Полный текст (162 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
هو فُعّال من المِزّ وهو بناء المبالغة مثل حُسّان وكُرّام، والهمزة التي فيه زائدة لإرادة بناء فُعّال كوُضّاء وقُرّاء. والهمزات التي تقع آخر الكلام أربع: همزة أصلية كهمزة قُرّاء وأجزاء، وهمزة منقلبة عن ياء مثل همزة رداء بدلالة أنك تقول هو حسن الرِّدْية، وهمزة منقلبة عن واو مثل همزة كساء بدلالة أنك تقول هو حسن الكسوة وهمزة لإلحاق بناء ببناء مثل حرباء وعَلباء ألحقتا ببناء سِربال. قال الأخطل:
بِئسَ الصُّحاةُ وبئسَ الشَّربُ شَرْبُهمُ ... إذا جرى فيهمُ المُزاءُ والسُّكرُ
العُقار
اشتقاقها من شيئين. قال الأصمعي من عُقْرِ الحوض وهو مقام الشاربة التي تلزمه، كأنها عاقرت الدن أي لازمته، ويقال ناقة عَقِرة إذا كانت لا تشرب إلا من ذلك الموضع قال امرؤ القيس:
فرماها في فرائِصِها ... بإزاءِ الحوضِ أو عُقُرِهْ
ويكون من العَقر وهو القطع. يقال عقرتُ الفرس فهو عَقير، ومنه امرأة عاقر لانقطاعها من الولاد، وعواقر النساء، وهو في الإبل: مصرّمات النوق. كأنها تعقر شاربيها بالسُّكر.
قال أبو الشيص:
عُقارٌ عوقرتْ في كأ ... سِها خوفاً من العقرِ
وقال أبو نواس:
تأخذُنا تارةً ونأخذُها ... فنحنُ فرسانُها وصَرعاها
والعَقاراء على فَعالاء اسم موضع، وليس من العُقار في شيء. وأنشد أبو الحسن الأعرابي لحميد بن ثور:
رَكودُ الحُميّا طَلّةٌ شابَ ماءَها ... بها من عَقاراء الكرومِ رَبيبُ
وبيضة العُقر آخر البيض ثم ينقطع. وقالوا: بيضة العُقر بيضةٌ يبيضها الديك في آخر عمره. قال بشار:
قدْ زُرتِنا زورةً في الدهرِ واحدةً ... باللهِ لا تجعليها بيضةَ الدِّيكِ
وقال أبو نعامة:
فديتُكَ في دبرهِ نَهيكُ ... وكان فيما مضى ينيكُ
فلا تعجبْ لذاكَ منهُ ... فربّما باضتِ الديوكُ
وهو القائل:
ما للبغيضِ سِنانٍ ... وللظباءِ المِلاحِ
أليسَ زانٍ خصيّ ... عاد بغير سلاحِ
وهو القائل:
دنيا دنتْ من جاهلٍ ونأتْ ... عن كلِّ ذي أدبٍ لهُ حجرُ
سلَحتْ على أربابِها حتى إذا ... وصلتْ إليَّ أصابَها الحَصرُ
والمتنبي ينظر إليه في قوله:
أتى الزمانَ بنوهُ في شبيبتهِ ... فسرَّهمْ وأتيناهُ على الهرَمِ
الخَمْطة
هي الحامضة، يقال خمِطَ اللبن إذا أخذ شيئاً من الريح. قال الهذلي:
كُميتٌ كلونِ الصِّرفِ ليستْ بخَمطةٍ ... ولا خَلّةٍ يكوي الشُّروبَ شِهابُها
والخمط ضرب من الأراك يؤكل فيلذعُ اللسان، وخمطتُ اللحم خمطاً وهو خَميط، إذا شويته حتى يبس. والحِمطيط ما تكرر لام الفعل منه. قال المتلمس:
إني كأني أبو قابوسَ مُرفلَةً ... كأنّها سَلخُ أبكارِ المخاريطِ
كأنَّ ألوانَها والشمسُ ماتعةٌ ... عندَ الغزالةِ ألوانُ الحماطيطِ
المصطار
هو مُفْتَعل من صار، وخروج الشيء من حال. تقول: صار الطين خزفاً فكأنها صارت إلى حموضتها عن خمريتها، وانصار الشيء أي مال، قال العجاج:
وكفَلٍ ينصار لانصيارها ... على اليمينِ وعلى يسارِها
وصرتُ الشيءَ وأصرتُه أي عطفْتُه. قال الشاعر:
أُجشّمها مفاوزَهُنَّ حتى ... أصارَ سَديسَها مَسَدٌ مَريجُ
والأصوَر المائل العنق، كذا قال أبو الرمة:
على أنّني في كلِّ سيرٍ أسيرُهُ ... وفي نظري منْ نحوِ أرضِك أَصْوَرُ
وذكر الحسن البصري ﵀ العلماء فقال: تنعطف عليهم بالعلم قلوب لا تصورُها الأرحام أي لا تميلها. وقال المحدث البندنيجي:
هي الجآذرُ إلاّ أنها حُورُ ... كأنها صُورٌ لكنَّها صُورُ
صُرتُ الشيء وصوّرته أي قطعته بضرب من التقدير، ومثله النبلة الحجر الذي ينتبله الرجل من الأرض للاستنجاء. وفي الحديث: " اتقوا الملاعن وأعدوّ النَّبَل ". وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: " فَصُرْهُنَّ إليك " أي اقطعهن، واحتج بقول الخنساء:
.............. ... لظلّتِ الشُّمُّ منها وهي تَنصارُ
وفي صفات الله المُصوِّر، وهو مثل الخالق لأن الخلق تقدير الشيء للمقطع.
قال زهير:
ولأنتَ تفري ما قدرتَ وبع ... ضُ القومِ يخلقُ ثم لا يَفري
وقال ابن هرمة:
стр. 107
ولا يَئِطُّ بأيدي الخالقينَ ولا ... أيدي الخوالقِ إلاّ جيّدُ الأدمِ
وأنشد أبو العباس أحمد بن يحيى في الأبيات:
وقد أزرى الخوالقُ بالفواري ... وقدْ وقعَ الغبوقُ على الصَّبوحِ
وأمّا مصطار فإن أصله مُصَتيَّر فقُلبت تاء مفتعل طاء، لأن التاء لينة المخرج، فلم توافق الصاد لشدة مخرجها، وأُبدلت طاءً فاتفقا، وكان أخف على اللسان، وأعذب في اللفظ، وللصاد أخوات يتغير بناء الأفعال عندها، وهن الدال والذال والطاء والزاي. وهن في الصلابة والإشباع كالصاد، ومثله مُصطَبر، وأصله مُصْتَبَر ومُطَّلَب مثله. فإذا خلا الحرف من هذه الحروف بقي على حاله مثل مستار، أصله مُستَيرٌ. قال أبو وجزة:
أشكو إلى الله العزيزِ الجبارْ ... ثمَّ إليكَ اليومَ بُعدَ المُستارْ
وحاجةَ الحيِّ وقطَّ الأسعارْ
واخترت الشيء فهو مُختار وأنا مختار، ويتبين الفاعل من المفعول بقرينة، قال الراجز:
بحسبِ مُجتلِّ الإماءِ الخُرَّمِ
هو مُجْتَلِلل، من اجتلَّ البعر أي لقطه، فأدغم إحدى اللامَين في الأخرى؛ وقال في المُصطار وتحوِّلها إلى الحموضة: عفص
سقَوْني من المُصطارِ كأساً نَسيمُها ... عصارةُ خَرنوبٍ ومشربُها عَفصُ
وتصغير المصطار مُصيِّر لأن الحرف خماسي بزيادتين، وهما الميم والطاء المنقلبة عن التاء، فاحتجتَ أن تحذف حرفاً لتخف فكانت التاء أولى بالحذف لأن الميم يدل على معنى، وما تكافأ الزيادتان فيه فأنت بالخيار في حذف أيهما شئت. يقال في تصغير حَبَنْطى وهو من خُرِط بطنُه، حُبَيْط وحُبَيْنط.
الإسفنط
أخبرني أبو الفتح عثمان بن جني إفْعَنْل من السفَط وهو الرائحة الطيبة، وقال: إن كان عربياً فهو من فوائت الكتاب مثل ما ذكره أبو إسحق الزجاج كدُرداقِس وهَنْدَلِع وشَمَنْصير، وإن كان أعجمياً فلا شيء على سيبويه.
في شعر القدماء قال الأعشى:
وكأنَّ الخمرَ العتيقَ من الإس ... فنطِ ممزوجةٌ بماءٍ زُلالِ
المُصَفَّق
يقال صفقتُ الشراب أي مزجته، وأصل الصفْق وقعُ الشيء على شيء، ومنه الصفقة ضرب اليد على اليد. وفي الحديث: " التسبيح للرجال والتصفيق للنساء " ويقال أصفقتَ الغنمَ إذا لم تحلبها في اليوم والليلة إلا مرةً وهي الوجبة.
المَقَدِّي
هو ضرب من الأشربة بتشديد الدال والياء.
قال عمرو بن معد يكرب:
.............. ... وهمْ شَغلوهُ عن شُربِ المقدّي
وأصله من قَدِيَ الطعام يَقدى قَدىً وقَداوةً إذا كان طيب الريح، وقدرٌ قَديَّةٌ إذا كانت طيبة الريح، وأتانا قاديةٌ من الناس، وهم أول من يطرأ عليك. والقِنداوة الجريء الصدر، ويقال: بيني وبينه قِدى رمح وقيد رمح أي قدره.
قال الشاعر:
وإنّي إذا ما الموتُ لمْ يكُ دونَهُ ... قِدى الرمحِ أحمي الأنفَ أنْ أتأخرا
العرَق
هو الممزوج قليلاً مثل العِرق. يقال فيه عِرقٌ من الماء ليس يكثر؛ ومنه العَرَقة الطُّرّة تُنسج على جوانب الفسطاط؛ وجرى الفرس عرَقاً أو عرَقتين أي طلقاً؛ والعرَقة الخشبة تُعرض على الحائط بين اللَّبِن. ولهذا وجه آخر من الاشتقاق وهو العراق، وهو جلد يُجعل أسفل القربة متثنياً ثم يُخرز، كأن المزاج باشر أعلاها قليلاً. وسميت العراق لانخفاضها عن أرض نجد قليلاً؛ وقالوا من كثرة عروق الشجر فيها، قال الهذلي:
نغدو ونتركُ في المزاحفِ منْ ثَوى ... ونُمرُّ في العَرَقاتِ منْ لم يُقتَلِ
أي نأسرهم بالحبال. وقال الطائي:
وندمانٍ يزيدُ الكأسَ طيباً ... سقيتُ وقدْ تغوّرتِ النجومُ
رفعتُ برأسِهِ وكشفتُ عنهُ ... بمُعرَقةٍ مَلامةَ منْ يلومُ
الجِرْيال
قال الأصمعي الحمرة. قال الأعشى:
إذا جُرّدتْ يوماً حسِبتُ خميصةً ... عليها وجريالَ النضيرِ الدُّلامِصا
وهي فِعيال من الجرَل. يقال أرضٌ جَرِلة فيها حجارة غليظة. والجراوِل الحجارة واحدتها جَرْوَلة. قال جرير:
مِن كل مُشْتَرِفٍ وإنْ بَعُدَ المدى ... ضَرِمِ الرقاقِ مُنافِرِ الأجرالِ
ومثاله من العربية الكِرياس وهو الكنيف من أعلى السطح، والشِّرياف ورق الزرع إذا طال وكثر حتى يُخاف فساده. والدِّرياق لغة في التِّرياق وأمّ سِرياح من أسماء النساء.
قال الشاعر:
стр. 108
إذا أمُّ سِرْياحٍ غدَتْ في ظعائنٍ ... جوالسَ نجداً فاضَتِ العينُ تدمَعُ
وقال بعض العلماء في قول الأعشى:
وسبيئةٍ مما تُعتّقُ بابلٌ ... كدمِ الغزالِ سلبتُها جِريالَها
أي شربتُها حمراء وبُلتها صفراء بيضاء. وإنما الشعراء الذي ذكروا منازعة الشرب حُمرة الخمر عبروا عن مواقعها في العين والوجه. قال أبو ذؤيب، وقيل لأبي نواس:
ترى شَربها حُمرَ الحِداقِ كأنّهم ... أُسارى إذا ما سارَ فيهمْ سُوارُها
وقال أبو نواس وقيل لأبي ذؤيب:
ترى وجوهَهم حمراً إذا شرِبوا ... العينُ تلمعُ كالبيضِ المَصاليتِ
وقال مسلم بن الوليد:
خلَطْنا دماً منْ كرمةٍ بدمائِنا ... فأظهرَ في الألوانِ منّا الدمَ الدمُ
وقال ابن الرومي وقيل لعبد الصمد:
يُنازعُها الخدُّ جِريالَها ... فتُهديهِ للعينِ يومَ الخُمارِ
عبد الصمد بن المعذل:
بدا فكأنّهُ قمرٌ ... على أزرارِهِ طَلَعا
وقد خلعتْ عليه الخمرُ من أثوابِها خِلَعا
وقال أبو نواس:
كأسٌ إذا انحدرَتْ في حلْقِ شاربِها ... رأيتَ حُمرتَها في العينِ والخدِّ
وقال الحسن بن وهب:
وردةُ اللونِ في خدودِ النَّدامى ... وهيَ صفراءُ في خدودِ الكؤوسِ
وقال ابن الرومي:
هي الورسُ في بيضِ الكؤوسِ وإنْ بدَتْ ... لعينَيْكَ في بيضِ الوجوهِ فَعندَمُ
السُّخامية
قال أبو عمرو: السخامية هي اللينة في الحلْق، السهلة المساغ. يقال: ريش سُخام أي لين. قال جندل:
كأنّهُ بالصحصانِ الأنجلِ ... قُطنٌ سُخامٌ بأيادي غُزَّلِ
ويقال شعر سُخام أي لين، ويقال أسود مأخوذ من السُّخام وهو الفحم يقال: سَخَّم الله وجه أي سوّده. وقول جندل قطن سُخام بأيادي غُزل يريد ها هنا اللين. وأياد جمع يد لم أسمع إلا في هذا البيت، وبيت آخر لعدي بن زيد:
ساءَها ما تأمَّلَتْ في أيادينا ... .......
وقال عوف:
كأنّي اصطحبتُ سُخاميّةً ... تفسّأ بالمرءِ صِرفاً عُقارا
ومثل السخامية في العربية اللُّباخية للمرأة، والخُدارية للعُقاب، والصُّفارية طير، والجُمالية للناقة.
الخُرطوم
قال الأصمعي الخرطوم أول ما يسيل منها كالخرطوم في إسالتِه واسترساله. وقال الخليل في السَبَطانة إنها على فَعَلانة لاسترسالها وسبوطتها من الشَّعر.
وقال ذو الرمة:
كأنه في الضحى ترمي الصعيدَ بهِ ... دبّابةٌ في عظامِ الرأسِ خُرطومُ
وسمعت بعض أهل العلم يقول في قوله : " سنَسِمُهُ على الخُرطوم " سنعاقبه على شرب الخمر، وأما في كتب التفسير فإنه يسمه على الأنف، وخصّه بذلك لأنه معظم جمال الوجه، فالنكال به أشنع، وعليه أظهر وأشهر. ومن كلام العرب: نضّر الله وجهه، وهذا ما كسبت يداك. وقول ذي الرمة في الخرطوم من صواب التشبيهات:
كأنَّ أنوفَ الطيرِ في عَرَصاتِها ... خراطيمُ أقلامٍ تَخُطُّ وتَعجُمُ
الكُمَيْت والكُمتَة
قال أبو عمرو الشيباني: سميت كميتاً للونها. والكُمتة بين السواد والشقرة. يقال فرس كميت للذكر والأنثى، والتصغير الذي في كميت تصغير تقريب لأن عرفه وذنَبَه أسودان فقرب بينهما كقول أوس:
دانٍ مُسفُّ فُويقَ الأرضِ هَيدبُهُ ... يكادُ يدفعُهُ مَنْ قامَ بالراحِ
أراد تقريب المسافة. ومثله قول الشاعر:
صفحتُ بنظرةٍ فرأيتُ منها ... تُحيتُ الخِدرِ واضعةَ القِرامِ
وقال الشاعر في ذكر الكميت:
وكمْ منْ مُوعِدٍ لي ليسَ يدري ... ألونُ الوردِ جلدي أمْ كُميتُ
أي يتهددني من بعيد، ولا يتجرأ على الدنو مني فيتأمل حقيقة لوني. قال النابغة:
وما حاولتُما بقيادِ خيلٍ ... يُصانُ الوردُ منها والكُميتُ
وقال أعرابي:
أُرجِّلُ جُمّتي وأجرُّ ثوبي ... وتحملُ شِيّتي أفقٌ كُميتُ
أُمشّي في سراةِ بني عُطيفِ ... إذا ما رابَني أمرٌ أبيتُ
الصهباء
стр. 109
قال الأصمعي تكون من عنب أبيض، فلا تكون قانية الحمرة إنما يشوبها بياض؛ وصهباء صفة في الأصل لا تنصرف في معرفة ولا نكرة لأنها بُنيت على حرف التأنيث، وصارت العلة تقوم مقام علتين فزالت عن حد التمكُّن؛ وحد التمكن الذي يستحق به الاسمُ الصرفَ أن يدل على ما تحته من النوع ثم خروجه عن هذه الشريطة على أنحاء شتى، منه التعريف والعجمة والصفة والعدل والجمع الذي لا مثال له في الواحد، وأن تجعل الاسمين اسماً واحداً، والتأنيث لغير فرق، وزيادة الألف والنون في آخره. فمتى كان في الاسم منها اثنان، أو تكرر واحد فيه مُنع الصرف. والصُّهبة في الشعر حُمرة يخالطها بياض، ورجل أصهب، ورجال صُهْب. فإن جعلت الصهباء اسماً لمسمى جمعتَه على صَهباوات، وفي المذكّر أُصاهب كحدراء وحدراوات، وأحمد وأحامد. وقالت العرب في صفات على هذه البنية ما قلنا. وذهبت بها مذاهب الأسماء لا الصفات. قالوا في أدهم وهو القيد أداهم، وفي أبطح أباطح كأنهم لما دلت على ذات الشيء أجروها مُجرى الأسماء. قال الشاعر:
أوعدَني بالسجنِ والأداهم ... رِجلي ورِجلي شَثنَةُ المَناسِمِ
وقالوا في أبرق أبارق، وهو صفة، وأنشد الأصمعي لابن الطثرية:
قِفا نَثنِ أعناقَ الهوى بمُرنَّةٍ ... جنوبٍ تُداوي غِلَّ شوقٍ مُماطلِ
بمنحدرٍ منْ فرعِ برقاءَ حّطَّهُ ... مخافةُ بينٍ من خليطٍ مُزايلِ
وقال الأعشى:
وصهباءَ طافَ يهوديُّها ... وصلى على دنّها وارتسمْ
صلى دعا، وقد انتقل بالشرع إلى هذه الأفعال المخصوصة، وانتقال الكلام من ثلاثة أوجه مثلما انتقل من وضع إلى وضع كقولهم وَذْرٌ ووَدْعٌ استغنوا عنه بترك.
وأنشد الجاحظ في كتاب الحيوان:
ومُركِضةٍ صريحيٍّ أبوها ... يهانُ بها الغلامةُ والغُلامُ
وحُكي أن يونس بن حبيب قال: هذا من الكلام المتروك، استُغني بالغلامة عن الجارية، ومنه ما انتقل من وضَعٍ إلى شرع كالصلاة والزكاة والحج. ومنه ما انتقل من وضع إلى عُرف كالدابّة تقع على كل ما يدب على ظهر الأرض، ثم انتقل بالعُرف إلى هذه البهيمة المركوبة حتى لا يعقل بمجرد اللفظ غيرها.
السَّلسل
قال الأصمعي هي السهلة في الحلق. يقال ماء سلسل أي سهل الممر في اللهوات. قال أوس بن حجر:
وأَشرَنيهِ الهالكيُّ كأنّهُ ... غديرٌ جرتْ في مَننهِ الريحُ سلسلٌ
والسلسل الماء جرى في صبب، وتسلسل الماء في الحلق. وكان أصل سلسل في التقدير سلَّل فأبدل من إحدى اللامات سيناً فرقاً بين فَعلل وفَعَّل، وإنما أُبدل سيناً دون سائر الحروف لأنه ليس فيه إلا سين ولام مضعّفة فجعلوا السين سينَيْن فاعتدل الحرف بسين مرتين، وهذا الحكم في الأسماء والأفعال واحد. وكذلك تململ أصله تمَلَّل فجعلوا بين اللامَيْن ميماً تعديلاً وتخفيفاً، وفي الأسماء كَبكبٌ وسَبسبٌ وعَرعر وهو كثير، وفَدفد. قال الأصمعي: السُّلاسل الماء السهل في الحلق. قال أبو عبيد: السَّلاسل رمل ينعقد بعضه على بعض، وبه سُميت السِّلسلة وقال أبو عبادة:
سَقاني القهوةَ السَّلسلْ ... شبيهُ الرَّشأ الأكحَلْ
مَزجْتُ الراحَ منْ فيهِ ... بمثلِ الراحِ أوْ أفضَلْ
عذيري مِن تثنّيهِ ... إذا أدبرَ أوْ أقبَلْ
ومِنْ وَردٍ بخدّيْهِ ... إذا جَمّشتُهُ يخجَلْ
السَّلسال
هي في معنى السلسل، ولكنهم أشبعوا فتحة السين فجعلوها ألفاً، وهو فَعْلاء؛ لمثل ذلك قالوا الكلكل ثم أشبعوا فتحة الكاف فجعلوها ألفاً، فقالوا: كَلكال. أنشد سيبويه:
......... ... أقول إذا خرَّتْ على الكَلْكالِ
وكذلك قول عنترة:
ينباعُ منْ ذي غضوبٍ جَسرةٍ ... زيّافةٍ مثلِ الفنيقِ المُكْدَمِ
وأراد ينبع فأشبع فتحة الباء فجعلها ألفاً. وقال بعضهم: هو من انباع كقول الآخر:
يجمعُ حِلماً وأناةً معاً ... ثُمتَ ينباعُ انبياعَ الشجاعِ
سمعت أبا علي الفارسي بحلب يقول في بيت ابن هَرْمة:
وكنتَ من المعائبِ حين تُرمى ... ومن ذمِّ الرجالِ بمُنتزاحِ
أراد بمنتزح فأشبع الفتحة فجعلها ألفاً. ويُشبعون الضمة فيجعلونها واواً وأنشد:
وإنني حيثما يَثني الهوى بَصري ... من حَوْثما سلكوا أدنو فأنظورُ
ويُشبعون الكسرة فيجعلونها ياء، وأنشد:
стр. 110
لمّا نزلْنا نَصَبْنا ظِلَّ أخبيةٍ ... وفارَ للقومِ باللحمِ المراجيلُ
السُّلافة
قال الأصمعي هي فُعالة، والعرب تضعها على ما يفضُل من الشيء ويؤخذ منه، كالمُجاجة لما يُمَجّ، والنُّقاوة لما يُنتقى، والسُّلافة لما يُسلف ويُقدّم من الخمر أولاً سيلاناً، كما أن الفِعالة نضعها لما يشتمل على الشيء كالعِمامة لاشتمالها على الرأس، والغِشاوة لإحاطتها بالعين، والولاية، وهو كثير. والسُّلْفة أول ما يصل إلى الفم من الطعام، والسَّلَف ما تقدّم من ثمن المبتاع، وناقةٌ سَلوف تكون أول الإبل، والسُّلاف مقدمة الجيش، وأنشد الأصمعي:
يُعقِّدُ سِحرَ البابلينَ طرفُها ... مِراراً ويسقينا سُلافاً منَ الخمرِ
كما نشأتْ في الصيفِ مُزنةُ صيِّفٍ ... فضمَّنَتِ الأكوارَ باقيةَ النشْرِ
يعقّد من عُقد السحر. قال حبيب:
.......... ... والنافثاتُ في عُقَدِهْ
النفْث التفل في عقد السحر. قال أبو نواس:
أطوفُ بدارِكْم في كلِّ يومٍ ... كأنَّ بدارِكم خُلقَ الطَّوافُ
ولولا حبُّكمْ للَزِمْتُ بيتي ... ففي بيتي لي الراحُ السُّلافُ
الزَّرَجون
قال أبو عبيد: الزرجون الخمر، وقالوا شجرتها، وقيل هو فارسي معرب وهو زَرْكون أي لون الذهب، ومثاله فَعَلول وبَرَهوت وادٍ فيه أرواح الكفار، وقَرَبوس السرج، والحَلَزون دابة في الرمث، والعَرَبون الزَّرَبون. وأما عَسَطوس الذي ذكره الخليل في شواذ الأبنية كطوبالة فليس من قبيل ما ذكرناه. وقال المأمون:
ذهبٌ في ذهبٍ يس ... عى بها غصنُ لُجينِ
فأتتْ قرّةَ عينٍ ... في يَدْ قرّةِ عينِ
قمرٌ يحملُ شمساً ... مرحباً بالزاهرَيْنِ
مرحباً بالراحِ والر ... يحانِ والرائحتين
العانِيَّة
منسوبة إلى عانات. قال أبو نواس:
........... ... من خمرِ قُطْرَبُّلٍ أو خمرِ عاناتِ
والنسبة إلى كل جمعٍ أن يُرد إلى واحده، ثم ينسب. تقول في الفرائض فَرضيّ، وفي البنات بَنَوي، وفي الصبيان صَبَوي، وإلى عانات عانيِّ، وإلى أذرِعات أذْرَعيّ، وكذلك النسبة إلى كل جمع في آخره ألف وتاء، أو واو ونون بحذف آخره. تقول في النسبة إلى مسلمين مُسلميٍّ، وأنشد أبو العباس:
إنكِ لو صاحبْتِ في المطيِّ ... لكانَ أدنى عيشِكِ الرّخيِّ
أنْ تدلكي الوجهَ بأذرَعيِّ
يخاطب امرأته يقول: لو كنت على المطي لكان أرخى عيش لك أن تنعسي نعاساً، وتستيقظي منه على رحلك الأذرعي فتدلكي به وجهك. وكذلك إلى نسبت إلى المثنى، تقول في مُسلمَيْن مُسلميٌّ، وكذلك إن جعلت الجمع والمثنى اسماً لواحداً؛ لو سميت الرجل بقولك الزيدون فقلت هذا زيديٌّ، وفي رامتين راميّ، وفي فلسطين ويبرين فِلسطيّ ويبريّ. وعلى هذا مذهب من يقول فلسطون ويبرون، فإنما أسقطوا أواخرها لأنها زيادة وقعت بمعنى فاستُغني عنها في النسب. ومع هذا لو أثبتّ لكان في الاسم رفعان ونصبان إذا قلت قلسطونيّ ويبرونيّ، وكذلك في النصب والخفض، وكما حذفوا هاء التأنيث استغناءً عنها في النسب فقالوا كوفيّ وبصريّ، وقالوا في حذف هذه الهاء إنها تجيء للتوحيد، تقول تمرة وتمر، وياء النسب تجيء للتوحيد فحذفت الهاء لئلا يجتمع حرفا معنىً بمعنىً. تقول: العربُ والعَرَك، فإذا وحّدته تقول عربيّ وعَرَكيّ، وشددوا ياء النسب فرقاً بينها وبين ياء الإضافة، وكان التخفيف أولى بها لأن التخفيف على حرف واحد، فلو شددوها لكان خلافاً. والعاني الأسير، فكأن الخمر عُنّيت أي حُبست. قال الهذلي:
............. ... وعَنَّتْها الزقاقُ وقارُها
وقال أبو نواس:
وبينا تراها في الندامى أسيرةً ... إذا قد سرَتْ فيهم فصاروا لها أسرى
وبيت أبي تمام مثله، وهو من ذوات المعاني:
وضعيفةٍ فإذا أصابتْ فرصةً ... قُتلتْ، كذلك قُدرةُ الضعفاءِ
والعَنِيّة أخلاط تُنقع في أبوال الإبل، وتُترك حيناً يُطلى بها الإبل من الجرب. قال أوس:
كأنَّ كُحَيْلاً مُعْقَداً أو عَنِيّةً ... على رَجْعِ ذِكراها من الليتِ واكِفُ
стр. 111
وقال الشعبي: " لأن أتعنّى بعَنِيّةٍ أحب إلي من أن أقول في مسألة برأي " ويقال للرجل إذا كان جيد الرأي: عَنِيَّتُهُ تشفي الجرب، والمُعَنّى الفحل المحبوس في العُنّة.
قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط:
قطعتَ الدهرَ كالسَّدِم المُعنّى ... تهدَّرُ في دمشقَ فما تَريمُ
ويقال لم تَعْنِ بلادُنا شيئاً، أي لم تنبت، وعنتِ الأرض أنبتت.
الماذِيَة
قال بعضهم هي السهلة في الحلق. ودرع مادية أي ليّنة سهلة، وهذا قول الأصمعي في كتاب السلاح. وهم يصفون الدروع باللين في السرد، وسهولة الحجم لتضأل في طيّها وتخف في حجمها.
قال امرؤ القيس:
تفيضُ على المرءِ أردانُها ... كفيضِ الأتيِّ على الجَدجدِ
وقال أبو عمرو الشيباني: الدرع الماذيّة البيضاء، ومنها قالوا: عسلٌ ماذِي أبيضُ بكثرة الرونق وشدة البريق واللألاء والصفاء. قال أعرابي:
مُدَّرِعاً لأمةً مُضاعفةً ... كالنهيِ وفّي سِرارَهُ الرَّهَمُ
والنهي إذا امتلأ وتحيّر الماء ضربته الريحُ فجابت أقذاءه وصفّت أرجاءه. قال:
وسابغةٍ من جيادِ الدرو ... عِ تسمعُ للسيفِ فيها صَليلا
كمتنِ الغديرِ زهَتْهُ الدَّبورُ ... يجرُّ المدجّجُ منها فُضولا
وأنشد أبو تمام في القبائل للعرب:
علينا دِلاصٌ من تراثٍ محرّقٍ ... كلونِ السماءِ تحاكي نُجوما
شبّه حمالة الدرع بلون السماء، ومساميرها التي تشد الحلقَ بالنجوم وهي القتير فتكون كقول الهجيمي أنشده الأصمعي:
وعليَّ سابغةٌ كأنَّ قتيرَها ... حَدَقُ الأساودِ لونُها كالمِجولِ
ومنه المذيّ وهو ما يخرج من ماء الصُّلب لسهولة مخرجه أو بياضه. يقال مَذى. ومن أمثالهم: كلّ ذكَرٍ يمذي وكل أنثى تَقْذي. كما أن الوَدْي من وَدى أي سال، ومنه الوادي، وإذا أُخذت الماذية من لون بياض الدرع كالصهباء، وإذا أخذت من السهولة كانت كقول القائل:
فتجري ما تُحِسَّ لها حَسيساً ... إذا مرَّتْ بمُزْدَرِد البُصاقِ
وتشديد الماذيّة والسخاميّة كالخُرْثيّ والبُجْريّ للداهية، والعُبْريّ لما نبت على شط النهر من السّدر؛ والجُلذيّ: الشديد من الإبل.
الشَّموس
قال الشموس فَعال من شِماس الدابة ونَفارها، لأنها تشمس بشاربها، وتحدث فيه الطيش والزهو والخفة والنزق. قال بشار:
هاتِها كالشُّواظِ تجمحُ في الرأ ... سِ جِماحَ الحصانِ حدَّ الشَّموسِ
ويجوز أن تكون سُميت شموساً لشماسها من مزاج الماء. قال أبو نواس:
وكأنَّ فيها من جنادبِها ... فرَساً إذا سكّنتَهُ رَمَحا
وقال أيضاً:
بينَ المُدامِ وبينَ الماءِ شَحناءُ ... تنقدُّ غيظاً إذا ما مسّها الماءُ
ومنه الشمس لأن الأبصار تشمس عنها. وقال الأصمعي:
ومَولىً كأنَّ الشمسَ بيني وبينهُ ... إذا ما التقَيْنا لستُ ممنْ أعاتبُهْ
وهذا من الشعر الذي جاد لفظه ومعناه. وقال عنترة:
إذا أبصرتِني أعرضتِ عنّي ... كأنَّ الشمسَ من قِبلي تَدورُ
ومنه أخذ المتنبي وفيه سوء عبارة:
كأنَّ شُعاعَ عينِ الشمسِ فيهِ ... ففي أبصارِنا عنه انكسارُ
وقال الحِمّانيّ فبالغ وجعلَ العيون رُمْداً لشدة صدودها:
كما صُدّتْ عن الشمسِ ... سراعاً أعينُ الرُّمدِ
وأَشمسْنا دخلنا في الشمس، وشمَسَ يومُنا إذا كان ذا شمس.
وفي صفة الشَّموس قال لقيط:
جرَّتْ لِما بيننا حبلَ الشموسِ فلا ... يأساً مُبيناً ترى منها ولا طَمعا
وقال مزرّد وهو من أبيات المعاني:
ظلِلْنا نُصادي أُمَّنا عن حَمِيتِها ... كأهلِ الشَّموسِ كلُّهم يتودَّدُ
فجاءتْ بها صفراءَ ذاتَ أسرّةٍ ... تكادُ عليها ربّةُ النَّحْيِ تكمدُ
يريد شمسة طلبها.
وقال النابغة:
شُمسٌ موانعُ كل ليلةِ حُرّةٍ ... يُخلفْن ظنَّ الفاحشِ المغيارِ
تقول العرب للمملّك بامرأته ليلة إهدائها إليه: ليلةٌ شيباء أم ليلة حرّة. فليلة شيباء التي يغلب فيها الزوج المرأة فيطؤها، وليلة حرّة التي تمتنع فيها على الزوج.
وأنشد:
بثُّ في دِرعها وباتَ ضَجيعي ... في بصيرٍ وليلةٍ شيباءِ
البصير الطريقة من الدم، يعني أنه افتضها. وقال الآخر:
стр. 112
وكنتُ كليلةِ الشيباءِ همَّتْ ... بمنعِ الشَّكرِ أتأمها القبيلُ
وفي ذكر الشمس قول الراجز من بديع الشعر:
وقدْ تعاللتُ ذميلَ العنسِ ... بالسَّوطِ في دَيمومةٍ كالتُّرسِ
إذْ عرّجَ الليلُ بروجَ الشمسِ
وقال الآخر:
إنْ سر ... عدد ملمّسا ... لو بطحوا الشمسَ لكانتْ أشمُسا
أو حبسوها احتبسَتْ عن المسا
والشمس شيء من حلي العرب. قال ابن ميّادة:
وجيدٍ حُلِيُّ الشَّذرِ منهُنَّ شامِسُ
وقال ابن مناذر:
جاءتْ ترفّل في ثيا ... بِ اسكندرانيةٍ حسانِ
شمسٌ على وجهها شُموسٌ ... تزفُّها أشمسٌ ثمانِ
وليس على قول الصنوبري مزيد على حسنه وإحسانه:
ويومٍ يكللهُ بالشموسِ ... صفاءُ الهوى في صفاءِ الهواءِ
بشمسِ الجنانِ وشمسِ الدنانِ ... وشمسِ القِيانِ وشمسِ السماءِ
الفَيْهَج: قال: الفيهج اسم موضوع غير مشتق، ومثاله حرف واحد يشبهه وهو سَيْهج للريح الشديدة، وهما حرفان، واختلف أولهما؛ بالعكس منهما في اختلاف آخره تَنوّم وتنوّر، وليس لهما ثالث.
قال:
ألا سَقّياني فَيهجاً جَدَريّةً ... بماءِ سحابٍ يسبقُ الحقُّ باطلي
الفيهج الياء والهاء من حروف الزوائد، فإن جعلت الهاءَ أَولى بالزيادة فهو من أفاج الرجل إفاجة إذا أسرع، ومنه الفيج كأنها سُميت بذلك لإسراعها في عقول الشاربين.
قال الشاعر:
الفيجُ علقمةُ الكبريُّ خبّرَنا ... أنَّ الربيعَ أبا مروان قد حضرا
فقلتُ للنفسِ هاتا مُنيةً قدرَتْ ... وقدْ توافقُ بعضُ المنيةِ القدَرا
وتفاجَّت الناقة إذا فجَحت رجليها لتبول. وقيل لأعرابي: تعرف لقاح الناقة؟ قال: أرى العين هاجّاً، والسَّنام راجّاً، وأراها تَفاجَّ كأنها تبول.
الغَرَب
قال: الغرب اشتقاقها من شيئين، من الغَرْب وهو الحدّ، يقال سيفٌ دقيق الغرْب أي الحد، والغُراب أيضاً، وفي وصف بعضهم هو أحدُّ غرْباً، وأغربُ سَكباً، كأنها لحدّتها وسَورتها سميت بذلك. والثاني سميت غرباً لغُربتها وغروبها في الخوابي. وأكثر ما تضع العرب الغين والراء والباء على تواري الشيء وغيبته وبعده واستخفائه، ومنه غربت الشمس أي غابت، الغُراب لغُربته عن الناس والعمران، وهم يسمون الذئب والغراب أصرمين لانصرامهما عن الناس، والغرَب الفضة لغيبتها في المعدن. وعلى هذا يكون اسم الخمر فعَلاً بمعنى مفعول أي مُغَربة في الأوعية والخوابي، كالطَّرَح بمعنى المطروح، والقبَض للمال المقبوض، والنفَض للورق المنفوض، كما أن المفعول يقع بمعنى فعَلٍ كقولهم ماله مجلودٌ أي جَلَدْ.
قال جرير:
.............. ... بلغَ العزاءَ وأدركَ المجلودا
ومما يقوي هذا الاشتقاق أن الطاء واللام والعين ضدّه، تصفه العرب بالظهور والبروز وخروج الشيء من حجابه. تقول طلعت الشمس خرجت من حجابها، والطلع طلع النخل لظهوره، ورجل طُلَعة قُبَعة، ومنه طليعة الجيش أول ما يظهر، وطلْعة الإنسان. وطُويلع اسم ماء لطلوعه وظهوره قليلاً قليلاً. قال لبيد:
............كما ... دَعدعَ ساقي الأعاجمِ الغَرَبا
وقال الأعشى:
إذا انكبَّ أزهرُ بينَ السُّقاةِ ... ترامَوْا بهِ غَرَباً أو نُضارا
وتقول العرب هل من مُغرَّبةِ خبَرٍ؟ أي خبر جاء من مكان بعيد.
الحُمَيّا
قال هم تارةً يجعلون الحميّا الخمر كما قال الهجيمي:
ألا رُبَّ ندمانٍ كرامٍ تركتُهم ... بكأسِ الحُمَيَّا بعدَ إغرابِهم عنّا
وتارةً يجعلونها سَورة الخمر، فيقولون سارت فيهم حميّا الكأس، وسميت بذلك لمنعها جانبَها وشدتها. وأصل الكلمة حمي ثم بنوها مصغرة بناء حُبَيْلى حُميّا فأدغموا إحدى الياءين في الأخرى فصارت حميا على وزن ثُريّا، وتكبيرها ثَرْوى وهي المرأة الكثيرة الولد. وسمي الرجل ثروان، والمال الثريّ: الكثير، والثريان المطر وندى الأرض. وقال جرير:
стр. 113
" إني لأدع الرجَز مخافة أن يستفرعني، وإني لأراه كآثار الخيل في اليوم الثري " والحُميا وردت مصغرة كاللجين والكُعيت وتصغيرها تصغير تعظيم لشدتها، وعقرها للشاربين، وسطوها بعقولهم، واشتقاقها يوجب ذلك لأن الحِمى المكان الممنوع، وحَميتُ المريضَ منعته شهوته، ولهذا قالوا حِمىً ومَحْمِيَة، وهو أحمى أنفاً من النمر، وإذا وصف الشاعر الممدوحَ بالشمم فإنه يريد به سيداً ذا أنفة، أخبرني به أبو سعيد السيرافي قراءةً عليه في كتاب الجمهرة عن أبي بكر بن دريد. قال السهمي:
في كفِّهِ خيزرانٌ ريحُه عَبِقٌ ... منْ كفِّ أروعَ في عِرنينه شَمَمُ
وقال المحدث:
أشمُّ طويلُ الساعدَيْنِ كأنّما ... يناطُ نِجادا سيفِهِ بلواءِ
وتقول العرب فلانٌ حامي الحِمى أي مانع لحوزته، والحامي عندهم هو الفحل الذي حمى ظهره من الركوب، فكانوا إذا بلغت إبل أحدهم عدداً ما فقأ لها عين الفحل يريد طرد العين عنها، والغارات والسُّواف. قال:
فقأتُ لها عينَ الفحلِ تَعيُّفاً ... وفيهنَّ رعلاءُ المسامعِ والحادي
أم زنْبَق: قال: العرب توجه الأمومة والأبوة والبنوة لغير المواليد، فيقولون: أم العيال لرئيس القوم، وأم الطريق لمعظمه.
قال كثير:
.............. ... تَخصُّ بهِ أمُّ الطريقِ عيالَها
وأم القرى مكة، قالوا في تفسير قوله تعالى: " النبيُّ الأمّيّ " إنه من أم القرى مكة، والثاني إنه كما ولدته أمه لا يخط ولا يقرأ، وهذا دلالة على بهور معجزته وظهور آيتها، وسلامتها من نوازع الشُّبَه، وخوالج الشكوك وخوالج الظنون، لأن العلم الذي تحدى به العربَ القرآنُ وهو من جنس كلامهم، ونمط خطابهم، ونحت أوضاعهم، ومؤتلف من حروفهم، وهم فرسان الكلام وأمراء النظام، عليهم تهدلت فروعه، وفي خواطرهم تساقطت قطوفه، يرتجزون بالمتْح على الرَّشاء، ويُقصِّدون بالخد في الأرض، ويرتجلون المزدوج بلقط الحصى، ويقتضبون المسجوع بميل العصا، ويتكاثرون بهدل الشفاه، ورحابة الأشداق، وطول العذبات، وسلق الخصم بالألسنة الحداد، والسواعد الشداد، والمفاخرة بالسلاطة واللدد، والذلاقة في اللَّقَن، والمجاراة فيه إلى أبعد أشواطه، وأقصى أطلاقه، جراء المذكِّيات الغِلاب، وأبى سبحانه عليه، ﷺ ، الكتابةَ والخط بالقلم إبراءً لإعلامه، وتنزيهاً لمعجزاته، واستصرافاً للآذان النافرة، واستمالةً للصدور الواغرة لأن صاحب الخط يقيِّد هواجس فكره، وخواطر خلَده بمجاري قلمه، فيكون أقدر على التأليف والوضْع، وأقوى على التصنيف والجمع، وأقهر للعويص الممتنع، والأبيّ المُعتاص، وأمكن من تسخير الألفاظ للنظم، وتذليل الكلِم للرصْف من الأمّيّ الذي هو أعزل اليد من سلاح الكتابة، وعاطلُ البنان من حليّ الخطّ، وإنما يعرف أصداءَ الحروف دون صورها، ويتبين أجرامها سوى أمثلتها، فينشئ خاطرُه، ويخترع فكره الخطاب.
стр. 114
فإذا استمر نسقاً مطّرداً أو سَنناً منتظماً أوهى سلك ما نظم، وحلّ عقد ما ألّف، وعاد في هدم بنائه، وثلْم تأسيسه وأجزائه، فأرسل مرْعيّهُ هملاً، وحلّ معقوده بدداً، فيكون ساقياً مظمئاً ومورداً مُخْمِساً لكثرة شواغله، وزحمة أعدائه التي تفرّق بالَه، وتوزع ذهنه، وتقسم لبّه، من تثمير مال، أو در فتح معيشة، أو دفع مضرة، أو حيازة منفعة، أو كدح على عيال، أو مباراة حاسد، أو مكاثرة عدو، أو منافسة في مكرمة أو منقبة، أو اغتنام محمدة أو مثوبة، أو فرار من سبّ ومذمّة، أو جارٍ يحميه، أو طارق يضيفه، أو أسير يستنقذه، أو شاعر ينتجعه. فإذا كانت الحال كما وصفنا، سليمةً لا تعاب، وخالصة لا تشاب، صار المعجز باهراً ظاهراً، ومالكاً للقلب قاهراً، وقادحاً في العقل العقيم، والطينة اليابسة، والفهم العاقر والحد الكليل، يزيد في اليقين روح الاستبانة، وبرد السكون والاستنامة، وثلج الصدور، وعزَّ المعرفة، وطمأنينة العلم، واستطالة الفهم، وعاد أوضح برهاناً، وأصدع بياناً من أن يترك للمُتعلل تعلّةً، وللمرتاب عُقلةً، وللشاك استرابةً، وهو ﷺ يتحداهم به مثنىً ووحداناً، ويقرّعهم فُرادى وأشتاتاً، لا يألو جهداً في تسفيه أحلامهم، وتبكيت أصنامهم، يدعوهم إلى أن يأتوا بسورةٍ من مثله، وهم يسمعونه عذب المسموع، سهل الموضوع، باللفظ الجزل، ومُتشابه الرصف، ومُتلاحم أجزاء الأول والآخر واتفاق قرائن الأوسط الطرفين، ينظم أبهة الفخامة إلى رقة الحلاوة، ويجمع رصانة الجزالة، ومهابة الجلالة إلى بهجة الرشاقة، ومحبة القبول ومبادئ خارجةً عن معهود مبادئ القريض المُقَصّد والمسجوع المُرجَّز، والخُطب في الحمالات، وإصلاح ذات البين، والتشبيب بالحاجّات، ومقاطع مفارقة لمألوف مقاطيع الأقاصيع من الطوال في المجامع العظام، والمشاهد الكرام، يزيده مرور الأيام والليالي جدّةً وطراوة، ويكسبه كرور الشهور والأعوام رونقاً وطلاوةً، لا يمجّه السمع، ولا ينبو عنه القلب، ولا يُبليه كثرة الدرس والقراءة، ولا تُخلقه شدة التلاوة والإعادة على ما في الحديث المعاد، والكلام المكرر من الثقل الفادح على الآذان، والأذى المبرح المجحف بالنفوس؛ يقصّ أخبار الأمم السالفة، ويعبّر عن أنباء المِلل، وعقائد النِّحل، ويترجم عن الجلود المتمزقة، والرمم البالية، والمثُلات النازلة، والعبر المنتقمة بخفة حجمه، ويسير جُرمه، مكررةً مرةً بعد أخرى وكأنها لغرابتها مبتدأةً، مرددةً ثانيةً غِبَّ أولى وكأنها لطلاوتها متنكرة؛ فأقرّ جماهيرهم بالعجز خاضعين، وبخع صناديدهم بالاستسلام مذعنين، فمنهم من آمن، ومنهم من كفر. فارقوا سعة السلم إلى ضنك الحرب، وخرجوا عن التدافع بالقول إلى التدافع بالراح، بل إلى التمانع بالزجاج، إلى التطاعن بأطراف الأسنة والرماح، وأثاروا كامن العداوة، وهيّجوا ساكن التِّرة، وقدحوا بزند القتال وهو صالد، وأذكوا نار الملحمة وهي خامدة، ودعوا بشعارها الهيجاء، وشنوا الغارة الشعواء، وأخلّوا برعي مسارحهم، ووِرد مناهلهم، وإلف داراتهم وخططهم، وخبط أكلائهم ومناجعهم، والاستدراء بأفياء الخيام، والاختباء بأفنية البيوت، والشرب في مجالس العشيّ، والتشاور في ساحة الأندية، واستئمار الأزلام الملمة على المسلمين، يومض البرق ولا يشام، ويصوب القَطر ولا ينتجع، ويكثف المرعى ولا أكولة، ويدعو الشعب ولا رائد، والحمى عورة، والفضاء بلا حجارة الخرصان، وأبواب القِباء خلاء، لا تسدّها قرون الخيل، وهم في فرٍّ لا يُشق غباره، وفي كرٍّ لا يُنادى وليده. يطلب الأخ عند أخيه الثأر المُنيم، ويَجرُم الابنُ إلى قتل أبيه، وفَرْي أوداجه، والولوغ في دمه. مسَّ الطيب وشرب الخمر، ومعاطاة النديم، ويفردُ لمّته، ويشد المآزر دون إتيان النساء، ويترك جمّته السوداء شعثاء، وغسولها المسك والماورد، وقد غسل أصولها بدهن البان والمصون. فهو لابس مع البُردَيْن ثوب المحارب، وغامس يده في عطر مَنْشِمٍ، ومشمر ذيل الراكب بعد أن كان أجوى في الحي رَفِلاً، ومُبسط المشية في اليوم الخِصر، وقد احتجز خدمة سيفه، وخفر فضول لأمته بنجاده، وتنكّب قوسه، واعتقل رمحه، واستجنّ حجفته، وفرط للحصان عنانه في انتهاك حرمة عشيره، وسبي داريَّ حريمه، وغزوه في عقر داره، ويضيعه بالخِسف والصغار، وانتساف الدار. قد اعتاض خُمسَ الإسلام
стр. 115
من مِرباع الجاهلية، واختار الصفايا لرسول رب العالمين دون السيد المعمم، وفضول المقاسم لبيت المال دون سواد المقاتلة، وسَرعان العدي، وفوض أمر الحكم وأمر النشيطة لواضع الشريعة ولبس وقارَ الإيمان ووضع طرفه الأشوس بعبادة الرحمن بعد أن كان غارزاً رأسه، مُصعِّراً خذَّه، يضع سيفه مكان سوطه، وسوطه مكان قوله. هذا والتربة والهواء واحد، وهم فوضى شركاء في النَّعم والأسنان، والأمزجة والبلدان، ومحاني البرق والزادات، والمطاعم والأغذية يحتبلون على الشرائع وينتصبون في القُتَر، ويضربون النيبَ على العراقيب، ويرومون الضبَّ في وَجاره بمرداته، ويأكلون الكُشى بالأكباد، ويدرجون بحيث ينتعل كل شيءٍ ظلَّه، ويستضيف الطائر الضبَّ في وَجاره، بادين نواشر عارينَ أشاجع، وتضمهم الجزيرة التي لا يشقّها بحر، ولا يجتابها نهر، يتحالفون يداً على من سواهم، ويتجاورون حرباً على من عاداهم، والعدد كأعظم ما عُهد توافراً، والحصا والجماجم كأكثر ما يكون تكاثراً. فلما جاء أمر الله وقع البأس بينهم، وتخاذلوا غِبَّ تناصرهم، وتآكلوا بعد تآزرهم، وظهر الحق وهم كارهون، " ويأبى الله إلاّ أنّ يتمَّ نورَه ولو كره الكافرون " فسبحان الجبار القهار الذي تفرد بالقوة القاهرة، والقدرة الغالبة، ووصل خلقه بوهن المعجزة، وضعف المقدرة، الفعال لما يشاء، لا رادَّ لأمره، الحَكّام لما يريد، ولا مُعقِّب لحكمه، جلّ ثناؤه وعزّ سلطانه.
ثم رجع الكلامُ إلى أمّ زنبق؛ وأم الجيش اللواء، وأبو مالك الجوع، قال:
أبو مالك يعتادُنا في الظهائرِ ... يجيءُ فيُلقي رحلَهُ عندَ جابرِ
وأبو يحيى الموت، وأبو البيضاء الحبشيّ، وأبو الجعد الذئب، وأنشد الخليل في كتاب العين: أخشى أبا الجعدِ وأمّ عمرو. والجعدة من أولاد المعز، وسمي الذئب أباه وهو يأكله على سبيل التهكّم، وأبو البيضاء سمّوا به الأسود ليتطيّروا به، وكذلك أبو يحيى وأبو دِثار الكِلّة.
قال الشاعر:
لَنعمَ البيتُ بيتُ أبي دِثارٍ ... إذا ما خافَ بعضُ القومِ بعضا
أي خاف بعضهم قرصَ البعوض. وأبو السريع العرفج لسرعة اشتعال النار فيها.
قال الراجز:
لا تعدلَنَّ بأبي السريعِ ... إذا غدَتْ نَكباءُ بالصقيعِ
وابنة السّرى الناقة، وابنة الدهر وبناتُه حوادثُه، وبنت المِعى البعر. قال الشاعر:
............... ... ومُصَّمغاتٍ من بناتِ مِعاها
وقال الشاعر:
أبنتُ البناتِ عن الأمهاتِ ... ببعضِ السيوفِ تُروّي الصَّدى
أي نحرت الناقة فشققت جوفها، ونثرت الأبعار عن الأمعاء، وقال ابن المعذَّل:
وبنتُ المنيةِ تنتابُني ... هُدوّاً وتطرقُني سُحرةً
وقال المتنبي:
أبنتَ الدهرِ عندي كلُّ بنتٍ ... فكيفَ وصلتِ أنتِ من الزحامِ
стр. 116
وابنة الجبل الحية، ويقال لها صَمّي صمام، أي لا تجيب الراقي.
وقال امرؤ القيس:
بُدِّلتُ من وائلٍ وكِندةَ عَدْ ... وانَ وفهماً صَمّي ابنةَ الجبلِ
ويقال إن ابنة الجبل الصدى. أنتَ ابنةُ الجبل مهما يُقَلْ تَقُلْ، أي أنت كالصدى كل ما تسمعه تعيده.
وقال أبو عبيدة بنت الجبل الحصاة، ويقال صَمّتْ حصاةٌ بدمٍ، وذلك إذا اشتدت الحرب، كأنه كثر الدم حتى إذا وقعت حصاة فيه لم يسمع لها صوت.
قال الكميت:
وإيّاكمُ إياكُمُ ومُلمةٌ ... يقولُ لها الكانونُ صَمّي ابنةَ الجبلْ
وابن جلاءٍ البارز المكشَّف.
قال القُلاخ:
أنا القُلاخُ بنُ جُنابِ بنِ جلا ... أبو خَناثيرَ أقودُ الجملا
وأما العجّاج فإنه جعله ابنَ أجلى، قال:
بهِ ابنُ أجلى وافقَ الإصحارا
وابنُ السبيل المسافر، وابن قُمير الليلة القمراء، وابن الماء طائر.
قال ذو الرمة:
وردتُ اعتسافاً والثُّريا كأنَّها ... على قمةِ الرأسِ ابنُ ماءٍ مُحَلِّقُ
وأبناءُ سمير الليل والنهار، وابن النعامة خطُّ أسفل القدم.
قال عنترة:
فيكونُ مركبُكِ القَعُودَ ورَحلَهُ ... وابنُ النعامةِ يومَ ذلكَ مَركبي
أي أُؤسر وأُجنَب. وابن جمير الليلة المظلمة السوداء. قال:
وكأني في فحمةِ ابنِ جَميرٍ ... في نقابِ الأسامةِ السَّرداحِ
هذا لص، أي كأنّي في جرأتي على الليل واقتحاميه للتلصص والغارة في جلد أسد. وقال آخر:
نهارُهمُ ليلٌ بَهيمٌ وليلُهمْ ... وإنْ كانَ بدراً فحمةُ ابنِ جَميرِ
هم لصوص يكمنون النهار. وفي ذكر اللصوص هذا البيت ظريف:
نهقَ الحمارُ فقلتُ: أيمنُ طائرِ ... إنَّ الحمارَ من النجاحِ قريبُ
ومن أمثالهم في الابن: ابنُك ابنُ بُوحِكَ يشرب من صَبوحك. وفي البُوح قولان أحدهما أنه الفَرج، والثاني جمع باحة وهي ساحة الدار. ومثله ابنُك من دَميِّ عَقِبَيْك يُخاطب به الطير، أي ابنك من ولدتَه لا من تبنّيته.
وأما أم زنبق في أسماء الخمر فإن العرب تضع الأم تسميةً لمعظم الشيء الذي تأوي إليه أطرافه، كأنها لصفائها سُميت بذلك. وقال بعض الشعراء يصف عينَيْ جارح:
يُقلِّبُ عينينِ في رأسِهِ ... كأنَّهما قطرتا زَنبقِ
لصفائها وطرحها القذى. وزنبقُ النون زائدة، ومثاله فَنْعل. يقال زَبقَ شعرَه يزبق زبقاً إذا نتفه، وزبقتُ الرجلَ إذا حبسته، والزابوقة الحبس. وجندل مثله من الجدل، وهو استحصان الشيء واستحكامه في تداخل أجزائه. ومنه الجَدالة الأرض، والجدل في الكلام منه أيضاً، من الجَدالة وهي الأرض، لأن كل واحد من المتجادلين يجهد أن يجدل صاحبَه أي يصرعه.
الحانِيَّة
قال هي منسوبة إلى الحانة حيث تباع الخمر. قال أبو نواس:
يا رُبَّ صاحبِ حانةٍ نبَّهتُه ... فبعثتُهُ منْ نومةِ المُتزمّلِ
عرفتْ ثيابَ الطارقينَ كلابُهُ ... فيبِتْنَ عن سَنَنِ الطريقِ بمَعزِلِ
وقال:
إلى بيتِ حانٍ لا تُهرُّ كلابُهُ ... عليَّ ولا يُنكرْنَ طولَ ثيابي
وقال علقمة:
كأسٌ عتيقٌ منَ الأعنابِ عتّقَها ... لبعضِ أربابِها حانيّةٌ حومُ
وهو من الحين وهو الوقت يتحيّنها الناس لشربها وابتياعها. يقال تحيّنتُ غفلة الناس، أي طلبت وقت غَرْبِهم، وحنيتُ الشاةَ إذا جعلت لها حلبةً واحدةً في اليوم والليلة كالوجبة.
قال المخبّل:
إذا أُفِنَتْ أروى عيالَك أَفنُها ... وإنْ حنِيَتْ أروى على الوطْبِ حينُها
والحَين الأجل لأنه موقّت بوقت.
الدِّرْياق
قال: سميت الخمر درياقاً لأنها شفاء من داء الغم كما يُتداوى بالدرياق من اللدغ، قال ابن المعتز:
ولقدْ علمتُ بأنَّ شربَ ثلاثة ... ترياقُ همٍّ مُسرعٌ بنجاتي
وقال آخر:
فَعِلّلاني بها صهباءَ صافيةً ... إنَّ الشرابَ لهمِّ النفسِ دَفّاعُ
وقال آخر:
إذا دخلَتْ قلباً ترحَّلَ همُّهُ ... وطابَتْ لهُ دنياهُ واتسعَ الضنكُ
وقال أبو نواس:
صفراءُ لا تنزلُ الأحزانُ ساحتَها ... لو مسَّها حجرٌ مستْهُ سَرّاءُ
وقال أبو سعدٍ المخزومي:
شفاءُ ما ليسَ لهُ شفاءُ ... عذراءُ تختالُ بها عذراءُ
المِزْر
стр. 117
قال: سميت مِزْراً لأنها تُتَمَزَّر، أي تُشرب قليلاً قليلاً، يقال تمَزَّرت الشراب أي توتحته قليلاً. وقال أبو العتاهية:
........... ... اشربِ الخمرَ ولا تُمزّرِ
وأنشد الأموي في ذكر الخمر:
تكونُ بعدَ الحسوِ والتمزُّرِ ... في فمهِ مثلَ عصيرِ السُّكرِ
السُّكْرُكَة
قال السكركة سينها زائدة، والكَرِك الأحمر، كأنها للونها سميت بذلك، ولست أعرف فيها شاهداً.
الصَّرْخَد
قال والصرخد اسم للخمر موضوع، وحروفها أصلية كلها. قال:
كأنَّ الكرى سقاهُم صَرخديةً ... عُقاراً تمشّتْ في الشوى والقَوائمِ
إذا منزلٌ منهُ تجاوزنَ طاسماً ... ترامينَ بالأيدي لآخرَ طاسمِ
ومنه أخذ أبو نواس قوله:
رَكْبٌ تساقَوا على الأكوارِ بينهمُ ... كأسَ الكرى فانثنى المَسقيُّ والساقي
كأنَّ أعناقَهم والنومُ واضعُها ... على المناكبِ لمْ تُعدَل بأعناقِ
وقال الشاعر:
ولذٍّ كطعمِِ الصرخديِّ تركتُهُ ... بأرضِ العِدا منْ خشيةِ الحَدثانِ
ومُبدٍ لي الشحناءَ بيني وبينَهُ ... دعوتُ وقدْ طالَ السُّرى فدعاني
يريد في البيت الأول النوم وفي الثاني الكلب.
البِتْع
قال البتع نبيذ العسل، وهو شديد، يصهر شاربه باليسير ويعقُره. واشتقاقها من البَتع وهو شدة العنُق ويوصف بشدته وغلظه وغلبته الأسدُ، وبقوته يصهر ويفترس.
قال لبيد بن ربيعة العامري:
غُلبٌ تَشذّرُ بالذُّحولِ كأنَّها ... جِنُّ البَديِّ رواسياً أقدامُها
وقال جرير:
ومَقامةٍ غُلبِ الرقابِ كأنّهم ... جِنٌّ لدى بابِ الحصيرِ قيامُ
القِنْديد
قال القنديد مثاله فِعليل، وهو في الأصل فَعْل: قَنْد، وهو عُصارة قصب السكّر، ثم ألحقوا فَعلاً ببناء فعليل، وكسرت فاء فِعْلة لتقع في أبنية كلام العرب كالسِّحتيت والغِربيب والصِّنْتيت والصِّنديد، والخِنْذيذ والنِّحْرير والشِّمطيط، والقِرْطيط والصِّهْميم والعِرنين، والحِلْتيت، والعِبْديد لمن وحّد العباديد، وهم فعلاء. لذلك ألا ترى أن الرعدَ هو خفَقة السحاب وتضاغُط أجزائه، وتدافُع أجرامه، فبنوا من فَعلٍ فِعْليلاً للمتخوّف يرعد جبناً ومخافةً، قالوا: رِعْديد. قال لبيد:
ما إنْ أهابُ إذا السرادقُ عمَّه ... قَرعُ القِسِيِّ وأرعشَ الرِّعديدُ
وقال الأعشى:
ببابلَ لم تُعصرْ فصارتْ سُلافةً ... تُخالطُ قِنديداً ومِسكاً مُختَّما
وأخبرني أبو الفتح عثمان بن جني أن حَزيران إذا أدخلته في أبنية العرب زدتَ في أوله همزة لأنه ليس في كلام بناء حَزيران فقلت احزيران مثل اشهيباب، ومثل قَنْدٍ وقِنديد عِفر للداهي المنكر. وقالوا في الأوصاف: " وقد تكون العَفارة في أولاد الطهارة ". فألحقوا فِعلاً بفعيل فقالوا عِفريت على بناء كِبريت وسبريت. قال الشاعر:
عَفاريتاً عليَّ وأكلَ مالي ... وجُبناً عنْ أُناس آخرينا
وليس في أبنية العرب فِعليل، وإنْ كان الأصل فَعلاً، كأنهم ذهبوا مذهب قِسيّ وسدرات. وقد رفضوا فَعْلولاً أيضاً إلا حرفاً واحداً وهو صَعْفوق، وروي خَرْنوب وهي لغة رديئة؛ وأما ما أنشده الخليل في كتاب العين:
في شَعشعان عُنُقٍ يَمخورِ
فإنه يَفعول، وياؤه زائدة وهو كمخرتِ السفينةُ إذا جرتْ، واستطالة العنق منه، ومثله يَعفور. ولاختصاص الياء بالزيادة أولاً في العنق في الأكثر قال يَستعور وهو في أبنية الكتاب أنه يَفتعول وفيه خلاف.
الخَلّة
قال الخلّة الحامضة كأنها تَخُلُّ اللسان وتقرضه وتلدغه بحموضتها، ومنه سمي الخلُّ لحموضته. ويقال: خلَّ الرجلُ لسانَ الفصيل إذا شقّه لئلا يرضع أمّه.
قال امرؤ القيس:
............... ... كما خَلَّ ظهرَ اللسانِ المُجِرْ
وخلَلْتُ الكساءَ شددته بخِلال، والخَلُّ الطريق في الرمل لشقته على الأقدام. والخَلّ القليل اللحم، والخَلّ والخمر الخير والشر. ويقال ما فلانٌ بخَلٍّ ولا خمر أي لا خير فيه ولا شر عنده.
قال النمر بن تولب:
هلاّ سألتِ بعادياءَ وبنتهِ ... والخلِّ والخمرِ الذي لم يُمنَعِ
وقال الآخر:
أفي اللهِ أنّي مغرمٌ بكِ هائمٌ ... وأنّكِ لا خَلٌّ لديكِ ولا خمرُ
وقال الهذلي في الخَلّة:
стр. 118
كُميتٍ كلونِ الصّرفِ ليسَ بخَلَّةٍ ... ولا خمطةٍ يكوي الشَّروبَ شِهابُها
الكُسَيْس
قال الكسيس السكّر وهو خمرُ اليمن. قال:
فإنْ يُسقَ من أعنابِ وَجٍّ فإنّنا ... لنا العينُ تجري من كَسيسٍ ومنْ خمرِ
وهو فَعيلٌ من الكَسّ، كالمَسيس من المسّ، وهَزيز الريح من الهز، والرسيس من الرسّ. والكَسَس قِصَر الأسنان. ويقولون في الحرب صار الأكسُّ كالأرْوَق أي يقبض شفته فتبدو أسنانه. قال:
فداءٌ خالتي لبني تَميمٍ ... إذا ما كانَ كَسَّ القومِ رَوقُ
وأما الباذق والنبيذ والمثلث والداذيّ فأعجمية. فالنبيذ فَعولٌ بمعنى مفعول أي مَنبوذ، والنَّبْذ هو الشيء اليسير، وجلست نُبذةً أي ناحيةً، والنِّبذ يكون مصدراً بمعنى المفعول كالسَّكب بمعنى المسكوب، والحَشْر بمعنى المحشور. ونابذتُه أي ناصبتُه وقول النبي ﷺ لعبد الله بن مسعود ﵁ لما قال: معي تُميراتٌ نبذتُها في الماء، ثمرةٌ طيبة وماء طهور، إنما أفردهما عيناً وحكماً. والباذِق إنما هو باذَه فعرّبوا آخره. والمثلّث هو السيكيّ ذهب ثلثاه وبقي واحد. والداذيّ والداذ نبتٌ في المواضع المعروفة يُجعل في الشراب تقويةً له.
باب في
آلات الشراب وتوابعه
وأوصافه واشتقاقه:
السُّكر
يقال سَكِرَ الرجلُ سُكراً وهو سَكران وساكر، وهو من سَكَرتُ الماءَ إذا سددتُ جريَه لأنّ السُّكرَ يسدّ منافس الرأس بالبُخارات الفاسدة الصاعدة وسَكَرتِ الريحُ سُكوراً سكنتْ بعد الهبوب.
قال أوس:
فليستْ بطَلقٍ ولا ساكرَهْ
والنَّديم
فَعيل بمعنى مُفاعلٍ مُنادم، والنَّدمان أكثر مُنادمةً وملازمةً من النديم؛ لأن زيادة اللفظ توجب زيادة المعنى ويقال رجلٌ رحيم ولا يقال رحمان لأنه بناء المبالغة. وفي الدعاء يا رحمان الدنيا ورحيمَ الآخرة، لأن رحمته في الدنيا عمّت المؤمن والكافر والفاسق والناسك؛ ورحمته في الآخرة تخصّ المؤمنين والمسلمين دونهم. وتكثير اللفظ مع تقليل المعنى لم يرد في العربية إلا في حرف واحد. قال مَجدْتُ الدابةَ علفتُها ملء بطنها، وأمجدتُها علفتُها نصفَ بطنها.
الإبريق
هو إفْعيلٌ من البرق، والإبريق المرأة الحسناء البرّاقة. قال الشاعر:
دِيارُ إبريقِ العَشيِّ خَوزلُ
والإبريق السيف يقال: سيفٌ إبريقٌ وإصليت.
وأنشد أبو العباس:
لقد أتيتُمْ بأباريقِكمْ ... كأنّنا دونَ بَني الأَسْلَعِ
واللهِ لا ذُقْتمْ بها قطرةً ... على سبيبٍ وهيَ لمْ تُكْرَعِ
أي جئتم بسيوفكم طامعين حتى كأنا دون بني الأسلع، وهم حيّ حاربوهم فلم يقوموا لهم. والله لا ذقتُم بها قطرةً أي لا ذقتم بسيوفكم من دمائناً قطرةً، وهي تعني سيوفهم لم تكرع في دمائكم. وسمي السيف إصليتاً لانصلاته، وإبريقاً للمعانه وبريقه. والسيف بنفسه مشتق من شيئين، أحدهما ما أخبرني به أبو سعيد السيرافي عن أبي بكر بن دريد أنه من السَّواف وهو داءٌ يصيب الإبل فتهلك منه، كأن السيف سبب للهلاك. والثاني أنه من السِّيف وهو شاطئ البحر كأنه يطول كهيئة السِّيف. كما شبهوه بالعقيقة وهي البُرقة المستطيلة في الغيم.
قال عنترة:
وسيفي كالعقيقةِ وهي كمعي ... سلاحي لا أفلَّ ولا فُطارا
ففيه تشبيهان الاستطالة والتلألؤ. فأما ما قول الآخر:
كأنّهُ لمّا تَرَهْيَأَ ساطعاً ... هنديّةٌ تهتزُّ حينَ تُنتضى
ففيه ثلاثة معانٍ استطالة البرقِ وتلألؤه وحركته.
الكأس
وهي الإناء بما فيه من الخمر، كالسَّجْل وهو الدلو بما فيه، وكذلك القلم يُسمى مَبريّاً وإلا فهو قصبة. والرمح يُسمى به ما دام عليه سنانه وإلا فهو قناة. والمائدة ما كان طعام وإلا فهي خِوان، والأريكة ما كانت على السرير وإلا فهي حجَلة ويقال كاسَ البعيرُ إذا عقرْتَه فمشى على ثلاث قوائم.
قال الشاعر:
فظلّتْ تكوسُ على أذرُعٍ ... ثلاثٍ وغادرْتُ أخرى خَضيبا
وكأس اسم أَمَةٍ لمشيها. قال الشاعر:
فقلتُ لكأسٍ ألجِميها فإنّما ... نزلنا الكثيبَ من زرودٍ لنفزَعا
أي لنغيث، من قول النبي ﷺ : " إنكم لقومٌ تَقلّون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع ".
الماخور
стр. 119
قال هو بيت الريبة، من مَخرتِ السفينةُ إذا جرت تَمخر، فسمي بذلك لما يجري فيه من الفساد، وبنات مَخْرٍ سحائب يأتين من قبُل الصيف منتصباتٍ لجريِها في الهواء وانسحابها.
قال طرفة:
كبناتِ المَخْرِ يمأدْنَ إذا ... أنبتَ الصيفُ عساليجَ الخَضِرْ
فهو فاعولٌ من المَخر، كالصاقور فأس عظيمة تُكسر بها الحجارة وهو فاعولٌ من الصقر ضربُ الحجارةِ بعضها ببعض؛ والجارود من الجَرْد.
قال الشاعر:
........ ... كما جرّدَ الجارودُ بكرَ بنَ وائلِ
والصاروج دخيلٌ في العربية لاجتماع الصاد مع الجيم في كلمة، وليس في كلامهم صَرج، وأما الصنج والصَّنجة ففارسي معرب.
الناجود
كل إناء يُجعل فيه الشراب من جَفنة أو غيرها، وهو فاعول من النَّجْد، وهو الطريق المرتفع، والنُّجود ما يُنجد به البيتُ لارتفاعه على العاتق. ومنه استنجدَني فلانٌ فأنجدتُه، أي غلّبته على خصمه وجعلته تحته.
قال زهير:
شَجَّ السُّقاةُ على ناجودِها شَبِماً ... من ماءِ لِينةَ لا طَرْقاً ولا رَنِقا
وقد يسمون الشراب ناجوداً حسب تسمية الشيء باسم غيره إذا كان مجاوراً له، أو كان لسبب.
الراقود
حُبٌّ كهيئة الإردَبَّة، وهو فاعولٌ من رقْد، وهو جبل لاستحصافه وصلابته.
قال ذو الرمة:
تَفُضُّ الحصى عن مُجْمَراتٍ وقيعةٍ ... كأَرْحاءِ رَقْدٍ زَلَّمتْها المَناقرُ
وقال القطامي:
استودعوها رواقيداً مُقيَّرةً ... دُكنَ الظواهرِ قدْ بُرنسنَ بالطينِ
ويسمون الإبريق تامورةً.
قال الأعشى:
وإذا لَها تامورةٌ ... مرفوعةٌ لشرابِها
الراووق
المِصفاة وهو فاعول، من راقَني الشيء أعجبني، وشيء رائق ورقراق الشرابِ لأنه يروق العيون. والرقراقة المرأة الرقيقة البشرة، الرائقة الحسن.
قال ذو الرمة:
........... ... وأقبلن رقراقاتُهنَّ الملائحُ
وروْقَ الشبابِ أوله، وغلمان روقَةٌ حِسان النواظر، والرُّواق فُعال منه. ورَيّق الغيثُ أوله، والشباب أيضاً، وهو فَعيلٌ أصله رَيْوِق، فقُلبت الواو ياءً ثم أدغمت إحداهما في الأخرى، ومثله سيدٌ وأصله سَيْوِد، وللفرّاء فيه قول آخر، ورجلٌ رَيّق إذا كان على الريق لم يُطعم شيئاً. وفي ذكر الريق قد أحسن ابن أحمر:
.......... ... وقدْ يدوِّمُ ريقَ الطامعِ الأملُ
أي يبلّه.
الفِدام
كِرباسةٌ تُشدّ على فم الإبريق وهو فِعال من قولهم لم صبغٌ مُفدّم إذا كان خاثراً مُشبعاً، والفَدْم منه مأخوذ. قال الهذلي:
ولا بطلاً إذا الكماةُ تزيّنوا ... لدى غَمراتِ الموتِ بالحالكِ الفَدْمِ
يريد الدم لخثورته يسوَدّ. والغُمَر القدح الصغير من قولهم تغمّر الرجل دون الري أي فيه حاجة. والصحن القدح الكبير يروّي العشرين كأنه شُبه بالصحن. وصحنْتُ بين القوم أصلحت بينهم. والعُسّ أكبر من الغُمر والتِّبْن أكبر الأقداح. أبو عمرو: والكِتْن القدح. قال الأصمعي: المِصحاة إناءٌ لا أدري من أي شيء هو، وقد بيّنه أوس بن حجر:
إذا سُلَّ مِن غمدٍ تأكّلَ أثرُهُ ... على مثلِ مصحاةِ اللجينِ تأكُّلا
والقَعْبُ القدحُ الصغير. ولهذا وصفوا الحافر بالتعقيب.
قال عوف:
لها حافرٌ مثلُ قعبِ الوليدِ ... يتخذُ الفأر فيهِ مَغارا
والرَّفْد القدح الكبير لأنه يرفد شاربه.
قال الأعشى:
رُبَّ رِفْدٍ هرَقْتُهُ ذلك اليو ... مَ وأسرى من معشرٍ أقتالِ
وجُمام القدح ملؤه، وقدحٌ جَمّام، وقد أجمَمتُه. قال أبو الهذلي:
متكئاً يقرعُ أبوابَهُ ... كالقدحِ والجَفنةِ والقَروِ
وقال الكسائي هو القدح.
وقال الأعشى:
أرمي به البيدَ إذا هجَّرتْ ... وأنتَ بين القروِ والعاصرِ
ويقال مزجت الشراب وشعشعته وصفّقته وأعرقته فهو مُعرَق، وأخفستُه فهو مُخفَس، وقطَبتُه وأنا قاطب، وأقطبته فأنا مُقطِب إذا أكثرت مزاجه. قال:
......... ... يقطّبهُ بالعنبرِ الوردِ مُقطِبُ
وأصل القَطبِ الجمع، والقُطوب في الوجه منه.
قال:
......... ... يَشلُّ بناتِ الأخدريِّ ويُقطِبُ
أي يطرد ويجمع، وجاؤوا قاطبةً أي جميعاً، وقُطب الفلك منه. قال:
........ ... قَطيبانِ شتّى من حليبٍ وحازِرِ
стр. 120
والشعراء يصفون الشراب وأرجَه، ونشرَ الأعطاف والبشرات، وطيبة النكهة، وسلامةَ الريق بجميع أنواع الطيب سوى الكافور. وقول الله تعالى: " مِزاجُها كافوراً، عيناً يشرب بها عبادُ الله " فإن الكافور نهر في الجنة. وتقول كأن القرنفل على أنيابه، والزنجبيل باتَ فيه، والمسكَ شِيبَ بجوانبه، والعنبرَ يُستنشق منه. وتقول في الخمر مِسكيّةٌ وَرديّة إلى غير ذلك.
قال الغساني:
أَنسيمُ ريقِكِ أختَ آلِ العنبرِ ... هذا أمِ استنشاقةٌ من ْ عنبرِ
وقال حبيب:
يُهدي إليكَ نسيمَهُ فكأنّما ... شِيبَتْ جوانبُهُ بمسكٍ أذفرِ
وقال المرار:
أَناةٌ كأنَّ المسكَ دونَ شِعارِها ... يُقطّبُه بالعنبرِ الوردِ مُقطِبُ
وقال الأعشى:
إذا تقومُ يَضوعُ المسكُ أَصوِرَةً ... والعنبرُ الوردُ من أردانِها شَمِلُ
قال الفراء: تغمّرت الشرابَ، وتمقَقتُه وتوّتحته وتمزّرته شربته قليلاً قليلاً. ونَئِفَ من الشراب ارتوى، وأمغد أكثر من الشرب ونقعت نقوعاً، وبضعتُ بضوعاً رَويتُ. ويقال للمعاود للأمر: شرابٌ ناقع. والغُبْجة والنُّغْبة الجرعة، فإن غُصَّ بالشراب قيل شرقتَ وجئزت، وشَجيتَ بالعظم، وغصصت بالطعام، وسَففت الدواء سفّاً، وسَفَتَّه سَفْتاً، وسَفِهتَه سفَهاً إذا أكثرت فلا تروى، والسفاهة في الناس ترجع إلى هذا. قال ذو الرمة:
وأخضرَ مُوشيِّ القميصِ نصبتهُ ... على خصرِ مِقلاتٍ سفيهٍ جَديلُها
أي خفيف هافٌّ مضطرب. والبَغَر والبَحَر في الماء كالبَشَم في الطعام. الإعظار أن يكظَّهُ الشرابُ ويثقل في جوفه، والترشُّف الشربُ بالمصّ، ومن أمثالهم: الشربُ أروى، والرَّشفُ أنفع. ويقولون: ليسَ الريُّ عن التشافِّ أي شرب شفافة الشراب وعيرت امرأة زوجها فقالت: إنّ شربك لاستشفاف، وإنَّ ضَجعتكَ لانجعاف، وإن شملتكَ لالتفاف، وإنك لتشبع ليلةَ تُضاف، وتأمن ليلةَ تخاف. والتبرّض التقلّل منه، والتخبب الامتلاء، والمُجدَّح الشرابُ المخوَّض. وصفحتُه صفَحاً أي سقيته أيّ شرابٍ كان. والعَفْقة الشربة، تعفّقتُه تعفّقاً أي شربت، وافتغمت ما في الإناء شربته كله. والزَّغلة المجَّة من الشراب، والمُجاجة الفَضلة التي تُمجّ، والنَّضْح والنَّشْح دون الريّ. قال ذو الرمة:
........... ... وقدْ نَشحْنَ فلا رِيٌّ ولا هضمُ
وقال زهير:
.......... ... فلا فَوتٌ ولا دركُ
وقال عنترة:
.......... ... لا ممعنٍ هرباً ولا مُستسلمِ
وفي كلامهم: لا قتيلٌ فيودى ولا أسيرٌ فيُفدى. وقالت سلمى في صخر: لا حيٌّ فيُرجى، ولا ميت فيُنسى. وقال حاجب: ما القعقاع برطبٍ فيُعصر ولا يابسٍ فيُكسر. ورجلٌ سِكّير كثير السُّكر، وثَمِلٌ ومُنتشٍ ونشوان. والخِمّيرُ الكثير الشربِ للخمر، وسكران مُلْتَخٌّ ومُلْطَخّ إذا اختُلط عليه أمره. والطافح والدِّهاق والمُفعَم والمُتأَق والرَّيّان الممتلئ، والطافح المرتفع، ومنه سكرانُ طافحٌ أي ملأه الشرابُ حتى ارتفع، والمُغربُ والمسجور والساجر.
قال النمر:
إذا شاءَ طالعَ مسجورةً ... ترى حولَها النبعَ والسماسا
والمُفرَم المملوء بالماء. قال ابن قتيبة في كتاب إصلاح الغلط على أبي عبيد: لا أدري من أي شيءٍ أخذ عبد الملك في خطابه الحجّاج لما شكاه أنس: يابنَ المُستفرِمة بعجم الزبيب، وهو من قول امرئ القيس:
مستفرماتٍ بالحصى جَوافِلا ... ...........
الباب الأول
التعريش والعناقيد
إبراهيم بن المهدي:
منابتُ كرمٍ تظلُّ النبي ... طُ تعملُ منهُ عريشاً عريشا
إذا أنتَ قابلْتَها خِلتَها ... مطارفَ خُضراً كُسينَ النقوشا
الباذاني:
وعناقيدَ تراها ... إذْ تمايلْنَ مَميلا
رُكِّبَتْ فيها لآلٍ ... لم تُثَقَّبْ فَتجولا
كالثُّريا قد أرادتْ ... عندَ إسفارٍ أُفولا
ابن المعتز:
حتى إذا حَرُّ آبٍ فارَ مِرجلُهُ ... بفائرٍ من هجيرِ الشمسِ مُستعِرِ
ظلّتْ عناقيدُها يخرجْنُ من ورقٍ ... كما احتبى الزِّنجُ في خضرٍ منَ الأُزُرِ
الناجم:
مُعرشٌ للكرومِ منتشِرٌ ... أوراقُهُ الخضرُ دونَ مرآها
فكلُّ كَرمٍ هوَ السماءُ دجىً ... وكلُّ عنقودةٍ ثُريّاها
стр. 121
الخباز البلدي:
مُعرشٌ مالَتْ عناقيدُه ... منْ كِللِ الأوراقِ تحتَ الحجبْ
ترُدُّ عينَ الشمسِ مطروفةً ... عنْ حَلَكٍ في متنِها أوْ جرَبْ
منظومةٌ حباتُ أعنابِهِ ... نَظماً بلا سِلكٍ جرى في الثُّقبْ
كأنَّها الماءُ وقدْ لُفَّ في ... طحلبِهِ الأخضرِ تحتَ الحبَبْ
أنشد:
يحملْنَ أوعيةَ المُدامِ كأنّما ... يحملنَها بأكارعِ النَّغرانِ
ابن المعتز:
أقرَّ عروشَها بثرىً وطَيٍّ ... وأنهارِ كحيّاتٍ سَوارِ
وسقّفَها العريشُ فحمّلتْهُ ... عناقيداً كآثارِ الجَواري
ابن لنكك:
انظر إلى الكرمِ العريشِ على دعائمِهِ المُسَنَّدْ
حبّاتُهُ سَبَجٌ نُظمْنَ بخُضرِ أوراقِ الزَّبرجَدْ
بينَ المُبدَّدِ والمُسَرَّدِ في المُرَجَّلِ والمُجَعَّدْ
مُتهَدّلاتٌ كالثُّديِّ كواعبٌ منها ونُهَّدْ
آخر:
تَهفو عنا قيدُها مُهدَّلةً ... من قُضُبٍ ثَرَّةٍ مغارسُها
مثلَ القناديلِ من معالِقِها ... وخُضُر أوراقِها ملابِسُها
الباب الثاني
نبذها وإيداعها الدنان
القطامي:
استودَعوها رواقيداً مُقيَّرةً ... دُكْنَ الظواهرِ قد بُرْنِسْنَ بالطينِ
كأنّهن وقد صُفّفْنَ في نسَقِ ... مُستوسَقاتُ نَبيطٍ في تبابينِ
ابن المعتز:
فأودَعها الدّنانَ مُسنّداتٍ ... وأسلمَها إلى شمسِ النهارِ
وألبسَها قلانسَ مُعلَماتٍ ... وصاحبَها بصيرٍ وانتظارِ
أبو نواس:
ودنانٍ مُسنَداتٍ ... مَعلَماتٍ بمدادِ
أنفذوهُنَّ بطعنٍ ... مثلِ أفواهِ المَزادِ
ابن المعتز:
ودنانٍ كمثلِ صف رجالٍ ... قد أُقيموا ليرقصوا وسَتبَنْدا
وأباريقَ قد صَغونَ إلى المب ... زالِ والعلجُ يقصدُ الدنَّ قَصدا
ابن لنكك:
صُفّيتْ في الدنانِ أو في الخوابي ... فهيَ مصفوفةٌ كسطرِ الكتابِ
في ضُحى الطينِ أو دُجى القارتَنمي ... ذاتُ لونٍ مثل العقيقِ المُذابِ
نُصبَ عينِ الهجيرِ تغلي عليهِ ... غلياناً بشدةٍ والتهابِ
ابن المعتز:
فطافَ قاطفُها فيها وأسلمَها ... إلى خوابيَ قدْ عُمِّمْنَ بالمَدَرِ
الباب الثالث
إدراكها وعتقها
كشاجم:
ألستَ ترى الظلامَ وقد تولّى ... وعنقودَ الثريّا قد تَدلّى
فدونَكَ قهوةً لم يُبقِ منها ... تقادُمُ عهدِها إلا الأقلاّ
بزلْنا دَنَّها والليلُ داجٍ ... فصيَّرتِ الدُّجى شمساً وظِلاّ
الخليع:
حتى إذا الدهرُ أبقى من سُلالتِها ... جزءَ الحياةِ وقدْ ألوى بأجزاءِ
فُضَّتْ خواتيمُها في نعتِ واصفِها ... عن مثلِ رقرقةٍ في عينِ مَرْهاءِ
أبو نواس:
نتيجةُ كرمةٍ منْ بيتِ راسٍ ... تضيءُ الليلَ مضروبَ الرُّواقِ
أتتْ من دونِها الأيامُ حتى ... تَفانى جسمُها والروحُ باقِ
ابن المعتز:
من كُميتٍ كأنّها أرضُ تِبرٍ ... في نواحيهِ لؤلؤٌ مغروسُ
أسكنوها الدنانَ من عهدِ عادٍ ... كظلامٍ فيها نهارٌ حبيسُ
أبو نواس:
تَحيَّرْتُ والنجومُ وقفٌ ... لم يتمكَّنْ بها المدارُ
فلم تزلْ تأكلُ الليالي ... جُثمانَها ما به انتصارُ
حتى إذا ماتَ كلُّ ذامٍ ... وخلصَ السِّرُّ والنِّجارُ
عادَتْ إلى جوهرٍ لطيفٍ ... عِيانُ موجودِهِ ضِمارُ
ابن المعتز:
مُعتّقةٌ صاغَ النهارُ لرأسِها ... أكاليلَ دُرٍّ ما لمنظومِها سِلكُ
جرَتْ حركاتُ الدهرِ فوقَ سكونِها ... فذابَتْ كذَوبِ التِّبْرِ أخلصَهُ السَّبكُ
وأدركَ منها الغابرونَ بقيّةً ... من الروحِ في جسمٍ أضرَّ بهِ النَّهْكُ
فقدْ خفيَتْ من صفوِها فكأنّها ... بقايا يقينٍ كادَ يُذهبُهُ الشكُّ
أبو نواس:
وسُلافٍ كأنّما كلُّ شيءٍ ... يتمنّى مُخيّراً أنْ يكونا
أكلَ الدهرُ ما تجسَّمَ منها ... ثمّ أبقى لُبابَها المكنونا
فإذا ما اجتليتَها فهباءٌ ... تمنعُ الكفَّ ما تبيحُ العيونا
الخليع:
стр. 122
وقد ألِفتُ حِجرَ الدنانِ وليدةٌ ... كما ألِفَ الولدانُ حِجرَ الحواضِنِ
فقد أخذْتُ من ريحِها وصفائِها ... وقوّتِها والطعمِ كلَّ المحاسنِ
أبو نواس:
قهوةٌ عُمِيَ عنها ... ناظِرا رَيبِ المَنونِ
عُتّقتْ في الدنِّ حتى ... هيَ في رِقّةِ ديني
ثمَّ شُجّتْ فأدارَتْ ... فوقَها مثلَ العيونِ
حَدَقاً ترنو إلينا ... لم تُحَجَّرْ بجفونِ
إسحق بن الصباح:
حبسوها في الدنِّ عاماً فعاما ... فهْيَ نورٌ قد قنّعوها ظلاما
طبختْها الشِّعرى العَبورُ وأذكَتْ ... نارَها في قرارِها الأعواما
فهيَ في دنِّها شعاعٌ نَضيدٌ ... تَحسرُ العينَ أو نسيماً رُكاما
فإذا ما اجتليتَها فهيَ شمسٌ ... أشعروها من الزجاجِ غَماما
ابن مناذر:
ما من لذاذةِ نفسٍ أو مَطالبها ... إلا وثُلمتُها تنسدُّ بالراحِ
حمراءُ محبوسةٌ في الدُّنِّ مُذْ زمنٍ ... رهينةً بينَ وِعرانٍ وأقداحِ
نورٌ مُصاصٌ بلا شَوبٍ ولا كدَرِ ... ولا هباءٍ على حافاتِ أقداحِ
تَسورُ في الراحِ منها سَورةٌ عجبٌ ... تسطو عليهِ إلى أنْ يسكرَ الصاحي
الباب الرابع
خروجها بالبزال
أبو نواس:
فَضَضْتُ خِتامَها والليلُ داجٍ ... فدرَّتْ دَرَّةَ الودَجِ الطَّعينِ
بكفِّ أغنَّ مُخْتَضِبٍ بَناناً ... مُذالِ الصُّدغِ مضفورِ القرونِ
لنا منهُ بعينيهِ عِداتٌ ... يخاطبُنا بها كسرُ الجفونِ
كأنَّ الشمسَ مقبلةٌ بشمسٍ ... إلينا في قلائدِ ياسمينِ
أخذ البيت الثالث من قول ذي الرمة:
ولم يستطعْ إلفٌ لإلفٍ تحيّةً ... منَ القومِ إلاّ أنْ يُسلِّمَ حاجبُهْ
وأخذ من أبو نواس الرقاشي حيث يقول:
وفي غمزِ الحواجبِ مُستراحٌ ... لحاجاتِ المحبِّ إلى الحبيبِ
ابن المعتز:
بُزلَتْ كمثلِ سَبيكةٍ فدْ أفرغَتْ ... أو حيّةٍ وثبَتْ منَ الرَّمضاءِ
وتوقَّدتْ في ليلةٍ من قارِها ... كتوقّدِ المَرّيخِ في الظَّلماءِ
أبو نواس:
ثم توجّأْتُ خصرَها بشَبا الأشفى فجاءَتْ كأنّها اللهبُ
فاسْتَوْسَقَ الشُّربَ للنَّدامِ وأجراها علينا اللُّجينُ والغَرَبُ
الصنوبري:
ما زالَ يقبضُ روحَ الدنِّ مِبزلُهُ ... كما تغلغلَ سِلكُ الدرِّ في الثَّقبِ
وأمطرُ الكأسُ ماءٌ من أبارقِهِ ... فأنبتَ الدرُّ في أرضٍ من الذهبِ
وسبّحَ القومُ لمّا أنْ رأوا عجباً ... نوراً من الماءِ في نارٍ منَ العِنبِ
ابن المعتز:
مُسنَّدةٌ قامتْ ثلاثينَ حجّةً ... كواضعةٍ رِجلاً وقدْ رفعَتْ رِجْلا
فأخرجَ بالمبزالِ منها سَبيكةً ... كما فتلَ الصَّواغُ خَلخالَهُ فَتلا
آخر:
ومُدامةٍ فُتلتْ فأش ... بَهَ فَتلُها فتلَ السواري
لي من زُجاجتِها ومن ... ها لَمحتا نورٍ ونارِ
الباب الخامس
خروجها من الإبريق وصفات الإبريق
آخر:
سعى إلى الدنِّ بالمبزالِ ينقُرُهُ ... ساقٍ توشّحَ بالمنديلِ حينَ وثَبْ
لمّا وَجاها بدَت صفراءَ صافيةً ... كأنّما قدَّ سَيراً منْ أديمِ ذهَبْ
أبو نواس:
فقام كالغصنِ قد شُدّتْ مناطقُهُ ... ظبيٌّ يكادُ من التهييفِ ينعقِدُ
فاستلَّها من فمِ الإبريقِ صافيةً ... مثلَ السِّنانِ جرى واستمسكَ الجسدُ
الخليع:
يا طيبَها قهوةً حمراءَ صافيةً ... كدمعِ مفجوعةٍ بالإلفِ مغيارِ
كأنَّ إبريقنا والخمرُ في فمهِ ... طيرٌ تناولَ ياقوتاً بمنقارِ
أحمد بن أبي كامل:
اشربْ فقد شرَّدَ ضَوْ ... ءُ الصُّبحِ عنا الظُّلَما
وانبسطَ النورُ على ... وجهِ الثرى مُبتسما
كأنّما أطلعَ ما ... ءُ المزنِ فيه أنجُما
وصوّبَ الإبريقُ في ال ... كأسِ مداماً عندما
كأنّهُ إذْ مجَّهُ ... مُقهقِهٌ يبكي دما
والبة بن الحباب في الإبريق:
إبريقُنا مُصَلٍّ ... يضحكُ في صلاتِهْ
يكِبُّ ثمّ يُقعي ... كالظبيِ في فَلاتِهْ
يمجُّ كلَّ شيءٍ ... يمرُّ في لَهاتِهْ
ومنه أخذ أبو نواس قوله:
стр. 123
من ماثلٍ فُدِّمتْ مكاحلُهُ ... يقلسُ في الكأسِ بيننا الذهَبا
الناجم فيه:
وليلةٍ للراحِ في دَيجورِها ... صُبحٌ وللإبريقِ ضِحكٌ مُختلفْ
شبّهتُها مُثاقفاً مدَّ إلى ... مُثاقفٍ شمالَهُ وقد وقَفْ
البسّامي:
إبريقُهم بينهُمُ ضاحكٌ ... باكٍ كإنسانٍ حزينٍ فَرِحْ
مُنتصبٌ كالخِشفِ منْ رَبوةٍ ... مُلثّمٌ بالقَزِّ أو مُتّشِحْ
أبو عطاء:
منْ أباريقِ ملاءٍ رُذَّمٍ ... والذي في الكفِّ ملثومٌ أغَرْ
مثلُ خِشفِ القفرِ أقعى خائفاً ... رَميةَ القانصِ لمّا أنْ حَذَرْ
وكفرخِ الماءِ في عُبطتِهِ ... حاذَرَ الصقرَ فأهوى فنقَرْ
عمارة:
أباريقٌ مُفدّمةٌ بقَزٍّ ... أوِ الكتّانِ أو خِرَقِ الحريرِ
جرتْ عذباتُهنَّ لنا اهتزازاً ... كألويةٍ خفَقْنَ على أميرِ
ابن المعتز:
كأنّها حينَ مجّتْ ... في الكأسِ ريقةَ خمرَه
أمٌّ تعاهدُ فرخاً ... بغرّةٍ بعد غُرَّهْ
أخذه من أبو نواس:
ترى إبريقَنا والطيرُ سامِ ... لهُ فرخانِ منْ دُرٍّ وسامِ
إذا ما زَقَّ فرخاً من سُلافٍ ... تعاهدَ آخراً بعدَ الفِطامِ
البسامي:
ترى أبا ريقَهمْ مُفدّمةً ... يَعلُّها الفتيةُ المغاويرُ
كالطيرِ حامَتْ على شرائِعِها ... فابتلَّ من وِرْدِها المناقيرُ
الحسن بن وهب:
إبريقُنا كالغزالِ يخشعُ ما ... قامَ فإنْ خرَّ ساجداً ضحِكا
الموصلي:
أباريقُهمْ زُهُرٌ مِلاءٌ كأنّها ... ظِباءٌ بأعلى الرقمتَيْنِ قِيامُ
وقد شربوا حتى كأنَ جلودهُمْ ... من اللَّينِ لم يُخلقْ لهنَّ عِظامُ
الباب السادس
حمرتها
ابن ميادة وأجاد لفظاً ومعنىً:
ومُعتّقٌ حُرِمَ الوقودَ سُلافَةً ... كدمِ الذبيحِ تمجُّهُ أوداجُهُ
ضمِنَ الكرومُ له أوائلَ حملِهِ ... وعلى الدنانِ تَمامُهُ ونِتاجُهُ
الأقيشر:
فأنتِ إذْ باكرْتِ مشمولةً ... صِرفاً كلونِ الفرسِ الأشقرِ
رُحتِ وفي رِجليكِ ما فيهما ... وقدْ بدا هَنْكِ من المئزرِ
ابن المعتز:
وخَمّارةٍ من بناتِ المجوسِ ... ترى الزقَّ في بيتِها شائِلا
وزَنّا لها ذهَباً جامداً ... فكالَتْ لنا ذهباً سائلا
أحمد بن أبي طاهر:
ورقيقةِ الحجراتِ با ... ديةِ القدى ذوب العقيقِ
في بردِ كافور الريا ... حِ، وحرّ نائرة الحريقِ
سَلسالة شرباتُها ... يفتحن أفواهَ العُروقِ
زقَّ الطيورُ فراخَها ... لصَبوحها أو للغَبوقِ
بكر بن خارجة:
بِتْنا بمارَتِ مريمٍ ... سُقياً لمارَتِ مريمِ
ولقسِّها محيي المُتَي ... مِ بعدَ نومِ النوَّمِ
وليُوشَعٍ ولخمرة ... حمراءَ مثل العَندمِ
ولفتيةٍ حَفوا بها ... يعصونَ لومَ اللُوَّمِ
يسقيهمُ ظبيٌ أغنٌّ لطيفُ خلْقِ المِعصمِ
يرمي بعينيهِ القلو ... بَ كمثلِ رميِ الأسهُمِ
الخباز البلدي:
شربتُ دماً أريقَ من الفصيدِ ... بلا شَقِّ الحديدةِ والحديدِ
فقمتُ أجرُّ رِجلَيْ مُستكينٍ ... تضرّعَ من قيامٍ للقعودِ
الأخطل:
سُخاميةٌ كوِداجِ الحمارِ ... يغرقُ في عُرفهِ المِبضَعُ
يغبُّ دماً قانِياً صِبغُهُ ... بهِ للمُتيّمِ مُستمتَعُ
قال عبد الملك بن مروان للأقيبل القيني صِف لي الخمر فأنشأ يقول:
كُمَيتُ إذا شُجَّتْ وفي الكأسِ وردةٌ ... لها في عِظامِ الشاربينَ دَبيبُ
تُريكَ القذى من دونِهِ وهيَ دونَهُ ... لوجهِ أخيها في الإناءِ قُطوبُ
فقال عبد الملك: لقد رابني وصفك لها، فقال الأقيبل: لئن رابك وصفي لها فقد رابني معرفتك بها. ووصف النظّام الخمر والقدح فقال: هواءٌ بلا هباء، مُحلولِكٌ يضمّه موج من الماء مكفوف.
أنشد الأسواري:
وإنّي وإيّاها لكالخمرِ والفتى ... متى يستطيعُ منها الزيادةَ يزدَدِ
وقال عبد الملك بن مروان للأخطل: صِف لي الخمر! فقال: أولها صداع، وآخرها خمار. فقال: ما يعجبك منها؟ قال: إن بينهما طربةٌ لا يعدلها مُلكُك، وأنشأ يقول:
стр. 124
إذا ما نَديمي علَّني ثمَّ علَّني ... ثلاثُ زُجاجاتٍ لهنَّ هَديرُ
خرجتُ أجرُّ الذيلَ منّي كأنّني ... عليكَ أميرَ المؤمنينَ أميرُ
اليعقوبي:
تناولتُها والليلُ وَحْفٌ جناحُهُ ... بسجفٍ من الظلماءِ في الأرضِ مُسبَلُ
موردةً لا الوردُ يعطيكَ لونَها ... ولا الدمُ من أوداجِ أدماءَ مُغزِلِ
ومنطقةَ الجوزاءِ شدّتْ بخصرِها ... نجوماً كحبّاتِ الجُمانِ المُفصَّلِ
وفي الأفقِ الغربيِّ مسائلةُ الطُّلى ... نجومُ ثُريّاها كقُرطٍ مُسلسَلِ
أُشاربُهنَّ الكأسَ مَلأى رَويّةً ... لِهمِّ الخليّ الخالعِ المُتغزِّلِ
تَسورُ حُميّاها إلى الرأسِ عَنوةً ... وتَسري دبيبَ السمِّ في كلِّ مَفْصِلِ
الباب السابع
صفرتها
أنشد:
وصفراءَ منْ ماءِ الكرومِ شربتُها ... على وجهِ صفراءِ الترائبِ غَضَّةِ
تَبدتْ وفضلُ الكأسِ يلمعُ فوقَها ... كأُتْرجَّةٍ زينَتْ بإكليلِ فِضَّةِ
ابن المعتز:
وزعفرانيّةٍ في اللونِ تحسَبُها ... إذا تأمّلتَها في ثوبِ كافورِ
كأنَّ حَبَّ سَقيطِ الطَّلِّ بينهما ... دمعٌ تحدَّرَ منْ أجفانِ مهجورِ
الأخيطل الأهوازي:
وعاتقٍ شابَ مَفرِقاها ... لمْ تَدرِ ما الليلُ والنهارُ
أذابَ أجزاءَها الليالي ... فطارَ من نارِها الشرارُ
ثمَّ اجتلاها السقاةُ صَفواً ... تَحوزهُ الأعينُ النضارُ
تَخالُ في وجهِها اصفراراً ... وهوَ على الأوجهِ احمرارُ
أخذ البيت الثالث من قول أبي تمام:
وغدوتُ تخطوني العيونُ ضُؤولةً ... منْ بعدِ أبّهةٍ لديكِ وخالِ
العلوي:
ومُدامةٍ يسعى بها ... رَشاً أغنُّ المُنتطَقْ
تحكي غُلالةَ خدِّهِ ... بلْ خدُّهُ منها أرقْ
ذهبيةٍ في كأسِها ... كالشمسِ تهوي في الأفقْ
ابن المعذّل:
مُعتّقةً شمسُ الظهائرِ لاذُها ... تغادرُها في لونِ شمسِ الأصائلِ
كأنَّ عليها من أكاليلِ مزجِها ... بقايا نجومٍ طالعٍ وأوافِلِ
تجرُّ ذيولاً من تلالي شعاعِها ... كأنَّ عليها صافياتِ الغلائلِ
أبو السمط مروان:
ألا عاطِني صفراءَ أو ذهبيّةً ... تجورُ على الندمانِ جَوراً بلا قصْدِ
تردُّ خَلِيَّ القلبِ يذكرُ ما مضى ... وتقدحُ زندَ الحُبِّ في الحجرِ الصلدِ
ويهتزُّ عودُ العيشِ أخضرَ ناضراً ... ويبتلُّ جلدُ الأشيبِ القاحلِ الجَلْدِ
ووَرسيّةٌ في كأسِها ذهبيّةٌ ... ولكنّها ورديةُ اللونِ في الخدِّ
الباب الثامن
رائحتها
أبو نواس:
ومُقعَدٍ قومٍ قد مضى من شرابِنا ... وأعمى سقَيْناهُ ثلاثاً فأبصرا
وأخرسَ لم ينطِقْ ثلاثينَ حجّةً ... أدَرْنا عليهِ الكأسَ يوماً فهَمَّرا
شراباً كأنَّ العنبرَ الوردَ نُشْرُهُ ... ومسحوقَ هِنديٍّ من المِسكِ أذفَرا
من القِرَباتِ القُرِّ من أرضِ بابلٍ ... إذا شمَّها الحانيُّ في الدارِ كبَّرا
ابن الرومي:
تَلقاكَ في رِقّةِ الشرابِ وفي ... نشرِ الخُزامى وحُمرةِ الشَّفَقِ
لهُ صَريحٌ كأنّهُ ذهبٌ ... ورغوةٌ كاللآلئِ النَّسَقِ
الحسن بن وهب:
وقهوةٍ صافيةٍ ... كالمِسكِ لمّا نَفحا
شربْتُ من دِنانِها ... من كلِّ دَنٍّ قَدحا
فَعُدتُ لا تحملُني ... أعوادُ سَرجي مرَحا
من شدّةِ الكِبْرِ الذي ... على فؤادي طفَحا
أبو نواس:
وشمطاءَ حلَّ الدهرُ منها بنَجوةٍ ... دلفْتُ إليها فانتزعتُ حَنينَها
كأنَّا حُلولٌ بينَ أكنافِ روضةٍ ... إذا ما سلبْناها منَ الليلِ طينَها
السروي:
وورديةٍ مِسكيّةٍ في نسيمِها ... أُبيحَتْ لنا والنجمُ في الأفقِ راكِضُ
عطفْتُ عليها والصباحُ مُسرَّبٌ ... سَراياهُ في الظلماءِ والليلُ ناهضُ
ومُكِّنتِ الكاساتُ منها كمثلِ ما ... تمكّنُ مِن وردِ الخدودِ العَوارضُ
أبو نواس:
جاءَتْ بجامتِها من بيتِ خَمّارِ ... رُوحٌ من الخمرِ في جسمٍ من القارِ
стр. 125
فالريحُ رِيحُ الذكيّ الأذفرِ الداري ... والبردُ بردُ الثَّرى واللونُ للنارِ
المتنبي:
سُهادٌ لأجفانٍ وشمسٌ لناظرٍ ... وسُقمٌ لأبدانٍ ومِسكٌ لناشِقِ
أبو نواس:
نحنُ نُخفيها فيأبى ... طيبُ ريحٍ فيفوحُ
فكأنَّ القومَ نُهبى ... بينهمْ مِسكٌ يفوحُ
البحتري:
ولها نسيمٌ كالرياضِ تنفَّسَتْ ... في أوجهِ الأرواحِ والأنداءِ
وفواقعٌ مثلُ الدموعِ تردّدتْ ... في صحنِ خدِّ الكاعبِ العذراءِ
الخليع:
سلَبْنا غطاءَ الطينِ عنها بسُحرةٍ ... فضاعَتْ بمسكٍ في الخياشمِ ساطعِ
وسلَّسها الحانيُّ في الكأسِ فانجلَتْ ... بلونٍ كلونِ التِّبرِ أصفرَ فاقعِ
الباب التاسع
مزجها والحباب
ابن المعتز:
فلمّا صبَّها في الكأسِ سارَتْ ... كما سارَ الشجاعُ إلى الجبانِ
وقدْ لبسَتْ خِماراً من حُبابٍ ... كَسِلْخِ الأَيْمِ أو دُرِّ الجُمانِ
فخِلتُ الكأسَ مركزَ أُقحوانٍ ... وتُربتُهُ سحيقَ الزعفرانِ
الثرواني:
خَليليَّ مِن تَيْمٍ وعِجلٍ هُدِيْتُما ... أضيفا بحثِّ الكأسِ يومي إلى أمْسي
وإن أنتما حَييّتُماني تحيةً ... فلا تعدوا ريحانَ قَلاّيةِ القَسِّ
وبالسوسنِ الآزاذِ فالوردِ فارِميا ... بنِسرَينكُمْ في الشرق أو مغربِ الشمسِ
وإن قُلتما لا بدَّ من شُربِ دائرٍ ... ولم تَعداني في مِطالٍ ولا حبْسِ
فمِنْ قهوةٍ حيريّةٍ جابريّةٍ ... عتيقةِ خَمسٍ أو تزيدُ على خمسِ
ذخيرةِ فيروزٍ ليومِ صَبوحِهِ ... ونَيروزِهِ في خيرِ أشربةِ الفُرسِ
تجرُّ على قَرعِ المزاجِ إزارَها ... وتختالُ منه في مُصبّغةِ الورسِ
أنشد:
ماشِلةٌ في قميصِ تِبرٍ ... للدرِّ من فوقِها خِمارُ
ياقوتةٌ حفَّها شعاعٌ ... وجذوةٌ شابَها شرارُ
أحمد بن أبي فنن:
أستلُّ منْ تحتِ الزبَدْ ... مُدامةً مثل الوقَدْ
أطيبَ في الكأسِ إذا ... جاءتك منْ ريحِ الولَدْ
عدي بن زيد:
باكَرَتْهُنَّ قَرقَفٌ كدمِ الجوْ ... فِ تُريكَ القَذى، كُميتٌ رحيقُ
ثم نادتْ ألا اصبحوني فقامت ... قَينةٌ في يمينها إبريقُ
قدمتْهُ على عُقارٍ كَعينِ الدّ ... يكِ صَفّى سُلافَها الراووق
مُزّةٌ قبل مزجِها فإذا ما ... مُزجتْ لذَّ طعمَها من يذوقُ
فطفا فوقَها فقاقيعُ كاليا ... قوتِ حمرٌ يزينُها التصفيقُ
ثم كان المِزاجُ ماءَ سحابٍ ... لا جَوٍ آجنٌ ولا مَطروقُ
والشعراءُ يمدحون ماء المطر للمزاج، ويصفونه بالصفاء والرقة، والخصر والشيم، وأنه عذب نمير، قد فصّلته الشمال، فأعلاه سلسال، وظاهره رقراق، وقراره حصباء ورضراض، وأن موقعه على صَمّانة رصَف، ومصابه في قَلْتٍ على سفح جبل، أو نُقرة في طود شاهق، وبين ألواذ الهضاب في عجمة الرمل، ومحاني المذانب، وأهضام الأوداء وبطون الشعاب، وأجواف الغُدران، وأنه غريضٌ استدرّته الريح، ومرَتْه الصبا عن متون الغوادي الغر، وفَضيض من صوب السواري السود، وقد نسجتها الزعازع، وصفّقتها العواصف، فسلسلت أجزاءه، وجابت غثاءه وأقذاءه، وأن مستنقعه ثنيّة قذفٌ، وأرض مَجْهَل، ومرْتٌ مُضلّة، حيث لا يرى القائف عيناً ولا أثراً، ومَصاد رعْن، لا تحوم عليه الفُتخُ، ولا تخوضه الأكرع، ولا تُصدّيه الأنفاس بسر غير مطروق، ونطفة زرقاء، وجمّة سجراء.
كما سمعت زهيراً يقول:
شجَّ السقاةُ على ناجودِها شبماً ... من ماءِ لينةَ لا طَرْقاً ولا رَنَقا
وقال مسلم:
وماءٍ كعينِ الديكِ لا يقبلُ القذى ... إذا درجتْ فيه الصبا خِلتَهُ يعلو
قصرْنا به باعَ الشَّمولِ وقد طفتْ ... فألبسَها حِلماً وفي حلمِها جهلُ
ويشبهون به ريق الأحبة، وأنّ مشربه خَصِر، ومسقاه شَبِم، وملثَمه عذب، وأنه بارد المقبَّل، لذيذ المكرع، طيب المراشف، كقول البولاني:
فما نطفةٌ من حَبِّ مُزنٍ تقاذفَتْ ... به حَسَنَ الجوديِّ والليلُ دامسُ
فلما أقرّتْهُ اللصابُ تنفّستْ ... شمالٌ لأعلى مَتنِهِ فهو قارسُ
стр. 126
بأطيبَ من فيها وما ذقتُ طعمَهُ ... ولكنني فيما ترى العينُ فارسُ
أبو تمام في المزاج:
ولعابُ بنتِ غمامتينِ مزجتُهُ ... بلُعابِ قلبِ قطافِ غرسٍ مُونقِ
حمراءَ من حلَبِ العصيرِ كسوتُها ... بيضاءَ من حلَبِ الغَمامِ الرقْرَقِ
أخذ لفظه من قول مسلم:
صفراءُ من حلَبِ الكرومِ كسوتُها ... بيضاءَ من حلَبِ الغَمامِ البُجَّسِ
ابن المعتز:
قهوةٌ زوّجَتْ بماءِ سحابِ ... فكسا وجهَها نِقابُ حَبابِ
مثلَ نَسجِ الدروعِ أو مثلَ مِي ... ماتٍ تدانَتْ بها سطورُ الكتابِ
وتراها في كأسِها مثلَ شمسٍ ... طلعَتْ في مُلاءةٍ من سَرابِ
فإذا صادفَتْ فؤاداً حَلِيّاً ... لم تدَعْهُ فرداً بلا أحبابِ
إسحاق بن الصباح:
كلُّ عَروسٍ حسنٍ وجهُها ... زهَتْ فبالخمرِ أَزاهيها
الحليُ منها، مُستعارٌ لها ... والخمرُ عمّى حَليَها فيها
ابن المعتز:
سرَيْتُ فيها بخيولٍ شُقرِ ... سِياطُها ماءُ السحابِ الغُرِّ
آخر:
عن عُقارٍ شهباءُ تحسبُها ... شِيبَتْ بمسكٍ في الدنِّ مفتوتِ
للماءِ فيها كتابةٌ عَجَبٌ ... كمثلِ نقشٍ في فَصِّ ياقوتِ
آخر:
واكتسَتْ من فضّةٍ زرَداً ... خِلتُها من تحتها ذهَبا
كمنَتْ في الدنِّ قلَّدها ... فارسٌ من لؤلؤٍ حَبَبا
ابن المعتز:
أحداقُها فضّةٌ مُجوّفةٌ ... نواظرٌ ما لهُنَّ أشفارُ
يلمعُ فيها من كلِّ ناحيةٍ ... كوكبُ نورٍ إليكَ نَظّارُ
الرقاشي:
ترى كأسَها عند المزاجِ كأنّما ... نثَرْتَ عليهِ حَلْيَ رأسِ عَروسِ
فتَهتكُ أستارَ الضميرِ عنِ الحشا ... وتُبدي من الأسرارِ كلَّ حَبيسِ
السروي:
مثلُ ذَوْبِ العَقيقِ حتى تبدَّتْ ... واكتسَتْ منْ حَبابِها إكليلا
تلزَمُ الماءَ حينَ يُرسل فيها ... مثلما يلزَمُ الخليلُ الخليلا
آخر:
ونارٍ قد حَناها سَراعاً بسُحرةٍ ... متى ما تُرِقْ ماءً عليها تَوَقَّدِ
يجولُ حَبابُ الماءِ في جنَباتِها ... كما جالَ دمعٌ فوقَ خدٍّ مُورَّدِ
آخر هو ابن المعتز:
حمراءُ لو قيلَ ما احمرَّتْ موردةٌ ... طافَتْ عليها فسرَّتْ كلَّ مهمومِ
كأنَّ في كأسِها، والماءُ يقرعُها ... أكارعَ النملِ أو نقشَ الخواتيمِ
آخر:
إذا ما الماءُ أمكنني ... وصفوُ سُلافةِ العِنبِ
سبكتُ الفضةَ البيضا ... ءَ فوقَ قُراضَةِ الذهبِ
آخر:
ينصبُ حرَّ جِسمِها بردُ ثلجٍ ... فهي نارٌ إنْ لم تكن ذاتَ مزجِ
اُغْزُ واحجُجْ إلى المُدامِ فهذا ... يومُ غزوٍ إلى المُدامِ وحَجِّ
المتلمس:
كأني شاربٌ يومَ استقلّوا ... وحَثَّ بهمْ وراءَ البيدِ حادِ
عُقاراً عُتِّقتْ في الدنِّ حتى ... كأنَّ حبَابَها حدَقُ الجَرادِ
أبو نواس:
كلُّ ليالي السودِ مُذْ قابلْتُهُ ... عندي كبيضِ ثلاثةِ التشريقِ
ابن المعتز:
وبيضاءُ الخمارِ إذا اجتلَتْها ... عيونُ الشربِ صفراءُ الإزارِ
جَموحٌ في عَنانِ الماءِ تَنزو ... إذا ما راضَها برقُ النهارِ
أخذ معنى البيت الأول من أبي نواس حيث يقول:
فللخمرِ ما زَرَّتْ عليهِ جُيوبُها ... وللماءِ ما دارتْ عليهِ القلانِسُ
باب في
فضلات الكؤوس
أنشد:
كأنَّ الكؤوسَ بفَضلاتِها ... مُتوَّجةٌ بأكاليلِ نورِ
جيوبٌ من الوشيِ مَزورةٌ ... يلوحُ عليها بياضُ النحورِ
آخر:
وكأنما الأقداحُ مُترعةَ الحشى ... بينَ الشَّروبِ كواكبُ الجَوزاءِ
وكأنّها ياقوتةٌ فَضَلاتُها ... مَخروطةٌ من فضةٍ بيضاءِ
المُعوَّج:
تُعاطيكَ كأساً غيرَ ملأى كأنّها ... إذا مُزجَتْ أحداقُ دِرعٍ مُزرَّدِ
كأنَّ أعاليها بَياضُ سَوالفٍ ... يلوحُ على تَوريدِ خدٍّ مُورَّدِ
الناجم:
إنَّ الكؤوسَ على الخطوطِ مِلاءُ ... حُمْرُ الحشا أطواقُهُنَّ وِضاءُ
وكأنَّها وجهُ العروسِ المُجتلى ... وعلى الجبينِ عِصابةٌ بيضاءُ
رجعٌ إلى نعتِ المزاج:
стр. 127
لا عيشَ إلا منْ كفِّ ساقيةٍ ... ذاتِ دلالٍ في طرفِها مرَضُ
كأنّما الكأسُ حينَ تمزجُها ... نجومُ ليلٍ تعلو وتنخفضُ
آخر:
وساقيةٍ كأنَّ بمَفرِقَيْها ... أكاليلاً على طبقاتِ ورْدِ
لها طيبُ المُنى وصفاءُ لونٍ ... وحُمرةُ وَجنةٍ ومذاقُ شَهَدِ
أحمد بن أبي فنن:
ماذا انتظارُكَ باللذات والطربِ ... قُلْ للسُّقاة ألحّوا الكأسَ بالنُّجبِ
وأفرِغوا الماءَ في راحٍ مُعتّقةٍ ... ما أحسنَ الفضّةَ البيضاءَ في الذهَبِ
الباب العاشر في
صفائها وصفاء الكأس عليها
ابن المعتز وأحسن:
خَليليَّ قدْ طابَ الشرابُ المُبرَّدُ ... وقدْ عُدتُ بعدَ النُّسكِ والعَودُ أحمدُ
فهاتِ عُقاراً في قميصِ زجاجةٍ ... كياقوتةٍ في دُرّةٍ تتوقَّدُ
يصوغُ عليها الماءُ شُباكَ فضةٍ ... لها حلَقٌ بِيضٌ تُحَلُّ وتُعقَدُ
علي بن جبَلَة:
رقَّتْ لطول بَياتِها ... فالعينُ عنها خافِيهْ
وتُريكَ رِقَّتُها كأنَّ الكأسَ منها خاليهْ
حتى إذا ولدَ الظلا ... مُ الصُّبحَ سقطاً ناحيَهْ
ناديتُ نَدماني بِهِمْ ... من خبلِ سُكرٍ ما بِيَهْ
من مُقعسٍ في مَشيِهِ ... والكأسُ فيهِ ماشيَهْ
ومُلجلجٍ بلسانِهِ ... يحكي لِساناً ثانيَهْ
وقد أحسن القائل في قوله:
له خُلْقٌ على الأيامِ يصفو ... كما تصفو على الزمنِ العُقارُ
وقد نظر إلى قول بشار:
فدعِ التبخُّتَ عن أخيكَ فإنهُ ... كسَبيكةِ الذهبِ الذي لا يُكلَفُ
ابن لنكك:
كأنّما الكأسُ على كفِّهِ ... موصولةٌ بالأنملِ الخمسِ
ياقوتةٌ حمراءُ قد صُيِّرَتْ ... واسطةٌ للبدرِ والشمسِ
قد زهقَتْ نفسي من حُبِّهِ ... وآفةُ النفسِ من النفسِ
أبو نواس:
فأُرسلتْ من فمِ الإبريقِ صافيةٌ ... كأنّما أخْذُها بالعقلِ إغفاءُ
رقَّتْ على الماءِ حتى ما يُمازِجُها ... لَطافةً، وجفا عن شكلِها الماءُ
أبو عبادة:
أهدى إليَّ خليلٌ ... سُلَيْلَ مِسكٍ ونَدِّ
أرقُّ من لفظِ صَبٍّ ... يشكو حرارةَ وَجْدِ
كأنّهُ إنْ تجئْنا ... بلا انتظارٍ لوعْدِ
فاخلعْ عليَّ سروراً ... بكونِكَ اليومَ عندي
الموصلي:
ألا سَقَّنيها قهوةً بابليةً ... كمثلِ شعاعِ الشمسِ بل هي أفضلُ
فقد نطقَ الدُّرّاجُ بعدَ سُكوتِهِ ... ووافى كتابُ الوردِ أنّي مُقبلُ
كُشاجِم:
هتفَ الصبحُ بالدُّجى فاسْقِنيها ... قهوةً تتركُ الحليمَ سَفيها
لستُ أدري لرقةٍ وصَفاءٍ ... هيَ في كأسِها أمِ الكأسُ فيها
الصنوبري:
في إناءٍ كالثلجِ أُودعَ ناراً ... كلما أُطفئَتْ بثلجٍ تأجَّجْ
أحمرٌ فوقَهُ من الحَبَبِ الأبيضِ دُرٌّ على عتيقٍ مُدحرَجِ
ألمّ في البيت الأول بقول ابن الرومي في المروحة:
أراني إذا رَوحُ المَراوحِ مسَّني ... أُحِسُّ بنارٍ في فؤادي تأجَّجُ
ولا عجبٌ من حرِّ هذي وبردِ ذا ... كذا كلُّ نارٍ رُوِّحَتْ تتوهجُ
الناجم: أروح من ظاهر وأحرق من باطن.
بكر بن النطاح:
كأسٌ صفَتْ وصفَتْ منها زجاجتُها ... كأنّها لاشتباهِ اللونِ جَوفاءُ
لبعض الشاميين:
تُخفي الزجاجةُ لونَها فكأنّهم ... يجدون رَيّاً من إناءٍ فارغِ
ابن المعتز:
فأخرجَ بالمبزالِ منها سَبيكةً ... كما فتلَ الصّواغُ خَلخالَهُ فَتلا
وجاءَ بها كالشمسِ يأكلُ نورُها ... زُجاجتَها من كفِّ شاربِها أكْلا
وله:
وعروسٍ زُفَّتْ على بطنِ كفٍّ ... في قميصٍ مُنقَّشٍ من زُجاجِ
فهيَ بعدَ المِزاجِ توريدُ خَدٍّ ... وهيَ مثلُ الياقوتِ قبلَ المِزاجِ
أبو نواس:
أقولُ لمّا تقاربا شبَهاً ... أيُّهما للتشابُهِ الذهبُ
هما سَواءٌ وفَرْقُ بينِهما ... بأنَّ ذا جامدٌ ومُنسكبُ
ابن المعتز:
منْ لي على رغمِ الحسودِ بقهوةٍ ... بِكْرٍ رَبيبةٍ حانةٍ عذراءِ
مُخٌّ من الذهبِ المُذابِ تضمُّهُ ... كأسٌ كقشرِ الدرّةِ البيضاءِ
الصنوبري:
стр. 128
وحاملٌ جسماً من النورِ قدْ ... صُيِّرتِ النارُ لهُ روحا
إذا سقانا منحَ الكأسَ منْ ... صِفاتِهِ ما ليسَ ممنوحا
من خدِّهِ لوناً ومن ريقِهِ ... طعماً ومن نكهتِهِ ريحاً
ابن المعتز:
وندمانٍ سقيتُ الكأسَ صِرفاً ... وأُفقُ الليلِ منسدلُ السُّجوفِ
صفَتْ وصفَتْ زجاجتُها عليها ... كمعنىً دقَّ في جسمٍ لطيفِ
الصنوبري:
عُقارٌ إذا رُدّيَتْ بالزجاجِ ... تردّى الزجاجُ لها بالبَهاءِ
فيأتي الإناءُ لها حاملاً ... وتُحسَبُ حاملةً للإناءِ
تَثنّى بِحَرٍّ كحرِّ الفِراقِ ... وتبدو ببردٍ كبردِ اللقاءِ
لها حببٌ ما طفا في الإناءِ ... حسبتَ النجومَ طفَتْ في الإناءِ
فتلكَ التي ما عراها النديمُ ... فعُرِي عن لُبسِ ثوبِ البقاءِ
أبو عبادة:
طرقَتْنا تلكَ الهديةُ والصهباءُ من خيرِ ما تبرّعْتَ تُهدي
واقتصَرْنا على التي فاجأَتْنا ... وردةٌ عندما استُشِفَّتْ لِوردِ
لبسَتْ زُرقةَ الزجاجِ فجاءَتْ ... ذهباً يستنيرُ في لازَورْدِ
الموصلي:
وصافيةٍ تغشى العيونَ رقيقةٍ ... رهينةِ عامٍ في الدنانِ وعامِ
أدرْنا بها الكأسَ الرويَّة بيننا ... منَ الليلِ حتى انجابَ كلُّ ظلامِ
فما ذرَّ قرنُ الشمسِ حتى كأنَّنا ... من العيِّ نحكي أحمدَ بن هشامِ
الناجم:
وقهوةٍ كشعاعِ الشمسِ صافيةٍ ... مثلِ السرابِ تُرى من رِقّةٍ شَبَحا
إذا تعاطيتَها لم تُدرِ من فرحٍ ... راحاً بلا قدَحٍ أعطيتَ أمْ قَدَحا
ابن أبي البغل:
وكأسٍ لُجينٍ صوَّرَ القينُ بينَها ... ثلاثَ قِيانٍ قد لبسْنَ المَجاسِدا
عرفتُ لها وزناً فلمّا ملأتُها ... منَ الراحِ كانَ الوزنُ بالراحِ واحدا
كذاكَ الهَيولى أنتَ واجدُ حِسِّهِ ... ولستَ لهُ باللمسِ بالكفِّ واجِدا
السروي:
عُنِيَتْ بالمُدامةِ الشعراءُ ... وصفوها وذاكَ عندي عَناءُ
كيفَ تحصيلُ علمِها وهيَ موتٌ ... وحياةٌ وعلّةٌ وشفاءُ
فهي في باطنِ الجوانحِ نارٌ ... وهيَ في ظاهرِ المَحاجرِ ماءُ
حلوةٌ مزّةٌ فما أحدٌ يد ... ري أداءٌ خصوصُها أمْ دواءُ
أبو تمام:
وكأنَّ بهجتَها وبهجةَ كأسِها ... نارٌ ونورٌ قُيِّدا بوِعاءِ
أو دُرّةٌ بيضاءُ بِكْرٌ أُطبقَتْ ... حبَلاً على ياقوتةٍ حمراءِ
التنوخي:
وراحٍ من الشمسِ مخلوقةٍ ... بدَتْ لكَ في قدحٍ من نهارِ
هواءٌ ولكنّهُ ساكنٌ ... وماءٌ ولكنهُ غيرُ جارِ
إذا ما تأمّلتْها وهيَ فيهِ ... تأملتَ ماءً مُحيطاً بنارِ
فهذي النهاية في الإبيضاضِ ... وهذي النهايةُ في الإحمرار
وما كانَ لي في الحُكمِ أن يُوجَدا ... لفرطِ تَنافيهِما والنِّفارِ
ولكنْ تجاورَ سَطحاهما البسيطانِ فائتَلَفا بالجِوارِ
كأنَّ المديرَ لها باليمينِ ... إذا مالَ بالسَّقيِ أو باليسارِ
تدرَّعَ ثوباً من الياسمينِ ... لهُ فرْدٌ كُمٌّ من الجُلّنارِ
الباب الحادي عشر في
شعاعها وتلألئها
أبو نواس:
أدنى سراجاً وساقي الخمرِ يمزجُها ... فصارَ في البيتِ كالمصباحِ مِصباحُ
كِدنا على علمِنا ... للشكِّ نسألُهُ أراحُنا نارُنا أم نارُنا راحُ
يُديرُها مُستعيرٌ خُلْقَ جاريةٍ ... على تَرائبِهِ والنَّحرِ أوضاحُ
يكادُ يجرحُ قلبي طرْفُ مُقلتِهِ ... بلْ كلُّ أطرافِهِ للقلبِ جَرّاحُ
فالدرُّ مَضحكُه والقوسُ حاجبُهُ ... والسهمُ عيناهُ والأشفارُ أرماحُ
الناشئ:
يا رُبّما كأسٍ تناولتُها ... تسحبُ ذيلاً من تَلاليها
كأنّها نارٌ ولكنّها ... مُنَعِّمٌ، واللهِ، صالِيها
الحسن بن رجاء:
وقهوةٍ في كأسِها ... منْ غيرِ نارٍ سُرجُ
تمزجُها قُبلةُ منْ ... يَحسُنُ منهُ الغَنَجُ
نازَعنِيها في غنِجٌ ... في مُقلتيهِ دَعَجُ
كأنَّ روحي طرَباً ... بروحِهِ تمتزجُ
بِتْنا على مُلهِيَةٍ ... كلٌّ بكلٍّ لَهِجُ
стр. 129
يهذي فواتاً ساعةً ... وساعةً يعتلجُ
ليسَ على العاشقِ في ... حِلّةِ هذا حرَجُ
أبو نواس:
وكأسٍ كمصباحِ السماءِ شربتُها ... على قبلةٍ أو موعدٍ بلقاءِ
أتَتْ دونَها الأيامُ حتى كأنها ... تَساقُطُ نَوْرٍ من فُتوقِ سَماءِ
أخذه من قول جرير:
تُجري السِّواكَ على أغرَّ كأنّهُ ... برَدٌ تَحدَّرَ من مُتونِ غَمامِ
آخر:
وكأسٍ سبَتها التَّجرُ من أرضِ بابلٍ ... كرِقّةِ ماءِ الدمعِ في الأعينِ النُّجلِ
كأنَّ بقايا ما عفا من حَبابِها ... عيونُ الدُّبا من تحتِ أجنحةِ النملِ
وشُجّت فقالت بالمزاج فأُبرزَتْ ... كألسنةِ الحيّاتِ خافَتْ من القَتْلِ
ابن الرومي:
أبصرتُهُ والكأسُ بينَ فمٍ ... منهُ وبينَ أناملٍ خمسِ
فكأنّهُ والكأسُ في فمِهِ ... قمرٌ يُقبِّلُ عارضَ الشمسِ
الصنوبري:
إلاّ تَقُمْ تُشعِلِ السراجَ فقُمْ ... بشُعلةٍ في إنائِها تُسْرَجْ
ما زوَّجَ الماءُ بنتَ عاشرةٍ ... أرقَّ منها في العينِ أو أبهجْ
آخر:
تغشى بياضَ عينِ شاربِها ... فتخالها بيمينِ مُختضِبِ
دارَتْ وعينُ الشمسِ غائبةٌ ... فحسبْتُ عينَ الشمسِ لم تغِبِ
التنوخي:
باتَ يسقيني وأحسو ... ذهباً للهَمِّ مُذهِبْ
وردةً ضاحكةً عنْ ... أقحوان حين يٌقطَبْ
لو أدرْناها على مَيْتٍ لكادَ الميتُ يطرَبْ
صُبِّبَتْ في الكأسِ منها ... كالشُّعاعِ المُتصوِّبْ
أبو نواس:
وكأسٍ كفَتقِ الصُّبحِ باتَتْ تَرُوقُني ... على وجهِ معبودِ الجمالِ رخيمِ
إذا قُلتُ علِّلْني بريقِكَ أقبلَتْ ... مراشفُهُ حتى يُصبْن صَميمي
المتنبي:
سقَتْني بها القُطْرُبُّليَّ مَليحةٌ ... على كاذبٍ من وعدِها ضوءُ صادقِ
سُهادٌ لأجفانٍ لناظرٍ ... وسُقمٌ لأبدانٍ ومِسكٌ لناشقِ
وأغيدُ يهوى نفسَهُ كلُّ عاقلٍ ... أديبٍ ويهوى جسمَهُ كلُّ فاسِقِ
يُحدِّثُ عمّا بينَ عادٍ وبينَهُ ... وصُدغاهُ في خَدَّيْ غلامٍ مُراهقِ
أديبٌ إذا ما جَسَّ أوتارَ مِزهَرٍ ... بلا كلِّ سَمعٍ عن سواه بعائقِ
أبو عبادة:
ألا ربّما كأسٍ سقاني سُلافَها ... رَهيفُ التَثَنّي أوضحُ الثغرِ أشنَبُ
إذا أخذَتْ أطرافُهُ ضوءَ نارها ... رأيتَ اللجينَ بالمُدامةِ يُذهَبُ
كأنَّ بعينيهِ الذي جاءَ حاملاً ... بكفّيهِ منْ ناجودِها حينَ تُقطَبُ
لأسرعَ في عقلي الذي بِتُّ مَوْهناً ... أرى من قريبٍ لا الذي كنتُ أشربُ
أبو الشيص:
يطوفُ علينا بها أحْوَرُ ... يداهُ من الكأسِ مخضوبتانِ
غزالٌ تَميس بأعطافِهِ ... قَناةٌ تعطَّفُ كالخَيزرانِ
آخر:
وصفراءَ قبلَ المزجِ بيضاءَ بعدَهُ ... كأنّ شعاعَ الشمسِ يلقاك دونَها
ترى العينَ تستعفيكَ من لمعانِها ... وتَحسُرُ حتى ما تُقِلُّ جفونَها
البسامي:
ذُدْ بماءِ العينِ والعنبِ ... خَطراتِ الهمِّ والنُّوَبِ
قهوةً لو أنّها نَطقَتْ ... ذكرَتْ ساماً أبا العرَبْ
وهيَ تكسو كفَّ شاربِها ... دِستباناتٍ من الذهَبِ
أبو نواس:
إذا عَبَّ فيها شاربُ القومِ خِلتَهُ ... يُقبّلُ في داجٍ من الليلِ كوكبا
يرى حيثُما كانتْ من البيتِ مشرِقاً ... وما لم يكن فيهِ من البيتِ مغرِبا
أخذه من قول الخليع:
كأنّما نُصْبَ كأسِهم قمرٌ ... يكرعُ في بعضِ أنجمِ الفلَكِ
آخر هو أبو نواس:
وكأنَّ شاربَها لفرطِ شعاعِها ... بالليلِ يكرعُ في سنا مقباسِ
وألذُّ من إنعامِ قُبلةِ عاشقٍ ... وافَتْهُ بعدَ تمنُّعٍ وشِماسِ
أبو نواس:
قال ابغني المصباحَ قلتُ لهُ اتَّئِدْ ... حسبي وحسبُكَ ضوءُها مِصباحا
فسكبْتُ منها في الزجاجةِ شَربةً ... كانتْ لهُ حتى الصباحِ صَباحا
وخَمريّاتُ أبو نواسٍ ونُعوتُها في جملة الشعر كالقرحة في جبهة الأدهم، والرُّقمة في ذراع الحمار، والشامة في الجلد.
الباب الثاني عشر في
الشرب واستطابته
وتغنم السرور واستدفاع الغم به
стр. 130
أنشد:
اشرَبْ هنيئاً على وَردٍ وتَوريدِ ... ولا تدَعْ طِيبَ موجودٍ بمفقودِ
نحنُ الشهودُ وخَفقُ العودِ خاطِبُنا ... فزوّجِ ابنَ غَمامٍ بنتَ عنقودِ
كأساً إذا أبصرَتْ في القومِ مُحتشِماً ... قالَ السرورُ له: قُمْ غيرَ مطرودِ
أما ترى الحُسنَ والإحسانُ قد جُمِعا ... فاشرَبْ فإنّكَ في عرسٍ وفي عيدِ
الحسين بن الضحاك:
عاقِرْ عُقارَكَ واصطَبحْ ... وامزُجْ سرورَكَ بالقدَحْ
وافرَحْ بيومِكَ إنّما ... عُمرُ الفتى يومُ الفرَحْ
ابن المعتز:
شرِبْنا بالصغيرِ وبالكبيرِ ... ولم نحفلْ بأحداثِ الدهورِ
فقدْ ركضَتْ بنا خيلُ الملاهي ... وقد طِرْنا بأجنحةِ السرورِ
أنشد الجاحظ لغيره:
أرى للكأسِ حقاً لا أراه ... لغيرِ الكأسِ إلاّ للنديمِ
هو القُطبُ الذي دارتْ عليهِ ... رحى اللذاتِ في الزمنِ القديمِ
أبو نواس ويُروى لغيره:
ما العيشُ إلاّ في جنونِ الصِّبا ... فإنْ تولّى فجنونُ المُدامِ
كأساً إذا ما الشيخُ والى بها ... خمساً تردّى برداءِ الغلامِ
أخذه من حسان:
إنْ شرخَ الشباب والشعَرَ الأسودَ ما لم يُعاصَ كانَ جنونا
وفي الحديث: الشباب شعبةٌ من الجنون.
العتبيّ:
قالتْ: عهدْتُكَ مجنوناً فقلتُ لها: ... إنَّ الشبابَ جنونٌ بُرؤُهُ الكِبَرُ
العطوي:
لمّا رأيتُ الدهرَ دهرَ الجاهلِ ... ولم أرَ المحزونَ غيرَ العاقلِ
شربْتُ صِرفاً من كرومِ بابلِ ... فصرتُ من عِقلي على مراحِلِ
بشار:
ذَريني أشُبْ همي براحٍ فإنّني ... أرى الدهرَ فيهِ غُمّةٌ ومَضيقُ
وما أنا إلاّ كالزمانِ إذا صحا ... صحوْتُ، وإنْ ماقَ الزمانُ أموقُ
القُطامي:
ألا عَلِّلاني، كلُّ حيٍّ مُعلَّلُ ... ولا تعداني الشرَّ والخيرُ مُقبِلُ
فإنّكما لا تدريانِ أما مضى ... منَ الدهرِ، أمْ ما قدْ تأخرَ، أطولُ
ابن همّام:
قُومي اصبَحيني فما صِيغَ الفتى حَجراً ... لكنْ رهينةُ أجداثٍ وأرماسِ
رَوِّي عظامي فإنَّ الدهرَ مُنتكِسٌ ... أفنى لُقَيْماً وأفنى مُلكَ هُرْماسِ
اليومَ خمرٌ ويأتي في غدٍ خبَرٌ ... والدهرُ ما بينَ إنعامٍ وإبآسِ
فاشرَبْ على حدَثانِ الدهرِ مُرتفِقاً ... لا يصحبُ الغمُّ قَرْعَ السِّنِّ بالكاسِ
وأخبرني أبو عبد الله المزرباني عن الناجم أن ابن الرومي كان يستعقل قول ابن مقبل:
ما أطيبَ العيشَ لو كانَ الفتى حجَراً ... تنبو الحوادثُ عنهُ وهوَ مَلمومُ
وقيلَ للأعشى: ما تشتهي؟ فقال: صهباء صافيةً تمزجها غانيةٌ من صوبٍ غادية؛ فاتصل هذا الخبر بالعَطَويّ، فقال: أشتهي غلاماً أحور، وطبخاً أغبر، وشراباً أحمر. واتصل بالخليع فقال: أشتهي أعين الرقباء، وألسن الوشاة، وأكباد الحسّاد. وقيل لامرئ القيس: ما تشتهي؟ فقال: بياضَ رُعبوبة. بالشحم مكروبة، وبالطيب مشبوبة. وقيل لطرفة: ما تشتهي؟ فقال: مشرباً هنيئاً، ومطعماً شهياً، ومركباً وَطِيّاً.
ديك الجن:
ظلَّتْ مطايا الملاهي وهيَ واجِفةٌ ... وظلَّلتْنا مطايا الوردِ والآسِ
باكرْتُها قبلَ إسفارِ الضحى بيدي ... فما تبلَّجَ حتى نكَّستْ راسي
منظور بن زَبّان:
ألا لا أبالي اليومَ ما صنعَ الدهرُ ... إذا ما نأتْ عني مُلَيْكةُ والخمرُ
وما منهما إلاّ شديدٌ فِراقُهُ ... فِراقُ النَّدامى والمُخدّرةُ البِكْرُ
أبو عبادة:
ولا أريحيّةَ حتى يُرى ... طَروبُ العشيّةِ نَشوانَها
وليستْ مُداماً إذا أنتَ لمْ ... تُواصِلْ معَ الشربِ إدمانَها
شبيبةَ لهوٍ تَلافيتُها ... فسايرتْ بالراحِ رَيعانَها
يزيد بن معاوية:
أقولُ لصحبٍ ضمّتِ الكأسُ شملَهُمْ ... وداعي صباباتِ الهوى يترنّمُ
خذوا بنصيبٍ من نعيمٍ ولذّةٍ ... فكلٌّ وإنْ طالَ المدى يتصرَّمُ
ألا إنَّ أهناَ العيشِ ما سمحتْ بهِ ... صُروفُ الليالي والحوادثُ نُوَّمُ
قال:
ناديتُ في الدَّيرِ بني علقَما ... أسقيهُم مشمولةً عندَما
стр. 131
كأنَّ ريحَ المسكِ في كأسِها ... إذا مزجْناها بماءِ السَّما
علقمُ، ما بالُكَ لم تأتِنا ... أما اشتهَيْتَ اليومَ أن نَنعَما
مَن سرَّهُ العيشُ ولذّاتُهُ ... فلْيجعَلِ الراحَ لهُ سُلّما
آخر، هو أبو نواس:
فاسقِني كأساً على عذَلٍ ... كرهَتْ مسموعَهُ أُذُني
من كُميتِ اللونِ صافيةٍ ... خيرِ ما سلْسلتَ في بدَني
ما استقرتْ في فؤادِ فتىً ... فدرى ما لوعةُ الحزنِ
أعرابي:
ألم ترَ أنَّ حارثةَ بنَ بدرٍ ... أقامَ بديرِ أبلقَ من كُوارا
مُقيماً يشربُ الصَّهباءَ صِرفاً ... إذا ما قلتَ تصرَعهُ استدارا
العطوي:
لم أحاكِمْ صُروفَ دهريِ إلى ال ... أقداحِ حتى فقدَتُ أهلَ السَّماحِ
أحمدُ اللهَ صارَتِ الكأسُ تأسو ... دونَ إخوانيَ الثقاتِ جِراحي
ابن المعتز:
خليليَّ اترُكا قولَ النصيحِ ... وقوما وامزُجا راحاً بروحِ
فقدْ نشرَ الصباحُ رداءَ نورٍ ... وهبّتْ بالندى أنفاسُ ريحِ
وحانَ ركوعُ إبريقٍ لكأسٍ ... ونادى الديكُ حيَّ على الصَّبوحِ
وحنَّ النايُ من طربٍ وطِيبِ ... إلى ناي يُكلّمهُ فَصيحِ
هلِ الدنيا سوى هذا وهذا ... وساقٍ لا يفارِقنا مليحِ
أبو نواس:
ألم ترَني أبحتُ اللهوَ عِرضي ... وعضَّ مراشفِ الظبْيِ المَليحِ
وإنّي عالمٌ أنْ سوفَ ينأى ... مسافةُ بينَ جُثماني وروحي
ابن المعتز:
إذا سكنَتْ قلباً ترحّلَ همُّهُ ... وطابَتْ لهُ دنياهُ واتَّسعَ الضَّنكُ
وما المُلكُ في الدنيا همومُ وحسرةٌ ... ولكنّما مُلكُ السرورِ هوَ المُلكُ
الحكمي وهو أبو نواس:
ومُدامةٍ سجدَ الملوكُ لها ... بكرْتُها والديكُ قد صدَحا
صِرفاً إذا استنْبطْتَ سَورتَها ... أدَّتْ إلى مَعقولِكَ الفرَحا
الخليع:
الراحُ تُفّاحٌ جرى ذائباً ... وهكذا التفاحُ راحٌ جمَدْ
فاشرَبْ على جامدِها ذَوْبَها ... ولا تدَعْ لذّةَ يومٍ لغَدْ
آخر:
امدَحِ الكأسَ ومنْ يعملُها ... واهْجُ قوماً قتلونا بالعطَشْ
إنّما الكأسُ ربيعٌ حاضرٌ ... وإذا ما غابَ عنّا لم نعِشْ
الحسين بن الضحاك:
مضى من تزَمُّتِنا ما مضى ... ولا بُدَّ منْ دولةٍ للَّعِبْ
سأونِسُ بالراحِ رُوحَيْكُما ... وللروحِ بالراحِ أُنسٌ عجَبْ
سكنْتُ إلى الراحِ وَجداً بها ... سُكونَ المحبِّ إلى منْ أحَبْ
أراها تُولِّدُ لي راحةً ... تَولَّدُ منْ حيثُ لا أحتسِبْ
أحمد بن أبي كامل:
يا رُبًّ كأسٍ قدْ سبقْتُ بها ... عَذْلَ العذولِ وغُرّةَ الشمسِ
فكأنّما الليلُ الطويلُ بها ... قِصَراً وطِيباً، قُبلةُ الخَلْسِ
ديك الجن:
وباكرْتُ الصَّبوحَ على صباحٍ ... يلوحُ من السوالفِ والسُّلافِ
وعذراوَيْنِ من حلَبِ الأماني ... أدرْتُهما ومن حلَبِ القِطافِ
أدرْنا منهما قمراً وشمساً ... وشمسُ اللهِ مُسرَجَةُ الغلافِ
خذي حلَبَ الحياةِ ولا تبيعي ... رجاءَكِ بالمخافةِ لنْ تخافي
ابن الطثرية:
ولولا ثلاثٌ هنَّ منْ عيشةِ الفتى ... وجدِّكَ لمْ أحفِلْ متى قامَ رامِسُ
فمنهُنَّ سَبقي العاذلاتِ بشَربةٍ ... كأنَّ أخاها مَطلعَ الشمسِ ناعِسُ
ابن الرومي:
وصافيةٍ ما بها من قَذىً ... لها نفحاتٌ تذودُ الشذى
تُميتُ الهمومَ وتُحيي السرورَ ... وتشفي السقيمَ وتَنفي الأذى
كأنَّ الأماني مثَّلْنَها ... فقالَ لها اللهُ كوني كذا
تغادرُ عينكَ مطروفةً ... وأذنَكَ حمراءَ فيها حَذى
ابن المعتز:
مَن لامَني في المُدامِ فهْوَ كمَنْ ... يكتبُ بالماءِ في القراطيسِ
وطالع قول بعض العرب مطالعةً خفيّةً وألطف:
فأصبحتُ من ليلى الغداةَ وذِكرِها ... كقابضِ ماءٍ لم تسقْهُ أنامِلُهْ
غيره:
خلِّ الزمانَ إذا تقاعسَ أو جمحْ ... واشْكُ الهمومَ إلى المُدامةِ والقدَحْ
واحفظْ فؤادَكَ إنْ شربْتَ ثلاثةً ... واحذَرْ عليهِ أن يطيرَ من الفرحْ
ابن المعتز:
стр. 132
عُقاراً تنفَّسُ عن مِسكَةٍ ... ترى فوقَها لؤلؤاً جائلا
يصيبُ الفتى كلَّ حاجاتِهِ ... ويذهبُ تَفنيدُهُ باطلا
العطوي:
في الراحِ لي راحةٌ من بعضِ ما أجدُ ... فسَقِّنيها سَقاكَ البارِقُ الرَّعِدُ
كأنّني إذْ لثمتُ الكأسَ مُلتَثِمٌ ... خدّاً به خجَلُ التَّجميشِ مُتَّقِدُ
الحسن بن وهب:
باكِرْ صَبوحَكَ بالتي ... تنفي الهمومَ منَ الفِكَرْ
خُذْ من زمانِكَ ما صفا ... ودَعِ الذي فيهِ الكَدَرْ
فالدهرُ أقصرُ منْ مُعا ... تبةِ الزمانِ على الغِيَرْ
آخر:
العُمرُ أقصرُ مدّةً ... منْ أنْ يُمحَّقَ بالعِتابِ
أو أنْ يُكدَّرَ ما صفا ... منهُ بهَجرٍ واجْتِنابِ
ابن المعتز:
فتنتْهُ السُّلافةُ العذراءُ ... فلها وُدُّ نفسِهِ والصفاءُ
رُوحُ دَنٍّ لها من الكأسِ جسمٌ ... فهيَ فيهِ كالنارِ وهيَ هواءُ
فإذا مَجَّتِ الأباريقُ ماءَ ال ... مُزنِ فيها شابَتْ وشابَ الماءُ
وكأنَّ الحَبابَ إذْ مزجوها ... وردة فوق وردة بيضاء
وكأن النديم يلثم منها ... كوكباً كَفُّهُ عليهِ سَماءُ
آخر:
لم يُسْعِدِ الدهرُ بآمالِهِ ... فاسْتَعِدِ الكأسَ على الياسِ
وكلّما عادَ لهُ بأسُهُ ... بروعةٍ مالَ إلى الكاسِ
أبو نواس:
باكِرِ الشربَ غداةَ عرفَهْ ... منْ شَمولٍ جاوزَتْ حَدَّ الصَّفَهْ
بنتُ أحوالٍ إذا ما صُفِّقَتْ ... خِلتَ فيها سُرُجاً مُختلفَهْ
إنّما النُّسكُ لمنْ حَلَّ مِنىً ... ولمنْ أصبحَ بالمُزدلفَهْ
فاشربِ الراحَ ودعْ أقوالَهُمْ ... لا تكونَنَّ قليلَ المعرفَهْ
ابن المعتز:
ولقدْ علمتُ بأنَّ شُربَ ثلاثةٍ ... تِرياقُ هَمّ مُسرعٌ بنجاتي
فاشربْ على مُوقِ الزمانِ ولا تمُتْ ... أسفاً عليهِ دائم الحسَراتِ
الباب الثالث عشر في
طعمها
أنشد:
صفراءُ زانَ رُواءَها مَخبورُها ... فلها المهذّبُ من ثناءِ الحاسي
وألذُّ من إنعامِ قُبلةِ عاشقٍ ... وافَتْهُ بعدَ تعتّبٍ وشِماسِ
حبيب:
إذا ذاقَها وهيَ الحياةُ رأيتَهُ ... يُعبِّسُ تَعبيسَ المُقدَّمِ للقتلِ
أبو نواس:
وكأنَّ عُقبى طعمِها صَبِرُ ... وعلى البديهةِ مُزَّةُ الطعمِ
ترمي فتقصدُ منْ لهُ قصدَتْ ... جَمَّ المِراحِ دَريرةَ السهمِ
أبو علي البصير:
مُورّدةً طافَتْ فأحْيَتْ جَوانحاً ... قِفاراً جَفاها الخِصبُ والعيشةُ الرغدُ
مذاقَتُها شَهدٌ ونكهتُها نَدُّ ... وعيشتُها رغْدٌ وصِبغتُها وَرْدُ
وما الخُلدُ في الدنيا بعُمرٍ تُطيلُهُ ... ولكنّما عُمْرُ السرورِ هوَ الخُلْدُ
أبو نواس:
مِن شرابٍ ألذَّ من نظَرِ المعشوقِ في وجهِ عاشقٍ بابتسامِ
لا غليظٌ تنبو الطبيعةُ عنهُ ... نبوةَ السمعِ عن شَنيعِ الكلامِ
الحسين بن الضحاك:
إذا جُزتُما حِمصاً إلى سُوقِ خالدٍ ... فلا تسألا باللهِ ما صنعَتْ حمصُ
سقَوْني من المُسطارِ كأساً نسيمُها ... عُصارةُ خرنوبٍ ومطعَمُها عَفْصُ
كأنَّ نداماها صُقورةُ قانصٍ ... تَسوَّغُ فضلَ الطُّعْمِ أو رَخَمٌ عَصُّ
أبو هفّان:
قدْ لاحَ بالدَّيرِ نارُ العابدينَ وقدْ ... نَضا الدُّجى لُبسَهُ عنْ بَسطَةِ النظَرِ
فقُمْ بنا نَتصلاّها مُعتّقةً ... يُغني تَنسُّمُها عن مَطعَمٍ خَصِرِ
ألذَّ من نظرةِ المعشوقِ وَرَّدَها ... صِبغُ الحياءِ وفَرطُ الدلِّ والخفرِ
العطوي:
وطيّبةِ المَذاقةِ بنتِ خِدْرٍ ... كبنتِ الخِدرِ في طِيبِ المذاقِ
قصرْتُ بشُربِها عمرَ الملاهي ... وأطلقت الفؤاد من الوثاق
أُغاديها على شَدْوِ الأغاني ... معَ الوُصفاءِ في البِيضِ الرُّقاقِ
نُوَشِّحُهُنَّ بالأيدي وِصالاً ... ونَنظِمُهُنَّ في طَوْقِ العِناقِ
الباب الرابع عشر في
تحميرها العين والخد
أبو نواس:
لا تبكِ ليلى ولا تطْرَبْ إلى هندِ ... واشرَبْ على الوردِ منْ حمراءَ كالورْدِ
стр. 133
كأساً إذا انحدرَتْ في حلْقِ شاربِها ... وجدْتَ حُمرتَها في العينِ والخدِّ
فالخمرُ ياقوتةٌ والكأسُ لؤلؤةٌ ... من كفِّ لؤلؤةٍ ممشوقةِ القدِّ
تسقيكَ من عينِها خمراً ومن يدِها ... خمراً فما لكَ من سُكرَيْنِ من بُدِّ
لي نَشوتانِ، وللندمانِ واحدةٌ ... شيءٌ خُصِصْتُ بهِ من بينهمْ وحدي
قال علي الأسواري: أنشدتُ المأمون هذه المقطوعة، فقال: هذا نعت الخمر، لا قول من قال:
ألا هُبِّي بسَلْحِكِ فالْطخينا
الحسن بن وهب:
وردةُ اللونِ في خُدودِ النَّدامى ... وهيَ صفراءُ في خدودِ الكؤوسِ
لطُفَتْ فاغْتدَتْ تَحُلُّ منَ ال ... أجسادِ من لُطفِها محلَّ النفوسِ
سهلةٌ في الحلوقِ لا غَوْلَ فيها ... وهيَ خَشناءُ صعبةٌ في الرؤوسِ
مسلم:
إذا شئتُما أن تسقِياني مُدامةً ... فلا تقتُلاها كلُّ ميْتٍ مُحرَّمُ
خلطْنا دماً من كرْمةٍ بدمائنا ... فأشرقَ في الألوانِ منّا الدمَ الدمُ
أخذه من قول حسان:
إنَّ التي ناولتني فرشبتُها ... قُتلتْ، قُتلَتْ، فهاتِها لمْ تُقتَلِ
كِلتاهُما حلَبُ العصيرِ فهاتِها ... بزجاجةٍ أرخاهُما للمَفْصِلِ
بزجاجةٍ رقصتْ بما في قعرِها ... رقْصَ القَلوصِ براكبٍ مستعجِلِ
وقال الأعرابي خلافَهما:
فقلتُ اقتلوها عنكمُ بمزاجِها ... وحُبَّ بها مقتولةً حين تُقتَلُ
ابن الرومي:
وصفراءَ بِكرٍ لا قذاها مُغيّبٌ ... ولا سرَّ منْ حلَّتْ حَشاهُ مُكَتَّمُ
يَنِمُّ على الأمْرينِ فرْطُ صفائِها ... وسَورتُها حتى يبوحَ المُجَمْجَمُ
هيَ الوَرسُ في بِيضِ الكؤوسِ فإنْ بدَتْ ... لعينيكَ في بيضِ الوجوهِ فعندَمُ
ابن المعتز:
ومقتولِ سُكرٍ عاشَ لمّا دعوْتُهُ ... فبادرَ مسروراً يرى غيَّهُ رُشْدا
وقامَ يُثنّيهِ بقايا خُمارِهِ ... وقدْ قطفَتْ عيناهُ من خدِّهِ وَرْدا
ابن الرومي:
أدريا سلامةُ كأسَ العُقارِ ... وضاهِ بشَدْوِكَ نَوْحَ القَماري
وخذْها مُعتّقةً مُزّةً ... تَصُبُّ على الليلِ ثوبَ النهارِ
ينازعُها الخدُّ جِريالَها ... فتُهديهِ للعينِ يومَ الخُمارِ
آخر:
مُتدلِّلٌ من وجهِهِ بدرُ الدُّجى ... مُتهلَّلٌ وغمامُهُ أزرارُهُ
سلَبَ احمرارَ الراحِ حمرةُ خدِّهِ ... فأعادَهُ للمُقلتَيْنِ خُمارُهُ
الباب الخامس عشر في
شرب يوم الدجن
ابن المعتز:
اشربْ فقد طابتِ الكؤوسُ ... وغابَ عن يومِكَ النُّحوسُ
غمامةٌ في السماءِ تبكي ... والأرضُ من تحتها عروسُ
في كلِّ يومٍ جديدُ نَوْرٍ ... عليهِ دمعُ الندى حَبيسُ
العلوي:
كيفَ يُرجى لمُقلتيَّ هُدوٌّ ... وحبيبي لجفنِ عيني عدوُّ
بأبي من نَعمتُ منهُ بيومٍ ... لم يزلْ للسرورِ فيه نُموُّ
يومُ دجنٍ قد التقى طرفاهُ ... فكأنَّ العَشيَّ فيهِ غُدوُّ
إذْ لشخصِ الرقيبِ عنّي تناءٍ ... ولبدرِ السماءِ مني دُنوُّ
الصنوبري:
اليومُ يا هاشميُّ يومٌ ... لِباسُهُ الطلُّ والسحابُ
ما لوّنَ الزعفرانُ ما قدْ ... لوّنَ من مائهِ الترابُ
تذهبُ أمواجهُ كخيلٍ ... شُقرٍ، لها وسطَها عِرابُ
فباكر الشربَ قبلَ فَوتٍ ... قد برد الشربُ والشرابُ
وهاتِ نستنطقِ الملاهي ... من قبلِ أن ينطقَ الغُرابُ
ما للهُدى بينَنا مكانٌ ... ما امكنَ الكُوبُ والكتابُ
مَجلِسُنا في السماءِ مُوفٍ ... بنا كما أوفَتِ العُقابُ
وراحُنا هذهِ عجوزٌ ... لكنَّ ريحانَنا شبابُ
يديرها شادِنٌ مَصوغٌ ... من رحمةٍ وسطَها عذابُ
لي إلفُ بابٍ إلى هواهُ ... وليسَ للصبرِ عنهُ بابُ
كان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يشرب في متنزّه وعنده ماني المُوَسْوَس فقال عبيد الله:
أرى غيماً تُؤلِّفُهُ جَنوبٌ ... بلا شكٍّ سيأتينا بهَطْلِ
فحزْمُ الرأيِ أن تدعو برِطْلٍ ... فتشربُهُ وتأمرُ لي برطلِ
فقال ماني: ما هكذا قال الشاعر، إنما هو:
стр. 134
أرى غيماً تُؤلِّفُهُ جَنوبٌ ... أراهُ على مَساءَتِنا حَريصا
فحزْمُ الرأيِ أن تدعو برِطْلٍ ... فتشربُهُ وتكْسوني قَميصا
وطريد هذا الخبر ما كتب جحظه إلى قوم استدعوه إلى شراب فقال:
وجماعةٍ نشطتْ لشُربِ مُدامةٍ ... بعثوا رسولَهُمُ إليَّ خصوصا
قالوا اقترحْ لوناً يُجادُ طبيخُهُ ... قلتُ اطبخوا لي جُبّةً وقَميصا
أنشد:
وغيثٍ دَرورِ المُقلتينِ كأنّما ... مَدامعُهُ فوقَ الثَّرى لؤلؤ أَثْرى
شربْتُ عليهِ قهوةً بابليّةً ... هيَ الخمرُ أو عُودٌ تُناولُهُ جَمْراً
آخر وقد أبدع في قوس قزح:
وصاحبٍ يقدحُ لي ... نارَ السرورِ بالقدَحْ
في روضةٍ قد لُبستْ ... منْ لؤلؤِ الطلِّ سُبَحْ
يألفني حَمامُها ... مُغتبَقاً ومُصطَبَحْ
والجوُّ في مُمَّسكٍ ... طِرازُهُ قوسُ قُزَحْ
يبكي بلا حزنٍ كما ... يضحكُ من غيرِ فرَحْ
ابن المعتز:
أيا جارةَ العُودِ غنّي لي ... ويا ساقيَ القومِ لا تنْسَنا
فقدْ لبِسَ الجوُّ بينَ السما ... ءِ والأرضِ مِطْرَفَهُ الأدْكَنا
آخر:
في يومِ غيمٍ ترى سحائبَهُ ... برْقَ ابتسامٍ ورعدَ تَصفيقِ
علي بن داود:
سَقياً ليومِ صَبوحِنا ... إذْ غُيِّبَتْ عنهُ الشَّوامِتْ
يومٌ كأنَّ سماءَهُ ... حُجِبَتْ بأجنحةِ الفواخِتْ
وكأنَّ نثرَ قِطارِهِ ... دُرٌّ على الأوراقِ نابِتْ
وكأنَّ وشيىَ رِياضِهِ ... وشيٌ يُنشَّر للنواعِتْ
وكأنّما الأوتارُ في ... هِ جَلاجلٌ نُطْقٌ صَوامِتْ
فارْبَعْ بهِ وبمثلِهِ ... لا تأسفَنَّ لفَوتِ فائِتْ
الفضل بن الربيع:
أما ترى اليومَ ما أحلى شمائلَهُ ... صَحوٌ وغيمٌ وإبراقٌ وإرْعادُ
كأنّهُ أنتَ يا منْ لستُ أذكرُهُ ... وصْلٌ وهجْرٌ وتقريبٌ وإبعادُ
آخر:
يومٌ يحفُّ بجانبَيْهِ سرورَهُ ... والأرضُ وشْيٌ والسماءُ بُروقُ
نَوحٌ من الوُرْقِ الحمامِ لمِبرحٍ ... وعَلْيهِ جَيبُ سَحائبٍ مَشقوقُ
ابن الرومي:
واليومُ مَدجونٌ فحُرّته ... فيهِ بمُطّلعٍ ومُحتجَبِ
شمسٌ تُسايرُنا وقدْ بعثَتْ ... نوراً يُطالعُنا بلا لهَبِ
والعُودُ يضحكُ كيْ تُجاوِبَهُ ... معشوقةٌ موموقةُ الصخبِ
مسلم:
ويومٍ كأنَّ الشمسَ فيهِ مريضةٌ ... منَ الدجنِ مطلولِ الضحى والظهائرِ
جمعْتُ لهُ الأشتاتَ منْ كلِّ لذّةٍ ... وأمسكْتُ منْ أنفاسِها بالمزاهرِ
الصنوبري:
يومٌ ذُيولُ سُحبِهِ ... على الثرى مُنسحبَهْ
سماؤُهُ من فضّةٍ ... وأرضُهُ منْ ذهَبَهْ
وكأسُها مَخضوبةٌ ... أوتارُها مُصطخبَهْ
آخر:
ويومٍ يُؤثِرُ اللذا ... تِ فيهِ منْ لهُ أدَبُ
وشمسٍ منْ وراءِ الدج ... نِ تُسفِرُ ثُمَّ تَنتقِبُ
ومجلسُنا على شرَفٍ ... بحُجْبِ الغيمِ مُحتجِبُ
فمِنْ شرقيِّهِ لهبٌ ... ومنْ غربيِّهِ صخَبُ
آخر:
ومُنتبهٍ يسعى إليَّ بكأسِهِ ... وقدْ كادَ ضوءُ الصُّبحِ بالليلِ يفتِكُ
وقدْ حجبَ الغيمُ السماءَ كأنّما ... يُمَدُّ عليها منهُ ثوبٌ ممسَّكُ
ظلَلْنا نَبُثُّ الوجدَ والكأسُ دائرٌ ... ونَهتِكُ أستارَ الهوى فتَهتَّكُ
ومجلسُنا في الماءِ يهوي ويرتقي ... وإبريقُنا في الكأسِ يبكي ويضحكُ
الصنوبري:
أنيسُ ظِباءٍ كوحشِ الظباءِ ... وصِبغُ حياً مثلُ صِبغِ الحَياءِ
ويومٌ يُكلّلهُ بالشُّموسِ ... صفاءُ الهوى في صفاءِ الهواءِ
بشمسِ الدنانِ وشمسِ الجِنانِ ... وشمسِ القِيانِ وشمسِ السماءِ
وأسحَمُ ينثرُ منْ طَلِّهِ ... على دُرِّ نَوّارِهِ دَرَّ ماءِ
ويصبح ركْضُ صَباهُ يثي ... رُ عَجاجةَ كافورِهِ في الفضاءِ
تظلُّ بهِ الطيرُ مشغولةً ... تَطارَحُ فيهِ صُنوفَ الغناءِ
تَروقُكَ بالضربِ من غيرِ عودٍ ... وتصبيك بالزَّمرِ من غير نائِي
فقُمْ نشتمِلْ برداءِ الزمانِ ... فإنَّ الزمانَ أنيقُ الرداءِ
العلوي:
стр. 135
ويومِ دجنٍ ذي ضميرٍ مُتَّهمْ ... مثلِ سرورٍ شابَهُ عارضُ هَمْ
أو كمُعَنّى الرأيِ يقفوهُ الندَمْ ... يبرزُ في زِيِّ ذوي حمْدٍ وذَمْ
عبوسُ ذي اللؤمِ وبِشر ذي الكرَمْ ... كقُبحِ لا، خالَطَهُ حُسنُ نعَمْ
صحوٌ وغيمٌ وضياءٌ وظُلَمْ
الصنوبري:
يومٌ خلعتُ بهِ عذاري ... وعَرِيتُ من حُلَلِ الوَقارِ
وضحكْتُ فيهِ إلى الصَّبا ... والشيبُ يضحكُ في عِذاري
مُتلوّنٌ يبدي لنا ... طُرَفاً بأطرافِ النهارِ
فهواؤُهُ سَكْبُ الرَّدا ... ءِ وغيمُهُ جافي الإزارِ
وسماؤُهُ تحبو الثرى ... بشَبيهِ مَكنونِ البحارِ
تبكي فيجمدُ دمعُها ... والبرقُ يكحَلُها بنارِ
مسرور الهندي:
أرى اليومَ يوماً قدْ تكاثفَ غيمُهُ ... ويوشكُ أنَّ الغيمَ رَيّانُ ماطِرُ
وقدْ سترَتْ شمسَ النهارِ غيومُهُ ... كما سترَتْ وَردَ الخدودِ المحاجِرُ
الباب السادس عشر في
الشرب على الثلج
أنشد الصنوبري:
ذَهِّبْ كؤوسَكَ يا غُلا ... مُ فيومُنا يومٌ مُفَضَّضْ
والجوُّ يَحلى في البيا ... ضِ وفي نقيِّ الدرِّ يُعرَضْ
أظنَنْتَ ثلجاً ذا؟ فذا ... وردٌ منَ الأغصانِ يُنفَضْ
وردُ الربيعِ مُلوّنٌ ... والوردُ في كانونَ أبيضْ
أبو فراس:
كأنّما تَساقُطُ الث ... لجِ بعَيْنَيْ منْ يرى
أوراقُ وردٍ أبيضٍ ... والناسُ في شاذّكُلى
الرقيّ:
اشربْ على حُسنِ الدَّساكِرْ ... فبَهاؤُهُ للعينِ باهِرْ
أرضٌ تُزيّنُها السما ... ءُ برَونقٍ للثلجِ زاهِرْ
مُتطايراً في جوِّهِ ... فكأنّهُ بَعرُ الأباعِرْ
التنوخي:
والأرضُ تحتَ بياضِ الثلجِ تحسَبُها ... قدْ أُلبِستْ حبَكاً أو غُشّيَتْ ورقا
أبو فراس:
والجوُّ ينثرُ دُرّاً غيراً منتظمِ ... والأرضُ بارزةٌ في ثوبِ كافورِ
والنرجسُ الغضُّ يحكي حُسنُ منظرِهِ ... صفراءَ صافيةً في كأسِ بلّورِ
المعوَّج:
أقبلَ الثلجُ في غلائلِ نورِ ... يتهادى كاللؤلؤِ المنثور
فكأنَّ السماءَ زُفَّتْ إلى ال ... أرضِ وصارَ النِّثارُ منْ كافورِ
كُشاجم:
اشرَبْ فهذي صبيحةٌ قَرَّهْ ... واليومُ يومٌ سماؤُهُ ثَرَّهْ
ثلجٌ وشمسٌ وصَوبٌ غاديَةٍ ... والأرضُ من كلِّ جانبٍ زهرَهْ
باتَتْ وقِيعانُها زَبرجَدَةٌ ... وأصبحَتْ قدْ تحوّلتْ دُرّهْ
كأنّها والثلوجُ تُضحِكُها ... تُعارُ ممّنْ أحبّه ثَغرَهْ
كأنَّ في الجوِّ أيدياً نثرَتْ ... ورْداً علينا فأسرعَتْ نثرَهْ
شابَتْ فسُرّتْ بذاكَ وابتهجتْ ... وكان عهدي بالشيبِ يُستكرَهْ
فاشرب عللا البلح من مُسعسعة ... كأنها في إنائها جمره
قد جُلِيَتْ في البياضِ بلدتُنا ... فاجلُ علينا الكؤوسَ في الحُمرَهْ
آخر:
الثلجُ يطرقُنا في كلِّ شارقةٍ ... كالقطنِ مُنتثراً من قوسِ حلاّجِ
أو كالدقيقِ منَ الحوّارِ تنخلُهُ ... أيدي مناخلَ ما نِيطَتْ بأشْراجِ
كأنّما الأرضُ منْ وقْعِ الجليدِ بها ... زجاجةٌ قدْ دحاها كفُّ زَجّاجِ
كُشاجم:
الثلجُ يسقطُ أمْ لُجينٌ يُسبَكُ ... أمْ ذا حصى الكافورِ ظلَّ يُفرَّكُ
راحتْ بهِ الأرضُ الفضاءُ كأنّها ... منْ كلِّ ناحيةٍ بثغرِكَ تضحكُ
شابتْ مَفارِقُها فبيَّنَ ضِحكُها ... طرَباً وعهدي بالمَشيبِ تَنسُّكُ
أوْفى على خُضْرِ الغصونِ فأصبحَتْ ... كالدرِّ في قُضْبِ الزمرُّدِ يُسلَكُ
وتَزيَّتِ الأشجارُ منهُ مُلاءَةً ... عمّا قليلٍ بالرياحِ تَهتَّكُ
فالأرضُ من أرَجِ الهواءِ كأنّها ... ثَوبٌ يُعَنْبَرُ تارةً ويُمسَّكُ
كانتْ لعودِ الهندِ طُرِّيَ فانكفا ... بعدَ النَّضارةِ وهوَ أسودُ أحلَكُ
فاستنطِق كعودِ الصَّموتَ فإنّما ... تتحرّكُ الأطرابُ حينَ يُحرَّكُ
الرقي:
رأيْتُ سَحاباً في الصباحِ فحَثَّني ... على زَهَراتٍ للصَّبوحِ تُؤلَّفُ
стр. 136
وأقبلَ يذري منْ لآلي دموعِهِ ... نِثاراً بهِ الأرضُ الفضاءُ تُزخرَفُ
ويَندفُ كافوراً يطيرُ سَبيخُهُ ... ولمْ أرَ كافوراً سوى ذاكَ يُندَفُ
فمنْ غُصنٍ بالثلجِ فيها مُتوَّجٍ ... وآخرُ فيها بالجليدِ مُشَنَّفُ
الصنوبري:
الجوُّ بينَ مُضَمَّخٍ ومُضرَّج ... والروضُ بينَ مُزخرَفٍ ومُدبَّجِ
والثلجُ يهطلُ كالنثارِ فقُمْ بِنا ... نلهو بربّةِ كرْمةٍ لمْ تُمزَجِ
ضحكَ البَهارُ وبانَ حُسنُ شقائقٍ ... وزهتْ غصونُ الوردِ بينَ بنفسجِ
فكأنَّ يومكَ منْ غلائلِ فضةٍ ... والنَّورُ منْ ذهبٍ على فَيروزَجِ
الباب السابع عشر في
الشرب على النيران والكوانين والشموع
المعوّج:
اشرَبْ على النارِ في الكَوانينِ ... قد انقضَتْ مدة الرياحينِ
كأنّما النارُ والرمادُ بها ... أرضُ عقيقٍ بجَنْبِ نِسرينِ
ابن لنكك:
أعدَّ الورى للبردِ جُنداً من الصَّلى ... ولاقيتُهُ منْ بينِهمْ بجنودِ
ثلاثةُ نيرانٍ، فنارُ مُدامةٍ ... ونارُ صَباباتٍ ونارُ وَقودِ
الصنوبري:
نارُ راحٍ ونارُ خدٍّ ونارُ ... بحَشا الصبِّ بينهنّ استِعارُ
ما أبالي ما كان ذا الصيفُ عندي ... كيفَ كانَ الشتاءُ والأمطارُ
آخر:
خفقَتْ رايةُ الصباحِ وللنا ... رِ لهيبٌ كالرايةِ الحمراءِ
فاستقرّتْ تحتَ الرياحِ فخِيلَتْ ... ذهَباً تحتَ فضةٍ بيضاءِ
فأدِرْها دُرّيّةَ الكأسِ مَلأى ... من مُذابِ العقيقةِ الحمراءِ
آخر:
كأنّما النارُ والرمادُ وقدْ ... كادَ يُواري من جسمِهِ النُّورا
وردٌ جَنِيُّ القِطافِ أحمرُ قدْ ... ذَرّتْ عليهِ الأكفُّ كافورا
في الكانون:
إذا ارتمَتْ بالشَّرارِ واطَّردَتْ ... على ذُراها مَطارِدُ اللهَبِ
رأيتَ ياقوتةً مُشبّكةً ... تطيرُ عنها قُراضةُ الذهَبِ
طافَتْ بها الكأسُ وهيَ مُترعةٌ ... مُبْيَضّةُ العارِضَيْنِ بالحَبَبِ
آخر فيه:
وأزهرَ وضّاحٍ يروقُ عيونَنا ... إذا ما رميْناهُ بلَحظِ النواظرِ
لهُ أربعٌ تأبى السُّرى غيرَ أنّها ... تصافحُ وجهَ الأرضِ مثلَ المحافرِ
تُواصلُنا أيامَ للقَرّ وَصلةٌ ... وتهجرُنا أيامَ لَفحُ الهواجرِ
تُقِلُّ جُسوماً بعضُها في مُورّدٍ ... وسائرُها في مثلِ سُودِ الدَّياجِرِ
نَظمْنا كؤوسَ الراحِ في جنَباتِهِ ... نجوماً على قُطبٍ من اللهوِ دائرِ
طوالعَ فوقَ الراحِ مَثنىً وموحِداً ... غوارِبَ ما بينَ اللُّهى والحناجرِ
وفيه:
هلُمّا بكانونِنا جامحاً ... وقُولا لموقدِنا أجِّجِ
إلى أنْ نرى لهباً كالرِّيا ... ضِ ناهيكَ من منظرٍ مُبهِجِ
ومنْ عذرٍ في اخضرارِ الحري ... رِ في شُعَبِ التِّبرِ لم تُنسجِ
إذا اضطرمتَ قلتَ ريحانةٌ ... تَرنَّحُ من ريحِها السَّجْسَجِ
وتحسبُها مُسْحِياً للنُّضارِ ... حوالَيْهِ قضبان فَيروزَجِ
آخر:
سَقياً لنا وظلامُ الليلِ يكنفُنا ... ونحنُ ما بينَ نيرانٍ وأنوارِ
وللأباريقِ في الكاساتِ قهقهةٌ ... وللشموعِ أكليلٌ من النارِ
وقد عقدْنا وشاحَ اللهوِ من طربٍ ... يدورُ في فلكٍ للرقصِ دَوّارُ
كُشاجم في الفحم:
فحمٌ أنارَتْ نارُهُ ... فتضرّمتْ فيهِ حريقا
وكأنّهُ وكأنّها ... سَبَجٌ قرنْتَ بهِ عقيقا
التنوخي فيه:
فحمٌ كيومِ الفراقِ تُشعلُهُ ... نارٌ كنارِ الفراقِ في الكبِدِ
أسودُ قد صارَ تحتَ حُمرتِهِ ... مثلَ العيونِ اكتحلْنَ بالرمَدِ
آخر فيه:
وفحمٍ كأيامِ الوِصالِ فَعالُهُ ... ومنظرُهُ في العينِ يومُ صُدودِ
كأنَّ لهيبَ النارِ بينَ خلالِهِ ... بَوارقُ لاحَتْ في غمائمَ سُودِ
ابن الرومي في الشمعة:
وهَيفاءَ من نُدَماءِ الملو ... كِ صفراءَ كالعاشقِ المُدنَفِ
تَكيدُ الظلامَ كما كادَها ... فتفْنى وتُفنيهِ في مَوقفِ
الصنوبري فيها:
مجدولةٌ قامتُها ... تحكي لنا قدَّ الأَسَلْ
стр. 137
كأنّها عُمرُ الفتى ... والنارُ فيها كالأجلْ
كشاجم:
سجاياكَ في طِيبِ أعراقِها ... تُباري النجومَ بإشراقِها
وما للعُفاةِ غِياثٌ سواكَ ... كأنّكَ ضامنُ أرزاقِها
وليلةَ ميلادِ عيسى المسي ... حِ قدْ طالبتْني بميثاقِها
فتلكَ قدوري على نارِها ... وفاكهَتي فوقَ أطباقِها
وبنتُ الدنانِ فقدْ أُبرزَتْ ... من الخِدْرِ تُجلى لعُشّاقِها
وقدْ قامَتِ السُّوقُ بالمُسمِعاتِ ... وبالمُسمعينَ على ساقِها
فكُنْ مُهدياً لي فدتْك النفوسُ ... فجودك مُسْكَةُ أرماقِها
نظائرَ صُفْراً غدَتْ فِتنةً ... بلَطْفِ أناملِ خَلاّقِها
فللسندِ صُفرةُ ألوانِها ... وللرومِ زُرقةُ أحداقِها
ومثلَ الأفاعي إذا أُلهبَتْ ... حريقاً مخافةَ دِرياقِها
الخبزرُزّي في السراج:
وحيّةٍ في رأسِها دُرّةٌ ... تسبحُ في بحرٍ قصيرِ المدى
إنْ بَعُدَتْ كان العمى حاضراً ... وإنْ دنَتْ بانَ سبيلُ الهُدى
آخر:
صُفرُ الجُسومِ كأنّها ... خُلقَتْ من الذهَبِ المُذابِ
وكأنَّ ماءَ الحُسنِ إذْ ... شَرِقَتْ بهِ ماءُ الشبابِ
وإنْ اعترَتْها مَرْضَةٌ ... فشفاؤُها ضرْبُ الرِّقابِ
آخر:
شموعٌ كقاماتِ الغواني موائلٌ ... تَمايَلُ أمثالَ الغصونِ النواضِرِ
رماحٌ من التبرِ المُذابِ وفوقَها ... أكاليلُ نارٍ كالنجومِ الزواهرِ
ابن الرومي:
مائلاتٌ كأنّهنَّ رماحٌ ... مُشرّعاتٌ إلى الدُّجى بشَرارِ
فمكانُ القناةِ قامةُ تِبرٍ ... ومكانُ السِّنانِ شعلةُ نارِ
الباب الثامن عشر في
الشرب بالنهار على الرياحين
ابن المعتز:
اشرَبِ الراحِ في شبابِ النهارِ ... وانْفِ همّي بالخَندريسِ العُقارِ
قدْ تولّتْ زُهرُ النجومِ وقدْ بشّر بالصبحِ طائرُ الأسحارِ
ما ترى نعمةَ السماءِ على الأر ... ضِ وشُكرَ الرياضِ للأمطارِ
وغناءَ الطيورِ كلَّ صباحٍ ... وانفتاقَ الأشجارِ بالأنوارِ
فكأنَّ الربيعَ يجلو عروساً ... وكأنّا من قَطرِهِ في نِثارِ
أبو عبادة:
ألا رُبَّ يومٍ لي من الراحِ رَدَّ لي ... شبابيَ موفوراً وغَيّي مُتَمَّما
لدُنْ غُدوةٍ حتى أتى الليلُ ناشراً ... على أفقِهِ عُرفاً منَ الليلِ أسْحما
ابن المعتز:
إنّما أشتهي الصبوحَ على وج ... هِ سماءٍ صَقيلةِ الجِلبابِ
في غداةٍ قدْ متعتْكَ ببردِ ال ... ماءِ في يومِها وصفوِ الشرابِ
ونسيمٍ من الهواءِ تمشّى ... فوقَ روضٍ نَدٍ جديدِ الشبابِ
من عُقارٍ في كأسِها مثلِ شمسٍ ... طلعَتْ في غلالة منْ سَرابِ
وكأنَّ الشمسَ المنيرةَ دينا ... رٌ جَلَتهُ حَدائدُ الضَّرّابِ
صريع الغواني:
ويومٍ من اللذاتِ خالَسْتُ عيشَهُ ... رقيباً على اللذاتِ غيرَ مُغفّلِ
فكنتُ نديمَ الكأسِ حتى إذا طغَتْ ... تعوَّضْتُ عنها ريقَ حَوراءَ عَيطَلِ
نَهانيَ عنها حُبُّها أنْ أريبَها ... بسوءٍ فلم أفتِكْ ولم أَتبتَّلِ
أخذتُ لطرفِ العينِ منها نصيبَهُ ... وأخلَيتُ من كفّي مكانَ المُخلخَلِ
سقَتْني بعينَيْها الهوى وسقيتُها ... فدَبَّ دبيبَ الراحِ في كلِّ مفصلِ
العطوي:
أدرتُها والبساطُ مُنتزَهٌ ... حمراءَ في لؤلؤٍ من الحبَبِ
فوقَ قصورٍ على مُشْرَفَةٍ ... تضيءُ والليلُ أسودُ الحُجُبِ
بيضٌ إذا الشمسُ حانَ مغربُها ... حسبْتَ أطرافَهُنَّ منْ ذهَبِ
وله:
قبّحَ اللهُ أوّلَ الناسِ سنَّ الشربَ ليلاً ماذا أتى من عارِ
إنّ َشربَ النبيذِ سيْرٌ إلى الله ... وِ وخيرُ المسيرِ صدرُ النهارِ
ما رأيْنا لكوكبِ الصبحِ شِبهاً ... كنديم مُساعدٍ وعُقارِ
وغناءٍ يفتُّ في عضُدِ الحِل ... مِ ويُزري على النُّهى والوقارِ
وأحاديثَ في خلالِ الأغاني ... كابتسامِ الرياضِ غِبَّ القِطارِ
آخر:
أدرتُها والبساطُ مُنتزَهٌ ... للعينِ فيهِ ما تلذُّ وتشتهي
стр. 138
من خُضرةٍ فُطرتْ وماءٍ سائحٍ ... ومُدامةٍ عُصرَتْ ونَضرةِ أوجُهِ
يا فَرحتا لو كنتَ بينَ القومِ يا ... منْ لا يلذُّ العيشُ لي إلاّ بهِ
فهلُمَّ نجمعُ شملَنا ونِظامَنا ... بأديبِنا وإمامِ كلِّ مُفوَّهِ
فمتى تُجِبْ فكأنّنا في جنّةٍ ... ومتى تغِبْ فكأنّنا في مَهْمَهِ
الخليع:
حُكمُ الربيعِ وصولِ الكاسِ بالكاسِ ... والشُّغلُ بالكاسِ دونَ الشغلِ بالناسِ
والنومُ فوقَ فراشِ الوردِ ... ... ورد الخدودِ على لهوٍ وإيناسِ
أما ترى قُضُبَ الأشجارِ قد كُسيتْ ... أنوارَها بعد عُريٍ كِسوةَ الكاسي
منظومةً كسُموطِ الدرِّ لابسةً ... حُسناً يُتيحُ دمَ العنقودِ للحاسي
تنوء بالحملِ من نَورٍ فقدْ سجدَتْ ... نحوَ النَّدامى على العينَيْنِ والراسِ
فاشرَبْ على حُبُكِ الأكوابِ راعفةً ... بقهوةٍ كدمِ الغزلانِ في الكاسِ
صريع الغواني:
وجداولٍ منصوبةٍ بجداولٍ ... من صَوبِ ساريةٍ ولَمعِ بُروقِ
باكرْتُها قبلَ الصباحِ بسُحْرةٍ ... قبلَ انكدارِ مَجرّةِ العَيُّوقِ
حمراءَ صافيةَ القميصِ لذيذةً ... في بردِ كافورٍ ولونِ خَلُوقِ
من كفِّ أحورَ ذي دلالٍ شادنٍ ... يسبي القلوبَ بقدِّهِ المعشوقِ
والبة بن الحباب:
لا تخشعَنَّ لطارقِ الحدَثانِ ... وادفعْ همومَكَ بالرحيقِ القاني
أوَما ترى أيدي السحائبِ رَقّشَتْ ... حُلَلَ الثَّرى ببدائعِ الرَّيحانِ
منْ سُوسَنٍ غَضِّ القِطافِ ونرجسٍ ... وبنفسجٍ وشقائقِ النعمانِ
وجَنيّ وردٍ يستَبيكَ بحُسنِهِ ... مثلَ الشموسِ طلعْنَ في الأغصانِ
حمرٍ وبِيضٍ يُجتنَيْنَ وأصفرٍ ... ومُلوّنٍ ببدائعِ الألوانِ
كعقودِ ياقوتٍ نُظمْنَ ولؤلؤٍ ... أوساطُهُنَّ فرائدُ المَرجانِ
وإذا الهمومُ تعاورَتْكَ فسلِّها ... بالراحِ والريحانِ والنُّدمانِ
الصنوبري:
وروضةٍ ما يزالُ يبتسمُ النُّوارُ فيها ابتسامَ مسرورِ
شَقَّ عليها الشقيقُ أرديةً ... ينثرُ فيها ألوانَ منثورِ
كأنّما أوجُهُ البَهارِ بها ... وقدْ بدَتْ أوجهُ الدنانيرِ
تصطخبُ الطيرُ في جوانبِها ... عندَ اصطخابِ الناياتِ والزيرِ
ثمّ اجتلَيْنا عذراءَ تحسُرُ عنْ ... جسمِ عقيقٍ في نورِ بلّورِ
مصونةٌ في الدنانِ زيّنَها ... لونُ خَلوقٍ وبردُ كافورِ
آخر:
بديرِ العذارى وأكنافِهِ ... خلعْتُ عِذاري ولم أعتذِرْ
شربْتُ على نَورِ تلكَ الرياضِ ... وزهرَتِها واطِّرادِ الغُدُرْ
وهيفِ القُدودِ وخمرِ الخدودِ ... إذا ما بدتْ من خلالِ الخُمُرْ
وبيضِ الثغورِ وسودِ الشعورِ ... وسِحرِ اللِّحاظِ وحُسنِ الحَوَرْ
نهاري وليليَ حتى بدا ... نسيمُ الصباحِ وبردُ السحَرْ
فذلكَ عيشٌ مضى صَفوُهُ ... وبُدّلتُ من بعدِهِ بالكدَرْ
ابن الرومي في الشرب على النرجس:
أدرِكْ ثقاتَكَ إنهم وقعوا ... في نرجسٍ معهُ ابنةُ العنَبِ
ريحانُهمْ ذهبٌ على دُرَرٍ ... وشرابُهمْ دُرًّ على ذهَبِ
كأسٌ إذا ما الماءُ واقعَها ... صاغَ الحليَّ لها بلا تعبِ
يا نرجسَ الدنيا أقِمْ أبداً ... للإقتراحِ ودائرِ النُّخُبِ
ذهبُ العيونِ إذا مُثِلْنَ لنا ... دُرُّ الجفونِ زبرجدُ القصبِ
لا زلتَ شفْعَ الكأسِ إنّكما ... سكَنُ القلوبِ ومُنتهى الطلبِ
الرقيّ في الشرب على الورد:
قد ورَّدَ الوردُ بالأعاجيبِ ... بنَشرِ مسكٍ في لونِ محبوبِ
يخطرُ في حُلّةٍ مُعصفرةٍ ... زَهراءَ مرموقةٍ بتذهيبِ
وحُمرُ أوراقِهِ ملوّنةٌ ... في خُضرِ أقماعِهِ بتركيبِ
مثلُ اليواقيتِ قدْ فُصصْنَ على ... زبرجدٍ تحتَهُنَّ مصبوبِ
فاشربْ على الوردِ من مُورّدةٍ ... تلهبُ في الوجهِ أيَّ تلهيبِ
وردٌ من الخمرِ نجتليهِ على ... وردٍ لوردِ الخدودِ منسوبِ
البسامي في الشرب على الرياحين:
بكِّرْ فقدْ صاحتِ العصافيرُ ... ولاحَ من صُبحِكَ التباشيرُ
стр. 139
دَعني من العذرِ في الصَّبوحِ فما ... تُقبَلْ منْ مثلِكَ المَعاذيرُ
وباكِرِ الشربَ من مُعتّقةٍ ... مرّتْ على دَنِّها الأعاصيرُ
قدْ عانَتِ الدهرُ والورى حُقَباً ... فعندها منهما الأساطيرُ
منْ كفِّ ريمٍ أغنَّ مُختضِبٍ ... تختالُ في حَقْوِهِ الزنانيرُ
تقصُرُ عن وصفِهِ الصفاتُ كما ... تعجزُ عن وجهِهِ التصاويرُ
واشربْ على النرجسِ الجَنيِّ فقدْ ... طابَتْ به الراحُ والمَواخيرُ
ترنو بأبصارِها إليكَ كما ... ترنو إذا خافتِ اليعافيرُ
مثلَ اليواقيتِ قد نُظمْنَ على ... زُمرّدٍ بينهُنَّ كافورُ
كأنّها والعيونُ تأخذُها ... دراهمٌ فوقَها دنانيرُ
تأتيكَ بالمسكِ من روائحِها ... كواكبٌ تحتها قواريرُ
مع فتيةٍ ريحُها خلائقُهمْ ... فالمسكُ ما بينَهمْ أضابيرُ
أحدثِتِ الكأسُ بينهمُ نسَباً ... فأخلصَتْ عندها الضماييرُ
ترى أباريقَهمْ مفدّمة ... يعلمُها الفتيةُ المغاويرُ
كالطيرِ حامَتْ على شرائعِها ... فابتلَّ من وِردِها المناقيرُ
آخر في الشرب على الورد:
هاتِ التي هي يومَ البعثِ أوْزارُ ... كالنارِ في الحُسنِ عُقبى شُربِها النارُ
أما ترى الوردَ قدْ باحَ الربيعُ بهِ ... منْ بعدِ ما مرَّ حولٌ وهوَ إضمارُ
وكان في خلعٍ خُضرٍ فقدْ خُلعَتْ ... وعادَ عُطلاً وحُطّتْ منهُ أوزارُ
المفجع على النارنج:
وربّتَ ليلةٍ قد بِتُّ فيها ... على اللذاتِ مُجتمعَ الشتاتِ
على نارٍ ونارَنجٍ ونَورٍ ... أُقمْنَ خلائِعاً للنَّيّراتِ
نِتاجٌ من دمِ العنقودِ يُكسى ... مزاجَ الصفوِ منْ ماءِ الفراتِ
ونارَنجٌ كما خرطَتْ صَناعٌ ... من الياقوتِ دائرةَ الكُراتِ
مُعصفرةُ النواحي مُلبَساتٌ ... على أبدانِهِنَّ الواضحاتِ
ترى الودعَ الخلوقيَّ المُعَلّى ... على وضَحِ الثُّدِيِّ الناهداتِ
بكتّان الخلوقِ مُزرّراتٌ ... على بيضاتِ كافورٍ فُتاتِ
نَعمْتُ بطيبِ رَيّاها ورَيّا ... فتاةِ الحيِّ يا لَكِ من فتاةِ
وزَهراوَيْنِ زهراءِ القَناني ... وزهراءِ الغواني الفاتناتِ
ابن لنكك في الأُترُجّ:
هلُمَّ للشربِ قدْ طابَ الزمانُ بهِ ... وقدْ تبدّتْ شموسُ الزهرِ في الكُلَلِ
فإنَّ بطحاءَها ماءٌ وتُربَتُها ... مسكٌ وأوراقُها يُنسجْنَ من حُلَلِ
وقد نَضَدْنَ على الأطباقِ فاكهةً ... مصبوغةً بغيابِ الشمسِ في الأصلِ
كأنَّ أجسادَها صاك العبيرُ بها ... أو خُضْنَ في الوَرْسِ أو في صُفرةِ الوجَلِ
تخالُهُنَّ ثُدِيَّ الغِيدِ ناهدةً ... بلونِ هَيمانَ دامي القلبِ مُختبَلِ
أو القناديلَ من صَوغِ اللُّجينِ وقدْ ... جُلِّلْنَ بالتِّبرِ عن علٍّ وعنْ نهَلِ
يسقيكَها غَنِجٌ حلوٌ شمائلُهُ ... كالخُوطِ في لِينِ إقبالٍ ومُعتدَلِ
تردُّ للعيشِ ما فاتَ الزمانُ بهِ ... من شاردِ الأنسِ أو منْ فائتِ الجذَلِ
الباب التاسع عشر في
الشرب بالليل
ابن المعتز:
شربْتُها والديكُ لمْ ينتبِهْ ... سكرانُ من نَومتِهِ طافِحُ
ولاحَتِ الشِّعرى وجَوزاؤُها ... كمثلِ زُجٍّ جرّهُ رامِحُ
ابن دريد:
وليلةٍ ساهرَتْ عيني كواكبَها ... ناديتُ فيها الصبا والنومُ مطرودُ
تستنبطُ الراحُ ما تخفي النفوسُ وقدْ ... جادَتْ بما منعتْهُ الكاعبُ الرُّودُ
والراحُ تفترُّ عن دُرٍّ وعن ذهَبٍ ... فالتِّبرُ مُنسبكٌ والدرُّ معقودُ
يا ليلُ لا تُنْجِ للإصباح حَوزَتَنا ... ولْتَحْمِ جانبَهُ أعطافُكَ السودُ
أبو عبادة:
وليلةِ القصرِ والصهباءُ قاصرةٌ ... للهوِ بينَ أباريقٍ وأقداحِ
أرسلتُ شُغلينِ من لفظٍ محاسنُهُ ... تُدوي الصحيحَ ولحظٍ يُسكرُ الصاحي
ابن المعتز:
سقتنيَ في ليلٍ شبيهٍ بشَعرِها ... شبيهةَ خدّيْها بغيرِ رقيبِ
فما زلتُ في ليلينِ للشَّعرِ والدُّجى ... وصُبحينِ من كأسٍ ووجهِ حبيبِ
الخليع:
стр. 140
أدِرِ الكأسَ علينا ... أيُّها الساقي لنطرَبْ
ما ترى الليلَ تولّى ... وضياءَ الصُّبحِ يَقرُبْ
والثُّريّا شِبهُ كأسٍ ... حينَ تبدو ثم تغرُبْ
وكأنَّ الشرقَ يسقي ... وكأنَّ الغربَ يشربْ
أعرابي:
مُشعشةٌ كانتْ قُريشٌ تكنُّها ... فلمّا استحلُّوا القتلَ في الدارِ حَلَّتِ
شربْتُ معَ الجوزاءِ كأساً رويّةً ... وأخرى إذا الشِّعرى العَبورُ استقلَّتْ
ابن المعتز:
لبسْنا إلى الخَمّارِ والنجمُ غائرٌ ... غَليلة ليلٍ طُرّزَتْ بصباحِ
وظلّتْ تُديرُ الكأسَ أيدي جآذرٍ ... عتاقٍ دَنانيرِ الوجوهِ مِلاحِ
آخر:
وليلةُ قصفٍ ليلةُ العرسِ دونَها ... أنرْتُ بها الظلماءَ والليلُ آفِلُ
وسكرانةٌ سُكْرَيْ دلالٍ وقهوةٍ ... إذا هيَ قامتْ لم تُطعْها المفاصِلُ
تَثنَّتْ كغصنٍ ذابلٍ عندَ سُكرِها ... وذا عجبٌ، غصنٌ من الريِّ ذابلُ؟
أبو عبادة:
يا ليلتي بالسفحِ من بِطياسِ ... ومُعرِّسي بالقصرِ بلْ إعراسي
باتَتْ تُبرِّدُ من جَوايَ وغُلّتي ... أنفاسُ ظبي طيّبِ الأنفاسِ
هَيْفُ الجوانحِ منهُ هاضَ جوانحي ... ونعاسُ مُقلتِهِ أطارِ نعاسي
يدنو إليَّ بخمرِهِ وبريقِهِ ... فيعُلُّني بالكاسِ بعدَ الكاسِ
الفضل بن الربيع:
انصَبْ نهاراً في طِلابِ العُلا ... واصبِرْ على هِجرانِ وجهِ الحبيبْ
حتى إذا الليلُ دنا مُقبلاً ... وانحسرَتْ عنكَ عيونُ الرقيبْ
فاخلُ من الليلِ بما تشتهي ... فإنّما الليلُ نهارُ الأريبْ
كم فاسقٍ تحسبُهُ ناسكاً ... يستقبلُ الليلَ بأمرٍ عجيبْ
غطّى عليهِ الليلُ أثوابَهُ ... فباتَ في أُنسٍ وعيشٍ خَصيبْ
ولذّةُ الجاهلِ مكشوفةٌ ... يسعى بها كلُّ عدوٍّ مُريبْ
ابن المعتز:
ألا سقِّنيبها والنهارُ مُقوَّضُ ... ونجمُ الدُّجى في حلبةِ الليلِ يركضُ
كأنَّ الثريّا في أواخرِ ليلِها ... تفتَّحُ نَورٍ أو لجامٌ مُفضَّضُ
أيضاً:
يا خليليَّ اسقياني ... قهوةً ذاتَ حُميّا
إنْ تكنْ رُشداً فرُشداً ... أوْ تكنْ غَيّاً فغيّا
قد تولى الليلُ عنا ... وطواهُ الشرقُ طَيّا
وكأنَّ الصبحَ لمّا ... لاحَ منْ تحتِ الثُّريّا
مَلِكٌ أقبلَ في التا ... جِ يُفَدّى ويُحيّا
آخر:
وليلٍ قد شربتُ وقامَ حولي ... نَدامى صُرِّعوا حولي رُقودا
أنادمُ فيهِ قرقرةَ القناني ... ومِزماراً يحدّثُني وعُودا
وكانَ الليلُ يرجمني بنجمٍ ... وقالَ: أراهُ شيطاناً مَريدا
الباب العشرون في
ذكر الساقي
الصنوبري:
ومورَّدِ الخدَّينِ يقتلُ حينَ يخطِرُ في مُورِّدْ
يسقيكَ من جفنِ اللُّجينِ إذا سقاكَ دموعَ عسجدْ
حتى تظنَّ النجمَ ينزلُ أو تظنَّ الأرضَ تصعدْ
وإذا سقاكَ بعينِهِ ... وبفيهِ ثمَّ سقاكَ باليَدْ
حيّاكَ بالياقوتِ ثمّ الدرِّ من فوقِ الزبرجَدْ
ابن المعتز:
تدورُ علينا الراحُ من كفِّ شادنٍ ... لهُ لحظُ عين يشتكي السُّقمَ مُدنَفُ
كأنَّ سُلافَ الخمرِ منْ ماءِ خدِّهِ ... وعنقودُهُ من شَعرِهِ الجعدِ يُقطَفُ
وأخذه الطائي فقال:
وقهوةٍ كوكبُها يُزهرُ ... يسطعُ منها المسكُ والعنبرُ
ورديّةٌ يحتثها شادنٌ ... كأنّها من خدِّهِ تُعصَرُ
ديك الجن:
ظلَلْنا بأيدينا نُتعتعُ روحَها ... وتأخذُ من أقدامِنا الراحُ ثارَها
مورّدةٌ من كفِّ ريمٍ كأنّما ... تناولَها من خدِّهِ فأدارَها
السروي:
لهُ شفَةٌ فيها حياتي فكلّما ... تناولتُ أقداحاً مسحْتُ بها فمي
وخدّاهُ تُفّاحي وعيناهُ نرجسي ... وريقَتُهُ خمرٌ مزجْتُ بها دمي
لطيفُ المعاني يجرحُ الوهمُ خدَّهُ ... ففي خدِّهِ خدْشُ المنى والتوَهُّمِ
كُشاجم:
ما زلتُ أُسقاها على ... وجهِ غزالٍ مُونِقِ
بقمرٍ مُنتقِبٍ ... بخاتمٍ مُنتطِقِ
والبدرُ فوقَ دجلةٍ ... والصبحُ لمّا يُشرِقِ
كحُلّةٍ من ذهبٍ ... على بساطٍ أزرقِ
стр. 141
ابن المعتز وهو من بديع تشبيهاته:
وكأنَّ السقاةَ بينَ الندامى ... ألِفاتٌ بينَ السطورِ قيامُ
ابن لنكك:
قُمْ يا غلامُ أدِرْ مُدامَكْ ... واحثُثْ على النَّدمانِ جامَكْ
تُدعى غلامي ظاهراً ... وأكونُ في سرٍّ غلامَكْ
اللهُ يعلمُ أنّني ... أهوى عِناقَكَ والتزامَكْ
ابن المعتز:
وساقٍ إذا ما الخوفُ أطلقَ وجهَهُ ... فلا بدّ أن يسبي بمُقلتِهِ قلبا
يطوفُ بإبريقٍ علينا مُفدّمٍ ... ليسبِكَ في أقداحِنا ذهباً رطْبا
آخر:
جسمُ هواءٍ بجلدِ نورِ ... تمسكُهُ قدرةُ القديرِ
يكادُ من رقّةٍ ولينٍ ... يجرحُهُ الوهمُ بالضميرِ
بديعُ حُسنٍ غريبُ وصفٍ ... بلا مثالٍ ولا نظيرِ
فمِنْ منيرٍ على رَطيبٍ ... ومنْ هَضيمٍ على وَثيرِ
يضحكُ عن لؤلؤٍ نظيمٍ ... ينطقُ عن لؤلؤٍ نَثيرِ
يُديرُ كأساً حكى وحاكى ... شِهابَ نارٍ وشخصَ نورِ
فأسكرَ القومَ دَورُ كأسٍ ... وكانَ سُكري من المُديرِ
آخر:
بدرٌ بدا والكأسُ في كفِّهِ ... وأنجمُ الليلِ عليهِ رِعاثْ
فهوَ من الليلِ ومن طرْفِهِ ... وصُدغِهِ في ظلماتٍ ثلاثْ
أحمد بن أبي فنن:
بكفٍ مُقَرْطَقٍ خَنِثٍ ... تَطيبُ بطِيبِهِ الرِّيَبُ
تراها وهيَ في كفّييهِ في خدّيهِ تلتهِبُ
يوسف الجوهري:
غزالٌ يطوفُ بكاساتِهِ ... على فتيةٍ حضروا موعدَهْ
أتاكَ بخرطٍ من الجزْعِ إذْ ... تَكنَّفَ أبيضُهُ أسودَهْ
كأنَّ الصِّحافَ بأيديهمُ ... جداولُ مُترعةٌ مُزبِدَهْ
تجودُ عليها أباريقُها ... بصهباءِ تلعبُ بالأفئدَهْ
الصنوبري:
وساقٍ إذا هَمَّ ندمانُنا ... بأنْ يُزجيَ الكأسَ لم يُزجِهِ
لطيفِ المُمنطقِ مُهتزِّهِ ... ثقيلِ المُؤزِّرِ مُرتَجِّهِ
سقاني بعينْيهِ أضعافَ ما ... سقاني بكفّيهِ من غنْجِهِ
كُشاجم:
حبيبٌ تمكنْتُ من قُربِهِ ... ونازعْتُهُ الكأسَ حتى غلَبْ
سقاني شَمولينِ من رِيقِهِ ... رُضاباً وفضْلةَ ما قدْ شرِبْ
فلمْ أدرِ أيّهما مِسكةٌ ... ولم أدرِ أيّهما من عِنَبْ
وعانقْتُهُ والدُّجى مُسبَلٌ ... عِناقَ محبٍّ لحبٍّ طَرِبْ
فباللهِ يا ليلُ طُلْ ساعةً ... وباللهِ يا صبحُ لا تقتربْ
آخر:
يا ساقيَ القومِ إنْ دارتْ إليَّ فلا ... تمزجْ فإنّي بدمعي مازِجُ كاسي
ويا فتى الحيِّ إنْ غنّيتَ من طربٍ ... فغنٍّ واحرَبا من قلبِكَ القاسي
الصخرُ أليَنُ لي من قلبِكَ القاسي ... يا منْ طواني وحيّا كلَّ جُلاّسي
ما لي واللناسِ كمْ يَلحونَني سفَهاً ... ديني لنفسي ودينُ الناسِ للناسِ
إنْ كانَ عهدُكمُ كالوردِ مُنصرفاً ... فإنَّ عهدي لكمُ أطرى من الآسِ
الصنوبري:
وساقٍ لي إذا استُسْقِ ... يَ منْ نسلِ الدهاقينِ
لهُ عِزُّ السلاطينِ ... ولي ذلُّ المساكينِ
يُحيّيني فيُحْييني ... يُغنّيني فيُغْنيني
وأدعو فيلبّيني ... وأبدو فيُفَدّيني
فيا سَحّارُ كمْ تسحرُني طَوراً وتَرقيني
ويا قَتّالُ كمْ تقتلُني ظُلماً وتُحييني
ديك الجن:
أفديكُما منْ حاملَيْ قدحينِ ... قَمرين في غصنينِ في دِعصَينِ
رُودٌ مُنعّمةٌ ومهضومُ الحشا ... للناظرينَ مُنىً وقُرّةُ عينِ
قامَتْ مُؤنّثةً وقامَ مُذكّرٌ ... فتناهبا الألحاظَ بالنَّظرينِ
صُبّا عليَّ الراحَ إنَّ هلالَنا ... قدْ صبَّ نِعمتَهُ على الثَّقلَيْنِ
فإليَّ كأسَكُما على ما خُيِّلَتْ ... كالتبرِ معجوناً بماءِ لُجينِ
ابن المعتز:
وعاقدِ زُنّارٍ على غصنِ الآسِ ... دقيقِ المعاني مُخطَفِ الخصْرِ مَيّاسِ
سقاني عُقاراً صَبَّ فيها مزاجَها ... فأضحكَ عن ثغرِ الحَبابِ فمَ الكاسِ
ابن الصباح:
ورَيمٍ فاترِ الطَّرْفِ ... مَليحِ الدلِّ مَغنوجِ
سقاني من كُميتِ اللوْ ... نِ صِرفاً غيرَ ممزوجِ
فلمّا دارَتِ الكأسُ ... على النايِ بتَصنيجِ
стр. 142
وغنّى في عَنينِ الزِّي ... رِ والمَثنى بتَهزيجِ
جعلْنا القُمصَ في اللَّبّا ... تِ أمثالَ الدُّواويجِ
عبد الله بن طاهر:
اسقِني سبعاً تِباعاً ... وأدِرْهُنَّ سِراعا
قهوةٌ يحسبُها النا ... ظرُ إنْ صُبّتْ شُعاعا
يا خليليَّ احسُواها ... واكشفا عنها القِناعا
بَكَّرَ اللائمُ يلحا ... ني فأغرى ما استطاعا
الوليد بن عبد الملك:
أُشهِدُ اللهَ والملائكةَ الأبرارَ ... والصالحينَ أهلَ الفلاحِ
أنّني أشتهي المُزاحَ وأهوى الر ... احَ والعضَّ في الخدودِ المِلاحِ
والنديمَ الظريفَ والخادمَ الفا ... رهَ يسعى إليَّ بالأقداحِ
ابن المعتز:
قامَ كالغصنِ في النَّقا ... يمزجُ الشمسَ بالقمَرْ
وسقاني المُدامَ وال ... ليلُ بالصبحِ مُؤْتَزِرْ
والثريّا كنَورِ غُص ... نٍ على الغربِ قدْ نُشِرْ
الحسن بن وهب:
غزالٌ حسنُ الطلْعهْ ... أبِيُّ النفسِ ذو منعَهْ
غَنِينا بتلالِيهِ ... عن المِصباحِ والشمعَهْ
سقاني الراحَ ممزوجاً ... بماءٍ يشبهُ الدمعَهْ
على وردٍ ونسرينٍ ... وزهرٍ حسنٍ بِدعَهْ
آخر:
ومعشوقِ الشمائلِ عسكريٍّ ... لهُ قتلى وليسَ سِلاحُ
كأنَّ الكأسَ في يدِهِ عروسٌ ... لها من لؤلؤٍ رطبٍ وِشاحُ
وقائلةٍ متى يفنى هواهُ ... فقلتُ لها إذا فنيَ المِلاحُ
أبو فراس:
تبسّمَ إذْ تبسّمَ عنْ أقاحِ ... وأسفرَ حينَ أسفرَ عن صباحِ
وأتحفَني براحٍ منْ رُضابٍ ... وراحٍ من جنى خدٍّ وراحِ
فمِنْ لألاءِ غُرّتِهِ صباحي ... ومنْ صهباءِ رِيقَتِهِ اصْطباحي
آخر:
غدوْتُ إلى كأسٍ وقدْ رحتُ من كاسِ ... ولمْ أرَ فيما تشتهي النفسُ من باسِ
سقانيَ خمراً منْ يديهِ وريقِهِ ... وأسكرَني سُكرينِ منْ دونِ جُلاّسي
إذا جادَ لي عندَ الخُلاسِ بقُبلةٍ ... وجدتُ بها برداً على حرِّ أنفاسي
ابن المعتز:
طرِبتُ إلى القصفِ والدَّسكَرهْ ... وشُربيَ بالكأسِ والكُبَّرَهْ
وعُمرّة مثلِ ذَوبِ العقيقِ ... لم تشْقَ بالنارِ والمعصرَهْ
وساقٍ مَليحٍ لهُ صَولةٌ ... على النُّدماءِ شديدِ الجِرَهْ
وفي عطفةِ الصدغِ خالٌ لهُ ... كما استلبَ الصولجانُ الكُرَهْ
أبو نواس:
يطوفُ بها ساقٍ أغَنٌّ ترى لهُ ... على مُستدارِ الخطِّ صُدغاً مُعقْرَبا
سقاني ومَنّاني بعينيهِ مُنيةً ... فكانتْ إلى نفسي ألذَّ وأعذبا
أبو عبادة:
باتَ نديماً ليَ حتى الصباحْ ... أغيدُ مجدولُ مكانِ الوِشاحْ
كأنّما يضحكُ عن لؤلؤٍ ... مُنضّدٍ أو برَدٍ أو أقاحْ
يُساقطُ الوردَ علينا ... وقدْ تَبلَّجَ الصبحُ نسيمُ الرياحْ
أمزجُ كأسي بجَنى ريقِهِ ... وإنّما أمزجُ راحاً براحْ
عبد الله بن طاهر:
عَطْفَةُ أصداغِ وَجنتَيْهِ ... عقاربٌ سَمُّها مُسوكُ
بصحنِ خدٍّ زها بخالٍ ... يذوبُ من عشقِها الملوكُ
يُديرُ كأساً فكانَ فيها ... يصبُّ أقداحَها الديوكُ
ديك الجن:
وروضةٍ باتَ طَلُّ الغيثِ ينسجُها ... حتى إذا أنجمتْ أضحى يُدبِّجُها
تبكي عليهِ بكاءَ الصبِّ فارقَهُ ... إلفٌ فيُضحكُها طَوراً ويُبهجُها
إذا تضاحكَ فيها الوردُ نرجسَها ... ناغى ذكيٌّ خُزاماها بنفسجُها
أمرتُ فيها لساقِينا وفي يدِهِ ... كأسٌ كشعلةِ نارٍ إذْ يُوهِّجُها
لا تمزُجَنْها بغيرِ الريقِ منكَ فإنْ ... تبخلْ بذاكَ فدمعي سوفَ يمزجُها
أقلُّ ما بي من حُبِّيكَ أنَّ يدي ... إذا سمَتْ نحو كبدي كادُ يُنضِجُها
الحسين بن الضحاك:
أراكَ بعينِ قلبٍ لا تراها ... عيونُ الناسِ من حَذري عليْكا
فأنتَ الحُسنُ لا صفةٌ لحُسنٍ ... وأنتَ الخمرُ لا ما في يدَيْكا
الباب الحادي والعشرون في
مشاربة الكرام
محمد بن وهب:
أنا ابنُ الكاسِ ما لي منْ جَناها ... إلى وقتِ المنيةِ من فِطامِ
стр. 143
أُجلُّ عن اللئيمِ الكأسَ حتى ... كأنَّ الخمرَ تعصر منْ عظامي
وأسقيها من الفتيانِ مِثلي ... فنختارُ الكريمةَ للكرامِ
أبو نواس:
وخَرْقٍ يُجِلُّ الكأسَ عن منطقِ الخَنا ... ويُنزلُها منهُ بكلِّ مكانِ
تراهُ لما شاءَ النُّدامى ابنَ علّةٍ ... وللشيءِ لذّوهُ رضيعَ لِبانِ
ابن المعذّل:
انعَمْ صَبوحَكَ واصطبحْ ... صهباءَ كالكافورِ رَيّا
تحكي شموساً في الكؤو ... سِ وتارةً ورداً جنيّا
لا تشربَنَّ معَ اللئي ... مِ فلستَ تشربُها هنيّا
لا تنكحَنَّ كريمةٌ ... إلاّ الكريمَ الأريحيّا
أبو نواس:
شُققْتُ من الصبا واشتُقَّ منّي ... كما اشتُقَّتْ من الكَرْمِ الكُرومُ
فلستُ أُسوِّفُ اللذاتِ منّي ... مُناومةً كما دفعَ الغيرمُ
أخذه من قول العرب:
هذا ورُبَّ مسوِّفين صبَحتُهم ... من خمرِ بابلَ لذةٍ للشاربِ
المخزومي:
ولا تسقِ المُدامَ فتىً لئيماً ... فإنّي لا أحلّكَ للئيمِ
لأنَّ الكرْمَ من كرَمٍ وجودٍ ... وماءَ الكرْمِ للرجلِ الكريمِ
حسان بن ثابت:
للهِ درُّ عصابةٍ نادمتُها ... يوماً بجلّقَ في الزمانِ الأولِ
بيضُ الوجوهِ كريمةٌ أحسابُها ... شُمُّ الأنوفِ منَ الطِّرازِ الأوّلِ
أبو هفّان:
آخِ الكريمِ على المُدامِ يزيدُها ... طِيباً على الطّيبِ الذي هو فيها
راحٌ كأنَّ مزاجَها منْ مائِها ... بتلهُّبٍ في كأسِها يُغريها
هزَّتْ بسَورتِها الرؤوسَ وإنّها ... لتغادرُ الرجلَ الحليمَ سَفيها
علي بن الجهم:
تراضَعوا درّةَ الصهباءِ بينهم ... فأوْجبوا لرضيعِ الكأسِ ما يجبُ
لا يحفظونَ على السَّكرانِ زلَّتَهُ ... ولا يُريبُكَ منْ أخلاقِهمْ رِيَبُ
سعيد بن حميد:
وإننا قدْ رضعْنا الكأسَ دَرَّتَها ... والكأسُ درَّتُها حظٌّ من النَّسبِ
أبو نواس:
والراحُ طيبةٌ وليسَ تمامُها ... إلاّ بطيبِ خلائقِ الجُلاّسِ
المُفجَّع:
رُبَّ ليلٍ نعمْتُ فيهِ كأنّي ... في جَنى جنّتيْنِ: عدنٍ وخُلدِ
أجتَليها حمراءَ صافيةَ اللوْ ... نِ ولكنْ لها مذاقةُ شَهدِ
لكرامٍ لم يعرفوا هُجْرَ قولٍ ... لا ولا استشعروا دفينةَ حِقدِ
ومُصافينَ للقريبِ مُراعي ... نَ لغِيبِ البعيدِ عن حُسنِ عهدِ
بينَ نايٍ ومِزهرٍ وقِيانٍ ... مُرهِجاتٍ في حومةِ الدَّستبْندِ
نتعاطى الكؤوسَ طلقاً حلالاً ... قسمة اللهوِ بينَ زوجٍ وفردِ
ونجومُ السماءِ منظومُ دُرٍّ ... فوقَ صحنٍ من صِبغةِ اللازوردِ
وقُميرُ السما بدا بناحيةِ الشَّر ... قِ كحدِّ الحسامِ من جوفِ غِمْدِ
مسرور الهندي:
وإذا مجلسٌ تضمَّنَ شُرباً ... واستحثُّوا منَ المُدامِ كؤوسا
ذكروا منكَ أنّهم عدموا ال ... عنبرَ غضاً لديهم ويبيسا
كرمُ الخُلقِ والخلائقِ والنَّف ... سِ فحيّا بذا الجليسُ جَليسا
الباب الثاني والعشرون في
الندمان
أنشد هذه الأبيات لمسلم بن مهزم بن خالد العنبري:
نفسي فداءُ نَديمٍ بات يُسعدُني ... ليلاً على قبضِ أرواحِ الأباريقِ
ما زلتُ أشربُها صِرفاً ويشربُها ... حتى بدا الصبحُ مُبيضَّ الحَماليقِ
ابن المعتز:
نبّهْتُ نَدماني فَهَبّا ... طَرِباً إلى كأسي وكَبّا
نشوانَ يحكي ميلُهُ ... غصناً بأيدي الريحِ رَطْبا
ما زالَ يصرعُهُ الكرى ... وأذُبُّ عنهُ النومَ ذَبّا
وسقيتُهُ كأساً على ... مرضِ الخُمارِ فما تأبّى
والليلُ مُشمَطُ الذُّرا ... والصبحُ حينَ حَبا وشَبّا
آخر هو المغيرة بن شعبة:
لأنَّ أميرَ المؤمنينَ يسوءُهُ ... تنادمُنا في الجَوسَقِ المُتهدِّمِ
فإنْ كنتَ نَدماني فبالأكبرِ اسقِني ... ولا تسقني بالأصغرِ المُتلثِّمِ
أبو نواس:
نبِّهْ نديمَكَ قد نعِسْ ... يسقيكَ كأساً في الغلَسْ
صِرفاً كأنَّ شعاعَها ... في كفِّ شاربِها قبَسْ
مما تَخيَّرَ كرمَها ... كِسرى بعانةَ واغترَسْ
стр. 144
تدعى فيرفعُ رأسَهُ ... فإذا استقلَّ بهِ نكَسْ
وفي ائتلاف الندامى، وتضايُق مجلسهم قول الأوّل أعجب:
يا رَبَّ بيتٍ زرتُهُ فكأنّما ... قد ضمّني من ضِيقِهِ سِجنُ
ما يحسنُ الرمانُ يجمعُ حَبَّهُ ... في قشرِهِ إلاّ كما نحنُ
آخر:
رُبَّ نديمٍ حلوٍ شمائلُهُ ... غادرتُهُ بالعُقارِ مَعقورا
صهباءُ ليلاً فُضَّتْ خواتِمُها ... فامتلأتْ ظُلمةُ الدُّجى نورا
ثم استجاشَتْ على مُنازلةِ ال ... ماءِ حَباباً كالدرِّ منثورا
باكرْتُها والنديمُ أخرسُ قدْ ... أضحى بكفِّ الغرامِ مأسورا
والصبحُ يجلو على مقدّمةِ الش ... مسِ لواءٌ للمُلكِ منشورا
آخر:
نبّهتُ ندماني فهبُّوا ... بعدَ المَنامِ لِما استحبّوا
هذا أجابَ وذا أنا ... بَ وذا يسيرُ وذاكَ يحبو
أنشدتُهمْ بيتاً يُعلّ ... مُ ذا الصبابةِ كيف يصبو
ما العيشُ إلاّ أنْ تُحِبْ ... بَ وأنْ يُحبّك من منْ تحبُّ
فتطرَّبوا فالأريحيَّ ... يةُ شأنُها طربٌ وشُربُ
آخر:
قُمْ يا نديمي من منامِكَ واقعُدِ ... حانَ الصبوحُ ومُقلتي لم ترقُدِ
أمّا الظلامُ فحينَ رقَّ قميصُهُ ... وارى بياضَ الصبحِ كالسيفِ الصَّدِي
وصف المأمون ثُمامة بحسن المنادمة والمساعدة، فقال: إنه ليتصرف مع القلوب تصرُّف السحاب من الجنوب.
المُفجّع:
طِيبُ النديمِ يفوقُ طِيبَ الراحِ ... ويحثُّ شاربَها على الأقداحِ
فإذا هما اجتمعا لنفسٍ حَلَّتا ... بمحلّةِ الأرواحِ في الأشباحِ
أبو عبادة:
ونديمٍ نبّهتُهُ ودُجى الليْ ... لِ وضوءُ المصباحِ يعتلِجانِ
قُمْ نبادرْ بها الصيامَ فقدْ أقْ ... مرَ ذاكَ الهلالُ من شعبانِ
الباب الثالث والعشرون في
الغناء
ابن الرومي:
كأنّما رقّةُ مسموعِها ... رقّةُ شكوى سبقَتْ دمعَهْ
كأنّما غنَّتْ لشمسِ الضحى ... فألبسَتْها حُسنَها خِلعَهْ
ابن المعتز:
بينَ أقداحِهم حديثٌ قصيرُ ... هو سحرٌ وما سواهُ كلامُ
وغناءٌ يستعجلُ الراحَ بالرا ... حِ كما ناحَ في الغصونِ الحمامُ
أبو عبادة:
وأشارَتْ إلى الغناءِ بألحا ... ظٍ مِراضٍ منَ التَّصابي صِحاحِ
فطربْنا لهُنَّ قبل المَثاني ... وسكِرْنا منهُنَّ قبلَ الراحِ
محمد بن بشير:
وصوتٍ لبني الأحرا ... رِ أهلِ السِّيَرةِ الحُسنى
شجٍ يستغرقُ الأوتا ... رَ حتى كلُّها تفنى
فما أدري اليدُ اليسرى ... بها سقى أم اليمنى
وقُلنا لمُغنّيهِ ... وقدْ غنّى على المَثْنى
ألا يا ليتَ هذا الصَّو ... تَ حتى الصبحِ لا يفنى
فقدْ أيقظت اللذا ... تِ عيناً لم تزلْ وَسْنى
وما أفهمُ ما يعني ... مُغنّيه إذا غنّى
ولكنّيَ منْ حُبّي ... لهُ أستحسنُ المَغْنى
ومثله لأبي تمام:
ومُسمعةٍ تفوتُ السمعَ حُسناً ... شجَتْ كَبِدي ولمْ أفهمْ صَداها
فبِتُّ كأنّني أعمى مُعَنّى ... بحُبِّ الغانياتِ ولا يَراها
آحذ: تفوت السمع من قول الأعرابي:
فقامَ يُصارعُ البُردينِ لدناً ... تفوتُ العينَ من نومٍ شهيِّ
آخر:
ومُسمعٍ يُقيمُ فيما بيننا ... سُوقَ سرورٍ بثقيلٍ وهزَجْ
قضيْتُ فيهَ وطرَ اللهوِ على ... أنينِ أوتارٍ ونايٍ ووَنَجْ
والصبحُ قد أقبلَ في سلطانِهِ ... على دُجى الليلِ فلاحَ وبلَجْ
يفضُّ منهُ عُروةً فعروةً ... ويرتقيهِ درَجاً بعدَ درَجْ
آخر:
وليلتُنا والراحُ عجلٌ يحثُّها ... فنونُ غناءٍ للزجاجةِ حادِ
تدارك عني نشوة في لقائِها ... ذَممْتُ لها حتى الصباحِ رشادي
الموصلي:
سأشربُ ما دامتْ تغنّي مُلاحظُ ... وإنْ كانَ لي في الشربِ عنْ ذاكَ واعظُ
مُلاحظُ غنّينا بعيشِك وليكنْ ... عليكِ بما استحسنْته منكِ حافظُ
فأقسمُ ما غنّى غناءكِ حاذقٌ مُجيدٌ ولم يلفِظْ كلفظِكِ لافظُ
آخر:
دعيني منْ بكائِكِ في عراصٍ ... وفي أطلالِ منزلةٍ ودُورِ
стр. 145
ومنْ شُربٍ بلا عَصفٍ وزَمرٍ ... فإنَّ الخيلَ تشربُ بالصَّفيرِ
أنشد:
قيلَ لي: جدِّدِ اقتراحاً عليها ... فإذا كلُّ ما تغنّي اقتراحُ
ابن الرومي:
جاءَتْكَ بالنرجسِ أيامُهُ ... والراحِ فاشربْ غيرَ تَصريدِ
على سماعِ مُطربٍ نعجِبٍ ... ألذَّ من نُجحِ المواعيدِ
لا مِن خدودٍ سوَّدتْها اللِّحى ... بلْ من خدودٍ ذاتِ توريدِ
أبو نواس:
لا أرحلُ الكأسَ إلاّ أن يكونَ لها ... حادٍ بمُنتحل الأشعارِ غِرّيدُ
فاستنطِقِ العُودَ قدْ طالَ الصُّموتُ به ... لا ينطقُ اللهوُ حتى ينطقَ العُودُ
إسحاق الموصلي في مخارق أمّ ولده:
رأيتُ قِيانَ الناسِ في كلِّ بلدةٍ ... فلمْ ترَ عيني قَينةً كمخارقِ
إذا هيَ قامتْ أبهَتَ القومَ حِذقُها ... وأطرقَ إجلالاً لها كلُّ حاذِقِ
آخر:
للهِ أيامٌ خطَبْنا لِينَها ... في ظلِه بالخندريسِ السَّلسلِ
بمُدامةٍ نغمُ السماعِ خفيرها ... لا خيرَ في المَعلولِ غيرَ مُعلَّلِ
الحسن بن وهب:
وروضةٍ خِلتُ السِّماكينِ ... لها صديقينِ مُحبَّينِ
خضراءَ قد بكَّرَ نَوّارُها ... قبلَ البساتينِ بشَهرينِ
فكلّما احتاجَتْ إلى سُقيةٍ ... جادَ السِّماكانِ بنَوَّيْنِ
فأصبحتْ تضحكُ عن زاهرٍ ... يحارُ فيهِ ناظرُ العينِ
سقاهُما اللهُ لقد أصبحا ... بالروضِ تِرْبَيْنِ حَفيَّيْنِ
فغنّياني يا نديميَّ هوىً ... فأنتما خيرُ نَديمينِ
واهاً لإلفَيْنِ مُحبَّينِ ... في لُجَجِ الحُبِّ غريقَيْنِ
قد أمِنا الهجرَ وقدْ أمَّلا ... أنْ لا يُراعا الدهرَ بالبَينِ
فإنّهُ صوتٌ يُجيدانِهِ ... وأنتما خيرُ مُجيديْنِ
الباب الرابع والعشرون في
المزاهر والنايات والعيدان
وما قيل في أصواتها
أبو زرعة الدمشقي:
إذا أذّنَ المِضرابُ صلّتْ لكأسِنا ... أباريقُ قدْ يضحكْنَ في الخلَواتِ
ورنَّتْ على النايات أوتارُ قينةٍ ... تُشوِّقُ فتياناً إلى فتَياتِ
هل العيشُ إلا أنْ تكونَ مُدامةٌ ... يُقارفُها في الكأسِ ماءُ فُراتِ
أبو عثمان الناجم في المزمار:
وأسودَ في كفِّ مجدولةٍ ... بديعٍ لهُ خِلقةٌ مُنكَرهْ
إذا استودعَتْ سِرّها عندَهُ ... فأحسنُ ما فيهِ أنْ يُظهرِهْ
ابن المعتز:
وذاتِ نايٍ مشرقٍ وجهُها ... معشوقةِ الألحاظِ والغَنْجِ
كأنّها تلثُم طفلاً لها ... زنَتْ بهِ من ولدِ الزِّنجِ
ابن المعذّل:
وإنَّ خيرَ هدايا ال ... أسماعِ للأرواحِ
عود وناي وحلْقٌ ... وغايةُ الإصلاحِ
حجظة في العُود:
وعُودٍ يَهيجُ الشَّجوَ طِيبُ رَنينِهِ ... فصيحٍ بما استنطقْتَهُ وهْوَ أخرسُ
إذا أوحَتِ اليمنى إليهِ ووسوسَتْ ... أبانَتْ لهُ اليسرى بماذا يُوسوسُ
عكاشة فيه:
من كفِّ جاريةٍ كأنَّ بِنانَها ... من فضّةٍ قد قُمّعتْ عُنّابا
وكأنَّ يُمناها وقدْ ضربَتْ بها ... ألقتْ على يدِها الشمالِ حِسابا
البسامي:
وكأنّهُ في حِجرها ولدٌ لها ... ضمّتْهُ بينَ ترائبٍ ولَبانِ
طوراً تُدغدغُ بطنَهُ فإذا هفا ... عركَتْ أذُناً منَ الآذانِ
أنشد في العود:
ومُفوَّهٍ ذَربٍ بغيرِ لسانِ ... في نُطقِهِ فرَجٌ من الأحزانِ
ملِكُ الملاهي غيرَ أنَّ طِباعَهُ ... من أربع كطبائعِ الإنسانِ
فالزِّيرُ أوّلُها كأنَّ حنينَهُ ... شكوى المحبِّ ونشوةُ السَّكرانِ
والمَثنيانِ فضاحكٌ مُتلاعبٌ ... بملامةٍ عبثتْ بهِ الكفّانِ
والمِثلثُ المحزونُ قد ألِفَ البُكا ... مُتذابلاً كتذابُلِ الحَيرانِ
واليمُّ يخفضُ صوتَهُ فكأنّهُ ... نِضوٌ تأوَّهَ من أذى الهِجرانِ
فانظُرْ إلى الأضدادِ كيفَ تألَّفَتْ ... بالطبعِ مثلَ طبائعِ الإنسانِ
أبو مالك الأعرج:
ومعملةٍ نواطقَ من كِرانٍ ... لمعشوقٍ من البِيضِ الرقاقِ
إذا غنّتْ قديماً أو حديثاً ... فما للجيبِ منْ كفّيكَ واقِ
آخر:
следующие страницы →