَ هَذَا جَوَابًا لِقَوْلِهِ: "هَلْ كُنْتَ؟ " وَإِنَّمَا هُوَ جَوَابٌ لقَوْل السَّائِلِ: "هَلْ كُنْتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ وَإِذَا كَانَ قَوْلُ السَّائِلِ: هَلْ كُنْتَ١ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ حَسَنٌ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ "مَا شَهِدَهَا أَحَدٌ مِنَّا غَيْرِي" يُؤَكِّدُ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ مُتَقَدِّمِ قَوْله. مَا حَكَاهُ عَنْ حُذَيْفَةَ: وَأَمَّا مَا حَكَاهُ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى أَشْيَاءَ لِعُثْمَانَ، مَا قَالَهَا، وَقَدْ سَمِعُوهُ قَالَهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ إِنِّي أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، مَخَافَةَ أَنْ يَذْهَبَ كُلَّهُ. فَكَيْفَ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَقْبَحِ وُجُوهِهِ؟ وَلَمْ يَتَطَلَّبْ لَهُ الْعُذْرَ وَالْمَخْرَجَ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِهِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ". أَفَلَا تَفَهّم عَنْهُ مَعْنَاهُ، وتدبَّر قَوْلَهُ؟ وَلَكِنَّ عَدَاوَتَهُ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا احْتَمَلَهُ مِنَ الضِّغْنِ عَلَيْهِمْ، حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّظَرِ. والعداوة البغض، يُعْمِيَانِ وَيُصِمَّانِ، كَمَا أَنَّ الْهَوَى يُعْمِي وَيُصِمُّ. وَاعْلَمْ -رَحِمَكَ اللَّهُ- أَنَّ الْكَذِبَ وَالْحِنْثَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَوْلَى بِالْمَرْءِ وَأَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ مِنَ الصِّدْقِ فِي الْقَوْلِ وَالْبِرِّ فِي الْيَمِينِ. أَلَّا تَرَى رَجُلًا لَوْ رَأَى سُلْطَانًا ظَالِمًا وَقَادِرًا قَاهِرًا، يُرِيدُ سَفْكَ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوِ اسْتِبَاحَةَ حُرَمِهِ، أَوْ إِحْرَاقِ مَنْزِلِهِ، فَتَخَرَّصَ قَوْلًا كَاذِبًا يُنْجِيهِ بِهِ، أَوْ حَلَفَ يَمِينًا فَاجِرَةً، كَانَ مَأْجُورًا عِنْدَ اللَّهِ، مَشْكُورًا عِنْدَ عِبَادِهِ؟ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ: لَا يَصِلُ رَحِمًا، وَلَا يُؤَدِّي زَكَاةً، ثُمَّ اسْتَفْتَى الْفُقَهَاءَ، لَأَفْتَوْهُ جَمِيعًا بِأَنْ لَا يَبَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُول:

стр. 73

﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ١. يُرِيدُ: لَا تَجْعَلُوا الْحَلِفَ بِاللَّهِ، مَانِعًا لَكُمْ مِنَ الْخَيْرِ، إِذَا حَلَفْتُمْ أَنْ لَا تَأْتُوهُ، وَلَكِنْ كفِّروا، وَائْتُوا الَّذِي هُوَ خَيْرٌ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ، فَرَأَى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنْهُ فَلْيُكَفِّرْ وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ٢ ". وَقَدْ رُخِّص فِي الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ، لِأَنَّهَا خُدْعَةٌ، وَفِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِي إِرْضَاءِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ. وَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يُوَرِّيَ فِي يَمِينِهِ إِلَى شَيْءٍ، إِذَا ظُلِمَ، أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَالتَّوْرِيَةُ: أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَ مَا نَوَى مُسْتَحْلِفُهُ. كَأَنْ كَانَ مُعْسِرًا، أَحْلَفَهُ رَجُلٌ عِنْدَ حَاكِمٍ عَلَى حَقٍّ لَهُ عَلَيْهِ، فَخَافَ الْحَبْسَ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِنْظَارِهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيَّ شَيْءٌ، وَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: يَوْمِي هَذَا٣. أَوْ يَقُولُ وَالَّلاهِ، يُرِيدُ مِنَ اللَّهْوِ إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ الْيَاءَ وَأَبْقَى الْكَسْرَةَ مِنْهَا٤، دَلِيلًا عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٥

стр. 74

و ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ ١ و ﴿يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ ٢. أَوْ يَقُولُ: كُلُّ مَا لَا أَمْلِكُهُ صَدَقَةٌ يُرِيدُ كُلُّ مَا لَنْ أَمْلِكَهُ. أَيْ: لَيْسَ أَمْلِكُهُ. وَأَنْ يُحْلِفَهُ رَجُلٌ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ بَابِ هَذِهِ الدِّيَارِ -وَهُوَ لَهُ ظَالِمٌ- فَيَتَسَوَّرُ الْحَائِطَ وَيَخْرُجُ، مُتَأَوِّلًا بِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَابِ الدَّارِ، وَإِنْ كَانَتْ نِيَّةُ الْمُسْتَحْلِفِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَهَذَا وَمَا أَشْبَهُهُ مِنَ التَّوْرِيَةِ. الرُّخْصَةُ فِي الْمَعَارِيضِ: وَجَاءَتِ الرُّخْصَةُ فِي الْمَعَارِيضِ، وَقِيلَ: إِنَّ فِيهَا عَنِ الْكَذِبِ مَنْدُوحَةً. فَمِنَ الْمَعَارِيضِ، قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﷺ فِي امْرَأَتِهِ "إِنَّهَا أُخْتِي" يُرِيدُ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِخْوَةٌ. وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ٣. أَرَادَ: "بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا، إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ" فَجَعَلَ النُّطْقَ شَرْطًا لِلْفِعْلِ وَهُوَ لَا يَنْطِقُ وَلَا يَفْعَلُ. وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ٤ يُرِيدُ "سَأَسْقَمُ"؛ لِأَنَّ مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ وَالْفَنَاءُ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْقَمَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ٥. وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ مَيِّتًا فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ: إِنَّكَ سَتَمُوتُ، وَسَيَمُوتُونَ.

стр. 75

فَأَيْنَ كَانَ طَلَبِ الْمَخْرَجِ لَهُ مِنْ وَجْهٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَقَدْ نَبَّهَهُ عَلَى أَنَّ لَهُ مَخْرَجًا بِقَوْلِهِ: "أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ". فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَعْلَمَ كَيْفَ يَكُونُ طَلَبُ الْمُخْرِجِ، خَبَّرْنَاكَ بِأَمْثَالِ ذَلِكَ؛ فَمِنْهَا: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْخَوَارِجِ، لَقِيَ رَجُلًا مِنَ الرَّوَافِضِ، فَقَالَ لَهُ: "وَاللَّهِ لَا أُفَارِقُكَ، حَتَّى تَبْرَأَ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَوْ أَقْتُلُكَ". فَقَالَ: أَنَا وَاللَّهِ مِنْ عَلِيٍّ، وَمِنْ عُثْمَانَ بَرِيءٌ؛ فَتَخَلَّصَ مِنْهُ. وَإِنَّمَا أَرَادَ: أَنَا "مِنْ عَلِيٍّ" يُرِيدُ أَنَّهُ يَتَوَلَّاهُ "وَمِنْ عُثْمَانَ بَرِيءٌ" فَكَانَتْ بَرَاءَتُهُ مِنْ عُثْمَانَ وَحْدَهُ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ، سَأَلَ رَجُلًا كَانَ يَتَّهِمُهُ بِبُغْضِ السُّلْطَانِ وَالْقَدْحِ فِيهِ، عَنِ السَّوَادِ الَّذِي يَلْبَسُهُ أَصْحَابُ السُّلْطَانِ؛ فَقَالَ لَهُ: "النُّورُ -وَاللَّهِ- فِي السَّوَادِ" فَرَضِيَ بِذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا أَرَادَ "أَنَّ نُورَ الْعَيْنِ، فِي سَوَادِ الْحَدَقَةِ" فَلَمْ يَكُنْ فِي يَمِينِهِ آثِمًا وَلَا حَانِثًا. وَمِنْهَا أَنَّ عَلِيًّا ﵁ خَطَبَ فَقَالَ: "لَئِنْ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ، لَا أَدْخُلُهَا، وَلَئِنْ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ إِلَّا مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ، لَا أَدْخُلُهَا"١. فَقِيلَ لَهُ: مَا صَنَعْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَرَّقْتُ النَّاسَ؛ فَخَطَبَهُمْ وَقَالَ: "إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ عليَّ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ، إِلَّا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَتَلَهُ، وَأَنَا مَعَهُ"٢. فَأَوْهَمَهُمْ أَنَّهُ قَتَلَهُ مَعَ قَتْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَتَلَهُ، وَسَيَقْتُلُنِي مَعَهُ. وَمِنْهَا أَنَّ شُرَيْحًا٣ دَخَلَ عَلَى زِيَادٍ فِي مَرَضِهِ، الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَلَمَّا
следующие страницы →