← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

العربية عربية العرب جميعًا من أنصار ومهاجرين، أهل بادية وقرى. "قال الأزهري: وجعل الله ، القرآن المنزل على النبي المرسل محمد، ﷺ ، عربيًّا؛ لأنه نسبه إلى العرب الذين أنزله بلسانهم، وهم النبي والمهاجرون والأنصار الذين صيغة لسانهم لغة العرب، في باديتها وقراها العربية، وجعل النبي، ﷺ ، عربيًّا لأنه من صريح العرب"١. فلسان القرآن، لسان العرب جميعًا من مهاجرين وأنصار، لا لسان قريش خاصة، والنبي وإن كان من قريش، لكنه كان عربيًّا من صريح العرب، ودعوته، لم تكن دعوة ضيقة خاصة بقريش، إنما كانت دعوة عامة جاءت إلى كل العرب، قوم النبي، ولهذا نزل بلسانهم وبهذا جاءت الآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ ٢، ثم إلى الناس عامة لحديث: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" ٣. وأما ما زعموه من تخير قريش وانتقائها أفضل لغات العرب، حتى صار لسانها أعرب الألسنة، فزعم بني علي خبر "روي عن أبي بكر الصديق، ﵁، أنه قال: قريش هم أوسط العرب في العرب دارًا، وأحسنه جوارًا، وأعربه ألسنة"٤، وعلى خبر ينسب إلى قتادة نصه: "كانت قريش تجتبي -أي: تختار- أفضل لغات العرب، حتى صار أفضل لغاتها لغتها، فنزل القرآن بها"٥. وهو خبر لا زال يردد ويكرر يوضع بين أقواس تارة وبغير أقواس تارة أخرى، استشهادًا به حتى وكأنه صار آية نزلت من السماء، مع كون "قتادة" من الضعفاء، وقد تحدث عن "ابن عباس" مع أنه لم يلتق به، ونسب له أقوالًا شاعت بين الناس، مع أنه لم يره ولم يسمع منه، فهل يؤخر بعد بقوله على أنه حجة، أو كأنه آية نزلت من السماء! وهل نقبل خبره عن

стр. 5742

اجتباء قريش أفضل لغات العرب، على أنه حجة يستدل بها على أدوار التهذيب! وأنت لو رجعت إلى خبر: "أجمع علماؤنا بكلام العرب، والرواة لأشعارهم والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالهم أن قريشًا أفصح العرب وأصفاهم لغة. وذلك أن الله -جل ثناؤه- اختارهم من جميع العرب واصطفاهم واختار منهم نبي الرحمة محمدًا ﷺ ، فجعل قريشًا قطان حرمه وجيران بيته الحرام وولاته. فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش في أمورهم. وكانت قريش تعلمهم مناسكهم وتحكم بينهم ... إلخ"١، تجده منقولًا نقلًا حرفيًّا في كل موضع تعرض إلى أفصح العرب، أو العربية الفصحى، أو اللغة التي نزل بها القرآن، بسند أحيانًا وبغير سند أحيانًا أخرى، حتى ظهر وكأنه خبر متواتر، وإجماع لم يخرج عليه عالم من العلماء، فأخذ به المحدثون، وقالوا قولهم المذكور، ولكنك لو تتبعت الخبر، وعملت رأيك في حرفية نصه في كل الموارد، ثم وقفت على آخر مورد قديم ذكره، ترى أنه خبر آحاد، ورواية واحدة ليس غير، اكتسب هذا الإجماع بسبب وروده بالحرف في تلك المؤلفات، فهو لا يفيد قطعًا، وإنما حكمه حكم الأخبار الآحاد. ثم عن ما ذكروه من صفاء لهجة قريش ومن فصاحتها، يعارضه قولهم بوجود "غمغمة" في لغتها. فقد قالوا: الغمغمة: "الكلام الذي لا يبين، ومنه صفة قريش فيهم غمغمة"٢، كما يعارضه قولهم بوجود التضجع في لغة قريش، فلما تحدث "ثعلب" عن معايب اللغة، قال: "ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة تميم، وتلتلة بهراء، وكسكسة ربيعة، وكشكشة هوازن، وتضجع قريش، وعجرفية ضبة"٣، مما يدل على أنه قصد بـ"تضجع قريش"، عيبًا من العيوب في الفصاحة وفي وصف لغة قريش بالتضجع مناقضة لابتداء كلامه بـ"ارتفعت قريش في الفصاحة عن...."، كما لا يخفى وعلماء العربية والأخبار يناقضون أنفسهم بأنفسهم، وهو شيء مألوف عنهم، لأنهم كانوا يعمدون إلى الرواية والإملاء عن ظهر قلب في الغالب، لا عن كتاب مدوّن وصحف مكتوبة، فلا غرابة إن ظهر هذا التباين في كلامه في هذا المكان

стр. 5743

ثم إن علماء العربية، حين يبحثون في النحو أو في الصرف، أو في مفردات اللغة عن الغريب والشاذ، يذكرون فيما يذكرون لغة قريش، ولغة أهل الحجاز، فيقولون: "لغة قريش"١، و"بلغة قريش"، كما يقولون: "لغة تميم"، ولغة طيء، ولغة يمانية، ولغة أسد، وغير ذلك. ولكنهم يقولون أيضًا: "يقول أهل الحجاز: قَتَر يَقْتِر، ولغة فيها أخرى يقتُر بضم التاء، وهي أقل اللغات"٢، وجاء: "وفي أمالي القالي: لغة الحجاز ذَأي البقْل يذأى، وأهل نجد يقولون: ذوي يذوي"٣ إلى غير ذلك، وفي ذكرهم لغة قريش ولغة أهل الحجاز، مع اللغات الأخرى في مثل هذه المواضع دلالة بينة على أن العربية الفصحى ليست عربية قريش، وإنما عربية أخرى، هي العربية التي نص عليها في القرآن، أي: العربية التي نزل بها الوحي، وإلا كان من السخف ذكر لغة قريش، حين الإشارة إلى الغريب والشاذ ومواضع الاختلاف. وأما استشهادهم بحديث: "أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش" أو "أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش، وأني نشأت في بني سعد"، أو "أنا أفصح من نطق بالضاد، بيد أني من قريش"٤، لإثبات أن قريشًا كانوا أفصح العرب، بل أصل الفصاحة، فالحديث من الأحاديث، الغريبة الضعيفة، رواه أصحاب الغريب، كما نص على ذلك العلماء٥، فهو لا يفيد حكمًا علميًّا لضعفه هذا، ولا يصلح أن يكون أساسًا لاستشهاد. وقد يكون من موضوعات العصبية العدنانية القحطانية، وقد يكون من الأحاديث التي رويت من باب الإشادة بقريش لكونهم قوم الرسول، وبالإشادة بذكرهم وتعظيمهم في كل شيء وجعل لسانهم أفصح الألسنة خدمة في رأيهم للإسلام وللرسول وللقرآن الكريم. وليس هذا بشيء غريب، فقد عهدنا أهل الأخبار يروون شعرًا ونثرًا على ألسنة التبابعة والأقوام الماضية بل والجن والكهان في الحث على الإيمان بالرسول، قبل ميلاد

стр. 5744

الرسول بزمن، وقبل ظهور الإسلام. وهو مقبول عندهم، ودليل ذلك تسطيره في كتبهم وروايتهم له. ولو تجوزنا وقبلنا بالحديث، واعتبرناه حديثًا صحيحًا، فإننا لا نستطيع مع ذلك أن نفهم منه ما فهموه هم من أنه عني أن قريشًا أفصح العرب، وأنه صار أفصح العرب، من أجل أنه من قريش، لأن معنى "بَيْد" على تفسير علماء العربية هو: "غير" و"على"، والأول أعلى. "يقال: رجل كثير المال، بيد أنه بخيل. معناه غير أنه بخيل"١، ولو أخذنا بالتفسيرين المذكورين قلنا: يجب أن يكون معنى الحديث على هذا النحو: "أنا أفصح العرب، غير أني من قريش، وأني نشأت في بني سعد"، أو "أنا أفصح العرب، على أني من قريش، وأني نشأت في بني سعد"، ومعناه بعبارة مبسطة أنا أفصح العرب، وإن كنت من قوم منهم، هم قريش، لهم لسانهم، وقد نشأت في بني سعد. وقريش كما نعلم بعض العرب، لا كل العرب. وليس في هذا المعنى أية دلالة على تخصيص قريش بالفصاحة، وعلى أن لسانها أفصح الألسنة. وكل ما فيه إشادة بفصاحة الرسول وحده، وإفادة بأنه أفصح العرب، فلا أحد أفصح وأنطق منه، فهو حديث يفيد التخصيص لا التعميم، وهو خاص بفصاحة الرسول. وهو لذلك لا يمكن أن يكون حجة على تفضيل لسان قريش على الألسنة الأخرى، ولأجل تحويله إلى حجة فسّروا لفظة "بيد" تفسيرًا جعل الفصاحة للرسول ولقومه فقالوا: "ويأتي بيد بمعنى: من أجل. ذكره ابن هشام"٢، فصار معنى الحديث: "أنا أفصح العرب، من أجل أني من قريش، وأني نشأت في بني سعد بن بكر". فالرسول وفق تفسيرهم هذا، أفصح العرب من أجل أنه من قريش، ففصاحته مستمدة منهم ومن "بني سعد بن بكر"، وصارت قريش في نظرهم أفصح العرب لسانًا، وأصفاهم لغة. مع أنهم يذكرون فيما يذكرون عن كلام الرسول، أن "عمر بن الخطاب" قال للرسول يومًا: "يا رسول الله، ما لك أفصحنا ولم تخرج من ظهورنا ... "٣، وأن رجلًا آخر سأله بقوله: "يا رسول الله، ما أفصحك! فما رأينا الذي هو أعرب منك.

стр. 5745

قال: حق لي، فإنما أنزل القرآن عليَّ بلسان عربي مبين. وقال الخطابي: اعلم أن الله لما وضع رسوله موضع البلاغ من وحيه، ونصبه منصب البيان لدينه، اختار له من اللغات أعربها، ومن الألسن أفصحها وأبينها، ثم أمده بجوامع الكلم. قال: ومن فصاحته أنه تكلم بألفاظ اقتضبها لم تسمع من العرب قبله، ولم توجد في متقدم كلامها، كقوله: "مات حتف أنفه، وحمي الوطيس ... إلخ"١. وفي حديث "عمر" إن صح: "ولم تخرج من بين أظهرنا"٢ صراحة بتعجب عمر من هذه الفصاحة التي كانت للرسول مع أنه لم يخرج من بين أظهرهم، أي: من مكة، ولو كان لسان قريش أفصح الألسنة لما قال عمر للرسول قوله المذكور، الذي يدل على أن الفصاحة في خارج قريش، وعند الأعراب. وفي جواب الرسول على الرجل من قوله: "حق لي، فإنما أنزل القرآن علي بلسان عربي مبين" ٣، -إن صح هذا الحديث- تفنيدًا لقول القائلين بنزوله بلغة قريش، ولو كان قد نزل بلغتهم لقال: "بلسان قرشي مبين" ولم يقل أحد من العلماء: إن اللسان العربي، هو لسان قريش، بل نجدهم يقولون دائمًا: لسان قريش، ولغة قريش ونزل بلسان قريش، ويذكرون هذا اللسان مع الألسنة الأخرى، مثل لسان تميم، وهذيل، وبني سعد بن بكر. وأما ما قالوه من أن الوفود اليمنية التي وفدت على الرسول، لم تجد صعوبة في التفاهم معه، وأن الرسول حين أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن ليعظهم ويعلمهم ما وجد صعوبة في التفاهم معهم، وأنهم لو لم يكونوا يعرفون العربية الفصحى، لكان إرسال هؤلاء الدعاة عبثًا، "وكل هذه دلائل تدل على أن حركة تعريب واسعة في الجنوب حدثت قبيل الإسلام"٤، فيعارضه ما ذكروه من أنه "حين جاءته وفود العرب، فكان يخاطبهم جميعًا على اختلاف شعوبهم وقبائلهم وتباين بطونهم وأفخاذهم، وعلى ما في لغاتهم من اختلاف الأوضاع وتفاوت الدلالات في المعاني اللغوية، على حين أن أصحابه -رضوان الله عليهم- ومن يفد عليه من

стр. 5746

وفود العرب الذين لا يوجه الخطاب، كانوا يجهلون من ذلك أشياء كثيرة، حتى قال له علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وسمعه يخاطب وفد بني نهد: يا رسول الله، نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره! فكان رسول الله، ﷺ ، يوضح لهم ما يسألونه عنه عما يجهلون معناه من تلك الكلمات، ولكنهم كانوا يرون هذا الاختلاف فطريًّا في العرب فلم يلتفتوا إليه"١. وفي هذا الخبر -إن صح- دلالة على الضد، دلالة على أن العرب كانت على سجيتها ولسانها في كلامها، وأنها لم تكن تنطق بلسان قريش بل بألسنتها، وإلا لما تعجب علي وغيره من كيفية تفاهم الرسول مع القبائل وعدم تمكنهم هم من فهم كلامهم، مع أنه وإياهم من أب واحد، أي من قريش. ثم من أكد لنا أن معاذ بن جبل، وهو من الأنصار لم يجد صعوبة في تفاهمه مع أهل اليمن، وأن وفود اليمن لم تجد صعوبة في تفاهمنا مع الرسول، ومن أين جاء هذا التأكيد؟ والذي نعلمه أن الموارد لم تتحدث عن ذلك، بل الذي رأيناه هو العكس، وهو ما ذكرته في خبر علي مع النبي. أما لو أخذنا بما نجده في الموارد من كلام الوفود مع الرسول وجواب الرسول على كلامهم، وكله بهذه العربية المبينة، فقد قلت مرارًا: إن الصحابة في ذلك الوقت لم يكونوا يدونون محاضر جلسات الرسول مع الوفود، ولا كلام الوفود مع الرسول بل ولا كلام الرسول وحده، أي: حديثه، وإن ما نقرأه من نصوص لا يمثل الأصل، وربما مثل المعنى، وقد يكون لا هذا ولا ذاك، وإنما روايات موضوعة، قد يحتمل أن يكون مع الوفود أناس يحسنون التكلم بالعربية المبينة، وأن بين أصحاب النبي من كان من العربية الجنوبية ومن القبائل التي كانت تتكلم بلهجات متباينة، فكانوا يقومون له بدور التفاهم والتقريب بين كلام الرسول وكلام الوفود. وأما ما زعموه من دور "عكاظ" في تهذيب اللغة، وأثر قريش فيه، فلئن كان لعكاظ أثر في تباري العرب في النثر وفي الشعر، فإنك لا تستطيع إرجاع هذا الأثر إلى عمل وفعل جماعة معينة، وليس في الذي تحدث به الرواة من أخبار عن "عكاظ" ما يحصر فعل هذا التهذيب بقريش، وما قريش إلا كغيرهم من

стр. 5747

قصاد هذا المكان من حيث المجيء للبيع والشراء والإتجار. لم تكن الحكومة لهم بعكاظ، وإنما كانت لتميم، وتميم من أشهر الناس في فنون الخطابة والكلام. ودليل ذلك، ما يورده أهل الأخبار عن خطبائهم وحكمائهم من كلام، وما ينسبونه إليهم من حكم وخطب بليغة، ثم إن هذه السوق لم تظهر إلا في أيام الرسول وقبل خمس عشرة سنة من الإسلام. وقيل: إنها اتخذت سوقًا بعد الفيل بخمس عشرة سنة، وتركت عام خرجت الحرورية بمكة مع "المختار بن عوف" سنة تسع وعشرين ومائة١. وقد ذكر أهل الأخبار أن "عكاظ" سوق "كانت تجتمع فيها قبائل العرب فيتعاكظون، أي: يتفاخرون ويتناشدون ما أحدثوا من الشعر ثم يتفرقون"، وأنهم كانوا "يقيمون شهرًا يتبايعون ويتفاخرون ويتناشدون شعرًا، فلما جاء الإسلام هدم ذلك"٢، وذكروا أن الشاعر النابغة الذبياني كان يأتيها فينشد الناس من شعره، "وكان النابغة تضرب له قبة حمراء من أدم بسوق عكاظ، وتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها، فأنشده الأعشى أبو بصير، ثم أنشده حسان بن ثابت، ثم الشعراء، ثم جاءت الخنساء السلمية٣ فأنشدته"٤، وذكروا أن في شعر "أمية بن خلف" الخزاعي، إشارة إلى مكانة هذه السوق عند الشعراء، حيث يقول: ألا من مبلغ حسان عني ... مغلغلة تدب إلى عكاظ فأجابه "حسان" في أبيات تشير أيضًا إلى هذه الأهمية، وذلك بقوله: أتاني عن أميّة زور قول ... وما هو في المغيب بذي حفاظ سأنشر إن بقيت لكم كلامًا ... ينشر في المجنة مع عكاظ قوافي كالسلاح إذا استمرت ... من الصم المعجرفة الغلاظ٤ فلم يشر حسان إلى أثر قريش في هذه السوق، ولم يشر أمية إلى قريش كذلك، والذي يفهم من الشعرين أن ذكر عكاظ فيهما، هو بسبب تجمع الناس في هذه

стр. 5748

السوق، فما يقال فيها ويصرخ على رءوس الأشهاد ينتشر في كل مكان، ويأخذ صداه بين الحاضرين، ثم يذهب إلى الغائبين، ولهذا كانت أيضًا الموضع الذي يعلن فيه الناس خلع من يريدون خلعه للتبرؤ من جرائره، شأنها في ذلك شأن "سوق مجنة"، وهي أيضًا من أسواق الجاهلية وكانت على أميال من مكة١، وأنت ترى أن "حسان" قد ذكر أنه سينشر شعره فيها وفي عكاظ. مما يدل على أنها كانت ذات أهمية أيضًا من حيث النشر والإعلان، وأنها مثل عكاظ، ومثل أي سوق أخرى كبير من حيث تجمع الناس فيها والإعلان عما يقع لهم من أحداث. وأما ما ذكروه من إنشاد حسان للنابغة شعره: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ومن رد النابغة عليه بقوله: أنت شاعر، ولكنك أقللت جفناتك وأسيافك، وفخرت بمن ولدت، ولم تفخر بمن ولدك. فحكاية شك فيها العلماء، وإن كان هذا الشاهد من شواهد سيبويه. لأن الاعتراض لا يدور على الشاهد، وإنما على القصة. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنها خبر مجهول لا أصل له. وهناك قوم أنكروا هذا البيت أصلًا، ومنهم من روى ملاحظة النابغة المزعومة بشكل آخر٢" وفي الشكلين ما يوحي إلى أن القصة مفتعلة، وضعها الرواة لإيجاد مخرج للبيت. ولم أجد في المراجع المعتبرة القديمة نصًّا، يفيد أن الأمر كان لقريش في الحكم بين الشعراء أو الخطباء في سوق عكاظ. والنابغة الذي جعلوه حكمًا يحكم في أمر الشعر لم يكن من قريش، بل هو من "بني ذبيان"، وهو الحكم الوحيد الذي نص أهل الأخبار على اسمه، وزعموا أنه كانت له قبة حمراء من أدم، وكان ينشد شعره، وإليه تتحاكم الشعراء في أيهم أشعر، وكل الشعراء الذين ذكروهم هم: الأعشى، والخنساء، وحسان في قصة منمقة طريفة٣. ولم أعثر حتى الآن على اسم حاكم آخر، آلت إليه حكومة الشعر في عكاظ، لا من قريش ولا من غير قريش. فأين إذن موقع قريش في هذه السوق من الإعراب.

стр. 5749

وأما ما زعمه بعض أهل الأخبار من أن العرب في الجاهلية كان يقول الرجل منهم الشعر في أقصى الأرض، فلا يُعْبأ به حتى يأتي مكة فيعرضه على قريش، فإن استحسنوه روي وكان فخرًا لقائله، وإن لم يستحسنوه طُرح وذهب فيما ذهب؛ وما روي عن "أبي عمرو بن العلاء" من قوله: كانت العرب تجتمع في كل عام بمكة، وكانت تعرض أشعارها على هذا الحي من قريش"١. فروايات من نوع الروايات التي لا تتمكن من الوقوف على أرجلها، ولم نجد في كتب التأريخ والأخبار ما يؤيدها، وضعت لتبرير القصص الذي نسجوه عن أسطورة تعليق المعلّقات. ثم إننا لم نسمع بحبر الشعر الذي استحسنوه وأجازوه، غير شعر المعلقات، ولو كان ما نسب إلى "أبي عمرو بن العلاء" أو غيره حقًّا، من استحسان شعر وطرح شعر، لما سكت رواة الشعر من الإشارة إلى الشعر الذي استحسنه أهل مكة فنال بذلك شرف الاختيار والسيادة والرفعة، ولما غضوا النظر غضًّا تامًّا عن الإشارة إلى الشعر الذي لم يستحسنوه فسقط وذل، وفي ذكر الشعر الفاشل أهمية كبيرة في نظر الشعراء الخصوم، وفي نظر القبائل التي كانت تبحث وتتجسس على الهفوات والسقطات لاتخاذها مغمزًا تنال بها القبائل بعضها بعضًا! ثم كيف سكتت قريش عن هذا الشرف الذي كان لها قبل الإسلام، وقد رووا أنها نظرت فإذا حظها في الشعر أيام الجاهلية قليل، فاستكثرت منه في الإسلام، وأنها أضافت كثيرًا إلى شعر "حسان" للإساءة إليه، ولو كان هذا الشرف المزعوم، لما سكتوا عنه، ولما سكت من تبسط في تأريخ مكة، أو كتب في السيرة عن الإشارة إليه، لما فيه من أهمية كبيرة بالنسبة للتأريخ، ثم إننا لا نجد في القرآن الكريم شيئًا يشير إلى ذلك، مع تعرضه للشعراء، كما لا نجد في كتب الحديث أي شيء يدل على وجوده، مع أنها تعرضت للشعر، ولسماع الرسول له، وقد ذكرت أنه كان يسأل الصحابة أن ينشدوا شعر الشعراء له، إلى غير ذلك مما هو مدوّن في بطون هذه الكتب. وأما ما زعموه من أن العرب كانت تعرض أشعارها على قريش، فما قبلوه منها كان مقبولًا، وما ردوه منها كان مردودًا، فقدم عليهم علقمة بن عبدة التميمي، فأنشدهم قصيدته: هل ما علمت وما استودعت مكتوم، فقالوا:

стр. 5750

هذا سمط الدهر، ثم عاد إليهم العام المقبل، فأنشدهم قصيدته: طحا قلب في الحسان طروب، فقالوا: هاتان سمطا الدهر"١. فخبر آحاد، وإن تواتر في الكتب، لم يروه "ابن سلام" ولا "ابن قتيبة"، وهو من نوع خبر تعليق المعلقات من الموضوعات التي أولدها أهل الأخبار. وفي الجدل الذي وقع بين علماء النحو وغيرهم في جواز أو عدم جواز الاحتجاج بالشعر على غريب القرآن ومشكله، دلالة بينة على إجماع الطرفين على أن كتاب الله إنما نزل بلسان عربي مبين، ولم ينزل بلسان قريش، الذي هو حرف من اللسان العربي. فقد قال المنكرون للاحتجاج على غريب القرآن ومشكله بالشعر، إن معنى ذلك جعل الشعر أصلًا للقرآن، مع أن الشعر مذموم في القرآن والحديث، فردّ عليهم القائلون به بقولهم: "ليس الأمر كما تزعمون من أنا جعلنا الشعر أصلًا للقرآن، بل أردنا تبيين الحرف الغريب من القرآن بالشعر، لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٢، وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٣. وقال ابن عباس: "الشعر ديوان العرب؛ فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه٤". ولو كان القرآن قد نزل بلسان قريش، لما احتاج الناس إلى الشعر للاستشهاد به على فهم المشكل والغريب، وكان عليهم الرجوع إلى شعر قريش ونثرهم للاستشهاد به في توضيح ما فيه من مشكل وغريب، لا إلى شعر العرب وكلامهم من غير قريش، ثم إن في قولهم بوجود مشكل وغريب فيه، وحروف خفي أمر فهمها على العلماء، هو دليل في حد ذاته على أنه لم ينزل بلسان قريش، وإنما بلسان عربي مبين، فلو كان قد نزل بلسانهم لما خفي أمره على رجالهم، من مثل أبي بكر وعمر وغيرهما من رجال قريش. ونجد في المسائل المنسوبة إلى "نافع بن الأزرق"، التي سألها على ما يذكر الرواة "ابن عباس" في تفسير القرآن بالشعر، دلالة على أنه كان يرى أن

стр. 5751

القرآن إنما نزل بلسان عربي، لا بلسان قريش، فقد روي أن "نافع بن الأزرق" قال لـ "نجدة بن عويمر": "قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه فقالا: إنّا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسرها لنا؛ وتأتينا بمصادقة من كلام العرب، فإن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فقال: ابن عباس: سَلاني عما بدا لكما، فقال نافع: أخبرني عن قول الله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِين﴾ ١، قال: العزون: الحلق الرقاق، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم؛ أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول: فجاءوا يهرعون إليه حتى ... يكونوا حول منبره عزينا٢ وهي أسئلة مهمة اقترن جواب كل سؤال منها بشعر، من شعر شعراء الجاهلية والمخضرمين مثل: "عبيد بن الأبرص"، و"عنترة"، و"أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب"، و"لبيد"، و"طرفة بن العبد"، و"مالك بن عوف"، و"عبد الله بن الزبعرى"، و"حسان بن ثابت"، و"عديّ بن زيد" العبادي، و"أمية بن أبي الصلت"، و"أبو ذؤيب"، و"أبو محجن الثقفي"، و"امرؤ القيس"، و"الأعشى"، و"النابغة"، و"حمزة بن عبد المطلب"، و"زيد بن عمرو"، و"عبد الله بن رواحة"، و"زهير بن أبي سلمى"، و"عمرو بن كلثوم"، و"عبيد بن الأبرص"، و"كعب بن مالك"، و"أحيحة الأنصاري"، و"بشر بن أبي خازم"، و"مالك بن كنانة"، و"أبو طالب" و"مهلهل"، و"الحطيئة"، و"أوس بن حجر"، وشعر آخر لشعراء لم يشر إلى أسمائهم، وإنما كان يقول: "أما سمعت قول الشاعر"، وقد أمكن تشخيص بعضه، ولم يهتد إلى قائل البعض الآخر، كما استشهد بشعر نسبه إلى التبابعة٣. وهي أجوبة مهمة، إن صح بالطبع أنها صحيحة، وأنها من أسئلة "نافع" وأجوبة "ابن عباس"، تفيد في تشخيص ذلك الشعر: وفي تثبيته، وإن كان من الصعب علينا التصديق

стр. 5752

بصحة هذه الأسئلة والأجوبة، التي أرى أنها وضعت في أيام العباسيين، ويمكن بالطبع التوصل إلى تثبيت زمان وضعها، بالبحث عن أقدم مورد وردت إشارة فيه إليها، فحينئذ يمكن تعيين الزمان الذي وضعت فيه بوجه تقريبي. وفي تفسير الغريب والمشكل من القرآن بالشعر، وقول علماء التفسير إن اللفظة من ألفاظ قبائل أخرى غير قرشية، وفي استفهام رجال قريش، وفي جملتهم رجال كانوا من أقرب الناس إلى الرسول، مثل "أبي بكر" و"عمر" عن ألفاظ وردت في القرآن لم يعرفوا معناها، مثل "أبّا"١، وفي رجوع "ابن عباس" إلى الأعراب، يسألهم عن ألفاظ وردت في القرآن أشكل عليه فهم معناها، وفي اعتماده في تفسيره للقرآن على الشعر، أقول في كل هذا وأمثاله دلالة واضحة على أن القرآن لم ينزل بلسان قريش، وإنما نزل بلسان العرب، ولو كان قد نزل بلغة قريش، كان استشهاد العلماء بالشعر وبلغات العرب في تفسير القرآن شيئًا عبثًا زائدًا، وكان عليهم تفسيره وتبيين معناه وتوضيحه بالاستشهاد بلغة قريش وحدها، لا بالشعر الجاهلي الذي هو شعر العرب، وبكلام العرب. ولو رجعنا إلى كتب التفسير والسير، نجد أنها قد فسرت الغامض من ألفاظ القرآن بالشعر. فقد استعان قدماء المفسرين في تفسير لفظة "سجى" بالشعر، فأورد "الطبري" مثلًا بيتًا من شعر "أعشى بني ثعلبة" في تفسيرها معناها، هو قوله: فما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمّكم ... وبحرك ساج ما يوارى الدعامصا وبقول أحد الرجاز: يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النساج٢ واستعان "ابن هشام" ببيت شعر لأمية بن الصلت، في تفسيرها، وهو قوله: إذ أتى موهنًا وقد نام صحبي ... وسجا الليل بالظلام البهيم٣

стр. 5753

وفسّر "الطبري" "عائلًا" بقول الشاعر: فما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعيل١ ونجد في تفسير الطبري، وفي كتب التفسير الأخرى أمثلة لا تعد ولا تحصى من هذا القبيل، فسر فيها العلماء غريب ألفاظ القرآن وما صعب فهمه من الألفاظ بالشعر، حتى لا تكاد تقرأ صفحة أو جملة صفحات من كتب التفسير، إلا وتجد فيها شعرًا، استشهد به في تفسير كلمة أشكل فهمها على العلماء، فاستعانوا بالشعر لتوضيح معناها٢. ولم يقف الاستشهاد بالشعر الجاهلي على الناحية المذكورة وحدها، بل استعين به في تفسير وتعليل أمور أخرى وردت في القرآن أشكل فهمها على العلماء، من ذلك أوجه العربية وقواعد النحو، فلما استقرى علماء العربية الشعر الجاهلي ولغات العرب، واستنبطوا منها القواعد، وجدوا أن بعضها لا يتماشى مع ما جاء في كتاب الله، فعمدوا إلى التأويل والبحث عن مخرج يوجهون ما جاء فيه وفق قواعد النحو التي قرروها، ولا سيما المواضع التي اختلف علماء النحو فيها، وجاءوا فيها بآراء مختلفة، في التوفيق بين القراءات في القرآن مثلًا، أو في الأمور المعضلة منه بالشعر، فقد اختلف قراء مكة، وقراء البصرة، والكوفة والشأم في الآية: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ٣. وأورد "الطبري" آراء علماء اللغة والنحو، ثم استشهد بقول طرفة بن العبد: ألا أيها الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي٤ وأورد "الطبري" بيتين من الشعر للنابغة في تأويل الآية: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ، اختلف

стр. 5754

في تأويلها علماء النحو١. وأورد بيتًا شاهدًا على جواز وضع "افعل" في موضع "فعيل" الوارد في تفسير كلمة واردة في سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ٢. وهناك مواضع كثيرة اختلف علماء النحو في تأويلها بالنسبة لمذاهبهم في أوجه النحو، فاستشهد كل عالم منهم بشاهد من الشعر، لتأييد رأيه في صحة ما ذهب إليه على زعمه، وقلما استشهد المفسرون والعلماء بشعر من شعراء قريش، أو بكلام من كلامهم، في تفسير القرآن، فلو كان كتاب الله قد نزل بلغتهم لكان من اللازم، إيجاد مخارجه بالاستشهاد بلغة قريش، لا بالشعر الجاهلي وبكلام القبائل الأخرى. وأنا لا أبتعد عن الصواب، إذا ما قلت: إن القرآن قد ساعد في جمع الشعر الجاهلي وفي حفظه، بسبب اضطرار العلماء على الاستعانة به، في دراسة كتاب الله وفهمه، وفي تثبيت قواعد اللغة التي وضعت لتحصين العربية، وجعلها في متناول يد مَن لا علم له بها، يستعين بها على النطق بها، وفقًا لمنطق العرب، وربما حمل ذلك البعض على انتحال الشعر للاستشهاد به في إيجاد مخرج في تأويل آية أو تفسير كلمة وردت في كتاب الله. إذن فقول من يقول: إن لغة قريش هي العربية الفصحى، وأنها لغة الأدب عند الجاهليين، قول بعيد عن الصواب، ولا يمكن أن يأخذ به من له أي إلمام بتأريخ الجاهلية ووقوف على نصوص الجاهليين، أخذ من روايات آحاد، وجدت لها انتشارًا في الكتب القديمة بنقلها بعضها عن بعض من غير نص على اسم السند والمرجع، فصارت وكأنها أخبار متواترة صحيحة أضاف المحدثون عليها عامل النفوذ السياسي والاقتصادي، والديني، لإكساء الفكرة القديمة ثوبًا جديدًا يناسب العصر الحديث، لتأخذ شكلًا مقبولًا. أما لو سألتني عن لغة القرآن الكريم، فأقول: إن القرآن قد ضبطها وعينها، إذ سماها ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ ،واللسان العربي هو لسان كل العرب، لا لسان بعض منهم، أو لسان خاصة منهم، هم قريش، ولو كان هذا اللسان، هو لسان قريش لنزل النص عليه في كتاب الله.

стр. 5755

إن قريشًا قوم من مضر في رأي علماء الأنساب، فلسانهم على هذا لسان من ألسنة مضر. وقد ورد "عن ابن مسعود: أنه كان يُستحب أن يكون الذين يكتبون المصاحف من مضر"١، وورد عن "الأصمعي" قوله: "جرم: فصحاء العرب. قيل: وكيف وهم اليمن؟ فقال: لجوارهم مضر"٢. فإذا كانت الفصاحة والعربية في مضر، فحري إذن نزول القرآن بلغة مضر، لا بلسان قريش. لقد تمسك علماء اللغة بقول بعضهم: "أجمع علماؤنا بكلام العرب، والرواة لأشعارهم، والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالهم أن قريشًا أفصحُ العرب ألسنة، وأصفاهم لغة، وذلك أن الله تعالى اختارهم من جميع العرب، واختار منهم محمدًا ﷺ ، فجعل قريشًا قُطان حرمه، وولاة بيته، فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش، وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها، ورقة ألسنتها، إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم، وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب"٣. كما تمسكوا بقولهم: "كانت قريشٌ أجود العرب انتقادًا للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعًا، وأبينها إبانة عما في النفس، والذين عنهم نقلت العربية وبهم اقتدى، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس، وتميم، وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ من غيرهم من سائر قبائلهم. وبالجملة فإنه لم يؤخذ من حضري قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم، فإنه لم يؤخذ لا من لخم، ولا من جذام، لمجاورتهم أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة، وغسان، وإياد، لمجاورتهم أهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرأون بالعبرانية، ولا من تغلب واليمن، فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا من بكر

стр. 5756

لمجاورتهم للقبط والفرس، ولا من عبد القيس وأزد عمان، لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وأهل الطائف، لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز، لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم، والذي نقل اللغة واللسان العربي عن هؤلاء وأثبتها في كتاب فصيرها عِلمًا وصناعة هم أهل البصرة والكوفة فقط من بين أمصار العرب"١. وعلة ذلك "ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل، ولو علم أن أهل المدينة باقون على فصاحتهم، ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر، وكذا لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها، وانتقاص عادة الفصاحة وانتشارها، لوجب رفض لغتها، ترك تلقي ما يرد عنها"٢. "وقد شك بعضهم في هذا القول؛ لأن قريشًا كانت تسكن مكة وما حولها وهم من أهل المدر، وقريش تجار، والتجارة تفسد اللغة، وكان هذا مما عيب على اليمن من ناحية لغتهم؛ لأن رسول الله نشأ في بني سعد بن بكر بن هوازن واسترضع فيهم، فتعلم الفصاحة منهم، وأن كثيرًا من غلمان قريش في عهد محمد ﷺ ، كان يُرسل إلى بني سعد لعلم اللغة والفصاحة، ومن أجل هذا ظنوا أن هذا الرأي موضوع لإعلاء شأن قريش في اللغة؛ لأن رسول الله منهم. والذي يظهر لي أن سلامة اللغة من دخول الدخيل فيها أمر غير الفصاحة، وأن سلامة اللغة كانت في بني سعد خيرًا مما هي في قريش لأنهم أهل وبر، وأبعد عن التجارة وعن الاختلاط بالناس، وعلى العكس من ذلك قريش فهم أهل مدر، وكثير منهم كان يرحل إلى الشأم ومصر وغيرهما ويتاجر مع أهلها، ويسمع لغتهم، فهم من ناحية سلامة اللغة ينطبق عليهم ما انطبق على غيرهم ممن خالط الأمم الأخرى"٣.

стр. 5757

فما قالوه من أن الاتصال والاختلاط بالأعاجم، يولد الفساد في اللغة، يتناول قريشًا قبل غيره من العرب نظرًا لما كان لهم في الجاهلية من اتصال ببلاد الشأم واليمن، وبالعراق وبالحبشة، ولوجود جاليات أعجمية، وعدد كبير من الرقيق بينهم، وما وجود المعربات في لغتهم إلا حجة على تأثر لسانهم بالأعاجم وأخذهم منهم، فهل يمكن أن يكون لسان قريش إذن أصفى ألسنة العرب وأنقاها مع وجود هذه الأمور التي أخذناها من ألسنة أهل الأخبار؟

стр. 5758

الفصل الأربعون بعد المئة: اللسان العربي مدخل ... الفصل الأربعون بعد المئة: اللسان العربي والآن فلسان من، هو هذا اللسان العربي، لقد علمنا أنه لم يكن لسان العرب الجنوبيين، ولا لسان قوم ثمود أو اللحيانيين، أو الصفويين؛ لأن نصوصهم تثبت أنه قد كان لهم لسان آخر، يختلف عن هذا اللسان. وذكرنا أنه ليس بلسان قريش، وإنما قريش كغيرهم عرب من العرب، فهل هو لسان العدنانيين؟ وجوابنا: كلا، فقد علمنا أن العدنانية عصبية ظهرت في الإسلام، وأنها مضرية سميت عدنانية، وقلنا: إن الثقات من الرواة وقفوا في ذكر النسب عند "عدنان" ورووا أن النبي نهى عن الانتساس إلى ما بعده، وقلنا: إن اسمه لم يرد في شعر شاعر جاهلي، خلا ما نسب إلى الشاعر "العباس بن مرداس"، من قوله: وعك بن عدنان الذين تلعبوا ... بمذحج حتى طردوا كل مطرد١ وما نسب إلى لبيد، وهو من المخضرمين، من قوله: فإن لم تجد من دون عدنان والدًا٢ وقلنا أشياء أخرى تثبت، "العدنانية" لم تظهر إلا في الإسلام، وأن اسم

стр. 5759

"عدنان" لم يكن معروفًا في الجاهلية، وربما ظهر قبيل الإسلام، ولهذا فلا يعقل أن تكون العربية، عربية العدنانيين. إذن، فهل هي عربية مضر؟ فقد ورد في الأخبار أن "عمر بن الخطاب"، "لما أراد أن يكتب الإمام، أقعد له نفرًا من أصحابه، وقال: إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر، فإن القرآن نزل بلغة رجل من مضر"١، ونجد أهل الأخبار يذكرون أنه قال: "لا يملين في مصاحفنا هذه إلا غلمان قريش، أو غلمان ثقيف"٢. وليس بين الخبرين تناقض، لأن قريشًا من مضر، فيمكن حمل الخبرين على أنهما قصدا شيئًا واحدًا، هو أن القرآن نزل بلسان قريش، وقريش من مضر، ولكن مضر قبائل عديدة، سبق أن تحدثت عنها في الجزء الأول من هذا الكتاب، فيجب أن يكون نزول القرآن إذن بلغات هذه القبائل على هذا التفسير، وتكون العربية الفصحى إذن عربية "مضر"، أي: عربية القبائل التي يرجع أهل الأخبار نسبها إلى "مضر"، أو حلف مضر بتعبير علمي أصح، وليست عربية جماعة معينة منها، مثل قريش. ولكن أهل الأنساب، يجعلون لمضر أخًا هو "ربيعة"، وأخوين آخرين، هما "إياد" و"أنمار" على رأي من جعل "أنمارًا" ابنًا من أبناء نزار، فما هو حال لسانهم؟ هل يعد لسانهم لسان مضر، أم كانت لهم ألسنة أخرى؟ أما النصوص الجاهلية، فلا جواب فيها على هذا السؤال؛ لأنها لا تعرف عن لسان هؤلاء الأخوة شيئًا، ولم يرد فيها أي شيء من أسمائهم وأسماء قبائلهم، ثم إن هذه القبائل لم تترك لنا كتابة نستنبط منها شيئًا عنهم، إذن فنحن لا نستطيع أن نتحدث عنهم ولا عن لسانهم بأي شيء يستند إلى دليل جاهلي مكتوب. وأما الموارد الإسلامية، فتجعل لسانهم لسان مضر، وكيف لا تجعل لسانهم مثل لسان مضر، وهم أخوة من أب واحد. فإذا قلنا: إن لسان مضر، هو اللسان العربي الفصيح، وجب علينا القول بأن لسان إخوته كان مثل لسانه، وإذن فاللسان العربي الفصيح، هو لسان هذه المجموعة المكونة من ولد "نزار" وهي من ولد إسماعيل في النهاية على رأي أهل النسب والأخبار.

стр. 5760

إذن فنحن أمام مجموعتين من العربيات، مجموعة تكوِّن العربية الجنوبية، ومجموعة تكوِّن العربية الشمالية، وهي عربية الإسماعيليين، وذلك على مذهب أهل الأخبار. أما أنا، فأسمي هذه العربية، عربية "ال"، من سمة "ال" أداة التعريف التي تنفرد وتتميز بها عن بقية المجموعات اللغوية العربية: مجموعة "ن" "أن"، أي: المجموعة العربية الجنوبية، ومجموعة "هـ" "ها"، أي: المجموعة التي تعرِّف الأشياء بهذه الأداة: "هـ" "ها"، وتشمل اللحيانية، والثمودية، والصفوية. فكل منا استعمل "ال" أداة للتعريف، هو في نظري من الناطقين بهذه اللغة مهما كان نسبه وفي أي مكان كانت إقامته، ولذلك فالعربية الفصحى هي عربية مضر وعربية ربيعة، وعربية إياد وعربية أنمار وعربية كلب وكندة والأزد وكل المستعملين لهذه الأداة، حتى يظهر المستقبل نصوصًا جديدة، قد تأتي بأداة أخرى لتكوّن مجموعة جديدة من المجموعات اللغوية. نعم إن عربية "ال" لهجات، لها خصائص ومميزات، تحدث عن بعضها في فصل "لغات العرب"، ولكن الفروق بينها لا تختلف عن الفروق التي نجدها بين لهجات مجموعة "ن"، أو بين لهجات مجموعة "هـ"، لأنها فروق ليست كبيرة بحيث ترتفع إلى مستوى الاستقلال عن بقية اللهجات.

стр. 5761

العربية الشمالية والعربية الجنوبية: وقد اصطلح المستشرقون على رجع اللغات التي ظهرت في جزيرة العرب إلى أصلين: أصل شمالي يقال للغات التي تعود إليه: اللغات أو اللغة العربية الشمالية، وأصل جنوبي يقال للغات التي ترجع إليه: اللغات أو اللغة العربية الجنوبية١. وهذا التقسيم التقليدي للهجات العرب إنما خطر ببال المستشرقين من النظرية العربية الإسلامية التي ترجع العرب إلى أصلين: أصل عدناني، وأصل قحطاني. ونظرًا إلى عثورهم على كتابات عربية جنوبية تختلف في لغتها وفي خطها عن العربية القرآنية، رسخ في أذهانهم هذا التقسيم، وقسموا لغات العرب إلى مجموعتين لسهولة البحث حين النظر في اللغات واللهجات.

стр. 5762

وبين العربيتين تباين واختلاف، ما في ذلك من شك. من ذلك أن الفعل في العربيات الجنوبية وليد المصدر، وأن أداة التعريف فيها تكون في أواخر الكلم، لا في أوائلها كما هو الحال في عربيتنا، وأن حرف "الميم" هو أداة التنكير في العربيات الجنوبية، إلى فروق أخرى، تحدثت عنها في الجزء السابع من كتابي القديم "تأريخ العرب في الإسلام". وإذا كنا لا نزال في جهل عن حقيقة اسم "عدنان"، الذي لم نعثر عليه حتى اليوم في نص من نصوص المسند، فإن في وسعنا التحدث عن "قحطان"، الذي سبق أن أشرت إلى أن أهل الأنساب أخذوه من التوراة. فهو اسم مهما قيل فيه، فقد أخذ من مصدر قديم يعود إلى ما قبل الميلاد. ثم أنه أورد في النص العربي الجنوبي الذي وسم بـ "Jamme ٦٣٥"، الذي دونه قائد الجيش "أبكرب أحرس بن أبلم"، "أبكرب أحرس بن أبل"، أو "أبكرب أحرس" من "آل أبل" "آل أبال"، وذلك لمناسبة عودته سالمًا من حرب قادها بأمر ملكه وسيده الملك "شعر أوتر" ملك سبأ وذي ريدان، ابن الملك "علهان نهفان" ملك سبأ وذو ريدان. وقد شمل القتال أرضًا واسعة، هي "أشعران"، أرض الأشعريين و"بحر"، والقبائل القاطنة حول مدينة "نجران"، ثم الأحباش الذين كانوا يحاربون معهم ويؤازرونهم في قتالهم ضد السبئيين، ثم سكان مدينة "قريتم" "قرية" الذين كانوا من "كاهل" "كهلم"، ثم في الصدامين اللذين وقعا مع "ربعت" "ربيعة" "ذ آل ثور"، "ربيعة" من "آل ثور"، ملك "كدت" "كندة" وقحطان "قحطن"، وكذلك ضد "أبعل" أي: سادة مدينة "قريتم"١. ويفهم من النص أن "ربعت ذ الثورم"، هو اسم رجل، اسمه "ربيعة" من "آل ثور". وكان كما يقول النص ملكًا على "كندة" و"قحطان"٢. ويذكر أهل الأخبار، أن "كندة" اسم قبيلة وأبو حي من اليمن، وهم من نسل "ثور بن مرة بن أدد بن زيد"، وقيل: "بنو مرتع بن ثور"، أو

стр. 5763

"كندة بن ثور"، وقيل: إن ثورًا هو مرتع، وكندة هو أبوه، إلى غير ذلك من آراء١، تريك أن شيئًا من الواقع كان عند أهل الأخبار عن هذه القبيلة، غير أنهم لم يكونوا يعرفون شيئًا واضحًا عنه. وترى من هذا النص أن "آل ثور" اسم أسرة كانت تحكم قبيلتي "كدت" "كندة" و"قحطان"، وأن رئيسها إذ ذاك هو "ربيعة" الذي لم يرد اسم والده. وقد جعل أهل الأخبار من "آل ثور" رجلًا جعلوه أبًا لقبيلة كندة، ثم حاروا في نسبه. ويتبين من هذا النص أن "قحطان" كانوا في هذا العهد تحت حكم "ربيعة" الذي هو من "آل ثور". وقد جعل "جامة" حكم "شعر أوتر" الذي سبق أن تحدثت عنه بتفصيل في الجزء الثاني من هذا الكتاب٢ في حوالي السنة "٦٥" قبل الميلاد٣، وقد بنيت آراء بقية الباحثين في وقت حكمه، فنكون بذلك قد وقفنا على اسم قحطان وكندة في نص يعود عهده إلى حوالي القرن الأول قبل الميلاد. وقد كانتا مثل أهل "قرية" وأهل "نجران" في حرب مع السبئين. وهذا النص هو أقدم نص عربي جنوبي وصل فيه اسم "قحطان" و"كدت" "كندة" إلينا حتى الآن. ونحن لا نستطيع أن نتحدث عن لهجة "قحطان" و"كدت" "كندة"، وذلك بسبب عدم وصول كتابات منهما إلينا، ولكننا لا نستبعد احتمال كون لغتهما من مجموعة اللغات العربية الجنوبية؛ لأن مواطنهما كانت في العربية الجنوبية في هذا العهد، أما بطون "كندة" التي نزلت "نجدًا" والتي ذهب بعضها إلى العراق، فنحن لا ندري إذا كانت لهجتهما قد تغيرت، فصارت عربية شمالية، بدليل نظم "امرئ القيس" الكندري وبقية شعراء الكندة الشعر بهذه العربية، أم أنها كانت تتكلم بالعربيتين، إلا أن شعراءها كانوا ينظمون الشعر بالعربية المعهودة مجاراة للقبائل الشمالية التي كانت تجاورها والتي احتكت بها، وقد تكون هذه البطون قد هاجرت من العربية الجنوبية قبل الميلاد، فأقامت بنجد، وتعربت من ثم بالعربية الشمالية، وقد تكون "كدت" قبيلة عربية جنوبية غير "كندة"،

стр. 5764

بقيت في اليمن إلى الإسلام، إذ ورد اسمها في نص "أبرهة" أيضًا، ونظرًا إلى التشابه فيما بين "كدت" "كدة" و"كندة" ربط النسابون بين الاثنين، وجعلوا نسب كندة "كدت". فتكون "كندة" بذلك من القبائل العربية الشمالية، و"كدت" من القبائل العربية الجنوبية، أقول هذه الآراء على سبيل الاحتمالات لأني من الأشخاص الذين يكرهون البت في الأمور العلمية لمجرد حدث أو ظن، ومن غير دليل علمي مقنع. والبت في مثل هذه الأمور لا يكون مقبولًا عندي إلا إذا استند على نص جاهلي، أو بدليل معقول مقبول، وحيث إننا لا نملكه الآن، فأترك هذه الاحتمالات إلى المستقبل علّه يتمكن من العثور على نصوص جاهلية تكشف القناع عنها، تأتي إلينا بالجواب الواضح الصحيح. ولكننا نجد في الوقت نفسه -وكما سبق أن ذكرت- أن هنالك لهجات عربية مثل الثمودية والصفوية، تستعمل "الهاء" أداة تعريف بدلًا من الألف واللام في عربيتنا، فيقال: "هملك"، و"هدار" بمعنى "الملك" و"الدار". وذلك كما في العبرانية، إذ تستعمل الهاء فيها أداة للتعريف، ويقوم "ذ" فيها مقام الاسم الموصول كما عند طيء في قديم الزمان، إلى خصائص أخرى تجعلها مجموعة أخرى لا هي عربية جنوبية ولا هي عربية شمالية. كما تبين من دراسة بعض الكتابات الجاهلية، مثل الكتابات التي عثر عليها في "القرية" وفي جبل "عبيد"، وفي شمال خشم كمدة أن لها خصائص انفردت بها عن المجموعتين، وقد وردت فيها أسماء كثيرة لم ترد في الكتابات العربية الجنوبية وفي عربية "هـ"، مما يجعلها أهلًا لأن تكون موضع دراسة خاصة في المستقبل، لعلها تكون مجموعة لغوية جديدة قائمة بذاتها، أو حلقة مفقودة بين اللغات الجاهلية المندثرة. ووجود مثل هذا التباين الذي اكتشف من الكتابات، هو الذي دفعني إلى التفكير في إعادة النظر في تقسيم اللغات العربية إلى مجموعتين، وعلى التفكير بتقسيمها إلى مجموعات ذات خصائص لغوية متشابهة، تستنبط بالدرجة الأولى من أداة التعريف التي هي المميز الوحيد الذي يميز بين لهجات الجاهليين. ونلاحظ أن عربية الـ"ن" "ان" مصطلحات غير موجودة في العربية الفصيحة لكنها موجودة في العبرانية. وفيها عدد غير قليل من الكلمات المجهولة في اللغات

стр. 5765

السامية الأخرى، صعب على العلماء إدراكها بسبب ذلك، فاكتفوا باستخلاص معناها من وضعها في الجمل، وذلك بصورة تقريبية١. كما نلاحظ أن الأسماء فيها، تختلف عن الأسماء المعروفة عند العرب الشماليين، وأن الأسماء الواردة في كتابات المسند المتأخرة، تختلف بعض الاختلاف عن الأسماء الواردة في النصوص القديمة، فقد تغلبت البساطة على الأسماء المتأخرة، حتى صارت تشاكل أسماء العرب الشماليين المألوفة عند ظهور الإسلام. وقد لاحظ "الهمداني" هذه الظاهرة، فعبر عنها بقوله: "فربما نقل الاسم على لفظ القدمان من حمير، وكانت أسماء فيها ثقل فخففتها العرب وأبدلت فيها الحروف الذلقية، وسمع بها الناس مخففة مبدلة. فإذا سمعوا منها الاسم الموفر، خال الجاهل أنه غير ذلك الاسم وهو هو٢. وخير ما يمكن أن نفعله في نظري لمعرفة المتكلمين بالعربية الفصحى، هو أن نقوم بالبحث عن الخصائص النحوية والصرفية واللفظية التي تميزها عن بقية العربيات، فإذا ضبطناها استطعنا تعيين من كان يتكلم بها. ولما كنّا لا نملك نصوصًا جاهلية مدوّنة بها، صار من الصعب علينا التوصل إلى نتائج علمية إيجابية مرضية، تحدد القبائل والأماكن التي تكلمت بها تحديدًا صحيحًا مضبوطًا، غير أن المثل العربي يقول: ما لا يدرك كله لا يترك جله، فإذا عسر علينا الحصول على نتائج كلية مقنعة، فلا بأس من الرضا بالحصول على جزء أو بعض من نتائج قد تقدم لنا معرفة وعلما. ونحن إذا سرنا وفق حكمة هذا المثل، ودرسنا خصائص هذه العربية، نجد أن من أولى ميزاتها استعمالها "ال" أداة للتعريف، تدخلها على أول الأسماء النكرة، فتحيلها إلى أسماء معرفة، بينما نجد العربيات الأخرى التي عثر على نصوص جاهلية مدوّنة بها تستعمل أدوات تعريف أخرى. ولما كنّا نعرف المواضع التي عثر فيها على هذه النصوص، صار في إمكاننا حصرها، وبذلك نستطيع التكهن عن المواضع التي كان يتكلم أهلها بالعربية التي تستعمل "ال" أداة للتعريف، أي: هذه العربية الفصحى. ولما كانت العربية الجنوبية قد استعملت الـ "ن" "ان" أداة للتعريف، تلحقها في أواخر الأسماء المنكرة، وحيث أننا لم نتمكن حتى الآن من الحصول على نص في هذه الأرضين استعمل "ال" أداة للتعريف فباستطاعتنا القول: إن سكانها لم يدوّنوا بالعربية القرآنية،

стр. 5766

بل كان تدوينهم وكلامهم بالعربية الجنوبية التي كانت تضم جملة لهجات. ولما كان آخر نص عثر عليه مدوّن بالمسند، يعود تأريخه إلى سنة "٥٥٤" للميلاد١، صار في إمكاننا القول بأن العربية الجنوبية كانت وبقيت لسانًا للعرب الجنوبيين إلى ظهور الإسلام. ونظرًا لعثور الباحثين على كتابات مدوّنة بالمسند، في "القرية" أو "قرية الفأو" وفي مواضع أخرى من "وادي الفأو"، وفي مواضع من "وادي الدواسر"، وفي مواضع تقع جنوبي خشم العرض، فإن في استطاعتنا القول إن أهل هذه الأرين كانوا يكتبون بالمسند٢، ويتكلمون بلغات عربية جنوبية، اختلفت بعض الاختلاف عن العربيات الجنوبية المستعملة في العربية الجنوبية. فهي إذن من المناطق التي لم يتكلم أهلها بالعربية القرآنية. ونظرًا لما نجده من وجود بعض الاختلاف بين عربية هذه المنطقة وعربية العربية الجنوبية، فإننا نستطيع القول بأنها تكون مرحلة وسطى بين العربيات الجنوبية والعربية القرآنية، وحيث أن كثيرًا من هذه الكتابات لم يكتب لها النشر، ولوجود كتابات أخرى لم يتمكن الباحثون من نقشها أو تصويرها، فمن المحتمل في رأيي مجيء يوم قد يعثر فيه على لهجات جديدة، قد تزيح الستار عن أسرار اللغات عند الجاهليين، وقد تكون مجموعات لغوية جديدة من مجموعات اللغات العربية عند أهل الجاهلية. وقد عثر في العربية الشرقية على كتابات جاهلية مدوّنة بالمسند هي وإن كانت قليلة، إلا أنها ذات أهمية كبيرة بالنسبة للباحث في تأريخ تطور الكتابة عند العرب، وللباحث في اللهجات العربية الجاهلية. فقد ثبت منها أن أصحاب هذه الكتابات كانوا يتكلمون بلهجات غير بعيدة عن اللهجة العربية القرآنية، وإن كتبوا بالمسند. ويلاحظ من النص الذي هو شاهد قبر رجل اسمه "إيليا بن عين بن شصر" أنه استعمل لفظة "ذ" بمعنى "من" ونأسف لأن هذه النصوص القليلة قصيرة، وفي أمور شخصية قد خلت من أداة التعريف؛ لذلك لا نستطيع تثبيت لهجتها بصورة أكيدة٣.

стр. 5767

واستنادًا إلى النصوص الثمودية واللحيانية والصفوية، التي استعملت الـ"هـ" "ها" أداة للتعريف، نستطيع أن نقول: إن أصحاب هذه اللهجات يكوّنون مجموعة من اللغات قائمة بذاتها، تختلف عن العربية الجنوبية وعن العربية القرآنية. وهي تشارك العبرانية في استعمال الأداة المذكورة في التعريف، ولكنها تقارب عربية "ال" في استعمال المفردات. وأما النبط، وهم عرب من العرب الشماليين، فقد استعملوا أداتين للتعريف، أداة هي حرف الألف الممدود اللاحق بآخر الاسم، مثل "ملكا" بمعنى "الملك"، و"مسجدا"، بمعنى "المسجد"، وأداة أخرى، هي أداة "ال" التي نستعملها في عربيتنا. وفي استعمال النبط لأداتين للتعريف، دلالة على تأثرهم بالآراميين وبالعرب المتكلمين باللغة العربية القرآنية، أو العرب المستعملين لأداة التعريف "ال" بتعبير أصح. والنبطية نفسها، لغة وسط، جمعت بين الآرامية والعربية، فبينما نجدها تستعمل الآرامية، إذا بها تخلط معها ألفاظًا وتراكيب عربية فصيحة. وذلك بسبب اختلاط النبط بالآراميين وتأثرهم بثقافتهم، واحتكاكهم بالأعراب، وكونهم عربًا في الأصل١. ومعنى هذا أن العرب الذين كانوا يجاورون النبط، وهم عرب البوادي كانوا من المتكلمين بأداة التعريف "ال"، سمة العربية الفصيحة. وأما النصوص المدونة بنبطية مشوبة بمصطلحات عربية، وأهمها نص "حرّان" الذي يعود تأريخه إلى سنة "٣٢٨" للميلاد، فإنه يفصح عن قوم عرب أو نبط لاستعمالهم "ال" أداة للتعريف في الألفاظ: "التج" بمعنى "التاج"، وفي "الأسدين"، بمعنى "أسد"، وفي "الشعوب". وأرجح كونهم عربًا، لاستعمالهم جملًا عربية فصيحة بينة في هذا النص، مثل: "ملك العرب"، و"مدينة شمر"، و"نزل بنيه الشعوب"، و"فلم يبلغ ملك مبلغه"، فهذه جمل عربية، أصحابها عرب، وإن كتبوا بالنبطية، وقد تفصح عن عربية أهل الحيرة في ذلك الوقت؛ لأن الملك المتوفى، وهو "امرؤ القيس"، هو من ملوك الحيرة، والنص المكتوب، هو شاخص قبره، فمن المعقول تصور أن الكتابة كتبت بلغة أهل الحيرة في ذلك العهد٢.

стр. 5768

ويظهر من استعمال كتابة "زبد" التي يعود عهدها إلى سنة "٥١٢" للميلاد، لجملة "بسم الإلَه"، أن صاحبها وأن كتب بالنبطية، غير أنه كان من النبط المستعملين لـ"ال" أداة للتعريف. وأما الكتابة المعروفة بكتابة "حران"، فإنها أقرب هذه النصوص إلى العربية القرآنية. كما يتبين ذلك من نصها العربي، وهو: أنا شرحيل بر ظلمو، بنيت ذا المرطول سنت ٤٦٣، بعد مفسد خيبر بعم. أي: "أنا شرحيل" "شراحيل" بن ظالم، بنيت هذا المرطول سنة ٤٦٣، بعد خراب "غزو" خيبر بعام. ويقابل تأريخ هذا النص سنة "٥٦٨" للميلاد١. وعربية هذا النص، عربية واضحة، ليس فيها ما يحاسب عليه بالقياس إلى عربيتنا، إلا جملة "بر ظلموا" المكتوبة على وفق القواعد النبطية. ويلاحظ أنها استعملت "ال" أداة للتعريف، ولاحظت قواعد النحو في جملة: "بنيت ذا المرطول" المستعملة في عربيتنا، مما يدل على أن صاحبها كان يراعي الإعراب في لسانه. وأنه من قوم كانوا يراعون قواعد الإعراب في كلامهم. إذن فنحن أمام قوم عرب، نبط، لسانهم العربي من مجموعة "ال"، أي: من العربية المستخدمة لـ"ال" أداة للتعريف، منازلهم أطراف بلاد الشأم، وشواطئ الفرات العربية. وإذا تذكرنا أن السريان كانوا على الحيرة "حبرتا دي طياية"، وأنهم كانوا يطلقون لفظة "طياية" في مرادف "عرب"، عرفنا إذن، أن أهلها كانوا من العرب٢، ولما كان نص "النمارة" قد كتب بنبطية متأثرة بعربية "ال"، نستطيع أن نقول: إن عرب الحيرة كانوا من المتكلمين بهذه العربية. يتبين لنا مما تقدم، أن العرب الذين كانوا يقطنون الحيرة والأنبار، أو عرب العراق بتعبير أصح، ثم عرب بلاد الشام، وعرب البوادي، وجزيرة العرب باستثناء المواضع التي أمدتنا بالكتابات، كانوا يتكلمون بعربية "ال" أي: العربية التي نزل بها القرآن الكريم، ودوّن بها الشعر الجاهلي. وهي عربية أساسية، جمعت شمل لغات ولهجات، على نحو ما وجدنا في العربية الجنوبية من اشتمالها على جملة لهجات، وما وجدناه في اللهجة العربية الشمالية الغربية، المستعملة لـ"هـ" "ها" أداة للتعريف.

стр. 5769

فأهل نجد وبادية الشأم، وعرب العراق وبلاد الشأم والحجاز، كانوا هم المتكلمين بهذه العربية التي تعرّف النكرة بأداة التعريف "ال"، وذلك قبل الإسلام، أما المواطن الأخرى، فلها لهجاتها الخاصة، وبينها لهجات تأثرت بخصائص مجموعة "ال". وقد غلب الإسلام هذه العربية على اللهجات الأخرى، فصارت الأكثرية تتكلم بها، إلا في المواضع المنعزلة، التي بقيت شبه مستقلة، حيث احتفظت ببعض خصائص لهجاتها القديمة، كالذي نراه اليوم في مهرة وفي الشحر وفي مواضع أخرى من العربية الجنوبية التي تتكلم بلهجات لا نفهمها عنهم هي من بقايا اللهجات الجاهلية. وللوقوف على خصائص اللهجات المكونة لعربية الـ"ن" "ان"، أرى أن من الضروري وجوب إرسال بعثات علمية إلى العربية الجنوبية لدراسة اللهجات المحلية، وهي عديدة وتسجيلها على الأشرطة من أفواه المتكلمين بها، ولدراسة قواعدها النحوية والصرفية وأصول نظم الشعر عند المتكلمين بها، وتفيدنا دراسة نظم الشعر خاصة عند العرب الجنوبيين الحاليين فائدة كبيرة في الوقوف على أسس نظم الشعر عندهم أيام الجاهلية، وعلى الفروق الكائنة بين نظمهم قبل الإسلام، ونظم بقية العرب الجاهليين. ولا بد أيضًا من مقارنة نظمهم في الوقت الحاضر، بنظم الأعراب في المملكة العربية السعودية، للوقوف على الفروق بين النظمين، وستكون هذه الفروق هاديًا لنا في الوقوف على الفروق التي كانت بين النظم عند شعراء الجاهلية في بلاد الشام والعراق ونجد والبحرين واليمامة والحجاب والعربية الجنوبية. وسوف تساعدنا دراسة لهجات المملكة الأردنية الهاشمية، المملكة التي كانت تعرف بـ"ادوم" في التأريخ، وكذلك لهجات أعالي الحجاز في الوقت الحاضر، فائدة كبيرة في الوقوف على خصائص لهجة عربية الـ"هـ" "ها"، وفي استنباط قواعدها منها. فلا بد وأن تكون في اللهجة "البلقاوية"١، وفي اللهجات المحلية الأخرى بقايا من تلك اللغة، مندمجة مع عربية "ال" التي تغلبت على لسانهم منذ الفتح الإسلامي الذي بدأ لتلك البلاد عام "٦٣٣" للميلاد٢. ولا بد من دراسة

стр. 5770

أصول نظمهم في لغاتهم الدارجة هذه للاهتداء بها على أصول النظم عندهم قبل الإسلام، وعلى المؤثرات التي أثرت على نظمهم وما يمتاز به عن أصول النظم عند بقية العرب في الوقت الحاضر أيضًا. ولما كنا لا نملك نصوصًا جاهلية بعربية "ال" غير ما ذكرته من النصوص النبطية المشوبة بعربية "ال". ولما كانت هذه العربية ذات لهجات ولغات، عرفت أسماؤها وضبطت في الإسلام، وبينها فروق ومميزات، كما بينت ذلك في الملاحظات البسيطة السطحية التي جمعها عنها علماء العربية، ولما كنا لا نملك عن هذه اللهجات غير تلك الملاحظات التي أوجزتها في فصل: لغات العرب، فإن من اللازم ضم دراسة ما سيقوم به علماؤنا في المستقبل عن اللهجات الحالية في مختلف أنحاء جزيرة العرب إلى دراسة العلماء المتقدمين، لتكمل إحداهما الأخرى، وستتولد منهما ولا شك دراسة علمية قيمة، تفيدنا في الاهتداء إلى معرفة خصائص اللغات العربية قبل الإسلام. لقد توصلت من دراسة ملاحظات أولئك العلماء، إلى أن هذه اللهجات لم تكن تختلف في كيفية النطق بالحروف، وفي القواعد الصرفية فقط، لكنها كانت تختلف فيما بينها في القواعد النحوية أيضًا، مثل حذف الياء من الفعل المعتل بها إذا أُكد بنون في لغة طيء وفزارة١، ومثل "ذو" الطائية التي يلازم إعرابها بالواو في كل موضع٢، ومثل إعراب المثنى بالألف مطلقًا، رفعًا ونصبًا وجرًّا، في لغة بلحرث، وخثعم، وكنانة٣، ومثل "هَلُمَّ" في لغة أهل الحجاز التي تلزم حالة واحدة على اختلاف ما تسند إليه مفردًا أو مثنى أو جمعًا، مذكرًا أو مؤنثًا، وتلزم في كل ذلك الفتح، بينما تتغير بحسب الإسناد في لغة نجد من بني تميم٤، إلى غير ذلك من أمور تحدثت عنها في فصل: لغات العرب، وهي لو جمعت في مكان واحد ودرست بعناية ودقة، دلت على أن الفروق بين هذه اللهجات في القواعد هي أعمق بكثير مما يظن.

стр. 5771

ومع وجود هذه الاختلافات والفروق، كان بإمكان المتكلمين بهذه اللغات الثانوية المتفرعة من المجموعات اللغوية، التفاهم فيما بينهم، كما يتفاهم العراقيون والمصريون وأهل المغرب بعضهم مع بعض مع تكلمهم بألسنة ذات لهجات مختلفة. فكان في استطاعة أهل نجد التفاهم مع عرب الحيرة، وفي استطاعة أهل مكة التفاهم مع أهل الحيرة، والعكس بالعكس، مع وجود صعوبات بالطبع في فهم النطق باللهجة، وفي إدراك مخارج بعض الحروف واختلاف القبائل في النطق بها، ووجود كلمات غريبة في لغة، قد لا توجد في لغة أخرى. إلا أن هذه الفروق لم تكن شديدة عميقة، بحيث جعلت فهم العرب بعضهم بعضًا أمرًا صعبًا، أو صيرت اللغات وكأنها لغات أعجمية، لا يفهم المتخاطبون بها أحدهم الآخر. ودليل ذلك أننا نجد الوفود التي وفدت إلى المدينة، لمبايعة الرسول على الإسلام، تكلم الرسول وتتفاهم معه ومع أصحابه، وتخطب أو تنشد الشعر أمامه، وهو يفهمهم، وهم يفهمونه من دون صعوبة ولا كلفة كبيرة، لأن أمر هذه اللغات لم يكن على نحو ما تصوره بعضهم من التباين والاختلاف، والبعد بين الألسنة. اللهم إلا ما كان من أمر أهل العربية الجنوبية، فقد كانوا يرطنون، بدليل ما جاء في كتاب رسول الله إلى "عياش بن أبي ربيعة المخزومي" حين أرسله برسالة إلى أبناء "عبد كلال" الحميري، فقد قال له فيها: "وهم قارئون عليك، فإذا رطنوا، فقل: ترجموا" ١. وربما كان منهم من لا يفقه عربية المسلمين، الناطقين بعربية "ال"، فكان يترجم لهم بعض من لهم علم وفقه بالعربيات الجنوبية وبعربية القرآن. وبدليل ثان، هو أن المسلمين لما حاصروا القصر الأبيض من قصور الحيرة، سمعوا أهل القصر، يصرخون: "عليكم الخزازيف"، "فقال ضرار: تنحوا لا ينالكم الرمي، حتى ننظر في الذي هتفوا به، فلم يلبث أن امتلأ رأسُ القصر من رجال متعلقي المخالي، يرمون المسلمين بالخزازيف، وهي المداحي من الخزف"٢، فلم يفهم المسلمون معنى "الخزازيف" في بادئ الأمر لكنهم عرفوا أنهم يعنون شيئًا له صلة بالدفاع عن القصر، ثم عرفوه، بعد نزول سيل من "الخزف" عليهم. وكان أهل "الحيرة" ينطقون بالعربية، فلما قال

стр. 5772

"خالد بن الوليد" لأصحاب عدي بن العبادي: "ويحكم! ما أنتم! أعرب؟ فما تنقمون من العرب! أو عجم؟ فما تنقمون من الانصاف والعدل! فقال له عدي: بل عرب عاربة وأخرى متعربة، فقال: لو كنتم كما تقولون لم تحادّونا وتكرهوا أمرنا، فقال له عديّ: ليدلك على ما نقول أنه ليس لنا لسان إلا بالعربية، فقال: صدقت"١. وقد كانت لهم مدارس تدرس العربية، كما تحدثت عن ذلك في موضع آخر، ومنهم أخذ أهل مكة كتابتهم، كما يذكر ذلك أهل الأخبار. فنحن نجد أن العرب كانوا يتكلمون على مقتضى سجيتهم التي فطروا عليها، ومع ذلك فقد كانوا يتفاهمون ويدركون المعاني، ولو كانوا من قبائل متباعدة، ومن أماكن متنائية. "قال ابن هشام في شرح الشواهد: كانت العرب ينشد بعضهم شعر بعض، وكل يتكلم على مقتضى سجيته التي فطر عليها، ومن ههنا كثرت الروايات في بعض الأبيات"٢. ولما حاصر "خالد بن الوليد" الأنبار، "تصايح عرب الأنبار يومئذ من السور، وقالوا: صبح الأنبار شرٌ"٣. ولما اطمأن بالأنبار "وأمن أهل الأنبار وظهروا، رآهم يكتبون بالعربية ويتعلمونها، فسألهم: ما أنتم؟ فقالوا: قوم من العرب. نزلنا إلى قوم من العرب قبلنا"٤. فأهل الأنبار مثل أهل الحيرة عرب، كانوا يتكلمون العربية، وهي عربية فهمها خالد ومن كان معه من رجال قبائل، ولو كانت عربيتهم عربية قريش، لما سكتوا من النص عليها، لما في ذلك من تقرب إلى قريش. قال الأزهري: "وجعل الله القرآن المنزل على النبي المرسل محمد، ﷺ ، عربيًّا؛ لأنه نسبه إلى العرب الذين أنزله بلسانهم، وهم النبي والمهاجرون والأنصار الذين صيغة لسانهم لغة العرب، في باديتها وقراها العربية، جعل النبي، ﷺ عربيًّا؛ لأنه من صريح العرب، ولو أن قومًا من الأعراب الذين يسكنون البادية حضروا القرى العربية وغيرها، وتناءوا معهم فيها، سمّوا عربًا ولم يسمّوا

стр. 5773

أعرابًا". "والعربية هي هذه اللغة". "والعرب: هذا الجيل"١. أما لو سألتني رأيي في هذه الخطب التي دوّنها أهل السير والتواريخ والأخبار للوفود التي وفدت على الرسول لمبايعته، أو عن حديث الصحابة معه قبل الهجرة أو بعدها، فأقول لك بكل صراحة، إن هذه النصوص: نصوص كلام الرسول مع الصحابة، ونصوص كلام الصحابة معه، هي نصوص وردت إلينا بأفواه الرواة، كلامها كلامهم، وعباراتها عباراتهم، أما المعاني -أي: المضامين- فهي التي أخذت بالرواية، وفي بعضها زيادات أو نقصان، ظهرت بسبب طبيعة الاعتماد على الذاكرة لا الكتابة والتدوين. فنحن إذن أمام نصوص، لا يمكن أن نقول: إنها أصيلة؛ لأنها لم تؤخذ من محاضر جلسات، ولا من كتّاب كانوا يكتبون كل ما كان يقع ويحدث، وينقلون الكلام نقلًا أمينًا صادقًا، كما ينقل الشريط المسجل للأصوات، أصوات المتكلمين، وإنما رويت بعد الحادث بأمد، قد يكون قصيرًا وقد يكون طويلًا، وبعضها أحاديث شخصية، ليست مهمة، وقد تكون من الموضوعات، ولا غرابة في ذلك فكتب التراجم والحديث والسير، مليئة بتكذيب كثير من هذه الأمور، التي افتعلت، إما من الرواة أنفسهم، وإما من آلهم، وإما عصبية، أو عن مذهب وعقيدة.

стр. 5774

أفصح العرب: وموضوع أفصح العرب موضوع لا أرى أنه قد كان لأهل الجاهلية علم به، إذ كان لكل قوم منهم لسان يستعزون به ويتعصبون له، يرون أنه لسانهم العزيز. ولا يكون فصاحة إلا إذا كان هنالك لسان أدب رفيع، يكوّنه رجال الأدب من ناثرين وشعراء، يكون لسانًا مقررًا محترمًا يتبعه الجميع، تعقده وحدة شاملة وشعور بوجود أواصر دم وتأريخ واحد وثقافة واحدة، وقلم يكتب به، فإذا اجتمعت كل هذه وأمثالها وأضيفت إليها وجود حكومة كبيرة تتخذ ذلك اللسان لسانًا عامًّا لها، ثم تقوم بتشجيع الأدباء والعلماء وتحسن إليهم، صار ذلك اللسان اللسان المحظوظ المأثور المقدم على سائر الألسنة، وصارت اللهجات الأخرى،

стр. 5775

ألسنة ثانوية بعده، تعدّ دون اللغة المذكورة في الرتبة والمنزلة والفصاحة، كما حدث في الإسلام، حيث اعتبر اللسان العربي الذي نزل به القرآن الكريم، لسان الإسلام والمسلمين، لسان الدين والدولة، به تكتب دواوين الدولة، وبه يؤلف العلماء ويكتب الأدباء، وينظم الشعراء، وبموجب قواعده المقررة يتعلم اللسان كيفية الكتابة والنطق، من خالفها أو أخذ بألفاظ خارجة على قواعد نحوها وصرفها عدّ عاميًّا جلفًا من سواد الناس وسوقتهم. ومدار الفصاحة في نظر علماء العربية كثرة استعمال العرب للكلمة. سئل "أبا عمرو بن العلاء": "كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجة؟ فقال: أحملُ على الأكثر، واسمي ما خالفني لغات. فما أكثرت العرب من استعماله من غيره، فهو فصيح. وأما الفصاحة في المفرد: فخلوصه من تنافر الحروف، ومن الغرابة، ومن مخالفة القياس اللغوي. والتنافر ما تكون الكلمة بسببه متناهية في الثقل على اللسان وعُسر النطق بها، مثل "الهعخ" و"مستشزر"١. والغرابة أن تكون الكلمة وحشية لا يظهر معناها، فيحتاج في معرفتها إلى أن ينقر عنها في كتب اللغة، أو أن تكون قليلة الاستعمال، وأضاف بعضهم إلى ما تقدم: ألا تكون الكلمة مبتذلة٢. وآراء أخرى لا مجال للبحث عنها في هذا الكتاب، لعدم وجود مكان في حدوده. وقد وضعت هذه الحدود في الإسلام، أما ما قبله فلا علم لنا برأي الجاهليين في الفصاحة وفي الفصيح، ولكننا نستطيع بالقياس إلى ما عندنا من كتابات، أن نقول: إن العرب الجنوبيين كانوا يدونون بلهجاتهم المعروفة، وهي: المعينية والسبئية والحضرمية والقتبانية، وفقًا لقواعد لهجاتهم وبألفاظهم، فهي بالنسبة لهم لغاتهم الفصيحة، لغة التدوين والكلام، ولما قضى السبئيون على استقلال حكومات معين وحضرموت وقتبان وأوسان، وتكونت منها حكومة واحدة، ضعفت الخصائص اللغوية التي ميزت لهجات هذه القبائل بعضها عن بعض، واندمجت

стр. 5776

بلغة السبئيين التي صارت لغة الحكومة، وصار العرب الجنوبيون يكتبون بها إلى ظهور الإسلام. فهذه اللغة، هي اللغة الفصحى عندهم وقلمها هو المسند. أما بالنسبة إلى العرب الآخرين، فالظاهر أن عربية "ال"، كانت قد تغلبت عند ظهور الإسلام على العربيات الأخرى، وفي ضمنها عربية الـ"هـ" "ها"، وذلك بقوة وضخامة القبائل المتكلمة بها، وباستعمال حكومة الحيرة وحكومة الغساسنة وحكومة كندة لها، مما حمل الخطباء والشعراء والكهنة والسحرة على النطق بها، وبلهجاتهم الخاصة بهم، وهي لهجات كانت متقاربة لكنها تختلف فيما بينها في استعمال بعض الألفاظ وفي كيفية النطق بالكلم، أي: في مخارج الحروف، وفي خصائص نحوية وصرفية، إلا أن هذه الفروق والاختلافات لم تخرجها مع ذلك عن وحدة اللغة، وهي كلها في نظر أصحابها عربية فصيحة، وقد كانت تتقارب باحتكاك القبائل بعضها ببعض، وبتوسع نفوذ ملوك الحيرة في جزيرة العرب، وبتنقل الشعراء والخطباء بين القبائل، يدعونهم إلى النصرانية التي كانت قد جاءت من الحيرة، بنصرانية شرقية عربية، متأثرة بالإرمية، لكنها اضطرت إلى التعرب بالتدريج، وبقي الحال على هذا المنوال إلى أن ظهرت كلمة الإسلام بلغة "ال"، فصارت بنزول الوحي بها أفصح ألسنة العرب، وصار قلمها قلم الإسلام المقرر. وبذلك نبذ المسند، وماتت الكتابة به منذ ذلك الحين، ومات التراث العربي الجنوبي بموت لسانه وقلمه. وبانتصار الإسلام على الشرك، والإسلام دين ودولة، دعوته إلى "أمة"، المواطنون فيها أخوة، وله لسان، هو اللسان الذي نزل به القرآن، صار هذا اللسان أفصح منذ ذلك الحين، بل لسان أهل الجنة، وصار من الواجب على المسلمين تثبيت قواعده ودراسته لفهم كتاب الله المنزل به، خدمة لدين الله الذي شرف هذا اللسان باتخاذه لسانًا له. ورعاية قلمه الذي ثبت كتاب الله، وقام العلماء بضبط قواعده وجمع مفرداته، والبحث في كل ما يتعلق باللسان من علم. قام بهذه المهمة علماء المصرين: البصرة والكوفة، وكان لا بد لهم من رسم حدود، ومن وضع قواعد في كيفية تثبيت العربية، وفيمن يصح أخذ هذه القواعد من ألسنتهم، إلى غير ذلك من أمور اتبعوها في جمع علوم العربية.

стр. 5777

وحين شُرع بوضع قواعد العربية، كان الإسلام قد حطم حدود جزيرة العرب، وتخطاها، قد غلب الساسانيين، وأبعد الروم عن بلاد الشأم ومصر وما وراءها، وقد جمع العرب بالأعاجم، والعجم بالعرب، وشبك ألسنة الأعاجم بلسان العرب، ولسان العرب بألسنة العجم، واضطر العلماء إلى وضع قواعد فيمن يجب أخذ لسان العرب منهم من العرب، وفيمن لا يجوز الأخذ منهم، بسبب اتصالهم بالعجم، وما طرأ على لسان بعضهم من خبث نتيجة لهذا الاتصال. فكانت تعاليمهم ألا تؤخذ العربية إلا من عرب بقوا بمعزل عن الأعاجم، فلا "يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم، فإنه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام، لمجاورتهم أهل الشأم، وأكثرهم نصارى يقرأون بالعبرانية، ولا من تغلب واليمن؛ فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا من بكر لمجاورتهم للقبط والفرس، ولا من عبد القيس وأزد عُمان؛ لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وأهل الطائف، لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز، لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم، والذي نقل اللغة واللسان العربية عن هؤلاء وأثبتها في كتاب فصيرها علمًا وصناعة هم أهل البصرة والكوفة فقط من بين أمصار العرب"١. وذكر أن قريشًا كانوا أفصح العرب ألسنة، وأصفاهم لغة، وأجود العرب انتقادًا للأفصح من الألفاظ، أما الذين نقل عنهم اللسان العربي من "قبائل العرب، هم: قيس، وتميم، وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمة، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم"٢. وروي أن أفصح العرب عُليا هوازن، وسفلى تميم٣. وروى "الجاحظ" أن "معاوية" قال يومًا: "من أفصح العرب؟ فقال

стр. 5778

قائل: قوم ارتفعوا عن لخلخانية الفُرات، وتيامنوا عن عنعنة تميم وتياسروا عن كسكسة بكر، ليس لهم غمغمة قضاعة ولا طمطمانية حمير. قال: من هم؟ قال: قريش"١. وقد تحدث "الجاحظ" عن أثر المحيط في تكوين اللغة، فقال: "وكاختلاف ما بين المكّي والمدني، والبدويّ والحضري، والسهلي والجبلي، وكاختلاف ما بين الطائي الجبلي والطائي السهلي، وكما يقال: إن هذيلًا أكراد العرب، وكاختلاف ما بين من نزل البطون وبين من نزل الحُزون، وبين من نزل النجود وبين من نزل الأغوار. وزعمت أن هؤلاء وإن اختلفوا في بعض اللغة، وفارق بعضهم بعضًا في بعض الصور، فقد تخالفت عُليا تميم، وسفلى قيس، وعجز هوازن وفصحاء الحجاز، في اللغة، وهي في أكثرها على خلاف لغة حمير، وسكان مخاليف اليمن، وكذلك في الشمائل والأخلاق. وكلهم مع ذلك عربي خالص، غير مشوب ولا معلهج ولا مذرّع ولا مزلج. ولم يختلفوا اختلاف ما بين بني قحطان وبني عدنان، من قبل ما طبع الله عليه تلك البرية من خصائص الغرائز، وما قسم الله تعالى لأهل كل جيزة من الشكل والصورة ومن الأخلاق واللغة"٢. فرأى "الجاحظ" أن بين العدنانيين والقحطانيين فروقًا كبيرة في اللغة، غير أن بين كل مجموعة من هاتين المجموعتين فروقًا لغوية، كالذي أورده من أمثلة على الفروق التي تكون بين من ينزل الجبال، أو من ينزل السهول، وبين من ينزل النجود، ومن ينزل الأغوار، ثم الخلافات التي تقع بين بطون القبائل عند تشتتها وتفرقها. ثم تحدث عن لغة عليا تميم، وسفلى قيس، وعجز هوازن، ولغات أهل الحجاز، وهي قبائل تحدث عنها علماء اللغة. وقد ذكر "الرافعي" أن "الفصاحة اشتهرت في مضر، حتى عُرفت اللغة بالمضرية، ومن أشهر قبائلها كنانة -ومن بطونها قريش- ثم تميم، وقيس، وأسد، وهذيل، وضبّة، ومزينة"٣. وقال أيضًا: "وأفصح القبائل الذين

стр. 5779

هم مادة اللغة فيما نص عليه الرواة: قيس، وتميم، وأسد، والعجز من هوازن الذين يقال لهم: عليا هوازن، وهم خمس قبائل أو أربع، منها سعد بن بكر، وجُشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف. قال أبو عبيدة: وأحسب أفصح هؤلاء بني سعد بن بكر، وذلك لقول رسول الله ﷺ : "أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، وأني نشأت في بني سعد بن بكر"، وكان مسترضعًا فيهم، وهم أيضًا الذين يقول فيهم أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم"١. "وتلك القبائل كلها كانت تسكن في بوادي نجد والحجاز وتهامة، وقد بقيت معادن الفصاحة زمنًا بعد الإسلام، وإليها كان يرحل الرواة، حتى إن الكسائي لما خرج إلى البصرة فلقي الخليل بن أحمد، وجلس في حلقته، قال له رجل من الأعراب: تركت أسدًا وتميمًا وعندهما الفصاحة وجئت إلى البصرة! فقال للخليل: من أين أخذت علمك؟ قال: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة. فخرج إليهم ولم يرجع حتى أنفد خمس عشرة قنينة حبرًا في الكتابة عن العرب. ولم تزل هوازن وتميم وأسد متميزة بخلوص النية وفصاحة اللغة إلى آخر القرن الرابع للهجرة"٢. وقد ترك الأخذ عن "حاضرة الحجاز" أي: مكة "لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم"٣، فلم يأخذوا منهم. وقد قرأنا قبل قليل أسماء القبائل التي أدخلها علماء اللغة في القائمة السوداء المقاطعة التي لم يجوّزوا الأخذ منها، وذلك حين شروعهم بتدوين اللغة أيضًا للسبب المذكور وهو اتصالها بالأعاجم، وتأثر ألسنتها بلغات من اتصلت بهم من عجم. واللغات في نظر "ابن جني" على اختلافها كلها حجة "ألا ترى أن لغة الحجاز في إعمال ما، ولغة تميم في تركه، كل منهما يقبله القياس، فليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها، لأنها ليست أحق بذلك من الأخرى، لكن

стр. 5780

غاية مالك في ذلك أن تتخير إحداهما فتقويها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها، وأشد نسبًا بها، فأما رد إحداهما بالأخرى فلا"١. أعود الآن فأكرر ما سبق أن قلته من أننا اليوم في حاجة ماسة، إلى وجوب تسجيل كل ما أورده علماء اللغة عن لغات العرب ولهجاتها، فصيحة كانت تلك اللغة أو رديئة، ولا سيما في الأمور التي شذت فيها هذه اللهجات بعضها عن بعض، في الشعر أو في النثر، تسجيل كل الأسماء الجاهلية التي عرف بها العرب قبل الإسلام، مع بيان أسماء الرجال الذين تسمّوا بها وأسماء القبائل التي هم منها، والمواضع التي كانوا بها، لنتعرف بذلك على أصول هذه القبائل، والأماكن التي جاءت منها، والثر الذي تأثرت به من القبائل المجاورة لها، فنحن نعرف اليوم، أن أهل العربية الجنوبية، كانت لهم أسماء وردت في المسند لم تكن شائعة بين العرب الشماليين، وقد كانت خاصة بهم، ثم نعرف اليوم أن الأسماء الواردة في النصوص العربية الجنوبية المتأخرة المقاربة للإسلام، اختلفت بعض الاختلاف عن الأسماء القديمة المركبة المضافة، مما يدل على وقوع تغير في الذوق اللغوي عند العرب الجنوبيين قبيل الإسلام، وعلى الميل إلى اختزال الأسماء وتبسيطها، على نحو ما كان عند العرب الشماليين، ومثل هذه الدراسة، تكون ذات قيمة كبيرة في الوقوف على التطورات السياسية والثقافية والاجتماعية التي مرت على جزيرة العرب قبيل ظهور الإسلام، وهذا التغير الذي أشير إليه هو شيء طبيعي، وقع قبل الإسلام، كما وقع في الإسلام، فقد ماتت الأسماء الجاهلية، مثل "امرؤ القيس"، و"معدي كرب"، "شرحبيل"، و"شرحئيل"، و"عبد عوف"، و"عبد مناة"، و"عبد أسد"، في الإسلام، وحلت محلها أسماء إسلامية، وماتت ألفاظ جاهلية، بسبب إماتة الإسلام لها، أو إعراضه عن استعمالها، أو بسبب تغير الذوق، فلم تعد تصلح للاستعمال، وولدت ألفاظ إسلامية لم تكن معروفة عند الجاهليين، ونشأت معان جديدة لألفاظ جاهلية قديمة لم تكن تعبر عن هذه المعاني قبل الإسلام. كذلك، نحن في حاجة إلى تدوين شعر الشعراء على حسب القبائل التي ينتمي إليها قالة الشعر، لنتمكن بذلك من دراسة خصائص شعر كل قبيلة، وما ورد
следующие страницы →