قتلوا الحبشة، ومدح "سيف بن ذي يزن"، وهنأه فيها لتوليه الملك١، وقد أشار فيه إلى قصة "سيف"، وكيف ذهب إلى "هرقل" يستنجده على الحبشة، فلم يجد عنده ما طلب، ثم كيف ذهب إلى "كسرى"، وبقي عند بابه تسع سنوات حتى أمده بالجنود وعلي رأسهم باذان ووهرز، إلى أخر القصة التي ترد في كتب الأخبار والتواريخ. وقد نسبها بعض الرواة إلى ابنه "أمية".
وأمية بن أبي الصلت من الشعراء الذين رغبوا عن عبادة الأوثان وآمنوا بالله والبعث، ووقف على كتب أهل الكتاب فتأثر بها، وكان يجالسهم ويختلط بهم. وكان أبوه شاعرا، وروى رواة الشعر شيئا من شعره، وكان ابنه "القاسم بن أمية بن أبي الصلت" شاعرا كذلك وله صحبة. وذكر أن العرب اتفقت على أن "أمية" كان أشعر ثقيف٢.
ذكر أنه كان في الجاهلية نظر الكتب وقرأها ولبس المسوح وتعبد أولا بذكر إبراهيم وإسماعيل والحنيفية وحرم الخمر وتجنب الأوثان. ولما ظهر الإسلام حسد النبي، فلم يسلم، لأنه كان طمع في النبوة، أو أنه أراد أن يسلم، فلما سمع بقتلى بدر، توقف ورثى قتلى المشركين، وذهب إلى الطائف فمات بها. وقد اختلف في سنة وفاته، فقيل إنه توفي سنة تسع من الهجرة، وقيل قبل ذلك. وورد في رواية أنه مات في الجاهلية ولم يدركه الإسلام. وقد صدقه النبي في بعض شعره، وقال: قد كاد أمية أن يسلم٣. وقد كان يكنى بـ "أبي عثمان" وبـ "أبي القاسم"٤.
وورد في بعض الروايات أن في حقه نزلت الآية: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ٥. ويرجع سند القائلين بذلك إلى "عبد الله بن عمرو" وإلى "ابن الكلبي"٦.
стр. 6652
وروي أن النبي سأل "الرشيد بن سويد" أن ينشده من شعر أمية، فأنشده إياه، فقال: "كاد ليسلم". وأن النبي أنشد قول أمية:
رجل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصد
فقال: "صدق، وهذه صفة حملة العرش". وذكر أن معظم شعر أمية كان في الآخرة، كما كان معظم شعر عنترة بذكر الحرب١.
وقد دون "ابن هشام" قصيدة "أمية" التي نظمها يرثي من أصيب من قريش يوم بدر، ومطلعها:
ماذا ببدر بالعقنـ ... ـقل من مرازبة جحاجح
ألا بكيت على الكرا ... م بني الكرام أولي المدائح
كبكا الحمام على فرو ... ع الأيك في الغصن الجوانح٢
وذكر أن النبي نهى عن روايتها لما ورد فيها من رثاء قتلى بدر٣، ولكني أشك في صحة صدور هذا النهي من الرسول، إذ لو كان الرسول قد نهى عن إنشادها، فكيف دونها "ابن هشام" وغيره، ولا تزال مدونة، وقد قال "ابن هشام" إنه دون القصيدة إلا بيتين نال فيهما من أصحاب الرسول٤.
ودون "ابن هشام" قصيدة أخرى لأمية قالها يرثي ويبكي "زمعة بن الأسود" وقتلى "بني أسد"٥ من أبياتها:
عين بكى بالمسبلات أبا العا ... ص ولا تذكري على زمعه
لبني مسلم لهم خرت الجو ... زاء لا خاتة ولا خدعه
وهم الهامة الوسيطة من كعـ ... ـب ومن هم كذروة القمعه
стр. 6653
أنبتوامن معاشر شعر الرأ ... س وقد بلغوهم المنعه
وهم المطعمون إن قحط القطـ ... ـر وأصحت فلا ترى قزعه
أمسى بنو عمهم إذا جلس النا ... دي عليهم أكبادهم وجعه١
ومن شعره الذي قاله في التحريض على رسول الله قوله:
لله در بني علي ... أيِّم منهم وناكح
إن لم يغيرواغارة ... شعواء تحجر كل نابح
بزهاء ألف أو بألـ ... ـف بين ذي بدن ورامح
وروي أنه كان يحكي في شعره قصص الأنبياء، ويأتي بألفاظ كثيرة لا تعرفها العرب، يأخذها من الكتب المتقدمة، وبأحاديث من أحاديث أهل الكتاب٣. وكان يسمي السماء في شعره: "صاقورة" و "حاقورة"، و "برقع". ويقول في الله :
هو السليط فوق الأرض مقتدر
ويقول: وأبديت الثغرورا، ويريد الثغر٤.
وفي شعر "أمية" إشارة إلى قصة أصحاب الفيل، إذ قال:
إن آيات ربنا بينات ... لا يماري بهن إلا الكفور
حبس الفيل بالمغمس حتى ... ظل يمشي كأنه معقور٥
كل دين يوم القيامة عند الله ... إلا دين الحنيفة زور٦
ونسبت إلى "أمية" قصيدة طويلة عدتها تسعة وسبعون بيتا، ذكر فيها شيئا من قصص الأنبياء: داود، وسليمان، ونوح، وموسى، وذكر قصة إبراهيم
стр. 6654
وإسحاق، وزعم أنه هو الذبيح، وقد وردت في ديوانه الذي جمعه "محمد بن حبيب"، وفي أبياتها بيت هو:
ربما تكره النفوس من الأمـ ... ـر له فرجة كحل العقال١
وقد وجد هذا البيت في قصيدة رواها "الأصمعي" لأبي قيس اليهودي، وقيل هي لابن صرمة الأنصاري مطلعها:
سبحوا للمليك كل صباح ... طلعت شمسه وكل هلال
ووجد أيضافي أبيات لحنيف بن عمير اليشكري، قالها لما قتل محكم بن الطفيل يوم اليمامة في أبيات هي:
يا سعاد الفؤاد بنت أثال ... طال ليلي بفتنة الرحال
إنها يا سعاد من حدث الدهر ... عليكم كفتنة الدجال
إن دين الرسول ديني وفي القو ... م رجال على الهدى أمثالي
أهلك القوم محكم بن طفيل ... ورجال ليسوا لنا برجال
ربما يجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال٢
وقد تحدث "أمية" في قصيدته اللامية عن الخلق وعن كيفية تكون الأرض وظهور الأنهار والعيون، ثم عن الموت والبعث والنشر، وهي قصيدة أرى أنها منحولة، وهي لا يمكن أن تكون من شعر تلك الأيام، وقد نحلت على لسان "أمية" وأظن أن ذلك في أيام الحجاج، الذي كان يتعصب له لكونه شاعر ثقيف، وهو منها٣.
ومما نسب إلى أمية هذا الشعر:
والأرض معقلنا وكانت أمنا ... فيها مقامتنا وفيها نولد
стр. 6655
وبها تلاميذ على قذفاتها ... حبسوا قياما فالفرائص ترعد
وهذا الشعر:
صاغ السماء فلم يخفض مواضعها ... لم ينتقص علمه جهل ولا هرم
لا كشفت مرة عنا ولا بليت ... فيها تلاميذ في أقفائهم دغم
وهذا البيت، الذي هو من الشعر الأول:
فمضى وأصعد واستبد إقامة ... بأولى قوى فمبتل ومتلمد١
وروى أهل الأخبار قصصا عنه، وهو من نوع القصص الذي يروى وقوعه للأنبياء، مثل تكليم الجن له، ووقوع طير على صدره، وشقه له، لتنظيف قلبه، في قصة أخذت من خبر غسل قلب الرسول ولا شك. ثم حكاية شعوره بدنو أجله، ووفاته٢. وقد حاول وضاع هذا القصص تبجيل "أمية" وإعطائه قدسية خاصة وإظهاره بمظهر الصالحين حتى كاد الوحي ينزل عليه لولا ظهور الرسول. وقد حاول بعض أهل الأخبار تخفيف أثر ما روي عن معارضة "أمية" للإسلام، ومنهم من أماته قبل الإسلام، وبذلك خلصه من تهمة اشتراكه مع المشركين في محاربة الإسلام. وهي روايات يظهر أنها ظهرت في أيام الحجاج، وبتأثير منه.
وأكثر ما نسب إليه من شعره محمول عليه، ونجد في كتاب "البدء والتأريخ" لمطهر بن طاهر المقدسي شعرا فيه عبارات وألفاظ قرآنية، لا شك في أنها مصنوعة، وقد حملت عليه. وقد ذهب "كليمان هوار" إلى أن شعره كان من مصادر القرآن، ومعنى هذا أنه شعر صحيح قاله "أمية" قبل الإسلام، فتعلمه الرسول منه، ونزل به الوحي. وقد عارضه "بروكلمان" وآخرون من طائفة المستشرقين، وهم يرون أن هذاالشعر قد صنع ونسب إليه في عهد مبكر، ربما كان في القرن
стр. 6656
الأول للهجرة، وقد أدخل فيه قصص أخذ من القرآن١.
وتعد قصيدة "أمية" التي مطلعها:
عرفت الدار قد أقوت سنينا ... لزينب إذ تحل بها قطينا
في المجمهرات.
ونسب لأبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، والد أمية قوله:
لن يطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن ... لجج في البحر للأعداء أحوالا
أتى هرقل وقد شالت نعامته ... فلم يجد عنده القول الذي قالا
ثم انتحي نحو كسرى بعد تاسعة ... من السنين لقد أبعدت إيغالا
حتى أتى ببني الأحرار يحمله ... أنك عمري لقد أسرع قلقالا
من مثل كسرى وباذان الجنود له ... ومثل وهرز يوم الجيش إذ صالا
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن ترى لهم في الناس أمثالا
غلبا جحاجحة بيضا مراجحة ... أسدا تربب في الغيضات أشبالا
يرمون عن عتل كأنها غبط ... بزمخر يعجل المرمي إعجالا
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أضحي شريدهم في الأرض فلالا
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا
ثم أطل المسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم من بُرديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادوا بعد أبوالا٢
وهي قصيدة زعم أنه قالها في "سيف بن ذي يزن"، وزعم أنها لابنه "أمية بن أبي الصلت". وقد رواها "الطبري" في تأريخه، على هذه الصورة:
стр. 6657
ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن ... ريَّم في البحر للأعداء أحوالا
أتى هرقل وقد شالت نعامتهم ... فلم يجد عندهم بعض الذي قالا
ثم انتحي نحو كسرى بعد سابعة ... من السنين لقد أبعدت إيغالا
حتى أتى ببني الأحرار يحملهم ... إنك لعمري لقد أطولت قلقالا
من مثل كسرى شهنشاه الملوك له ... أو مثل وهرز يوم الجيش إذ صالا
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن ترى لهم في الناس أمثالا
غر جحاجحة بيض مرازبه ... أسد تربب في الغيضات أشبالا
يرمون عن شدف كأنها غبط ... في زمخر يعجل المرمي إعجالا
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... ضحى شريدهم في الأرض فلالا
فاشرب هنيئا عليك التاج متكئا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا
وأطل بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا١
وقد نسبها لوالد أمية.
وقد ذكر "ابن هشام"، أن "ابن إسحاق" نسب هذه القصيدة لأبي الصلت بن أبي ربيعة، ويروي أنها لامية. وقد رواها على هذا النحو:
ليطلب الوتر أمثال بن ذي يزن ... ريم في البحر للأعداء أحوالا
يمم قيصر لما حان رحلته ... فلم يجد عنده بعض الذي سالا
ثم انثنى نحو كسرى بعد عاشرة ... من السنين يهين النفس والمالا
حتى أتى ببني الأحرار يحملهم ... إنك عمري لقد أسرعت قلقالا
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن أرى لهم في الناس أمثالا
بيضا مرازبة غلبا أساورة ... أسدا تربب في الغيضات أشبالا
يرمون عن شدف كأنها غبط ... بزمجر يعجل المرمي إعجالا
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم في الأرض فلالا
فاشرب هينئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا
واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
стр. 6658
وقد ذكر "ابن هشام" أن "هذا ما صح له مما روى ابن إسحاق منها، إلا آخرها بيتا: تلك المكارم لا قعبان من لبن. فإنه للنابغة الجعدي"١.
وأثر الوضع على بعض شعر أمية واضح ظاهر لا يحتاج إلى دليل، وهو وضع يثبت أن صاحبه لم يكن يتقن صنعة الوضع جيدا، ولا له إلمام بأمور التأريخ، فالقصيدة التي مطلعها:
لك الحمد والمن رب العبا ... د أنت المليك وأنت الحكم
هي قصيدة إسلامية، لا يمكن أبدا أن تكون من نظم شاعر لم يؤمن بالإسلام إيمانا عميقا من كل قلبه ولسانه. خذ هذا البيت منها مثلا:
محمد أرسله بالهدى ... فعاش غنيا ولم يهتضم
ثم خذ الأبيات التالية له وفيها:
عطاء من الله أعطيته ... وخص به الله أهل الحرم
وقد علموا أنه خيرهم ... وفي بيتهم ذي الندى والكرم
يعيبون ما قال لما دعا ... وقد فرج الله إحدى البهم
به وهو يعدو بصدق الحديـ ... ـث إلى الله من قبل زيغ القدم
أطيعوا الرسول عباد الإلـ ... ـه تنجون من شر يوم ألم
تنجون من ظلمات العذاب ... ومن حر نار على من ظلم
دعاني النبي به خاتم ... فمن لم يجبه أسر الندم
نبي هدى صادق طيب ... رحيم رءوف بوصل الرحم
به ختم الله من قبله ... ومن بعده من نبي ختم
يموت كما مات من قد قضى ... يرد إلى الله باري النسم
مع الأنبياء في جنان الخلود ... هم أهلها غير حل القسم
وقدس فينا بحب الصلاة ... جميعا وعلّم خط القلم
كتابا من الله نقرأ به ... فمن يعتريه فقدما أنم٢
стр. 6659
اقرأ هذه المنظومة، ثم احكم على صاحبها، هل تستطيع أن تقول إنه كان شاعرا مغاضبا للرسول، وأنه مات كافرا، وأن صاحبها رثى كفار قريش في معركة بدر، وأنه قال ما قال في الإسلام وفي الرسول؟ اللهم، لا يمكن أن يقال ذلك أبدا، فصاحب هذا النظم رجل مؤمن عميق الإيمان، هو واعظ ومبشر يخطب قومه فيدعوهم إلى الإسلام وإلى طاعة الله والرسول. إنه مؤمن قلبا ولسانا، مع أنهم يذكرون أن الرسول قال فيه: "آمن شعره وكفر قلبه"، أو "آمن لسانه وكفر قلبه"، ولم يقصد الرسول إيمان أمية بالله وبرسوله، وإنما إيمان لسانه وشعره بالله، وكفره برسوله، إذ لم يؤمن به، فمات على كفره وعنده وبغضه للرسول، ثم إن صاحب المنظومة رجل يتحدث عن وفاة الرسول، ويريد تثبيت الناس على الإيمان به بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، فظهر من تزلزل إيمانه بسبب وفاته، مع أن أمية، كان قد توفي في السنة التاسعة من الهجرة، أي قبل وفاة الرسول، فهل يعقل أن يكون إذن هو صاحبها وناظمها١؟
أليست هذه المنظومة وأمثالها إذن دليلا على وجود أيدٍ لصناع الشعر ومنتجيه في شعر أمية. نحمد الله على أن صناعها لم يتقنوا صنعتها، ففضحوا أنفسهم بها، ودلواعلى مقاتل النظم.
وروي أن بعض الرواة نسبوا إلى أمية بيتا في قصيدة هو:
الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلما
وفي القصيدة ضروب من التوحيد والإقرار بالبعث والجزاء والجنة والنار غير أن العارفين بالشعر ينكرون أن تكون لأمية، وإنما نسبوها إلى النابغة الجعدي، وذكروا أن هذا البيت هو من شعر النابغة الذي كان يتأله في الجاهلية وأنكر الخمر وهجر الأزلام واجتنب الأوثان، وذكر دين إبراهيم٢.
ثم خذ قصيدة أخرى من القصائد المنسوبة لأمية، وهي في وصف الجنة والنار استهلت بهذا البيت:
стр. 6660
جهنم لا تبقي بغيا ... وعدن لا يطالعها رجيم
ثم استمر في قراءتها، وفي ما جاء فيها من وصف للجنة والنار، ثم أنعم النظر في عبارات هذه الأبيات:
فذا عسل وذا لبن وخمر ... وقمح في منابته صريم
ونخل ساقط الأكتاف عد ... خلال أصوله رطب قميم
وتفاح ورمان وموز ... وماء بارد عذب سليم
وفيها لحم ساهرة وبحر ... وما فاهوا به لهم مقيم
وحور لا يرين الشمس فيها ... على صور الدُّمى فيها سهوم
نواعم في الأرائك قاصرات ... فهن عقائل وهم قروم
على سرر ترى متقابلات ... ألا ثم النضارة والنعيم
عليهم سندس وجياد ريط ... وديباج يرى فيها قتوم
وحلوا من أساور من لجين ... ومن ذهب وعسجد كريم
ولا لغو ولا تأثيم فيها ... ولا غول ولا فيها مليم
وكأس لا تصدع شاربيها ... يلذ بحسن رؤيتها النديم
تصفق في صحاف من لجين ... ومن ذهب مباركة رذوم١
ثم احكم بعد ذلك على صاحب هذه الأبيات. لقد حاول ناظمها إدخال بعض الكلمات الجاهلية فيها، لإلباسها ثوبا جاهليا، ولإظهارها بمظهر الشعر الجاهلي الأصيل، ولكنه لم يتمكن من ذلك، بل صيرها في الواقع نظما لوصف الجنة والنار في الإسلام. وما بي حاجة إلى أن أحيلك على الآيات التي أخذ منها صاحب هذا الشعر وصفه من القرآن.
ومن الغريب أن بعض الباحثين اتخذ هذا النظم وأمثاله حجة لتبيان عقائد الجاهليين، فذكر مثلا أن العرب في جاهليتها كانت تؤمن بالجزاء، وأن منهم
стр. 6661
من نظر في الكتب وكان مُقرًّا بالجنة والنار. وحجته في ذلك هذه المنظومة المنسوبة إلى أمية، مع أنها من الشعر المزيف المصنوع!
ثم خذ قصيدته في "عيسى بن مريم" وحمل أمه به١، وسائر قصائده الأخرى، تجد عليها هذه المسحة الإسلامية بارزة ظاهرة، ومن الممكن إدراك هذا المصنوع المزيف بدراسة ألفاظه وأسلوبه وأفكاره، وبهذه الطريقة نتمكن من استخلاص الأصيل من شعره من الهجين.
ولأمية شعر في الموت، حيث يقول:
من لم يمت عبطة يمت هرما ... وللموت كأس والمرء ذائقها٢
ويروى له قوله في الله:
وأشهد أن الله لا شيء فوقه ... عليًّا وأمسى ذكره متعاليا٣
وزعم أن أمية، قال عند موته:
إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك إلا ألما
وقد تمثل به النبي وصار من جملة الأحاديث. قالوا في ذلك: يجوز إنشاد الشعر للنبي، وإنما المحرم إنشاؤه. وقد زعم أن البيت لأبي خراش الهذلي، وذكر أنه لا يعرف قائله ولا بقيته، وقد أخذه أبو خراش وضمه إلى بيت آخر، وكان يقولهما، وهو يسعى بين الصفا والمروة٤.
ومن شعر أمية قوله:
زعم ابن جدعان بن ... عمرو أنني يوما مدابر
ومسافر سفرا بعيدا ... لايئوب له مسافر٥
стр. 6662
ومن ولد "أمية بن أبي الصلت": عمرو، وربيعة، ووهب، والقاسم. وكان ربيعة والقاسم شاعرين١. وذكر أنه نظم شعرا رد به على أبيه في انتسابه، منها:
وإنا معشر من جذم قيس ... فنسبتنا ونسبتهم سواء٢
وهو القائل:
وإن يك حيا من إياد فإننا ... وقيسا سواء ما بقينا وما بقوا
ونحن خيار الناس طرا بطانة ... لقيس وهم خير لنا إن هم بقوا٣
ولا نعرف من أمر "القاسم بن أمية بن أبي الصلت" شيئا يذكر. وقد أورد له "المرزباني" شعرا في مدح "بني دهمان"٤. وذكر أنه رثى "عثمان بن عفان" في قصيدة منها:
لعمري لبئس الذبح ضحيتم به ... خلاف رسول الله يوم الأضاحي
فطيبوا نفوسا بالقصاص فإنه ... سيسعى به الرحمن سعي نجاح٥
وأورد له "ابن قتيبة" أربعة أبيات مطلعها:
قوم إذا نزل الغريب بدارهم ... تركوه رب صواهل وقيان٦
ورويت له مرثية في عثمان بن عفان منها:
لعمري لبئس الذبح ضحيتم به ... خلاف رسول الله يوم الأضاحي
فطيبوا نفوسا بالقصاص فإنه ... سيسعى به الرحمن سعي نجاح٧
стр. 6663
وله موعظة في أسلوب يشبه أسلوب الأعشى بن ربيعة، نشرها "كاير" في ديوان الأعشى١.
ومن شعراء ثقيف "عوف بن عامر بن حسان بن مالك بن حطائط بن جشم بن ثقيف" الكاهن، وكان جاهليا كاهنا شاعرا٢، و "كنانة بن عبد يا ليل بن سالم بن مالك بن حطائط بن جشم بن ثقيف"، وكان يمدح النعمان بن المنذر٣. و "كنانة بن عبد يا ليل بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غِيَرة بن عوف بن ثقيف"، وهو شاعر ذكره "ابن سلام"٤.
ومسعود بن معتب بن مالك الثقفي من شعراء ثقيف، وهو جاهلي. وابنه عروة بن مسعود، الذي دعا قومه إلى الإسلام، فقتلوه. وكان "مسعود" غنيا، وكان يخشى عليها من أن تباع إلى قريش بعد وفاته، وكانت قريش تشتري الأرض والأموال بالطائف، فخشي أن يبيع ورثته ملكه لقريش٥.
و"أبو محجن الثقفي" واسمه مالك، وقيل عبد الله بن حبيب بن عمرو بن عمير بن عوف، وقيل اسمه كنيته، هو من الشعراء المطبوعين، وكان كريما منهمكا في الشراب لا يكاد يقلع عنه، أسلم مع ثقيف. جلده "عمر" مرات ثم نفاه إلى جزيرة، وبعث معه رجلا فهرب منه ولحق بسعد بن أبي وقاص، يوم القادسية فكتب عمر إلى "سعد" أن يحبسه فحبسه. فأرسل إلى امرأة سعد من يقول لها: أطلقيني ولك علي إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، وإن قتلت استرحتم مني. فأطلقته، فوثب على فرس لسعد، ثم أخذ رمحا ثم خرج يهاجم الفرس، فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم، وجعل الناس يقولون هذا ملك، لما يرونه يصنع، فلما هزم الفرس، رجع فوضع رجله في القيد، وترك الخمر قائلا: قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها، فأما الآن
стр. 6664
لا والله لا أشربها أبدا١
ومن شعره:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
أباكرها عند الشروق وتارة ... يعاجلني عند المساء غبوقها
وللكأس والصهباء حق معظم ... فمن حقها أن لا تضاع حقوقها
وحدث من رأى قبر "أبي محجن" أنه نبتت عليه ثلاثة أصول كرم وقد طالت وأثمرت وهي معرشة على قبره. ولكنهم عندما تحدثوا عن موضع قبره، اختلفوا فيه، فقال بعض منهم إنه في نواحي أذربيجان، وقال قوم بجرجان٢.
ويظهر أنهم اختلقوا قصة ظهور الكرم على قبره من الشعر المتقدم.
ذكر بعض الرواة أن "أبا محجن" هوي امرأة من الأنصار، يقال لها "شموس" فحاول النظر إليها، فلم يقدر، فآجر نفسه من بناء يبني بيتا بجانب منزلها فأشرف عليها من كوة فأنشد:
ولقد نظرت إلى الشموس ودونها ... حرج من الرحمن غير قليل
فاستعدى زوجها عمر فنفاه، وبعث معه رجلا يقال له أبو جهراء، فلما رأى "أبو جهراء" من أبي محجن سيفا هرب منه إلى عمر، فكتب "عمر" إلى "سعد" يأمره بسجنه فسجنه٣.
وذكر "بروكلمان" أن "أبا محجن" لم يزل يشرب الخمر حتى نفاه "عمر" إلى "باصع"، وهي مدينة "مصوع" على ساحل الحبشة. وتوفي بها بعد مدة.
стр. 6665
وجيزة١. وهو خبر غريب، يخالفه كل من تعرض لأمر هذا الشاعر. فقد ذكروا جميعا أنه ترك الخمر منذ يوم "القادسية" ولم يعد إليها، ولم يذكر أحد أنه عاد إليها، حتى نفترض أنه عاد بعد ذلك إلى المدينة وعاد إليها فنفاه، وقصة نفيه إلى جزيرة في البحر، ترد قبل ذهابه إلى العراق، بعد أن فر منه حارسه، وكان قد أحس أنه يريد قتله، فأمر "عمر" سعدا عندئذ بحبسه فحبس، ثم خرج فقاتل، فلما انتصر المسلمون، رجع إلى محبسه، ففك "سعد" قيوده وأطلقه.
وقد جمع شعر "أبي محجن" في ديوان طُبع، كما نجد له قطعا من أشعاره في مختلف كتب الأدب ومن تعرض لسيرته من رجال الأخبار٢.
وكان "غيلان بن سلمة" من الأشراف، ذكر "الجمحي"، أنه كان قسم ماله كله بين ولده وطلق نساءه، فنهاه "عمر" عن ذلك، ففعل بما أمر به٣.
стр. 6666
الفصل الخامس والستون بعد المائة: الشعراء اليهود
لا نعرف نصا جاهليا جاء فيه خبر عن شعر يهودي، وعن شاعر يهودي عاش في بلاد العرب. وكل ما ورد إلينا عن شعر يهود، مستقى من الموارد الإسلامية حسب. وكذلك لا نعرف مصدرا عبرانيا أو غير عبراني، تعرض الأمر شعر اليهود في جزيرة العرب. ولهذا فحديثي عن شعر يهود في أيام الجاهلية مستمد من الموارد الإسلامية وحدها.
ومن يلقِ نظرة على أشعار اليهود لا يجد فيها أي أثر لليهودية، ولا أية مصطلحات تشعر أن صاحبها يهودي. فلا نجد فيها شيئا من قصص التوراة أو التلمود أو المشنا أو "الكمارة" أو أي شيء له صلة بعقيدة يهودية. مع أننا قد وجدنا شيئا من قصص العهد القديم في شعر "أمية بن أبي الصلت"، وهو غير يهودي. فهل يعني هذا أن شعراء اليهود لم يكن لهم ميل إلى التحدث في أمور الدين، والنظر في أحكام الشريعة، وفي التفكير في خلق السماوات والأرض والإنسان وفي الموت والفناء، أو أنهم كانوا في جهل بها، وكان أمرها عندهم إلى رجال دينهم، هم يبحثون فيها، ولهذا لم يحملوا أنفسهم مشقة التعرض لها والبحث فيها، أو أنهم كانوا قد تطرقوا فعلا إلى هذه الأمور، وجاءوا في شعرهم بأشياء مما يختص بدينهم ويميزهم عن غيرهم، وتطرقوا إلى عاداتهم وأشادوا بذكر أنبيائهم، غير أن الرواة المسلمين لم يحفلوا بشعرهم لأنه شعر يهودي،
стр. 6667
فضاع، كما ضاع شعر الوثنيين إذ لم يرو منه القليل١.
وقد ذهب "ولفنسون" إلى أن السبب في قلة ما وصل إلينا من شعر اليهود في الجاهلية ومن أسماء شعرائهم، إنما يرجع إلى ضعف إقبال اليهود على اعتناق الإسلام. والذي حافظ على القليل الذي وصل إلينا هم اليهود الذين اعتنقوا الإسلام، ومن تناسل منهم تخليدا لما كان لأجدادهم من مجد أثيل وشرف عظيم. ولو لم يسلم بعض الأفراد من ذرية السموأل، لكان من الجائز عدم وصول أي شيء من شعره إلينا٢.
وذهب "الدكتور طه حسين" إلى أن اليهود قالوا كثيرا من الشعر في الدين وهجاء العرب، وأنهم انتحلوا وصنعوا شعرا لإثبات وجود لهم في الشعر، فنسبوه إلى شعراء يهود، ولكن الرواة العرب لم يحفلوا به فضاع٣.
وقد أدخل "كارلو نالينو" الشعراء اليهود مع الشعراء الوثنيين، وجعلهم في الصنف الأول من أصناف طبقات الشعراء على حسب تصنيفه لهم إلى أربع طبقات وقال: "لا تستغربوا عدم الفرق بين الوثنيين واليهود من أهل البادية ووجوده بين الوثنيين والنصارى من أهل الحضر، لأنكم إذا اطلعتم على ما وصل إلينا من أشعار اليهود قبل الإسلام ما ألفيتم فيها شيئا أو عبارة يميزها عن سائر أهل البادية. فمن طالع مثلا أبيات "السموأل بن عادياء" "مع قطع النظر عن قصيدة واضحة التزوير منسوبة إليه لم تعرف ولم تطبع إلا حديثا" لما توهم أن صاحبها تابع لدين اليهود. والأمر كذلك أيضا في سائر أشعار يهود جزيرة العرب مثل شعبة بن غريض، والربيع بن أبي الحقيق وغيرهما التي اعتنى بجمعها "نولدكه" و "فرانز دلتش" ليس من المستحيل أن ما فقد من أشعارهم "وهو كثير بالإضافة إلى ما حفظ"، قد حوى أشياء مما يختص بدينهم وليس من المحال أيضا أن الرواة المسلمين امتنعواعن نقلها لهذا السبب، ولكن لايجوز لنا الحكم إلا في الموجود المعروف الذي لا يختلف عن شعر أهل البادية الوثنيين لا لغة ولا أسلوبا ولا مأخذا، كأن دينهم لم يؤثر في شعرهم البتة٤.
стр. 6668
ولكنني أجد من مطالعتي لشعرهم نفسا يختلف عن النفس الذي نجده في شعر شعراء البادية، ذلك هو ميل هذا الشعر إلى التحدث عن المثل الأخلاقية، كالإنصاف والحكم بالعدل، والحلم، والصداقة، واحترام حق الصديق، والاتعاظ بالموت وبحوادث الدهر، وبوجوب الوفاء، خذ الأبيات المنسوبة إلى "الربيع بن أبي الحقيق"، وهي:
سائل بنا خابر أكمائنا ... والعلم قد يُلقى لدى السائل
لسنا إذا جارت دواعي الهوى ... واستمع المنصت للقائل
واعتلج القوم بألبابهم ... بقائل الجود ولا الفاعل
إنا إذا نحكم في ديننا ... نرضى بحكى العادل الفاصل
لا نجعل الباطل حقا ولا ... نلط دون الحق بالباطل
نخاف أن تسفه أحلامنا ... فنخمل الدهر مع الخامل١
ففيها إشارة إلى دين يأمر بالعدل والإنصاف، وبعدم مزج الباطل بالحق، ينهى عن الظلم ويأمر بالحق وفيها -إن صح بالطبع أنها من شعرهم- منطق واستماع إلى صوت متظلم، يعمد إلى رفع شكواه إلى المنصفين لإنصافه، فينصف، فأخذ الحق هنا هو بحكم الدين وقواعد العدالة لا بالسيف وبحكم العصبية والأخذ بالثأر، ونجد مثل ذلك في بقية شعرهم، وتحمل هذه الظاهرة المرء على التفكير في سبب ظهور هذا النوع من الشعر، وهل هو شعر جاهلي يهودي أصيل، أم أنه شعر مصنوع، وضع عليهم في الإسلام، لمآرب مختلفة، مثل المأرب الذي حمل الرواة على نسبة القصيدة المشهورة:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
إلى السموأل، وكذلك بعض الأشعار الأخرى!
وقد ذكر "ابن سلام" أسماء فحول شعراء يهود، فجعلهم: السموأل بن الغريض بن عادياء، والربيع بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وشُرَيح بن عمران، وشُعية بن غريض، وأبو قيس بن رفاعة، وأبو الذيّال، ودرهم
стр. 6669
ابن زيد١. وأضاف غيره إليهم: أوس بن دنى، وسماك، والغريض بن السموأل٢ و "سلام بن مشكم" و "كنانة بن أبي الحقيق"٣.
والسموأل، هو أشهر شاعر يهودي. وهو على ما يقوله لنا الأخباريون يهودي ثري شاعر، عرف بـ "السموأل بن عاديا"، وبـ "السموأل بن عادياء" الأزدي، وبـ "السموأل بن غريض بن عاديا "عادياء" اليهودي"٤، وبـ "السموأل بن حيان بن عادياء"٥، وبـ "السموأل بن عادياء بن حيا"٦، وبـ السموأل بن حيا بن عادياء بن رفاعة بن الحارث بن ثعلبة بن كعب"٧، وبـ "السموأل بن أوفى بن عادياء"٨، و "السموأل بن أوفى بن عادياء بن رفاعة بن جفنة"، وبـ "السموأل بن غريض بن عاديا بن حباء". واختلفوا في نسب "عادياء" "عاديا"، فقالوا: "عادياء بن حباء"، وقالوا: "عادياء بن رفاعة بن جفنة"، وقالوا: إنه من ولد "الكاهن بن هارون بن عمران"٩، وقالوا إنه من "بني غسان"، ونسبه "دارم بن عقال"، إلى "رفاعة بن كعب بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء". وهو نسب أنكره "أبو الفرج الأصبهاني" حيث قال: "وهذا عندي محال، لأن الأعشى أدرك شريح بن السموأل، وأدرك الإسلام، وعمرو مزيقيا قديم لا يجوز أن يكون بينه وبين السموأل ثلاثة آباء ولا عشرة ولا أكثر ... وقد قيل إن أمه كانت من غسان"١٠. ونسب السموأل أيضا إلى الأزد ١١. وذكر "ابن دريد" أن السموأل
стр. 6670
من "بني غسان"، ولكنه ذكر أيضا أنه كان يهوديا١، ونسبه "محمد بن حبيب" إلى غسان كذلك، ولم يشر إلى تهوده٢. وقد جعل "ابن قتيبة" السموأل ملكا على تيماء٣.
والسموأل جد "صفية بن حيي بن أخطب" لأمها. وهي يهودية، وقد تزوجها الرسول٤. وقد نسبها "ابن عبد البر" على هذه الصورة: صفية بن حيي بن أخطب بن سعنة بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضير بن النحام بن تخوم من بني إسرائيل من سبط هارون بن عمران. وأمها "برة بنت سموأل"٥. وكانت عند "سلام بن مشكم"، وكان شاعرا، ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق، وهو شاعر، فقتل يوم خيبر، وتزوجها رسول الله، في سنة سبع من الهجرة.
وقد اشتهر السموأل بالوفاء، أكثر من اشتهاره بالشعر، ولا زال العرب يتبجحون بوفائه ويضربون به المثل في الوفاء. واشتهر بقصره الذي ضرب به المثل بالضخامة والجسامة، وهو "الأبقل" بـ "تيماء"، أو على مقربة منها. حتى زعم أهل الأخبار أنه من أبنية "سليمان بن داود" بناه بتيماء، واستشهدوا على صحة دعواهم ببيت شعر زعموا أنه من شعر الأعشى، هو:
ولا عاديا لم يمنع الموت ماله ... وورد بتيماء اليهودي أبلق
بناه سليمان بن داود حقبة ... له أزج حم وطي موثق٦
لكنهم يذكرون أيضا أنه من بناء "عاديا" والد السموأل، ويستشهدون على صحة روايتهم بشعر ذكروا أنه للسموأل نفسه، يقول فيه:
стр. 6671
بنى لي عاديا حصنا حصينا ... وعينا كلما شئت استقيت
وأطما تزلق العقبان عنه ... إذا ما ضامني أمر أبيت١
وقد زعموا أنه عرف بـ "الأبلق الفرد". أخذوا ذلك من شعر نسبوه إلى السموأل، هو:
هو الأبلق الفرد الذي سار ذكره ... يعز على من رامه ويطول٢
وذكروا أنه إنما عرف بالأبلق، لأنه كان في بنائه بياض وحمرة، وقيل لأنه بني من حجارة مختلفة الألوان٣. وقد ذكر في شعر الأعشى:
وحصن بتيماء اليهودي أبلق٤
وفي شعر آخر له أيضا هو:
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير ختار٥
وزعم أهل الأخبار، أن الزباء "ملكة الجزيرة" قصدته فعجزت عنه وعن مارد، فقالت: "تمرد مارد وعز الأبلق"، فسيرته مثلا٦. ولا أستبعد كون حصن السموأل من الحصون أو القصور القديمة التي كانت بتيماء. ورثه "السموأل" من آبائه وأجداده، فقد كان البابليون قد بنوا بها قصورا وحصونا، لما اتخذت عاصمة لهم، وسكنها ملكهم، ثم إنها كانت من المدن القديمة العامرة، وقد كانت الأسر الكبيرة الغنية تبني القصور الفخمة في المدن للتحصن بها من الغزو ومن غارات الأعداء عليها، كما كانت الحكومات، ولا سيما حكومات المدن تقيم الحصون القوية المنيعة في المدن، للدفاع عنها، ولتكون مقرا للحكام، وتشاهد إلى اليوم آثار القصور والأبنية الضخمة التي كانت في تيماء. ومما يؤيد
стр. 6672
رأيي في أن قصر "السموأل"، أي حصنه من الحصون القديمة هو ما ورد في شعر "الأعشى" من أنه من أبنية "سليمان" ومن ورود لفظة "عاديا" في شعر الأعشى كذلك، وفي شعر السموأل:
بنى لي عاديا حصنا حصينا ... وعينا كلما شئت استقيت
ولفظة "عاديا"، وإن صيرت اسم علم لرجل، لكني أعتقد أنها ليست علما، وإنما تعني القدم، فالعادي عند العرب القديم جدا، ولو كان "عاديا" جد "السموأل"، فكيف نوفق بين الشعر المذكور المنسوب إلى الأعشى الذي يزعم أنه من أبنية سليمان، ثم قولهم إن "عاديا" من أجداد السموأل، ثم قولهم إنه من الحصون القديمة، وأنه تعزز على "الزباء" لما أرادت فتحه، في الأسطورة التي يرويها أهل الأخبار، والتي تدل على قدم الحصن. ولكن ليس من المستبعد أن يكون أحد أجداد السموأل، قد جدد في بنائه ورممه لإصلاح ما أفسده الزمان منه، وأما الحصن نفسه فربما كان من بقايا أبنية البابليين بتيماء، فقد كانت "تيماء" معروفة في أيام "البابليين"، وموجودة في أيامهم، بدليل أن "نبونيد" ملك بابل جاء إليها فاتخذها أمدا عاصمة له.
وقصة وفاء السموأل قصة مشهورة، وقد تحدثت عنها، وذكر أن السموأل لما أبى دفع الدروع إلى الملك، وشاهد منظر ذبح ابنه، قال في ذلك:
وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوام وفيت
وقالوا عنده كنز رغيب ... فلا وأبيك أغدر ما مشيت
بنى لي عاديا حصنا حصينا ...
وبئرا كلما شئت استقيت١
وتعد قصيدة السموأل التي مطلعها:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
من أجمل القصائد السلسة المنظومة في الوفاء وفي الفخر. وقد سجلت ثمانية أبيات منها في الكتاب المسمى: "تأريخ ملوك العرب الأولية من بني هود وغيرهم"
стр. 6673
المنسوب لـ "أبي سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي"، رواية "أبي يوسف يعقوب بن السكيت". وقد تم استنساخا في عاشر شوال سنة ثلاث وأربعين ومائتين١. وهو كتاب لم يشر "ابن النديم" إليه، لا في أثناء حديثه عن "الأصمعي" ولا في أثناء كلامه على "ابن السكيت".
وأول هذه الأبيات المدونة فيه:
تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل٢
وقد اختلف العلماء في قائل القصيدة، فمنهم من نسبها إلى السموأل، ومنهم من نسبها لابنه "شريح"٣، ومنهم من جعلها لدكين٤، ومنهم من نسبها لعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي٥، ومنهم من جعلها للجلاح الحارثي٦. ورجح "بروكلمان" نسبتها لعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي، وهو شاعر إسلامي٧. ويقول "التبريزي" في شرحه للبيت:
فإن بني الديان قطب لقومهم ... تدور رحاهم حولهم وتجول
وهو من أبيات هذه القصيدة، يذكر أنه لعبد الله الحارثي لا للسموأل٨.
ويلاحظ أن "أبا الفرج الأصبهاني"، قد نسب القصيدة المذكورة للسموأل ثم نسبها إلى "شريح"، الذي هو ابن السموأل في موضع آخر، ثم نسبها إلى
стр. 6674
"دكين العذري" في موضع ثالث١، مما يدل على أنه أخذ من مصادر مختلفة، اختلفت فيما بينها في نسبة القصيدة إلى صاحبها٢. كما نجد الرواة يختلفون فيما بينهم في ترتيب أبيات القصيدة، فمنهم من يقدم فيها، ومنهم من يؤخر، ويبعث هذا الاختلاف الريبة في صحة نسبة القصيدة إلى السموأل٣.
ولما تحدث "ابن قتيبة" عن الشاعر "دكين بن رجاء" من بني فُقيم الراجز، وهو من شعراء العصر الأموي، ومن المتصلين بـ "عمر بن عبد العزيز"، قال عنه: إنه هو القائل:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يضرع عن اللؤم نفسه ... فليس إلى حسن الثناء سبيل٤
ويرى "ونكلر" أن قصة الوفاء هذه هي أسطورة استمدت مادتها من أسفار "صموئيل الأول" في التوراة، ومن الأساطير العربية القديمة نظمت على هذه الصورة فجعل بطلها شخصين هما: "السموأل"، و "امرؤ القيس"٥.
وإذا تتبعنا الروايات الواردة في قصة وفاء السموأل، وذبح ابنه، وامتناعه عن تأدية الأمانة المودعة لديه، إلا لأصحابها الشرعيين، نجد أنها ترجع إلى موردين رئيسين: قصة "دارم بن عقال" وشعر الأعشى.
وذكر "ابن سلام"، أن للسموأل "كلمة له طويلة"، يقول فيها:
إن حلمي إذا تغيب عني ... فاعلمي أنني عظيما رزيت٦
وقد وردت في الأصمعيات٧، وهي تتحدث عن نشأة الإنسان وحياته وبعثه بعد
стр. 6675
موته، ويظن أنها مصنوعة١. وفي جملة ما قاله:
ميتا خلقت ولم أكن من قبلها ... شيئا يموت فمت حين حييت٢
وقد طبع الأب "لويس شيخو" ديوان السموأل برواية "نفطويه" "٣٢٣هـ"، وقد ترجم "ابن النديم" نفطويه، وذكر أسماء كتبه، ولكنه لم يذكر من بينها اسم هذا الديوان٣، وترجمه غيره، ولم ينسب له هذا الديوان٤. ويرى "بروكلمان" احتمال كون الشعر المرقم "١-٦" من الديوان من الشعر الأصيل، أي من شعر السموأل، أما الشعر الباقي المنشور في الديوان، فهو لشعراء يهود متأخرين٥. ويرى غيره أصالة قصيدتين فقط من شعر هذا الديوان. وذكر بعضهم أن القصيدة رقم "٧" ليست للسموأل، وإنما لأحد يهود المدينة٦.
وقد تحدث المستشرقون عن شعر "السموأل" ولهم فيه كلام، فمنهم من يؤيد أصالة أكثره، ومنهم من لا يعترف إلا بأصالة القليل منه٧. والواقع أن موضوع وجود "السموأل" نفسه قضية فيها نظر، ولا أستبعد أن تكون هذه القصة من وضع "دارم بن عقال"، وهو من ولد "السموأل"، أو من وضع أناس آخرين رووا عنه. و "دارم" هو راوي خبر قصة الوفاء، والأشعار المنسوبة إلى "امرئ القيس" المتعلقة بهذا الموضوع. وقد أشار إلى ذلك مؤلف كتاب "الأغاني" في أثناء كلامه على قصيدة نسبت إلى "امرئ القيس"، ابتداؤها:
طرقتك هند بعد طول تجنّب ... وهنا ولم تك قبل ذلك تطرق
стр. 6676
فقال: "وهي قصيدة طويلة، وأظنها منحولة، لأنها لا تشاكل كلام امرئ القيس، والتوليد فيها بين، وما دونها في ديوانه أحد من الثقات، وأحسبها مما صنعه دارم، لأنه من ولد السموأل، ومما صنعه من روي عنه من ذلك فلم تكتب هنا"١.
ويلاحظ أن في شعر الأعشى كثيرا من أخبار السموأل، ومن شعره أخذ الأخباريون "تيماء اليهودي"٢ و "الأبلق الفرد"، حيث يقول:
كن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كقريع الليل جرار
بالأبلق الفرد من تيماء منزلة ... حصن حصين وجار غير غدار
خيّره خطتي خسف فقال له ... مهما تقولن فإني سامع حار
فقال ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر فما فيها حظ لمختار
فشك غير طويل ثم قال له ... اقتل أسيرك إني مانع جاري٣
ومن ولد السموأل "شريح" و "الغريض بن السموأل"، وكانا شاعرين كذلك٤. و "برة" في رواية من جعلها ابنة للسموأل، ووالدة "صفية" زوج الرسول٥.
وللأعشى الشاعر الشهير شعر يرويه الرواة في مدح "الشريح بن السموأل" "شريح بن السموأل". وقد ورد في قصيدته الرائية اسم ولدين للسموأل، هما: "حوط" و "منذر"٦. ولم يذكر الأخباريون اسم الولد الذي زعم أن "الحارث بن أبي شمر"، أو "الحارث بن ظالم" قتله لرفض السموأل دفع أدرع الكندي إليه، على نحو ما يذكره الرواة في قصة الوفاء. ونجد مضمون هذه القصة في هذه القصيدة المذكورة للأعشى، الموجودة في ديوانه. وهي قصيدة تتألف من واحد وعشرين بيتا، يروي الرواة أنه قالها مستجيرا بـ "شريح بن
стр. 6677
السموأل" ليفكه من الأسر. وكان الأعشى على ما يقوله الرواة قد هجا رجلا من "كلب"، فظفر به الكلبي وأسره، وهو لا يعرفه، فنزل بشريح بن السموأل وأحسن ضيافته، ومر بالأسرى، فناداه الأعشى بهذه القصيدة، فجاء شريح إلى الكلبي، وتوسل إليه بأن يهبه، فوهبه إياه، فأطلقه. وقال له: أقم عندي حتى أكرمك وأحبوك، فقال له الأعشى: إن تمام إحسانك إلي أن تعطيني ناقة ناجية، وتخليني الساعة، فأعطاه ناقة ناجية، فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبي أن الذي وهبه لشريح هو الأعشى، فأرسل إلى شريح ابعث إلي الأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه، فقال: قد مضى، فأرسل الكلبي في أثره، فلم يلحقه"١.
وقد اختلف في اسم "شريح" الذي خلص "الأعشى" من الأسر، فقد ذكر أنه "شريح بن حصن بن عمران بن السموأل"، وذكر أنه "شريح بن عمرو الكلبي" لا كما دعاه بذلك "ابن قتيبة"٢.
وذكر "بروكلمان" اسم شاعر آخر من شعراء "آل عاديا"، هو الشاعر "سعيد بن الغريض" "سعيد بن غريض"، أخو السموأل. كما ذكر اسم "شعبة" حفيد السموأل٣. وقد ذهب "نولدكه" إلى أن "الغريض" لم يكن أخا للسموأل، بل ابنا له، وأن ما ذهب إليه "أبو الفرج الأصبهاني"، من أن "غريضا" كان أخا له، خطأ، لأن "شعبة"، كان قد اعتنق الإسلام وعاش إلى زمان الخليفة "معاوية"، أي إلى زمن بعيد عن "السموأل"، بل لا بد من أن يكون حفيدا له. أي أن الغريض كان ابنا للسموأل، وقد جعله يعيش في حوالي السنة "٦٠٠" للميلاد، وجعل أيام "السموأل" في حوالي السنة "٥٥٠" للميلاد٤.
стр. 6678
ونسبت لشعبة بن غريض بن السموأل قصيدة هي:
لباب يا أخت بني مالك ... لا تشتري العاجل بالآجل
لباب داويني ولا تقتلي ... قد فضل الشافي على القاتل
لباب هل عندك من نائل ... لعاشق ذي حاجة سائل
عللته منك بما لم ينل ... يا ربما عللت بالباطل
إن تسألي بن فاسألي خابرا ... فالعلم قد يكفي لدى السائل
ينبيك من كان بنا عالما ... عنا وما العالم كالجاهل
أنا إذا جارت دواعي الهوى ... وأنصت السامع للقائل
واعتلج القوم بألبابهم ... في المنطق الفاصل والقائل
لا نجعل الباطل حقا ولا ... نلطّ دون الحق بالباطل
نخاف أن تسفه أحلامنا ... فنخمل الدهر مع الخامل١
كما نسبت له أبيات أولها:
يا دار سعدى بمفضى تلعة النعم ... حييت دارا على الإقواء والقدم٢
ونسبوا له أبياتا في الخلان هي:
أرى الخلان لما قل مالي ... وأجحفت النوائب ودعوني
فلما أن غنيت وعاد مالي ... أراهم لا أبا لك راجعوني
وكان القوم خلانا لمالي ... وإخوانا لما خولت دوني
فلما مر مالي باعدوني ... ولما عاد مالي عاودوني٣
روى أهل الأخبار أن "شعبة بن غريض"، عاش فأدرك أيام معاوية، وأن معاوية لما حج رأى شخصا يصلي في المسجد الحرام عليه ثوبان أبيضان، فقال: من هذا؟ فقالوا: شعبة بن غريض، فأرسل إليه يدعوه، فأتاه رسوله، فقال: أجب أمير المؤمنين! قال: أو ليس قد مات! قيل فأجب معاوية. فأتاه فلم يسلم عليه بالخلافة. فقال له معاوية: ما فعلت بأرضك التي تكسي منها العاري
стр. 6679
ويرد فضلها على الجار؟ قال: باقية. قال: أتبيعها؟ قال: نعم. قال: بكم؟ قال: بستين ألف دينار ولولا خلة أصابت الحي لم أبعها. قال: لقد أغليت! قال: أما لو كانت لبعض أصحابك لأخذتها بستمائة ألف، ثم لم تبال. قال: أجل. قال: فإذا بخلت بأرضك فأنشدني شعر أبيك الذي يرثي به نفسه. قال: قال أبي:
يا ليت شعري حين أندب هالكا ... ماذا تؤبنني به أنواحي
أيقلن لا تبعد فرب كريهة ... فرجتها بشجاعة وسماح
لقد ضربت بفضل مالي حقه ... عند الشتاء وهبة الأرواح
ولقد أخذت الحق غير مخاصم ... ولقد رددت الحق غير ملاحي
وإذا دعيت لصعبة سهلتها ... أدعى بأفلح مرة ونجاح١
فقال: أنا كنت بهذا الشعر أولى من أبيك! قال: كذبت ولولا مت. قال: أما كذبت فنعم. وأما لولا مت فكيف ولِمَ؟ قال: لأنك أنت ميت الحق في الجاهلية وميته في الإسلام. أما في الجاهلية فقاتلت النبي ﷺ ، وكذبت الوحي حتى جعل الله تعالى كيدك المردود. وأما في الإسلام، فمنعت ولد النبي ﷺ الخلافة وما أنت وهي! وأنت طليق. فقال معاوية: قد خرف الشيخ فأقيموه. فأخذ بيده فأقيم٢.
وقد ذكر "ابن حجر" موجز هذه القصة، أخذه من "ابن أبي طيء" وقد رواها "عمر بن شبة" بسنده إلى "الهيثم بن عدي"، وذكر أن اسمه "سعنة بن عريض بن عاديا" التيماوي، نسبه لتيماء، وهو ابن أخي السموأل. ثم قال: "وحكى الخلاف في سعنة هل هو بالنون أو الياء؟ ووردت له أشعار في مجالس ثعلب، وروي أن من شعره قوله:
معتقة كانت قريش تعافها ... فلما استحلوا قتل عثمان حلت٣
وقد نسب "ابن نباتة" في شرحه لرسالة "ابن زيدون" القصيدة المذكورة
стр. 6680
للسموأل١. وأثبت "ابن سلام" الأبيات المذكورة في طبقاته، على أنها من شعر "شعبة بن غريض"٢.
و"شعبة" تصحيف "سيعة"، و "سيعة" من أسماء يهود٣.
وأشير في حماسة "البحتري" إلى رجل من هذه الأسرة دعي "عريض بن شعبة"، وذكرت له هذه الأبيات:
ليس يعطي القوي فضلا من الرز ... ق ولا يحرم الضعيف الخبيث
بل لكلٍّ من رزقه ما قضى الله ... ولو كد نفسه المستميت٤
ومن شعراء يهود "الربيع بن أبي الحقيق"، وهو من "بني قريظة" على ما جاء في كتاب الأغاني، غير أننا نجد "ابن هشام" صاحب السيرة، يذكر: "سلام بن أبي الحقيق"، وهو شقيق "الربيع"، و "كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق"، وهو أحد أبناء "الربيع" في جملة سادات "بني النضير". مما يدل على أن "الربيع بن أبي الحقيق" هو من "بني النضير". وقد قتل ابن أبي الحقيق بعد "الخندق"، وذلك أن "الأوس" لما أصابت "كعب بن الأشرف"، قالت الخزرج، والله لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا، فاستأذنوا النبي في قتل "ابن أبي الحقيق"، وهو بخيبر، فأذن لهم فقتلوه٦. وقد جعله "ابن سلام" من بني النضير، ونسب له أبياتا دونتها في أول هذا الفصل٧.
وذكر أن "الربيع بن أبي الحقيق" كان على رأس قومه يوم "بعاث" وذكر أنه كان قد التقى مع النابغة، وقد تسابقا في نظم أنصاف الأبيات٨
стр. 6681
ونسب إلى "الربيع بن أبي الحقيق" شعر، هو:
سئمت وأمسيت رهن الفرا ... ش من جرم قومي ومن مغرم
ومن سفه الرأي بعد النهى ... وعيب الرشاد ولم يفهم
فلو أن قومي أطاعوا الحليـ ... ـم لم يتعدوا ولم يظلم
ولكن قومي أطاعوا الغوا ... ة حتى تعكس أهل الدم
فأوى السفيه برأي الحليـ ... ـم وانتشر الأمر لم يبرم١
وقد نسب "المرزباني "هذا الشعر إلى "كنانة بن أبي الحقيق"٢، ومن بني النضير، وهو أخ الربيع.
ومن شعر الربيع قوله:
فلا تكثر النجوى وأنت محارب ... تؤامر فيها كل نكس مقصر
قاله يخاطب "أبا ياسر" النضيري، وهو أخو حيي بن أخطب، وكان من العلماء بالتوراة. وفيه وفي عبد الله بن صوريا، ووهب بن يهودا، نزل قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ ٣.
ومن الشعر المنسوب إليه قوله:
إذا مات منا سيد قام بعده ... له خلف يكفي السيادة بارع
من أبنائنا والعرق ينصر فرعه ... على أصله والعرق للفرع فارع
وقوله:
يرمي إليّ بأطراف الهوان وما ... كانت ركابي له مرحولة ذللا
أنا ابن عمك إن نابتك نائبة ... ولست منك إذا ما لعبك اعتدلا
стр. 6682
وقوله:
ترجو الغلام وقد أعياك والده ... وفي أرومته ما ينبت العود
وله أشعار أخرى في بني النجار١.
ولكعب بن الأشرف، وهو من سادة يهود الذين كانوا يحرضون قريشا وغيرهم على الرسول، أشعار في الحث على الانتقام من المسلمين لما أوقعوه بأهل مكة من قتل يوم بدر. ذكرت في سيرة "ابن هشام"٢. وله أشعار أخرى افتخر بها بأهله وبماله وبنخيله التي تخرج التمر كأمثال الأكف، جاء فيها:
رب خال لي لو أبصرته ... سبط المشية إباء أنف
لين الجانب في أقربه ... وعلى الأعداء كالسم الزعف
وكرام لم يشنهم حسب ... أهل عز وحفاظ وشرف
يبذلون المال فيما نابهم ... لحقوق تعتريهم وعرف
وليوث حين يشتد الوغى ... غير أنكاس ولا ميل كسف٣
ومن شعره في رثاء قتلى بدر قوله:
طحنت رحى بدر لمهلك أهله ... ولمثل بدر تستهل الأدمع
قتلت سراة الناس حول حياضهم ... لا تبعدوا إن الملوك تصرع٤
ويشك "ولفنسون" في صحة نسبة هذه الأبيات إلى "كعب" ويرى احتمال كونها من الشعر المحمول عليه٥.
стр. 6683
وقد رد على شعر "كعب" هذا حسان بن ثابت، وامرأة من المسلمين، قالت:
تحنن هذا العبد كل تحنن ... يبكي على قتلى وليس بناصب
بكت عين من بكى لبدر وأهله ... وعلت بمثليها لؤي بن غالب
إلى آخر الأبيات.
فأجابها كعب بن الأشرف بقوله:
ألا فازجروا منكم سفيها لتسلموا ... عن القول يأتي منه غير مقارب
أتشتمني أن كنت أبكي بعبرة ... لقوم أتاني ودهم غير كاذب
فإني لباك ما بقيت وذاكر ... مآثر قوم مجدهم بالجباجب١
ويقال إن والده من "طيء". أما أمه، فمن بني النضير، وأنه شبب بنساء النبي ونساء المسلمين، فأمر الرسول بقتله، فقتله محمد بن مسلمة ورهط معه من الأنصار. وله مناقضات وهجاء مع "حسان بن ثابت" وغيره في الأيام التي وقعت بين الأوس والخزرج٣.
ومن شعره الذي شبب فيه بأم الفضل بنت الحارث قوله:
أراحل أنت لم تحلل بمنقبة ... وتارك أنت أم الفضل بالحرم
صفراء رادعة لو تعصر انعصرت ... من ذي القوارير والحناء والكتم
يرتج ما بين كعبيها ومرفقها ... إذا تأتت قياما ثم لم تقم
أشباه أم حكيم إذ تواصلنا ... والحبل منها متين غير منجذم
إحدى بني عامل جن الفؤاد بها ... ولو تشاء شَفَتْ كعبا من السقم
فرع النساء وفرع القوم والدها ... أهل التحلة والإيفاء بالذمم
لم أرَ شمسا بليل قبلها طلعت ... حتى تجلت لنا في ليلة الظلم٤
стр. 6684
ونسب له شعر في مدح "الحارث بن هشام"، هو:
نبئت أن الحارث بن هشام ... في الناس يبني المكرمات ويجمع
ليزور أثرب بالجموع وإنما ... يبني على الحسب القديم الأرفع١
ومن شعراء يهود "أوس بن دنى" القرظي. وذكر أن زوجته اعتنقت الإسلام في حياة الرسول، وطلبت منه اعتناقه كذلك، فقال:
دعتني إلى الإسلام يوم لقيتها ... فقلت لها لا بل تعالي تهودي
فنحن على توراة موسى ودينه ... ونعم لعمر الدين دين محمد
كلانا يرى أن الرشادة دينه ... ومن يهد أبواب المراشد يرشد٢
وله أبيات أخرى ذكرها "نولدكه" في أثناء حديثه عن الشعراء اليهود٣.
ولا نعرف من أمر "شريح بن عمران" شيئا يذكر، وقد روى له "ابن سلام" أربعة أبيات في المؤاخاة والصداقة، والبخل والمال٤. وروى "نولدكه" له بيتين من قافية أخرى في الصداقة والصديق وحفظ العهد، هما:
آخ الكرام إذا وجد ... ت إلى إخائهم سبيلا
واشرب بكأسهم وإن ... تشرب به السم الثميلا٥
وروى له قوله:
بجلي منك إذا ما خنتني ... ليس لي في وصل خوان إرب
لا أحب المرء إلا حافظا ... ربقة العهد على كل سبب٦
стр. 6685
وروى "ابن سلام" أبياتا من قصيدة تنسب إلى "أبي قيس بن رفاعة"١، قال "البكري": اسمه دينار، وقيل إنه: "أبا قيس بن رفاعة" الأنصاري، فهو ليس من يهود. ومن شعره:
منا الذي هو ما إن طر شاربه ... والعانسون ومنا المرد والمشيب
ونسب لأبي قيس بن الأسلت الأوسي٢.
وروى "ابن سلام" قصيدة على قافية الدال مطلعها:
هل تعرف الدار خف ساكنها ... بالحجر فالمستوى إلى الثمد
دار لبهنانة خدلجة ... تبسم عن مثل بارد البرد
ذكر أنها لأبي الذيّال٣. وأورد "البكري": له هذه الأبيات:
لم تر مثل يوم رأيته ... برعبل ما احمر الأراك وأثمرا
وأيامنا بالكبس قد كان طولها ... قصيرا وأيام برعبل أقصرا
فلم أر من آل السموأل عصبة ... حسان الوجوه يخعلون المعذرا٤
ودرهم بن زيد الذي يقول:
هجرت الرباب وجاراتها ... وهمك بالشوق قد يطرح
يمانية نازح دارها ... تقيم بغمدان لاتبرح٥
وأورد "ابن هشام" قصيدة لرجل من يهود سماه "سمال" اليهودي، يذكر فيها "بني النضير" مطلعها:
غداة غدوتم على ختفه ... ولم يأت غدار ولم يخلف
بقتل النضير وأحلافها ... وعقر النخيل ولم تقطف
стр. 6686
وقد رد بها على قصيدة نسبت لعلي بن أبي طالب على رأي ابن إسحاق، أو لغيره من المسلمين على رأي "ابن هشام" مطلعها:
عرفت ومن يعتدل يعرف ... وأيقنت حقا ولم أصدف١
ولما قال "كعب بن مالك" شعرا في إجلاء "بني النضير" وقتل "كعب بن الأشرف" مطلعه:
لقد خزيت بغدرتها الحبور ... كذاك الدهر ذو صرف يدور
أجابه "سمال" اليهودي، بقوله:
أرقت وضافني هم كبير ... بليل غيره ليل قصير
أرى الأحبار تنكره جميعا ... وكلهم له علم خبير
وكانوا الدارسين لكل علم ... به التوراة تنطق والزبور
قتلتم سيد الأحبار كعبا ... وقدما كان يأمن من يجير
تدلى نحو محمود أخيه ... ومحمود سريرته الفجور٢
وكان "مرحب" اليهودي من الشعراء، ولما حاصر المسلمون "خيبر" خرج من حصنهم قد جمع سلاحه، وهو يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
أطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذ الليوث أقبلت تحزب
إن حماي للحمى لا يقرب٣
ونسب إلى أحد اليهود بيت شعر، خاطب فيه "مالك بن العجلان" بقوله:
تسقيت قبله أخلافها ... ففيمن بقيت وفيمن تسود
فأجابه "مالك" بقوله:
إني امرؤ من بني سالم بن ... عوف وأنت امرؤ من يهود
стр. 6687
ولماهرب اليهود إلى بيعهم وكنائسهم، قال مالك:
تحانى اليهود بتلعانها ... تحاني الحمير بأبوالها
فماذا علي بأن يلعنوا ... وتأتي المنايا بإذلالها١
وفي المفضليات قصيدة لرجل يهودي لم يذكر اسمه مطلعها:
سلا ربة الخدر ما شأنها ... ومن أي ما فاتنا تعجب
فلسنا بأول من فاته ... على رفقة بعض ما يطلب
ومن شعراء يهود "أبو أثاية" القرظي٣، و "أبو ياسر" النضيري٤، وأبو القرثع اليهودي٥. و "عمرو بن أبي صخر بن أبي جرثوم" اليهودي، "أبو حمضة". وله شعر في الجيران٦، و "كعب بن أسد بن سعيد" القرظي اليهودي، من بني قريظة، جاهلي، له مع قيس بن الخطيم في يوم "بعاث" مناقضات٧، و "مالك بن عمر النضيري"، وهو جاهلي٨.
وذكر "المعري" اسم شاعر يهودي، ذكر أن اسمه "بُسمير بن أدكن"، "سمير بن أدكن"، من أهل خيبر، قال شعرا لما أمر "عمر" بإجلاء أهل الكتاب من جزيرة العرب، هو:
يصول أبو حفص علينا بدرة ... رويدك إن المرء يطفو ويرسب
كأنك لم تتبع حمولة ما قط ... لتشبع إن الزاد شيء محبب
فلو كان موسى صادقا ما ظهرتم ... علينا ولكن دولة ثم تذهب
стр. 6688
ونحن سبقناكم إلى اليمن فاعرفوا ... لنا رتبة البادي هو أكذب
مشيتم على آثارنا في طريقنا ... وبغيتكم أن تسودوا وترهبوا١
وذكر أن "جبل بن جوال بن صفوان بن بلال بن أصرم بن إياس بن عبد غنم بن جحاش بن مجالة بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان" الشاعر الذبياني ثم الثعلبي، كان يهوديًا مع "بني قريظة" وكان قد رثى "حيي بن أخطب" بأبيات منها:
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكنه من يخذل الله يخذل
وقال بعض الناس إنها لحيي بن أخطب نفسه. وذكر أنه من ذرية "العطيون بن عامر بن ثعلبة" "الفطيون؟ "، وكان يهوديا فأسلم، وهو القائل لما فتح النبي خيبر:
رميت نطاة من النبي بفيلق ... شهباء ذات مناقب وفقار
وذكر أنه هو القائل:
ألا يا سعد سعد بني معاذ ... لما فعلت قريظة والنضير
تركتم قدركم لا شيء فيها ... وقدر القوم حامية تفور
وزاد المرزباني فيها:
ولكن لا خلود مع المنايا ... تخطف ثم تضمنها القبور
كأنهم غنائم يوم عيد ... تذبح وهي ليس لها نكير
فأجابه حسان:
تعاهد معشرا نصرو علينا ... فليس لهم ببلدتهم نصير
هم أوتوا الكتاب فضيعوه ... فهم عمي عن التوراة بور
كذبتم بالقرآن وقد أبيتم ... بتصديق الذي قال النذير
وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير٢
стр. 6689
وأورد "أبو الفرج الأصبهاني" أبيات شعر، نسبها إلى شاعرة يهودية سماها "سارة" القريظية، ذكر أنها قالتها في رثاء قومها بعد أن قتل "أبو جبيلة" أشراف اليهود:
بنفسي أمة لم تغن شيئا ... بذي حرض تعفيها الرياح
كهول من قريظة أتلفتها ... سيوف الخزرجية والرماح
رزئنا والرزية ذات ثقل ... يمر لأهلها الماء القراح
ولو أربوا بأمرهم لجالت ... هنالك دونهم جأوى رداح١
وذكر "الجاحظ" بيتين نسبهما لشاعرة يهودية، قالتهما في نفث الرقية والعثار، هما:
وليس لوالدة نفثها ... ولا قولها لابنها دعدع
تداري غراء أحواله ... وربك أعلم بالمصرع٢
وقد جمع "ديلتج" أشعار يهود وتحدث عن أصحابها٣.
стр. 6690
الفصل السادس والستون بعد المائة: الشعراء النصارى
وحديثنا عن الشعر النصراني، مستمد من الموارد الإسلامية. أما النصوص الجاهلية، فليس فيها أي شيء عن هذا الموضوع، وأما النصوص الأعجمية، فلم تحفل به أيضا، ولم تتطرق الموارد الإسلامية إلى الشعر النصراني نفسه، من حيث طبيعته ومادته، وما امتاز به عن الشعر الوثني، أو شعر الشعراء اليهود، وما سنذكره عن الشعراء النصارى، مستمد من أسماء آبائهم ومن أسمائهم التي تدل على كونهم من النصارى ومن الشعر المنسوب إليهم.
والشعراء النصارى الذين نص على نصرانيتهم أهل الأخبار، مثل "عدي بن زيد" العبادي، أو لم ينص على نصرانيتهم، وإنما يفهم من شعرهم ومن مواطنهم أنهم كانوا نصارى، هم من الحضر، من سكان القرى ومن قبائل اشتهرت بتنصرها، وقد وجدت النصرانية سبيلها إلى مواطن الحضر والأعراب فأقامت "بيعا" وكنائس للتبشير بالنصرانية، ولتعليم أتباعها أمور الديانة، وللإشراف على إدارة شئونهم الدينية، وقد كان أكثر من قام بالتبشير من غير العرب في بادئ الأمر، من روم ومن "بني إرم"، ثم انضم إليهم رجال دين عرب، كانوا قد تعلموا النصرانية في المدارس، وأظهروا فهما ونباهة فيها، فعينوا مبشرين ومعلمين لتعليم العرب والأعراب أصول النصرانية، ولنشرها في جزيرة العرب، وكان من المبشرين من يتنقل مع الأعراب، لهم خيامهم، يرتحلون بها من مكان إلى مكان، فعرفوا لذلك برهبان الخيام.