← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

عليه وسلم، ومعه زيد بن حارثة، وهما يأكلان من سفرة لهما، فدعواه لطعامهما، فقال زيد بن عمرو: يابن أخي: أنا لا آكل مما ذبح على النصب"١. وورد خبر التقاء "زيد" مع رسول الله في رواية أخرى. يرجع رواتها سندها إلى "زيد بن حارثة". يذكرون أنه قال: خرجت مع رسول الله في يوم حار من أيام مكة، وهو مردفي، فلقينا زيد بن عمرو بن نفيل، فحيا كل منا صاحبه. فقال النبي: "يا زيد مالي أرى قومك قد شنقوك؟ " فأجابه زيد، بأنه لا يهتم بذلك، وأنه خرج يبتغي دين الله، حتى قدم على أحبار خيبر، فوجدهم يعبدون الله ويشركون به. ثم سأل أحد الأحبار، وهو شيخ منهم عن الدين الذي يبتغيه، فقال له: ما نعلم أحد يعبد الله به إلا شيخًا بالحيرة، فخرج إليه. فلما كلمه قال له: إن الذي تطلب قد ظهر ببلادك قد بعث نبي، قد طلع نجمه. فعاد إلى مكة٢. ولو صح هذا الخبر لوجب أن يكون زيد قد أدرك مبعث الرسول. ولكن أهل الأخبار مجمعون على أنه توفي قبل المبعث. وأن الرسول نفسه قال عنه: "يبعث يوم القيامة أمة واحدة". وعلى الخبر سيماء الصنعة والتزويق. ومروي عنه أن قومه كانوا إذا دعوه إلى وليمة، كان يأبى أن يأكل منها قائلًا: "إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه"٣. وهكذا كان يقاطع أكل لحوم الحيوانات التي تذبح للأصنام. ويشاركه في الامتناع عن أكل لحوم هذه الذبائح الأحناف الآخرون، فقد روي أن ورقة بن نوفل كان لا يأكل من لحوم هذه الذبائح أيضًا للسبب المذكور٤. ويذكر أهل الأخبار أن "زيد بن عمرو بن نفيل" كان إذا خلص إلى البيت استقبله ثم قال: لبيك حقًّا حقًّا، تعبدًا ورقًّا، البر أرجو لا الحال، وهل مهجر لمن قال. ثم يقول: عذت بما عاذ به إبراهيم ... مستقبل الكعبة وهو قائم٥

стр. 4027

أو "لبيك حقًّا، تعبدًا ورقًّا، عذت بما عاد به إبراهيم"١. وذكر أنه كان يأمر بالتوحيد وبعبادة إله واحد. ومن ذلك قوله: لا تعبدن إلها غير خالقكم ... وإن دعيتم فقولوا دونه حدد٢ وزعم إنه كان يراقب الشمس، فإذا زالت استقبل الكعبة، فصلى وسجد سجدتين، ثم يقول: هذه قبلة إبراهيم وإسماعيل لا أعبد حجرًا ولا أصلي له ولا آكل ما ذبح له، ولا أستقسم بالأزلام، إنما أصلي لهذا البيت حتى أموت. وكان يحج فيقف بعرفة، وكان يلبي، فيقول: لبيك لا شرك لك، ولا ند لك، ثم يدفع من عرفة ماشيًّا، وهو يقول: لبيك متعبدًا مرقوقًا٣. ويروي أهل الأخبار أقوالا أخرى لزيد، كما رووا له أشعارًا زعموا أنه قالها، وهي في هذه الأمور التي ينسبونها إلى الأحناف من ذكر لديانة إبراهيم وللتوحيد ومن ذم إلى الأصنام ومن إصلاح لحال مجتمع ذلك اليوم٤. كما رووا له أبياتا من شعر زعموا أنه نظمه يعاتب فيه زوجته "صفية بنت الحضرمي"، لأنها كانت تمانع في خروجه عن مكة وفي سفره إلى الخارج التماسا لهذا الدين٥. وتفيد رواية من روايات أهل الأخبار بأن "زيد بن عمرو بن نفيل"، كان في جملة من اشترك في "حرب الفجار"، تقول إنه كان على رأس "بني عدي" وذلك في يوم شمطه٦. وروي أن رسول الله سئل عن "زيد بن عمرو"، فقال: "يبعث أمة وحده يوم القيامة" ٧، بل روي أنه ترحم عليه، وأنه قال: "رأيته في الجنة يسحب ذيولا" ٨.

стр. 4028

وينسب أهل الأخبار لزيد شعرا، هو من هذا الشعر الذي ينسبوه إلى الأحناف، ذي الطابع الديني، من بحث عن توحيد، وحث على عبادة إله واحد، وإقرار بحساب وكتاب. وأمثال ذلك١. وقد نسب بعض منه إلى "أمية بن أبي الصلت"، ونسب بعض منه إلى شعراء آخرين. كما أن الرواة يروون هذا الشعر بقراءات مختلفة. ومن ولد زيد رجل كان له سبق وقدم في الإسلام، هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. كان من السابقين الأولين ومن المهاجرين، شهد المشاهد والأحداث المهمة، إلا بدرًا، فإنه لم يكن حاضرًا بالمدينة إذا ذاك. وهو أحد العشرة المبشرة. ذكر أنه أسلم قبل دخول رسول الله دار الأرقم، ولا بد أن يكون لرأي والده في دين قومه وما أبداه من ثورة صريحة جامحة على عقائدهم أثر في نشوء هذا الابن وفي إقدامه مع السابقين على الدخول في الإسلام، بعد أن كان والده قد سبق إسلامه برحيله إلى الآخرة بسنين. وأمه "فاطمة بنت بعجة بن أمية بن خويلد بن خالد بن اليعمر" من خزاعة، ولسعيد أخت اسمها عاتكة بنت زيد٢. وذكر "ابن هشام" أن زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، اتفقوا في الرأي والعقيدة، وتعاهدوا على نبذ عبادة قومهم، وما كانوا عليه من ضلال، وتصادقوا، وكونوا عصبة خرجت على عبادة قريش، فلم يشتركوا معهم في أعيادهم، ولم يشاركوا في عبادتهم، وظلوا حتى ماتوا عن عبادة قومهم صابئين٣. أما عبيد الله بن جحش بن رئاب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، فقد بقي مرتابا في دين قومه، بعيدا عنهم وعن عبادتهم، حتى إذا ظهر الإسلام دخل فيه، ثم هاجر مع من هاجر إلى الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت مسلمة كذلك. فلما صار في الحبشة، فارق الإسلام

стр. 4029

وتنصر، وهلك هناك١. وأما عثمان بن الحويرث، فقد بقي مغاضبًا قومه في دينهم، ثم رأى الذهاب إلى الروم، فذهب إليهم، وتقرب إلى قيصر، وحسنت منزلته عنده، وتنصر ومنحه لقب "بطريق"، وأراد تنصيبه ملكًا على مكة، ولكن قومه أبوا عليه ذلك، فلم يتم له مراده، ومات بالشام مسمومًا، سمه عمرو بن جفنة الغساني٢. وذكر "الزبيري"، أن والدة "عثمان بن الحويرث"، هي "تماضر بنت عمير بن أهيب بن حذاقة بن جمح"٣. وأنه خرج إلى "قيصر فسأله أن يملكه على قريش، وقال: أحملهم على دينك، فيدخلون في طاعتك، ففعل، وكتب له عإدًا وختمه بالذهب، فهابت قريش قيصر، وهموا أن يدينوا له، ثم قام الأسود بن المطلب أبو زمعة، فصاح، والناس في الطواف: إن قريشًا لقاح، لا تملك ولا تملك، فاتسعت قريش على كلامه، ومنعوا عثمان مما جاء له، فمات عند ابن جفنة، فاتهمت بنو أسد بن جفنة بقتله"٤. وكان ابن جفنة حبس أبا ذئب عنده، وأبا أحيحة بسبب عثمان بن الحويرث٥. ويقصدون بابن جفنة: عمرو بن جفنة الغساني٦. وتذكر إحدى الروايات، إن وفاة "عثمان بن الحويرث" كانت بالشام، وقد مات عند قيصر، وكانت وفاته قبل المبعث بثلاثين سنة، أو نحوها. وقد رثاه "زيد بن عمرو بن نفيل"٧، وورقة بن نوفل٨. ويعد "عثمان بن الحويرث" من أشراف "بني أسد" من قريش٩. وقد كان مع "خويلد بن أسد" على رأس "بني أسد" في "حرب الفجار"١٠.

стр. 4030

وكان ينادمه "شيبة بن ربيعة بن عبد شمس". وقد تنصرا جميعًا، وقتل شيبة يوم بدر كافرًا١. وأما "أمية بن أبي الصلت"، فهو أحسن الحنفاء حظًّا في بقاء الذكر، بقي كثير من شعره، وربما وضع كثير منه على لسانه، وحفظ قسط لا بأس به من أخباره. وسبب ذلك بقاؤه إلى ما بعد البعث، واتصاله بتاريخ النبوة والإسلام اتصالا مباشرًا وملاءمة شعره بوجه عام لروح الإسلام، لم يكن مسلمًا ولم يرض أن يدخل في الإسلام، لأنه كان يأمل أن تكون النبوة فيه، وأن ينزل الوحي عليه، فيكون نبي العرب والعالم أجمعين، فلما رأى النبوة في الرسول، حسده، وأثار المشركين عليه، ورثى قتلاهم في معركة بدر، وحرض قريشًا عليه، حتى مات على حسده وعناده سنة تسع للهجرة بالطائف قبل أن يسلم قومه الثقفيون. ولم يمت مسلمًا، ولم يمت على دين الوثنيين من قومه: بل مات كافرًا بالديانتين٢. وقد جاء في بعض الروايات، إن وفاة "أمية"، كانت في السنة الثانية من الهجرة٣. وورد في روايات أخرى أنه توفي سنة تسع للهجرة، كافرًا قبل أن يسلم الثقفيون٤. ورثاؤه قتلى معركة بدر، محفوظ في قصيدة حائية. مطلعها: ألا بكيت على الكرا ... م بني الكرام أولى الممادح كبكا الحمام على فرو ... ع الأيك في الغصن الصوادح

стр. 4031

وهي قصيدة يتوجع فيا أمية لسقوط قتلى المشركين، ودفنهم بالقليب، وفيهم "عتبة" و"شيبة" ابنا "ربيعة بن عبد شمس"، وهما ابنا خالة أمية، وقد ذكر بعض الرواة أن الذي حمله على قول هذا الشعر، هو أنه لما وصل إلى القليب موضع مدفن قتلى قريش بدر، وكان ذاهبا إلى المدينة يريد الدخول في الإسلام، قال له بعض من كان معه من غلاط الأكباد من المشركين: هل تدري ما في هذا القليب؟ قال: لا. قيل: فيه شيبة وربيعة وفلان وفلان. فجدع أنف ناقته، وشق ثوبه، وبكى، وعاد إلى الطائف١. وذكر أن أمية نال في بيتين من هذه القصيدة من أصحاب رسول الله، ولذلك أهملهما "ابن هشام" صاحب السيرة٢. وذكر أيضًا أن النبي نهى عن روايتهما٣. ولكن الرواة رووها وحفظوها ودونوها في الكتب، فكيف تجرؤوا على حفظها وتدوينها لو صح أن النبي نهى عن روايتها على نحو ما يزعمه أهل الأخبار. وأمية مثل سائر المتألهين الآخرين من طبقة الحنفاء، سافر إلى الشام، واتصل بأهلها، وأوى إلى الأديرة ورجال الدين يسأل منهم عما يهمه من مشكلات دينية وعما كان يجول في خاطره من عبادة قومه وحقيقة العالم، وكان تاجرًا، يذهب مع التجار في قوافلهم إلى تلك الديار التي كانت في أيدي الروم. ثم إنه كان على ما يظهر من الروايات التي وردت في ترجمته وسيرته قارئًا كاتبًا، قرأ الكتب، ووقف عليها، ومنها ومن اتصاله برجال الدين وبأهل الكتاب تكونت عنده فكرته عن الدين، وشكه في عبادة قومه وفيما كانوا عليه من عقائد وعبادات. وقد بدا هذا التأثر في الكلمات والمصطلحات الأعجمية والغربية المستعملة في شعره وفي الأمثلة والقصص المنتزع من الكتابين: للعهد القديم والعهد الجديد ومن موارد وأمية مثل سائر المتألهين الآخرين من طبقة الحنفاء، سافر إلى الشام، واتصل بأهلها، وأوى إلى الأديرة ورجال الدين يسأل منهم عما يهمه من مشكلات دينية وعما كان يجول في خاطره من عبادة قومه وحقيقة العالم، وكان تاجرا، يذهب مع التجار في قوافلهم إلى تلك الديار التي كانت في أيدي الروم. ثم إنه كان على ما يظهر من الروايات التي وردت في ترجمته وسيرته قارئا كاتبا، قرأ الكتب، ووقف عليها، ومنها ومن اتصاله برجال الدين وبأهل الكتاب تكونت عنده فكرته عن الدين، وشكه في عبادة قومه وفيما كانوا عليه من عقائد وعبادات. وقد بدا هذا التأثر في الكلمات والمصطلحات الأعجمية والغربية المستعملة في شعره وفي الأمثلة والقصص المنتزع من الكتابين: للعهد القديم والعهد الجديد ومن موارد

стр. 4032

أخرى عديدة من الموارد الشائعة المستعملة عند أهل الكتاب١. وقد ورد في بعض الأخبار أن أمية سافر مرة مع أبي سفيان والد معاوية في تجارة إلى بلاد الشام، فكان كلما نزل منزلا أخذ فيه سفرا له يقرأه على من معه، كما كان يزور علماء النصارى ويتباحث معهم، وكان يلبس ثوبين أسودين حينما يقابلهم٢. ولم تذكر الرواية شيئًا عن السفر أو الأسفار التي كان يقرأ منها أمية ويشرحها لمن معه من التجار. وتذكر رواية أخرى أنه كان قد بلغ مع "أبي سفيان" غزة أو "إيلياء"٣. ولأمية في هذا اليوم ديوان ضم أكثر ما نسب إليه من شعر. كما أن في بطون كتب الأدب والأخبار أشعار أخرى لم يرد لها ذكر في هذا الديوان. ومعظم شعره هو عن الدين والآخرة وعن الجنة والنار، والحساب والكتاب، وقد تضمن إشارات إلى حوادث وقعت في أيامه، أو في أيام قريبة من أيامه مثل قصة الفيل، كما تضمن بعض قصص الأنبياء، ولتعرض شعره إلى هذه النواحي نعت بشاعر الآخرة٤. ومما ذكره الإخباريون ورواة شعر أمية من أمثلة على استعماله للكلم الغريب، أنه استعمل "الساهور" للقمر، وهي كلمة لا تعرفها العرب، وإنه ذكر "السطيط"، أسماء لله تعالى. وأنه أطلق كلمة "التغرور" على الله تعالى في موضع آخر من شعره، وأنه سمى السماء "صاقورة" و"حاقورة" وأنه استعمل أشياء أخرى من هذا القبيل. ولولعه هذا باستعمال الغريب، رفض علماء اللغة الاحتجاج بشعره٥.

стр. 4033

والساهور، كلمة آرامية الأصل من أصل "سهرو" SahroK بمعنى القمر، أي تمامًا بالمعنى الوارد في شعر أمية١. وهذا الشعر المنسوب إلى أمية وغريبه خاصة مادة مهمة جدًّا تجب دراستها بعناية، لمعرفة مبلغ صحة ما جاء في أخبار الرواة عن هذه الكلمات وعن أصولها ومواردها الأولى، إن صح إنها من أشعار تلك الأيام حقًّا، إذ ترشدنا أمثال هذه الدراسات إلى معرفة المنابع التي استقى منها هذا الشاعر علمه وإلهامه ومدى تأثره وتأثره أمثاله من الجاهليين بالآراء والتيارات الفكرية التي كانت في مكة وفي خارج جزيرة العرب قبيل الإسلام. وقد روى الإخباريون قصصًا عن التقاء أمية بالرهبان، وعن توسمهم معالم النبوة فيه، فكانوا يسألونه أسئلة تستخرج من أجوبتها في نظرهم معالم النبوة. فلما كانوا يقفون على الأجوبة، يقولون له: كادت النبوة تكون فيه، لولا بعض النقص في علاماتها عنده، كما رووا قصصًا عن شق طيرين لقلب هذا الشاعر، لتنظيفه، وتهيئة النبوة فيه. ولكنهما عندما وقفا عليه لم يجدا أن النبوة خلقت له٢. وقد حاكى أهل الأخبار قي قصصهم هذا ما رواه رجال السير عن علامات النبوة عند الرسول٣. كذلك رووا أنه كان يتفرس في لغات الحيوانات، فيعرف ما تقوله وما تريده ويقصه على الناس وإنه كان يسخر الجن، وكانت تطيعه، وأنه تنبأ بموته حينما نعب عليه الغراب٤. فجعلوه بأخبارهم هذه في مرتبة تضاهي سليمان في علمه بمنطق الطير وبقية الحيوانات٥. وذكر "ابن دريد": "كان بعض العلماء يقول له لولا النبي ﷺ ، لادعت ثقيف أن أمية نبي، لأنه قد درس النصارى وقرأ معهم، ودارس اليهود وكل الكتب قرأ"٦. وتشبه قصة تنظيف الطيرين لقلب أمية، وهي القصة التي أشرت إليها قبل

стр. 4034

قليل، خبر "حليمة السعدية" مرضعة الرسول لصدر النبي. ورواة قصة شق صدر أمية وتنظيف قلبه هي من أهل الطائف، ويرجعون سند قصتهم إلى أخت أمية المسماة "الفارعة"، "وكانت ذات لب وعقل وجمال، وكان رسول الله، ﷺ بها معجبا"١، وقد وفدت عليه، فلما سألها عن شعر أخيها كما يقول الرواة، قصت عليه قصة الطيرين، كما قصت عليه قصة وفاته" فقال رسول الله ﷺ : "إن مثل أخيك كمثل الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها"٢. ويشير القصص الوارد عن التقاء "أمية" بالأحبار وبالرهبان وباتصاله بهم، إلى أن أمية كان يرجو أن يكون نبيا، وأنه كان يعتقد بقرب ظهور نبي وتأمله أن يكون هو ذلك النبي المرتجي: ألا نبي منا فيخبرنا ... ما بعد غايتنا من رأس مجرانا٣ وقد كسف وتألم كثيرًا وأكل الحسد قلبه، حين فلت الأمر منه، إذ سمع بإعلان الرسول رسالته، ودعوة الناس إلى دين الله، الذي كان أمية نفسه يدعو إليه. وقد ورد أنه لما سمع بنبوة الرسول قال: "إنما كنت أرجو أن أكونه"٤. ويروي أهل الأخبار أن أمية كان قد مات وهو معتقد بأن الحنيفية حقٌّ إذ رووا أنه قال في مرض موته، "قد دنا أجلي، وهذه المرضة فيها منيتي وأنا أعلم أن الحنيفية حق، ولكن الشك يداخلني في محمد. وقال: لا بريء فأعتذر ولا قوي فأنتصر". وفي جملة ما رووه عنه، أنه عرف مجيء يومه من نعيب غراب، نعب على مقربة منه. فحدث القوم بما سمعه من الغراب، وكان يعرف منطقه، وقال لهم

стр. 4035

أنه سيموت وذكر علامة ذلك، فكان أن مات على نحو ما قال للقوم١. وذكر أيضًا أنه لما كان على فراش الموت محتضرًا أفاق عدة مرات، وكان يتلو في كل مرة: "لبيكما لبيكما"، ها أنذا لديكما"، ثم يتلو هذا الكلام بكلام آخر فيه توسل وتضرع إلى الإله، إلى أن أفاق للمرة الأخيرة، فقال شعرًا بين فيه أن الموت أمر لا بد منه، وأنه هالك في هذه المرة لا محالة، ثم هلك، دون أن يؤمن بالرسول٢. وهذا القصص الوارد عن أمية، وهو -بالطبع- من القصص المصنوع الموضوع، مثل كثير من أخباره وأخبار غيره، قص على ذوي القلوب الطيبة من الرواة والإخباريين، فأخذوه ونقلوه كما نقلوا ما شاء الله من الإسرائيليات والأساطير، وروي على أنه مما كان يعلمه الأحبار والرهبان والخاصة من أهل الكتاب. ولا أستبعد أن يكون هذا القصص قد ظهر في أيام الحجاج عصبية وتقربًا إليه، فقد كان الحجاج من ثقيف، وكان أمية من ثقيف كذلك. وقد أنتج الوضاعون في أيامه شيئًا كثيرًا من الأخبار في قبيلة ثقيف، كما أنتجوا شيئًا في ذمها وفي ذم رجالها نكاية به. وقد يكون في قول "الحجاج" حين سئل عن شعر أمية، شيء من التوجع والتألم أو المبالغة في تقديره حين قال: "ذهب قوم يعرفون شعر أمية، وكذلك اندراس الكلام". وقد يكون كلام الحجاج غير ذلك، لو كان أمية من قبيلة أخرى. ونحن نستطيع إدخال قول من قال عن "أمية" "قيل أنه كان نبيا"٣ في جملة هذه الدعاوي التي وضعت في هذا العهد، للرفع من شأن "ثقيف" ومن الرد على المتهجمين عليها الطاعنين حتى في نسبها الذين جعلوا "ثقيفًا" من بقية "ثمود"، وأيدوا قولهم هذا بحديث زعموا أن الرسول قاله: "ثقيف من

стр. 4036

ثمود"١، وجعلوه من عبد لأبي رغال، وأبو رغال نفسه الذي نسب عبده إليه، أي جد ثقيف، هو في نظر العرب وقريش خاصة سبة٢. ويذكرون عنه أنه بعد أن صبأ عن قومه وتحنف، لبس المسوح على زي المترهبين الزاهدين في هذه الدنيا، ورافق الكتب ونظر فيها، ليستلهم منها العلم والحكمة والرأي الصحيح، ثم حرم الخمر على نفسه مثل بقية المتألهين، وتجنب الأصنام، وصام، والتمس الدين، وذكر إبراهيم وإسماعيل، وأنه كان أول من أشاع بين قريش افتتاح الكتب والمعاهدات والمراسلات بجملة: "باسمك اللهم، وهي الجملة التي نسخت في الإسلام بجملة: "بسم الله الرحمن الرحيم"٣. ويذكر أهل الأخبار أن أمية أخذ جملة: "باسمك اللهم" من شيخ كان منطويًا على نفسه في برية نائية، وذلك حينما ألح عليه قوم كانوا معه من قريش في عير لهم، كانت قد نفرت، بأن يجد طريقة لطرد حية كانت تظهر بين إبلهم فتنفرها، فذهب إلى ذلك الشيخ واستشاره في طريقة تبعد عنهم أذى تلك الحية، فأشار عليه باستعمال تلك الجملة، فهربت الحية ونفرت منهم، وقد كان سبب ظهور تلك الحية كما يذكر أهل الأخبار، هو أن رجلا من القوم هو: "حرب بن أمية بن عبد شمس" كان قد قتل حية فقررت زميلتها الانتقام من قتلتها، فقتلته الجن انتقامًا منه بثأر تلك الحية. وهربت الجن عند سماعها تلك الجملة. وإليه أشير كما يقول أهل الحجاز الأخبار بقولهم: وقبر حرب بمكان فقر ... وليس قرب قبر حرب قبر فحرب هذا المذكور في هذا البيت، هو حرب بن أمية، وأما الشيخ فكان رجلا من الجن٤.

стр. 4037

ويذكر أنه لم يكن يرتضي من الأديان غير دين الحنيفية دينا. وأنه قال ذلك في شعر له: كل دين يوم القيامة عند الله ... إلا دين الحنيفية زور١ وأنه كان يعظم الله في شعره ويكبره ويحمده، ويرى أنه إله واحد لا شريك له، وأن من يشرك به أحدا فقط ظلم نفسه: الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنقسه ظلما٢ وهناك من يروي أن "النابغة الجعدي"، كان يدعي أن هذا البيت وما بعده هو من نظمه. قال ذلك أمام "الحسن بن علي بي أبي طالب"٣. ١ويروى أن النبي كان يسمع شعر أمية، وأن "الشريد بن سويد" "الشريد بن عمرو" الثقفي، كان ينشد له شيئًا منه، في أثناء أحد أسفاره، فكان كلما أنشد له شيئًا منه، طلب منه المزيد، حتى إذا ما أنشده مئة بيت، قال النبي له: كاد ليسلم، أو كان ليسلم في شعره. وذكر أن الرسول قال في حديث له عنه: آمن شعره وكفر قلبه، أو آمن لسانه وكفر قلبه٤. وأنه لما سمع شعره في الدين والحنيفية ومطلعه: الحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبحنا ربي ومسانا قال: "إن كاد أمية ليسلم"٥.

стр. 4038

وروي عن "ابن عباس"، إن الرسول لما سمع شعر "أمية": زحل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصدا١ قال: صدق أمية. وفي رواية أنه: "كان قرأ الكتب القديمة، وعلم أن الله تعالى مرسل رسولا، فرجا أن يكون هو ذلك الرسول، فاتفق أن خرج إلى البحرين، وتنبأ رسول الله ﷺ ، فأقام هناك ثماني سنين. ثم قدم، فلقي رسول الله ﷺ ، في جماعة من أصحابه، فدعاه إلى الإسلام، وقرأ عليه سورة يس، حتى إذا فرغ منها، وثب أمية يجر رجليه، فتبعته قريش تقول: ما تقول يا أمية؟ فقال: أشهد أنه على الحق. قالوا: فهل نتبعه؟ قال: حتى أنظر في أمره. فخرج إلى الشام، وقدم بعد وقعة بدر يريد أن يسلم، فلما أخبر بها، ترك الإسلام. وقال: لو كان نبيًّا ما قتل ذوي قرابته فذهب إلى الطائف ومات"٢. وفي هذه الرواية المنسوبة إلى الزهري، عن سماع أمية بن أبي الصلت بنبوة النبي وهو في البحرين، ثم مجيئه إلى مكة والتقائه بالرسول ومحاجته له في ظل الكعبة، ثم انكسافه وتراجعه وذهابه إلى الشام، ثم عودته منها٣، تكلف ظاهر، وفي تفاصيلها ما يناقض بعضه بعضًا. وورد في رواية أخرى، أن أمية بن أبي الصلت قدم المدينة فقال للنبي: ما هذا الذي جئت به؟ فقال الرسول: الحنيفية دين إبراهيم. قال: فأنا عليها. فقال ﵊ لست عليها ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها. فقال: أمات الله تعالى الكاذب منا طريدًا وحيدًا، ثم خرج إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا للسلاح، ثم أتى قيصر، وطلب منه جندًا، ليخرج النبي

стр. 4039

من المدينة، فمات بالشام طريدا وحيدا، وهي قصة ينسب وقوعها إلى "أبي عامر" الراهب، كما سبق أن تحدثت عن ذلك١. وتخالف هذه الرواية الروايات المألوفة الواردة إلينا عن وفاة "أمية" بالطائف. وتزعم إحدى الروايات، أن أمية كان قد أخذ ابتيه وهرب بهما إلى أقصى اليمن، وذلك حين بعث النبي. ثم عاد إلى الطائف، فبينما هو يشرب مع إخوان له في قصر بالطائف، إذ سقط غراب على شرفة في القصر فنعق، وأدرك أمية أنه ميت، لأنه عرف منطق الغراب، وحدث القوم بذلك في قصة مفصلة تجدها في الكتب ثم مات٢. وقصة الشرب هذه تناقض ما يذكر عنه أهل الأخبار من إنه كان لا يقترب من الخمر، ومن إنه كان قد حرمها على نفسه، شأنه في ذلك شان بقية الأحناف. كذلك يناقض خبر تحريمة الخمر على نفسه، خبر آخر، خلاصته إنه كان يشرب يوما مع عبد الله بن جدعان، فأخذ الشراب برأس "ابن جدعان"، وأصاب عين أمية، فلما كان اليوم الثاني وجلس أيضًا للشرب معه، سأل "عبد الله" أمية عن سبب الألم البادي على عينه، فلما أخبره بأنه كان هو سببه، ترك "ابن جدعان" الخمر استحياء مما فعله وقال شعرا في سبب تركه الخمر. ويقول أهل الأخبار: "ما مات أحد من كبراء قريش في الجاهلية، إلا ترك الخمر استحياء مما في من الدنس"٣. وتؤيد قصة ذهاب "أمية" إلى اليمن وسكنه أمدا هناك قصة ينتهي سندها بـ "أبي سفيان"، خلاصتها إنه كان قد ذهب في ركب من قريش إلى اليمن في تجارة، فمر بأمية، وقال له كالمستهزئ به: يا أمية قد خرج النبي الذي كنت تنعته؟ فأجابه أمية: إما إنه حق فأتبعه، وقال له قولا يتنبأ فيه بمصير أبي سفيان وكيف سيؤتى به إلى الرسول، فيحكم فيه كما يريد٤. ففي هذه القصة توكيد بخروج أمية إلى اليمن حين بعث الرسول وبمكوثه زمانا هناك. وذكر أنه الشخص الذي نزلت في حقه الآية: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ

стр. 4040

آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ ١، وهي آية قيل أيضًا إنها نزلت في "بلعام بن باعور" "بلعم بن أبر"، "بلعام بن باعرا"، أو في زوج البسوس،، أو في "النعمان بن صيفي الراهب"٢. وأمية كأكثر الشعراء له شعر في المدح وله تعريض. وأكثر مدحه في "ابن جدعان" من أجود العرب المعروفين المشهورين في الجاهلية٣. وهو في المدح أو في الرثاء أو في كل مناسبة أخرى، مستعمل لكلمات ذات صلة بالدين وبالأفكار الدينية ولمصطلحات لا ترد إلا نادرًا في الأشعار المنسوبة إلى الشعراء الجاهليين، مما يدل على غلبة التفكير الديني عليه، وتأثير ما قرأه أو أخذه من غير العرب فيه. سئل الأصمعي عن شعر أمية، فقال: "ذهب أمية في شعره بعامة ذكر الآخرة وذهب عنترة بعامة ذكر الحرب، وذهب عمر بن أبي ربيعة بعامة ذكر الشباب"٤. ووالد "أمية"، هو "عبد الله بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي" أو "ربيعة بن وهب بن علاج بن أبي سلمة" الثقفي على رواية "الزبيري"٥. أما أمه فهي "رقية بنت عبد شمس بن عبد مناف". وقد كان والده شاعرًا. ذكر أنه مدح "سيف بن ذي يزن"٦. ومن الرواة من ينسب القصيدة التي تنسب إلى والد أمية، والتي هي في مدح "سيف بن ذي يزن"، إلى أمية نفسه. وفي القصيدة إشارة إلى ذهاب "سيف بن ذي يزن"، إلى هرقل، فلما لم يجد منه أية مساعدة أو اهتمام، عافه، وذهب إلى كسرى، حيث وجد منه مساعدة، فجاءت إليه بعد سنين

стр. 4041

من تعب ومواظبة١. وينسب إلى أمية شعر، ذكر أنه افتخر فيه بـ نزار" وبـ"معد"، وبقبيلة "إياد"، حيث نعتهم بـ "قومي إياد"٢. ويتلخص ما جاء في شعر هذا الشاعر من عقائد وآراء في الاعتقاد بوجود إله واحد، خلق الكون وسواه وعدله، وأرسى الجبال على الأرض، وأنبت النبات فيها، وهو الذي يحيي ويميت، ثم يبعث الناس بعد الموت ويحاسبهم على أعمالهم، وليجازيهم بما كسبت أيديهم، فريق في الجنة وفريق في النار، يساق المجرمون عراة إلى ذات المقامع والنكال مكبلين بالسلاسل الطويلة وبالأغلال، ثم يلقى بهم في النار يصلونها يوم الدين، يبقون فيها معذبين بها، ليسوا بميتين، لأن في الموت راحة لهم، بل قضى الله أن يمكثوا فيها خالدين أبدًا٣. أما المتقون، فإنهم بدار صدق ناعمون تحت الظلال، لهم ما يشتهون، فيها عسل ولبن وخمر وقمح ورطب وتفاح ورمان وتين وماء بارد عذب سليم، وفيها كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وحور لا يرين الشمس فيها، نواعم في الأرائك قاصرات، على سرر ترى متقابلات، عليهم سندس وجياد ريط وديباج، وحور بأساور من لجين ومن ذهب وعسجد كريم، لا لغو فيها ولا تأثيم، ولا غول ولا فيها مليم، وكأس لا تصدع شارييها، يلذ بحسن رؤيتها النديم، تحتهم نمارق من دمقس، فلا أحد يرى فيهم سئيم. أما المتقون، فإنهم بدار صدق ناعمون تحت الظلال، لهم ما يشتهون، فيها عسل ولبن وخمر وقمح ورطب وتفاح ورمان وتين وماء بارد عذب سليم، وفيها كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وحور لا يرين الشمس فيها، نواعم في الأرائك قاصرات، على سرر ترى متقابلات، عليهم سندس وجياد ريط وديباج، وحور بأساور من لجين ومن ذهب وعسجد كريم، لا لغو فيها ولا تأثيم، ولا غول ولا فيها مليم، وكأس لا تصدع شارييها، يلذ بحسن رؤيتها النديم، تحتهم نمارق من دمقس، فلا أحد يرى فيهم سئيم. وللوقوف على آراء "أمية"، وعلى معتقداته الدينية يجب الرجوع بالطبع إلى أشعاره وما نسب إليه من كلام. ففي هذا التراث الذي تغلب عليه النزعة الدينية والحكمية، تتمثل آراء ذلك الشاعر الجاهلي الذي أدرك أوائل المبعث، وهي آراء قريبة جدًّا من الإسلام، وبعضها يكاد يكون قولا إسلاميا في لفظه وفي معناه مسبوكا في شعر. وفي هذا الشعر قصص الرسل والأنبياء: آدم ونوح وقصة

стр. 4042

طوفانه، والغراب والحمامة١، وقصة ذي القرنين وبلقيس وحكاية الهدهد٢، وقصة إبراهيم وتقديم ابنه للذبح، وداود، وفرعون، وموسى، وابن عاد٣. وعيسى وأمه مريم وكيفية حملها به، فوصف ذلك بانيا وصفه على نحو ما جاء في القرآن الكريم عن تكون عيسى، مضيفا إلى ذلك زيادات في حديث مريم مع الملائكة وجواب الملائكة لها٤. كما أورد في الشعر قصة "لوط أخي سدوم"٥. وهي من القصص المذكور في التوراة، وأشياء أخرى عديدة من هذا القبيل٦. وفي أكثر ما نسب إلى هذا الشاعر من آراء ومعتقدات دينية، ووصف ليوم القيامة والجنة والنار، تشابه كبير وتطابق في الرأي جملة وتفصيلا لما ورد عنها في القرآن الكريم. بل نجد في شعر أمية استخدامًا لألفاظ وتراكيب واردة في كتاب الله وفي الحديث النبوي، فكيف وقع ذلك؟ وكيف حدث هذا التشابه؟ هل حدث ذلك على سبيل الاتفاق أو أن أمية أخذ مادته من القرآن الكريم، أو كان العكس، أي أن القرآن الكريم هو الذي أخذ من شعر أمية فظهرت الأفكار والألفاظ التي استعملها أمية في آيات الله وسوره؟ فكتاب الله إذن هو صدى وترديد لآراء ذلك الشاعر المتأله، أو أن هذا التشابه مرده شيء آخر هو تشابه الدعوتين واتفافهما في العقيدة والرأي، أو اعتماد الاثنين على مورد أقدم، هما الكتابان المقدسان: التوراة والإنجيل، وما لهما من شروح وتفاسير، أو كتب أو موارد عربية قديمة كانت معروفة ثم بادت وبقي أثرها في القرآن الكريم وفي شعر أمية بن أبي الصلت، أو أن كل شيء من هذا الذي نذكره ونفترضه

стр. 4043

افتراضًا لم يقع، وإن ما وقع ونشاهده، سببه أن هذا الشعر وضع على لسان أمية في الإسلام، وأن واضعيه حاكوا في ذلك ما جاء في القرآن الكريم فحدث لهذا السبب هذا التشابه. أما الاحتمال الأول، وهو فرض أخذ أمية من القرآن، فهو احتمال إن قلنا بجوازه ووقوعه، وجب حصر هذا الجواز في مدة معينة، وفي فترة محدودة تبتدئ بمعث الرسول، وتنتهي في السنة التاسعة من الهجرة، وهي سنة وفاة أمية بن أبي الصلت، أما ما قبل المبعث، فلا يمكن بالطبع أن يكون أمية قد اقتبس من القرآنن لأنه لم يكن منزلا يؤمئذ، وأما ما بعد السنة التاسعة، فلا يمكن أن يكون قد اقتبس منه أيضًا، لأنه لم يكن حيا، فلم يشهد بقية الوحي. ولن يكون هذا الفرض مقبولا معقولا في هذه الحالة، إلا إذا أثبتنا بصورة جازمة أن شعر أمية الموافق لمبادئ الإسلام ولما جاء في القرآن قد نظم في هذه المدة المذكورة، أي بين المبعث والسنة التاسعة من الهجرة، وأن أمية كان يتتبع نزول الوحي، ويجمعه، وإنه كان يملك نسخة مما نزل على الرسول، رجع إليها واقتبس منها، وإلا سقط العرض. فإذا أثبتنا ذلك وثبتنا تاريخ نظم هذا الشعر، أمكنت المقابلة عندئذ بين شعر أمية وما جاء في معناه وفي موضوعه من آيات نزلت بين ابتداء نزول الوحي على الرسول وبين السنة التاسعة، أما الآيات التي نزلت بعد هذه السنة، فلا تكون شاهدا على أخذ أمية منها: لأنه كان قد توفي في السنة التاسعة، فلا يقع هذا الافتراض. ولكن من استطاعته تثبيت تواريخ شعر أمية وتعيينه، وتعيين أوقات نظمه؟ إن في استطاعتنا تعيين بعضه من مثل الشعر الذي قاله في مدح عبد الله بن جدعان أو معركة بدر. ولكننا لا نستطيع أن نفعل ذلك بالغالبية منه، وهي غالبية لم يتطرق الرواة إلى ذكر المناسبات التي قيلت فيها. ثم إن بعض هذا الكثير مدسوس عليه، مروي لغيره، وبعضه إسلامي، فيه مصطلحات لم تعرف إلا في الإسلام، فليس من الممكن الحكم على آراء أمية الممثلة في شعره هذا بهذه الطريقة. ثم أحدا من الرواة لم يذكر أن أمية كان ينتحل معاني القرآن الكريم، وينسبها إلى نفسه. ولو كان قد فعل، لما سكت المسلمون عن ذلك، ولكان الرسول أول الفاضحين له.

стр. 4044

بقي لدينا افتراض، هو أخذ القرآن الكريم من أمية، وهو افتراض ليس من الممكن تصوره، فعلى إثبات أن شعر أمية في هذا الباب هو أقدم عهدا من القرآن الكريم، وتلك قضية لا يمكن إثباتها أبدا. ثم إن قريشًا ومن لف لفها ممن عارض الرسول لو كانوا يعلمون ذلك ويعرفونه، لما سكتوا عنه، ولقالوا له إنك تأخذ من أمية، كما قالوا له: إنك تتعلم من غلام نصراني كان مقيمًا بمكة، وإليه أشير في القرآن الكريم بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ١. ولقد أشار المفسرون إلى اسم الغلام، كما سأتحدث عن ذلك في الفصل الخاص بالنصرانية عند العرب قبل الإسلام، ولم يشيروا إلى أمية بن أبي الصلت٢. ثم إن أمية نفسه لو كان يعلم ذلك أو يظن أن محمدًا إنما أخذ منه، لما سكت عنه وهو خصم له، منافس عنيد، أراد أن تكون النبوة له، وإذا بها عند شخص آخر ينزل الوحي عليه، ثم يتبعه الناس فيؤمنون بدعوته. أما هو فلا يتبعه أحد. آخر ينزل الوحي عليه، ثم يتبعه الناس فيؤمون بدعوته. أما هو فلا يتبعه أحد. هل يعقل سكوت أمية لو كان قد وجد أي ظن وإن كان بعيدا يفيد أن الرسول قد أخذ فكرة منه، أو من المورد الذي أخذ أمية نفسه منه؟ لو كان شعر بذلك، لنادى به حتما، ولأعلن للناس أنه هو ومحمد أخذا من منبع واحد، وأن محمدا أخذ منه، فليس له من الدعوة شيء، ولكانت قريش وثفيف أول القائلين بهذا القول والمنادين به. نعم، لقد ورد في الحديث، كما قلت قبل قليل، إن الشريد بن سويد كان قد أنشد الرسول شعر أمية، وإنه كان كلما أنشده شيئًا منه طلب منه المزيد، حتى إذا ما أنشه مئة بيت، قال له الرسول: آمن شعره وكفر قلبه، أو آمن لسانه وكفر قلبه، ولكننا هنا بحاجة إلى تثبيت تاريخ هذا الإنشاد، وإثبات صحة الرواية وتدقيق رجال السند، لإثبات أن ما أنشد لم يكن قد نزل في مثله الوحي. وممن ذهب إلى افتراض أخذ الرسول من أمية من المستشرقين "كليمان هوار" و"بور" "Power. زغم "بور" إنه حيث يوجد تشابه بين شعر أمية والقرآن

стр. 4045

الكريم، فإن ذلك يدل على أن الرسول أخذ من "أمية"، لأن أمية أقدم من الرسول١. وهذا الافتراض مقبول كما لو أثبتنا أن هذا النظم شعر أصيل صحيح، وإنه نظم قبل نزول مشابهه في القرآن الكريم، وإنه لم يضف إليه في الإسلام، فإن أثبتنا إنه له، جاز لهما مثل هذا الادعاء. وأما الرأي الثالث -وأعني به رأي من يرجع التشابه بين شعر أمية وما ورد من مثل معانيه في القرآن الكريم إلى أخذ الاثنين من التوراة والإنجيل وتفاسيرهما، وإلى بعض "الصحف" و"المجلات" التي أشير إلى وجودها عند العرب- فهو رأي قديم، وليس بجديد. رأي قيل عن الوحي كله، لا عن القرآن وشعر أمية أو غير أمية، قبل أن يخلق المستشرقون بأكثر من ١٣٠٠ سنة، فقد زعم "إن النبي يتعلم من غلام نصراني اسمه جبر!! ". وقد أشير إلى هذا الزعم في كتاب الله، وجاء الرد عليه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ . فلم يخف القرآن الكريم ذلك الطعن والمغمز، ولم يتجاهل المفسرون اسم من قيل إنه كان يعلمه، فذكروا جبرا هذا، وكان غلاما مقيما بمكة، وقال بعضهم بل هو رجل رومي اسمه غير ذلك. ولو كان الرسول وأمية قد أخذ من منهل واحد، واستقيا من مورد واحد، لما سكتت قريش عن القول به، ولما سكت أمية نفسه وهو الغاضب الحاقد على الرسول عن الجهر به. وكيف يعقل سكوته عن هذا، وهو أمر مهم جدًّا بالنسبة إليه. وسيف يحارب به الإسلام؟ ولما سكت مسيلمة ومن كان على شاكلته من المتنبئين من الإشارة إليه في أثناء حروب الردة، وقد كانت فرصة سانحة لإطهار هذه المقالة. ولما سكت "يوحنا الدمشقي" وأمثاله من التلميح إلى ذلك، وقد لمح بأمور كثيرة في طعنه في الإسلام. ثم إن هذا التشابه، على ما يتبين من نقده وتمحيصه، ليس من نوع ما يحصل عن أخذ شخصين مستقلين من مورد معين، إنما هو من قبيل ما يحدث من اعتماد أحد الشخصين على الآخر، بدليل ورود أمور في القرآن الكريم،

стр. 4046

لم ترد في التوراة ولا في الإنجيل، ولكنها وردت في شعر أمية، وبدليل ورود أكثر قصص الأنبياء والآراء والمعتقدات في شعر أمية على شكل إسلامي، لا على النحو الوارد عند أهل الكتاب. واستعمال هذا الشعر لجمل وألفاظ وتراكيب إسلامية واردة في القرآن الكريم وفي الحديث لا في الكتب السماوية المذكورة. فلو كان مرد هذا التشابه الأخذ من مورد واحد، لوجب انحصار هذا التشابه في الأمور المشتركة التي ترد في الكتب المقدسة: التوراة والإنجيل والقرآن، وفي شعر أمية فحسب، لا في المسائل التي ترد في شعر أمية وفي القرآن الكريم، ولا ترد في الكتابين المقدسين أو في الكتب الأخرى. ثم إن المقابلة بين نصين لمعرفة صلة أحدهما بالآخر، وأخذ أحدهما من الآخر، تستوجب التأكد من صحة نسبة الشعر إلى أمية. ففي هذا الشعر مقدار لا يمكن أن يشك في وضعه وصنعه، ومقدار نص العلماء نصا على أنه لغيره، وهم إنما ذكروه في شعر أمية، لأن بعض أهل الأخبار نسبه إليه. ولذلك استدركوا هذا الخبر، بالإشارة إلى اسم قائله الصحيح. فلم يبق من هذا الشعر ما يصلح للمقابلة غير القليل منه، وهو القليل الذي له صلة بعقيدة ودين. وهذا القليل هو، في الغالب أيضًا، تبع لما ورد في القرآن وحده، لا لما ورد في الكتابين المقدسين. ولما كان القرآن محفوظا ثابتا، فلم يرتق إليه الشك. أما شعر أمية، فليس كذلك، وهو غير معروف من حيث تعيين تاريخ النظر. فهذه المقابلة إن جازت، فإنها تكون حجة على القائلين بالرأي المذكور، لا لهم. وقد كان عليهم أن يثبتوا أولا إثباتا قاطعا صحة رأيهم في أصالة هذا الشعر، لا أن يفترضوا مقدما أنه شعر أصيل صحيح، وأن يذهبوا رأسا إلى أنه هو والقرآن الكريم من وقت واحد، بل إنه على حد قول بعضهم أقدم منه، فكتاب الله منتزع منه. وممن قال باحتمال أخذ القرآن وأمية من مورد مشترك واحد، "فردرش شولثيس" Friedrich SchuIthetz ناشر ديوان أمية. وقد زعم أيضًا احتمال أخذ أمية من بعض آيات الله التي كانت منزلة يومئذ، ونظمها في شعره. استند في زعمه القائل باقتباس الرسول من مورد مشترك إلى ورود بعض كلمات في القرآن الكريم وفي الحديث وفي كتب السير، يفهم منها على زعمه أن الرسول كان قارئًا كاتبًا، ولكنه لم يشترط في هذه المؤلفات كونها الإنجيل والتوراة، بل ذهب إلى أنها

стр. 4047

"مجلة" و"صحيفة"، تتضمن أحاديث وتفاسير وقصصًا دينيا قديما١. أما دليله، فافتراض واحتمال، وليس له غير هذين. ولا يقوم علم إلا على دليل ملموس. أما أنا، فأرى أن مرد هذا التشابه والاتفاق إلى الصنعة والافتعال. لقد كان أمية شاعرا، ما في ذلك شك، لإجماع الرواة على القول به. وقد كان ثائرا على قومه، ناقما عليهم، لتعبدهم للأوثان. وقد كان على شيء من التوحيد والمعرفة باليهودية والنصرانية، ولكني لا أظن أنه كان واقفا على كل التفاصيل المذكورة في القرآن وفي الحديث من العرش والكرسي وعن الله وملائكته وعن القيامة والجنة والنار والحساب والثواب والعقاب ونحو ذلك. إن هذا الذي أذكره شيء إسلامي خالص، لم ترد تفاصيله عند اليهود ولا النصارى، ولا عند الأحناف. فوروده في شعر أمية وبالكلمات والتعابير الإسلامية، هو عمل جماعة فعلته في عهد الإسلام: وضعته على لسانه، كما وضعوا أو وضع غيرهم على ألسنة غيره من الشعراء والخطباء، لاعتقادها أن ذلك مما يفيد الإسلام، ويثبت أن جماعة من الجاهليين كانوا عليه، وأنه لم يكن لذلك غريبا، وأن هؤلاء كانوا يعلمون الغيب، يعلمون بقرب ظهور نبي عربي، وأنهم لذلك بشروا به، وأنهم كانوا يتمنون لو عادوا فولدوا في أيامه، أو لو طال بهم العمر حتى يدركوه فيسلموا، وأمثال ذلك من قصص راج وانتشر، كما راج أمثاله في كل دين من الأديان. ولا بد وأن يكون هذا الوضع قد صنع في القرن الأول للإسلام، لأن أهل الأخبار القدامى يذكرون بعض هذا الشعر٢. وقد يكون قد وضع أكثره في عهد الحجاج تقربا إليه، لأنه من ثقيف، وفي ذلك العهد وضع الوضاع أخبارا كثيرة في الغض من شأن قوم الحجاج، نكاية به فتقدم قوم آخرون إليه بالرفع من شأنها وبإضافة ذلك الشعر إلى أمية وغيره، ليكون ردا على كارهي ومبغضي الحجاج. وتتبين آية الوضع في شعر أمية في عدم اتساقه وفي اختلاف أسلوبه وروحه.

стр. 4048

فبينما نجد شعره المنسوب إليه في المدح أو في الرثاء أو في الأغراض الأخرى مما ليس لها صلة مباشرة بالدين، في ديباجة جاهلية على نسق الشعر المنسوب إلى شعراء الجاهلية، نجد القسم الديني منه والحكمي في أسلوب يجعله قريبا من شعر الفقهاء والصوفيين المتزمتين، ونساك الصارى، فهو بعيد جدًّا من أسلوب الجاهليين، حتى أسلوب مثل "عدي بن زيد" العبادي والأعضى وبقية من نسب إلى النصرانية من شعراء الجاهلية القريبين من الإسلام١. يضاف إلى ذلك ما ذكره الرواة وأهل الأخبار من نشبة بعض ذلك الشعر إلى غيره من الشعراء. وقد يقال إن أسلوب "أمية" في نظم الشعر الديني والحكمي، هو أسلوب صحيح لا يمكن إلا أن يكون على هذا الحال، هو أسلوب بعيد عن أسلوب الجاهليين في النظم، لأن الشعر الجاهلي المعروف نظم في أغراض أخرى لا صلة لها بالحكم وبالدين، وما جاء منه إلينا في الحكم وفي الدين هو على أسلوب آخر أيضًا، بدليل أن بعض الشعراء منهم حين نظموا في الحكم، رق شعرهم وبان عن نظمهم المألوف. وبدليل أن نظم "حسان بن ثابت" في الإسلام، هو دون نظمه في الجاهلية من حيث الجزالة والفخامة في النظم، وأن شعر "لبيد" في الإسلام، هو دون ما نظمه في الجاهلية، بسبب تغير الظروف واختلاف الموضوع. وهو اعتذار صحيح، ولكن أسلوب أمية في تعبيره عن الجنة والنار والبعث والحساب، أسلوب آخر، لا يفصح عن عقلية دينية جاهلية، وإنما عن عقلية إسلامية. ومن هنا جاء شكنا في صحة هذا الشعر وفي اصالته، وليس من أسلوب النظم. ولكن من الذي وضع هذا الشعر، ثم أنكره على نفسه وأسنده إلى أمية؟ ومن الذي رضع شعر أمية بأبيات من وزنه وقافيته، ولكنها أبيات إسلامية؟ ومن كان أول من جمع شعر ذلك الشاعر في ديوان نسبه إليه؟ هذه أسئلة يجب أن توجد لها أجوبة، ولكن أجوبتها كتاب يؤلف في حياة هذا الشاعر وفي شعره وديوانه، عندئذ يكون هناك مجال للتنقيب عن هذه الأمور، روي أن الحجاج قال، وهو على المنبر: "ذهب قوم يعرفون شعر أمية"٢. فهل ذهب العالمون

стр. 4049

به حقًّا قبل أيام الحجاج؟ وهل كان شعره ضخما واسعا؟ أو هوقول من أقوال الحجاج، وهو ثقفي من قوم أمية، أو هو قول وزعم من زعم الرواة. وما أكثر مزاعم الرواة وحملة الأخبار. وأثر الوضع على بعض شعر أمية واضح ظاهر لا يحتاج إلى دليل، وهو وضع يثبت أن صاحبه لم يكن يتقن صنعة الوضع جيدا. فالقصيدة التي مطلعها: لك الحمد والمن رب العبا ... د أنت المليك وأنت الحكم هي قصيدة إسلامية، لا يمكن أبدا أن تكون من نظم شاعر لم يؤمن بالإسلام إيمانا عميقًا من كل قلبه ولسانه. خذ هذا البيت منها مثلا: محمدا أرسله بالهدى ... فعاش غنيا ولم يهتضم ثم خذ الأبيات التالية له وفيها: عطاء من الله أعطيته ... وخص به الله أهل الحرم وقد علموا أنه خيرهم ... وفي بيتهم ذي الندى والكرم يعيبون ما قال لما دعا ... وقد فرج الله إحدى البهم به وهو يدعو بصدق الحدي ... ث إلى الله من قبل زيغ القدم أطيعوا الرسول عباد الإله ... تنجون من شر يوم ألم تنجون من ظلمات العذاب ... ومن حر نار على من ظلم دعانا النبي به خاتم ... فمن لم بجبه أسر الندم نبي هدى صادق طيب ... رحيم رءوف بوصل الرحم به ختم الله من قبله ... ومن بعده من نبي ختم يموت كما مات من قد مضى ... يرد إلى الله باري النسم مع الأنبياء في جنان الخلود ... هم أهلها غير حل القسم وقدس فينا بحب الصلاة ... جميعًا وعلم خط القلم كتابا من الله نقرأ به ... فمن يعتريه فقدما أتم اقرأ هذه المنظومة، ثم احكم على صاحبها، هل تستطيع أن تقول إنه كان

стр. 4050

٧٤ شاعرا مغاضبا للرسول، وإنه مات كافرًا، وإن صاحبها رثى كفار قريش في معركة بدر وأنه قال ما قال في الإسلام وفي الرسول؟ اللهم، لا يمكن أن يقال ذلك أبدا فصاحب هذا النظم رجل مؤمن عميق الإيمان، هو واعظ مبشر، يخاطب قومه فيدعوهم إلى الإسلام وإلى طاعة الله والرسول. إنه مؤمن قلبا ولسانا، مع أنهم يذكرون أن الرسول قال فيه: آمن شعره وكفر قلبه، أو آمن لسانه وكفر قلبه، وإنه مات وهو على كفره وعناده وحسده للرسول، ثم إن صاحب المنظومة رجل يتحدث عن وفاة الرسول، مع أن أمية، كان قد توفي في السنة التاسعة من الهجرة، فهل يعقل أن يكون إذن هو صاحبها وناظمها؟ أليست هذه المنظومة وأمثالها إذن دليلا على وجود أيد لصناع الشعر ومنتجيه في شعر أمية. نحمد الله على أن صناعها لم يتقنوا صنعتها، ففضحوا أنفسهم بها، ودلوا على مقاتل النظم. ثم خذ قصيدة أخرى من القصائد المنسوبة لأمية، وهي في وصف الجنة والنار استهلت بهذا البيت: جهنم تلك لا تبقي بغيا ... وعدن لا يطالعها رجيم ثم استمر في قراءتها، وفي ما جاء فيها من وصف للجنة والنار، ثم أنعم النظر في هذه الأبيات: فذا عسل وذا لبن وخمر ... وقمح في منابته صريم ونخل ساقط الأكتاف عد ... خلال أصوله رطب قميم وتفاح ورمان وموز ... وماء بارد عذب سليم وفيها لحم ساهرة وبحر ... وما فاهوا به لهم مقيم وحور لا يرين الشمس فيها ... على صور الدمى فيها سهوم نواعم في الأرائك قاصرات ... فهن عقائل وهم قروم على سرر ترى متقابلات ... ألا، ثَمَّ النضارة والنعيم عليهم سندس وجياد ريط ... وديباج يرى فيها قتوم وحلوا من أساور من لجين ... ومن ذهب وعسجده كريم ولا لغو ولا تأثيم فيها ... ولا غول ولا فيها مليم

стр. 4051

وكأس لا تصدع شاربيها ... يلذ بحسن رؤيتها النديم تصفق في صحاف من لجين ... ومن ذهب مباركة رذوم١ ثم احكم بعد ذلك على صاحب هذه الأبيات. لقد حاول ناظمها إدخال بعض الكلمات الجاهلية فيها، لإلباسها ثوبا جاهليا، ولإظهارها بمظهر الشعر الجاهلي الأصيل، ولكنه لم يتمكن من ذلك، بل صيرها في الواقع نظما لوصف الجنة والنار في الإسلام، وما بي حاجة إلى أن أحيلك على الآيات التي أخذ منها صاحب هذا الشعر وصفه من القرآن الكريم. ومن الغريب أن بعض الإخباريين اتخذ هذا النظم وأمثاله حجة لتبيان عقائد الجاهليين، فذكر مثلا أن العرب في جاهليتها كانت تؤمن بالجزاء، وأن منهم من نظر في الكتب وكان مقرا بالجنة والنار. وحجته في ذلك هذه المنظومة المنسوبة إلى أمية٢. وقد نسي أن ما قاله على سبيل التعميم أو التغليب، يناقض ما جاء في القرآن الكريم وما أورده الإخباريون عن الجاهليين. ثم خذ قصيدته في عيسي بن مريم وحمل أمه به٣، وسائر قصائده الأخرى، تجد عليها هذه المسحة الإسلامية بارزة ظاهرة، ولكن هذا لا يمنع مع ذلك من القول بوجود أبيات قد تكون من نظم أمية حقًّا، في هذا المنظوم الديني، غير أن هذا الموجود، هو على كل حال مما لا يتعارض مع عقائد الإسلام. ومن الممكن إدراكه بدراسة ألفاظه وأسلوبه وأفكاره، وبهذه الطريقة نتمكن من استخلاص الأصيل من شعره من الهجين. ولأمية بن أبي الصلت أخت، اسمها "فارعة"٤. قدمت على النبي بعد فتح الطائف، وكانت ذات لب وعفاف وجمال، وكان يعجب بها. وقال لها يوما: هل تحفظين من شعر أخيك شيئًا؟ فأخبرته خبره وقصت في شق جوفه

стр. 4052

وإخراج قلبه ورده مكانه وهو نائم وأنشدته شعره١، على ما يزعمه أهل الأخبار. وذكر أهل الأخبار أسماء أربعة بنين لأمية، هم: القاسم، ووهب، وعمرو "عمر"، وربيعة. فأما" القاسم"، فكان شاعرا، وله مرثية في عثمان بن عفان٢. وأسلم "وهب بن أمية" كذلك. وذكر أن رجلا من ثقيف مات في عهد النبي عن غير ولد، فاختصموا في ميراثه، فأعطى النبي ميراثه لوهب٣. وأما "ربيعة" فأسلم كذلك، وله شعر٤. وقد ذكر أهل الأخبار أن "حقة" بنت وهب بن أمية بن أبي الصلت"، تزوجت "عبد الله بن صفوان"، فولدت له صفوان بن عبد الله بن صفوان٥. وذكر أن "ربيعة"، قد ولي بعض الوظائف في الإسلام. وأنه صاحب "ربيعتان"، نهر بقرب الأبلة، وأن من ولده "كلدة بن ربيعة"، وكان شريفًا شاعرًا، وقد ذكر أن بغلا قتل "ربيعة" على باب دار "عبد الله بن عباس"٦. وكل ما يعرف عن سويد بن عامر المصطلقي أنه كان على دين الحنيفية وملة إبراهيم، وأنه قال شعرا، وصلت منه بضعة أبيات في "المنايا" وفي المقدر على الإنسان، وأن المنايا محتومة لا مفر منها، وأن الخير والشر مكتوبان على النواصي، وليس لامرئ يد فيما يصيبه من مقدور. فهي في هذه المشكلة المعضلة التي شغلت بال الإنسان ولا تزال تشغله مشكلة: "الجبر والاختيار"، أو "القدر"، المشكلة التي احتلت منزلة الصدارة في "علم الكلام". والتي صارت من أهم موضوعات الجدل في الإسلام. ويقال إنها أنشدت للرسول، فلما سمعها، قال: "لو أدركته لأسلم" ٧. وأما ورقة بن نوفل فهو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، يلتحم نسبه بنسب الرسول في جد جده. ذكروا أنه ساح على شاكلة من شك في

стр. 4053

دين قومه، وتتبع اليهود والنصارى، وقرأ الكتب، وعد في جملة المتنصرين في أغلب الروايات، فقد ذكر أنه "تنصر واستحكم في النصرانية، وقرأ الكتب ومات عليها"١. وهذا هو رأي أكثر أهل الأخبار. ونسب إليه شعر ذكر إنه قاله في رثاء زيد بن عمرو بن نفيل، وفيه إشارة إلى النار وإلى الثواب والعقاب بعد الموت وإلى فكرة التوحيد والإيمان برب ليس رب كمثله وإلى التنديد بالأوثان٢. وله أبيات من الشعر يحث فيها على مساعدة الضعيف ونصر المظلوم، وعلى فعل الخير للناس٣. ولا نعلم عن حياة ورقة في أيام شبابه شيئًا، ولعله كان يعين أهله أو أقربائه في اتجارهم مع بلاد الشام أو اليمن شأن أكثر شبان أسر مكة المعروفة في ذلك الوقت. فتعلم بذلك سلوك الطرق الموصلة إلى العراق أو بلاد الشام، ومن هنا اندفع نحو خارج الجزيرة يلتمس الحكمة والوصول إلى رأي يقنعه في الحياة. ويظهر إنه لم يكن في شبابه من أولئك الشباب الخاملين الذين كانوا يصرفون وقتهم في فراغ دائم، دون عمل ولا تفكير، متوسدين الأرض يقتلون فراغهم في ترهات الكلام، كما إنه لم يكن من أولئك الطائشين النزقين الذين يقضون وقتهم في النزاع والخصومة وشرب الخمر والاعتداء على الناس، والحصول على المال للانفقا على اللهو بأية طريقة كانت، بل كان شابا متأملا مفكراا منكمشا على نفسه، مكنه علمه بالكتابة والقراءة من قراءة الكتب والاطلاع على آراء الماضين والحاضرين، حتى جاء يوم، دفعه اجتهاده الذي وصل إليه على الخروج على تقاليد قومه وانتقاد الأوضاع التي كانوا عليها، مما حمله على ترك مكة طوعا أو قهرا، والتجول للبحث أو فرارا من غضب قومه عليه. وهو ابن عم خديجة الكبرى زوج الرسول. وقد أشير إليه في خبر "مجيء جبريل إلى النبي في حراء"، وله كلام مع الرسول على ما ورد في بعض الروايات.

стр. 4054

يقال إنه قال للرسول وكان قد ذهب إليه مع زوجته خديجة ليسأله رأيه فيما رآه من الرؤيا: "ليتني أكون حيًّا حين يخرجك قوم؟ " وأن الرسول قال له: "أمخرجي هم؟ " قال: نعم، إنه لم يجئ رجل قط بما جئت به إلا عودي، ولئن أدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا"١. وأشير إليه في خبر آخر، حيث ورد أن "خديجة" ذهبت وحدها إلى ابن عمها لتسأله عن الرؤيا التي رآها الرسول وعن هذا "الناموس الأكبر" الذي تجلى له. فلما قصت عليه القصة قال: "لئن كنت صادقة، إن زوجك لنبي، وليلقين من أمته شدة، ولئن أدركته لأومنن به"٢. وذكر في خبر آخر أن الرسول قد رأى "ورقة" في منامه، وكان لابسًا ثيابًا بيضًا. وأن الرسول ذكر ذلك لم سأله عنه، وبين لهم أنه لو كان من أهل النار لما ظهر له في منامه وهو بهذه الملابس. لأن أهل النار لا يلبسون ثيابًا بيضًا٣. ويروى أن الرسول قال: "لا تسبوا ورقة بن نوفل، فإني رأيته في ثياب بيض" ٤. قيل إن شخصًا تساب مع أخ لورقة بن نوفل، فسب ورقة ليحرق قلب أخيه، فبلغ ذلك الرسول، فنهى عن سبه٥. وجاء في خبر أن "ورقة" كان يمر بمكة فيرى بلالا وهو يعذب، يعذبه المشركون برمضاء مكة، يلصقون ظهره بالرمضاء، ويضربونه يريدون منه أن يشرك بالله، فلا يشرك به. ويأبى إلا أن يقول: أحد أحد، فيرثى ورقة لحاله ويقول: أحد أحد والله يا بلال. والله لئن قتلتموه فأنتم من الخاسرين٦. أو "والله لئن قتلتموه، لأتخذن قبره حنانًا"٧.

стр. 4055

ويظهر من الأخبار المتقدمة أن "ورقة بن نوفل"، كان قد أدرك أيام الرسول وعاش إلى يوم نزول الوحي عليه. بل يظهر من خبر رؤيته لبلال وهو في حالة تعذيبه، إنه عاش مدة بعد نزول الوحي. غير أن الأخبار المذكورة لا تنص على إسلامه، ولم نجد أحدا قد نص على ذلك. أما خبر رؤيا الرسول له في منامه، فإنه يدل على عدم إسلمه، وعلى إنه كان قد توفي قبل نزول الوحي على الرسول. وهو الرأي الراجح. وهذا ما حمل أحد المؤرخين على القول: وقد اختلف فيه، فمنهم من زعم إنه مات نصرانيا ولم يدرك ظهور النبي. ومنهم من رأى إنه مات مسلمًا وإنه مدح النبي١. وقد ورد في بعض الأخبار إن الرسول قال لما توفي ورقة: "لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير، لنه آمن بي وصدقني"٢. وورد مثل ذلك من أحاديث زعم أن الرسول قالها في حق ورقة، وهي كلها تشير إلى وفاة ورقة قبل المبعث، وعلى دينه، إذ لم يدرك الإسلام. وورد في بعض الروايات أنه "كان يكتب الكتاب العربي، فكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء أن يكتب"٣. وورد في رواية أخرى أنه "كان يكتب الكتاب العبراني، فكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء أن يكتب"٤. والخبران هما خبر واحد، كما يظهر من وحدة النص، غير إن اسم اللغة التي زعم أنه كان يكتب بها قد حرف، فقرأه بعضهم العربي، وقرأه بعض آخر العبراني. ولما كان الإنجيل باليونانية وبلغة بني إرم، فقد أخطأ الرواة بجعل لغة الإنجيل هي العبرانية، وهم يتوهمون كثيرًا فيخلطون بين العبرانية والسريانية. والغالب أنهم كانوا يريدون بالعبرانية لغة بني إرم التي كانت لغة العلم والأدب والدين في العراق وفي بلاد الشام، بل وبين مثقفي اليهود ورجال دينهم في ذلك الوقت. وذكر أهل الأخبار أنه لم يعقب٥. ولم يذكروا سبب ذلك، هل كان قد

стр. 4056

تزوج، ولكنه كان عقيمًا، فلم يعقب؟ أو أنه عاش أعزب ولم يتزوج طول حياته؟ وكان "أبو قيس صرمة بن أبي أنس" "صرمة بن أنس" وهو من بني النجار، قد ترهب ولبس المسوح، وهجر الأوثان، ودخل بيتًا واتخذه مسجدًا لا تدخله طامث ولا جنب، وقال: أعبد رب إبراهيم، فلما قدم النبي المدينة أسلم وهو شيخ كبير، وحسن إسلامه. وفيه نزلت الآية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ١. ورووا له شعرا٢. وزعم أنه اغتسل من الجنابة، وهم بالنصرانية، ثم أمسك عنها. وذكر أن "ابن عباس" كان يختلف إليه يأخذ عنه الشعر٣. وأما "وكيع بن سلمة بن زهير الإيادي"، فهو من إياد، زعم "ابن الكلبي" إنه ولي البيت بعد جرهم، فبنى صرحًا بأسفل مكة، وجعل فيه أمة يقال لها "حزورة"، وبها سميت "حزورة مكة"، وجعل في الصرح سلمًا، فكان يرقاه ويزعم أنه يناجي الله. وكان ينطق بكثير من الخبر، ويزعم الناس أنه صديق من الصديقين، وقالوا كان كاهنًا٤. وذكروا له كلمات مسجعة، ليس فيها ما يشرح لنا معتقده الديني وضوحًا تامًّا٥. والصرح كما يقول علماء اللغة، بيت يبنى منفردًا ضخمًا طويلا في السماء

стр. 4057

وكل بناء عال مرتفع١. والحزورة الرابية الصغيرة والتل الصغير٢. ويظهر إنه كان بنى صرحه فوق تل في محل منفرد، ليختلي هناك على طريقة الرهبان والنساك. وكان ما عرفه أهل الأخبار عن "عمير بن جندب" الجهني، إنه كان من جهينة، وإنه كان موحدا لم يشرك بربه أحدا، وإنه مات قبيل الإسلام٣. وكان عامر بن الظرب العدواني من الحكماء، نسبت إليه أقوال في الحكم والدين. منها "إني ما رأيت شيئًا خلق نفسه، ولا رأيت موضوعا إلا مصنوعا، ولا جائيا إلا ذاهبا، ولو كان يميت الناس الداء، لأحياهم الدواء". ثم قال: "إني أرى أمورا شتى وحتى. قيل له: وما حتى؟ قال: حتى يرجع الميت حيا، ويعود اللاشيء شيئًا، ولذلك خلقت السماوات والأرض، فتولوا عنه ذاهبين"٤. وقد نسبوا إليه جملة أحكام، منها حكمه في "الخنثى"، وقد ذكروا أن حكمه هذا قد أقره الإسلام. وقالوا إن العرب كانت إذا أشكل عليها أمر في قضاء، أو حارت في أمر معضل ترى وجوب الحكم فيه برأي صائب وعقل وتدبير، ذهبت إليه، فإذا حكم كان حكمه الحكم الفصل، فلا راد له٥. ونسبت إلى كل من عبد الطانجة بن ثعلب بن وبرة بن قضاعة وعلاف بن شهاب التميمي أبيات، فيها إقرار بوجود إله واحد خالق لهذا الكون، وبوجود الحساب والثواب والعقاب٦. وأما "المتلمس بن أمية" الكناني، فذكروا إنه كان قد اتخذ من فناء الكعبة موضعا يخطب فيه، ويعظ قومه عظات دينية، فكان في جملة ما قاله لهم:

стр. 4058

"إنكم قد تفردتم بآلهة شتى، وإني لأعلم ما الله راض به. وإن الله تعالى رب هذه الآله، وإنه ليحب أن يعبد وحده". فنفرت كلماته هذه وأمثالها القوم منه وتجنبته، وقالوا عنه إنه على دين بني تميم١. وفي أبيات منسوبة إلى زهير بن أبي سلمة الشاعر المعروف إقرار بوجود إله عالم بكل ما في النفوس، هو "الله"، لا تخفى عليه خافية، فلا يجوز كتمان شيء عنه، وبوجود يوم حساب يحاسب فيه الناس على ما قاموا به من أعمال، وقد ينتقم الله من الظالم في الدنيا قبل الآخرة، فلا مخلص له٢. ونسب الإيمان بالله واليوم الآخر إلى أشخاص آخرين، منهم: عبد الله القضاعي والشاعر عبيد بن الأبرص الأسدي، وكعب بن لؤي بن غالب، والأول منهم هو ابن تغلب بن وبرة بن قضاعة، كان من الحكماء الخطباء، يتبع الحنيفية، وينهج على نهجها مثل الحنفاء٣. وأما الثاني، وهو عبيد بن الأبرص، فشاعر جاهلي شهير له في قتله قصة، هي من ذيول قصة "الغريين" للمنذر بن ماء السماء. نجد في الشعر المنسوب إليه اسم "الله" يتردد في كثير من المواضع، ونراه من المتشائمين المؤمنين بالمنايا وبالمحتم المكتوبن ونراه افي القصيدة البائية يتوكل على الله، ويدعو الناس إلى الاعتماد عليه فيقول: من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب بالله يدرك كل خير ... والقول في بعضه تلغيب والله ليس له شريك ... علام ما أخفت القلوب٤

стр. 4059

ونراه يقول في المنايا: فأبلغ بني وأعمامهم ... بأن المنايا هي الوارده لها مدة فنفوس العباد ... إليها وإن كرهت قاصده فلا تجزعوا الحمام دنا ... فللموت ما تلد الوالده١ وفي كثير من مواضع شعره يذكر المنايا ويتذكر الموت، ثم هو يتجلد ويتصبر في ملاقاة الشدائد والأهوال، وينصح الناس بالسير على هذا المنوال. والذي يقرأ شعره، يشعر أنه أمام رجل حضري رقيق عاطفي المزاج، ذي نفس ميالة إلى التقشف والتصوف، مؤمن بالعدل، كاره للظلم، فهل كان عبيد على هذه الشاكلة؟ وهل هذا الشعر وخاصة ما جاء منه في البائية هو نظم من منظومه؟ أو هو من نظم من عاش بعده في الإسلام؟ وأما "كعب بن لؤي بن غالب". فهو من أجداد النبي. وقد كان على الحنيفية، وإليه كانت تجتمع قريش في كل جمعة، فكان يعظهم ويوجههم ويرشدهم يأمرهم بالطاعة والتفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وتقلب الأحوال والاعتبار بما جرى على الأولين والآخرين، ويحثهم على صلة الأرحام وإفشاء السلام وحفظ العهد ومراعاة حق القربة والتصدق على الفقراء والأيتمام٢. هذه خلاصة موجزة لسير من حشرهم أهل الأخبار في زمرة الحنفاء، تريك آراء الجماعة تكاد تكون واحدة: كفر بالأصنام وبالشرك كله، وإعراض عن عادات قومهم، وثورة على عقائدهم، وترقب لحدوث تطور وإصلاح يقضي على الجهالة، وقد مهدوا له بدعوتهم تلك التي أشاعوها بين بني قومهم فجلبت عليهم السخط والغضب الشديد، مما حمل أكثرهم، وهم في الغالب من مكة وأطرافها، على الفرار من بلدتهم إلى أطرافها المنعزلة الآمنة وغيرها من الأماكن الخالية، ليكونوا في أمان من إيذاء قومهم لهم، وفي وسط يفكرون فيه في خلق السماوات والأرض تفكيرا هادئا، فلا يزعجهم مزعج، ولا ينغص حياتهم هناك مختص.

стр. 4060

لقد جعل أهل الأخبار معظم من تحدثنا عنهم إن لم نقل كلهم من القارئين الكاتبين، ونسبوا إلى بعضهم قراءة الكتب والصحف والزبور ومجلة لقمان. يريدون بذلك الكتب المقدسة. ويفهم من كلامهم في بعض الأحيان أن منهم من كان يحسن فهم العبرانية أو لغة بني إرم. ولكن الإخباريين عفا الله عنهم لم يتبسطوا لنا في الحديث عن ماهية تلك الصحف وعن محتويات مجلة لقمان وعن الكتب المنزلة، ولم يأتوا بنماذج مفصلة طويلة أو قطع ترشد إلى المظان، التي نقلت منها. فأضاعوا علينا، بإهمالهم الإشارة إلى هذه الأمور، أشياء كثيرة كهمة، بنا حاجة ماسة إلى معرفتها، للوقوف على الحالة الدينية في جزيرة العرب قبيل الإسلام وإبان ظهوره. ويؤكد أهل الأخبار أن بعض أولئك الحنفاء كانوا يسيرون على سنة إبراهيم وشريعته، وأن بعضًا آخر منهم كان يلتمس كلماته ويسأل عنها، وأنهم في سبيل ذلك تحملوا المشاق والأسفار والصعاب. وقد جعلوا وجهة أكثرهم أعالي الحجاز وبلاد الشأم وأعالي العراق. أي المواضع التي كانت غالبية أهلها على النصرانية يومئذ، وجعلوا أكثر كلامهم وسؤالهم مع الرهبان. وقد أضافوا إليهم الأحبار أحيانًا، وذكروا أن الرهبان والأحبار أشاروا عليهم بوجوب البحث والتأمل، فليس عندهم ما يأملونه ويرجونه من دين إبراهيم وإسماعيل، ولذلك لم يدخلوا في يهودية ولا نصرانية، بل ظلوا ينتظرون الوعد الحق، ومنهم من مات وهو على هذه العقيدة. مات معتقدا بدين إبراهيم حنيفا، غير مشرك بربه أحدا. أما كيف كانت شريعة إبراهيم، وعلى أي نهج سار الحنفاء، وهل كان لهم كتاب أو كتب أو نحو ذلك؟ فأسئلة لم يجب عنها أهل الأخبار إجابة صريحة واضحة. لذلك صرنا في جهل بأمر تلك الشريعة: شريعة إبراهيم، شريعة التوحيد الحق. ويذكر أهل الأخبار أنه كان الأتباع إبراهيم من العرب علامات وعادات ميزوا أنفسهم بها عن غيرهم، منها: الختان، وحلق العانة، وقص الشارب. وهي علامات جعلها بعض المفسرين من "كلمات إبراهيم" التي ذكرت في القرآن الكريم، في الآية: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ ١. ذهب القائلون

стр. 4061

بهذا الرأي إلى أن تلك الكلمات هي عشر: "خمس في الرأس، وخمس في الجسد. فأما التي في الرأس، فالمضمضة والاستنشاق وقص الشارب وفرق الرأس والسواك. وأما التي في الجسد، فالاستنجاء وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان"١. ومن سنن شريعة إبراهيم الاختتان. وهو من العادات القديمة الشائعة بين العرب الجاهليين الوثنيين. أما العرب النصارى، فلم يكونوا يختتنون. فالحنفاء في هذه العادة والوثنيون سواء. وفي أخبار معركة "حنين" أن الأنصار حينما أجهزوا على قتلى ثقيف ممن سقط في المعركة مع هوازن وجدوا عبدا، عندما كشف ليستلب ما عليه وجد أغرل. فلما تبين ذلك للأنصار، نادى أحدهم بأعلى صوته: يعلم الله أن ثقيفا غرل ما تختتن. فقام إليه المغيرة بن شعبة، وهو من ثقيف، فأخذ بيده، وحشي أن يذهب ذلك عن قومه في العرب، فقال له: لا تقل ذلك فداك أبي وأمي، إنما هو غلام لنا نصراني، ثم جعل يكشف له قتلى قومه ويقول له: ألا تراهم مختتنين٢؟ ويتبين من هذا الخبر أن العرب كانوا يعدون الغزل شيئًا معيبًا، ومقبضة تكون حديث الناس. وهناك خبر آخر يفيد أن العرب جميعًا كانوا يختتنون، وأن الاختتان كان من السمات التي تميزهم عن غيرهم، وأنهم في ذلك كاليهود٣. وقد ورد في الموارد اليهودية ما يفيد اختتان العرب. ولعل التوراة التي ذكرت قصة اختتان إسماعيل، أخذت خبرها هذا من تقاليد العرب الشماليين التي كانت شائعة بينهم في ذلك العهد٤.

стр. 4062

الاعتكاف: وقد نسب الاعتكاف في الكهوف وفي البراري وفي الجبال إلى عدد من هؤلاء الحنفاء. فقد ذكر أهل الأخبار أنهم كانوا قد اعتكفوا في المواضع الخالية البعيدة

стр. 4063

عن الناس، وحبسوا أنفسهم فيها، فلا يخرجون منها إلا لحاجة شديدة وضرورة ماسة١. يتحنثون فيها ويتأملون في الكون، يلتمسون الصدق والحق. والتحنث التعبد. فكانوا يتعبدون في تلك المواضع الهادئة الساكنة، مثل غار "حراء" وقد ذكر أن الرسول كان يتحنث فيه الليالي، يقضيها في ذلك الغار٢. ويعبر عن التعبد ليلا بـ "التهجد" أيضًا. وذكر أن التهجد الصلاة ليلا. وقد كان الرسول يتهجد٣. والتهجد التيقظ والسهر بعد نومة من الليل. والهجود النوم عند العرب. ويظهر أن تفسير التهجد بالتعبد ليلا، إنما ورد من تفسيرهم لما ورد في القرآن الكريم: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ٤. فخص العلماء التهجد بالتعبد ليلا. ويعبر عن التعبد بالنسك، والنسك: العبادة والطاعة وكل ما يتقرب به إلى الآلهة. والنساك: المتعبدون. وقد كان الحنفاء من النساك أي المتعبدين. وعدوا الذبائح من النسك. وجعلوا النسيكة: الذبيحة٥. والذبائح، أي النسائك، هي من أهم مظاهر التعبد والزهد عند الجاهليين. وممن نسب إلى النسك والرهبنة من الجاهليين "أبو عمر عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان"، أحد "بني ضبيعة بن زيد". وكان في الجاهلية يسمى "الراهب"، لأنه كان مترهبا، وقد كان من المقدمين بيثرب، إذ كان رأس الأوس فيها، فلما جاء رسول الله إلى المدينة، خاصمه، ثم خرج إلى مكة مباعدا له، ومعه خمسون غلاما من الأوس، واشترك مع قريش يوم أحد٦.

стр. 4064

الفصل السادس والسبعون: اليهودية بين العرب مدخل ... الفصل السادس والسبعون اليهودية بين العرب والحديث عن اليهودية بين العرب، وعن وجود يهود في أنحاء من جزيرتهم، لا يمكن أن يكون حديثا تأريخيا مبنيا على العلم إذا ارتفعنا به إلى الميلاد وإلى ما قبل الميلاد. ولا يعني كلامي هذا عدم وصول يهود إلى جزيرة العرب، وعدم إقامتهم في أماكن منها. فهذا كلام لا يمكن أن يقال، ولا يمكن قبوله. إنما أريد أن أقول أننا لا نملك نصوصا تأريخية تخولنا أن نتحدث عن اليهود في جزيرة العرب قبل الميلاد حديثا علميا، بأن نعين المواضع التي نزلوا فيها، والأماكن التي وصولا إليها، وما فعلوه هناك، وفي أي عهد كان ذلك، ومن قادهم إلى تلك الأنحاء، ومن استقبلهم استقبالا حسنا، أو استقبلهم استقبالا سيئًا من الجاهليين؟ وقد عرف اليهود عند الجاهليين، وورد ذكرهم في الشعر الجاهلي. ولا بد من وقوف الجاهليين على أحوالهم، لأنهم كانوا كما سنرى يسكنون في مواضع عديدة معروفة تقع ما بين فلسطين ويثرب، كما سكنوا في اليمن وفي اليمامة وي العروض. وكان تجار منهم يقيمون في مكة وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب للاتجار وإقراض المال بربا فاحش للمحتاجين إليه. ومعارفنا عن يهود جزيرة العرب مستمدة من الموارد الإسلامية. والسبب في ورود خبرهم في هذه الموارد، هو اصطدامهم بالإسلام، ومقاومتهم له حينما دعاهم الرسول إلى الدخول فيه، فنزل فيهم الوحي، وأشير إليهم في الحديث،

стр. 4065

وذكروا في كتب التفسير والسير والتواريخ والأدب. ومن هنا تجمعت معارفنا عن يهود الجاهلية. ولهذا تجد الحديث عن يهود الجاهلية لا يرتقي كثيرًا عن عصر النبوة، ولا يبتعد عنه ولكني لا أستبعد احتمال تغير الحال، إذا ما عثر المنقبون في المستقبل على كتابات جاهلية قد تكون مطمورة في الوقت الحاضر في باطن التربة، يكون لها صلة بيهود جزيرة العرب، أو إذا ما عثر على مؤلفات ووثائق مكتوبة عبرانية أو غير عبرانية قد تكون مجهولة عن ذوي العلم في الوقت الحاضر، تكون لها صلة وعلاقة بأمر يهود جزيرة العرب قبل الإسلام. وقد وردت لفظة "يهود" معرفة في القرآن الكريم. أي على هذا الشكل: "اليهود". وردت في مواضع من سورة البقرة١. ومن سورة المائدة٢ ومن سورة التوبة٣. وكلها سورة مدنية. ولم ترد في سورة من السور المكية. كما وردت لفظة "يهوديا" في سورة آل عمران، وردت في شرح ديانة "إبراهي": ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ ٤. وهي من السور المدنية كذلك. وعبر القرآن الكريم عن اليهود وعن معتنقي اليهودية بـ ﴿الذين هادوا﴾ ٥، وبـ ﴿من كان هودا﴾ ٦ و ﴿كونوا هودا﴾ ٧ و ﴿كانوا هودا﴾ ٨. وسورتي الأنعام والنحل من السور المكية. وبناء على ذلك تكون جملة "الذين هادوا" قد نزلت قبل نزول لفظة "اليهود" في القرآن الكريم. وقد عبر عن العبرانيين عامة ب"بني إسرائيل" في القرآن الكريم. عبر عنهم في سورة مكية وفي سورة مدنية. ويلاحظ أن ورود هذا التعبير في القرآن الكريم، هو أكثر بكثير من ورود لفظة "اليهود" فيه.
следующие страницы →