الروح مذكر والنفس مؤنثة١ وقال بعض آخر الروح هو الذي به الحياة، والنفس هي التي بها العقل، فإذا نام النائم قبضت نفسه، ولم يقبض روحه، ولا يقبض الروح إلا عند الموت. وذكر بعض العلماء: لكل إنسان نفسان: إحداهما نفس التمييز، وهي التي تفارقه إذا نام، فلا يعقل بها، والأخرى نفس الحياة، وإذا زالت زال معها النفس، والنائم يتنفس. وقد يراد بالنفس الدم، وفي الحديث: ما ليس له نفس سائله، فإنه لا ينجس الماء إذا مات فيه فعبر عن الدم بالنفس السائلة، وكما ورد في قول السموءل:
تَسيلُ عَلى حَدِّ الظُباتِ نُفوسُنا ... وَلَيسَت عَلى غَيرِ الظُباتِ تَسيلُ
وإنما سمي الدم نفسًا لأن النفس تخرج بخروجه٢.
وقد يعبر بها عن الإنسان جميعه، وعن الجسد٢. وهناك كلمة أخرى ترد في معنى "الروح"، هي "النسيم". و"النسم" نفس الروح كالنسمة، يقال ما بها نسمة، أي نفس، وما بها ذو نسيم، أي ذو روح. والنسم نفس الريح إذا كان ضعيفًا كالنسيم٤. وقد ربطوا بين النسيم الروح، لما كان قد علق في أذهانهم إذ ذاك من أن الروح نوع من أنواع النسيم، وهو النفس الذي يتنفسه الإنسان، ومن أن النفس من النسيم كذلك، وأن بين التنفس والنفس صلة، والتنفس يكون بالنسيم، ولهذا قالوا لمن يموت موتًا طبيعيًّا: "مات حتف أنفه" و"مات حتف فيه" والحتف الموت؛ لأن نفسه يخرج بتنفسه من أنفه أو فيه. ولأنهما نهاية الرمق، ومنهما يكون التنفس٥.
ويظهر من دراسة معاني الكلمات المذكورة، أن لفظة "نفس" هي بمعنى الإنسان والجسد في الشعر الجاهلي القديم، أما الروح" فبمعنى النفس،
стр. 3642
أي التنفس واستنشاق الهواء والريح١. وتقابل لفظة "نفس" لفظة "نيفش" Nephesh في العبرانية، وتطلق على نفس كل كائن حي، من إنسان أو حيوان، وبهذا المعنى وردت في العهد القديم٢. وتقابل لفظة Soul في الإنكليزية و Seele في الألمانية. وقد استعملت لفظة psyche اليونانية بمعنى نفس في العهد الجديد٣. ومن هذه اللفظة اليونانية أخذ العلماء مصطلحهم Psychology Psychologie أي علم النفس، ثم مصطلحات العلوم الأخرى المتعلقة بموضوع النفس. وهي في الوقت الحاضر علوم عديدة.
أما لفظة "الروح"، فتقابل كلمة "روح" Ruach في العبرانية ولفظة Spirit في الإنكليزية، و Geist في الألمانية، وتكون في مقابل النفس في علم النفس، وتقابل لفظة Pneuma في اليونانية، ومعناها الهواء والريح والنفس.
ونجد بين المعاني التي ذكرها علماء العربية للألفاظ المذكورة، وهي: النفس، والريح، والهواء، والنسيم وبين المعاني الواردة في اللغات الأعجمية عنها شبهًا كبيرًا، يرجع على وجهة نظر الإنسان في تفسير مظاهر الحياة، وشعوره بوجود شيء في نفسه خارج عن حدود المادة، أي عن الجسم أو الجسد، لا يمكن أن يمسكه ولا أن يلمسه، فسماه "نفسًا" تارة وسماه "روحًا" تارة أخرى، وفرق بين الاثنين تارة ثالثة. وقد تصور أن النفس والروح، شيئان لهما علاقة بالحياة. فنسب الحياة إليهما أو إلى أحدهما. ونظرا إلى أنهما غير محسوسين، ولا يمكن الإمساك بهما أو لمسهما، تصورهما الإنسان تصورًا يختلف باختلاف درجة مداركه ومقدار ثقافته ودرجة ما توصل إليه من علم في ذلك الوقت.
وقد تصور اليونان النفس، على أنها هواء ونسيم، وتصوروها على هيئة طائر صغير في شكل الإنسان، أو على شكل طير، أو فراشة٤. وهو تصور عرف عند غيرهم أيضًا، بل يكاد يكون الغالب على الناس. ولا زال الناس يصورون الروح على هيئة طائر، يسبح في الفضاء، فإذا مات الإنسان صعدت روحه إلى خالقها، أو إلى السماء فالأرواح طيور تكون في الإنسان، إذا انفصلت عن
стр. 3643
الجسد مات وأخذت هي تطير مزفرفة في الأعالي. وبهذا الرأي أخذ بعض الجاهليين تفسير النفس. تصوروا "النفس طائرًا ينبسط في الجسم، فإذا مات الإنسان أو قتل لم يزل يطيف به مستوشحًا يصدح على قبره". "وكانوا يزعمون أن هذا الطائر يكون صغيرًا ثم يكبر حتى يكون كضرب من البوم وهو أبدًا مستوحش ويوجد في الديار المعطلة ومصارع القتلى والقبور، وأنها -أي النفس- لم تزل عند ولد الميت ومخلفه لتعلم ما يكون من بعده فتخبره"١ وزعموا أنه إذا قتل قتيل فلم يدرك به الثأر خرج من رأسه طائر كالبومة. وهي الهامة، والذكر الصدى، فيصيح على قبره اسقوني اسقوني، فإن قتل قاتله كف عن صياحه. وكان بعضهم يقول إن عظام الموتى تصير هامة وتطير. وذكر أن الصدى حشو الرأس، ويقال لها الهامة أيضًا، أو الدماغ نفسه٢.
وكان من زعم بعض الجاهليين، أن الإنسان إذا مات أو قتل اجتمع دم الدماغ أو أجزاء منه، فانتصب طيرًا هامة، ترجع إلى رأس القبر كل مائة سنة٣. ويرجع هذا الرأي إلى عقيدة قديمة تعتبر الدم مقرًّا للنفس، بل تجعل الدم في معنى النفس، والنفس في معنى الدم، وذلك للصلة الوثيقة الكائنة بين الدم والنفس، ولأن الإنسان إذا قتل سال دمه. فتخرج روحه بخروج الدم من الجسم، أي خروج النفس من الدم، بعد أن كانت كامنة فيه. ويمثل هذا الرأي رأي العبرانيين أيضًا في النفس وفي صلتها بالدم، ورأي غيرهم من الشعوب٤.
وكان اعتقادهم أن مقر الدم ومركز تجمعه في الدماغ. ومن هنا قيل بنات الهام: مخ الدماغ٥، فلا غرابة إذا تصوروا أن الروح تنتصب فيه، فتكون هامة تخرج من الرأس، وتطير. ويكون خروجها من الأنف أو الفم؛ لأن النفس يكون منهما. فتتجمع الأرواح حول القبور، ويكون في وسعها مراقبة أهل الميت وأصدقائه ونقل أخبارهم إليه. ولهذا السبب، تصوروا المقابر مجتمع.
стр. 3644
الأرواح، تطير فيها مرفرفة حول القبور. وإلى هذه العقيدة أشير في شعر أبي دُواد:
سُلِّطَ الموتُ وَالمَنونُ عَلَيهِم ... فَلَهُم في صَدى المَقابِرِ هامُ
وكذلك في شعر للشاعر لبيد:
وَلَيسَ الناسُ بَعدَكَ في نَقيرٍ ... وَلا هُم غَيرُ أَصداءٍ وَهامِ١
ولهذا سموا الدماغ "الطائر" لأنهم تصوروه على صورة طير. قال الشاعر:
هم أنشبوا صم القنا في نحورهم وبيضًا تقيض البيض من حيث طائر
عنى بالطائر الدماغ. وعبر عنه للسبب المذكور بـ"الفرخ"٢.
وورد أن "الصدى" ما يبقى من الميت في قبره، وهو جثته٣، وقيل: حشوة الرأس، أي دماغ الإنسان الهامة والصدى. وكانت العرب تقول إن عظام الموتى تصير هامة فتطير. وقال بعض الأخباريين: إن العرب تسمي ذلك الطائر الذي يخرج من هامة الميت إذا بلي، الصدى٤.
وقد نهى الإسلام عن الاعتقاد بالصدى والهامة. ورد في الحديث: "لا عدوى، ولا هامة، ولا صفر"٥.
وذكر بعض العلماء أن المراد من "صفر" في الحديث النبوي المذكور دابة يقال إنها أعدى من الجرب عند العرب، فأبطل النبي أنها تعدي. وقال بعض آخر أراد به النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وهو تأخيرهم المحرم إلى صفر في تحريمه وجعل صفر هو الشهر الحرام، فأبطله الرسول٦.
стр. 3645
وقد لخص "المسعودي آراء أهل الجاهلية في النفس والروح، فقال: "كانت للعرب مذاهب في الجاهلية في النفوس، وآراء ينازعون في كيفياتها، فمنهم من زعم أن النفس هي الدم لا غير، وأن الروح الهواء الذي في باطن جسم المرء من نفسه، ولذلك سموا المرأة منه نفساء، لما يخرج منها من الدم، ومن أجل ذلك تنازع فقهاء الأمصار فيما له نفس سائلة إذا سقط في الماء: هل ينجسه أم لا؟ قال تأبط شرًّا لخاله الشنفرى الأكبر وقد سألة عن قتيل قتله، كيف كانت قصته؟ فقال: ألجمته عضبًا، فسالت نفسه سكبًا. وقالوا إن الميت لا ينبعث منه الدم، ولا يوجد فيه، بدأ في حال الحياة، وطبيعته طبيعة الحياة والنماء مع الحرارة والرطوبة؛ لأن كل حي فيه حرارة ورطوبة، فإذا مات بقي اليبس والبرد، ونفيت الحرارة"١.
ثم تطرق "المسعودي" إلى رأي من قال إن النفس طائر ينبسط في جسم الإنسان، فإذا مات أو قتل لم يزل مطيفًا به متصورًا إليه في صورة طائر يصرخ على قبره مستوحشًا، يسمونه الهام، والواحدة هامة٢.
ونظرًا إلى قلة ما لدينا من موارد عن الروح والنفس وعلاقتهما بالجسد، عند الجاهليين، فإننا لسنا في وضع نستطيع فيه أن نتحدث عن رأي عموم الجاهليين في تركيب الإنسان. هل هو من "جسد" و"روح"، أو "جسد" و"نفس" أي ثنائي التركيب، أو أنه من "جسد" و"روح" و"نفس"، أي ثلاثي التركيب. فقد رأينا أنهم يجعلون الروح والجسد شيئًا واحدًا أحيانًا، ويفرقون بينهما أحيانًا، ويفرقون بينهما أحيانًا أخرى. ولكننا نستطيع أن نقول إن غالبيتهم كانت ترى أن الإنسان من جسد، هو الجسم، أي مادة، ومن شيء لطيف ليس بمادة هو الروح أو النفس، وهما مصدرا القوى المدركة في الإنسان ومصدرا الحياة. وأن بانفصالهما عن الجسد، أو بانفصال الجسد عنهما يقع الموت.
ويظهر من مخاطبات الوثنيين للأصنام، كأنهم كانوا يتصورون أن لها روحًا وأنها تسمع وتجيب. ومن الجائز حلول الروح في الجماد. وقد ورد عن "ابن الكلبي" عن "مالك بن حارثة" أن والد مالك هذا كان يعطيه اللبن، ويكلفه
стр. 3646
بأن يذهب به إلى الصنم ود ليسقيه، فكان مالك يشربه سرًّا ويبخل به على صنمه١. وإذا صح خبر ابن الكلبي هذا، فإنه يدل على "حارثة"، وربما غيره أيضًا من عبدة الأصنام، كان يرى أن الصنم يعقل ويدرك، يسمع ويرى، وأنه وإن كان من حجر، إلا أنه ذو روح. كما ورد أن من المشركين من كان يرى أن الشمس ملك من الملائكة ذات نفس وعقل٢.
ويتبين من تشديد النبي في تسوية القبور مع الأرض، ومن لعن المتخذين على القبور المساجد والسُرُج، ومن النهي عن الصلاة إلى القبور، ومن حديث: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"٣، إن المشركين كانوا يقدسون قبور اسلافهم، ويتقربون إليها، لزعمهم أنهم أحياء، لهم أرواح، تعي وتسمع وتدرك، وتفرح تغضب وتجيب، وتنفع وتضر، ولهذا حاربها الرسول، وأمر بتسوية القبور، إبعادًّا عن أمر الجاهلية في ذلك، وخشية العودة إلى ما كانت عليه: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٤، تعبير عن معنى هذه المشاركة وعن رأيهم في عبادة الأصنام.
стр. 3647
الرجعة:
واعتقد قوم من العرب في الجاهلية بالرجعة: أي الرجوع إلى الدنيا بعد الموت فيقولون أن الميت يرجع إلى الدنيا كرة أخرى ويكون فيها حيًّا كما كان١.
ولعل هذه العقيدة هي التي حملت بعض الجاهليين على دفن الطعام وما يحتاج الإنسان في حياته إليه مع الميت في قبره، ظنًّا منهم، أنه سيرجع ثانية إلى هذه الدنيا، فيستفيد منها، فلا يكون معدمًا فقيرًا. ويفهم من كتب الحديث أن من الناس.
стр. 3648
من سأل الرسول عن الرجوع إلى هذه الدنيا١، مما يشير على معرفة القوم عند ظهور الإسلام بهذا الرأي.
و"لما توفي رسول الله ﷺ ، قام عمر بن الخطاب، فقال: إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفي، وأن رسول الله والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع بعد أن قيل قد مات، والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله مات". ثم جاء "أبو بكر" "وعمر يكلم الناس، فقال: على رسلك يا عمر فأنصت، فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه، وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ٢ ... إلى آخر الآية". "وقال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعقرت حتى وقعت على الأرض، ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله قد مات".
وقد اعتقد بعض الجاهليين بـ"المسخ", وهو تحول صورة إلى صورة أخرى أقبح، وتحول إنسان إلى صورة أخرى أقبح، أو إلى حيوان. كأن يصير إنسان قردًا أو حيوانًا آخر٣، أو إلى شيء جماد. من ذلك ما يراه بعض أهل الأخبار عن "اللات" من أنه كان رجلًا يلت السويق عند صخرة بالطائف، فلما مات قال لهم "عمرو بن لحي" إنه لم يمت، ولكنه دخل الصخرة، ثم أمرهم بعبادتها وبنى بيتًا عليها يسمى اللات٤. وما رووه أيضًا عن إساف" و"نائلة" من أنهما كان رجلًا وامرأة، عملا عملًا قبيحًا في الكعبة فمسخا حجرين٥. وما رووه من أن "سهيلًا" كان عشارًا على طريق اليمن ظلومًا.
стр. 3649
فمسخه الله كوكبًا١
وورد أن بعض الملائكة عصى الله فأهبط إلى الأرض في صورة رجل تزوج أم جرهم فولدت له جرهمًا وأن ما تولد بين الملك والآدمي يقال له: "العلبان"٢ وأن "النسناس" جنس من الخلق يثب أحدهم على رجل واحدة، أصلهم حي من عاد عصوا رسولهم فمسخوا نسناسًا، لكل إنسان منهم يد ورجل من شق واحد، ينقزون كما ينقز الطائر ويرعون كما ترعى البهائم٣.
وقد ذكر "الجاحظ" أمثلة من أمثلة المسخ التي وقعت للحيوان على اعتقاد الناس، من ذلك: اعتقادهم أن السمك "الجري" والضباب كانتا أمتين من الأمم مسختا واعتقادهم أن "الإربيانة" كانت خياطة تسرق السلوك، وأنها مسخت وترك عليها بعض خيوطها لتكون علامة لها ودليلًا على جنس سرقتها، ومن أن "الفأرة" كانت طحانة" والحية كانت في صورة جمل، وأن الله عاقبها حتى لاطها بالأرض، وقسم عقابها على عشرة أقسام، حين احتملت دخول إبليس في جوفها حتى وسوس إلى آدم من فيها. ومن أن الإبل خلقت من أعناق الشياطين، وأن الكلاب أمة من الجن مسخت، وأن الوزغة والحكأة من ممسوخ الحيوان٤.
ومن أمثلة المسخ: جرهم، فقد زعم أن جرهمًا كان من نتاج ما بين الملائكة وبنات آدم. وكان بعض الملائكة قد عصى الله، فأهبط إلى الأرض في صورة رجل، تزوج أم جرهم فولدت له جرهمًا٥. وزعموا أن سهيلًا كان عشارًا باليمن، فلما ظلم مسخه الله نجمًا٦. و"الزهرة" وقد زعموا أنها كانت بغيًّا عرجت إلى السماء فمسخها الله شهابًا٧. و"البسوس"، وقد زعموا أنها كانت امرأة مشئومة اسمها: البسوس، أعطي زوجها ثلاث دعوات مستجابات، وكان له منها ولد، فكانت محبة له. فقالت اجعل لي منها دعوة واحدة. قال: فلكِ واحدة. فماذا تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة
стр. 3650
في بني إسرائيل: ففعل فرغبت عنه، لما علمت أن ليس فيهم مثلها، فأرادت سيئًا. فدعا الله تعالى عليها أن يجعلها كلبة نباحة، فذهبت فيها دعوتان. فجاء بنوها، فقالوا: ليس لنا على هذا قرار، قد صارت أمنا كلبة يعيرنا بها الناس. فادع الله تعالى: أن يردها إلى حالها التي كانت عليها، ففعل. فعادت كما كانت: فذهبت الدعوات الثلاث بشؤمها، وبها يضرب المثل١.
ونجد عقيدة "المسخ" عند غير العرب أيضًا. ففي التوراة أن الله مسخ امرأة لوط، فصارت عمود ملح٢. ونجدها عند الهنود وعند غيرهم من الأمم القديمة. وقد تسرب من اليهودية إلى العرب المسلمين كثير من القصص الوارد في المسخ.
وقد أنكر بعض المتكلمين "المسخ" وأنكره قوم آخرون، لكنهم جوزوا "القلب" وهو أن يُقلب ابن آدم قردًا من غير أن ينقص من جمسه طولًا أو عرضًا٣.
стр. 3651
الزندقة:
وقد أشار بعض الأخباريين إلى اعتقاد بعض قريش بالنور والظلمة زاعمين أنهم أخذوه من الحيرة. ويسمي الأخباريون أصحاب هذا الرأي "الثنوية"، وأطلقوا علي تلك الفئة المذكورة من قريش: "الزنادقة"١. ولم يذكروا شيئًا عن زندقة تلك الجماعة من قريش ولا عن رجالها. وأشار بعض أهل الأخبار إلى وجود الزندقة والتعطيل في قريش: "وكانت الزندقة والتعطيل في قريش"٢.
وقد وصفوا الزنديق بأنه القائل بدوام بقاء الدهر٣، ولا يؤمن بالآخرة وبوحدانية الخالق. فهو دهري ملحد لا يؤمن بوجود إله واحد، وهو من الثنوية" على
стр. 3652
رأي بعض العلماء١. وإلى هذا المعنى في تفسير زندقة قريش، ذهب أكثر أهل الأخبار. وقد عد "أبو العلاء" المعري "شداد بن الأسود الليثي" المعروف أيضًا بـ"ابن شعوب" وهي أمه، شاعر زنادقة قريش. وذلك لشعره الذي فيه:
ألا من مبلغ الرحمن عنى ... بأني تارك شهر الصيام
إذا ما الرأس زايل منكبيه ... فقد شبع الأنيس من الطعام
أيوعدنا ابن كبشة أن سنحيا؟ ... وكيف حياة أصداء وهام
أتترك أن ترد الموت عني ... وتحييني إذا بليت عظامي٢
والزندقة كلمة معربة، ذكر علماء اللغة أنها أخذت من الفارسية، أريد بها في الأصل الخارجون والمنشقون على تعاليم دينهم، فهي في معنى "هرطقة". وقد صار لها في العهدين: الأموي والعباسي مدلول خاص، حيث قصد بها "الموالي الحمر"، الذين تجمعوا في الكوفة، وكانوا يظهرون الإسلام ويبطنون تعاليم المجوسية والإلحاد٣.
وفي كلام أهل الأخبار عن الزندقة ووصفهم لزندقة قريش إبهام وغموض وخلط. وإذا كان الزنديق هو القائل ببقاء الدهر، وبعدم وجود عالم ثانٍ بعد المون، فتكون الزندقة "الدهرية" ويكون الزنديق هو الدهري لقوله بالدهر وبأبدية الكون والمادة٤. أما القول بالثنوية: بالنور والظلمة، وبالكفر والإلحاد فشيء آخر، يختلف عن القول بالدهر. والظاهر أن الجمع بين القول بالدهر وبالقول بالنور والظلمة وبالكفر والإلحاد، إنما وقع في الإسلام، بسبب الخلط الذي وقع بين المعنى المفهوم للفظة في الفارسية القديمة وفي الفارسية الحديثة، وبالمعنى الذي ظهر للكلمة في الإسلام. والذي تحول إلى زندقة بغيضة تحوي العناصر المذكورة، والتي كانت تؤدي بمن يتهم بها إلى القتل.
стр. 3653
وقد أشير في القرآن الكريم إلى وجود القائلين بالدهر: "وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا، نموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر"١. وهو على حد قول المفسرين والأخباريين، من لا يؤمن بالآخرة وبوحدانية الله. وهو مذهب ودين كان عليه كثير من أهل الجاهلية، يسخر من البعث بعد الموت، ويرى استحالة ذلك. ولم يذكر المفسرون أن من عقيدة هؤلاء القول بالثنوية، أي بالنور والظلمة، وبوجود إلهين: إله الخير وإله الشر.
وقد ذكر "محمد بن حبيب" أسماء "زنادقة قريش"، فجعلهم "أبو سفيان بن حرب"، و"عقبة بن أبي معيط"، و"أبي بن خلف الجمحي"، و"النضر بن الحارث بن كلدة"، و"منبه" و"نبيه" ابنا "الحجاج" الهميان، و"العاص بن وائل" السهمي، و"الوليد بن المغيرة" المخزومي. وذكر أنهم "تعلموا الزندقة من نصارى الحيرة"٢. فربط هنا بين الزندقة وبين "نصارى الحيرة". وقد هذب "ابن قتيبة" أيضًا، إلى أخذ قريش الزندقة من الحيرة٣.
والذي نعرفه عن المذكورين أنهم كانوا من المتمسكين الأشداء بعبادة الأصنام: وقد كان "أبو سفيان" يستصرخ "هبل" على المسلمين يوم أحد. ويناديه: "اعل هبل، اعل هبل"، وقد نص على أنه كان من أشد المتحمسين لعبادة الأصنام٤. ولم يذكر أحد من أهل الأخبار، أنهم كانوا ثنويين على رأي المجوس، يقولون بإلهين، بالنور والظلمة، وأنهم تعبدوا للنار، أو تأثروا برأي مزدك أو ماني الذي أضيف إليه الزندقة، ولا نجد في آرائهم المنسوبة إليهم وفي حججهم في معارضه الرسول ما يشير إلى "زندقة" بمعنى "ثنوية"، لذلك فزندقة من ذكرت لا يمكن أن تكون بهذا المعنى ولا على هذه العقيدة٥.
وللوقوف على زندقة من ذكرت من رجال قريش، ولتحديد معنى زندقتهم، يجب الرجوع إلى ما نسب إليهم من آراء وإلى ما عارضوا به الرسول وحاربوه.
стр. 3654
من أجله. ويمكن حصر ذلك في أمرين: التقرب إلى الأصنام والتعبد لها، والدفاع عنها بقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١، ولا علاقة لهذه العقيدة بالزندقة. والأمر الثاني، هو القول بالدهر وبالتعطيل، أي بنكران البعث والحشر والنشر. ويتجلى ذلك في قولهم لرسول الله: إن كنت صادقًا فيما تقول: فابعث لنا جدك: "قصي بن كلاب"، حتى نسأله عما كان ويحدث بعد الموت، وأمثال ذلك مما له علاقة بنفي وقوع البعث. وهو الذي له صلة بالزندقة. فالزندقة بهذا المعنى قول الدهر وبدوامه ونكران للبعث، لا الثنوية بمعنى القول: بالنور والظلمة.
وأما ما يرويه أهل الأخبار من أخذ زنادقة قريش زندقتهم من الحيرة٢، أو من نصارى الحيرة٣، فإن فيه تأييدًا لما قلته من أن الزندقة لا تعني المجوسية والثنوية، وإنما القول بالدهر، وإنكار المعاد الجسماني٤. وهو قول قريب من قول من أنكر بعث الأجسام، وآمن ببعث الروح فقط من النصارى ومن غيرهم من أهل الأديان.
والزندقة بهذا المعنى قريبة من رأي القائلين بالدهر، وهم "الدهرية" الذين أشير إليهم في القرآن الكريم، في الآية: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ٥. وهم من يقول ببقاء الدهر، وبنكران البعث والآخرة، والخالق والرسل والخلق على بعض الآراء، وينسبون كل شيء إلى فعل الدهر، أي الأبدية مع التأثير في حياة الإنسان وفي العالم. ولهذا أضافوا إليه بعض الألفاظ والنعوت التي تشير إلى وجود هذا التأثير في الحياة فقالوا: يد الدهر، وريب الدهر، وعدواء الدهر، و"الدهر لا يبقى على حدثانه"، و"الدهر يحصد رببه ما يزرع"، وأمثال ذلك من تعابير، فنسبوا إليه الفعل في الكون وفي كل ما فيه٦.
стр. 3655
ونسبوا الإماتة إلى الدهر، فقالوا: "وما يهلكنا إلا الدهر" أي وما يميتنا إلا الأيام والليالي، أي مرور الزمان وطول العمر، إنكارًا منهم للصانع. قال أحدهم:
فاستاثر الدهر الغداة بهم ... والدهر يرميني وما أرمي
يا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا ووقرت في العظم١
فكانوا في الجاهلية يضيفون النوازل إلى الدهر، والنوازل تنزل بهم من موت أو هرم، فيقولون أصابتهم قوارع الدهر وحوادثه، وأبادهم الدهر، فيجعلون الدهر الذي يفعله، فيذمونه ويسبونه. وقد ذكروا ذلك في أشعارهم٢.
ومن الجمل التي تنسب الفعل إلى الدهر، قولهم: "أصابتهم قوارع الدهر وحوادثه، وأبادهم الدهر"، والدهر يجلب الحوادث، ففي هذه الجمل وأمثالها معنى أن ما ينزل بالإنسان من قوارع، وما يحل به من إبادة هو بفعل الدهر، فهو إذن المهيمن على العالم والمسخر له٣.
وقد كان هذا الاعتقاد راسخًا في نفوس كثير من الجاهليين، وفي نفوس كثير ممن أدرك الإسلام فأسلم، فكانوا إذا أصيبوا بمكروه وبحادث مزعج نسبوا حدوثه إلى الدهر. فسبوه كما يتضح من حديث: "لا تسبوا الدهر، فإن
стр. 3656
الله الدهر"، أو "فإن الدهر هو الله" ومن حديث: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وإنما أنا الدهر: أقلب الليل والنهار"١. وأحاديث أخرى من هذا القبيل. وقد ذكر "الجاحظ"، أن من الصحابة والتابعين والفقهاء من نهى الناس من قول: طلع سهيل وبرد سهيل، وقوس قزح، كأنهم كرهوا ما كانوا عليه من عادات الجاهلية، ومن العود في شيء من أمر تلك الجاهلية، فاحتالوا في أمورهم، ومنعوهم من الكلام الذي فيه أدنى متعلق٢.
وفي هذين الحديثين توفيق فكرة الجاهليين في الدهر، وللعقيدة الإسلامية في التوحيد بأن صير الدهر الله، وصيره بعض العلماء من أسماء الله الحسنى. والذي حملهم على ذلك، على ما أرى، صعوبة إزالة تلك الفكرة التي رسخت في النفوس منذ القدم عن فعل الدهر، وعن أثره في الكون، فرأى القائلون بذلك إزالتها بجعل الدهر اسمًا من أسماء الله، أو هو الله تعالى: وهو واحد أحد، والدهر واحد أبدي أزلي كذلك، فلا تصادم في هذا التوفيق بين الرأيين.
وقد وقع هذا التوفيق على ما أعتقد بعد وفاة الرسول في أمور عديدة نسبت إلى الرسول، وقد ثبت عدم إمكان صدورها منه. وللحكم على صحة نسبة الحديثين إلى الرسول أحيل القارئ على الطرق التي وردا بها، وإلى آراء العلماء فيهما، وأعتقد أنه إن فعل ذلك فسيجد في نسبتها إلى الرسول بعض الشك، إن لم أقل كل الشك.
وتعبر لفظة "الزمان" عن معنى "الدهر" كذلك. وقد ذهب علماء اللغة إلى أن الزمان، أقصر من الدهر؛ إذ يقع على الزمان القصير، أما الدهر، فالزمان الدائم، أي الزمان الذي لا ينتهي بنهاية. وأنا لا يهمني في هذا المكان تفريق العلماء بينهما في الطول والقصر، إنما المهم عندي هو أن الجاهليين استعملوا الزمان استعمالهم للدهر، ونسبوا إليه ما نسبوه للدهر من فعل في الإنسان وفي الحياة والعالم. هذا "زهير بن أبي سلمى" يتشكى منه في قصيدته التي يمدح بها "هرم بن سنان"، فيقول في مطلعها:
стр. 3657
لمن الديار بقنة الحجر ... أقوين من حجج ومن دهر
لعب الزمان بها وغيرها ... بعدي سوافي المور والقطر١
وتجد اللفظة في أشعار غيره من الشعراء الجاهليين والإسلاميين تعبر عن "غدر الزمان" وعن "كذبه"٢ وتلونه وتلاعبه بمقدرات الإنسان٣. وفي كل هذه المواضع التي استعملت فيها تعبير عن تلك العقيدة التي لا تزال راسخة في نفوس كثير من الناس، وهي أن الحياة قسمة ونصيب وحظ وبخت، وأنه ليس لمخلوق على ما يقدره له القدر من سلطان. وأن الزمان يلعب بالإنسان وبالكون كيف يشاء، مع أن الإنسان لو فكر في نفسه وتأمل في عقله، لوجد أنه هو الذي خلق الزمان أي الدهر فأوجده على صورته هذه، بأن حدده وعينه بسنين وبقرون، وليس الزمان إلا دوام وبقاء لهذا الكون، وليس له أي فعل حقيقي في هذا الكون، والإنسان هو الذي أوجد السنين ليقيس بها طول الزمان، لحاجته إلى معرفته، وأن حسابه بالسنين مهما سيطول، فإنه لن يبلغ ولن يكون في مقدوره بلوغ نهاية الكون.
والمعنى الذي نفهمه من "الدهر" في الشعر الجاهلي، هو الأبدية مع التاثير في حياة الإنسان وفي العالم. ولهذا أضافوا إليه بعض الألفاظ التي تشير إلى وجود هذا التأثير في الحياة، فقالوا: يد الدهر، وريب الدهر، وعدواء الدهر، وأمثال ذلك من تعابير. فنسبوا إليه الفعل في الكون وفي كل ما هو فيه٤.
стр. 3658
ومن نسب إليه القول بالدهر، الحارث بن قيس، المعروف بابن الغيطلة١.
وتؤدي لفظة "الأيام" هذا المعنى كذلك، بل استعملت أجزاء اليوم مثل "الليالي" للتعبير عن تلك الفكرة أيضًا. فالليالي هي كالأيام، لا يمكن أن يطمأن إليها، ولا أن يوثق بها، إنها تتلون وتتبدل ولا تخلص لأحد. وحيث إن الليالي هي أوقات الراحة والاستقرار والهدوء، وأوقات الأنس والطرب والانفراد بالأحبة، وهي أوقات الغدر والاغتيال والغارات والغزو في الوقت نفسه، فيكون ذكرها في الشعر وتفضيلها على النهار وتقديمها عليه، ونسبة الخير أو الشر إليها أكثر من نسبتها إلى النهار شيئًا طبيعيًّا. لذلك يجب ألا يستغرب ما نقرؤه في الشعر وما نسمعه من أفواه الناس من نسبة تبدل الحال والتلون إلى الليالي أكثر من النهار٢.
وقد استعملت لفظة "عَوْض" في معنى الدهر والزمان. وردت في شعر شاعر من شعراء بكر بن وائل، فعبر بهذه اللفظة عن زمانه. واستخدام بكري لهذه الكلمة. يشير إلى الصنم "عوض" الذي كانت بكر قبيلة هذا الشاعر تتعبد له٣. وقد أقسموا بها. فقالوا: "عوض لا يكون ذلك أبدًا"٤، ولا أستبعد وجود صلة بينها وبين الصنم "عوض".
وأما "الحمام" فإنه قضاء الموت وقدره، يقال: "حُمَّ طه" أي قضى وقدر٥. وقد وردت لفظة "حم" ومتعلقاتها في أشعار عديدة بهذا المعنى. أي القضاء والتقدير. فورد "ما حم واقع" وورد "أحم الله...." و"حمه الله"، و"حمت لميقاتي"، و"حمتي"، و"حمام الموت"، و"حمام
стр. 3659
النفس"، و"حمام المنون"، و"حمام"١. وهي من حيث هذا المعنى كالحتف والأجل والآجال والحتوف والمنون.
стр. 3660
القضاء والقدر:
ويسوقنا هذا الموضوع إلى البحث عن فكرة القضاء والقدر عند الجاهليين. فقد كان بين أهل الجاهلية من كان يقول بالجبر، وبأن الإنسان مسير لا مخير. وأن كل ما يقع له مكتوب عليه، ليس له دخل في حدوثه. ومن هؤلاء القائلون بالدهر والمنون والحمام وما شاكل ذلك من مصطلحات تشير إلى وجود هذا الرأي عندهم.
ولا يعني القول بالجبر، أن قائله من المتألهين القائلين بوجود خالق أوجد الكون، فقد كان من المجبرة من كان ملحدًا، لا يقول بخالق، وكان منهم من كان مشركًا. كما أن بينهم من كان يؤمن بوجود خالق أو جملة آلهة فليس لمذهب الجبر علاقة بالخالق، وإنما هو مذهب يري أن الإنسان مسير، وأنه يسير وفق ما كتب له، ومنهم من ينسبه إلى علة، هي الله أو الدهر، ومنهم من لا ينسبه إلى أحد وهو مذهب موجود في اليهودية وفي النصرانية وفي الإسلام.
ونجد هذه العقيدة في شعر الشاعر النصراني "عدي بن زيد العبادي"، وربما نجدها أيضًا عند سائر إخوانه النصارى ومن كان على هذا الدين من غيرهم من العرب. والواقع أن الاعتقاد بوجود إله خلق الكون منفردًا، أو آلهة خلقوا الكون مشتركين، يحمل الإنسان على أن يتصور نفسه أنه لا شيء تجاه خالقه أو آلهته وأنه من صنعهم، فما يقوم به، هو من صنع الله أو من صنع الآلهة.
стр. 3661
وهي عقيدة لا بد أن يكون للأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إذ ذاك دخل في شيوعها بينهم. ونكاد نجد أكثر الشعوب الشرقية على هذا الرأي. وأما ما ظهر من نظرية حرية الإرادة وقدرة الإنسان على خلق أفعاله واختياره، فإنه من تأثير الفلسفة الإغريقية التي دخلت النصرانية.
ونرى "حاتم الطائي" وهو من النصارى على رأي، مؤمنًا بالقضاء وبالقدر وبما يأمر به الله، إذ يقول:
أتيح له من أرضه وسمائه ... حمام، وما يأمر به الله يفعل
فأسند الأمر والنهي في هذا البيت إلى الله، وأما الإنسان فإنه مأمور مسير. ونجده يكل أمره إلى الله، ويدعو على تسليم أمرهم للإله الذي يرزقهم اليوم ويرزقهم غدًا:
كلوا اليوم من رزق الإله وأيسروا ... وإن على الرحمن رزقكم غدا
ونجد "المثقب العبدي" مؤمنًا بالله، وبالقدر. فما يقع للإنسان يكون بمشيئة الإله وقدره:
وأيقنت إن شاء الإله بأنه ... سيبلغني أجلادها وقصيدها١
و"القدر" و"المقدر" و"المقدور" و"الأقدار" و"القضاء"، من الألفاظ القديمة التي كانت تؤدي هذا المعنى الذي نبحث فيه قبل الإسلام واستعمال المتكلمين للقضاء والقدر وللقدرية، لا يعني أن تلك الكلمات من الألفاظ التي نبعت في الإسلام. بل إن ظهورها في هذا العهد واشتهارها فيه، هو لاستخدامها العلماء لها في مدولات معينة وفي مصطلحات وأفكار توسعت واستقرت في هذا العهد.
ونجد الإشارة إلى القدر في شعر الجاهليين والمخضرمين بالمعنى الذي نقصده هنا، أي شيء مفروض على كل إنسان. هذا لبيد الشاعر المخضرم يذكر أن ما يرزقه هو من فضل الله عليه، وما يحرمه فإنه مما يجري به.
стр. 3662
القدر١. ونجد فكرة القدر مركزة قوية صريحة في شعره، فهو يعتقد أن القدر خيره وشره من الله، وأن ما يصيب الإنسان مكتوب عليه، ولا راد لما هو مكتوب ولا دخل لامرئ في عمله، فليحمد اله على خيره، وليشكره على شره أيضًا، فهو العالم وحده بما هو صالح وضار٢. وشعره هذا لا بد أن يكون مما نظمه في الإسلام؛ إذ لا يعقل أن يكون من نظم عصر وثني، لما يتجلى عليه من الطابع الإسلامي في الفكر وفي الأسلوب والعرض.
كذلك نجد هذه العقيدة عقيدة القدر في شعر "زهير بن أبي سلمى" وفي شعر غيره من الشعراء. هذا زهير يقول: إن المنايا أمر لا مفر منه، وإن من جاءت منيته لا بد أن يموت، ولو حاول الارتقاء إلى السماوات فرارًا منه٣. ثم نجده يقول:
رَأَيتُ المَنايا خَبطَ عَشواءَ مَن تُصِب ... تُمِتهُ وَمَن تُخطِئ يُعَمَّر فَيَهرَمِ٤
فليس للإنسان دخل في عمله، وإنما كل شيء يقع له في حياته هو مكتوب عليه. مكتوب عليه أن يموت في أجله. وأن يعيش إلى أجله، وأن يكون غنيًّا وأن يكون فقيرًا، وليس للإنسان عمل على سلطان الحظ.
ومن القائلين بالقدر، "عبيد بن الأبرص"، الشاعر الجاهلي الشهير، المقتول في قصة معروفة مشهورة. نجد في الشعر المنسوب إليه اسم "الله" يتردد في كثير من المواضع، ونراه من المتشائمين المؤمنين بالمنايا وبالمحتم المكتوب، وتراه يتوكل على الله، ويدعو الناس إلى الاعتماد عليه، فيقول:
стр. 3663
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
بالله يدرك كل خير ... والقول في بعضه تلغيب
والله ليس له شريك ... علام ما أخفت القلوب١
ونراه يقول في المنايا:
فأبلغ بني وأعمالهم ... بأن المنايا هي الوارده
لها مدة فنفوس العباد ... إليها وإن كرهت قاصده
فلا تجزعوا الحمام دنا ... فللموت ما تلد الوالده٢
وفي كثير من مواضع شعره يذكر المنايا ويذكر الموت، ثم هو يتجلد ويتصبر في ملاقاة الشدائد والأهوال، وينصح الناس بالسير على هذا المنوال. والذي يقرأ شعره، يشعر أنه أمام رجل حضري رقيق عاطفي المزاج ذي نفس ميالة إلى التقشف والتصوف، مؤمن بالعدل، كاره للظلم، فهل كان عبيد على هذه الشاكلة؟ وهل هذا الشعر وخاصة ما جاء منه في البائية هو نظم من منظومه؟ أو هو من نظم من عاش بعده في الإسلام؟
ونجد "عمرو بن كلثوم" في جملة من آمن بالقضاء والقدر، وبأن الموت مقدر لنا، ونحن مقدرون له، وذلك في قوله:
وَإِنّا سَوفَ تُدرِكُنا المَنايا ... مُقَدَّرَةً لَنا وَمُقَدَّرينا٣
وهو من المؤمنين بالله، الحالفين به. وذلك كما جاء في بيت شعر نسبوه إليه:
مَعَاذَ اللَهِ يَدعوني لِحِنثٍ ... وَلَو أَقفَرتُ أَيّاماً قُتارُ٤
وكما ورد في أشعار أخرى تنسب إليه.
والشاعر "لبيد" من هذه الطبقة التي اعتقدت أن الله خالق كل شيء،
стр. 3664
يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فلا دخل للإنسان في عمله، تراه يقول:
من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل١
وتؤدي لفظة "منا" معنى القدر، ومنها "الماني" بمعنى القادر، و"المنية" بمعنى الموت؛ لأن الموت مقدر بوقت مخصوص٢. وهي من الكلمات السامية المشتركة الواردة في مختلف لهجات هذه المجموعة. ولهذه الكلمة صلة باسم الإله الكنعاني "منى"، وهو إله القدر. ولها أيضًا صلة بالصنم "منوات" "منوت" من أصنام ثمود، وبـ"مناة" من أصنام الجاهليين٣.
ومن أصل "منا" "المنايا" الواردة في أشعار الجاهليين٤. و"الماني الواردة في شعر منسوب إلى سويد بن عامر المصطلقي، هو:
لا تأمن الموت في حل ولا حرم ... إن المنايا توافي كل إنسان
واسلك طريقك فيها غير محتشم ... حتى تلاقي ما يمني لك الماني
في رواية. و:
لا تأمنن وإن أمسيت في حرم ... حتى تلاقي ما يمني لك الماني
فالخير والشر مقرونان في فرن ... بكل ذلك يأتيك الجديدان
стр. 3665
على رواية أخرى.
وفي هذا البيت الذي ينسبه بعض الرواة إلى أبي قلابة الهذلي:
وَلا تَقولَنْ لِشَيءٍ سَوفَ أَفعَلُهُ ... حَتّى تُلاقِي ما يمني لَكَ الماني١
وتؤدي كلمة "المنون" معنى الدهر والموت٢، وقد تسبق بكلمة "ريب" في بعض الأحيان، فيقال: "ريب المنون" كما يقال "ريب الدهر"٣.
ويرى "نولدكه" إن هذه الكلمات هي أسماء آلهة، وليست أسماء أعلام، هي أسماء تعبر عن معانٍ مجردة للألوهية، وهي مما استخدام في لغة الشعر للتعبير عن هذه العقائد الدينية. فالزمان مثلًا أو الدهر، لا يعنيان على رأيه هذا إلهًا معينًا، ولا صنمًا خاصًّا، إنما هي تعبير عن فعل الآلهة في الإنسان٤.
وبعض هذه الكلمات -في رأي "ولهوزن"- مثل قضاء ومنية، هي بقايا جمل اختصرت، ولم يبق منها غير بقايا هي هذه الكلمات. فكلمة قضاء هي بقية جملة أصلها "قضاء الله" سقطت منها الكلمة الأخيرة، وبقيت الأولى. وكذلك الحال في منية، فإنها بقية جملة هي: "منية الله، سقط عجزها، وبقي صدرها. وهي تعني أن المنية هي منية الله تصيب الإنسان٥.
يبدو أن من الغريب ذكر الدهر والزمان والحمام والمنايا وأمثالها في الشعر ونسبة الفعل إليها، بينما يهمل ذكر الأصنام فيه أو نسبة الفعل إلى الله. فهل يعني هذا أن الجاهليين لم يكونوا يعلمون أن لله سلطانًا وحولًا، وأن المنايا والحتوف وكل خير أو مكروه هو من فعل الله؟ الواقع أن هذا الذي نذكره يذهب إليه أهل
стр. 3666
الجاهلية ولم يقصدوه. وما ذكر الدهر في الشعر، إلا كتشكي الناس من الزمان أو من الحظ أو النصيب في هذه الأيام، وشكواهم من ذلك لا يعني تجديد سلطان الله، أو نكرانه، وإنما هو بقية من تصور إنساني قديم بنسبة كل فعل وعمل إلى قوة خفية هي القوة العاملة، وهي ما عبرت عنها بالدهر وبالزمان. وذلك لما يتصورونه من مرور الأيام والسنين وبلاء الإنسان فيه، وبقاء الأرض والكون، ومثل هذه النسبة والشكوى عامة عند جميع الشعوب البدائية والمتطورة المتقدمة، فنراها عند القبائل البدائية ونراها عند الغربيين
ولا يقتصر هذا الاستعمال على الشعر وحده، بل نجد ذلك في النثر وفي كلام الناس الاعتيادي. لذلك لا أرى صحيحًا ما ذهب إليه بعض المستشرقين من أن نسبة الفعل إلى الدهر هو من الاستعمالات الخاصة بالشعر١.
وهناك كلمات أخرى تشير معانيها إلى هذه الفكرة فكرة القدر، وأن الخير والشر وكل ما يصيب الإنسان هو مقدر مكتوب. وهي نظرة لا بد أن تكون قد انبعثت من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومن أثر المحيط في الإنسان. ومن شعور الإنسان بأن قوى خفية تلعب به وتوجهه حيث يشاء٢.
فنسب كل ذلك إلى غيره، وصير نفسه مسخرًا موجهًا كالريشة في مهب الريح.
وتؤدي عقيدة القدر بصاحبها إلى التشاؤم، وإلى القنوط والاستسلام. والتوجع والتألم، والتشكي من عبث الدهر بالإنسان، وهو ليس له دخل في رده وصده وقد تؤدي بمعتنقها إلى الخمول والكسل، وإلى العجز في هذه الحياة، وإلى رد كل ما يصيبه بسبب كسله وعدم استخدام قابلياته ومواهبه إلى غدر الدهر به وحنق الزمان عليه، وتلاعب الحدثان بأموره. ونجد أكثر شعراء أهل الجاهلية، هم على هذه الشاكلة، يبكون أيامهم، ويتذكرون الماضي، ويتوجعون لأنهم سائرون نحو مستقبل مؤلم موجع، لا حول فيه لإنسان ولا قوة. إنه عالم الشيخوخة أو عالم الموت أو عالم الفقر. وأمثال ذلك من العوالم المفزعة. يستوي في ذلك امرؤ القيس والشعراء المخضرمون. فأنت إذا تصفحت دواوينهم قلما تجد فيهم شاعرًا متفائلًا، أو شاعرًا غير مبال بالأيام، لا يهمه ما يأتي به الدهر، حتى
стр. 3667
ليخيل إلينا أن هذا طبع. والواقع أننا نجد الشعراء في الجاهلية والإسلام وأكثر الكتاب والخطباء على هذا المنوال، مما يحمل المرء على القول بوجود التشاؤم في طبع العرب.
وموضوع "القدر" من المواضيع التي حيرت المسلمين أيضًا. فانقسموا في ذلك إلى مذاهب. وقد مر الرسول بناس كانوا يتذاكرون في القدر، فقال: إنكم قد أخذتم في شعبين بعيدي الغور. أي يبعد أن تدركوا حقيقة علمه، كالماء الغائر الذي لا يقدر عليه١.
وقد ذكر علماء التفسير أن قريشًا خاصموا الرسول في القدر، وأن رجلًا جاء إلى الرسول فقال: يا رسول الله ففيم العمل؟ أفي شيء تستأنفه، أو في شيء قد فرغ منه؟ فقال رسول الله: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، سنيسره لليسرى، وسنيسره للعسرى٢. ويظهر من ذلك أن قريشًا أو جمعًا منهم، لم يكونوا يؤمنون بالقدر، بل كانوا يؤمنون بأن فعل الإنسان منه، وأن لا لأحد من سلطان في تصرفه وفعله.
стр. 3668
القدرية:
وذكر أن الشاعر "الأعشى" كان قدريًّا، يرى أن للإنسان دخلًا في فعله، وأن له سلطانًا على نفسه، حيث يقول:
اِستَأثَرَ اللَهُ بِالوَفاءِ وَبِالـ ... ـعَدلِ وَوَلّى المَلامَةَ الرَجُلا١
فالإنسان مسئول عن فعله، ملام على ما يرتكبه من قبيح. فالله عادل، لا يجازي الإنسان إلا على فعله، ولو كان قد قدر كل شيء له، وحتمه عليه كان ظالمًا. وقد أخذ الأعشى رأيه هذا "من قبل العباديين نصارى الحيرة، كان يأتيهم يشتري منهم الخمر فلقنوه ذلك".
فنحن أمام عقيدتين. عقيدة تقول: إن الله خالق كل شيء، وإن فعل الإنسان من تقدير الله وأمره، فهو يفعل بفعله وبحسب ما قدره له، ورأي يقول إن الإنسان خالق فعله، فهو حر مختار، ولهذا فهو وحده مسئول عن عمله، من خير أو شر. والرأي الأول أظهر عندهم وأقوى من الرأي الثاني.
стр. 3669
الحظ:
وحظ الإنسان، أي ما يصيبه في حياته، هو جزء من هذا الموضوع أيضًا. مشتبك به، متصل بأجزائه. والحظ في اللغة النصيب والجد. أو خاص بالنصيب من الخير والفضل١. والنصيب، هو ما قدر وما قسم لك، أي حظك والحظ٢ وهو "البخت". وقيل: "البخت من المعربات، وقيل من الألفاظ التي تكلمت العرب بها قديمًا٣. وذكر علماء اللغة أن الجد البخت والحظ في الدنيا. ويفهم من الأمثلة الواردة في شرح معنى اللفظة، أنها في معنى الحظوة والرزق٤. أي في معنى الشيء الحسن المفرح مما يصيب الإنسان.
قالوا: والحظ موجود في المرزوق والمحروم، وفي المحارف، وفي القبائل، فربما سعدت بالحظ، وربما حظيت بالجد. وهو كذلك في الشعر وفي النباهة، ورب عاقل فاهم أديب، لا يكون إلا دائم الصبر على الشدة، لسلطان الحظ على الإنسان٥.
ونظرية "القسمة والنصيب"، معروفة في الإسلام، وقد بحث فيها علماء الكلام. فهي من الموضوعات التي بحثت في الجاهلية والإسلام. ونجد أحد الشعراء يقول:
وليس الغنى والفقرُ من حيلةِ الفتى ... ولكن أحاظٍ قُسِّمت وجدود
وهو بيت ينسب لسويد بن حذاق العبدي، ويروى للمعلوط بن بدل القريعي، وصدره:
стр. 3670
متى ما يرى الناسُ الغنيّ وجارُه ... فقير يقولوا عاجز وجَليد
أي "إنما أتاه الغنى لجلادته، وحرم الفقير لعجزه وقلة معرفته، وليس كما ظنوا، بل ذلك من فعل القسام وهو الله ، لقوله ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ ١. وفي هذا المعنى قول الشهاب المقري:
سبحان من قسم الحظو ... ظ فلا عتاب ولا ملامه٢
وأهل الجاهلية يرجعون القسمة إلى الدهر والزمان والحظ. فأبطل الإسلام ذلك؛ إذ جعلها بأمر الله وقدره. فالله هو مقدر الأقدار، ومقسم القسم، وموزع الحظوظ والأرزاق.
стр. 3671
الطبع والطبيعة:
ومن الموضوعات التي لها صلة بالقضاء والقدر. موضوع الطبع، أي الخليقة والسجية التي جبل عليها الإنسان. فرأي كثير من الجاهليين، أن الإنسان مجبول على طبيعته التي ولد فيها، وكل إنسان على طبيعته، ولن يستطيع تبديل طبعه، ولا تغيير السجايا؛ لأنها مكتوبة على الإنسان مسنونة، ولا تبديل لما طبع المرء عليه١. وطبائع الإنسان لا يغيرها إلا الموت. جاء في شعر لبيد:
فَاِقنَع بِما قَسَمَ المَليكُ فَإِنَّما ... قَسَمَ الخَلائِقَ بَينَنا عَلّامُها٢
وهو شعر قد يكون مما قاله في الإسلام.
و"زهير بن أبي سلمى"، ممن يعتقدون بهذه العقيدة، ويأخذون بهذا الرأي. فهو القائل:
وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ ... وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ٣
стр. 3672
الفصل السادس والستون: الألهة والتقرب إليها
مدخل
...
الفصل السادس والستون: الآلهة والتقرب إليها
لا نملك -ويا للأسف- نصوصًا جاهلية فيها وصف لطبائع الآلهة، ولا أساطير فيها شيء على رأي أهل الجاهلية في أخلاق أربابهم. ولهذا صار مرجعنا وسندنا في تكوين صورة عن طبائع الآلهة وأخلاقها، دراسة وتفسير أسماء الآلهة ونعوتها التي نعتت بها لاستخراج شيء منها يعيننا على تكوين هذه الصورة.
وتفسير أسماء الآلهة ومعرفة أصولها وجذورها، عملية ليست سهلة يسيرة؛ بسبب جهلنا بمعاني بعض تلك الأسماء، وعدم وقوفنا على أصولها التي اشتقت منها؛ لأنه اللهجات التي دونت بها، لا تزال بعيدة عن مداركنا، ولأن قواعد نحوها وصرفها تختلف بعض الاختلاف عن قواعد وصرف عربيتنا، ونحن لا نملك اليوم المؤهلات الكافية، للحكم في تلك اللهجات حكمنا في عربيتنا.
واسم الإله هو صفة في الغالب، ألبسها الزمن بمضي الوقت لباس العلمية، فعدت اسمًا علمًا، فإذا استطعنا الرجوع إلى أصول وجذور هذه الأسماء الصفات، نكون قد استنبطنا شيئًا عن طبائع تلك الآلهة من صفاتها المذكورة ونجحنا بعض النجاح من تكوين رأي عن تلك الديانات الجاهلية.
هنالك أسماء مثل "أل" "إيل" يجد الباحثون صعوبة في الاتفاق على تعيين أصولها وضبط معانيها وهناك أسماء واضحة جلية ظاهرة، تدل على أشياء معروفة محسوسة، مثل "شمس" و"ورخ" بمعنى قمر، و"عثتر"، و"الشعرى العبور" و"نجم"، و"ثريا" وأمثال ذلك من أسماء تشير إلى
стр. 3673
أشياء مادية، هي كواكب ونجوم، يستدل منها على وجود عبادة الأجرام السماوية عند الجاهليين. وهناك أسماء، هي نعوت في الواقع، لا تدل على ظواهر حسية وإنما تعبر عن أمور معنوية، مثل "ود" بمعنى "حب" و"رضى" و"سعد"، و"حكم"، و"نهي" و"صدق"، و"رحمن"، و"رحم" "ها - رحم" "الرحيم"، و"سمع"، "سميع"، و"محرمم" "محرم"، وأمثال ذلك من ألفاظ، هي نعوت، جرت بين الناس مجرى الأسماء. وعلى هذه الصفات الأسماء سيكون جل اعتمادنا في استنباط الصورة التي نريد تكوينها عن طبيعة آلهة العرب الجنوبيين.
وعلينا أن نضيف على ما تقدم الأعلام المركبة المضافة للأشخاص، مثل "عبد ود"، و"عبد مناف"، و"عبد شمس"، و"عبد يغوث"، و"أمت العزى" "أمة العزى"، فالكلمات الثانية من الاسم، أسماء أصنام. وفي تركيب الاسم على هذا النحو، دلالة على تذلل الإنسان تجاه ربه، واعتبار نفسه عبدًا له، وفيه تعبير عن صلة الأشخاص بربهم، أضف إليها الأعلام المركبة تركيبًا إخباريًّا، مثل "ودم أبم"، أي "ود أب" أو "أب ود"، ففي هذا التركيب دلالة على حنو الإله على المؤمنين به، وإشفاقه عليهم، إشفاق الأب على أولاده.
ودراسة الأمور المذكورة، هي مصدر مهم، بل هي تكاد في هذا اليوم أن تكون المصدر الوحيد لفهم ذات الآلهة وإدراك شخصيتها، ولفهم تطور الدين على مر العصور والأجيال، وكيف تطور الدين عند الجاهليين إلى يوم ظهور الإسلام.
هذا؛ ونجد في النصوص العربية الجنوبية المتأخرة، أسماء آلهة لا نجد لها موضعًا في النصوص العربية الجنوبية المتقدمة، واختفاء لأسماء الآلهة القديمة التي كانت لامعة ساطعة في سماء الألوهية عند العرب الجنوبيين قبل الميلاد. ونجد أسماء آلهة قبائل تعبد عند قبائل أخرى مع معبوداتها القديمة، وأسماء آلهة كانت لامعة شهيرة، تحولت إلى آلهة صغيرة. وفي كل هذه الملاحظات دلالة على حدوث تطور في الحياة الدينية عند الجاهليين، وعلى تأثر العقائد بمؤثرات داخلية وخارجية، فأحدثت هذا التطور الذي نبحث عنه.
стр. 3674
ومن بين أسماء الآلهة، أسماء مركبة، استهلت بـ"ذ"، أو بـ"ذت". و"ذ"، بمعنى "ذو" في عربيتنا، و"ذت" بمعنى "ذات" و"ذ" للمذكر" و"ذت" للمؤنث، أما الكلمات التالية، فهي صفات. فجملة "عثتر ذ قبضم"، تدل على إله ذكر، اسمه "عثتر ذو القبض" "عثتر ذو قبض" أو "عثتر القابض" بتعبير أصح. وجملة "ذ شقرن"، و"ذ صهرم"١، و"ذ عذبتم"، و"ذ يسرم"٢، و"ذامر وشمر"، أي الآمر الناهي٣، و"ذ أنبى"، هي جمل تشير إلى إله ذكر، لوجود "ذ" علامة التذكير فيه. وجملة "ذت حمم"، و"ذت بعدن"، و"ذت برن"، و"ذت غضرن"، و"ذت رحبن"، و"ذت صهرن"، و"ذت صنتم"، و"ذت ظهرن"، تشير إلى آلهة إناث، لوجود "ذت" "ذات" في الاسم. ومعنى هذا أن العرب الجنوبيين كانوا قد جعلوا الآلهة كالإنسان إناثًا وذكورًا. وهو ما ورد في القرآن الكريم عن أهل مكة وبعض قبائل الحجاز، من قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ٤، ومن قوله:
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ ٥، وقوله تعالى ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ ٦، و ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ ٧، و ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ ٨. وقد ذكر علماء التفسير أنه "لا ينبغي أن يكون لله ولد ذكر ولا أنثى. سبحانه نزه ﷻ بذلك نفسه عما أضافوا إليه ونسبوه من البنات، فلم يرضوا بجهلهم إذ أضافوا إليه ما لا ينبغي إضافته إليه، ولا ينبغي أن يكون له من الولد أن يضيفوا إليه ما يشتهونه لأنفسهم ويحبونه لها ولكنهم أضافوا إليه ما يكرهونه لأنفسهم ولا يرضونه لها من البنات ما يقتلونها إذا كانت لهم"٩. وذكروا "أن مشركي قريش كانوا يقولون: الملائكة بنات الله،
стр. 3675
وكانوا يعبدونها"١. وقد وبخهم القرآن الكريم على قولهم هذا، واستخف بأحلامهم وبما قالوه جهلًا وحماقة.
وذكر علماء التفسير أن كفار قريش قالوا: "الملائكة بنات الله. فسأل أبو بكر من أمهاتهن؟ فقالوا سروات الجن. يحسبون أنهم خلقوا مما خلق منه إبليس"٢. وأنهم قالوا: "إن الله وإبليس أخوان"، وأن بين الله وبين الجنة نسبًا٣. ولم يذكر علماء التفسير من قال هذا القول من كفار قريش. ولا كيف صارت الملائكة بناتًا لله، أو كيف اصطفى الله له البنات ولِمَ فضلهن على البنين؛ إذ لم يذكروا أن أهل الجاهلية نسبوا له ولدًا ذكرًا، ولم يذكروا هل اختار الله البنات اختيارًا من خلقه، أو من زواج؟ وقد رأيت أن رواية نسبت على قريش قولهم إن أمهات الملائكة سروات الجن، وذلك حين سألهم أبو بكر من أمهاتن٤.
ولا نجد في نصوص المسند إشارة إلى زواج الآلهة، وإلى وجود بنات لها وما قلناه من وجود آلهة ذكور، وآلهة أناث هو استنباط من وجود علامة التذكير "ذ" وعلامة التأنيث "ذت" في أسماء الآلهة. أما موضوع زواج القمر بالشمس، وظهور ولد ذكر منه هو عثتر" فهو من استنباط علماء العربيات الجنوبية ومن آرائهم التي استخلصوها من دراستهم للنصوص. فليس في المسند أي شيء عنه. وليس في المسند، أي شيء عن دين العرب الجنوبيين، وعن أساطيرهم في الآلهة وفي الخلق، ولا عن صلواتهم وأدعيتهم وكل ما يتعلق بالدين من أمور.
وكل اسم ورد في المسند استهل بلفظة "ذت"، "ذات" فيراد به الشمس، وهي إلهة، وكل لفظة بدأت بـ"ذ"، "ذي" فإنها تعني إلهًا، هو القمر أو عثتر. فنحن أمام ثالوث سماوي، يمثل عقيدة الجاهليين في الألوهية، كما يمثل عقيدة الساميين عمومًا. والثالوث السماوي هو نواة الألوهية عند جميع الساميين، ومنه أنبثقت عقيدة التوحيد فيما بعد.
стр. 3676
وعثتر، هو "النجم الثاقب" المذكور في القرآن الكريم١. وقد ذهب المفسرون إلى أن العرب كانت تسمي الثريا النجم. وذكر بعض منهم أن النجم الثاقب هو زحل. والثاقب الذي قد ارتفع على النجوم٢. وذكر بعض آخر أن النجم الثاقب هو الجدي٣. وأقسم في موضع آخر من القرآن الكريم بـ"النجم"٤. وقد ذهب المفسرون إلى أن النجم الثريا٥، ونحن لا يهمنا هنا اختلاف علماء التفسير في تثبيت المراد من النجم، إنما يهمنا أن المراد به نجم من النجوم. فنكون أمام ثالوث معبود: هو الشمس والقمر والنجم الثاقب، الذي هو "عثتر" في نصوص العرب الجنوبيين.
وقد ذكر أن العرب تعبدت للشمس وللقمر، وأن طائفة منها، تعبدت لكواكب أخرى مثل الشعرى، حيث تعبدت لها خزاعة وقيس، ومثل "سهيل" حيث تعبدت لها طيء" و"عطارد" وقد تعبد له "بنو أسد" و"الأسد"، وقد تعبد له بعض قريش. و"الدبران" وقد تعبدت له "طسم" و"الزهرة"، وقد تعبد لها أكثر العرب. و"زحل"، وقد تعبد له بعض أهل مكة. حتى إن من الباحثين من زعم أن "الكعبة" كانت معبدًا لزحل في بادئ الأمر. وتعبد للمشترى قوم من لحم وجذام٦.
ونجد في الكتابات العربية الجنوبية جملة: "ودم أبم"، أي "ود أب" و"أبم ودم"، أي "أب ود". كما نجد جملة: "ولد ود" و"أولد ود" "أولد هو ود"، أي "أولاد ود" بمعنى "شعب معين" وتعبر الجمل الأولى عن معنى أن الإله "ود"، هو إله شفيق رحيم عطوف على الإنسان، هو بالنسبة له بمنزلة الأب من الابن فهو "أب" للإنسان لا بالمعنى الحقيقي بالطبع، أي بمعنى أن الإنسان انحدر من صلبه، بل بالمعنى المجازي الذي أشرت إليه. وبهذا المعنى نفسر جملة: "أولاد ود" تعبيرًا عن معنى "شعب
стр. 3677
معين"، فالإله "ود" هو أب هذا الشعب يحميه ويدافع عنه ويعطف عليه. وبهذا المعنى وردت أيضًا جملة "ولد عم" عند القتبانيين و"ولد المقه" عند السبئيين. فـ"عم" الذي هو "القمر" في لغة القتبانيين، هو بمنزلة الأب لشعبه، وكذلك "المقه" الذي هو "القمر" في لهجة سبأ١.
وقد عبر عن الشمس بلفظة "هـ إلت"، أي "الإلهة" في النصوص العربية الشمالية٢. وقيل لها "نكرح" في النصوص المعينية، و"ذت حمم" ذات حمم" "ذات حميم" في النصوص السبئية، كما قيل لها "ذت بعدن" و"ذت غضرن"، و"ذت برن"، و"ذت ظهرن"، في هذه النصوص كذلك. وقيل لها "ذت صنتم" و"ذت صهرن" و"ذت رحبن" في النصوص القتبانية٣.
ومن الممكن التعرف على بعض هذا الأسماء التي أريد بها الشمس. فـ"ذت حمم"، بمعنى "ذات حمم"، و"ذات حميم". وقد وردت لفظة "حميم" و"يحموم" في القرآن الكريم٤. والحميم الحار الشديد الحرارة، المتقد من شدة الحر الساخن الشديد السخونة٥. وقد ذكر علماء التفسير أن "اليحموم"، دخان حميم، ودخان شديد السواد يخرج من نار جهنم٦. فمعنى "ذت حمم" إذن، الإلهة ذات الحرارة الشديدة المتقدة المهلكة، التي تلفح وتحرق. والشمش، نفسها حارة، ملتهبة متقدة. لذلك يكون الناس قد أخذوا صفتها هذه منها. فأطلقوها عليها، وصاروا ينعتونها بها، ويخيفون الناس منها، بانتقامها منهم إن خالفوا أمرها وعملوا عملًا يثير غضبها عليهم.
ويقابل هذه الإلهة ذات الحميم، الإله "الـ حمون" "حمون" و"بعل حمون" عند الساميين الشماليين. فهذا الإله الذكر عند الساميين الشماليين، بسبب أن لفظة "الشمس" نفسها مذكرة عندهم، هو ذو حميم وحما. أي ذو سخونة وحماوة وشدة حرارة٧. وقد نعت عندهم بالنعت الذي نعت به عند العرب.
стр. 3678
الجنوبيين. فهو إله ذو حرارة مفزعة، وحميم لا يوصف. وقد استمد هذا الوصف من الطبيعة بالطبع. فالشمس مبعث الحرارة على هذه الأرض، يدرك الإنسان حرارتها في كل مكان فهي إذن "ذت حمم" حقًّا.
وعرفت الشمس بـ"أثرت" في كتابات قتبانية، ومعناها: "اللامعة"، أو الشديدة اللمعان بعبارة أصح والمتوهجة. فهي في معنى "ذت حمم". وعرفت أيضًا بـ"ذت أثر"، "ذات أثر"، وبـ"ربت أثر"، "ربة أثر"١. ونجد في النصوص النبطية الإلهة الشمس وقد عرفت بـ"ربت الأثر" بمعنى ربة التوهج، مما يدل على أن "أثرت"، و"ذت أثر"، و"ربت أثر"، في القتبانية هذه الإلهة الشمس٢.
وقد يعبر عن "الشمس" بـ"الفرس". والفرس من الحيوانات التي قدسها قدماء الساميين. وقد كان العرب الجنوبيون يتقدمون بتماثيل الخيل؛ تقربًا إلى الآلهة. ومنها الإلهة "ذت بعدن" ذات البعد"، أي البعيدة، وهي الشمس٣.
وأما "عثتر"، الذي هو "الزهرة"، فيرد اسمه في نصوص عربية جنوبية كثيرة. ولاسمه هذا صلة بأسماء بعض الجاهليين الواردة إلينا، مثل: "أوس عثت" بمعنى "عطية عثتر" و"لحيعثت" "لحى عثت"٤.
وفي الكتابات العربية الجنوبية أسماء يظن أنها تخص الإله "عثتر". منها: "ذ قبضم"، و"ذ يهرق"، و"ذ جفت"، و"ذ جرب"، و"جرب"، و"متب نطين"، و"متب قبت"، و"متب مضجب"، و"يهر"، و"بر" وغيرها٥.
وقد عرف "عثتر" بـ"الشارق" في الكتابات، فورد "عثتر شرقن" أي "عثتر الشارق" وعرف بـ"شرقن" فقط. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن المراد من "شرقن" بمعنى الطالع من الشرق، أو "عثتر المشرق". وهو تفسير رده بعض آخر من الباحثين؛ إذ رأوا أن "شرقن"، بمعنى
стр. 3679
"الشارق" وهي لفظة ترد في اللهجات العربية الشمالية١. وقد سبق لي أن بينت رأي المفسرين في "النجم الثاقب" المذكور في القرآن الكريم، وقلت باحتمال المراد به هذا الكوكب، وإن ذهبوا إلى أنه الثريا أو زحل أو الجدي. و"الشارق" صنم من أصنام الجاهليين تسمى به عدد من أهل الجاهلية، سموا بـ"عبد الشارق"٢ قد يكون رمزًا لهذا الإله.
وورد في بعض كتابات المسند: "ذ غريم"، و"عثتر ذ غريم" أي "الغارب" و"عثتر الغارب" ومعنى ذلك "نجمة الغروب"، أو "نجمة المساء"، و"كوكب المساء"، في مقابل "نجمة الصباح" و"كوكب الصباح"٣.
وورد "عثتر نورو"، و"نورو"، أي "عثتر نور"، "نور"٤. ونور صفة من صفات الله في الإسلام. ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ . ولفظة "نورو" هي نعت من نعوت "عثتر" وورد "سحرن" بمعنى السحر. والسحر، قبيل الصبح وآخر الليل، فيراد بذلك "كوكب السحر"، أي الكوكب الذي يطلع عند طلوع السحر. كما ورد "متب نطين"، أي "الحامل للرطوبة"، وورد "عثتر قهحم"، أي "عثتر القدير" و"عثتر القادر" و"القاهر" و"سمعم"، أي "السميع"، و"نوبم" و"نبعن"٥. و"يغل" "يغلن" بمعنى المدمر، والمنتقم. وقد ورد هذا النعت في أحجار القبور بصورة خاصة. وذلك لتذكير من يحاول تغيير الحجر أو أخذه من موضعه أو تدميره أو إلحاق أذى به، أو الاستفادة منه في أغراض أخرى، بأنه في حماية إله قدير منتقم٦.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن الإله "رضى" "رضو" الذي يرد في النصوص الثمودية والصفوية، هو الإله "عثتر" وهو صنم ذكره أهل الأخبار، لكنهم لم يذكروا شيئًا عن صلته بالكواكب ولا عن المعبود الذي يمثله٧.
стр. 3680
وقد ورد في الأخبار المتعلقة بـ"الرها" أن أهل هذه المدينة، كانوا يعبدون الشمس ويعتقدون بوجود إله يطلع قبلها اسمه "أزيزوس" Azizos، وإله يظهر بعدها، يسمى "مونيموس" Monimos. وذهب الباحثون إلى أن "أزيزوس"، هو "عزيز" وهو نجم الصباح. ويطلع قبل طلوع الشمس. ويمثل "رضى" "رضو"، و"عثتر". ويرد اسم "رضى" في الكتابات التدمرية كذلك١. و"عزيز" "العزيز" من صفات الله في الإسلام.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن الصنم المنحوت على شكل طفل هو رمز لـ"عثتر"، أي "رضى" "رضو"، و"عزيز" وقد حفر على شكل طفل عاري الجسم في الكتابات التدمرية. أما الشمس والقمر، فقد مثلا إنسانين كاملين. ونجد هذا التصور للآلهة في الديانات الفطرية، التي استمدت إدراكها لِكُنه الآلهة عن مظاهر الطبيعة٢.
ولعل تصور الجاهليين الإله "رضو" على هيئة طفل، هو الذي يحل لنا المشكلة الواردة في أخبار "نيلوس" Nilus" عن تقديم العرب Saracens قرابين أطفالًا لكوكب الصباح. ذكر "نيلوس" أن العرب سرقوا ابنه الجميل الصغير "ثيودولس" Theodulus، وقرروا تقديمه قربانًا لكوكب الصباح. وقد قضى الطفل ليلة تعسة صعبة، فلما طلع الكوكب، وحان وقت تقريب الطفل قربانًا له، نام مختطفوه، ولم يستيقظوا إلا وقد طلعت الشمس، وفات وقت القربان، وبذلك نجا الطفل من الهلاك٣. وقد تفسر جملة "إننا نقدم لك قربًا يشبهك" الواردة في دعاء عثر على نصه في "حران" قصة تقديم الأطفال الجميلة قرابين إلى هذا الإله٤.
وقد أشار كتاب يونان إلى تعبد العرب إلى الشمس والقمر وكوكب الصباح، وهي أجرام سماوية تراها العين. ذاكرين أن العرب لا يتعبدون لآلهة روحية لا يبصرونها بأعينهم. ولهذا تعبدوا لهذه الأجرام المادية وللأحجار٥.