"اعلم أنه ليس كل من أمال الألفات وافق غيره من العرب ممن يميل، ولكنه قد يخالف كل واحد من الفريقين صاحبه، فينصب بعضٌ ما يميل صاحبه، ويميل بعضٌ ما ينصب صاحبه. وكذلك من كان النصب في لغته لا يوافق غيره ممن ينصب، ولكن أمره وأمر صاحبه كأمر الأولين في الكسر "الإمالة" فإذا رأيت عربيًّا كذلك فلا ترينه خلط في لغته ولكن هذا من أمرهم"١.
وذك "ابن فارس"، إن من اختلاف العرب في لغاتهم، اختلافهم "في التذكير والتأنيث، فإن من العرب من يقول: هذه البقر، ومنهم من يقول: هذا البقر، وهذه النخيل، وهذا النخيل"، واختلافهم "في الإعراب، نحو: ما زيد قائمًا، وما زيد قائم، وإن هذين، وإن هذان، وهي بالألف لغة لبني الحارث بن كعب"، واختلافهم "في صورة الجمع، نحو أسرى وأسارى"٢.
وفي هذه اللغة فسر المفسرون الآية: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَان﴾ ، إذ قالوا: إنها نزلت على لغة بني الحارث بن كعب ومن جاورهم، "وهم يجعلون الاثنين في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف وقد أنشدني رجل من الأسد عن بعض بني الحارث بن كعب:
فأطرق أطراق الشجاع ولو يرى ... مساغًا لناباه الشجاع لصمما٣
ويظهر من اختلاف العلماء -الذي رأيناه- في نسبة الأمور المذكورة إلى ألسنة القبائل وفي عدم اتفاقهم في كثير من الحالات في تثبيت اللغات المذكورة إلى قبيلة معينة أو حصرها في قبائل وترددهم في أقوالهم، إن ما ذكروه من اختلاف لم يكن حاصل دراسة استقرائية عميقة، وإنما هو حاصل اتصال بأفراد أو بعدد قليل من الأعراب ومن المدعين بالعلم في ألسنة العرب، ولهذا نجد التناقض باديًا في أقوالهم، وصارت دراساتهم المتقدمة ناقصة غير كاملة، لا تتناول إلا أمورًا جانبية لا تمس صلب اللغة ولا تنال قواعدها في الصميم. وعلى علماء اللغة في الوقت الحاضر واجب الخروج على الجادة القديمة التي يسيرون عليها اليوم في دراسة
стр. 5672
اللغة، بالذهاب بأنفسهم من جديد إلى مواطن اللغة، للأخذ من أحجارها المكتوبة إن وجدت ومن ألسنة الأحياء الباقين، أخذًا علميًّا مقرونًا بدراسات حديثة مبنية على تسجيل الأصوات، للاستعانة بها في الكشف عن لغات العرب بأسلوب علمي حديث.
ويلاحظ أيضًا أن علماء اللغة، قد جمعوا بعض الملاحظات التي ظهرت لهم، من دراساتهم للغة أهل الحجاز، وللغة تميم. فسجلوها في كتب اللغة والقواعد، وقد أشرت إليها فيما تقدم بإيجاز. وإذا قلت أهل الحجاز، فلا أعني لغة قريش وحدها، وإنما لغات القبائل الحجازية، التي تكوّن مجموعة القبائل الساكنة في الحجاز. فإن العلماء حين شرعوا بتدوين اللغة، وجدوا أن لغة أهل مكة لم تعد صافية نقية بسبب اختلاط أهلها بالأعاجم، وظهور الفساد على لسانهم، لذلك، لا نجد لهم ذكرًا بارزًا عند علماء اللغة، وإنما حل محلهم مصطلح: أهل الحجاز.
ويظهر أن عرب "تميم" من علماء اللغة، ووجود عدد من عشائرها في العراق على مقربة من المصريين، ونزول رجال منها البصرة والكوفة، ثم اشتهار رجال من تميم بالفصاحة والبلاغة والخطابة قبل الإسلام، كل هذه وأمور أخرى مكّنت العلماء من تسجيل ملاحظات كثيرة عن لغة تميم، زادت بكثير عن الملاحظات التي دونتها عن القبائل الأخرى، وقد ذكر العلماء في مقابلها ما كان يختلف فيه أهل الحجاز عنهم، فتجمعت لدينا بذلك ملاحظات لغوية ونحوية ميزت لهجات تميم عن لهجات "أهل الحجاز"، وبعض القبائل الأخرى. وقد دخلت هذه الفروق في قراءة القرآن، فقرأ بعض القراء على لغة الحجازيين وقرأ بعض آخر الآيات نفسها على لهجة تميم. كل قرأ على لسانه وتمسك بقراءته، وقد ساعد ذلك عدم وجود الحركات الضابطة للحروف، ولو كانت هناك حركات في مبدأ التدوين تضم الحرف أو تكسره أو تفتحه، لضاق نطاق هذا الاختلاف إذ كان على الناس القراءة وفقًا للمصحف المحرك المشكل الذي اتخذ إمامًا لهم، ولكن عدم وجود مصحف إمام استعمل الشكل والإعجام، سهّل ظهور القراءات.
والخلاف بين "أهل الحجاز" "لغة أهل الحجاز" وبين "تميم"، هو خلاف في إطار مجموعة واحدة من القبائل، هي مجموعة "مضر". فالقبائل الحجازية التي ذكروها هي قبائل مضرية، و"تميم" من قبائل مضر كذلك،
стр. 5673
في عرف أهل الأنساب. وكان بين أهل مكة، أي: "قريشا"، وبين "تميم" اتصال وثيق قبل الإسلام، وكانت بينهم مصاهرة، وقد عرفت "تميم" واشتهرت بالفصاحة، ولو أخذنا برأي أهل الأخبار، وبما ذكروه عن فصاحة "تميم" وعن كثرة وجود الخطباء والشعراء فيهم، وعن حكومتهم في "عكاظ"، وبما ذكروه عن "قريش" فإننا نخرج بنتيجة هي أن "تميمًا"، كانت أكثر شهرة في بضاعة الكلام من "قريش"، وهي نتيجة تناقض زعمهم أن قريش كانت أصفى العرب لغة، وأن لسانها هو اللسان العربي الفصيح الذي نزل به القرآن، وأنها كانت تجتبى أحسن الألفاظ وأعذبها من بين سائر لغات العرب حتى صار لسانها أفصح الألسنة، وذلك بدليل استشهاد علماء اللغة بلغة تميم من نثر وشعر في شواهدهم وأدلتهم على قواعد اللغة، كثرة لا تقاس بها الشواهد التي استشهد بها العلماء على ضبط اللغة والقواعد، المنتزعة من لسان قريش.
ولو استقصينا ما دوّنه علماء اللغة عن مواطن الاختلاف بين لغات العرب نصل إلى نتيجة أخرى، هي أن لغات كثير من القبائل تميل إلى ترجيح كفة "لغة تميم" على لغة أهل الحجاز، ففي الفتح والكسر، كما في "الوتَر" و"الوتر"، نجد الفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة تميم وأسد وقيس١.
وقد قرأ بالقراءتين في سورة: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ ٢.
قال "الطبري": "واختلف القراء في قراءة قوله: والوتر، فقرأته عامة قراء المدينة ومكة والبصرة وبعض قراء الكوفة بكسر الواو. والصواب من القول في ذلك، أنهما قراءتان مستفيضتان معروفتان في قراءة الأمصار، ولغتان مشهورتان في العرب فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب"٣. فنرى من رواية "الطبري" المذكورة أن غالبية القراء، إنما قرأت بقراءة تميم وأسد وقيس، وإن كانت القراءة الثانية التي هي بالفتح لغة مكة صحيحة.
والقبائل: "تميم" و"قيس" و"أسد"، هي من القبائل التي أكثر علماء العربية أخذ اللغة عنها، ونصوا على اسمها بالذات، فقالوا: "والذين
стр. 5674
عنهم نُقلت اللغة العربية وبهم اقتدى، وعنهم أخذ اللسان العربي، من بين قبائل العرب هم: قيس، وتميم، وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم"١. فهي في مقدمة القبائل التي ركن إليها علماء اللغة في أخذ اللغة عنهم، يليهم هذيل، فكنانة، وبعض الطائيين.
ومعنى هذا أن بناء العربية، الذي قام به علماء اللغة، إنما أخذ معظم مادته من لغات القبائل الثلاث المذكورة، وهي قبائل أقامت في مواضع متجاورة منذ القدم، وكانت بطونها قد توغلت في بوادي العراق في الجاهلية القريبة من الإسلام وفي الإسلام، وفي البحرين ونجد وبعض مناطق اليمامة. فهي تكوّن جزءًا كبيرًا من جزيرة العرب والعراق.
ولتجاور القبائل الثلاث المذكورة في القديم، أثر كبير في تشابك اللغات وفي تقاربها، لأن للجوار أثرًا خطيرًا في تطور اللغة ونموها. ونحن في حاجة اليوم إلى وضع صورة مضبوطة لتوزع القبائل في الجاهلية في جزيرة العرب وبادية الشام على مر الأدوار، لنتمكن بواسطتها من تتبع الأثر السياسي والثقافي لهذه القبائل وذلك فيما قبل الإسلام، ومن دراسة ما ذكره علماء اللغة من فروق بين اللغات بصورة علمية دقيقة مضبوطة، بتسجيل كل ما ذكروه وإحصائه بالضبط، ثم تطبيق ما ذكروه على مواطن هذه القبائل التي ضبطت ضبطًا صحيحًا على هذه الصورة.
ونجد في كتب اللغة والمعاجم أمورًا لغوية كثيرة، مبعثرة لم يشر إليها العلماء إلا عرضًا، مثل قول بني أسد "ييجع" بكسر أوله، مع عدم قولهم "يِعلم" استثقالًا للكسرة على الياء وأمثال ذلك٢، مما يحتاج إلى جمع وتصفية للوقوف على قديم اللغات.
وقد عرفت "بنو أسد" ببروزها في شقي الكلام: الشعر والنثر. "قال يونس بن حبيب: ليس في بني أسد إلا خطيب، أو شاعر، أو قائف، أو زاجر، أو كاهن، أو فارس. قال: وليس في هذيل إلا شاعر أو رام،
стр. 5675
أو شديد العدو١"١. وهي قبيلة شهيرة. أرى أنها قبيلة "Asateni" المذكورة في جغرافية "بطلميوس"، بين "Iodistae" التي تقع أرضها شمال "Asateni"، وهي "جديس"، وقبيلة "Mnasemanes" التي تقع منازلها في شمال غربها في خريطة بطلميوس، وبين "Laeeni" و"Thaemae" الواقعتين إلى الشرق منها، وموضع "Baeti fi. Fontes" الواقع إلى الجنوب وقبيلة "Thanuitae" التي تقع منازها جنوبي هذا الموضع، ثم موضع "Salma"، وهو في الخريطة موضعان: موضع يقع شمالي "Mnasaemanes"، وموضع يقع جنوب غربي٢ "Baeti fl. Fontes".
وأما "هذيل"، فمواطنهم "جبال هذيل"٣، وهم جيران "سعد بن بكر"٤ وجيران "كنانة"٥، و"هوازن"، وهي كلها من القبائل التي أثنى العلماء على لغتها. وهذيل من قبائل مضر، ومن القبائل التي أعرقت في الشعر٦، وقد استشهد العلماء بشعر شعرائها في اللغة وفي القواعد، ومن هنا عدت في القبائل التي أخذ علماء العربية اللغة منها. وأما "سعد بن بكر"، و"كنانة"، و"هوازن" فهي مثل "قريش" و"هذيل" من مجموعة "خندف" من "مضر".
وأما "بعض الطائيين" الذين أخذ عنهم علماء العربيةِ العربيةَ، فقد نص العلماء على أسمائهم حين استشهدوا بشعر شعرائها. وطيئ، من القبائل اليمانية في عرف النسابين. وهم من القبائل القديمة التي كان لها شأن يذكر قبل الإسلام، بدليل أن "بني إرم" والفرس، أطلقوا على العرب عمومًا كلمة "طيايه" "طيايو" من أصل "طيء" اسم هذه القبيلة. وأن العبرانيين أطلقوا "طبعًا" "ط ي ي ع ا"، "طيايا" "طياية" في مرادف "عرب" مما يدل على أنها كانت أقوى قبائل العرب
стр. 5676
قبل الإسلام بزمن طويل١، وربما كان هذا شأنهم قبل الميلاد.
ولا يفهم من أقوال علماء اللغة عن لغتهم، أنها كانت ذات صلة بالعربيات الجنوبية، وأما ما ذكروه من "ذي" التي نعتوها بـ"ذي" الطائية، فليس لها صلة بـ"ذ" الواردة في العربيات الجنوبية، وإنما هي سمة خاصة بلهجة "طيء" التي هي من العربية الشمالية، أو من مجموعة عربية "ال" في اصطلاحي الذي أطلقته على العربية الشمالية، لامتيازها بأداة التعريف هذه عن بقية اللهجات العربية التي استعملت أداة أخرى للتعريف. ولهذا فإن قبيلة "طيء" هي قبيلة عربية من القبائل المتكلمة بعربية "ال"، وإن عدّ النسابون نسبها من الجنوب.
وما ذكرته من فروق واختلاف، فإنما هو مما يتناول الاختلاف الكائن بين اللهجات العربية الشمالية، وأكثره مما يتناول لهجات القبائل في عهد التدوين، في الأيام التي ظهر فيها الوعي بوجوب تسجيل علوم اللغة وضبطها، فكان أن أخذ علماء اللغة من الفصحاء وممن اشتهر بالعلم باللغة من الصحابة والتابعين، كما أخذوا من الأعراب الذين كانوا يفدون على البصرة والكوفة، وهم من قبائل مختلفة، لكنهم على الأكثر من أعراب البوادي القريبة من العراق، ومن القبائل الضاربة في البادية، فقد ذهب قوم من علماء اللغة إلى البادية معدن اللغة للأخذ من ألسنة أهلها مباشرة، ولاستقراء لهجاتها للتوصل بذلك إلى معرفة اللغة والقواعد. فكان من هذا الجمع ومن مراجعة القرآن والشعر والحديث، هذا المدون في الكتب من علوم العربية. فهو كله إذن تدوين ظهر في الإسلام.
ولكننا لا نستطيع أن نتحدث عن ذهاب عدد كبير من العلماء إلى البوادي لدراسة لهجات القبائل، كما لا نستطيع التحدث عن الطرق والأساليب التي سلكوها في جمع اللغة وفي البحث عنها وأخذها من أفواه أصحابها، لعدم وجود شيء من ذلك في الموارد الموجودة لدينا الآن. نعم لقد ذكروا أن أقدم من ذهب إلى البادية: يونس بن حبيب "١٨٣هـ"، و"خلف الأحمر" "١٨٠"، و"الخليل بن أحمد" "١٧٥هـ"، و"أبو زيد" الأنصاري "٢١٥هـ"، و"الكسائي" "١٨٩هـ" الذي ذهب إلى وادي الحجاز ونجد وتهامة، ورجع وقد أنفد خمس
стр. 5677
عشرة قنينة من الحبر في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ١، ولكننا لا نعرف شيئًا عن بحوثهم وعن استقراءاتهم ولا عن طرقهم التي اتبعوها في بحثهم وتنقيرهم عن اللغة، والأغلب أنها تناولت الغريب والشعر، ثم إننا لا نستطيع التحدث عن هذه الرحلات بشيء من الاطمئنان والثقة، لما قد يكون في كلام رواتها من المبالغة والإضافة والافتعال بسبب العصبية إلى المدينة وإلى العلماء.
ويلاحظ أن معظم الملاحظات المدونة عن اللغات تناولت قبائل ألِف علماء العربية الأخذ عنها والاستشهاد بكلامها، وهي قبائل يرجع النسابون نسبها على طريقتهم إلى "معد"، ويظهر من ملاحظات العلماء عن لهجاتها أنها كانت تتكلم بلهجات متقاربة، ترجع إلى المجموعة التي تستعمل "ال" أداة للتعريف. أما القبائل التي رجع أهل النسب نسبها إلى قحطان، والتي استشهد بشعرها فهي: الأزد، وحمير، وبعض طيء، وخثعم. أما كندة، ومنها الشاعر "امرؤ القيس"، فلا نجد لها ذكرًا في هذه اللغات، وإن استشهد بشعر شاعرها وبشعر غيره من شعراء هذه القبيلة، وقد أشير إلى اليمن، ولكنهم لم يذكروا قصدهم منها، ويظهر أنهم أرادوا بهم أعراب اليمن، وهم مهاجرون في الأصل هاجروا من باطن الجزيرة إلى اليمن بعد أن ضعف الحكم فيها على أثر تدخل الحبش في شئون اليمن وتقاتل الملوك بعضهم مع بعض، مما أفسح المجال للأعراب بدخول العربية الجنوبية، فكوّنوا قوة خطيرة فيها، أشير إليها في كتابات المسند بـ"وأعربهم". "وأعربهمو" كما أشرت إلى ذلك في الأجزاء السابقة من هذا الكتاب.
ولا تزال بعض اللهجات باقية، تتكلم بها القبائل على سليقتها الأولى، وآسف لأن أقول: إن علماء العربية في الوقت الحاضر، لم يوجهوا عنايتهم نحوها لدراستها قبل انقراضها وزوالها، مع أن دراستها من الأمور الضرورية بالنسبة لهم، لأنها تساعد في تعيين أصول العربيات وفي تثبيت المجموعات اللغوية العربية، وقد نستنبط منها أمورًا علمية كثيرة فات على علماء العربية القدامى يومئذ تسجيلها، لأنها لا تزال باقية، فبواسطة الطرق الحديثة في البحث يمكن العثور على ما فات على أولئك العلماء من أمور.
стр. 5678
وقد لاحظ "فؤاد حمزة"، أن أهل نجد أصرح في الوقت الحاضر لغة من أهل الحجاز، لقرب هؤلاء من الحرمين واختلاطهم بالأجانب، وبعد أولئك عن كل تلك العوامل. ولكن أفصح اللهجات وأقربها إلى الفصحى هي اللهجات اليمانية الواقعة ما بين جنوبي الحجاز واليمن. وقد ذكر أنهم يتكلمون الألفاظ من مخارجها الصحيحة، ويتكلمون بما هو أقرب إلى الفصيح من سواه. ويتكلم بعض البداة منهم بكلم معرب فصيح١.
ولاحظ أن لغات القبائل لا تزال مختلفة، فمنهم من يقلب "الجيم" ياء فيقول: "المسيد"، بدلًا من "المسجد" وهم قوم من اليمن والنمور في وادي محرم، ومنهم من يقلب القاف والكاف "تس"، فيقول: "حكى" "حتسى"، وهم من أهل نجد، ومنهم من يقلب "الكاف" "تش"، فيقول: "بكى" "بتش"، ومنهم من يقلب "القاف" "كافًا" مفخمة، فيقول: "كال" في موضع "قال"، وهي من لغات أهل نجد، ومنهم من يقلب "الكاف" "سينًا"، فيقول: "عبيسي"، في موضع "عبيكي" ومنهم من يقلب "القاف" "جيمًا"، فيقول: "العجير" في موضع "العقير"، ومنهم من يقلب "الظاء" "لامًا"، فيقول: "اللهر" في موضع "الظهر"، ومنهم من يقلب "الضاد" "لامًا"، فيقول: "الليف" في موضع "الضيف"، ومنهم من يجعل "الياء" بين الألف والياء، فيقول: "امطاير" في موضع "مطير"٢.
ويلاحظ أن قبائل العراق لا تزال تستعمل مثل هذه اللهجات وغيرها، فيستعمل بعضها حرف العين في موضع الهمزة، فيقولون: "سعال" في موضع "سؤال" وتستعمل بعض القبائل حرف "الياء" في موضع "الميم"، فتقول: "يومن"، في موضع "مومن"، أي: "مؤمن"، وغير ذلك، وتستعمل بعضها الياء في موضع "الجيم"، فتقول: "ريال" في موضع "رجَّال"، أي: "رجل".
وذكر أن أهل اليمن يستعملون "الميم" في موضع "ال" أداة التعريف، فيقولون: "أم بيت" في موضع "البيت"٣. وقد أشير في الحديث إلى هذه
стр. 5679
اللغة، ويظهر أنها لغة خاصة، ربما كانت حاصل إدغام حرف الجر "من" في الكلمة التي دخلت عليها، فـ "أم بيت"، هي "من البيت" أو أنها لهجة من اللهجات التي تكلم بها أهل اليمن الشماليون، جعلت "الميم" أداة للتعريف.
لأننا نعلم -كما سبق أن ذكرت- أن حرف "الميم" أداة للتنكير في اللهجات العربية الجنوبية، فيقال: "بيتم" في موضع "بيت"، وتلحق آخر الاسم. أما أداة التعريف فحرف "ن" يلحق آخر الكلمة كذلك، ولا يدخل على أولها كما في "ال"، يقال: "بيتن" في موضع "البيت"، و"ملكن" في مقابل "الملك".
وذكر "فؤاد حمزة" أن قبيلة "فهم"، وتقع منازلها اليوم بين بني ثقيف شمالًا والجحادلة غربًا، تتكلم بعربية قريبة جدًّا من العربية الفصحى، وهي مشهورة بالفصاحة١.
وفي العربية الجنوبية قبائل تتكلم اليوم بلهجات يرجع نسبها إلى اللهجات العربية الجنوبية القديمة؛ لأن في ألفاظها وفي تراكيب جملها، ودراستها في هذا اليوم، ضرورة لازمة لمن يريد الوقوف على تأريخ اللغة العربية قبل الإسلام، ومن الضروري كذلك وجوب دراسة اللهجات "الشحرية" و"المهرية" و"السواحلية" و"السقطرية"، ولهجات السواحل الأفريقية المقابلة لجزيرة العرب للوقوف على تطور اللغات العربية الجنوبية، وعلى حل رموزها التي لا تزال مغلقة غير معروفة عند علماء هذا اليوم. لما لهذه اللهجات من صلات بالعربيات المذكورة.
وأرى من الضروري دراسة اللهجات العربية الحالية في كل مكان من أمكنة جزيرة العرب، ولا سيما في المواضع التي استخرج العلماء من باطنها نصوصًا مدونة بلهجات عربية قديمة، مثل أعالي الحجاز لنتمكن بهذه الدراسة من حل معضلات تلك الكتابات ومن تكوين رأي علمي واضح عن تطوّر تلك اللهجات فيما قبل الإسلام.
وأرى من الضروري في هذا اليوم وجوب تأليف معجم لغوي، يضم اللهجات العربية القديمة، أي: اللهجات الجاهلية التي وردت في النصوص الجاهلية، للوقوف عليها، ولا سيما على اللفظ الغريب منها، ومقارنتها بالألفاظ التي ترد في اللهجات
стр. 5680
العربية الأخرى لإحياء ما يمكن إحياؤه من الميت منها، واستعماله في هذا اليوم، للأشياء التي قصرت العربية الفصحى عن وضع مسميات لها، أو أن مسمياتها حوشية، لا تنسجم مع الذوق، وإدخال الألفاظ الواردة في النصوص في المعاجم الموسعة العلمية التي تؤرخ الألفاظ، بأن تشير إلى ورودها لأول مرة في الشعر أو في النصوص الجاهلية. كما أرى من الضروري وجوب العناية بدراسة ما ذكره العلماء عن اللهجات دراسة علمية نقدية تقوم على المقابلة والمطابقة والمقارنة باللغات الأخرى مع تسجيل قواعدها حسبما أمكن.
стр. 5681
الفصل الثامن والثلاثون بعد المئة: لغة القرآن
مدخل
...
الفصل الثامن والثلاثون بعد المئة: لغة القرآن
ولتشخيص لغة القرآن صلة كبيرة في تعيين وتثبيت المراد من العربية الفصيحة -أي: العربية المبينة- ولهذا فأنا مضطر إلى التعرض لها، وإن كان الموضوع بحثنا إسلاميًّا، فأقول نزل القرآن منجمًا ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ . ولكن العرب كانوا ولا زالوا يتكلمون بلهجات، فبأية لهجة من لهجاتها نزل القرآن الكريم؟
لقد تطرق "الطبري" في مقدمة تفسيره إلى هذا الموضوع بعد أن تعرض لرأي من زعم أن في القرآن كلمًا أعجميًّا، وأن فيه من كل لسان شيئًا، فقال: "قال أبو جعفر: قد دللنا على صحة القول بما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه، على أن الله جل ثناؤه أنزل جميع القرآن بلسان العرب دون غيرها من ألسن سائر أجناس الأمم، وعلى فساد قول من زعم أن منه ما ليس بلسان العرب ولغتها. فنقول الآن: إذا كان ذلك صحيحًا في الدلالة عليه، فبأي ألسن العرب أنزل؟ أبألسن جميعها أم بألسن بعضها؟ إذ كانت العرب وإن جمع جميعها اسم أنهم عرب، فهم مختلفوا الألسن بالبيان، متباينو المنطق والكلام. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله جلّ ذكره قد أخبر عباده أنه قد جعل القرآن عربيًّا، وأنه أنزل بلسان عربي مبين، ثم كان ظاهره محتملًا خصوصًا وعمومًا، لم يكن السبيل إلى العلم بما عنى الله تعالى ذكره من خصوصه وعمومه إلا ببيان من جعل إليه بيان القرآن، وهو رسول الله ﷺ . فإذا كان ذلك كذلك،
стр. 5682
وكانت الأخبار قد تظاهرت عنه، ﷺ ، بما حدثنا خلاد بن أسلم، قال: حدثنا أنس بن عياض عن أبي حازم عن أبي سلمة، قال: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، فالمراء في القرآن كفرٌ -ثلاث مرات- فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردّوه إلى عالمه" ١.
واستمر الطبري بعد ذلك في تعداد الطرق التي ورد فيها هذا الحديث: حديث "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، ورواية بعض الأخبار الواردة في حدوث اختلاف بين الصحابة في حفظ بعض الآيات وقراءتها. ثم خلص بعد هذا السرد إلى نتيجة، هي أن القرآن "نزل بألسن بعض العرب دون ألسن جميعها، وأن قراءة المسلمين اليوم ومصاحفهم التي بين أظهرهم هي ببعض الألسن التي نزل بها القرآن دون جميعها"٢، فلم يجزم بتعيين اللهجة التي نزل بها القرآن الكريم.
وحديث "أنزل القرآن على سبعة أحرف" حديث معروف مشهور، يرد في كتب التفاسير وفي كتب المصاحف والقراءات. ورد بطرق متعددة، وبأوجه مختلفة وهذه الطرق والأوجه، وإن اختلفت في سرد متن الحديث وفي ضبط عباراته، قد اتفقت في الفكرة، وخلاصتها نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف.
ويقصدون بالحرف وجهًا من أوجه الألسنة، أي: لهجة من اللهجات٣.
أما رجال سند هذا الحديث، فعديدون، وفي حال بعضهم كابن الكلبي وأبي صالح مغمز٤. وهم جميعًا يرجعون سندهم إلى جماعة من الصحابة، هم نهاية سلسلة السند، قالوا: إنهم سمعوا الحديث من الرسول، ويعنون بهم: عمر بن الخطاب، وعثان بن عفّان، وابن عبّاس، وابن مسعود، وأُبي بن كعب، وأنسًا، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن أرقم، وسمرة بن جندب، وسليمان بن صرد، وعبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن أبي سلمة، وعمرو بن العاص، ومعاذ بن جبل، وهشام بن حكيم، وأبا بكرة، وأبا جهم، وأبا سعيد.
стр. 5683
الخدري، وأبا طلحة الأنصاري، وأبا هريرة، وأبا أيوب، وجملتهم واحد وعشرون صحابيًّا على بعض الروايات١.
وورد في الحديث، حديث آخر يرجع سنده إلى "ابن عباس" فيه تأييد له، نصه أن رسول الله قال: "أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف"، وحديث آخر، نصه: "إن ربي أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف، فرددتُ إليه: أن هوّن على أمتي، فأرسل إلي أن أقرأه على سبعة أحرف"، وحديث ثالث نصه: "إن جبريل وميكائيل أتياني، فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري؛ فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف"، "وفي حديث أبي بكرة عنه: "فنظرت إلى ميكائيل فسكت. فعلمت أنه قد انتهت العدة" ٢. وهناك أحاديث أخرى بهذا المعنى٣.
ونجد في كتب التفسير والحديث والأخبار أحاديث وأقوالًا تشير إلى أن بعض الصحابة كانوا يقرأون قراءات متباينة وكانوا يتعززون بقراءتهم ويتمسكون بها، ومنهم من كان يقرأها على الرسول فلم يعترض عليها، بل روي أنه قال: "اقرأوا كما علمتم" ٤. وروي أنه "جاء رجل إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: أقرأني عبد الله بن مسعود سورة أقرأنيها زيد وأقرأنيها أُبي بن كعب، فاختلفت قراءتهم، فبقراءة أيهم آخذ؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ . قال: وعليٌّ إلى جنبه، فقال علي: ليقرأ كل إنسان بما عَلِمَ كلّ حسن جميل". ورووا على لسان عمر بن الخطاب قوله: "سمعت هشام ابن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يُقْرِئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلّم. فلما سلّم، لببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها؟ قال: أقرأنيها
стр. 5684
رسول الله ﷺ . فقلت: كذبت، فوالله إن رسول الله ﷺ ، لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها. فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان! قال: فقال رسول الله ﷺ : "أرسله يا عمر. اقرأ يا هشام". فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها. فقال رسول الله ﷺ : "اقرأ يا عمر".
فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "هكذا أنزلت". ثم قال رسول الله ﷺ : "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منها" ١. وكالذي ذكروه من أن رجلًا قرأ عند "عمر" فغير عليه، "فقال: لقد قرأت على رسول الله ﷺ ، فلم يغير عليّ. فاختصما عند النبي ﷺ .
فقال: يا رسول الله ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: "بلى" فوقع في صدر عمر شيء فعرف النبي ﷺ ، ذلك في وجهه فضرب صدره وقال: أبعد شيطانًا! قالها ثلاثًا. ثم قال: "يا عمر: إن القرآن كله صواب، ما لم تجعل رحمة عذابًا، أو عذابًا رحمة" ٢.
وروي "أن رجلين اختصما في آية من القرآن وكل يزعم أن النبي ﷺ أقرأه، فتقارءا إلى أُبيّ فخالفهما أُبي فتقارأوا إلى النبي ﷺ ، فقال: يا نبي الله اختلفنا في آية من القرآن وكلّنا يزعم أنك أقرأته! فقال لأحدهما: "اقرأ"، قال: فقرأ، فقال: "أصبت". وقال للآخر: "اقرأ"، فقرأ خلاف ما قرأ صاحبه، فقال: "أصبت". وقال لأبي: "اقرأ"، فخالفهما. فقال: "أصبت"، قال أبي: فدخلني من الشك في أمر رسول الله ﷺ ، ما دخل فيّ من أمر الجاهلية. قال: فعرف رسول الله ﷺ ، الذي في وجهي، فرفع يده فضرب صدري، وقال: "استعذ بالله من الشيطان الرجيم". قال: ففِضتُ عرقًا، وكأني أنظر إلى الله فَرقَا، وقال:
стр. 5685
"إنه أتاني آت من ربي، فقال: إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت: ربّ، خفف عن أمتي. قا: ثم جاء، فقال: إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلتُ: رب خفف عن أمتي. قال: ثم جاء الثالثة، فقال: إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد فقلت: رب خفف عن أمتي. قال: ثم جاءني الرابعة، فقال: إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف، ولك بكل ردة مسألة" ... إلخ١".
ورُوي عن زيد بن وهب، قال: أتيت ابن مسعود أستقرئه آية من كتاب الله، فأقرأنيها كذا وكذا. فقلت: إن عمر أقرأني كذا وكذا خلاف ما قرأها عبد الله. قال: فبكى حتى رأيت دموعه خلال الحصى، ثم قال: اقرأها كما أقرأك عمر، فوالله لهي أبين من طريق السيلحين٢.
وأورد العلماء أحاديث أخرى بهذا المعنى، تظهر كلها وقوع الخلاف بين الصحابة في قراءة القرآن، وعلم الرسول به، وتجويزه لهم القراءة بقراءتهم كل إنسان بما علم٣.
وقد اختلف العلماء في معنى هذه السبعة الحرف وما أريد منها على أقوال.
جمعها القرطبي على خمسة وثلاثين قولًا٤، وجعلها "السيوطي" على نحو أربعين قولًا٥، تحدث هو وغيره عنها، والحديث عنها في هذا الكتاب يخرجنا من حدود بحثنا المرسومة، وهو التأريخ الجاهلي، لذلك فسوف لا أتكلم في هذا المكان إلا عن الأقوال التي عينت تلك الأحرف ونصت على أسمائها بالنص والتعيين، فأقول:
قد رأينا الأحاديث المذكورة والأخبار المروية، وهي عامة، لم تنص على أن المراد من الأحرف السبعة حرفًا معينًا، ولسانًا خاصًّا من ألسنة العرب، غير أننا نجد أخبارًا، نصت على تلك الأحرف وعينتها وشخصتها، إذا تتبعنا سندها
стр. 5686
ورجالها نجدها تنتهي بـ"ابن عباس". وأكثر القائلين بها هم من علماء العربية مثل "أبو عبيد" و"أبو عمرو بن العلاء" وثعلب، والأزهري، وسند هذه الأخبار "الكلبي" عن "أبي صالح" عن "ابن عباس"، أو عن "قتادة" عن ابن عباس، وأمثال ذلك من طرق. فقد ورد عن "ابن عباس" قوله: نزل القرآن على سبع لغات، منها خمس بلغة العجز من هوازن، قال أبو عبيد: والعجز، هم بنو سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف، وهؤلاء كلهم من هوازن. ويقال لهم: عليا هوازن. ولهذا قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم، يعني بني دارم١، "وأخرج أبو عبيد من وجه آخر، عن ابن عباس، قال: نزل القرآن بلغة الكعبين: كعب قريش وكعب خُزاعة. قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن الدار واحدة، يعني أن خزاعة كانوا جيران قريش، فسهلت عليهم لغتهم"٢.
"وقال أبو حاتم السجستاني: نزل بلغة قريش وهُذيل، وتميم، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر"٣. وذكر بعض آخر أنه نزل بلغة قريش، وهذيل، وثقيف، وهوازن، وكنانة، وتميم، واليمن٤ وسعد بن بكر، هم من عليا هوازن٥. ومعنى هذا أنه نزل بلغات عدنانية ولغات قحطانية، أي: بجميع ألسن العرب.
وقد تعرض "الطبري" للأقوال المذكورة، قال: "وروي جميع ذلك عن ابن عباس، وليست الرواية عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله، وذلك أن الذي روى عنه أن خمسة منها من لسان العجز من هوازن: الكلبي عن أبي صالح، وأن الذي روى عنه أن اللسانين الآخرين لسان قريش وخزاعة: قتادة، وقتادة لم يلقه ولم يسمع منه"٦. وقد ضعف "ابن الكلبي"، ورفض علماء
стр. 5687
الفقه والحديث الأخذ عنه١ وضعف "أبو صالح" كذلك واتهم بالكذب:
"قال ابن معين: إذا روى عنه الكلبي فليس بشيء٢".
وأما "قتادة"، فذكر "الطبري" عنه أنه لم يلق "ابن عباس"، ولم يسمع منه٣ فحديثه عن ابن عباس إذن مما لا يجوز الأخذ به. فروايته: "نزل القرآن بلسان قريش ولسان خزاعة"، رواية لا يعتمد عليها لهذا السبب. ولقتادة رواية أخرى بهذا المعنى نسبها إلى "أبي الأسود الدؤلي"، زعم أنه قال: "نزل القرآن بلسان الكعبين: كعب بن عمرو، وكعب بن لُؤي". وقد علق "خالد ابن سلمة" على هذا الكلام فقال: "ألا تعجب من هذا الأعمى يزعم أن القرآن نزل بلسان الكعبين؟ وإنما نزل بلسان قريش" قال مخاطبًا به "سعد بن إبراهيم"٤.
وقد رمي قتادة بالتدليس٥.
وينتهي سند هذا الحديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" إلى "أبي هريرة"٦، وقد كثر القول عن أبي هريرة، وأكثر "أبو هريرة" الحديث عن رسول الله، حتى قال الناس: أكثر أبو هريرة الحديث عن رسول الله، وكان يقول لهم: "إني كنت امرءًا مسكينًا، أصحب رسول الله صلى الله عليه سلم على ملء بطني. وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم"، وذكر أن مسند "تقي بن مخلد، احتوى من حديث أبي هريرة على خمسة آلاف وثلثمائة حديث وكسر"٧، وقد يكون بعض ما أسند إليه مما أكثر عليه، أكثره عليه من جاء بعده، ثم إن علينا نقد حديثه، فليس هو بمشرع ولا معصوم، حتى قبل منه كل ما روي عنه٨. بل روي أن "عمر بن الخطاب" قال له: "أكثرت يا أبا هريرة من الرواية، وأحر
стр. 5688
بك أن تكون كاذبًا على رسول الله. ثم هدده وأوعده إن لم يترك الحديث عن رسول لله فإنه ينفيه إلى بلاده.
وقد أخرج ابن عساكر من حديث السائب بن يزيد: لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس"١.
وهناك رأي ثالث يقول: إنه نزل بلغة مضر، لقول "عمر": نزل القرآن بلغة مضر وعيّن بعضُهم -فيما حكاه- ابن عبد البرّ السبع من مضر، أنهم هذيل، وكنانة، وقيس، وضبّة، وتيم الباب، وأسد بن خزيمة، وقريش.
فهذه قبائل مضر، تستوعب سبع لغات"٢. وذكر أن "عمر" لما أراد "أن يكتب الإمام، أقعد له نفرًا من أصحابه، وقال: إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر، فإن القرآن نزل بلغة رجل من مضر"٣. ولما كانت القبائل المذكورة من مجموعة "مضر"، تكون لغة القرآن، وفقًا لهذا الرأي لغة مضر، لا لغة قريش، وروي عن "عبد الله بن مسعود"، أنه كان يستحب أن يكون الذين يكتبون المصاحف من مضر٤.
وعندنا أخبار أخرى تفيد أن القرآن إنما أنزل بلغة قريش. من ذلك ما روي من قول عمر: "لا يملين في مصاحفنا هذه إلا غلمان قريش، أو غلمان ثقيف"٥ وفسروا ذلك بأنه يعني أن القرآن إنما نزل بلغة قريش. وما روي من قول "عثمان" للرهط القرشين الذين أوكل إليهم جمع القرآن وكتابته: "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أنزل بلسانهم. ففعلوا"٦، وما روي عنه أيضًا، من أنه لما استفتى في اختلاف
стр. 5689
"زيد" مع الرهط في كتابة "التابوت" أيكتبونه بالتاء أو الهاء، وقال الثلاثة القرشيون: إنما هو التابوت، وقال زيد: إنما هو التابوه، قال: "اكتبوه بلغة قريش، فإن القرآن نزل بلغتهم"١، وما روي عنه أيضًا من قوله للرهط الذين أمرهم بكتابة القرآن: "إذا اختلفتم أنتم وزيد في عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن نزل بلسانهم ففعلوا"٢.
واستنكر "ابن قتيبة" قول من قال: إن القرآن نزل بلغات أخرى، فقال: "لم ينزل القرآن إلا بلغة قريش"، واحتج بالآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ ٣. واحتج آخرون بقول "عمر" لعبد الله بن مسعود: "إن القرآن لم ينزل بلغة هذيل، فأقرئ الناس بلغة قريش"٤.
وروي في "البخاري"، أن القرآن نزل بلسان قريش والعرب. وقريش خلاصة العرب٥. وذكر بعض العلماء أنه نزل "بلغة الحجازيين إلا قليلًا، فإنه نزل بلغة التميميين كالإدغام في: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ﴾ ، وفي: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ ؛ فإن إدغام المجزوم لغة تميم، ولهذا قل، والفك لغة الحجاز ولهذا كثر"٦.
وذكر بعض العلماء "أن في القرآن من أربعين عربية وهي: قريش، وهذيل، وكنانة، وخثعم، والخزرج، وأشعر، ونمير، وقيس عيلان، وجرهم، واليمن، وأزد شنوءة، وكندة، وتميم، وحمير، ومدين، ولخم، وسعد العشيرة، وحضرموت، وسدوس، والعمالقة، وأنمار، وغسان، ومذحج، وخُزاعة، وغطفان، وسبأ، وعمان، وبنو حنيفة، وثعلب، وطيء، وعامر بن صعصعة، وأوس، ومزينة، وثقيف، وجذام، وبليّ، وعذرة، وهوازن، والنمر، واليمامة٧.
стр. 5690
وذكروا أن مما وقع في القرآن من غير العربية: الفرس، والروم، والنبط، والحبشة، والبربر، والسريانية، والعبرانية، والقبط١.
وقال بعض العلماء: "أنزل القرآن أولًا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن يقرأوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف أحد منهم الانتقال عن لغته إلى لغة أخرى للمشقة، ولما كان فيهم من الحمية، ولطلب تسهيل فهم المراد"٢.
وذهب "الباقلاني" إلى أن "معنى قول عثمان: إنه نزل بلسان قريش، أي: معظمه، ولم يقم دليل على أن جميعه بلغة قريش كله، قال الله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ، ولم يقل قرشيًّا، قال: واسم العرب يتناول جميع القبائل تناولًا واحدًا يعني حجازها ويمنها، وكذا قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر، قال: لأن لغة غير قريش موجودة في صحيح القراءات كتحقيق الهمزات فإن قريشًا لا تهمز، وقال ابن عطية: قال ابن عباس: ما كنت أدري معنى ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ ، حتى سمعت أعرابيًّا يقول: لبئر ابتدأ حفرها: أنا فطرتها"٣.
وسند القائلين: إن القرآن نزل بلسان قريش، كون الرسول من مكة، ومكة موطن قريش. فلا بد من نزول كتاب الله بلسانهم، ليكون حجة عليهم وإعجازًا لفصائحهم، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ٤، فعلى هذا تكون لغة القرآن لغة قريش٥، ولما جاء في الأخبار التي رويت عن "عمر" و"عثمان" من أنه نزل بلسان قريش.
ومن حججهم أيضًا ما رووه عن "أبي عبيد الله" من قوله: "أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالتهم أن قريشًا أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة. وذلك أن الله -جل ثناؤه- اختارهم من جميع العرب واصطفاهم واختار منهم نبي الرحمة محمدًا ﷺ ، فجعل قريشًا قطان حرمه وجيران بيته الحرام وولاته. فكانت وفود العرب من
стр. 5691
حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج ويتحاكمون إلى قريش في أمورهم وكانت قريش تعلمهم مناسكهم وتحكم بينهم. ولم تزل العرب تعرف لقريش فضلها عليهم، وتسميها أهل الله؛ لأنهم الصريح من ولد إسماعيل ﵇، ولم تشبهم شائبة، ولم تنقلهم عن مناسبهم ناقلة، فضيلة من الله جل ثناؤه، لهم وتشريفًا، إذ جعلهم رهط نبيه الأدنين وعترته الصالحين. وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم. فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى نحائزهم وسلائقهم التي طُبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب. ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم، ولاعجرفية قيس، ولا كشكشة أسد، ولا كسكسة ربيعة، ولا الكسر الذي تسمعه من أسد وقيس"١.
وروي عن "قتادة" قوله: "كانت قريش تجتبي -أي: تختار- أفضل لغات العرب، حتى صار أفضل لغاتهم لغتهم، فنزل القرآن بها"٢.
ثم إنها كانت بعيدة عن الأعاجم، فصان بعدها عنهم لسانها عن الفساد، وحفظها من التأثر بأساليب العجم، حتى إن سائر العرب على نسبة بعدهم من قريش كان الاحتجاج بلغتهم في الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية٣.
ولكننا نجد خبرًا يذكر أن "عثمان" قال للرهط الذين أمرهم بجمع القرآن وكتابته: "اجعلوا المملي من هذيل، والكاتب من ثقيف"٤، وليست هذيل ولا ثقيف من قريش. ونجد خبرًا آخر يذكر أنه كانت غمغمة في لغة قريش، والغمغمة من اللغات الرديئة التي أخذها علماء اللغة على اللغات العربية الأخرى٥، فكيف تتفق الغمغمة مع ما ذكره من صفاء ونقاء وسهولة وبيان لغة قريش! ثم نجد خبرًا يذكر أن الخليفة "أبو بكر"، لما هم بجمع القرآن، بعد إلحاح
стр. 5692
"عمر" عليه بذلك، "أجلس خمسة وعشرين رجلًا من قريش، وخمسين رجلًا من الأنصار، وقال: اكتبوا القرآن، واعرضوا على سعيد بن العاص، فإنه رجل فصيح"١، ولو كان القرآن قد نزل بلغة قريش، لما اختار هذا العدد الكثير من الأنصار، وهم من غير قريش، ومن منافسي مكة في الجاهلية والإسلام، إن صح هذا الخبر، الذي أشك في صحته.
ثم نجد خبرًا آخر يناقض الخبر المتقدم، يقول: "لما كُتبت المصاحف عُرضت على عثمان، فوجد فيها حروفًا من اللحن، فقال: لا تغيّروها؛ فإن العرب ستغيرها –أو قال ستعربها- بألسنتها، لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل، لم توجد فيه هذه الحروف"٢. وهو خبر أشك في صحته، وللعلماء فيه آراء.
وأما ما قالوه من اختلاف "زيد" مع النفر القرشيين الذين أشركوا معه في جمع القرآن من كتابة "التابوت" بالتاء أو بالهاء، وكان من رأيه كتابتها "التابوه"، ومن رأي "عثمان" "التابوت"٣، فقد ذكر العلماء أن "التابوه" لغة في التابوت أنصارية٤. واللفظة هي من المعربات، أخذها الأنصار من العبرانية، فهي عندهم "ت ب هـ" "ط ب هـ" "Tabh" "Teba" بمعنى صندوق٥.
وقد كتبت في القرآن بالتاء. وقد وردت اللفظة في سورة "طه"، وهي مكية٦، ووردت في سورة البقرة وهي مدينة٧.
وأقرب الأقوال المذكورة إلى المنطق، هو قول من قال: إنه نزل بلسان عربي وكفى. فاسم العرب يتناول جميع القبائل تناولًا واحدًا، يعني حجازها ويمنها وكل مكان آخر من جزيرة العرب٨، ثم ما بالنا نفسر ونؤول، ونلف وندور في تفسير: "أُنزل القرآن على سبعة أحرف"، وهو حديث، روي بروايات
стр. 5693
تحتاج إلى نقد، وفيها ضعف، وأخبار ضعيفة، لا تقف على قدميها، ثم نترك كتاب الله القائل: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١، و ﴿هَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ٢ و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٣، و ﴿كَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ ٤، و ﴿كَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ ٥، و ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ٦، و ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٧، و ﴿كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٨، و ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٩، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ١٠، ولم يقل قرشيًّا١١، ولو نزل بلغة قريش لما سكت الله تعالى عن ذلك، لما في التنويه بلسانهم إن كان أفصح ألسنة العرب من حجة على العرب في فصاحته وبيانه وكونه معجزة بالنسبة لقريش، أفصح الناس وألسنهم، وليس بكلام العرب عامة الذين هم على حد قول أهل الأخبار دون قريش في اللغة والكلام.
وما آية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ١٢، إلا دليلًا وحجة على نزول القرآن بلسان العرب، لا بلسان قريش، أو بلسان قبيلة معينة، أو قبائل خاصة. فالآية تقول: "ما أرسلنا إلى أمة من المم يا محمد من قبلك ومن قبل قومك رسولا إلا بلسان الأمة التي أرسلناه إليه ولغتهم، ليبين لهم. يقول: ليفهمهم ما أرسله الله إليهم من أمره ونهيه وليثبت حجة الله عليهم
стр. 5694
ثم التوفيق والخذلان بيد الله"١. ولما كان النبي عربيًّا، وقد نعت في القرآن بأنه "النبي الأمي"٢، الذي أرسله الله إلى الأميين، رسولًا منهم"٣، والأميون هم العرب، العرب كلهم، ولما كان الله قد أرسله إلى قومه العرب، وجب أن يكون الوحي بلسانهم المفهوم بينهم، بلسان طافة منهم، يؤيد ذلك ما ورد في القرآن الكريم نفسه من أنه نزل بلسان عربي مبين. "قال الأزهري: وجعل الله، ، القرآن المنزل على النبي المرسل محمد، ﷺ ، عربيًّا؛ لأنه نسبه إلى العرب الذين أنزله بلسانهم، وهم النبي والمهاجرون والأنصار الذين صيغة لسانهم لغة العرب، في باديتها وقراها، العربية، وجعل النبي، ﷺ ، عربيًّا لأنه من صريح العرب"٤. وقال "ابن خلدون": "إن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه، ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه"٥. وقال "الطبري" في تفسيره للآية: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٦، "يقول تعالى ذكره: إنا أنزلنا هذا الكتاب المبين قرآنًا عربيًّا على العرب؛ لأن لسانهم وكلامهم عربي، فأنزلنا هذا الكتاب بلسانهم ليعقلوه ويفقهوا منه. وذلك قوله : ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ "٧.
"قال ابن أبي داود في المصاحف: حدثنا العباس بن الوليد، حدثنا أُبي، حدثنا سعيد بن عبد العزيز: أن عربية القرآن أقيت على لسان سعيد بن العاص، لأنه كان أشبههم لهجة برسول الله ﷺ ، ولهذا ندبه عثمان فيمن ندب لكتابة القرآن٨. ونعت أنه كان أحد أشراف قريش ممن جمع السخاء والفصاحة" وفي هذه الإشارة دلالة على أن لهجة الرسول، لم تكن لهجة عاة قريش، وإنما كانت بالعربية التي نزل بها القرآن، ولهذا نص على أن لهجة "سعيد" كانت
стр. 5695
مشابهة للهجة الرسول، وكان من أفصح رجال قريش، ولو كانت عربية القرآن عربية قريش، لما كان هنالك معنى لقولهم: إن عربية القرآن أقيمت على لسان سعيد، لأنه كان أشبههم لهجة برسول الله، إذ لو كانت عربية القرآن عربية قريش، لنص عليها، ثم لكان في وسع أي رجل كاتب من قريش، تدوينه، لفصاحة قريش، ولكن سعيدًا كان من فصحاء قريش، لأنه كان يتكلم بعربية فصيحة، هي العربية التي نزل بها القرآن، والتي عرف فصحاء قريش فصاحتها، فاعترفوا لذلك بنزوله بأفصح لغة وأبين بيان.
وقد ذهب "نولدكه" إلى أن القول بنزول القرآن بلسان قريش، إنما ظهر في العصر الأموي، لإظهار عصبيته منها على الأنصار. ونظرًا لكون القرآن كتاب الله فلا دعاء نزوله بلغة قريش أهمية كبيرة بالنسبة لهم، ولتأييد سياستهم المناهضة للأنصار وللقحطانيين١.
ويلفت حديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" النظر إليه حقًّا، فقد حصر القراءات في "سبعة أحرف". والأحرف الألسنة، مع أن العلماء يذكرون أن في القرآن من كل لغة، وأن فيه خمسين لغة٢. فإذا كان فيه هذا العدد أو نحوه، فما بال هذا الحديث يحصرها في سبعة فقط لا تزيد ولا تنقص وهي أحرف ثبتها العلماء ونصوا على أسمائها نصًّا. هل أخذوا هذا الحديث من "السبع المثاني" في القرآن الكريم، من قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ ٣.
أو أخذوه من عدد سبعة الذي يرد في مواضع عديد من القرآن الكريم؟ مثل سبع سماوات٤، وسبع سنابل٥، وسبع سنبلات٦، وسبع بقرات٧، وسبع سنين٨،
стр. 5696
وسبع شداد١، والسماوات السبع٢، وسبع ليال٣، وسبعًا شدادًا٤، وسبعة أبواب٥ وسبعة أبحر٦، والعدد سبعة هو عدد الأيام التي أتم الله فيها الخلق كله، وعدد أيام الأسبوع، ونحو ذلك. والعدد سبعة عدد لعب دورًا خطيرًا عند الشعوب القديمة، فالأرض سبع طبقات، والسموات سبع طباق، وأنغام الموسيقى سبعة، والعدد سبعة عدد مقدس، لعب دورًا في الرياضيات القديمة وفي نظريات "فيثاغورس"، وعيون الشعر الجاهلي هي سبعة، هي القصائد السبع الطوال، أو المعلقات السبع، فهل اقتصر الحديث على هذا العدد لسبب من هذه الأسباب أو ما شابهها، من أسباب؟
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن العدد سبعة لا يمثل حقيقة العدد، بل المراد التيسير والتسهيل والسعة. ولفظ "السبعة" يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يطلق السبعون في العشرات والسبعمائة في المئين، ولا يراد العدد المعين. ويرده ما في كتب الحديث والأخبار من النص على العدد سبعة بصورة لا تقبل الشك في أن المراد منه حقيقة العدد وانحصاره، ثم تعيين هذا الكتب اللهجات السبع بالأسماء٧، وقد ألف "الصفدي" كتابًا في عدد السبعة، سماه "عين النبع على طرد السبع" قال فيه: إن السبعة جمعت العدد كله، وهذا العدد يمثل الكمال، فأنا لا أستبعد أن يكون هذا الحديث قد جاء من هذه الفكرة٨.
стр. 5697
القراءات السبع:
ومن الأحرف السبعة ظهرت نظرية القراءات السبع، القراءات المعتبرة المعتمدة عند القراء، وهي ترجع إلى أئمة ارتبطت القراءات بأسمائهم، وعليها يقتصر في
стр. 5698
القراءات. وهي نتيجة تطور سابق لقرّاء سبقوا هؤلاء الأئمة الذين اعتمد عليهم في القراءات١، وعلى قراءاتهم يقرأ من يستحق لقب "مقرئ" أو "قارئ"٢، وإن كانت هنالك روايات تزيد بعض الزيادات على هذه القراءات.
ولأجل تكوين فكرة علمية صحيحة عن هذه الأخبار وعن درجة سعة هذا الاختلاف ومقدارها وما يجب أن يقال فيها، لابد من نقد كل ما ورد في هذا الباب من حديث وروايات، وغربلته غربلة دقيقة. وتكون أول هذه الغربلة في نظري بنقد سلسلة رجال السند، أي: الرواة، لمعرفة الروابط التي كانت تربط بينهم وصلة بعضهم ببعض وملاقاتهم، وما قيل وورد فيهم؛ إذ نسبت أحاديث إلى أشخاص قيل: إنهم رووها عن أناس ثقات، ثبت من النقد أن بعض رجال السند لم يلتقوا في حياتهم بمن حدثوا عنهم كما في حديث قتادة عن ابن عباس، أو أنهم رووا ما رووه تسرعًا وبدون سند أو إجازة لمجرد سماعهم برواية أولئك الأشخاص لتلك الروايات٣.
ثم إن هذا النقد لا يكفي وحده، بل لا بد من نقد متن الحديث من حيث لغته وأسلوبه ومضمونه وروحه، ومن حيث انطباق بعض الروايات على جوهر القرآن الكريم وما عرف عن الرسول. فبهذا النقد للمتن، نتمكن من الحكم على إمكان صدور الحديث عن الرسول أو عدمه.
وبعد كل ما تقدم، علينا حصر أمثلة الاختلاف التي ذكرها العلماء، وضبط كل ما ورد في الأخبار من هذا القبيل، لنتمكن من الحكم على مقدار ما اختلف فيه وسعته ودرجة موافقته لما جاء في ذلك الحديث وفي تلك الأخبار، ثم دراسة هذه الكلمات التي قيل: إنها تمثل لهجات قبائل وأنها حرف من هذه الأحرف السبعة المذكورة في الحديث.
لقد لخص "ابن قتيبة" الأحرف السبعة بالأوجه التي يقع بها التغاير:
فأولها: ما تتغير حركته، ولا يزول معناه ولا صورته، مثل: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ﴾ بفتح الراء وضمها.
стр. 5699
وثانيها: ما يتغير بالفعل مثل بَعّدَ وباعد، بلفظ الطلب والماضي.
وثالثها: ما يتغير باللفظ مثل: نُنشزها ونُنْشرها بالراء المهملة.
رابعها: ما يتغير بإبدال حرف قريب المخرج مثل طلح منضود وطلع منضود.
خامسها: ما يتغير بالتقديم والتأخير مثل: وجاءت سكرة الموت بالحق، وجاءت سكرة الحق بالموت.
وسادسها: ما يتغير بالزيادة والنقصان، مثل: وما خلق الذكر والأنثى، والذكر والأنثى، بنقص لفظ ما خلق.
سابعها: ما يتغير بإبدال كلمة بأخرى، مثل: كالعهن المنفوش، وكالصوف المنفوش١.
وأجمل "ابن الجزري" الأوجه السبعة بـ:
١- وذلك إما في الحركات بلا تغير في المعنى والصورة نحو: البخل بأربعة أوجه، ويحسب بوجهين.
٢- أو بتغير في المعنى فقط نحو: فتلقى آدم من ربه كلمات، برفع آدم ونصب لفظ كلمات وبالعكس.
٣- وأما في الحروف بتغير المعنى لا الصورة نحو: تبلو، وتتلو.
٤- وعكس ذلك، نحو بصطة وبسطة، ونحو الصراط والسراط.
٥- أو بتغيرهما نحو فامضوا، فاسعوا.
٦- وإما في التقديم والتأخير، نحو فيقتلون، ويقتلون، بفتح ياء المضارعة مع بناء الفعل للفاعل في إحدى الكلمتين، ويضمها مع بناء الفعل للمفعول في الكلمة الأخرى.
٧- أو في الزيادة والنقصان.
وقد أوجز "أبو الفضل" الرازي، الحروف السبعة في:
١- اختلاف الأسماء من إفراد، وتثنية، وجمع، وتذكير، وتأنيث.
مثل: والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، قرئ هكذا جمعًا، وقرئ لأمانتهم بالإفراد.
стр. 5700
٢- اختلاف تصريف الأفعال من ماض، ومضارع، وأمر. مثل: فقالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ ، قرئ هكذا بنصب لفظ ربنا على أنه منادى، وبلفظ باعد فعل أمر، وبعبارة أنسب بالمقام فعل دعاء. وقرئ هكذا: ربُّنا بَعَّد. برفع رب على أنه مبتدأ وبلفظ بعَّد، فعلًا ماضيًا مضعف العين جملته خبر.
٣- اختلاف وجوه الإعراب. مثل: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ .
قرئ بفتح الراء وضمها، فالفتح على أن لا ناهية، فالفعل مجزوم بعدها، والفتحة الملحوظة في الراء هي إدغام المثلثين. أما الضمّ فعلى أنّ لا نافية، فالفعل مرفوع بعدها.
٤- الاختلاف بالنقص والزيادة. مثل: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ، قرئ بهذا اللفظ. وقرئ أيضًا والذكَرِ والأنثى، بنقص كلمة ما خلق.
٥- الاختلاف بالتقديم والتأخير. مثل: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَق﴾ ، وقرئ: وجاءت سكرة الحق بالموت.
٦- الاختلاف بالإبدال. مثل: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ ، بالزاي، وقرئ ننشرها بالراء. ومثل: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُود﴾ ، بالحاء، وقرئ طلع بالعين. فلا فرق في هذا الوجه أيضًا بين الاسم والفعل.
٧- اختلاف اللغات، أي: اللهجات، كالفتح والإمالة، والترقيق والتفخيم، والإظهار، والإدغام ونحو ذلك١.
ونحن إذا تعمقنا في درس مواضع الاختلاف، وهي أهم ما يتصل بلهجة القرآن الكريم، وسجلناها تسجيلًا دقيقًا شاملًا، نجد أنها ليست في الواقع اختلافًا في أمور جوهرية تتعلق بالوحي ذاته، وإنما هي في الغالب مسائل ظهرت بعد نزول الوحي من خاصية القلم الذي دوّن به القرآن الكريم. فرسم أكثر حروف هذا القلم متشابه، والمميز بين الحروف المتشابهة هو النقط، وقد ظهر النقط بعد نزول الوحي بأمد كما يقول العلماء، ثم إنّ هذا القلم كان خاليًا في بادئ
стр. 5701
أمره من الحركات، وخلوّ الكلم من الحركات يحدث مشكلات عديدة في الضبط من حيث إخراج الكلمة، أي: كيفية النطق بها، ومن حيث مواقع الكلم من الإعراب١.
كل هذه الأمور وأمور أخرى تعرض لها العلماء، أحدثت في الغالب القسم الأعظم مما يعدّ اختلافًا في القراءات.
ويعود القسم الباقي من مواضع الاختلاف إلى سبب أراه لا يتعلق أيضًا بمتن النص، وإنما هو، كما يتين من الإمعان في دراسته ومن تحليل الآيات المختلف فيها، زيادات وتعليقات من ذهن الحفاظ والكتاب على ما أتصور، لعدم وضوح المعنى لديهم، لعلها كانت تفسيرًا أو شرحًا لبعض الكلم دوّنت مع الأصل، فظنت فيما بعد من الأصل. وإثبات التفسير مع المتن، جائز على بعض الروايات٢.
ويعود قسم آخر منه إلى استعمال كلمات قد تكون مخالفة لكلمة من حيث شكلها، ولكنها متفقة معها في معناها، وإلى استعمال كلمات متباينة في الشكل وفي المعنى. وهذا القسم هو، ولا شك، أهم أقسام الاختلاف، وإليه يجب أن توجه الدراسة.
هذه الأمور المذكورة، تحصر جميع ما ورد من اختلاف في كلمات أو آيات من القرآن الكريم. أما ما ذكره العلماء من الأوجه التفسيرية للحديث: حديث: أنزل القرآن على سبعة أحرف، ومن جعلها خمسة وثلاثين وجهًا أو سبعة أوجه أو أقل من ذلك أو أكثر٣، فإنها تفاسير متأخرة، وأوجه نظر قيلت لإيجاد مخارج مسوغة لتفسير هذا الحديث.
ويصعب في هذا الموضع ذكر أمثلة لهذه الأمور، فهي عديدة كثيرة، ذكرت في كتب المصاحف وفي كتب التفسير، وأورد شواهد منها "كولدتزيهر" في كتابه عن "المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن"، يمكن الاطلاع عليها في الصورة
стр. 5702
العربية له المطبوعة بمصر١. فمن أمثلة الاختلاف الحادث من الخط "تستكبرون" بالباء الموحدة و"تستكثرون" بالثاء المثلثة في الآية: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ٢.
و"بشرًا" أو "نشرًا" في الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ ٣. وكلمة "إياه" في الآية: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ ، إذ وردت أيضًا "أباه" بالباء الموحدة٤.
وأمثال ذلك مما كان سببه النقط.
وبعد ملاحظة ما تقدم، وحصر كل ما ورد في المصاحف وما قرأه القراء من قراءات، نجد أن ما يختص منه باللهجات وباللغات قليل يمكن تعيينه، ومعظمه مترادفات في مثل: أرشدنا واهدنا، والعهن والصوف، وزقية وصيحة، وهلم وتعال وأقبل، وعجل وأسرع٥، والظالم والفاجر، وعتى وحتى٦، وأمثال ذلك.
وهذه الأمثلة هي كلمات مختلفة لفظًا، ولكنها في معنى واحد. وهي كما ترى مفردات لا دخل لها في قواعد اللهجات.
وأما الاختلاف في الإظهار، والإدغام، والإشمام، والتفخيم، والترقيق، والمدّ، والقصر، والإمالة، والفتح، والتحقيق، والتسهيل، والإبدال. فهذا ليس من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللفظ والمعنى؛ لأن هذه الصفات المتنوعة في أدائه لا تخرجه عن أن يكون لفظًا واحدًا٧، وليس هو من قبيل الاختلاف المؤثر في قواعد اللهجة، إنما هو اختلاف في الصور الظاهرة لمخارج حروف الكلمات، فلا يصح أن يعد فارقًا كبيرًا يمكن أن يكون حدًّا يفصل بين اللهجات، بحيث يصيرها لغة من اللغات، ثم إن بعضه يعود إلى الخط، وبعضه إلى التجويد.
стр. 5703
أي طريقة التلاوة والأداء١.
وللحكم على أصل المترادفات، تجب مراجعة سلسلة السند للوصول إلى صحة تسلسل الأخبار من جهة، وإلى معرفة راوي الخبر والقبيلة التي هو منها لمعرفة القراءة التي قرأها، وهل هي من لهجة قبيلته، أم هي مجرد كلمة من اللهجة التي نزل بها القرآن الكريم نفسها، تلقّاها القارئ على الشكل الذي رواها في قراءته.
لقد أشار العلماء إلى أمثلة من كلمات غير قرشية وردت في القرآن الكريم، ذكروا أنها من لهجات أخرى، ومنها: الأرائكُ، ولا وَزَرَ، و"حور"، وأمثال ذلك رجع بعضهم أصولها إلى خمسين لهجة من لهجات القبائل، كما أشاروا إلى وجود كلمات معربة أخذت من لغات أعجمية مثل الرومية، والفارسية، والنبطية، والحبشية، والسريانية، والعبرانية وأمثال ذلك٢، وألّفوا في ذلك كتبًا، منها: كتاب لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي المتوفى سنة "٢٢٣هـ" "٨٣٨م"، واسمه: "رسالة في ما ورد في القرآن من لغات القبائل"٣، وكتاب لغات القرآن، لأبي زيد الأنصاري المتوفى سنة "٢١٤هـ" "٨٢٩م"٤، وغيرهما. ثم إن الذين تناولوها لم يكن لهم علم بأكثر اللغات التي رجعوا أصولها إليها، ولا سيما اللغات الأعجمية مثل الرومية، والسريانة، والنبطية، والحبشية.
غير أن من الجائز أن يكون هؤلاء قد سمعوا عنها من الأعاجم الذين دخلوا في الإسلام. ولكن طريقة السماع هذه لا تكفي لإعطاء حكم على أصل لغة، بل لا بد من وجود علم ومعرفة بقواعد تلك اللغة وتأريخها وتطورها، والإحاطة بالعلاقات التأريخية بين العرب وغيرهم قبل الإسلام لمعرفة كيفية دخول تلك الكلمات إلى العرب، وإيجاد وجه صحيح للمقارنة بين اللغتين وهذا ما لم يحدث في تلك الأيام.
стр. 5704
ولما كانت قراءة عبد الله بن مسعود من القراءات المشهورة المعروفة، وكان عبد الله بن مسعود من قبيلة هُذيل١، وجب علينا البحث في لهجة هذيل لمعرفة خصائصها ومميزاتها وما انفردت به عن غيرها من اللهجات. وهذيل من القبائل التي عرفت بجودة لهجتها، في تدوين القرآن الكريم٢. ولذلك رأى الخليفة عثمان أن يكون المملي من هذيل والكات من ثقيف. وقد ذكرت لهجتها في جملة اللهجات التي نص عليها في الحديث المذكور على نحو ما أشرت إليه، كما أخرجت عددًا من الشعراء جمع بعض العلماء أشعارهم في ديوان، وقد طبع في القاهرة ديوان شعراء هذيل٣. ويفيدنا شعر هؤلاء الشعراء بالطبع في الوقوف على لهجة هذه القبيلة. ولكن هذا الشعر هو مثل شعر سائر الشعراء الجاهليين الآخرين، مصقول مهذب، هذّب على وفْق قواعد اللغة العربية التي ضبطت في الإسلام، ثم هو مضبوط برواية رواة هم في الأغلب من غير هذيل. ولهذا قلما نجد في شعر هؤلاء الشعراء وغيرهم ما يختلف عن قواعد اللهجة العربية، حتى أننا لا نستطيع في هذه الحالة أن ندعي أن هذا الشعر هو بلهجة هذيل. وقد حرمنا العقلُ الوقوفَ على لهجات القبائل التي أخرجت أولئك الشعراء ومعرفة مؤثراتها في شعر أولئك الشعراء.
ومن أهم الأمثلة التي أوردها العلماء في قراءة "ابن عباس" مما له علاقة باللهجات، قراءته كلمة "حتى" "عتى" في الآية: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ ٤. وقد ذكر المفسرون وعلماء اللغة أن هذه القراءة هي بلهجة هذيل٥، وأن "عتى" هي "حتى" عند هذه القبيلة؛ ذلك لأن هذه القبيلة تستعمل حرف العين بدلًا من الحاء في لهجتها٦. ولم يشر
стр. 5705
العلماء إلى موضع أخرى استعمل "ابن مسعود" فيها كلمة "عتى" في موضع "حتى" الواردة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، كما أننا لم نجد في كتب اللغة المتقدمة إشارة إلى استبدال هذيل حرف العين بحرف الحاء. ونظرية "فحفحة" هذيل، رأي متأخر لم يقرن بأدلة وأمثلة، فهو رأي لا يمكن الأخذ به١.
وأظن أن هذه القراءة المنسوبة إلى "ابن مسعود"، هي من القراءات المتولدة من حدوث اشتباه في القراءة، من جراء عدم حصول التمييز بين "العين" و"الحاء" في "حتى". ووقوع الاشتباه بين الحرفين في ابتداء الكلمات، أمر ليس بصعب، وإلا فَلِمَ انفرد ابن مسعود في هذا الموضع فقط، باستعمال "عتى"، ولم يستعملها في المواضع الأخرى وهي كثيرة في القرآن الكريم؟
نعم، لقد ورد في روايات أن ابن مسعود قرأ "نحم" بدلًا من "نعم" في القرآن الكريم٢،وأنه قرأ "بُحثرَ" عوضًا عن "بُعْثرَ"٣. وهذه الروايات تناقض الروايات السابقة التي تزعم أنه قرأ "عتى" في موضع "حتى" في الآية المذكورة، إذ نجده في هذه الروايات يقرأ "العين" حاء، أي: عكس تلك القراءة المنسوبة إليه. ثم إنّ المفسرين وعلماء القراءات، لم يشيروا إلى قراءات أخرى له من هذا النوع قلب فيها حرف العين حاء مع تعدّد ورود حرف العين في القرآن الكريم.
وهناك روايات تفيد أن أسدًا وتميمًا استعملوا حرف الحاء في موضع العين في بعض الحالات، فقالوا: "مَحَهُمْ" بدلًا "معَهُم" و"أأحهد" في موضع "أأعهد"٤. ولكنها لم تشر إلى أمثلة أخرى من هذا القبيل. وهذان المثالان لا يكفيان بالطبع لإعطاء حكم في هذا الإبدال عند القبيلتين. ولكن هنالك رواية متأخرة لا نعرف مرجعها تفيد أن هذا الإبدال واقع في لهجة سعد بن بكر، وهي قبيلة تقع مواطنها في شمالي المدينة٥. ولكن ما صلة ابن مسعود بهذه القبيلة وهو
стр. 5706
من هذيل؟ هل نفترض أنه أخذ قراءته تلك من أفواه رجال هذه القبيلة؟ إذا أخذنا بهذا الظنّ، وجب علينا إثبات ذلك بدليل، وذكر أسماء الصحابة الذين أخذ ابن مسعود منهم قراءته. ويجب حينئذ رَجعُ تلك القراءة إلى أولئك الصحابة لا إلى ابن مسعود. والواقع أننا لا نستطيع أبدًا الإتيان بدليل ما يثبت استعمال هذيل حرف العين في كلامها في موضع الحاء وبالعكس.
ورأيي أن ما نسب إلى ابن مسعود في هذه القراءة أو القراءات الثلاث، سببه وهمٌ وقع فيه مَنْ نسب تلك القراءة إليه، وهو ناتج من كتابة المصحف المنسوب إليه. وإلا، فلا يعقل أن يقتصر ابن مسعود على هذه القراءة أو القراءات التي هي ليست من لهجة أهل مكة ولا أهل يثرب ولا هذيل، ثم يترك سائر المواضع.
ولا يعقل كذلك تلفظ الرسول بهذه اللهجة الشاذة التي لا نعرف من كان يستعملها على وجه ثابت، وقد نزل القرآن بأفصح اللهجات.
وإلى أمثال هذه القراءات الشاذة، التي يجب نقدها وتمحيصها بعناية، استند "كارل فولرس" في نظريته القائلة بحدوث تغيير في نص القرآن الكريم. وهي نظرية لم يُقرّها عليه بعض كبار المستشرقين. ولو فحصت ودققت لتبين أنها بنيت على روايات لا تثبت أمام التمحيص، أخذها لمجرد ورودها في الكتب.
ولكن ليس كل ما يرد في الكتب بأمر مسلم به.
وقد بحث العلماء في اللغات التي وقعت في القرآن بغير لغة قريش، وفي جملتها لغة حمير، ورجعت إلى بحوثهم، فوجدت أن ما نسب إلى الحميرية من كلمات، لا يحمل طابع الحميرية، وليس من لغة العرب الجنوبيين بشيء. وقل مثل ذلك عن لغة "جرهم"، فقد دوّنوا ألفاظًا زعموا أنها وردت بلغة "جرهم"، ونحن نعلم من أقوال أهل الأخبار أنفسهم أن "جرهمًا" كانوا من الشعوب العربية البائدة التي هلكت قبل الإسلام بزمن طويل. وقد ماتت لغتهم معهم بالطبع، فكيف تمكن العلماء من تشخيص هذه الألفاظ ومن إرجعاها إلى جرهم؟ وقد وجدت أيضًا أن ما ذكروه من أمثلة أخرى على لغات القبائل التي وردت ألسنتها في القرآن هو من هذا القبيل، ولا سيما القبائل الهالكة مثل "مدين"، فالعلماء الذين شخصوا تلك اللهجات التي زعموا أنها وردت في القرآن، يذكرون أن بعض أصحاب هذه اللهجات هم من العرب البائدة، فهم ممن ماتوا وبادوا، وماتت
стр. 5707
لغتهم بموتهم، فما يذكرونه من ألفاظ لغاتهم الواردة في القرآن، هو مما لا أصل له إذن. ثم إنهم نسبوا ألفاظًا إلى "حمير"، وجدنا أنها ليست حميرية أبدًا، أضف إلى ذلك أنهم لم يدرسوا العربيات الجاهلية دراسة علمية، ولم يكن لهم علم بها، ولهذا فما ثبتوه ودوّنوه عن اللغات العربية في القرآن، لا يمكن الأخذ به، لأنه لا يستند على علم بالموضوع، ولا على دراسات لتلك اللهجات.
ومن أمثلة ما ذكروه على أنه من لسان "حمير"، الأرائك، ولا وزر، بمعنى لا جبل، وحور، ولهو، بمعنى: المرأة، ولا تفشلا، وعثر، وسفاهة، وزيلنا، ومرجوا، وإمام. وغير ذلك١، وذكروا أن "باءوا"، وشقاق، وخيرًا وكدأب، وأراذلنا، ولفيفا، وغير ذلك من لغة جرهم٢، وهي كلها من تخرصات من نسبها إلى جرهم، لما قالوه أنفسهم من هلاك جرهم قبل الإسلام بزمان طويل، فمن أبلغهم إذن أن هذه الألفاظ من ألفاظ جرهم، ولِمَ نزلت في القرآن، وقد نزل الوحي للأحياء وليس للأموات!
وقد ذهب البعض مذهبًا بعيدًا في اللغات الواردة في القرآن، فذهب إلى أن "غساق"، بمعنى المنتن بلسان الترك، وهو بالطخارية٣، وأن "سيدها" زوجها بلسان القبط، وأن "الأرائك" بالحبشية، وأن "سبحى" بلسان الحبشية، وأن "الجبت" الشيطان بلغة الحبش، وأن "حرم" بمعنى وجب بالحبشة، وأن "سكر"، بمعنى الخَلّ بلغة الأحباش، وأن "سينين" بمعنى الحسن بلسان الحبشة، وأن "شطر" حبشية، وأن "العرم" حبشية، وأن "قنطار" بلسان أهل إفريقية، إلى غير ذلك من ألفاظ٤.
ونجد رواية تذكر أن الصحابة لما تشاوروا في أمر تسمية القرآن، ما يسمونه؟ "فقال بعضهم: سموه السفر، قال: ذلك اسم تسمية اليهود، فكرهوه، فقال: رأيت مثله بالحبشة يسمى المصحف، فاجتمع رأيهم على أن يسموه المصحف"٥، فجعلوا اللفظة حبشية.
стр. 5708
ولو درسنا الألفاظ المعربة المذكورة، نجد أن العلماء قد أخطأوا في تشخيصها وخلطوا في الغالب بين أصولها، بسبب أنهم لم يكونوا يحسنون اللغات الأعجمية، ما عدا الفارسية، وأنهم لم يراجعوا أهل العلم والتخصص في اللغات الأعجمية، من رجال الدين من أهل الكتاب، أو المتبحرين بالأدب من الروم والسريان، بل اكتفوا بمراجعة أيًا كان ممن كانوا يعرفونهم من نصارى ويهود، وحيث أنه لم يكن لدى هؤلاء علم المتبحرين في الدين والأدب، جاءت أجوبتهم فجة أو مغلوطة، ودوّنت على هذه الصورة.
ونظرًا لعدم وقوف العلماء على اللغات العربية الجنوبية، جعلوا ألفاظًا عربية واردة في القرآن مثل "العرم" لفظة حبشية١، مع أنها لفظة عربية جنوبية، مدوّنة في النصوص، وجعلوا ألفاظًا أخرى من هذا القبيل، من الألفاظ المعربة عن لغات أعجمية.
وقد اتخذ بعض العلماء حديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، دليلًا على نزول القرآن بلغة قريش، فقد قالوا: إن الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن واقعة كلها في لغة قريش، ذلك أن قريشًا كان قد داوروا بينهم لغات العرب جميعًا وتداولوها، وأخذوا ما استملحوه من هؤلاء وهؤلاء في الأسواق العربية ومواسمها، وأيامها ووقائعها، وحجها وعمرتها، ثم استعملوه وأذاعوه، بعد أن هذبوه وصقلوه. وبهذا كانت لغة قريش مجمع لغات مختارة منتقاة من بين لغات القبائل كافة، وكان هذا سببًا من أسباب انتهاء الزعامة إليهم، واجتماع أوزاع العرب عليهم، ومن هنا شاءت الحكمة أن يطلع عليهم القرآن من هذا الأفق، وأن يطل عليهم من سماء قريش٢.
وهو استنتاج غير مقنع، لما أورده العلماء أنفسهم من أقوال وتفسير للحديث المذكور، ولما أوردوه من أن الصحابة من قريش، كان يشكل عليهم اللفظ من القرآن مثل "أبا" فيسألون عنه، لأنه لم يكن من لغة قريش. فقد ذكروا أن "عمر"، قرأ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ حتى أتى على هذه الآية: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ، فقال: قد علمنا الفاكهة فما الأب. ثم قال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا
стр. 5709
لهو التكلف. وذهب البعض إلى أن المراد من اللفظة ما أنبتت الأرض للأنعام، وذكر بعض العلماء أنها بلغة الحبش١. وذكروا أشياء أخرى من هذا القبيل، تعارض قبول هذا الاستنتاج.
والذي أراه أن نص القرآن يعارض حديث الأحرف السبعة، ففيه: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ٢، وفيه: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٣ وفيه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . فليس للرسول أن يغير أو يبدل ما نزل به الوحي عليه، ثم إنه كان لا ينتهي من الوحي، حتى يأمر من يكون عنده بتدوينه بلسانه حال نزوله عليه، وإذا لم يكن هناك كاتب أمر من يستدعي له كاتبًا ليدونه، فكيف يتفق ذلك مع هذا الحديث، ومع الأمثلة التي ذكروها في القراءات؟ ورد أن الرسول علم "البراء بن عازب" دُعاء فيه: "ونبيك الذي أرسلت"، فلما أراد البرّاء أن يعرض ذلك الدعاء على رسول الله قال: "ورسولك الذي أرسلت"، فلم يوافقه النبي على ذلك، موضع لفظة نبي، مع أن كليهما حق لا يحيل معنى، إذ هو رسول ونبي معًا، فكيف كان يُجيز أن يوضع في القرآن مكان عزيز حكيم، غفور رحيم، أو سميع عليم، وكيف نقبل هذه الرواية التي تذكر أن "عبد الله بن مسعود" أقرأ رجلًا كلمة "الفاجر" بدلًا من كلمة الأثيم في الآية: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ، طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ ٤، مع ورود المنع عن تغيير أي حرف من حروف القرآن، وهل يعقل قيام "ابن مسعود" بذلك وسكوت الصحابة عن عمله، لو صحّ أنه فعل ذلك.
ولو كان القرآن قد نزل بلغة قريش وحدها، فلمَ كان الصحابة من قريش مثل "أبو بكر" و"عمر" وغيرها، يتحيرون في تفسير ألفاظ وردت فيه، أو يلجأون إلى الشعر يستعينون به في تفسير القرآن، والشعر هو شعر العرب، لا شعر قريش وحدها. قال "ابن عباس" "إن الشعر ديوان العرب"، وكان
стр. 5710
إذا سئل عن عربية القرآن أنشد الشعر١، وقال: "إذا قرأتم شيئًا من كتاب الله، فلم تعرفوه، فاطلبوه في أشعار العرب، فإن الشعر ديوان العرب، وكان إذا سئل عن شيء من القرآن أنشد فيه شعرًا"٢.
قال "ابن قتيبة": "العرب لا تستوي في المعرفة بجميع ما في القرآن من الغريب والمتشابه بل لبعضها الفضل في ذلك على بعض، والدليل عليه قول الله : ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ٣ ويدل عليه قول بعضهم: يا رسول الله: إنك لتأتينا بالكلام من كلام العرب ما نعرفه، ونحن العرب حقًّا. فقال: "إن ربي علمني فتعلمت".