ولد فيها إبراهيم، والجاهلية الأخرى التي ولد فيها محمد"١. وقيل "الجاهلية الأولى بين عيسى ومحمد"٢، وقد أدى اختلافهم في مفهوم هذه الآية إلى تصور وجود جاهليتين جاهلية قديمة، وجاهلية أخرى هي التي كانت عند ولادة الرسول٣.
واختلف العلماء في تحديد مبدأ الجاهلية، أو العصر الجاهلي؛ فذهب بعضهم إلى أن الجاهلية كانت فيما بين نوح وإدريس٤. وذهب آخرون إلى أنها كانت بين آدم ونوح، أو أنها بين موسى وعيسى، أو الفترة التي كانت ما بين عيسى ومحمد٥. وأما منتهاها، فظهور الرسول ونزول الوحي عند الأكثرين، أو فتح مكة عند جماعة٦. وذهب ابن خالوية إلى أن هذه اللفظة أطلقت في الإسلام على الزمن الذي كان قبل البعثة٧.
والذي يفهم خاصة من كتب الحديث أن أصحاب الرسول كانوا يعنون بـ "الجاهلية" الزمان الذي عاشوا فيه قبل الإسلام، وقبل نزول الوحي؛ فكانوا يسألون الرسول عن أحكامها، وعن موقفهم منها بعد إسلامهم، وعن العهود التي قطعوها على أنفسهم في ذلك العهد، وقد أقر الرسول بعضها، ونهى عن بعض آخر٨، وذلك يدل على أن هذا المعنى كان قد تخصص منذ ذلك الحين،
стр. 37
وأصبح للفظة "الجاهلية" مدلول خاص في عهد الرسول.
وأطلق بعض العلماء على الذين عاشوا بين الميلاد ورسالة الرسول "أهل الفترة" وهم في نظهر جماعة من أهل التوحيد ممن يقر بالبعث، ذكروا منهم: "حنظلة بن صفوان" نبي "أصحاب الرّس" وأصحاب الأخدود، وخالد بن سنان العبسي، و"وثاب السني" وأسعد أبا كرب الحميري، وقس بن ساعدة الإيادي وأمية بن أبي الصّلت، وورقة بن نوفل، وعداس مولى عتبة بن أبي ربيعة، وأبا قيس صربة بن أبي أنس من الأنصار، وأبا عامر الأوسي، وعبد الله بن جحش وآخرين١. فهم إذن طبقة خاصة من الجاهليين، ميزوا عن غيرهم بهذه السمة؛ لأنهم لم يكونوا على ملة أهل الجاهلية من عبادة الأصنام والأوثان.
فلفظة "الجاهلية" إذن نعت إسلامي من نوع النعوت التي تطلق في العهود السابقة على حركة ما أو انقلاب أطلقه المسلمون على ذلك العهد، كما نطلق اليوم نعوتًا وأسماء على العهود الماضية التي يثور الناس عليها، من مثل مصطلح "العهد المباد" الذي أطلق في العراق على العهد الملكي منذ ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨، ومثل المصطلحات الأخرى الشائعة في الأقطار العربية الأخرى، والتي اطلقت على العهود السابقة للثورات والانقلابات.
стр. 38
موارد التاريخ الجاهلي
مدخل
...
موارد التاريخ الجاهلي:
تاريخ الجاهلية هو أضعف قسم كتبه المؤرخون العرب في تاريخ العرب، يعوزه التحقيق والتدقيق والغربلة. وأكثر ما ذكروه على أنه تاريخ هذه الحقبة، هو أساطير وقصص شعبي، وأخبار أخذت عن أهل الكتاب ولا سيما اليهود، وأشياء وضعها الوضاعون في الإسلام، لمأرب اقتضتها العواطف والمؤثرات الخاصة.
وقد تداول العلماء وغير أصحاب العلم هذه الأخبار على أنها تاريخ الجاهلية حتى القرن التاسع عشر؛ فلما انتهت إلى المستشرقين، شكّوا في أكثرها فتناولوها بالنقد؛ استنادًا إلى طرق البحث الحديثة التي دخلت على العلوم النظرية، وتفتحت بذلك آفاق واسعة في عالم التاريخ الجاهلي لم تكن معروفة، ووضعوا الأسس للجادات التي ستوصل عشاق التاريخ إلى البحث في تاريخ جزيرة العرب.
стр. 39
وكان أهم عمل رائع قام به المستشرقون هو البحث عن الكتابات العربية التي دوّنها العرب قبل الإسلام، وتعليم الناس قراءتها بعد أن جهلوها مدة تنيف على ألف عام، وقد فتحت هذه النصوص باب تاريخ الجاهلية، ومن هذا الباب يجب أن نصل إلى التاريخ الجاهلي الصحيح.
لقد كلف البحث عن هذه الكتابات العلماء والسياح، ثمنا غاليًا كلفهم حياتهم في بعض الأحيان، ولم يكن من السهل تجول هؤلاء الأوروبيين بأزياء مختلفة في أماكن تغلب عليها الطبيعة الصحراوية للحصول على معلومات عن الخرائب والعاديات والحصول على ما يمكن الحصول عليه من نقوش وكتابات.
والتاريخ الجاهلي مع ذلك في أول مرحلة من مراحله وفي الدرجات الأولى من سلم طويل متعب. ولا يُنتظر التقدم أكثر من ذلك؛ إلا إذا سهّل للعلماء التجوال في بلاد العرب، لدراستها من جميع الوجوه، وللبحث عن العاديات، ويسرت لهم سبل البحث، ووضعت أمامهم كل المساعدات الممكنة التي تأخذ بأيديهم إلى الكشف عن مواطن ذلك التاريخ والبحث عن مدافن كنوز الآثار تحت الأتربة واستخراجها وحلّ رموزها، لجعلها تنطق بأحوالها في تلك الأيام. وتلك مسئولية لن تُفهم إلّا إذا فهم العرب وعلى رأسهم الحاكمون منهم أن من واجبهم المحافظة على تأريخ العرب القديم بصيانة موطن الآثار ومنع الاعتداء عليها، بإنزال أشدّ العقوبات فيمن يحطم تمثالًا؛ لاعتقاده بإنه صنم، أو يهدم أثرًا للاستفادة من حجره، أو ما شابه ذلك من هدم وتخريب.
لم يطمئن المستشرقون إلى هذا المرويّ في الكتب العربية عن التاريخ الجاهلي ولم يكتفوا به، بل رجعوا إلى مصادر وموارد ساعدتهم في تدوين هذا الذي نعرفه عن تاريخ الجاهلية، وهو شيء قليل في الواقع؛ ولكنه مع ذلك خير من هذا القديم المتعارف وأقرب منه إلى التأريخ، وقد تجمعت مادته من هذه الموارد:
١ النقوش والكتابات.
٢ التوراة والتلمود والكتب العبرانية الأخرى.
٣ الكتب اليونانية واللاتينية والسريانية ونحوها.
٤ المصادر العربية الإسلامية.
стр. 40
١- النقوش والكتابات:
تعد النقوش والكتابات في طليعة المصادر التي تكوّن التاريخ الجاهلي، وهي وثائق ذات شأن؛ لأنها الشاهد الناطق الحي الوحيد الباقي من تلك الأيام، وأريد أن أقسمها إلى قسمين: نقوش وكتابات غير عربية تطرقت إلى ذكر العرب كبعض النصوص الأشورية أو البابلية، ونصوص وكتابات عربية كتبت بلهجات مختلفة، منها ما عثر عليها في العربية الجنوبية، ويدخل ضمنها تلك التي وجدت في مصر أو في بعض جزر اليونان أو في الحبشة، وهي من كتابات المعينيين والسبئيين، ومنها ما عثر عليها في مواضع أخرى من جزيرة العرب، مثل أعالي الحجاز وبلاد الشام والعربية السعودية والكويت ومواضع أخرى، وكل ما عثر أو سيعثر عليه من نصوص في جزيرة العرب مدونًا بلهجة من اللهجات التي تعارف علماء العرب أو المستشرقون على اعتدادها من لغات العرب.
وأغلب الكتابات الجاهلية التي عثر عليها هي، ويا للأسف، في أمور شخصية، ولذلك انحصرت فوائدها في نواحٍ معينة، في مثل الدراسات اللغوية، وأقلها النصوص التي تتعرض لحالة العرب الساسية، أو الأحوال الاجتماعية أو العلمية أو الدينية أو النواحي الثقافية والحضارية الأخرى، ولهذا بقيت معارفنا في هذه النواحي ضحلة غير عميقة. وكل أملنا هو في المستقبل؛ فلعله سيكون سخيًا كريمًا، فيمدنا بفيض من مدونات لها صلة وعلاقة بهذه الأبواب، وينقذنا بذلك من هذا الجهل الفاضح الذي نحن فيه، بتاريخ العرب قبل الإسلام.
بل حتى النصوص العربية الجنوبية التي عثر عليها حتى الآن هي في أمور شخصية في الغالب، من مثل إنشاء بيت، أو بناء معبد، أو بناء سور، أو شفاء من مرض، ولكنها أفادتنا، مع ذلك، فائدة كبيرة في تدوين تاريخ العرب الجنوبيين؛ فقد أمدتنا بأسماء عدد من الملوك، ولولاها لما عرفنا عنهم شيئًا. ونظرًا إلى ما نجده في بعض النصوص من إشارات إلى حروب١، ومن صلات بين ملوك الدول العربية الجنوبية، ونظرًا إلى كون بعض الكتابات أوامر ملكية وقوانين في تنظيم الضرائب وتعيين حقوق الغرباء وفي أمور عامة أخرى لها
стр. 41
علاقة بصلة الحكومات بشعوبها، ونظرًا إلى ما عرفناه من ميل إلى الحضارة والاستقرار والعمل والبناء، وفي حكوماتهم من تنظيم وتنسيق في الأعمال؛ فإننا نأمل الحصول في المستقبل على وثائق تعطينا مادة مهمة جديدة عن تأريخ العرب
كتابة عثر عليها في ظفار بعمان، ويعود عهدها إلى القرن الثاني بعد الميلاد من كتاب
"qataban and sheba" "ص٣٠٤"
الجنوبيين وعن صلاتهم ببقية العرب أو بالعالم الخارجي؛ لأن جماعة تهتم هذا الاهتمام بالأمور المذكورة، لا يمكن أن تكون في غفلة عن أهمية تدوين التاريخ وتختلف الكتابات العربية الجنوبية طولًا وقصرًا تبعًا للمناسبات وطبيعة الموضوع،
стр. 42
وتتشابه في المضمون وفي إنشائها في الغالب؛ لأنها كتبت في أغراض شخصية متماثلة. ومن النصوص الطويلة المهمة، نصّ رقمة العلماء رقم: "c.i.h. ١٤٥٠"، وقد كتب لمناسبة الحرب التي نشبت بين قبائل حاشد وقبائل حمير في مدينة "ناعط"١، ونص رقمة "c.i.h ٤٣٣٤"، وقد أمر بتدوينه الملك "شعر أوتر بن علهان نهفان" "شعر أوتر بن علهن نهفن"، "٨٠- ٥٠ ق. م"٢، ونص "أبرهة" نائب ملك الحبشة على اليمين "عزلي"، وهو يحوي كتابة مهمة تتألف من "١٣٦" سطرًا، يرتقي تاريخها إلى سنة ٦٥٨ الحميرية أو ٥٤٣م وقد كتب بحميرية رديئة ركيكة، ونص يرتقي تاريخه إلى سنة ٥٥٤م.
أما الكتابات المكتوبة باللهجات التي يطلق عليها المستشرقون اللهجات العربية الشمالية؛ فقليلة. ويراد بهذه اللهجات القريبة من عربية القرآن الكريم، وأما الكتابات التي وجد أنها مكتوبة بالثمودية أو اللحيانية أو الصفوية؛ فإنها عديدة، وهي قصيرة، وفي أمور شخصية، وقد أفادتنا في استخراج أسماء بعض الأصنام وبعض المواضع وفي الحصول على أسماء بعض القبائل وأمثال ذلك.
стр. 43
تاريخ الكتابات:
والكتابات المؤرخة قليلة. هذا أمر يؤسف عليه؛ إذ يكون المؤرخ في حيرة من أمره في ضبط الزمن الذي دوّن فيه النص، ولم نتمكن حتى الآن من الوقوف على تقويم ثابت كان يستعمله العرب قبل الإسلام، مدة طويلة في جزيرة العرب. والذي تبين لنا حتى الآن هو أنهم استعملوا جملة طرق في تأريخهم للحوادث، وتثبيت زمانها؛ فأرخوا بحكم الملوك، فكانوا يشيرون إلى الحادث بأنه حدث في أيام الملك فلان، أو في السنة كذا في حكم الملك فلان. وأرخوا كذلك بأيام الرؤساء وسادات القبائل وأرباب الأسر وهي طريقة عرفت عند المعينين والسبئيين والقتبانيين وعند غيرهم من مختلف أنحاء جزيرة العرب.
стр. 44
والكتابات المؤرخة بهذه الطريقة، وإن كانت أحسن حالًا من الكتابات المهملة التي لم يؤرخها أصحابها بتاريخ؛ إلا أننا قلما نستفيد منها فائدة تذكر؛ إذ كيف يستطيع مؤرخ أن يعرف زمانها بالضبط، وهو لا يعرف شيئًا عن حياة الملك الذي أرخت به الكتابة أو حكمه، أو زمانه، أو زمان الرجال الذين أرخ بهم؟ لقد فات أصحاب هذه الكتابات أن شهرة الإنسان لا تدوم، وأن الملك فلانًا، أو رب الأسرة فلانًا، أو الزعيم فلانًا ربما لا يعرف بعد أجيال، وقد يصبح نسيًا منسيًا، لذلك لا يجدي التأريخ به شيئا، وذاكرة الإنسان لا تعي إلا الحوادث الجسام. لهذا السبب لم نستفيد من كثير من هذه الكتابات المؤرخة على وفق هذه الطريقة، وأملنا الوحيد هو أن يأتي يوم قد نستفيد فيه منها في تدوين التأريخ.
وترد التواريخ في الكتابات العربية الجنوبية، ولا سيما الكتابات القتبانية، على هذه الصورة: "ورخس ذو سحر خرف ... "١، أو "ورخس ذو تمنع خرف ... "٢، أي: "وأرخ في شهر سحر من سنة....." و "أرخ في شهر تمنع من سنة ... ". ويلاحظ أن "ورخ" و "توريخ" مثل "أرخ" و "تاريخًا"، هما قريبتان من استعمال تميم؛ إذ هي تقول: "ورخت الكتاب توريخًا" أي "أرخت الكتاب تأريخًا"٣. وأما حرف "السين" اللاحق بكلمة "ورخ"؛ فإنه أداة التنكير. ويلي التاريخ اسم الشهر، مثل شهر "ذو تمنع" و "ذو سحر" وغير ذلك. وقد تجمعت لدينا أسماء عدد من الشهور في اللهجات العربية الجنوبية المختلفة تحتاج إلى دارسة لمعرفة ترتبيها بالنسبة إلى الموسم والسنة. ثم تلي الشهور في العادة كلمة "خرف" أي "خريف"، وهي في العربية الجنوبية، السنة أو العام أو الحول. وعندئذ يذكر اسم الملك أو الرجل الذي أرخ به؛ فيقال: "خرف شهر يكل" أي سنة "شهريكول"، وهو ملك من ملوك قتبان. وهكذا بالنسبة إلى الملوك أو غيرهم.
نرى من ذلك أن التاريخ بأعوام الرجال كان يتضمن شهورًا؛ غير أننا لا
стр. 45
نستطيع أن نجزم بأن هذه الشهور كانت ثابتة لا تتغير بتغير الرجال، أو أنها كانت تتبدل بتبدل الرجال. والرأي الغالب هو أنها وضعت في وضع يلائم المواسم وأوقات الزراعة. ويظهر أنهم كانوا يستعلمون أحيانًا مع هذا التقويم تقويمًا آخر هو التقويم الحكومي، وكان يستند إلى السنين المالية، أي سني جمع الضرائب. وتختلف أسماء شهور هذا التقويم عن أسماء شهور التقاويم التي تؤرخ بالرجال١.
ويظهر أن العرب الجنوبيين كانوا يستعملون التقويم الشمسي في الزراعة، كما كانوا يستعملون التقويم القمري والتقويم النجمي أي التقويم الذي يقوم على رصد النجوم٢.
وقد اتخذ الحميريون منذ سنة "١١٥ ق. م" تقويمًا ثابتًا يؤرخون به، وهي السنة التي قامت فيها الدولة الحميرية -على رأي بعض العلماء- فأخذ الحميريون يؤرخون بهذا الحادث، واعتدوه مبدأ لتقويهم. وقد درسه المستشرقون؛ فوجدوه يقابل السنة المذكورة قبل الميلاد والكتابات المؤرخة بموجب هذه الطريقة لها فائدة كبيرة جدًا في تثبيت التاريخ.
وقد ذهب بعض الباحثين حديثًا إلى أن مبدأ تأريخ حمير يقابل السنة "١٠٩ ق. م" أي بعد ست سنوات تقريبًا من التقدير المذكور، وهو التقدير المتعارف عليه. والفرق بين التقديرية غير كبير٣.
ومن النصوص المؤرخة، نصّ تأريخه سنة ٣٨٥ من سني التقويم الحميري. وإذا ذهبنا مذهب الغالبية التي تجعل بداية هذا التقويم سنة "١١٥ ق. م"، عرفنا أن تاريخ هذا النص هو سنة ٢٧م تقريبًا، وصاحبه هو الملك "يسر يهنعم"
стр. 46
"ياسر يهنعم" "ياسر ينعم" ملك سبأ وذو ريدان وابنه "شمر يهرعش"١، وللملك "ياسر يهنعم" نصّ آخر يعود تاريخه إلى سنة ٣٧٤ من سني التقويم
كتابة قتبانية عثر عليها في تحنع وهي لرجل اسمه ثويب
من كتاب qataban صفحة "١٠٢"
الحميري، أي إلى سنة "٢٩٥م"٢. "ولشمر يهرعش"٣ كتابة أمر بتدوينها سنة ٣٩٦ للتقويم الحميري، أي سنة ٢٨١م٤. وقد ورد
стр. 47
اسمه في نصوص أخرى، وقد لقّب نفسه بلقب "ملك سبأ وذو ريدان"، ولقّب نفسه في مكان آخر بلقب "ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت"، مما يدل على أنه كان قد وسّع ملكه، وأخضع الأرضين المذكورة لحكمه١، وهي نصوص متأخرة بالنسبة إلى النصوص الأخرى.
ولما أراد الملك "شرحبيل يعفر بن أبي كرب أسعد" "ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في الجبال والسواحل" بناء السدّ، أمر بنقش تاريخ البناء على جداره. وقد عثر عليه، وإذا به يقول: إن العمل كان في سنة ٥٦٤ -٥٦٥ الحميرية، وهذا يوافق عامي ٤٤٩- ٤٥٠ من الأعوام الميلادية٢. وبعد ثماني سنوات من هذا التأريخ، أي في عام ٤٥٧- ٤٥٨ من التأريخ الميلادي "٥٧٢- ٥٧٣ حميري"، وضع عبد كلال نصًّا تاريخيًا يذكر فيه اسم "الرحمن"، ولهذين النَّصّين أهمية عظيمة جدًا من الناحية الدينية. يذكر النص الأول "إله السماوات والأرضين"، ويذكر الثاني "الرحمن". وتظهر من هذه الإشارة فكرة التوحيد على لسان ملوك اليمن وزعمائها٣.
وقد عثر على نصَّين آخرين ورد فيهما اسم الملك، "شرحب آل يكف" و "شرحبيل يكيف". تأريخ أحدهما عام ٥٨٢ الحميري "٤٦٧م"، وتأريخ النص الثاني هو سنة ٥٨٥ الحميرية، الموافقة لسنة ٤٧٠م٤.
ومن النصوص الآثارية المهمة، نصّ حصن غراب. وهذا النص أمر بكتابته "السميفع أشوى" "السميفع أشوع" وأولاده، تخليدًا لذكرى انتصار الأحباش على اليمانيين في عام ٥٢٥م "سنة ٦٤٠ الحميرية"٥. ويليه النص الذي أمر أبرهة حاكم اليمن في عهد الأحباش بوضعه على جدران سدّ مأرب لما قام بترميم السدّ وإصلاحه في عام ٦٥٧ الحميري، الموافق لعام ٥٤٢م٦.
وآخر ما نجده من نصوص مؤرخة، نصّ وضع في عام ٦٦٩ لتقويم حمير "يوافق عام ٥٥٤م"٧. ولم يعثر المنقبون بعد هذا النص على نصّ آخر يحمل
стр. 48
تأريخًا. نعم، عثروا على نصوص كثيرة تشابه في مضمونها وعباراتها وألفاظها النصوص التي أقيمت في الفترة بين ٤٣٩م وسنة ٥٥٤م، وهذا يبعث على احتمال كون هذه النصوص مكررة، وأنها من هذا العهد الذي بحثنا عنه آنفًا١.
هذا، وإن مما يلاحظ على الكتابات العربية الجنوبية أن التي ترجع منها إلى العهود القديمة من تأريخ جنوب بلاد العرب قليلة. وكذلك الكتابات التي ترجع إلى العصور الحميرية المتأخرة، أي القريبة المتصلة بالإسلام؛ ولذلك أصبحت أكثر الكتابات التي عثر عليها حتى الآن من العهود الوسطى المحصورة بين أقدم عهد من عهود تأريخ اليمن وبين أقرب عهود اليمن إلى تأريخ الإسلام، وأكثرها خلو من التأريخ غير عدد منها يرد فيه أسماء ملوك وملكات أرخت بأياّمهم.
لكننا لا نستطيع تعيين تأريخ مضبوط لزمانهم؛ لعدم وجود سلسلة لمن حكم أرض اليمن، ولعدم وجود جداول بمدد حكمهم، ولفقدان الإشارة إلى من كان يعاصرهم من الملوك والأجانب.
وقد كان ما قدمناه يتعلق بالكتابات العربية الجنوبية المؤرخة. أما الكتابات العربية الشمالية المؤرخة، فهي معدودة، وهي لا تعطينا لهذا السبب فكرة علمية عن تأريخ الكتابات في الأقسام الشمالية والوسطى من بلاد العرب. وقد أرخ شاهد قبر "امرئ القيس" في يوم ٧ بكسلول من سنة ٢٢٣ "٣٢٨م". وهذه السنة هي من سني تقويم بصرى bostra، وكان أهل الشام وحوران وما يليهما يؤرخون بهذا التقويم في ذلك العهد، ويبدأ بدخول بصرى في حوزة الروم سنة ١٠٥ م٢.
وعثر على كتابة في خرائب "زيد" بين قنسرين ونهر الفرات جنوب شرقي حلب، كتبت بثلاث لغات: اليونانية والسريانية والعربية، يرجع تأريخها إلى سنة "٨٢٣ للتقويم السلوقي"، الموافقة لسنة ٥١٢م. والمهم عندنا، هو النص العربي؛ ولا سيما قلمه العربي. أما من حيث مادته اللغوية، فإن أكثر ما ورد فيه أسماء الرجال الذين سعوا في بناء الكنسية التي وضعت فيها الكتابة٣.
стр. 49
وأرخت كتابة "حرّان" اليونانية بسنة أربع مائة وثلاث وستين من الأندقطية الأولى، وهي تقابل سنة ٥٦٨م، والأندقطية، هي دائرة ثماني سنين عند الرومانيين، وكانت تستعمل في تصحيح تقويم السنة١. أما النص العربي، فقد أرخ "بسنة ٤٦٣ بعد مفسد خيبر بعم "عام"٢. ورأي الأستاذ "ليتمن" أن عبارة "بعد مفسد خيبر بعم" تشير إلى غزوة قام بها أحد أمراء غسان لخيبر٣. وفي استعمال هذه الجملة التي لم ترد في النص اليوناني، دلالة على أن العرب الشماليين كانوا يستعملون التورايخ المحلية، كما كانوا يؤرخون بالحوادث الشهيرة التي تقع بينهم.
أما الكتابات الصفوية والثمودية واللحيانية، فإن من بينها كتابات مؤرخة؛ إلا أن توريخها لم يفدنا شيئًا أيضًا. فقد أرخت على هذا الشكل: "يوم نزل هذا المكان" أو "سنة جاء الروم". ومثل هذه الحوادث مبهمة، لا يمكن أن يستفاد منها في ضبط حادث ما.
هذا وقد أشار "المسعودي" إلى طرق للجاهليين في توريخ الحوادث، تتفق مع ما عثر عليه في الكتابات الجاهلية المؤرخة، فقال: "وكانت العرب قبل ظهور الإسلام تؤرخ بتواريخ كثيرة؛ فأما حمير وكهلان ابنا سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بأرض اليمن، فإنهم كانوا يؤرخون بملوكهم السالفة من التبابعة وغيرهم"٤. ثم ذكر أنهم أرخوا أيضًا بما كان يقع لديهم من أحداث جسيمة في نظرهم، مثل "نار صوان"، وهي نار كانت تظهر ببعض الحرار من أقاصي بلاد اليمن، ومثل الحروب التي وقعت بين القبائل والأيام الشهيرة. وقد أورد جريدة بتواريخ القبائل إلى ظهور الإسلام٥. وذكر "الطبري" أن العرب "لم يكونوا يؤرخون بشيء من قبل ذلك؛ غير أن قريشًا كانوا -فيما ذكر- يؤرخون قبل الإسلام بعام الفيل، وكان سائر العرب يؤرخون بأيامهم المذكورة كتأريخهم بيوم جبلة وبالكلاب الأول والكلاب الثاني"٦.
стр. 50
وقد ذكر المسعودي أن قدوم أصحاب الفيل مكة، كان يوم أحد لسبع عشرة ليلة خلت من المحرم سنة ثمانية واثنين وثمانين سنة للإسكندر، وست عشرة سنة ومائتين من تاريخ العرب الذي أوله حجة العدد١ "حجة الغدر"٢، ولسنة أربعين من ملك كسرى أنوشروان٣. ولم يشر المسعودي إلى العرب الذين أرَّخوا بالتقويم المذكور؛ غير أننا نستطيع أن نقول إن "المسعودي" قصد بهم أهل مكة، لأن حملة "أبرهة" كانت قد وجهت إلى مدينتهم، وأن الحملة المذكورة كانت حادثًا تاريخيًّا بالنسبة إليهم، ولذلك أرَّخوا بوقت وقوعها.
ويرى كثير من المستشرقين والمشتغلين بالتقاويم وبتحويل السنين وبتثبيتها، وفقًا لها، أن عام الفيل يصادف سنة "٥٧٠" أو "٥٧١" للميلاد، وبذلك يمكن اتخاذ هذا العام مبدئًا نؤرخ به على وجه التقريب الحوادث التي وقعت في مكة أو في بقية الحجاز والتي أرخت بالعام المذكور.
стр. 51
٢- التوراة والتلمود والتفاسير والشروح العبرانية:
وقد جاء ذكر العرب في مواضع من أسفار التوراة تشرح علاقات العبرانيين بالعرب. والتوراة مجموعة أسفار كتبها جماعة من الأنبياء في أوقات مختلفة، كتبوا أكثرها في فلسطين. وأما ما تبقى منها، مثل حزقيال والمزامير؛ فقد كتب في وادي الفرات أيام السبي، وأقدم أسفار التوراة هو سفر "عاموس" "amos"، ويظن أنه كتب حوالي سنة ٧٥٠ ق. م١.
стр. 52
وأما آخر ما كتب منها، فهو سفر "دانيال" "Daniel" والإصحاحان الرابع والخامس من سفر "المزامير". وقد كتب هذه في القرن الثاني قبل المسيح١.
فما ذكر في التوراة عن العرب يرجع تاريخه إذن إلى ما بين سنة ٧٥٠ والقرن الثاني قبل المسيح.
وقد وردت في التلمود "Talmud" إشارات إلى العرب كذلك. وهناك نوعان من التلمود الفلسطيني أو التلمود الأورشليمي "yeruschalmi" كما يسميه العبرانيون اختصارًا، والتلمود البابلي نسبة إلى "بابل" بالعراق، ويعرف عندهم باسم "بابلي" اختصارًا.
أما التلمود الفلسطيني؛ فقد وضع، كما يفهم من اسمه، في فلسطين. وقد تعاونت على تحبيره المدارس اليهودية "academies" في الكنائس "الكنيس". وقد كانت هذه مراكز الحركة العلمية عند اليهود في فلسطين، وأعظمها هو مركز "طبرية" "tiberias"، وفي هذا المحل وضع الحبر "رابي يوحان" "rabbi jochanan" التلمود الأورشليمي في أقدم صورة من صوره في أواسط القرن الثالث الميلادي وتلاه بعد ذلك الأحبار الذين جاءوا بعد "يوحنان" وهم الذين وضعوا شروحًا وتفاسير عدة تكون منها هذا التلمود الذي اتخذ هيأته النهائية في القرن الرابع الميلادي.
وأما التلمود البابلي؛ فقد بدأ بكتابته –على ما يظهر- الحبر "آشي" "rabbi ashi" المتوفى عام ٤٣٠م، وأكمله الأحبار من بعده، واشتغلوا به
стр. 53
حتى اكتسب صيغته النهائية في أوائل القرن السادس للميلاد١. ولكل تلمود من التلمودين طابع خاص به، هو طابع البلد الذي وضع فيه؛ ولذلك يغلب على التلمود الفلسطيني طابع التمسك بالرواية والحديث. وأما التلمود البابلي، فيظهر عليه الطابع العراقي الحر وفيه عمق في التفكير، وتوسع في الأحكام والمحاكمات، وغني في المادة. وهذه الصفات غير موجودة في التلمود الفلسطيني٢.
وبهذا يكمل التلمود أحكام التوراة، وتفيدنا إشارته من هذه الناحية في تدوين تأريخ العرب. أما الفترة بين الزمن الذي انتهى فيه من كتابة التوراة والزمن الذي بدأ فيه بكتابة التلمود؛ فيمكن أن يستعان في تدوين تاريخها بعض الاستعانة بالأخبار التي ذكرها بعض الكتاب، ومنهم المؤرخ اليهودي "يوسف فلافيوس" "جوسفوس فلافيوس "josephUs flavius" الذي عاش بين سنة ٣٧ و ١٠٠ للمسيح تقريبًا. وله كتاب باللغة اليونانية في تأريخ عاديات اليهود "Joudaike archaioloigia"، تنتهي حوادثه بسنة ٦٦ للميلاد، وكتاب آخر في تأريخ حروب اليهود٣ "peri tou JOUDIAKOU POLEMOU" من استيلاء "أنطيوخس أفيفانوس" "Antiochus epiphanos" على القدس سنة ١٧٠ قبل الميلاد، إلى الاستيلاء عليها مرة ثانية في عهد "طيطس" "titus" سنة ٧٠ بعد الميلاد، وكان شاهد عيان لهذه الحادثة. وقد نال تقدير "فسبازيان" "vespasIan" و"طيطس" وأنعم عليه بالتمتع بحقوق المواطن الروماني٤.
وفي كتبه معلومات ثمينة عن العرب، وأخبار مفصلة عن العرب الأنباط، لا نجدها في كتاب ما آخر قديم. وكان الأنباط في أيامه يقطنون في منطقة واسعة تمتد من نهر الفرات، فتتاخم بلاد الشام، ثم تنزل حتى تتصل بالبحر الأحمر٥. وقد عاصرهم هذا المؤرخ؛ غير أنه لم يهتم بهم إلا من ناحية علاقة الأنباط بالعبرانين، ولم تكن بلاد العرب عنده إلا مملكة الأنباط٦.
стр. 54
هذا وإن للشروح والتفاسير المدونة على التوراة والتلمود قديما وحديثًا، وكذلك للمصطلحات العبرانية القديمة على اختلاف أصنافها أهمية كبيرة في تفهم تاريخ الجاهلية، وفي شرح المصطلحات الغامضة التي ترد في النصوص العربية التي تعود إلى ما قبل الإسلام؛ لأنها نفسها وبتسمياتها ترد عند العبرانيين في المعاني التي وضعها الجاهليون لها. وقد استفدت كثيرًا من الكتب المؤلفة عن التوراة مثل المعجمات في تفهم أحوال الجاهلية، وفي زيادة معارفي بها، ولهذا أرى أن من اللازم لمن يريد درس أحوال الجاهلية، التوغل في دارسة تلك الموارد وجميع أحوال العبرانيين قبل الإسلام.
стр. 55
٣- الكتب الكلاسيكية:
وأقصد بالكتب "الكلاسيكية" الكتب اليوانية واللاتينية المؤلفة قبل الإسلام ولهذه الكتب -على ما فيها من خطأ- أهمية كبيرة؛ لأنها وردت فيها أخبار تاريخية وجغرافية كبيرة الخطورة، ووردت فيها أسماء قبائل عربية كثيرة لولاها لم نعرف عنها شيئًا. وقد استقى مؤلفوها وأصحابها معارفهم من الرجال الذين اشتركوا في الحملات التي أرسلها اليونان أو الرومان إلى بلاد العرب، ومن السياح الذين اختلطوا بقبائل بلاد العرب أو أقاموا مدة بين ظهرانيهم، ولا سيما في بلاد الأنباط، ومن التجار وأصحاب السفن الذين كانوا يتوغلون في البحار وفي بلاد العرب للمتاجرة، وتعد الإسكندرية من أهم المراكز التي كانت تعنى عناية خاصة بجمع الأخبار عن بلاد العرب وعادات سكانها وما ينتج فيها لتقديمها إلى من يرغب فيها من تجار البحر المتوسط. وقد استقى كثير من الكتّاب "الكلاسيكيين" معارفهم عن بلاد العرب من هذه المصارد التجارية العالمية.
وتتحدث الكتب الكلاسيكية جازمةً عن وجود علاقات قديمة كانت بين سواحل بلاد العرب وبلاد اليونان والرومان، وتتجاوز بعض هذه الكتب هذه الحدود فتتحدث عن نظرية قديمة كانت شائعة بين اليونان، وهي وجود أصل دموي مشترك بين بعض القبائل العربية واليونان. وتفصح هذه النظرية، على ما يبدو منها من سذاجة، على العلاقات العريقة في القِدَم التي كانت تربط سكان
стр. 56
البحر المتوسط الشماليين بسكان الجزيرة العربية١.
ومن أقدم من ذكر العرب من اليونانيين "أخيلس" "aescylus" "٥٢٥- ٤٥٦ ق. م"، و "هيرودتس" "٤٨٠- ٤٢٥ ق. م" وقد زار مصر، وتتبع شئون الشرق وأخباره بالمشاهدة والسماع، ودوّن ما سمعه، ووصف ما شاهده في كتاب تاريخي. وهو أول أوروبي ألّف كتابًا بأسلوب منمق مبوب في التاريخ ووصل مؤلفه إلينا، وقد لقبه "شيشرون" "Cicero" الشهير بلقب "أيي التأريخ".
تناول "هيرودتس" تاريخ الصراع بين اليونان والفرس، وإن شئت فسمه "النزاع الأوروبي الآسيوي"؛ فألف عن تاريخه. والظاهر أنه لم يتمكن من إتمامه؛ ففيه فصول وضعت بعد وفاته. وهو أول كاتب يوناني اتخذ من الماضي موضوعًا للحاضر ومادة للمناقشة، بعد أن كان البحث في أخبار الأيام السالفة مقصورًا على ذكر الأساطير والقصص الشعبية والدينية. وهو مع حرصه على النقد والمحاكمة، لم يتمكن أن يكون بنجوة من الأفكار الساذجة التي كانت تغلب على ذلك العالم الابتدائي في ذلك العهد٢؛ فحشر في كتابه قصصًا ساذجًا وحكايات لا يصدقها العقل، متأثرًا بعقلية زمانه في التصديق بأمثال هذه الأمور.
ومنهم "ثيوفراستوس" "Theophrastus"، "حوالي ٣٧١- ٢٨٧ ق. م"، مؤلف كتاب "historia plantarum" وكتاب "de causis plantarum" وفي خلال حديثه عن النبات تطرّق إلى ذكر البقاع العربية التي كانت تنمو بها مختلف الأشجار، ولا سيما المناطق الجنوبية التي كانت تصدر التمر واللبان والبخور والأفاويه٣. و "إيراتو ستينس" "eratosthenes" "٢٧٦- ١٩٤ ق. م". وقد استفاد الكتّاب اليونانيون الذين جاءوا من بعده من كتاباته، ونجد في مواضع مختلفة من جغرافية "سترابون أقوالًا معزوّة إليه٤".
стр. 57
ونضيف إلى من تقدموا "ديودورس الصقلي" diodorus siculus" "٤٠ق. م". وقد ألف باللغة اليونانية تاريخًا عامًا سماه "المكتبة التأريخية" bibliotheke historike، تناول تاريخ العالم من عصر الأساطير حتى فتح "يوليوس قيصر" لإقليم "الغال". وهو في أربعين جزءًا، لم يبقَ منها سوى خمسة عشر جزءًا، تبحث في الحقبة المهمة التي تبتدئ بسنة ٤٨٠ ق. م. وتنتهي بسنة ٣٢٣ ق. م١. ويعوز هذا المؤرخ النقد؛ لأنه جمع في كتابه كل ما وجده في الكتب القديمة من أخبار ولم يمحصها، وقد امتلأ كتابه بالأساطير، والعالم مع ذلك مدين له إلى حد كبير بمعرفة أخبار الماضين؛ ولا سيما الأساطير الدينية القديمة.
ومن المؤلفين الكلاسيكيين، "سترابون" "سترابو" "straabon" "strabo" "٦٤ق. م- ١٩ م" وهو رحالة كتب كتابًا مهما باللغة اليونانية في سبعة عشر جزءًا سماه "جغرافيا"٢ "geographica". وقد وصف فيه الأحوال الجغرافية الطبيعية لمقاطعات الإمبراطورية الرومانية الرئيسية، وتاريخها، وحالات سكانها، وغريب عهاداتهم وعقائدهم. وللكتاب شأن كبير؛ إذا اشتمل على كثير من الأخبار التي لا تتيسر في كتاب آخر. وقد اعتمد فيه على ما ذكره الكتّاب السابقون.
وقد أفرد "سترابون" في جغرافيته فصلًا خاصًا من الكتاب السادس عشر ببلاد العرب، ذكر فيه مدائن العرب وقبائلهم في عهده، ووصف أحوالهم التجارية والاجتماعية والاقتصادية، وحملة "أوليوس غالوس" "أوليوس كالوس" "aelius gallus" المعروفة لفتح بلاد العرب وما كان من إخفاقه. ولأخبار هذه الحملة التي دوّنها "سترابوان" في جغرافيته، أهيمة خاصة؛ إذ جاءت بمعلومات عن نواحي من تأريخ العرب نجهلها، وقد شارك هو نفسه في الحملة، وقد كان صديقًا لقائدها؛ فوصفه وصف شاهد عيان٣. وقد استهل وصف
стр. 58
الحملة بهذه العبارة: "لقد علمتنا الحملة التي قام بها الرومان على بلاد العرب بقيادة أوليوس غالوس في أيامنا هذه أشياء كثيرة عن تلك البلاد١.
وممن تحدث عن العرب "بلينيوس" "بليني الأقدم" "pliny the elder" "galus plinius secundus" المتوفى سنة ٧٩م، ومن كتبه المهمة كتابه "التأريخ الطبيعي" "naturalis historia" في سبعة وثلاثين قسمًا، وقد نقل في كتابه عمن تقدمه، ولا سيما معلوماته عن بلاد العرب والشرق وجميع ما أمكنه جمعه؛ غير أنه أتى في أماكن متعددة من كتابه بأخبار لم يرد لها ذكر من كتب المؤرخين الآخرين٢.
وهناك مؤلف يوناني مجهول، وضع كتابًا سماه "الطواف حول بحر الأريتريا"٣ "The Periplus of the Erythraean Sea" "Periplus Maris Erythraei" أتمه في نهاية القرن الأول للمسيح في رأي بعض العلماء، أو بعد ذلك في حوالي النصف الأول من القرن الثالث للميلاد في رأي بعض آخر٤. وقد وصف فيه تطوافه في البحر الأحمر وسواحل البلاد العربية الجنوبية. والظاهر أنه كان علامًا بأحوال الهند وشواطئ إفريقية الشرقية، ولعله كان تاجرًا من التجار الذين كانوا يطوفون في هذه الأنحاء للاتجار، ولم يعتنِ إلا بأحوال السواحل. أما الأقسام الداخلية من جزيرة العرب، فيظهر أنه لم يكن ملمًا بها إلمامًا كافيًا.
وقد ذهب "إلبرايت" إلى أن الكتاب المذكور قد ألف في حوالي السنة "٨٠" بعد الميلاد٥. وذهب آخرون إلى أن مؤلفه قد ألفه في حوالي السنة "٢٢٥" أو "٢١٠" بعد الميلاد٦.
стр. 59
وهناك طائفة من الكتاب الذين تركوا لنا آثارًا وردت فيها إشارات إلى العرب والبلاد العربية، مثل "أبولودورس" "apollodorus" "المتوفى سنة ١٤٠ بعد المسيح". و "بطلميوس" "claudius ptolemaes" الذي عاش في الإسكندرية في القرن الثاني للمسيح. وهو صاحب مؤلفات في الرياضيات منها "كتاب المجسطي" المعروف في اللغة العربية. وله كتاب مهم في الجفرافية سمّاه "geographike hyphegesisi" ويعرف باسم "جغرافية بطلميوس"١. ولهذا الكتاب شهرة واسعة، وقد درَّس في أكثر من مدارس العالم إلى ما بعد انتهاء القرون الوسطى. جمع فيه بطلميوس ما عرفه العلماء اليونان وما سمعه هو بنفسه وما شاهده هو بعينه، وقسم الأقاليم بحسب درجات الطول والعرض. وقد تكلم في كتابه على مدن البلاد العربية وقبائلها وأحوالها، وزيّن الكتاب بالخارطات التي تصور وجهة نظر العلم إلى العالم في ذلك العهد٢.
ويرى بعض الباحثين أن ما ذكره "بطلميوس" عن حضرموت يشير إلى أن المنبع الذي أخذ منه كان يعلم شيئًا عنها، وأنه كان قد أقام مدة في "شبوة" العاصمة. ويرون أن ذلك المنبع قد يكون تاجرًا روميًّا، أو أحد المبعوثين الرومان في تلك المدينة؛ لأن وصف "بطلميوس" للأودية، والأماكن الحضرمية يشير إلى وجود معرفة بالأماكن عند صاحبه. أما ما ذكره "بطلميوس" عن أرض "سبأ" والسبئيين؛ فإنه لا يدل، على حد قول المذكورين على علم بالأماكن، وإجادة لأسمائها، وأن الذي أخذ منه "بطلميوس" لم يكن قد شاهدها٣.
ومن الذين أوردوا شيئًا عن أحوال بلاد العرب "أريان" "arrian" "flavius arrianus" "٩٥- ١٧٥م"، وقد ألف كتبًا عديدة. منها
стр. 60
كتابه "anabasis Alexander the great" في خمسة عشر قسمًا، وصف في سبعة منها حملات الإسكندر الكبير، وفي الثمانية الأخرى وصف الهند وأحوال الهنود ورحلة القائد "nearchus" "نيرخس" "أميرال الإسكندر في الخليج العرابي١. ومنهم "هيروديان" "herodianus" "١٦٥- ٢٥٠ ب. م"، وهو مؤرخ سرياني ألف في اليونانية كتابًا في تأريخ قياصرة الروم من وفاة القيصر "ماركوس أوربليوس" إلى سنة ٢٣٨م٢.
стр. 61
الموارد النصرانية:
وللمواد النصرانية أهمية كييرة في تدوين تأريخ انتشار النصرانية في بلاد العرب وتاريخ القبائل العربية، وعلاقات العرب باليونان والفرس، وقد كُتب أغلبها باليونانية والسريانية. ولها في نظري قيمة تأريخية مهمة؛ لأنها عند عرضها للحوادث تربطها بتأريخ ثابت معين، مثل المجامع الكنيسية، أو تواريخ القديسين، والحروب وأوقاتها في الغالب مضبوطة مثبتة.
ومن أشهر هذه الموارد مؤلفات المؤرخ الشهير" أوبسبيوس" المعروف بـ"أوبسبيوس القيصري" "eusebius of caesarea" "٢٦٣- ٣٤٠م" "٢٦٥- ٣٤٠" وبـ"أبي التأريخ الكنائسي" father of ecclesiastical history" وبـ "هيرودتس النصاري"١. وكان على اتصال بكبار رجال الحكومة وبرؤساء الكنيسة؛ فاستطاع بذلك أن يقف على كثيرمن أسرار الدولة وأن يراجع المخطوطات والوثائق الثمينة التي كانت تحويها خزائن الحكومة وخزائن كتب الرؤساء والأغنياء.
وكان قد ألّف كتابًا في التاريخ باللغة اليوناينة، عرف بـ" the chronicon"، حوى بالإضافة إلى التاريخ العام تقاويم وجداول بالحوادث التي حدثت في أيامه.
стр. 62
وقد أفاد هذا الكتاب فائدة كبيرة في معرفة تاريخ اليونان والرومان حتى سنة ٣٢٥م، ولم يبقَ من أصله غير قطع صغيرة؛ غير أن له ترجمة باللاتينية عملها "جيروم" "Jerome" وأخرى باللغة الأرمنية، وقد سدّ "جوزيف سكالكر" "joseph scaliger" النقص الذي طرأ على النسخة الأصلية، باستفادته من هاتين الترجمتين١.
ولهذا الأسقف كتب مهمة أخرى، في مقدمتها كتاب "التاريخ الكنائسي" "ecclesiastical history" وهو في عشر كتب، يبدأ بأيام المسيح، وينتهي بوفاة الإمبراطور "licinius" سنة ٣٢٤م. وقد استقى كتابه هذا من مصادر قديمة، وأورد فيه أمورًا انفرد بها٢. ومن مؤلفاته: كتاب "شهداء فلسطين" "the martyrs of palastine" تحدث فيه عن تعذيبهم واستشهادهم في أيام "Diocletian" و "maximin" "٣٠٣- ٣١٠م" وكتاب "سيرة قسطنطين" "the life of Constantine"، وكتاب في فلسفة اليونان وديانتهم٣.
ومن مؤرخي الكنيسة: "athanasius" "حوالي ٢٩٦- ٣٧١"و "gelastius" "حوالي ٣٢٠- ٣٩٤م" أسقف قيصرية، وله تتمة لتاريخ "eusebius". و"روفينوس تيرانيوس" "rufinus tyranius" المتوفى سنة ٤١٠م، وصاحب كتاب "historiae ecclesiaticae" وقد ضمّنه أقسامًا من تاريخ "أوبسبيوس" و "إيرينوس" "irenaeus" "٤٤٤م"، وكان أسقفًا على "صور" "tyre"، وقد كتب مؤلفًا عن مجمع "أفسوس" للنظر في النزاع مع النساطرة، وكان يميل إليهم. والمؤرخ "سقراط" "socrates"، وهو من الفقهاء في الكنيسة، وقد اعتمد في تواريخه على من كتب قبله من المؤرخين، وقد وردت في ثناياها أخبار عن بلاد
стр. 63
العرب١. والمؤرخ "سوزومينوس" "sozomenus" "٤٠٠- ٤٤٣"، وله كتاب في التأريخ الكنائسي٢. و "ثيودوريث" "theodoret" المتوفى حوالي سنة ٤٥٧ للميلاد. و "زوسيموس" "zosimus"، وهو مؤرخ يوناني ألّف في تاريخ الإمبراطورية الرومانية -اليونانية؛ فأشار إلى العرب وعلاقاتهم بها. و "شمعون الأرشامسي" "simeon of beit arsham وهو صاحب "رسائل الشهداء الحميريين"٤ التي تبحث في تعذيب ذي نواس للنصارى في نجران، وقد جمع أخبارهم "على ما يدعيه" من بلاط ملك الحيرة أيام أوفده إليه إمبراطور الروم في مهمة رسمية. و"بروكوبيوس" "procopius" من رجال القرن السادس للميلاد، وكان أمين سر القائد "بليزاريوس" "belisarius" أعظم قوّاد "يوسطنيانوس"٥، وقد رافقه عدة سنين في بلاد فارس وشمال إفريقية وجزيرة صقلية. ومن مؤلفاته مؤلف في تأريخ زمانه؛ لا سيما حروب "يوسطنيانوس"، وكتاب "de bello persico" وقد وردت فيه أخبار ذات بال بالنسبة لبلاد العرب٦.
ومن هؤلاء "زكريا" "zacharias"، المتوفى حوالي سنة ٥٦٨م٧. ويوحنا"
стр. 64
ملالا" "john malalas" المتوفى سنة ٥٧٨م١. و "ميننذر" "menandar" "protector" المتوفى حوالي سنة ٥٨٢م٢. و"يوحنا الأفسي" john of ephesus" وقد ولد في حوالي سنة ٥٠٥م، وتوفي سنة ٥٨٥م تقريبًا، وله مؤلفات عديدة منها كتابه: "التأريخ الكنائسي" "ecclesiastica historia"، وهو في ثلاثة أقسام يبتدئ بأيام "يوليوس قيصر" وينتهي بسنة ٥٨٥م٤. وكتاب "تأريخ القديسين الشرقيين"، وقد فرغ من تأليفه سنة ٥٦٩م٣. ومن هؤلاء "إسطيفان البيزنطي" "stephanus byzantinus" المتوفى سنة ٦٠٠م٥. و"إيواكريوس" "evagrius" المعروف بـ "scholasticus" أي "المدرسي" المتوفى سنة ٦٠٠م. وهو صاحب كتاب "التأريخ الكنائسي" "historiae ecclesiasticae" في ستة أقسام. يبتدئ بذكر "المجمع الأفسوسي" المنعقد عام ٤٣١م وينتهي بسنة ٥٩٣.وهو من الكتب المهمة؛ لأن مؤلفه لم يكتب عن هوى شأن أكثر مؤرخي الكنيسة. وقد استعان بالنصوص الأصلية وبالكتب المؤلفة سابقًا٦.
ومن هؤلاء أيضًا "ثيوفليكت" "theophylactus simocatta" المتوفى سنة ٦٤٠م٧ و "ثيوفانس" "theophanes the confessor" المتوفى سنة ٨١٨م٨. و"إيليا النصيبي"٩ "dlijah "elis" of nisibis"، و"ميخائيل السوري"١٠
стр. 65
وفي قائمة المخطوطات السريانية في المتحف البريطاني أسماء مخطوطات تاريخية ودينية أخرى ذات فائدة كبيرة في هذا الباب١. وفي مجموعة الكتابات اليونانية واللاتينية٢ وفي المجموعات التي تبحث في أعمال القديسين وفي انتشار النصرانية، إشارات مهمة إلى بلاد العرب. وهناك كتاب نشره المستشرق "كارل مولر carl muller" لمؤلف مجهول اسمه "glaucus" يبحث في "آثار بلاد العرب"٣.
وهناك طائفة من المؤرخين النصارى من روم وسريان عاشوا في أيام الدولة الأموية والدولة العباسية، ألفوا في التاريخ العام وفي تواريخ النصرانية إلى أيامهم، فتحدثوا لذلك عن العرب في الجاهلية وفي الإسلام. ومؤلفات هؤلاء مفيدة من ناحية ورود معارف فيها لا ترد في المؤلفات الإسلامية عن الجاهلية والإسلام، تفيد في سد الثغر في التاريخ الجاهلي وفي الوقوف على النصرانية بين العرب وعلى صلات الروم والفرس بالعرب.
وأكثر الموارد المذكورة هي، ويا للأسف، مخطوطة، مخطوطة، ليس من المتيسر الاستفادة منها، أو مطبوعة ولكنها نادة؛ لأنها طبعت منذ عشرات من السنين فصارت نسخها محدودة معدودة لا توجد إلا في عدد قليل من المكتبات. ثم إنها في اليونانية أو اللاتينية أو السريانية، أي في لغاتها الأصلية، ولهذا صعب على من لا يتقن هذه اللغات الاستفادة منها، ولهذه الأمور ولأمثالها، لم يستفد منها الراغبون في البحث في التاريخ الجاهلي حتى المستشرقون منهم استفادة واسعة، فحرمنا الوقوف علىأمور كثيرة من أخبار الجاهلية كان في الإمكان الوقوف عليها لو تيسرت لنا هذه الكنوز.
стр. 66
الموارد العربية الإسلامية:
وأعني بها الموارد التي دوّنت في الإسلام وقد جمعت مادتها عن الجاهلية من
стр. 67
الأفواه، خلا ما يتعلق منها بأخبار صلات الفرس بالعرب وبأخبار آل نصر وآل غسان وبأخبار اليمن المتأخرة، فقد أخذت من موارد مرتبة يظهر أنها كانت مكتوبة كما سأتحدث عن ذلك.
والموارد المذكورة كثيرة، منها مصنفات في التاريخ، ومنها مصنفات في الأدب بنوعيه. من نثر ونظم، ومنها كتب في البلدان والرحلات والجغرافيا وفي موضوعات أخرى عديدة، هي وإن كانت في أمور لا تعد من صميم التاريخ، إلا أنها مورد من الموارد التي يجب الاستعانة بها في تدوين تاريخ الجاهلية؛ لأنها تتضمن مادة غزيرة تتعلق بتاريخ الجاهلية القريبة من الإسلام والمتصلة به، لا نجد لها ذكرًا في كتب التاريخ؛ فلا بد لمؤرخ الجاهلية من الأخذ منها لإتمام التاريخ.
الحق أننا أردنا البحث عن مورد يصور لنا أحوال الحياة الجاهلية، ويتحدث لنا عن تفكير أهل الحجاز عند ظهور الإسلام، فلا بد لنا من الرجوع إلى القرآن الكريم ولا بد من تقديمه على سائر المراجع الإسلامية، وهو فوقها بالطبع. ولا أريد أن أدخله فيها؛ لأنه كتاب مقدس، لم ينزل كتابًا في التاريخ أو اللغة أو ما شاكل ذلك، ولكنه نزل كتابًا عربيًا، لغته هي اللغة العربية التي كان يتكلم بها أهل الحجاز، وقد خاطب قومًا نتحدث عنهم في هذا الكتاب؛ فوصف حالتهم وتفكيرهم وعقائدهم، ونصحهم وذكَّرهم بالأمم والشعوب العربية الخالية١، وطلب منهم ترك ما هم عليه، وتطرّق إلى ذكر تجاراتهم، وسياساتهم وغير ذلك. وقد مثّلهم أناس كانت لهم صلات بالعالم الخارجي، واطلاع على أحوال من كان حولهم. وفيه تفنيد لكثير من الآراء المغلوطة التي نجدها في المصادر العربية الإسلامية؛ فهو مرآة صافية للعصر الجاهلي، وهو كتاب صدق لا سبيل إلى الشك في صحة نصه.
وفي القرآن الكريم ذكر لبعض أصنام أهل الحجاز، وذكر لجدلهم مع الرسول
стр. 68
في الإسلام وفي الحياة وفي المثل الجاهلية. وفيه تعرّض لنواحٍ من الحياة الاقتصادية والسياسية عندهم، وذكر تجارتهم مع العالم الخارجي، ووقوفهم على تيارات السياسة العالمية، وانقسام الدول إلى معسكرين، وفيه أمور أخرى تخص الجاهلية وردت فيه على قدر ما كان لها من علاقة بمعارضة قريش للقرآن والإسلام. وفي كل ما وردت فيه دليل على أن صورة الأخباريين التي رسموها للجاهلية، لم تكن صورة صحيحة متقنة، وأن ما زعموه من عزلة جزيرة العرب، وجهل العرب وهمجيتهم في الجاهلية الجهلاء، كان زعمًا لا يؤيده القرآن الكريم الذي خالف كثيرًا مما ذهبوا إليه.
والتفسير، مصدر آخر من المصادر المساعدة لمعرفة تأريخ العرب قبل الإسلام. وفي كتب التفسير ثروة تأريخية قيمة تفيد المؤرخ في تدوين هذا التأريخ، تشرح ما جاء مقتضبًا في كتاب الله، وتبسط ما كان عالقًا بأذهان الناس عن الأيام التي سبقت الإسلام، وتحكي ما سمعوه وما وعوه عن القبائل العربية البائدة التي ورد لها ذكر مقتضب في السور، وما ورد عندهم من أحكام وآراء ومعتقدات.
ولكن كتب التفاسير -ويا للأسف- غير مفهرسة ولا مطبوعة طبعًا حديثًا، وهي في أجزاء ضخمة عديدة في الغالب، ولهذا صعب على الباحثين الرجوع إليها لاستخراج ما يُحتاج إليه من مادة عن التأريخ الجاهلي، حتى إن المستشرقين المعروفين بصبرهم وبجلدهم وبعدم مبالاتهم بالتعب، لم يأخذوا من معينها إلا قليلًا، مع أن فيها مادة غنية عن نواحٍ كثيرة من أمور الجاهلية المتصلة بالإسلام.
وكتب الحديث وشروحها، هي أيضًا مورد غني من الموارد التي لا بد منها لتدوين أخبار الجاهلية المتصلة بالإسلام؛ إذ نجد فيها أمورًا تتحدث عن نواحٍ عديدة من أحوال الجاهلية لا نجدها في مورد آخر. فلا مندوحة من الرجوع إليها والأخذ منها في تدوين تأريخ الجاهلية، ولكن أكثر من بحث في التأريخ الجاهلي لم يغرف من هذا المنهل الغزير، بسبب عدم انتباههم لأهميته في تدوين تأريخ عرب الحجاز عند ظهور الإسلام؛ فعلينا نحن اليوم واجب الأخذ منه، لنزيد علمنا بتأريخ هذه الجاهلية المتصلة بالإسلام.
والشعر الجاهلي، مورد آخر من الموارد التي تساعدنا في الوقوف على تأريخ الجاهلية والاطلاع على أحوالها، وقديمًا قيل فيه إنه "ديوان العرب". "عن عكرمة. قال: ما سمعت ابن عبّاس فسّر آية من كتاب الله؛ ،
стр. 69
إلّا نزع فيها بيتًا من الشعر، وكان يقول: إذا أعياكم تفسير آية من كتاب الله؛ فاطلبوه في الشعر؛ فإنه ديوان العرب، وبه حُفظت الأنساب، وعُرفت المآثر، ومنه تُعلمت اللغة، وهو حجة فيما أشكل من غريب كتاب الله وغريب حديث رسول الله، ﷺ ، وحديث صحابته والتابعين"١. "وعن ابن سيربن قال: قال عمر بن الخطاب: كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه"٢. وقال الجمحيّ فيه، أي في الشعر الجاهلي: "وكان الشعر في الجاهلية ديوان علمهم ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون٣".
وقد جُمع الشعر الجاهلي في الإسلام، جمعه رواة حاذقون، تخصصوا برواية شعر العرب. قال "محمد بن سلام الجمحي": "وكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها، حمّاد الرواية، وكان غير موثوق به. كان ينحل شعر الرجل غيره، ويزيد في الأشعار"٤. واشتهر بجمعه أيضًا "أبو عمرو بن العلاء" المتوفى سنة "١٥٤" للهجرة٥، وخلف بن حيّان أبو محرز الأحمر٦، وأبو عبيدة، والأصمعي، والمفضَّل بن محمد الضبي الكوفي٧ صاحب المفضليات، وهي ثمان وعشرون قصيدة، قد تزيد وقد تنقص وتتقدم القصائد وتتأخر بحسب الرواية٨.
стр. 70
وأبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني المتوفى سنة ٢٠٦ للهجرة١، قيل: إنه جمع أشعار العرب؛ فكانت نيفا وثمانين قبيلة٢. وأبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي، المتوفى سنة ٢٣١ للهجرة٣، وأبو محمد جنّاد بن واصل الكوفي٤، وخلّاد بن يزيد الباهلي٥، وغيرهم ممن تفرغوا له، وصرفوا جلّ وقتهم في جمعه وحفظه وروايته.
"قال ابن عوف عن ابن سيرين. قال عمر بن الخطاب: كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه؛ فجاء الإسلام، فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد، وغزوا فارس والروم، ولهيت عن الشعر وروايته. فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يألوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب، فألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عنهم أكثره"٦. وورد عن "أبي عمرو بن العلاء" أنه قال: "ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم علم وشعر كثير"٧. ولا جدال بين العلماء حتى اليوم في موضوع ذهاب أكثر الشعر الجاهلي، وفي أن الباقي الذي وصل إلينا مدونًا في الكتب، هو قليل من كثير. وقد عللوا سبب اندثار أكثره وذهابه بسبب عدم تدوين الجاهليين له، واكتفائهم بروايته حفظًا، فضاع بتقادم الزمان، وبموت الرواة، وبانطماس أثره من الذاكرة، وبانشغال الناس بأمور أخرى عن روايته؛ ولا سيما رواية القديم منه الذي لم يعد يؤثر في العواطف تأثير الجديد منه الذي قيل قبيل الإسلام.
نعم جاء في الأخبار أنه "قد كان عند النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار
стр. 71
الفحول وما مدح به هو وأهل بيته؛ فصار ذلك إلى بني مروان أو ما صار منه"١. وورد عن "حماد الرواية" أنه ذكر أن النعمان ملك الحيرة أمر فنسخت له أشعار العرب في الطّنوح، وهي الكراريس؛ فكتبت له ثم دفنها في قصره الأبيض. فلما كان المختار بن أبي عبيد، قيل له: إن تحت القصر كنزًا، فاحتفره، فأخرج تلك الأشعار٢.
ووردت عنه أيضًا حكاية أهل مكة للمعلقات على الكعبة٣. ووردت أخبار أخرى تدل على وجود تدوين للشعر عند الجاهليين؛ إلا أننا لا نجد حمادًا ولا غير حماد ينص على أنه نقل ما دوّنه من تلك الموارد المدونة أو من غيرها مما وجده مدوّنًا. وهذا ما حدا بالعلماء قديمًا وحديثًا إلى البحث في هذا الموضوع: موضوع الشعر الجاهلي من ناحية وجود تدوين له، أو عدم وجود تدوين له. وأثر ذلك على درجة ذلك الشعر من حيث الصحة والأصالة والصفاء والنقاء٤.
وفي الشعر الجاهلي الواصل إلينا، شعر صحيح وشعر موضوع منحول حمل على الشعراء. وقد شخص أهل الفراسة بالشعر الصحيح منه ونصوا على أكثر الفاسد منه. ولم يقل أحد منهم أن الشعر الجاهلي موضوع كله فاسد لا أصل له. فدعوى مثل هذه، هي دعوى كبيرة لا يمكن أن يقولها أحد؛ إنما اختلفوا في درجة نسبة الصحيح إلى الفاسد، أو نسبة الفاسد إلى الصحيح.
"وكان ممن هجّن الشعر وأفسده وحمل كل غُثاء، محمد بن إسحاق مولى آل مخرمة بن المطلب بن عبد مناف. وكان من علماء الناس بالسير فنقل الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها، ويقول لا علم لي بالشعر إنما أوتي به فأحمله،
стр. 72
ولم يكن ذلك له عذرًا؛ فكتب في السير من أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قطّ، وأشعار النساء فضلًا عن أشعار الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود أفلا يرجع إلى نفسه: فيقول من حمل هذا الشعر، ومن أداه منذ ألوف من السنين، والله يقول: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى، وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ وقال في عاد: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ . ١
وآتهم "حمّاد الرواية" بالكذب وبوضع الشعر على ألسنة الشعراء، فقيل فيه:"وكان غير موثوق به. كان ينحل شعر الرجل غيره، ويزيد في الأشعار"٢. وقال "أبو جعفر النحاس" المتوفى سنة ٣٢٨ للهجرة في أمر "المعلقات": "إن حمّادًا هو الذي جمع السبع الطوال، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنها كانت معلقة على الكعبة"٣، واتهم غيره ممن ذكرت من جهابذة حفظة الشعر الجاهلي بالوضع كذلك. وقد نصوا في كثير من الأحايين على ما وضعوه، وحملوه على الجاهليين. وذكروا أسباب ذلك بتفصيل٤، كالذي فعله مصطفى صادق الرافعي في "تأريخ آداب العرب"٥.
وبعد هذه الكلمة القصيرة في الشعر الجاهلي – الذي سأتحدث عنه بإطناب في الجزء الخاص باللغة- أقول: إن إليه يعود فضل بقاء كثير من الأخبار المتعلقة بالجاهلية، فلولاه لم نعرف من أمرها شيئًا. ولست مبالغًا إذا قلت إن كثيرا من الأخبار قد ماتت لموت الشعر الذي قيل في مناسباتها، وإن أخبارًا خلقت خلقًا؛ لأن واضع الشعر أو راويه اضطر إلى ذكر المناسبة التي قيل فيها، فعمد إلى الخلق والوضع. وهو من ثم صار سببًا في تخليد الأخبار٦، لسهولة حفظه، ولاضطرار راويه إلى قص المناسبة التي قيل فيها.
وما قلته في أهمية الشعر الجاهلي بالقياس إلى عمل مؤرخ الجاهلية، ينطبق
стр. 73
أيضًا على أهمية شعر الشعراء المخضرمين بالقياس إلى عمل هذا المؤرخ؛ فقد أسهم أكثر الشعراء المخضرمين في أحداث وقعت في الجاهلية، وكان منهم من جالس "آل نصر" و "آل غسان"، وبقية سادات العرب، فورد في شعرهم أخبارهم وأحوالهم وطباعهم وغير ذلك. كما نجد في شعرهم مادة عن الحياة العقلية والمادية في أيامهم. ثم إن حياتهم اتصلت بالإسلام؛ فلم يكن شعرهم وما قالوه ورووه بعيد عهد عن أهل الأخبار ورواة الشعر، وهو من ثم أقرب إلى المنطق والواقع من شعر الجاهليين لبعدهم عن الرواة بعض البعد.
ولم ينج هذا الشعر أيضًا من الوضع؛ فحمل على بعض الشعراء مثل "حسان ابن ثابت" بعض الشعر لأغراض، منها العصبية القبيلة، كما سأتحدث عن ذلك بعد. وفي الجملة إن المؤرخ الحاذق الناقد لن تفوته هذه الملاحظة حين رجوعه إلى هذا الشعر إلى ما ورد على ألسنة الشرّاح.
وتعرضت كتب السِيَر والمغازي لأخبار الجاهلية بقدر ما كان للجاهلية من صلة بتاريخ الرسول، كما تعرضت لها كتب الأدب وكتب الأنساب والمثالب والبيوتات ومجامع الأمثال والكتب التي ألّفت في أخبار المعمرين، وفي الأيام، وفي البلدان، وفي المعجمات والجغرافية والسياحات وغير ذلك، فورد في ثناياها أخبار قيّمة عن هذه الجاهلية المتصلة بالإسلام. وهي موارد عظيمة الأهمية لمؤرخ هذه الحقبة، كثيرة العدد، هيأها عدد كبير من العلماء لا يمكن استقصاؤهم في هذه المقدمة، ولا التحدث عن مؤلفاتهم، وهو حديث يحتاج إلى فصول.
على أنّا يجب أن نأخذ بعض هذه الموارد المذكورة بحذر جدّ شديد، ولا سيما كتب "الأخبار والمثالب والمناقب والمآثر والأنساب"، فإن مجال الوضع والصنعة بها واسع كبير، لما للعواطف القبيلية فيها من يد ودخل، وللحزبية والأغراض فيها من تأثير. وطالما نسمع أن فلانًا وضع كتابًا في مثالب القبيلة الفلانية أو في مدحها ترضية لرجال تلك القبيلة، أو لحصوله على مال منها. ومن هنا وجب الاحتراس كل الاحتراس من هذه الموارد، ووجوب نقد كل رواية فيها قبل الاعتماد عليها والأخذ بها كمورد صحيح دقيق.
وفي كتب الأدب ثروة تأريخية قيمة، مبثوثة في صفحاتها، لا نجد لها مثيلًا ولا مكانًا في كثير من الأحايين في كتب أهل التأريخ عن التأريخ الجاهلي، حتى إني لأستطيع أن أقول إن ما أورده رجال الأدب عنه هو أضعاف أضعاف ما
стр. 74
رواه المؤرخون عن ذلك التأريخ، وأن ما جاءت به كتب الأدب عن ملوك الحيرة وعن الغساسنة، وعن ملوك كندة وعن أخبار القبائل العربية، هو أكثر بكثير مما جاءت به كتب التأريخ، بل هو أحسن منها عرضًا وصفاءً، وأكثر منها دقة. ويدل عرضه بأسلوبه الأدبي المعروف على أنه مستمد من موارد عريبة خالصة، وقد أخذ من أفواه شهود عيان، شهدوا ما تحدثوا عنه. وقد أفادنا كثيرًا في تدوين تأريخ الجاهلية الملاصقة للإسلام، ولشأنه هذا أودّ أن ألفت أنظار من يريد تدوين تأريخ هذه الحقبة إليه، وأن يرعاه بالرعاية والعناية وبالنقد، وسيحصل عندئذ على رأي لا يستطيع العثور عليه في كتب أهل التأريخ.
وقد صارت كتب المؤرخين المسلمين لذلك ضعيفة جدًّا في باب تأريخ العرب قبل الإسلام، ومادتها عن الجاهلية هزيلة جدّ قليلة بالقياس إلى ما نجده في كتب التفسير والحديث والفقه والأدب وشروح دواوين الشعراء الجاهليين والمخضرمين والموارد الأخرى. والغريب أن تلك الكتب اكتفت في الغالب بإيراد جريدة لأسماء ملوك الحيرة أو الغساسنة أو كندة أو حمير، مع ذكر بعض ما وقع لهم في بعض الأحيان، على حين نجد كتب الأدب تتبسط في الحديث عنهم، وتتحدث عن حوادث وأمور لا نجد لها ذكرًا في كتب المؤرخين؛ بل نجد فيها أسماء ملوك لم تعرفها كتب التأريخ، مما صيرها في نظري أكثر فائدة وأعظم نفعًا لتأريخ الجاهلية من كتب المؤرخين.
стр. 75
المؤرخون المسلمون:
لا نتمكن من الاطمئنان إلى هذه الأخبار والروايات المدونة في الموارد الإسلامية عن الجاهلية؛ إلا إذا وقفنا بها إلى حدود القرن السادس للميلاد أو القرن الخامس على أكثر تقدير. أما ما روي على أنه فوق ذلك، فإننا لا نتمكن من الاطمئنان إليه؛ لأنه لم يرد به سند مدون، ولم يؤخذ من نصّ مكتوب، وإنما أخذ من أفواه الرجال، ولا يؤتمن على مثل هذا النوع من الرواية؛ لأننا حتى إذا سلمنا إن رواة تلك الأخبار كانوا منزهين عن الميول والعواطف، وأنهم كانوا صدوقين في كل ما رووا، وكانوا أصحاب ملكة حسنة ذات قدرة في النقد وفي