← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فإن تك١ عنا معشر الأسد٢ سائلًا ... فنحن بنو الغوث بن زيد بن مالك لزيد بن كهلان الذي نال عزُّه ... قديمًا ذراريَّ النجوم الشَّوابك إذا القوم عدُّوا مجدهم وفعالهم ... وأيامهم عند التقاء المناسك وجدت لنا فضلًا يقر لنا به ... إذا ما فخرنا كل باقٍ وهالك٣ فأنت ترى أن الأبيات في الديوان خالية من نسب "سبأ" و"يشجب" و"يعرب" و"قحطان" و"هود" وغير ذلك، وأن أسلوب صياغة هذا النظم لا يمكن أن يكون من أسلوب شاعر جاهلي أو شاعر مخضرم، بل لا بد أن يكون من نظم المتأخرين، أضافه بعض المتعصبين لليمن إلى شعر حسان، ونظمه على وزن البيت الأول وطريقته؛ ليكون أوقع في النفس، ودليلًا على قدم ذلك النزاع. ولا أعتقد أن هنالك حاجة تدعوني إلى إلفات نظر القارئ إلى أن الأبيات المتقدمة الواردة في ديوانه، هي الأبيات المتقدمة عليها نفسها، أي: الأبيات التي أخذتها من كتاب الإكليل للهمداني رُويت بشكل آخر، بشكل يرينا أن الرواة مهما حاولوا إظهار أنهم على حرص تام في المحافظة على أصالة الشعر والمحافظة على الأصل، فإنه لا يتمكنون من ذلك. ونسب بعض الرواة إليه هذه الأبيات: تعلمتم من منظق الشيخ يعرب ... أبينا, فصرتم معربين ذَوِي نفر وكنتم قديمًا ما بكم غير عجمة ... كلام, وكنتم كالبهائم في القفر٤ وهي أبيات لم ترد في ديوانه، تشعر أن "يعرب"، وهو جد القحطانيين، هو أول من أعرب في لسانه، وأول من نطق بالعربية، فهو أول متكلم بها، وأول من أوجدها وكوَّنها، وأن العدنانيين تعلموها من أبنائه بعد أن كان لسانهم لسانا أعجميا. وأما من ناحية صحة نسبتها إلى شاعر الإسلام وشاعر

стр. 527

الأنصار، فإن في أسلوب نظمها وفي صياغة البيت الأول وجملة "منطق الشيخ يعرب"، ما فيه الكفاية لإظهار أنها مصنوعة، حُملت عليه حملًا، ولا يمكن أن يكون هذا النظم من نظم أول الإسلام، حتى وإن كان من شاعر من شعراء أهل المدر في ذلك العهد. وزعم أن حسان ذكر القيل "ذا ثات"، وهو من أقيال حمير, فقال هذا البيت: وفي هكر قد كان عز ومنعة ... وذو ثات قَيْلٌ ما يكلم قائله١ ولم يرد هذا البيت في ديوانه. أما أسلوب نظمه، فينبئك أن قائله يجب أن يكون شخصًا آخر من المتأخرين عن حسان، ممن كانوا يضعون الشعر على ألسنة غيرهم على نحو ما وضعوا على ألسنة التبابعة وآدم والجن. هذا ولحسان شعر لم يرد في ديوانه، بل ورد في موارد أخرى, منه ما هو مقبول ومنه ما هو مردود؛ لأنه منحول وقد حُمِل على حسان وأُلْصِق به، ولم يغفل العلماء عنه، بل أشاروا إليه ونبهوا أن بعض الناس قد تعمدوا وضعه وحمله عليه لمآرب. قال الأصمعي في ذلك: "تنسب إليه أشياء لا تصح عنه. وهذا فيما يظهر صحيح، وكثيرًا ما رأيت في سيرة ابن هشام أبياتًا لحسان من هذا القبيل يعقبها صاحب السيرة بقوله: وأهل العلم ينفيها عن حسان"٣, وقد نسب الجمحي الوضع على حسان إلى بعض قريش للغض منه، فقال: "وقد حمل عليه ما لم يحمل على أحد. لما تعاضهت قريش، واستبَّت، وضعوا عليه أشعارًا كثيرة، لا تليق به". وقد كان ذلك لتعرضه بهم، ولتعصبه المفرط ليثرب، وافتخاره بهم على قريش٤. هذا ومع إفراط "حسان" في التعصب ليثرب، لا نراه يذكر قحطان إلا

стр. 528

مرة واحدة، أما عدنان فلم يذكره في شعره قط. ولهذه الملاحظة أهمية كبيرة لتكوين رأي في فكرة "قحطان" وعدنان في ذلك العهد؛ إذ إنها تدل على أن القحطانية والعدنانية لم تكن عنده على النحو الذي صارت عليه فيما بعد، بعد اشتداد النزاع بين الأنصار وأهل مكة ومن حولها في خلافة بني أمية خصوصًا، وهم عصب العدنانيين، وأنه في كل فخره بالنسب لم يتجاوز الأزد، أبناء "الغوث بن زيد بن مالك بن زيد بن كهلان"١، وغسان, وآل نصر. وأما بعد إسلامه، فقد حول فخره وتباهيه إلى فخر بالأنصار على قريش ومضر ومعد، أي: أهل مكة، بنصرة قومه للإسلام، وبنصر النبي حين خذلوه وقاوموه, فكانوا ملوك الناس قبل محمد، فلما أتى الإسلام، كان لهم النصر في نصرته٢. ونجد هذا الفخر واضحًا قويًّا في شعره، فهو فخر أهل يثرب على أهل مكة, فخر الأنصار على مضر ومعد وقريش، فلم يصل الفخر بقومه عنده إذًا إلى حد الفخر بقحطان، أو باليمن كلها على عدنان. وأما ما ورد منه أكثر من ذلك، كما نرى في الأبيات المنسوبة إليه في الجزء الأول من الإكليل، فإنه عندي من ذلك النوع المنحول الذي أُضيف إليه؛ فالتكلف ظاهر عليه، والأسلوب مختلف عن أسلوبه، وهو من النظم المتأخر عن أيام حسان، من نظم وضَّاح يتكلف قول الشعر ولا يحسن صناعته. خذ قصيدته التي تمثل منتهى فخره بقومه، نَرَهُ يقول: ألم تَرَنَا أولاد عمرو بن عامر ... لنا شرف يعلو على كل مرتقي؟! رسا في قرار الأرض, ثم سَمَتْ له ... فروعٌ تُسَامي كل نجم مُحلَّق ملوك وأبناء الملوك، كأننا ... سواري نجومٍ طالعات بمشرق إلى أن يقول: كجفنة والقمقام عمرو بن عامر ... وأولاد ماء المزن وابني مُحَرّق

стр. 529

وحارثة الغطريف أو كابن منذر ... ومثل أبي قابوس ربّ الخورنق١ فلا تجد فخره بها يتعدى حدود الفخر بالأزد والغساسنة وآل نصر، أي: ملوك الحيرة, وهو ما وجدناه في أشعاره الأخرى. وقد عاب في هذه القصيدة "قيسًا" و"خندفًا" لأنهما قاومتا الرسول وآذتاه، مما يدل على أن هذين الاسمين كانا معروفين قبل الإسلام. هذا، وقد أضاف أهل الأخبار إلى قصيدة حسان التي مدح فيها الملك "جبلة بن الأيهم"، ومطلعها: لمن الدار أقفرت بمغان ... بين أعلى اليرموك والصمان٢ هذا البيت: أشهرنها فإن ملكك بالشا ... م إلى الروم فخر كل يماني٣ ولم يرد ذكر هذا البيت في الديوان. وهو بيت يتحدث كما ترى عن فخر باليمن: أصل الغساسنة، وأهل يثرب، وكل قحطان. وأغلب ظني أنه من الأبيات المدسوسة، وضعه أحد المعتصبين لليمن ودسَّه في القصيدة. هذا وقد نسب إلى النعمان بن بشير الأنصاري شعر قيل: إنه قاله في هذا الباب, ونسب إلى الطرماح بن حكيم مثل ذلك، وهو أيضا شاعر من شعراء الأنصار٤. وعلينا أن ندرس شعرهما، وشعر أمثالهما، وشعر شعراء قريش أيضًا دراسة نقد وتمحيص نميز بها بين صحيحه وفاسده؛ لنتمكن بذلك من تكوين رأي علمي صحيح في القحطانية والعدنانية وتأريخ ظهورهما. ولو تيسر لنا ديوان الأنصار أو دواوين الأنصار لزادت معارفنا، ولا شك، في هذا الباب وتمكنا من تكوين رأي في تلك العصبية القبلية بصورة أصح وأدق, ولا شك.

стр. 530

لقد حارب الإسلام العصبية الجاهلية، وآخى الرسول بين المهاجرين والأنصار، وحالف بين قريش وأهل يثرب، ونهى عن أحلاف الجاهلية، ورُوِيَ عنه أنه قال: "لا حلف في الإسلام" ١؛ لما ينتج عنه من فتن ومن قتال بين القبائل وغارات؛ ولأن الإسلام قد عوَّض عن الحلف وزاده شدة بنزوله٩, "وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة"٢, وعدَّ "التعرب" بعد الهجرة، أي أن يعود المرء إلى البادية ويقيم مع الأعراب, كبيرة من الكبائر, حتى عد من يعود إلى موضعه من البادية بعد الهجرة كالمرتد٣. ومع ذلك، لم يكن من الممكن تناسي العصبيات، وغسل آثار الجاهلية، وطمس معالمها تمامًا، فتحزبت القبائل وتكتلت، وكانت تحارب على أنها همدان٤، أو ربيعة٥، أو طيئ٦، أو مضر٧، أو قريش٨، أو قيس٩، أو الأزد، أو ربيعة١٠، أو تميم١١، أو غير ذلك من أسماء قبائل.

стр. 531

القحطانية والعدنانية في الإسلام: الحق: إن ما نسميه قحطانية أو عدنانية إنما هو صفحة من صفحات النزاع الحزبي عند العرب في الإسلام، شاء أصحابه ومثيروه إرجاعه إلى الماضي البعيد، ووضع تأريخ قديم له، فجعلوا له أصولًا زعموا أنها ترجع إلى ما قبل الإسلام

стр. 532

بكثير، وروَوْا في ذلك شعرًا لا يخرج في نظرنا عن هذا الشعر الذي يحفظه الرواة على لسان آدم وهابيل وقابيل والجن. وفي هذا الصراع القحطاني العدناني العنيف شرع في تدوين الأنساب وتثبيتها في القراطيس والكتب. فكان لهذا الصراع ولوضع القبائل وتكتلاتها في هذا الوقت أثر خطير في تثبيت أنساب القبائل وتسجيلها، ليس في هذا العهد فقط، بل في تثبيت أنساب قبائل الجاهلية وتسجيلها أيضًا. إذ سجلت هذه الأنساب: جاهلية وإسلامية على الرأي السائد في النسب يوم شرع في التسجيل والتدوين، أي: في أَوْجِ هذه العصبية العنيفة التي عمت الناس في صدر الإسلام. ومن هنا كان لا بد لفهم الفكرة القحطانية العدنانية من الإلمام بنزاع قحطان وعدنان في الإسلام. والذين قاموا بتسجيل الأنساب وتدوينها وتثبيتها في الكتب، كانوا هم أنفسهم من أصحاب العصبية لنزار أو لليمن ومن المتأثرين بالأحوال السياسية لذلك العهد؛ ولهذا نجد في أقوال بعضهم تحزبًا وتطرفًا وميلًا إلى تأييد فريق على فريق. ومن هنا كان لا بد لنا من التنبه لهذه العصبية، واتخاذ الحيطة والحذر عند دراسة هذا النزاع القحطاني العدناني. وقد استعملت في هذا العهد "مضر" في مقابل "الأزد"١، كما استعملت الأزد في مقابل تميم، وورد "أهل اليمن" أو اليمانية٢. ولكننا قلما نسمع في نداء القبائل وأخبار هذه الفتن أو الحروب التي وقعت في هذا العهد استعمال كلمة "عدنان" في مقابل "قحطان"، ويقال مثل ذلك في الأشعار أيضًا، في مثل شعر "الفرزدق" الذي استعمل كلمة "قحطان" في مقابل كلمة "نزار" وكلمة "يمن" في مقابل "نزار" أو "الأزد" في مقابل "نزار"٣. كما استعمل الحكم بن عبدل "قحطان" في مقابل "معد"٤. وقد ذكر الأعشى

стр. 533

في شعر له: "ومن معدّ قد أتى ابن عدنان"، وذلك في مقابل "قحطان"١. وفي أيام معاوية وابنه "يزيد" و"مروان بن الحكم"، نالت "كلب" مركزًا ساميًا؛ لتزوج معاوية امرأةً من كلب هي "ميسون بنت بحدَل"، فأصبحت هي والقبائل التي تؤيدها مقربة عند الخلفاء، مع أن الخلفاء من قريش، وقريش من قيس؛ وهذا مما أغضب قيسًا المعروفة بعدائها لكلب. وقد كانت لفظة "قيس" في هذا العهد ترادف كلمة "معد" و"مضر" و"نزار"٢, وأما "كلب" فترادفه اليمن. وقد عرفت المعركة التي وقعت في "مرج راهط" بين مروان وابن الزبير بأنها معركة "قيس" و"كلب"؛ لأن قيسا حاربت فيها عن "ابن الزبير", أما كلب فقاتلت عن مروان، وقد أوجد هذا الانتصار حقدا كبيرا بين "قيس" وحلفائها من القبائل، وبين كلب وأنصارها من القبائل التي ادعت أنها من اليمن؛ فوقعت حروب بين قيس وكلب هلك فيها خلق كثير من الفريقين٣, ولعب دورا مهما في تكتل القبائل وفي تجمع القحطانيين والعدنانيين. وقد أسهم الخلفاء الذين جاءوا بعد "عبد الملك"، ويا للأسف، في هذا النزاع، متأثرين بعاطفتهم وبدمهم من الأمهات، فكان بعضهم يؤيد القيسيين إذا كانت أمهم من قيس، وكان آخرون يؤيدون "كلبًا" إذا كانت أمهم من اليمن. وسار على هذه السياسة الولاة والعمال، فكانت النتيجة تكتل القبائل وانقسامها إلى معسكرين "قيس" و"يمن"، وتزعمت "أزد عمان" في البصرة وخراسان حزب "يمن" في مقابل "قيس" و"تميم"٤. ووقعت وقائع دموية بين يمن وقيس، أنهكت العرب جميعًا، وصارت من جملة العوامل التي عجلت بسقوط الأمويين. وحمل الشعراء مشاعل هذا النزاع، وأمدوا ناره بوقود غزير؛ نظموا القصائد في مدح قيس ومدح يمن, وفي ذم يمن وذم قيس بحسب قبيلة الشاعر ونسبه, أسهم فيه

стр. 534

الأخطل والكُميت ودِعْبِل الخزاعي وجرير بن عطية بن الخَطَفَى التميمي وإسحاق بن سويد العَدَوي وغيرهم، فكان مدح وكان ذم، وكان تباهٍ وافتخار، وكان قذع وهجاء. وبدلًا من أن يتدخل الحكام ومسيرو الأمة في إخماد نار هذه الفتنة وإسكات الشعراء جمعًا للصف، أسهموا هم أنفسهم كما قلت في هذه المعركة وشجعوا المحاربين فيها؛ ففرقوا بين العرب بسياستهم هذه وأطمعوا الأعاجم فيهم، وجعلوا العرب يقاتل بعضهم بعضًا، وبذلك توقفت الفتوحات العربية الإسلامية؛ نتيجةً لهذه السياسة المفرقة الخرقاء. ولم يقف هذا النزع على التباهي بقحطان وعدنان وبالأيام وبالشجعان، بل تجاوز ذلك إلى التباهي بارتباط كل فريق بجماعة من الأعاجم بروابط الدم والنسب والثقافة، فافتخرت النزارية بالفرس على اليمانية، وعدوهم من ولد "إسحاق بن إبراهيم" وافتخروا بإبراهيم جد العرب والفرس. ونظم "جرير بن عطية بن الخطفى التميمي" في ذلك شعرًا، جاء فيه": أبونا خليل الله لا تنكرونه ... فأكرم بإبراهيم جدًّا ومفخرا وأبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا ... حمائل موت لابسينَ السّنَّورا إذا افتخروا عدوا الصبهبذ منهم ... وكسرى وعدوا الهرمزان وقيصرا أبونا أبو إسحاق يجمع بيننا ... أب لا نبالي بعده من تأخرا أبونا خليل الله, والله ربنا ... رضينا بما أعطى الإله وقدرا١ ومن هذا القبيل، قول إسحاق بن سويد العدوي: إذا افتخرت قحطان يومًا بسؤدد ... أتى فخرنا أعلى عليها وأسودا ملكناهم بدءًا بإسحاق عمنا ... وكانوا لنا عونًا على الدهر أعبدا ويجمعنا والغر أبناء فارس ... أب لا نبالي بعده من تفردا٢ وقول بعض النزارية: وإسحاق وإسماعيل مدَّا ... معالي الفخر والحسب اللبابا فوارس فارس وبنو نزار ... كلا الفرعين قد كبرا وطابا٣

стр. 535

ولم يقف النزاريون عند هذا الحد، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فزعموا أن هذا النسب قديم، وأن قرابة الفرس بالعدنانيين قديمة، وأن الفرس كانت في سالف الدهر تقصد إلى البيت الحرام بالنذور العظام تعظيمًا لإبراهيم الخليل بانيه، وأنه عندهم أجل الهياكل السبعة العظيمة والبيوت المشرفة في العالم, وأن رجلا تولاه وأعطاه العدة والبقاء، واستشهدوا على صحة دعواهم بشعر زعموا أن قائله هو أحد شعراء الجاهلية: زمزمت الفرس على زمزم ... وذاك في سالفها الأقدم١ وترتب على هذا وضع نسب للفرس يتصل بنسب العرب العدنانيين، فزعموا أن "منوشهر" الذي ينتسب إليه الفرس هو "منشخر بن منشخرباغ", وهو "يعيش بن ويزك"، و"ويزك" هو إسحاق بن إبراهيم الخليل، واستشهدوا على زعمهم هذا بشعر، قالوا: إن بعض شعراء الفرس في الإسلام قاله مفتخرًا: أبونا ويزك وبه أسامي ... إذا افتخر المفاخر بالولاده أبونا ويزك عبد رسول ... له شرف الرسالة والزهادة٢ أما "يعيش بن ويزك" جد الفرس الجديد، فهو "عيسو" "Esau"، وفي العبرانية "Usu"، ومعناها "مشعر" أو "خشن"، وهو شقيق يعقوب وجد الأدوميين في التوراة وابن إسحاق٣. وأما "ويزك" فهو "يزك" أو "إيزك" "Isaac" "Icaak" وهو "إسحاق"، وهو في العبرانية "يصحق" "يصحك" "يصحاك" "Yishak" أي: "الضحاك". ويرى علماء التوراة أن الأصل اسم قبيلة كان يقال لها "يصحقيل" "يصحق ال" "يضحك ال" "Yishhakel" "Yishakil"، وهو والد "عيسو" و"يعقوب"٤. وقد أسهم بعض الفرس أنفسهم في إذاعة هذا النسب ونشره، وقد استشهد على صحة دعواه بالأشعار المذكورة التي تفتخر بالفرس على اليمانية، وأنهم من

стр. 536

ولد أبيهم إبراهيم١. ولعلهم قالوا ذلك تقربًا إلى الحكومة، وهي عدنانية، ولعوامل سياسية أخرى، منها تقريب الفرس من العرب، وضمان تعاونهم مع الخلافة في وجه النعرات القومية التي ظهرت في إيران. ولم يكتف العدنانيون بقرابتهم للفرس وللإسرائيليين، بل زعموا أن الأكراد من أقربائهم كذلك، وأنهم من نسل ربيعة بن نزار بن بكر بن وائل، أو أنهم من نسل ربيعة بن نزار بن معد، أو أنهم من نسل مضر بن نزار، أو من ولد كرد بن مرد بن صعصعة بن هوازن، وأنهم انفردوا في قديم الزمان لوقائع ودماء كانت بينهم وبين غسان، وأنهم اعتصموا بالجبال فحادوا عن اللغة العربية لما جاورهم من الأمم، وصارت لغتهم أعجمية, فذلك على رأي أهل الأخبار بدء نسب الأكراد٢. وقد لقي هذا النسب الجديد للأكراد تشجيعًا من بعض الأكراد في أيام العباسيين، وربما في أيام أواخر الدولة الأموية كذلك، فأيدوه وانقسموا أيضا فرقًا في شجرات النسب، فمنهم من أخذ بشجرة كرد بن مرد، ومنهم من أخذ بانتسابهم إلى سبيع بن هوازن، ومنهم من انتسب إلى ربيعة ثم إلى بكر بن وائل٣. وكان من الطبيعي أن يجعل القحطانيون أعداء الفرس من ذوي أرحامهم، وهم اليونان, فقالوا: إن يونان أخ لقحطان، وإنه من ولد عابر بن شالخ، وإنه خرج من أرض اليمن في جماعة من ولده وأهله ومن انضاف إلى جملته حتى وافى أقاصي بلاد المغرب فأقام هناك، وأنسل في تلك الديار، واستعجم لسانه ووازى من كان هناك في اللغة الأعجمية من الإفرنجة، فزالت نسبته، وانقطع نسبه وصار منسيا في ديار اليمن, وقالوا أيضا: إن الإسكندر من تبع٤. وكان من الطبيعي انزعاج العدنانيين من ربط نسب قحطان بيونان، فانبروا للرد عليه، وكيف يرضون أن يكون للقحطانيين أبناء عم على شاكلة اليونانيين، وقد

стр. 537

كانوا أمهر من الفرس، ولهم دولة كبرى. فقال أحدهم، وهو أبو العباس الناشئ: وتخلط يونانًا بقحطان ضلَّةً ... لَعَمْرِي لقد باعدت بينهما جِدَّا١ وأضاف القحطانيون الأتراك إليهم أيضا، فزعموا أن معظم أجناس الترك وهم "التبت" من حمير، وأن التبع "شمر يرعش" أو تبعًا آخر رتبهم هناك، وأن "شمر يرعش" هو الذي أمر ببناء "سمرقند"، إلى غير ذلك من أقوال لا ترضي العدنانيين بالطبع، وفي ذلك يقول "دعبل بن علي الخزاعي" في قصيدته التي يرد بها على "الكميت"، وفخر فيها بمن سلف من ملوكهم وسير في الأرض، وأن لهم من الفضل ما ليس لمعد بن عدنان، فقال في شعره: همو كتبوا الكتاب بباب مَرْوٍ ... وباب الصين كانوا الكاتبينا وهم جمعوا الجموع بسمرقند ... وهم غرسوا هناك التبتينا٢ وأضافوا "الضحاك" إليهم، وصيروه من "الأزد"، والأزد من اليمن، فهو يماني إذن أصيل٣. و"الضحاك" هو "بيوراسب" عند أهل الأخبار, وقد ملكوه ألف سنة, وهو بطل أسطوري عند الفرس٤. وقد أخذ أهل الأخبار "ضحاكهم" هذا من "إسحاق"، كما أخذ العدنانيون "ويزكهم" من "إسحاق" فصيروه "منشخر" على نحو ما ذكرت, وقد قلت: إن معنى "إسحاق" في العبرانية الضحاك. فالقحطانيون فعلوا هذا فعل العدنانيين، لجئوا إلى إسحاق فصيروه "الضحاك"، وبدلا من أن يقولوا: إنه "ويزك" من اسم "إسحاق" في العبرانية أخذوا معنى الاسم فصيروه اسما عربيا هو الضحاك, وجعلوه قحطانيا من الأزد. وكان كل فريق يرد على مزاعم الفريق الآخر، حين يضيف إليه أمة من الأمم. فلما ادعى العدنانيون أنهم هم والإسرائيليين والأعاجم من نسب واحد،

стр. 538

انبرى "دعبل الخزاعي" يرد عليهم في قصيدة ساخرة يقول فيها: فإن يك آل إسرائيل منكم ... وكنتم بالأعاجم فاخرينا فلا تنسَ الخنازير اللواتي ... مُسِخْنَ مع القرود الخاسئينا بأيلة والخليج لهم رسوم ... وآثار قدمن وما محينا لقد علمت نزار أن قومي ... إلى نصر النبوة فاخرينا قال هذه القصيدة في الرد على "الكميت"، وهو لسان من ألسنة النزارية، وقد تعرض فيها باليمانية وتهكم عليهم١. حتى الموالي، وهم كما نعلم من أصل غير عربي، أسهموا في هذه المعركة، وحاربوا في الصفوف الأولى منها، تعصب كل منهم للجانب الذي دخل في ولائه. هذا "أبو نواس"، وهو مولى "بني حكم بن سعد العشيرة"، يتعصب للقحطانية ويدافع بكل قواه عنها؛ لأن "بني الحكم" من اليمن. وقد حمله تعصبه لهم على نظم قصيدة هجا فيها قبائل نزار بأسرها وافتخر بقحطان وقبائلها، وقد أوجعت النزاريين وآلمتهم، فشكوه إلى الخليفة الرشيد وهو منهم، فأمر بحبسه بسببها، وقيل: إنه حده لأجلها، وأولها: لست لدار عفت وغيَّرها ... ضربان من قطرها وحاصبها ثم قال مفتخرًا باليمن وذاكرًا للضحاك: فنحن أرباب ناعظ ولنا ... صنعاء والمسك في محاربها وكان منا الضحاك يعبده الـ ... ـخابل والطير في مساربها ثم يستمر فيقول في هجاء نزار: واهجُ نزارًا وافرِ جلدتها ... وكشِّفِ السترَ عن مثالبها٢ وأثارت هذه القصيدة جماعة من النزارية، فردت عليه. وكان منهم رجل

стр. 539

من "بني ربيعة بن نزار"، فقال يذكر نزارًا ومناقبها، واليمن ومثالبها في قصيدة أولها: دع مدح دار خبا وانتهى ... عهد معدّ بزعم عاتبها ثم استمر، فقال: فامدح معدًّا وافخر بمنصبها الـ ... ـعالي على الناس في مناصبها وهتك الستر عن ذوي يمن ... أولاد قحطان غير هائبها١ وقد أنتج هذا النزاع القحطاني العدناني قصصًا وحكايات وشعرًا دُوِّن في الكتب، وأُنتج "حديثا" زعمٌ أن قائله هو الرسول، قاله في مدح قحطان أو في مدح عدنان، وأحيانا في مدح القبائل، مثل: حمير ومذحج وهمدان وغسان، وقبائل أخرى أو في مدح بيوتات معينة من مثل هذه القبائل. لقد تلون هذا النزاع بلون أدبي زاهٍ لا يخلو من طرافة وإن كان قد أساء من الناحية السياسية إلى هذه الأمة أيما إساءة. فقد لون اليمانيون تأريخهم القديم بألوان زاهية جميلة من القصص والحكايات والأخبار، فهم الذين زعموا أن قحطان هو ابن هود النبي، فأوصلوا نسبهم بالأنبياء، وهم الذين أوصلوا نسب قحطان إلى إسماعيل، فنفوا بذلك أي فضل كان للعدنانيين على القحطانيين في الآباء والأجداد، وهم المسئولون عن هذا التقسيم المشهور المعروف للعرب وجعل القحطانيين في الطبقة الأولى من العربية بالنسبة إلى العدنانيين، وهم الذين نظموا في الإسلام تلك الأشعار والقصائد التي ذكرها الرواة على أنها من نظم التبابعة وملوك القحطانيين، وهم الذين ساقوا تلك الحكايات عن الفتوحات العظيمة لملوك اليمن وعن حكم القحطانيين للعدنانيين واستذلالهم إياهم. وقد استغل العدنانيون ظهور الرسول بينهم، فاتخذوا من هذا الشرف ذريعة للتفاخر والتباهي على القحطانيين. وقد أجابهم اليمانيون على ذلك بأنهم هم الذين كان لهم شرف نصرة الرسول وإعلاء كلمة الله، وهم الذين كونوا مادة الجيش الإسلامي، وهم الذين آووا الرسول وفتحوا مكة. وتمسك العدنانيون بأذيال

стр. 540

إبراهيم وعدوه جدهم الخاص بهم، مع أنه جد العرب عامة كما في القرآن الكريم، ونفوا كل مشاركة للقحطانيين في هذا النسب الشريف. وقد كان لهم ما يساعدهم في تقوية حجتهم، فقد كان الرسول من صلب إسماعيل والرسول منهم، فإبراهيم هو أبو المختص بهم. ولرد دعوى الإسماعيليين هذه من اختصاص إسماعيل وإبراهيم بهم, وصل بعض رواتهم نسب قحطان بإسماعيل وإبراهيم، ولم يكتفوا بذلك فلا بد لهم من شرف زائد، ورجحان على العدنانيين الذين لم يبدأ ملكهم إلا في الإسلام، فاختصوا هودًا بهم، وجعلوه نبيا يمانيا. ثم لم يقبلوا بنبي واحد زيادة على الأنبياء الذين اختص بهم العدنانيون, فأضافوا إليهم صالحًا النبي وقالوا: إنه من صميم حمير وإنه صالح بن الهميع بن ذي ماذن نبي حمير من آل ذي رعين، وزعموا أن ثقيفا كان غلاما له١، وحصلوا بذلك على نبي وطعنوا في ثقيف، وهم من العدنانيين في الوقت نفسه، وأضافوا إليهم نبيا آخر من صميم حمير سموه أسعد تبع الكامل بن ملكي كرب بن تبع الأكبر بن تبع الأقرن، وقالوا: إنه ذو القرنين الذي قال الله تعالى فيه: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ٢. وذكروا أنه كان من أعظم التبابعة وأفصح شعراء العرب؛ ولذلك قال بعض العلماء فيه: ذهب ملك تبع بشعره، ولولا ذلك لما قدم عليه شاعر من العرب وقالوا: نهى النبي عن سبه؛ لأنه آمن به قبل ظهوره بسبعمائة عام، وليس ذلك إلا بوحي من الله , وهو أول من كسا البيت، وجعل له مفتاحا من ذهب. وأوردوا له أشعارا لإثبات إيمانه بالرسول تمنى فيها لو أدرك أيامه إذًا لآمن به، ولكان له وزيرا وابن عم، ولألزم طاعته كل من على الأرض من عرب وعجم، ورووا له أبياتا في البيت الحرام، وكيف كان يقصده فيمكث فيه تسعة أشهر، وكيف كان ينحر في العام سبعين ألفًا من البدن٣. وزعموا فوق هذا كله أنه تنبأ بعودة ملك حمير حيث يظهر المهدي منهم، وهو رجل حميري سبئي الأبوين، يعيد الملك إلى حمير بالعدل، في هذه الأبيات التي رواها عُبيد بن شَرْيَةَ الجُرهمي:

стр. 541

ومن العجائب أن حمـ ... ـير سوف تعلى بالقهور ويسودها أهل الموا ... شي من نضير أو نضير يعني النضر بن كنانة، وهو قريش. ويثيرها المنصور من ... جنبي أزال كالصقور وهو الإمام المرتجى المـ ... ـذكور من قدم الدهور وأنه قال: بمنصور حمير المرتجى ... يعود من الملك ما قد ذهب ويرجع بالعدل سلطانها ... على الناس في عجمها والعرب وقالوا: إن المنصور هو لقب القائم المنتظر الذي سيظهر ليعيد ملك حمير المسلوب١. وذكروا أنه كان في جملة ما قاله من شعر قوله: واعلم بنيَّ بأن كل قبيلة ... ستذل إن نهضت لها قحطان٢ إلى غير ذلك من أشعار نسبت إليه وإلى غيره من التبابعة تتحدث عن حقد القحطانيين على العدنانيين، وعن ألمهم الشديد لفراق ملكهم وانتقال الحكم منهم إلى المكيين، وقد كانوا من أتباعهم بالأمس. فعللوا أنفسهم بالتحدث عن الماضي، ثم صبروا أنفسهم بالحديث عن ملك سيعود، وعن دولة ستأتي، وعن مهدي يأخذ بالثأر، كالذي يفعله المغلوبون, وجعلوا ذا القرنين الذي ورد اسمه في سورة الكهف منهم٣، فقالوا: هو الهميسع بن عمرو بن زيد بن كهلان، أو الصعب بن عبد الله بن مالك بن زيد بن سدد بن حمير الأصغر، أو تبع الأكبر بن تبع الأقرن، أو تبع الأقرن، وكان مؤمنا عالما عادلا، ملك جميع الأرض وطافها، ومات في شمال بلاد الروم حيث يكون النهار ليلا إذا انتهت الشمس إلى برج الجدي. وقد كان يقول الشعر، وهو الذي بشر

стр. 542

بالنبي في شعره، وطبيعي أن يكون واضعو هذه الأشعار أناسًا من الأنصار ومن بقية فروع قحطان١. وتعلق متعصبو اليمانية بالأبنية الفخمة وبالمدن الكبرى، فجعلوها من أبنية ملوكهم أو من أبنية أسلافهم العرب العاربة. وقد ذكر المسعودي أن من اليمانية من يرى أن الهرمين اللذين في الجانب الغربي من فُسطاط مصر، هما قبرا "شداد بن عاد وغيره من ملوكهم السالفة الذين غلبوا على بلاد مصر في قديم الدهر، وهم العرب العاربة من العماليق وغيرهم"٢. ونسبوا لملوكهم الفتوحات الفخمة في الشرق والغرب. وأضافوا إليهم لقمان الحكيم، زعموا أنه لقمان الحميري، وقالوا: إنه كان حكيمًا عالمًا بعلم الأبدان والأزمان، وهو الذي وَقَّت المواقيت، وسمى الشهور بأسماء مواقيتها. وزعموا أن ياسر ينعم ملك بعد سليمان بن داود، وسمي ينعم؛ لأنه رد الملك إلى حمير بعد ذهابه، وأن الضحاك ملك من الأزد كان في وقت إبراهيم فنصره, وبذلك كانت للقحطانيين منة قديمة على إبراهيم وعلى العدنانيين بصورة خاصة. وقالوا أشياء أخرى كثيرة، قد يخرجنا ذكرها من صلب هذا الموضوع, من أعمال وفتوحات لشمر يرعش وغيره من التبابعة٣. وقد لوَّن العدنانيون تأريخهم، واستعانوا بالشعر، فوضعوا منه ما شاءوا في الرد على القحطانيين. قال ابن سلام: "نظرت قريش فإذا حظها من الشعر قليل في الجاهلية، فاستكثرت منه في الإسلام"٤، وعقبوا على الروايات القحطانية، فلما ادعى اليمانيون مثلا أن تبعهم "أبا كرب" فتح العراق والشام والحجاز، وأنه امتلك البيت الحرام، ونكل بالعدنانيين شر تنكيل، وأنه قال شعرا، منه:

стр. 543

لست بالتبع اليماني إن لم ... تركض الخيل في سواد العراق أو تؤدي ربيعة الخرج قسرًا ... أو تعقني عوائق العواق قال العدنانيون: نعم، وقد كانت بين تبع هذا وقبائل نزار بن معد وقائع وحروب، واجتمعت عليه معد من ربيعة ومضر وإياد وأنمار، فانتصرت عليه، وأخذت الثأر منه، وفي ذلك قال أبو دُوَاد الإيادي: ضربنا على تبع حربه ... حبال البرود وخرج الذهب وولى أبو كرب هاربًا ... وكان جبانًا كثير الرهب وأتبعته فهوى للجبين ... وكان العزيز بها من غلب١ إلى غير ذلك من القصص والحكايات التي وضعها الرواة في صدر الإسلام حين احتدم الخلاف بين الأنصار وقريش, سجلت في الكتب، ورُويت للناس، وانتشرت بينهم على أنها أمور واقعية، وأن العرب كانوا من أصلين: قحطان وعدنان. وقد كان لكل فريق رواة وأهل أخبار يقصون على الناس قصصًا وأخبارًا في أخبار النزاع القحطاني العدناني. فوضع "عبيد بن شرية الجرهمي" كثيرًا من القصص والأشعار عن العرب الأولى وعن القحطانيين، وضع ذلك لمعاوية بن أبي سفيان، وكان معاوية مغرمًا بسماع أساطير الأولين وأخبار الماضين، كما سبق أن أشرت إلى ذلك. ووضع "يزيد بن ربيعة بن مفرغ" المتوفى سنة "٦٩" للهجرة، وهو شاعر متعصب لليمن، قصص "تبع"٢. جاء في كتاب الأغاني: "سُئِل الأصمعي عن شعر تبع وقصته ومن وضعهما، فقال: ابن مفرغ. وذلك أن يزيد بن معاوية لما سيره إلى الشام وتخلصه من عبيد الله بن زياد، أنزله الجزيرة وكان مقيمًا برأس عين، وزعم أنه من حمير، ووضع سيرة تبع وأشعاره, وكان النمر بن قاسط يدعى أنه منهم"٣.

стр. 544

وظهرت كتب ضمت أخبار التبابعة وقصصهم، أشار إليها المسعودي، دعاها بـ"كتب التبابعة"١. وقد وقف عليها ونقل منها، وهي كما يظهر من نقله ومن نقل غيره منها من هذه الأساطير المنسوبة إلى عبيد ووهب ويزيد بن المفرغ وأمثالهم من أصحاب القصص والأساطير. وكان بين العدنانيين والقحطانيين جدل وكلام في لغة "إسماعيل"، فاليمانيون ومنهم "الهيثم بن عدي الطائي" كانوا يرون أن لسان "إسماعيل" الأول هو اللسان السرياني، ولم يكن يعرف العربية. فلما جاء إلى مكة وتصاهر مع جرهم، أخذ لسانهم وتكلم به، فصار عربيًّا. أما النزارية، فكانت تنفي ذلك نفيا قاطعا، وترده ردا شديدا، وتقول: لو كان الحال كما تزعمون "لوجب أن تكون لغته موافقة للغة جرهم أو لغيرها ممن نزل مكة, وقد وجدنا قحطان سرياني اللسان، وولده يعرب بخلاف لسانه. وليست منزلة يعرب عند الله أعلى من منزلة إسماعيل، ولا منزلة قحطان أعلى من منزلة إبراهيم، فأعطاه فضيلة اللسان العربي التي أعطيها يعرب بن قحطان"٢. فنفى النزارية العربية عن قحطان أيضا وصيروه كإسماعيل سرياني اللسان. وقد عقب "المسعودي" على هذا النزاع النزاري القحطاني بقوله: "ولولد نزار وولد قحطان خطب طويل ومناظرات كثيرة لا يأتي عليها كتابنا هذا في التنازع والتفاخر بالأنبياء والملوك وغير ذلك مما قد أتينا على ذكر جمل من حجاجهم وما أدلى به كل فريق منهم ممن سلف وخلف"٣. ونجد جملًا كثيرة من هذا النوع مبثوثة في كتابيه: مروج الذهب، والتنبيه والإشراف، تتحدث عن ذلك النزاع المرّ المؤسف الذي وقع بين العرب في تلك الأيام. ولعل هذه العصبية الجاهلية، هي التي حملت جماعة من المتكلمين منهم "ضرار بن عمرو بن ثمامة بن الأشرس" و"عمرو بن بحر الجاحظ" على الرغم, أن "النبط" خير من العرب؛ لأن الرسول منهم، ففضلوهم بذلك على العدنانيين والقحطانيين, وهو قول رد العدنانيون والقحطانيون عليه٤. قال به المتكلمون متأثرين بآراء أهل الكتاب في أنساب أبناء إسماعيل وبآرائهم الاعتزالية التي تكره التعصب في مثل هذه الأمور. وقد ذكر "المسعودي" شيئًا من الرد الذي وضعه القحطانيون والعدنانيون ضد هؤلاء.

стр. 545

العرب العاربة والعرب المستعربة: أما مصطلح "العرب العاربة" و"العرب المستعربة"، فهما على ما يتبين من روايات علماء اللغة والأخبار من المصطلحات القديمة التي تعود إلى الجاهلية، ولكننا لو درسنا تلك الروايات خرجنا منها، ونحن على يقين بأن الجاهليين لم يطلقوهما بالمعنى الذي ذهب إليه الإسلاميون، بل قصدوا بهما القبائل البعيدة عن أرض الحضارة، والقبائل القريبة منها، فقد عرفت القبائل النازلة ببلاد الشام والساكنة في أطراف الإمبراطورية البيزنطية بـ"المستعربة". "والمستعربة" مصطلح أطلق على هذه القبائل وعلى القبائل النازلة في سيف العراق من حدود نهر الفرات إلى بادية الشام، فهو يشمل إذًا القبائل النازلة على طرفي الهلال الخصيب وفي طرفي القوس الذي يحيط بحدود الإمبراطوريتين, ومن المستعربة غسان وإياد وتنوخ١. وقد فضلت غالبية هذه المستعربة السكنى في أطراف المدن في مواضع قريبة من البوادي والصحاري، عرفت عندهم بـ"الحاضر"، فكان في أكثر مدن بلاد الشام حاضر يقيم به العرب من تنوخ ومن غير تنوخ٢. وقد وجدت في تأريخ الطبري خبرًا زعم أنه جرى بين "خالد بن الوليد"، وبين "عدي بن عدي بن زيد العبادي"، يفهم منه أن العرب: عرب عاربة وأخرى متعربة. وقد جرى بينهما على هذا النحو: "قال خالد: ويحكم, ما أنتم؟ أعرب؟ فما تنقمون من العرب؟ أم عجم، فما تنقمون من الإنصاف والعدل؟ فقال له عدي: بل عرب عاربة وأخرى متعربة. فقال: لو كنتم كما تقولون لم تحادّونا وتكرهوا أمرنا، فقال له عدي: ليدلك على ما نقول أنه ليس لنا لسان إلا بالعربية"٣. فيفهم من هذا الحديث أن العرب: عرب عاربة وعرب متعربة, وهم أناس تعربوا فصاروا عربًا. وهو كلام معقول

стр. 546

مقبول، ولا سيما بالنسبة إلى الحيرة والعراق وبلاد الشام، حيث تعرب فيها كثير ممن لم يكن عربيًّا في الأصل فصاروا عربًا، لسانهم لسان العرب، ولا يفهم من هذا الكلام بالطبع تقسيم العرب بالمعنى المفهوم عند أهل الأخبار والتأريخ، أي: عرب قحطانيون وعرب عدنانيون, وكل ما قصد به إن صح أن هذا الكلام هو كلام "خالد" وكلام "عدي" حقًّا, تعنيف وتأنيب لعدي بن عدي بن زيد على وقوفه هو وقومه وأهل الحيرة موقفا معاديا للمسلمين، وتأييدهم للفرس ولدفاعهم عنهم، مع أنهم عجم بعيدون عنهم, فكأنه قال لهم: لو كنتم عربًا فكيف تؤيدون عجمًا علينا ونحن عرب؟ و"عدي" من العرب، وأبوه من تميم كما يقول النسابون. فهو ليس من العرب الأخرى المتعربة، ولكن من العرب العاربة، أي: عرب بالأصالة، كما أن خالدا نفسه من العرب العاربة؛ لأنه عربي أصلا وإن كان عدنانيًّا, فلم يقصد بالعرب العاربة هنا العرب القحطانيين، ولا بالعرب المتعربة العرب العدنانيين. فالعرب المتعربة إذن هم المتعربون من أهل الحيرة وغيرهم، ممن كانوا من النبط وبني إرم أو غيرهم ثم دخلوا بين العرب ولحقوا بهم، فصار لسانهم لسانا عربيا مثل العرب الآخرين وتعربوا بذلك. ويلاحظ أن "غسان" قد أدخلت في "المستعربة" مع أنها من العرب العاربة، أي: من العرب القحطانيين في عرف النسابين. وفي ذلك دلالة على أن مدلول العرب العاربة والعرب المستعربة لم يكن في الجاهلية وفي صدر الإسلام بالمعنى الذي صار عليه عند علماء النسب وأهل الأخبار، وأن تخصيص العرب العاربة بالقبائل التي ترجع نفسها إلى اليمن، والعرب المستعربة بالقبائل التي يرجعون نسبها إلى عدنان، قد وقع من النسابين في أيام الأمويين فما بعد.

стр. 547

الفصل الثاني عشر: طبقات القبائل مدخل ... الفصل الثاني عشر: طبقات القبائل ورتب علماء الأنساب قبائل العرب على مراتب، هي: شعب، ثم قبيلة، ثم عمارة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة. فالشعب: النسب الأبعد مثل عدنان وقحطان، والقبيلة مثل ربيعة ومضر، والعمارة مثل قريش وكنانة، والبطن مثل بني عبد مناف وبني مخزوم، ومثل بني هاشم وبني أمية، والفصيلة مثل بني أبي طالب وبني العباس١, وجعل "ابن الكلبي" مرتبة بين الفخذ والفصيلة, هي مرتبة العشيرة، وهي رهط الرجل٢. وبنى "النويري" طبقات القبائل على عشر طبقات, هي: الجِذْم، والجماهير، والشعوب، والقبائل، والعمائر، والبطون، والأفخاذ، والعشائر، والفصائل, والأرهاط٣, ورتب "نشوان بن سعيد الحميري" القبائل على هذا النحو: الشعب، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الجيل، ثم الفصيلة, وجعل مضر مثال الشعب، وكنانة مثال القبيلة، وقريشًا مثال العمارة، وفهرًا مثال البطن، وقُصَيًّا مثال الفخذ، وهاشمًا للجيل، وآل العباس للفصيلة٤.

стр. 548

وأكثر علماء النسب يقدمون الشعب على القبيلة، والظاهر أن هذه الفكرة كانت قد اختمرت في رءوس الجاهليين الذين عاشوا في الجاهلية القريبة من الإسلام, حيث ظهرت عندهم الفكرة القومية بمعنًى واسع، وحيث نجد عندهم ظهور الكلمات التي تشير إلى هذا المعنى، مثل إطلاقهم العرب على العرب جميعًا اصطلاحًا، وحيث أخذ الحس القومي يظهر بين القبائل بوجوب التكتل لمكافحة الغرباء، كالذي حدث في معارك اليمن مع الحبش، وفي معارك عرب العراق مع الفرس. وقد قدم القرآن الكريم الشعوب على القبائل ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ١. فالشعوب هنا فوق القبائل, وتعبر عن هذا المعنى الواسع الذي أتحدث عنه. وزاد بعض العلماء الجذم، بأن وضعوها قبل الشعب، ووضعوا الفصيلة بعد العشيرة، ومنهم من زاد بعد العشيرة الأسرة، ثم العترة. ورتبها آخرون على هذه الصورة: الجذم، ثم الجمهور، ثم الشعب، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم العشيرة، ثم الفصيلة، ثم الرهط، ثم الأسرة، ثم العترة، ثم الذرية. وزاد غيرهم في أثنائها ثلاثة، هي: البيت، والحي، والجماع. والاختلاف الذي نراه من علماء النسب هو في الترتيب، أي: من حيث التقديم والتأخير، وفي إضافة بعض المصطلحات أو في نقصها. أما من حيث العموم، فإننا نجدهم يتفقون في الغالب ولا يختلفون أبدًا, في أن القبائل والأنساب كانت على منازل ودرجات, ولا بد أن تكون أكثر هذه المصطلحات مصطلحات أهل الجاهلية القريبين من الإسلام. أما بالنسبة إلى الجاهليين البعيدين عنه، فلن يكون حكمنا عليهم علميا إلا إذا أخذنا مصطلحاتهم من كتاباتهم. ولم نتمكن, ويا للأسف, من الحصول على مادة منها تفيدنا في هذا الباب, فليس لنا إلا الصبر والانتظار. والقبيلة: الجماعة تنتمي إلى نسب واحد٢، ويرجع ذلك النسب إلى جد أعلى، أو إلى جدة وهو في الأقل. ولا تزال اللفظة حية مستعملة يستعملها

стр. 549

العرب في كل مكان بالمعنى الاصطلاحي المستعمل عند النسابين١. والقبيلة هي المجتمع الأكبر بالنسبة إلى أهل البادية، فليس فوقها مجتمع عندهم, وهي في معنى "شعب" عندنا وفي مصطلحنا الحديث. وتتفرع من القبيلة فروع وأغصان، هي دون القبيلة؛ لأنها في منزلة الفروع من الشجرة. ثم اختلفوا في عدد الفروع المتفرعة من القبيلة، فجعل بعضهم بعد القبيلة العِمارة ثم البطن، ثم الفخذ ثم الفصيلة٢، وجعل بعض آخر ما دون القبيلة: العمارة, ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، وزاد بعض آخر قبل الشعب الجذم، وبعد الفصيلة العشيرة, ومنهم من زاد بعد العشيرة الأسرة، ثم العترة. ورتب بعض النسابين طبقات النسب على هذا النحو: جذم، ثم جمهور، ثم شعب، ثم قبيلة، ثم عمارة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم عشيرة، ثم فصيلة، ثم رهط، ثم أسرة، ثم عترة، ثم ذرية. وزاد بعضهم في أثنائها ثلاثة، وهي: البيت والحي، والجماع٣. ويدل اختلاف النسابين في ضبط أسماء ما فوق القبيلة أو ما تحتها، واضطرابهم في الترتيب على أن هذا الترتيب لم يكن ترتيبًا جاهليًّا أجمع الجاهليون عليه، وإلا لما تباينوا هذا التباين فيه، ولما اختلفوا هذا الاختلاف في سرده، إنما هو ترتيب اجتهادي أخذه العلماء من أفواه الرواة ومن الأوضاع القبلية التي كانت سائدة في أيامهم ومن اجتهادهم أنفسهم، فرتبوها على وفق ذلك الاجتهاد. وأكثر هذه المصطلحات لم ترد لا في الكتابات الجاهلية ولا في الشعر المنسوب إلى الجاهليين؛ لذلك يصعب على الإنسان أن يبدي رأيا علميا مقبولا فيها، وأعتقد أن خير ما يمكن فعله في هذا الباب هو استنطاق الكتابات الجاهلية وتفليتها وتفلية الشعر الجاهلي للبحث عما فيه من مصطلحات تتعلق بالنظم القبلية، وعندئذٍ نتمكن من تكوين رأي قريب من الصواب والصحة في هذا الموضوع. ومن أجل ذلك قال "روبرتسن سمث": إن البطن والحي هما أساس أقدم أشكال المجتمعات السياسية عند الساميين.

стр. 550

كما استدل من أسماء بعض القبائل التي تحمل أسماء بعض الحيوانات، مثل: بني أسد، وبني كلب، وبني بدن، وبني ثعلب، وبني ثور، وبني بكر، وبني ضب، وبني غراب، وبني فهد، وما شاكل ذلك من أسماء جماعة من القبائل، وبعضها عمائر، وبعضها بطون أو فصائل على وجود "الطوطمية" عند العرب، وعلى أن هذه الأسماء هي من ذكريات "الطوطمية" القديمة. وقد تأثر بنظريته هذه جماعة من العلماء, وعد بعض العلماء نظرية "الطوطمية" مفتاحًا يوصل إلى حل كثير من المسائل الغامضة من تأريخ البشرية القديم. هذا وقد أرجع "ابن حزم" جميع قبائل العرب إلى أب واحد، سوى ثلاث قبائل هي: تنوخ، والعتق، وغسان، فإن كل قبيلة منها مجتمعة من عدة بطون. وقد نص غيره من أهل النسب على أن تنوخًا اسم لعشر قبائل، اجتمعوا وأقاموا بالبحرين، فسموا تنوخًا, وذكر بعض آخر أن غسان عدة بطون من الأزد، نزلت على ماء يسمى غسان، فسميت به. فترى من هنا أن تنوخًا والأزد حلف في الأصل، وقد صار مع ذلك نسبا عند كثير من أهل الأخبار في الدفاع عنه. ولما كانت هذه النزعة الفردية هي هدف سياسة سادة القبائل، أصبحت من أهم العوائق في تكوين الحكومات المدنية الكبيرة في جزيرة العرب، ومن أبرز مظاهر الحياة السياسية قبل الإسلام. وينطبق ما قلته عن تنظيم القبيلة وبناء الأنساب عليه على أهل الحضر أيضًا؛ فالحضر، ولا سيما حضر الحجاز، وإن استقروا وأقاموا غير أنهم لم يتمكنوا من ترك النظم البدوية الاجتماعية القائمة على مراعاة قواعد النسب وفقًا للتقسيمات المذكورة. وهي تقسيمات أوجدتها طبيعة الحياة في البادية، تلك الحياة الشحيحة التي لا تتحمل طاقاتها تقديم ما يحتاج إليه مجتمع كبير مستقر من مأكل وماء؛ ولذلك اضطرت المجتمعات الكبرى وهي القبائل، على التشتت والانقسام والانتشار كتلًا تختلف درجات حجمها حسب طبيعة الأرض التي نزلت بها، من حيث الكرم والبخل. ولما استقر بعض هؤلاء البدو وتحضروا في أماكن ثابتة مثل مكة ويثرب والطائف، حافظوا على نظمهم الاجتماعية المذكورة الموروثة من حياة البادية، وعاشوا في مدرهم أحياءً وشعابًا عيشة قائمة على أساس الروابط الدموية والنسب، كما سأتحدث عن ذلك في الحياة الاجتماعية. والنسب عند العرب، هو نسب يقوم إذن على الطبقات المذكورة، كما أن

стр. 551

الطبقات المذكورة قائمة على دعوى النسب، فبين النسب وبناء المجتمع صلة وارتباط، ولا يمكن فك أحدهما عن الآخر؛ ولهذا نجد شجرات الأنساب تتفرع وتورق وتزهر على هذا الأساس. وأنا لا أستثني المجتمع العربي في الجنوب، الذي تغلب عليه حياة الاستقرار والسكن والاستيطان من هذا التنظيم. فنحن وإن لم نتمكن حتى الآن من الحصول على كتابات كافية تقدم لنا صورة واضحة عن الأنساب وعن تنظيمات المجتمع عند المعينيين والسبئيين وغيرهم من العرب الجنوبيين، غير أن في بعض الكتابات التي وصلت إلينا إشارات تفيد وجود هذا التنظيم عند العرب الجنوبيين. والعرب الجنوبيون وإن غلبت عليهم حياة السكن والاستقرار، غير أن زمانهم لم يتمكن من تحرير نفسه من قيود الحياة القبلية، ولم يكن من الممكن بالنسبة لهم الابتعاد عن الاحتماء بالعصبية القبلية وبعرف القبيلة، فالطبيعة إذ ذاك طبيعة حتمت على الناس التمسك بتلك النظم لحماية أنفسهم وللدفاع عن أموالهم, حيث لا حق يحمي المرء غير حق العصبية القائم على أساس النسب والدم. ويعبر عن القبيلة بلفظة "شعبم" و"شعبن" في العربيات الجنوبية, أي: "قبيلة" و"القبيلة"١. أما لفظة "القبيلة" فلم أعثر على وجود لها في كتابات المسند, فلعلها من الألفاظ الخاصة بأهل الحجاز ونجد. وأما ما دون "الشعب" أي القبيلة في اصطلاحنا، فلم أقف على مسمياتها بالنحو الذي يذكره أهل الأنساب, وإنما نجد العرب الجنوبيين يقسمون القبيلة إلى أقسام، مثل "ربعن" أي: "ربع" و"ثلثن" أي: ثلث, ويريدون بذلك ربع قبيلة وثلث قبيلة. وربما كانوا يقسمونها إلى أقسام أخرى، لم تصل أسماؤها إلينا، ولعل الأيام ستزودنا بما كان العرب الجنوبيون يستعملونه من مصطلحات في النسب عندهم، وذلك قبل الإسلام بزمان طويل، وبالمصطلحات التي كانوا يطلقونها على فروع القبيلة في تلك الأوقات. وبينما نجد أهل الأنساب ينسبون أهل الوبر وأهل المدر إلى أجداد، عاشوا

стр. 552

وماتوا، نجد المعينيين مثلا يستعملون جملة: "أولدهو ود"١، أي "أولاد ود"، و"ود" هو إله شعب معين الأكبر، كما نجد السبئيين يطلقون على أنفسهم "ولد المقه"٢، أي أولاد الإله "المقه", والمقه كما سنرى فيما بعد، هو إله سبأ الأول. ونجد القتبانيين يدعون أنفسهم "ولد عم" أي: أولاد عم٣. ومعنى هذا، أن كل قبيلة من القبائل المذكورة، نسبت نفسها إلى إلهها الخاص بها واحتمت به، تمامًا كما فعل العبرانيون وغيرهم، إذ نسبوا أنفسهم إلى إله قومي اعتبروه إلههم الخاص بهم، المدافع عنهم، والذي يرزقهم وينفعهم, وقد يعد هذا نسبًا. أما نسب على النحو الذي يقصده ويريده أهل الأخبار، أي: جد عاش ومات وله أولاد وحفدة، فهذا لم يصل خبره إلينا في كتابات المسند، بل في كل ما وصل إلينا من كتابات جاهلية حتى الآن.

стр. 553

الأنساب: وأقرب تفسير إلى أنساب العرب في نظري هو أن النسب، ليس بالشكل المفهوم المعروف من الكلمة، وإنما هو كناية عن "حلف" يجمع قبائل توحدت مصالحها، واشتركت منافعها، فاتفقت على عقد حلف فيما بينها، فانضم بعضها إلى بعض، واحتمى الضعيف منها بالقوي، وتولدت من المجموع قوة ووحدة، وبذلك حافظت تلك القبائل المتحالفة على مصالحها وحقوقها. قال البكري: "فلما رأت القبائل ما وقع بينها من الاختلاف والفرقة، وتنافس الناس في الماء والكلأ، والتماسهم المعاش في المتسع، وغلبة بعضهم بعضًا على البلاد والمعاش، واستضاف القوي الضعيف، انضم الذليل منهم إلى العزيز، وحالف القليل منهم الكثير، وتباين القوم في ديارهم ومحالهم، وانتشر كل قوم فيما يليهم". لقد حملت الضرورات قبائل جزيرة العرب على تكوين الأحلاف؛ للمحافظة على الأمن وللدفاع عن مصالحها المشتركة كما تفعل الدول. وإذا دام الحلف

стр. 554

أمدًا، وبقيت هذه الرابطة التي جمعت شمل تلك القبائل متينة، فإن هذه الرابطة تنتهي إلى نسب، حيث يشعر أفراد الحلف أنهم من أسرة واحدة تسلسلت من جد واحد، وقد يحدث ما يفسد هذه الرابطة، أو ما يدعو إلى انفصال بعض قبائل الحلف، فتنضم القبائل المنفصلة إلى أحلاف أخرى، وهكذا نجد في جزيرة العرب أحلافًا تتكون، وأحلافًا قديمة تنحل أو تضعف. لم يكن في مقدور العشائر أو القبائل الصغيرة المحافظة على نفسها من غير حليف قوي، يشد أزرها إذا هاجمتها قبيلة أخرى، أو أردات الأخذ بالثأر منها. لقد كانت معظم القبائل داخلة في هذه الأحلاف، إلا عددا قليلا من القبائل القوية الكثيرة العدد، يذكر أهل الأخبار أنها كانت تتفاخر لذلك بأنفسها؛ لأنها لا تعتمد على حليف يدافع عنها، بل كانت تأخذ بثأرها وتنال حقها بالسيف. ويشترك المتحالفون في الغالب في الموطن، وقد تنزل القبائل على حلفائها، وتكون الهيمنة بالطبع في هذه للقبائل الكبيرة. وقد عرفت مثل هذه الأحلاف عند سائر الشعوب السامية كالعبرانيين مثلا، وطالما انتهت كما انتهت عند العرب إلى نسب، حيث يشعر المتحالفون أنهم من أسرة واحدة يجمع بينهم نسب واحد. ويقال للحلف أيضا "تحالف"، وعند اليمانين "تكلع". ويرى "جولدتزيهر" أنه لفهم الأنساب عند العرب، لا بد من معرفة الأحلاف والتحالف؛ فإنها أساس تكون أنساب القبائل، فإن هذه الأحلاف التي تجمع شمل عدد من البطون والعشائر والقبائل هي التي تكوَّن القبائل والأنساب، كما أن تفكك الأحلاف وانحلالها يسبب تفكك الأنساب وتكوين أنساب جديدة, ويرى أيضا أن الدوافع التي تكون هذه الأحلاف لم تكن ناشئة عن حس داخلي بوجود قرابة وصلة رحم بين المتحالفين وشعور بوعي قومي، بل كانت ناشئة عن المصالح الخاصة التي تهم العشيرة كالحماية والأخذ بالثأر وتأمين المعيشة؛ ولذا نجد الضعيف منها يفتش عن حليف قوي، فانضمت "كعب" مثلًا إلى "بني مازن" وهم أقوى من "كعب"، وانضمت "خزاعة" إلى "بني مدلج"، كما تحالفت "بنو عامر" مع "إياد" وأمثلة أخرى عديدة. ولما كانت المصالح الخاصة هي العامل الفعال في تأليف الأحلاف، كان أمد الحلف يتوقف في الغالب على دوام تلك المصالح. وقد تعقد الأحلاف لتنفيذ شروط اتفق عليها، فمتى نفذت

стр. 555

أو تلكأ أحد الطرفين في التنفيذ انحل الحلف. وتعد هذه الناحية من النواحي الضعيفة في التأريخ العربي، فإن تفكير القبائل لم يكن يتجاوز عند عقدهم هذه الأحلاف مصالح العشائر أو القبائل الخاصة؛ لذلك نجدها تتألف للمسائل المحلية التي تخص القبائل، ولم تكن موجهة للدفاع عن جزيرة العرب ولمقاومة أعداء العرب. ولا يمكن أن نطلب من نظام يقوم على العصبية القبلية أن يفعل غير ذلك, فإن وطن القبيلة ضيق بضيق الأرض التي تنزل فيها، فإذا ارتحلت عنها ونزلت في أرض جديدة، كانت الأرض الجديدة الموطن الجديد الذي تبالغ القبيلة في الدفاع عنه. ولما كانت هذه النزعة الفردية هي هدف سياسة سادة القبائل، أصبحت من أهم العوائق في تكوين الحكومات المدنية الكبيرة في جزيرة العرب، ومن أبرز مظاهر الحياة السياسية قبل الإسلام. خذ اختلاف النسابين في نسب بعض القبائل وتشككهم فيه، فإنه في الواقع دليل قوي يؤيد هذا الرأي، فقد اختلف في نسب "أنمار" مثلا؛ فمنهم من عدها من ولد "نزار"، ومنهم من أضافها إلى اليمن, والذين يضيفونها إلى "نزار" يقولون: إن أنمارًا من نزار، وأنمار هو شقيق ربيعة ومضر وإياد، فهو أحد أبناء نزار, دخل نسله في اليمن، فأضيفوا إليه، ومن هنا حدث هذا الاختلاف. أما اليمانية، فإنهم يرون أن أنمارًا هو منهم، وقد كان أحد ولد "سبأ" العشرة. فهو عندهم شقيق لخم وجذام وعاملة وغسان وحمير والأزد ومذحج وكنانة والأشعرين, ويرون أن بجيلة وخثعمًا من أنمار, ويستدلون على ذلك بحديث ينسبونه إلى الرسول. وأما الذين يرجعون نسبه إلى "نزار" فيستدلون على نسبه هذا بحديث ينسبونه إلى الرسول أيضا. وفي الجملة لا يهمنا هنا موضوع نسب "أنمار" أكان في اليمن أم كان في نزار، وإنما الذي يهمنا أن الأحلاف تؤثر تأثيرًا كبيرًا في نشوء النسب، فلولا دخول أنمار في اليمن ونزولها بين قبائل يمانية، لما دخل نسبها في اليمن. ولولا دخول أنمار في قبائل عدنانية وتحالفها معها لما عدها النسابون من نزار، ولما عدوا أنمارًا ابنًا من أبناء نزار الأربعة. فاختلاط "أنمار" في اليمن وفي نزار وترددها بين الجماعتين هو الذي أوقع النسابين في مشكلة نسبها. وطالما دفعت الحروب القبائل المغلوبة على الخضوع لسيادة القبائل الغالبة وقد تتحالف معها وتدخل في جورها، وإذا دام ذلك طويلًا، فقد يتحول الحلف والجوار إلى

стр. 556

نسب. ثم إن تقاتل القبائل بعضها مع بعض يؤدي أحيانًا إلى ارتحال بعض هذه القبائل المتقاتلة إلى مواطن جديدة فتنزل بين قبائل أخرى، وتعقد معها حلفًا وتجاورها ومتى طال ذلك صار نسبًا، كالذي ذكره أهل الأنساب من نزوح قبائل عدنانية إلى اليمن بسبب تقاتلها بعضها مع بعض، مما أدى إلى دخول نسبها في اليمن، وكالذي ذكروه أيضا من نزوح قبائل يمانية نحو الشمال واختلاطها بقبائل عدنانية مما أدى إلى دخول نسبها في نسب تلك القبائل. وتجد في كتب الأنساب والأخبار أمثلة كثيرة على اختلاط أنساب قبائل معروفة في عدنان وفي قحطان، كما رأيت فعل السياسة في تكييف النسب في صدر الإسلام وفي عهد الدولة الأموية وتنظيمه، كما رأيت كيف أن بعض النسابين ينسبون قبيلة إلى أب قحطاني على حين ينسبها بعض آخر إلى أب عدناني، وكيف أن نسابي القبيلة كانوا يرون رأيا آخر. وقد رأيت كيف أن بعضهم أرجع نسب ثقيف إلى "ثمود" بغضًا للحجاج الذي كان من ثقيف، ورأيت أيضا اختلاف النسابين فيما بينهم في رسم شجرات الأنساب. لقد وقع هذا الاختلاف لعوامل عديدة: سياسية وجغرافية وعاطفية، لا يدخل البحث فيها في هذا المكان. هذا وقد أرجع "ابن حزم" جميع قبائل العرب إلى أب واحد، سوى ثلاث قبائل، هي: تنوخ، والعتق، وغسان، فإن كل قبيلة منها مجتمعة من عدة بطون. وقد نص غيره من أهل النسب على أن تنوخًا اسم لعشر قبائل، اجتمعوا وأقاموا بالبحرين، فسموا تنوخًا. وذكر بعض آخر أن غسان عدة بطون من الأزد، نزلت على ماء يسمى غسان، فسميت به. فترى من هنا أن تنوخًا والأزد حلف في الأصل، وقد صار مع ذلك نسبًا عند كثير من أهل الأخبار. وبين أجداد القبائل والأسر الذين يذكرهم أهل الأنساب، أجداد كانوا أجدادًا حقًّا، عاشوا وماتوا., وقد برزوا بغزواتهم وبقوة شخصياتهم، وكونوا لقبائلهم وللقبائل المتحالفة معها أو التابعة لها مكانة بارزة، جعلتها تفتخر بانتسابها إليهم، حتى خلد ذلك الفخر على هيئة نسب, ونجد في كتب الأنساب أمثلة عديدة لهؤلاء.

стр. 557

" الطوطمية" ودور الأمومة عند العرب: وقد لاحظ العلماء المحدثون أن بين أسماء القبائل، أسماء هي أسماء حيوان أو نبات أو جماد أو أجرام فلكية, كما لاحظوا أن بين المصطلحات الواردة في النسب مصطلحات لها علاقة بالجسم وبالدم. وقد وجدوا أن بين هذه التسميات والمصطلحات وبين البحوث التي قاموا بها في موصوع دراسة المجتمعات البدائية صلة وعلاقة, وأن للتسميات المذكورة صلة وثيقة بـ"الطوطمية"، كما أن للمصطلحات صلة بما يسمى بـ"دور الأمومة" أو "زواج الأمومة" عند علماء الاجتماع. والطوطمية: نظرية وضعها "ماك لينان" "مكلينان" المتوفى سنة ١٨٨١م, خلاصتها: ١- أن الطوطمية دور مَرَّ على القبائل البدائية، وهي لا تزال بين أكثر الشعوب إغراقًا في البدائية والعزلة. ٢- أن قوامها اتخاذ القبيلة حيوانا أو نباتا، كوكبا أو نجما أو شيئا آخر من الكائنات المحسوسة أبًا لها, تعتقد أنها متسلسلة منه وتسمى باسمه. ٣- تعتقد تلك القبائل أن طوطمها يحميها ويدافع عنها، أو هو على الأقل لا يؤذيها وإن كان الأذى طبعه. ٤- لذلك تقدس القبيلة طوطمها وتتقرب إليه وقد تتعبد له. ٥- الزواج ممنوع بين أهل الطوطم الواحد، ويذهبون إلى الزواج من قبائل غريبة عن قبيلة الطوطم المذكور, وهو ما يعبر عنه بـ"Exogamy" في اللغة الإنجليزية. إذ يعتقدون أن التزاوج من بين أفراد القبيلة الواحدة ذو ضرر بالغ، ومهلك للقبيلة؛ لذلك يتزوج رجال القبيلة نساءً من قبيلة أخرى غريبة، لا ترتبط بطوطم هذه القبيلة، والمخالف لهذه القاعدة، أي الذي يتزوج امرأة من قبيلته, يعرض نفسه للعقوبات قد تصل إلى الحكم عليه بالموت. ٦- الأبوة غير معروفة عند أهل الطوطم، ومرجع النسب عندهم إلى الأم. ٧- لا عبرة عندهم إلى العائلة، والقرابة هي قرابة الطوطم, فأهل الطوطم الواحد إخوة وأخوات يجمعهم دم واحد١.

стр. 558

والطوطمية "Totemism" لفظة أخذت من كلمة "Ototemom" وهي من كلمات قبيلة "Ojidwa" من قبائل هنود أمريكا١, اشتق منها "لانك" "J. Lang" كلمة "توتم" "Totem"، ومنها أخذ اصطلاح "طوطمية" "توتميسم" ٢Totemism الذي يعني اعتقاد جماعة بوجود صلة لهم بحيوان أو حيوانات تكون في نظرها مقدسة؛ ولذلك لا يجوز صيدها أو ذبحها أو قتلها أو أكلها أو إلحاق أذًى بها٣. وتشمل الطوطمية النباتات كذلك، فلا يجوز لأفراد الجماعة التي تقدسها قطعها أو إلحاق الأذى بها. وقد يتوسع بها فتشمل بعض مظاهر الطبيعة مثل: المطر والنجوم والكواكب٤. وهم يؤمنون بأن "الطوطم" لا يؤذي أتباعه, فلا يخافون منه، حتى وإن كان من الحيوانات المؤذية التي تلحق الأذى بالإنسان، كالحية أو العقرب أو الذئب. وهم يعتقدون أيضا أنه يدفع عنهم، وأنه ينذر أتباعه إن أحس بقرب وقوع خطر على أتباعه، وذلك بعلامات وإشارات على نحو ما يقال له الزجر والطيرة والفأل. وهم يتقربون إلى طوطمهم؛ محاولة منهم في كسب رضاه، فيقلدونه في شكله ومظهره، وقد يلبسون جلده أو جزءًا من جلده، أو يعلقون جزءًا منه في أعناقهم أو أذرعهم على نحو من التعاويذ؛ لأنه يحميهم بذلك ويمنع عنهم كل سوء. كما يحتفلون به وبالمناسبات مثل مناسبات الولادة أو الزواج أو الوفاة بنقش رمز الطوطم على ظهر المولود، أو دهن الجسم بدهن مقدس من دهان ذلك الطوطم, إلى آخر ما هنالك من أعراف وتقاليد٥. ويؤلف المعتقدون بالطوطم جماعة تشعر بوجود روابط دموية بين أفرادها، أي: بوجود صلة رحم بينها. والرابط بينها هو ذلك الطوطم الذي تنتمي الجماعة إليه وتلتف حوله؛ ليكون حاميها والمدافع عنها في الملمات. ومن أصحاب هذا المذهب من لا يذكر اسم الطوطم، بل يُكني عنه, ويحوز أن يكون ذلك خوفًا

стр. 559

منه، أو احترامًا له. وقد يرسم له شعار تحمله الجماعة وأفرادها, ولها قوانين وآراء في موضوع الزواج الذي تترتب عليه قضية القرابة وصلات الرحم١. وللعلماء نظريات وآراء في الطوطمية. وهي منصبة على دراسة الناحية الاجتماعية منها، من حيث كون "الطوطمية" نظاما اجتماعيا يقوم على أساس مجتمع صغير مبني على العشيرة أو القبيلة. أما الدراسات الدينية للطوطمية، فهي بعد هذه الدراسة من حيث التوسع والتبسط في الموضوع. وأكثر هذه الدراسات أيضا عن قبائل هنود أمريكا الشمالية وعن قبائل أستراليا ثم إفريقيا. أما أثر الطوطمية عند الشعوب القديمة مثل اليونان والشعوب السامية فإن بحوث العلماء في المراحل الأولى من البحوث، وهي مستمدة بالطبع من الإشارات الواردة في الكتابات أو المؤلفات أو من دراسات الأسماء. ومن أشهر أصحاب النظريات في موضوع الطوطمية "تيلر" ٢Sir E. B. Tylor و"سير جيمس فريزر" "Sir J. G. Frazer"، وهذا الأخير يرفض نظرية الذاهبين إلى أن الطوطمية في شكلها الأول هي ديانة؛ لأن الطوطم لا يعبد كما يقول على صورة صنم٣. ومن أسماء الحيوانات التي تسمت بها البطون والعشائر: كلب، وذئب، ودب، وسلحفاة، ونسر، وثعلب، وهر، وبطة، وثور، وغير ذلك من أسماء حيوانات تختلف بحسب اختلاف المحيط الذي تكون فيه عبدة الطوطم, يضاف إلى ذلك أسماء أشجار ونباتات أخرى وطائفة من أسماء الأسماك. وقد ذكر "بيتر جونس" "Peter Jones" أربعين بطنًا من بطون قبيلة الـ"Ajibwa" لها أسماء حيوانات٤. وقد لاحظ "روبرتسن سمث" "Robertson Smith" أن في أسماء القبائل عند العرب أسماء كثيرة هي أسماء حيوان أو نبات أو جماد, فاتخذ من هذه الأسماء دليلًا على وجود "الطوطمية" عند العرب، وعلى أثرها في الجاهليين.

стр. 560

فأسماء مثل: بني كلب، وبني كليب، والنمر، والذئب، والفهد، والضبع, والدب، والوبرة، والسيد، والسرحان، وبكر، وبني بدن، وبني أسد، وبني يهثة، وبني ثور، وبني جحش، وبني ضبة، وبني جعل، وبني جعدة، وبني الأرقم، وبني دُئل، وبني يربوع، وقريش، وعنزة، وبني حنش، وبني غراب، وبني فهد، وبني عقاب، وبني أوس، وبني حنظلة، وبني عقرب، وبني غنم، وبني عفرس، وبني كوكب، وبني قنفذ، وبني الثعلب، وبني قنفذ، وبني عجل، وبني أنعاقة، وبني هوزن، وبني ضب، وبني قراد، وبني جراد١، وما شاكل ذلك من أسماء، لا يمكن في نظره إلا أن تكون أثرًا من آثار الطوطمية، ودليلًا ثابتًا واضحًا على وجودها عندهم في القديم٢. وقد لاقى تطبيق "روبرتسن سمث" نظرية "الطوطمية" على العرب الجاهليين، ترحيبًا عند بعض المستشرقين، كما لاقى معارضة من بعضهم. وقد رد عليه "جورجي زيدان" في كتابه "تاريخ التمدن الإسلامي"، وبين أسباب اعتراضه على ذلك التطبيق٣.

стр. 561

نَجَل مولودها، ولا يعرف المولود والده نُسب إلى أمه وعرف بها. وبهذا التفسير، فسر "روبرتسن سمث" ومن ذهب مذهبه من علماء علم الاجتماع، وجود الأسماء المؤنثة عند العرب وعند العبرانيين وعند بقية الساميين١. واتخذ "روبرتسن سمث" من وجود بعض الكلمات في تسلسل أنساب القبائل مثل: البطن والفخذ والصلب والظهر والدم و"رحم" دليلًا آخر على وجود "دور الأمومة" عند العرب؛ لأن لهذه الألفاظ صلة بالجسم، ولهذا كان لإطلاقها عند قدماء العرب -على حد قوله- علاقة بجسم الأم, ولا سيما أنهم استعملوا لفظة "الحي" كذلك, ولهذه اللفظة علاقة بالحياة وبالدم. وإطلاق الألفاظ في نظره ورأيه على معانٍ اجتماعية، دليل على الصلة التي كانت للأم في المجتمع لذلك العهد٢. وقد بحث "روبرتسن سمث" بحثًا مفصلًا في الحي، إذ هو في نظره وحدة سياسية واجتماعية قائمة بذاتها٣, ويطلق على "الحي" لفظة "قوم" و"أهل", وينظر أبناء الحي الواحد بعضهم إلى بعض نظرة قرابة, فكأنه من من نسل واحد يربط بينهم دم واحد. وقد استدل "روبرتسن سمث" من معنى "الحي" على وجود معنى الحياة في الكلمة في الأصل، كما هو الحال في اللغات السامية، ورأى لذلك أنها تمثل رابطة قرابة وصلة رحم عند سائر العرب السامية. ويكون أعضاء الحي الأحرار "صرحاء"، وفي العبرانية "أزراح". أما الذين ينتمون إليه بالولاء، فهم "الموالي" يستجيرون به أو بالقبائل أو الأفراد، فيلقون حماية من يستجيرون بهم، ويكون "الجار" في رعاية مجيره. و"البطن" في نظر "روبرتسن سمث" هو أقدم أوضاع المجتمع السامي القديم، ويقوم على أساس الاعتقاد بوجود القرابة والروابط الدموية. ويرى أن مفهومه عند قدماء الساميين كان يختلف اختلافا بينا عنه عند العرب المتأخرين،

стр. 562

أو عند العبرانيين، أو غيرهم. وقد فهم من اللفظة معنى المجموع الأكبر عند العرب، أي: معنى "شعب" أو "جذم" أو قبيلة، ورأى أن هذا المعنى هو المعنى القديم للكلمة عند العرب١. أما المعاني التي يذكرها علماء اللغة والأدب والأخبار، فهي في نظره معانٍ متأخرة وضعت في الجاهلية القريبة من الإسلام، ومن جملة هذه المعاني اختصاصها بالأماكن التي تقيم فيها القبيلة أو العشيرة، وتتألف من جملة عدد من الدور. وقد استدل "روبرتسن سمث" من لفظة "البطن" و"الفخذ" وأمثالهما على مرور العرب في دور الأمومة، وعلى أن القبائل كانت قد أخذت أنسابها القديمة وأسماءها من الأمومة ومن "الطوطمية". ورأى أن كلمة "البطن" في الأصل كانت تعني معنًى آخر غير الذي يذهب إليه علماء الأنساب، ودليله على ذلك استعمال "رحم". ولـ"روبرتسن سمث" بحوث في طرق الزواج عند قدماء العرب، سأتحدث عنها في موضوع الزواج والطلاق عند الجاهليين, في القسم الخاص بالحياة الاجتماعية عند العرب وبالتشريع. وقد أشار "نولدكه" Noeldeke إلى أهمية تأنيث أسماء القبائل٢، فاتخذ القائلون بنظرية "الأمومة" من هذه الأسماء دليلًا على أهمية هذا العهد في التأريخ الجاهلي القديم. وقد وافق "ويلكن" G.A. Wilken على بعض آراء "روبرتسن سمث"، وخالفه في بعض الآراء٣. ومن واضعي نظرية الأمومة العالم الألماني السويسري "باخ أوفن" "Johann Jakob Bachofen" "١٨١٥-١٨٨٧م"، وهو من علماء القانون ومن مؤسسي "علم القانون المقارن"، وكان معروفًا بأبحاثه عن الأشياء الخفية

стр. 563

التي تؤثر في حياة الإنسان. وقد ذهب إلى أن تأريخ العالم صراع بين الروح والمادة، بين الذكر والأنثى، وأن الحياة الأرضية مزيج من هذين الكفاحين. وقد لفت نظره إلى الزواج باعتبار أنه ناحية من النواحي القانونية، وتعرض لمباحث الزواج عند الإنسان القديم ولفوضوية الزواج، حيث كان الرجل يتناول المرأة بغير عقد كما تفعل الحيوانات، ولاشتراك عدد من الرجال في امرأة واحدة، "Hetarische Gynaikokratie"، فلا يعرف فيه النسل من أي أب هو؛ ولهذا بقي في رعاية أمه، فنسب إليها، وهو زواج مر على جميع الشعوب. كما بحث عن الأديان البدائية وعلاقتها بأمثال هذا الزواج١. ويجب أن نضيف إلى تلك الفوضوية فوضوية أخرى، هي فوضوية الغزو وتقاتل الإنسان مع الإنسان وإباحة المدن والقرى للجيوش الغازية المنتصرة، يعيثون فيها وفي أهلها فسادًا، يؤدي إلى انتهاك الحرمات واستباحة الأعراض وتوالد أطفال ليس في مقدور أمهاتهم معرفة آبائهم، فلا يبقى لهم من مجال إلا الانتساب إلى الأمهات. ودور الأمومة عند أصحاب هذه النظرية، هو أقدم أنواع الزواج. وأما "الأبوة" أي: دور الزواج الذي عرف النسل فيه آباءهم فهو عندهم أحدث عهدًا من الأمومة، وقد زعموا أن هذين الدورين مَرَّا على البشرية جمعاء، وفيهم العرب. وفي دور الأمومة تكون القرابة فيه لصلة الرحم، أي: إلى الأم، فهو الرباط المقدس المتين الذي يربط بين الأفراد ويجمع شملهم، وهو نسبهم الذي إليه ينتمون. ففي هذا الدور لا يمكن أن يعرف فيه الانتساب إلى الأب، لسبب عادي هو عدم إمكان معرفة الأب فيه؛ ولهذا كان نسب النسل فيه حتمًا للأم, وكان نسب الجماعات فيه أيضا للأم, ومن هذه الجماعات القبائل. وهم يرون أن تسمي القبائل بأسماء رجال، بأن تجعلهم أجدادًا وآباءً، هي تسميات محدثة ظهرت بعد ظهور دور الأبوة، وتطور الزواج من زواج الفوضى أو زواج تعدد الرجال إلى زواج حدد فيه على المرأة التزوج برجل واحد ليس غير، يكون فيه بعلها الذي تختص به؛ ومن هنا اندثرت الأسماء القديمة، أي: أسماء الإناث في الغالب، وحلت محلها أسماء الذكور. وسيأتي الكلام على موضوع

стр. 564

أشكال الزواج عند العرب في موضعه من هذا الكتاب. هذا، وقد بحث "جورجي زيدان" في نظرية "الأمومة" عند العرب ورَدَّ عليها بتفصيل١.

стр. 565

أصول التسميات: وقد ألف "ابن دريد الأزدي" كتابًا في اشتقاق الأسماء عند العرب، سماه "كتاب الاشتقاق"، تحدث فيه عن أصول الأسماء واشتقاقها؛ وذلك ردًّا على من زعم أن العرب تسمي بما لا أصل له في لغتهم، فذكر اشتقاق تلك الأسماء١. وقد قال في مقدمته له: "كان الأميون من العرب ... لهم مذاهب في أسماء أبنائهم وعبيدهم وأتلادهم؛ فاستشنع قوم إما جهلا وإما تجاهلا تسميتهم كلبًا، وكليبًا، وأكلب، وخنزيرًا، وقردًا، وما أشبه ذلك مما لم يستقصَ ذكره. فطعنوا من حيث لا يجب الطعن، وعابوا من حيث لا يستنبط عيب ... وكان الذي حدانا على إنشاء هذا الكتاب، أن قومًا ممن يطعن على اللسان العربي وينسب أهله إلى التسمية بما لا أصل له في لغتهم، وإلى ادعاء ما لم يقع عليه اصطلاح من أوليتهم وعدوا أسماء جهلوا اشتقاقها، ولم ينفذ علمهم في الفحص عنها"٢..إلى أن قال: "واعلم أن للعرب مذاهب في تسمية أبنائها؛ فمنها ما سموه تفاؤلًا على أعدائهم نحو: غالب، وغلاب، وظالم، وعارم، ومنازل, ومقاتل، ومعارك، وثابت, ونحو ذلك. وسموا في مثل هذا الباب مسهرًا، ومؤرقًا، ومصبحًا، ومنبهًا، وطارقًا. ومنها ما تفاءلوا به للأبناء نحو: نايل، ووائل، وناجي، ومدرك، ودراك، وسالم، وسليم، مالك، وعامر، وسعد، وسعيد، ومسعدة، وأسعد، وما أشبه ذلك. ومنها ما سمي بالسباع ترهيبًا لأعدائهم نحو: أسد، وليث، وفراس، وذئب، وسيد، وعملس، وضرغام، وما أشبه ذلك. ومنها ما سمي بما غلظ وخشن من الشجر تفاؤلًا أيضا، نحو: طلحة، وسمرة، وسلمة، وقتادة، وهراسة، كل
следующие страницы →