← Адаб

Адаб · id 731

المحب والمحبوب والمشموم والمشروب

السري الرفاء

Полный текст (162 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المؤمل: شَوْقاً إلى قُطُفِ الخُطا ... حورِ العيونِ كَواعبِ تَيَّمْننَي بأَنامِلٍ ... ومضاحكٍ وحواجبِ ربيعة الرقي: مَشيْنَ تأوداً خلفي رُوْيداً ... كَمِثْل هَجائنٍ أَقْبَلْنَ حُلاّ وجَرَّدْن البُرودَ مُرفَّلاتٍ ... على إِثْر الفتى حتى اضْمَحلاّ ذو الرمة: إِذا مَشَيْنَ مِشْيةٌ تأَوُّدا هزَّ القنا لانَ وما تَأوَّدا يَركُضْن رَيْطَ اليمنِ الْمُعَضَّدا آخر: يَمشينَ مشيَ قطا البِطاحِ تَأَوُّداً ... قُبَّ البُطونِ رواجِحَ الأَكفالِ فَكأَنَّهنَّ إِذا أردْنَ زِيارَتي ... يَقْلَعنَ أرجلَهُنَّ من أَوْحالِ آخر: قِصارُ الخُطا يمشينَ هوْناً كأَنَّما ... دَبيبُ القَطا بل هنَّ منهن أَوْجَلُ إِذا نَهضت أَعجازُها خَرجت بها ... بِمُنْبَهِراتٍ غيرَ أَنْ لا تَخَزَّلُ فلا عيبَ فيها غَيرَ أَنَّ سريعَها ... قَطوفٌ، وأَلا شيءَ منهنَّ أَكسلُ وأما قول كثير: عَنَيْبُ قصيراتِ الحِجالِ ولم أَرِدْ ... قِصارَ الخُطا شَرُّ النِساء البَحاتِرُ فليس من هذا القبيل. وبعد فلا شيء إلا وله مدح وذم. ألا ترى أن الأعشى يقول: وإِذا تَجيءُ كتيبةٌ مَلْمومةٌ ... شَهْباءُ يَخْشى الذائدون نِهالَها كُنْتَ المُقَدَّمَ غيرَ لابِسِ جُنَّةٍ ... بالسيفِ تَضْرِبُ مُعْلِماً أَبطالَها ثم قال الغساني: يَغْشى السيوفَ بوجهه وبنحره ... ويُقيم هامَته مُقامَ المِغْفَرِ ما إِن يُريدُ اذا الرماحُ شَجَرْنَهَ ... دِرعاً سوى سِربالِ طيبِ العُنْصُرِ فتمدح بخوض الحرب متجرداً من الجبن بسالة. وأخبرني أبو الفرج الأصفهاني، وكان عنده رواية ديوان كثير، أن كثيراً أنشد عبد الملك بن مروان: عَلى ابنِ أَبي العاص دِلاصٌ حَصينَةٌ ... أَجادَ المُسدّي سَرْدَها وأَذَالَها يَؤُودُ ضعيفَ القوم حملُ قَتِيرِها ... ويَسْتَضِلْعُ القرمُ الأَشمُّ احتمالَها فقال عبد الملك: هلا قلت كما قال الأعشى!؟ فقال كثير: وصفتك بالحزم، ووصف صاحبه بالخرق. وقرأت في الشذور من أخبار أبي تمام، أنه أنشد عبد الله بن طاهر قوله: وقَلْقَلَ نأْيٌ من خُراسان جَأْشَها ... فقلتُ: اطمئني. أَنضَرُ الروْضِ عازِبُهْ فقال عبد الله بن طاهر: جعلتني مجهولاً غير معلم. ولم يبلغني ما قال أبو تمام في الجواب. ابن عائشة: هيفُ الخُصور قواصِدُ النَبْلِ ... قَتَّلْننا بِلواحِظٍ نُجْلِ فَكأَنَّهُنَّ إِذا أَردْنَ خُطاً ... يَقلعْن أَرْجُلَهنَّ من وَحْلِ ذو الرمة: إِذا الخَزُّ تحت الحَضْرَميَّاتِ لُثْنَهُ ... بِمُرتَجَّة الأَردافِ مِثلِ القَصائمِ لحفن الحَصى أنيارَه ثم خُضْنَهُ ... نُهوضَ الهِجانِ الموُعِثاتِ الجَواشِمِ رُويداً كما اهتزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ... أَعالِيَها مَرُّ الرِياح النَّواسِمِ ابن ميادة: مُنَعَّمةُ الأَطراف هِيفٌ خُصورُها ... كواعبُ تمشي مِشْيةَ الخيلِ في الوَحْلِ وأَعناقُها أَعْناقُ غِزلانِ عالِجٍ ... وأَعيُنُها من أَعين البَقَرِ النُجْلِ وأَثلاثُها السُفلى بُرادِيُّ ساحلٍ ... وأَثلاثُها الوُسطى نقاً من نقا الرملِ وأَثلاثُها العُليا غُصونٌ فُروعُها ... عَناقِيدُ تُغْذى بالدِّهانِ وبالغِسْلِ الأشجع: وجاريةٍ لم تسرِقِ الشمسُ نظرةً ... إِليها ولم يَعْبَثْ بأَيامها الدهرُ وماجَتْ كموْج الماء بينِ ثِيابِها ... يَجُورُ بها شَطرٌ ويعدِلُها شطرُ الباب الرابع والعشرون الملابس وألوانها أحمد بن أبي فنن: رَأيتُكِ في السوادِ فقلتُ: بدرٌ ... بَدا في ظُلمةِ الليلِ البهيمِ وأَلقْيتِ السوادَ فقلتُ: شمسٌ ... مَحتْ بشُعاعها ضوءَ النجومِ كشاجم في الأزرق: أقبلتْ في غِلالةٍ زرقاءِ ... زُرقةً لُقِّبتْ بجريِ الماءِ فَتوهَّمتُ في الغِلالةِ منها ... جسدَ النور في أديمِ الهواءِ تلك بدرٌ، وإنَّ أحسنَ لونٍ ... طَلَع البدرُ فيه، لونُ السماءِ المهلبي:

стр. 37

تَبدَّى في قميصِ اللاَّذِ يمشي ... عدوٌ لي يُلقَّبُ بالحبيبِ فقلت له: بمَ استَحسنتَ هذا؛ ... لقد أقبَلْتَ في زِيٍّ عجيبِ فقال: الشمسُ أهدتْ لي قميصاً ... بديعَ اللونِ من شَفَقِ الغروبِ فثوبي والمُدامُ ولونُ خَدِّي ... قريبٌ من قريبٍ من قريبِ وديك الجن هو الذي أبدع هذا الفن ونهجه للشعراء فقال: أيا قمراً تَبَّسمَ عن أقاحِ ... ويا غُصناً يميسُ مع الرِياحِ جَبِينُكَ والمقلَّدُ والثَّنايا ... صباحٌ في صباحٍ في صباحِ وقال أيضاً: ومُزْرٍ بالقضيبِ اذا تَثَنَّى ... ومَزْهاةٍ على القمرِ التمامِ سقاني ثم قبَّلني وأوْما ... بطرفٍ سُقمُه يَشفي سَقَامي فَبِتُّ لهُ، خلا الندمانِ، أُسقى ... مُداماً في مُدامٍ في مُدامِ وقال الصنوبري في الأخضر وأحسن فيه: وشاطرةٍ أدَّبتْها الشطارهْ ... حِلى الروضِ من حُسنها مُستعارَهْ أميرةُ حُسنٍ إذا ما بَدتْ ... أقَرَّ الأميرُ لها بالأمارَهْ بَدتْ في لِباسٍ لها أخضرٍ ... كما تَلْبَسُ الورقَ الجُلَّنارَهْ فقلنا لها: مااسمُ هذا اللِّباسِ ... فردَّتْ جواباً ظريفَ العبارَهْ شَقَقْنا مرائِرَ قومٍ به ... فنحنُ نُسمِّيه شقَّ المرارَهْ وقال بشار في الأحمر: وخُذي ملابسَ زينةٍ ... ومُعصفَراتٍ هُنَّ أَنْورْ وإذا دخلْنا فادْخُلي ... في الحُسنِ إن الحسنَ أحمرْ قال بعض الحكماء: الحسن أحمر، أي من أراد صبر على مضرته وشدائده. من قولهم: موت أحمر، أي يراق فيه الدم. قال أبو زبيد: إذا عَلِقَتْ قِرناً خطاطيفُ كفِّهِ ... رأى الموتَ بالعينين أسَود أحمرا آخر: طَلَعتْ في مُصَّبغٍ جُلَّناري ... طَلعةَ البدرِ في انْقضاءِ النَهارِ طافَ من حولها الجواري فقلْنا ال ... بدرُ حُفَّت بهِ النجومُ الدَراري خَيزرانِيَّةُ المَعاطفِ قصري ... ية قصر الطِّرازِ والأكوارِ كتبَ الحُسنُ فوق عارِضها قا ... فاً من الليلِ في أديمِ النهارِ علي بن الجهم: طلَعتْ وهي في ثيابِ حِدادِ ... طَلْعَةَ البدرِ من خِلالِ السحابِ بِتُّ في اللهوِ واللَّذاذةِ لَيْلي ... أرشِف الخمرَ من ثَنايا عِذابِ نَتَجنَّى وساعةً نتَراضى ... عَبَثاً، والقلوبُ غيرُ غِضابِ وشرِبنا من العِتابِ كُؤوساً ... وجَعلنا التقبيلَ نَقْلَ الشرابِ وقال الحسين بن الضحاك، وقد أقبل شفيع الخادم بشراب أحمر وعليه قباء أحمر: وكالوردةِ الحمراءِ جاء بِحُمْرةٍ ... من الوردِ يسعى في القراطق كالوردِ له عَبَثاتٌ عندَ كلِّ تحيةٍ ... بِكَفَّيْهِ تَستدعي الخليَّ إلى الوَجْدَ تمنَّيتُ أَن أُسقى بكفَّيه شَرْبةً ... تُذكرني ما قد نَسيِتُ من العَهْدِ سقى اللهُ عصراً لم أَبِتْ فيه ليلةً ... من الدهرِ إلاَّ مِن حبيبٍ على وعدِ وله فيه: وأبيضَ في حُمرِ الثيابِ كأَنهُ ... إذا ما بدا نِسرينُهُ في شقائِقِ سقاني بكفَّيْهِ رَحيقاً وسامَني ... فُسوقاً بِعَيْنيْهِ ولستُ بِفاسِقِ ولو كنتُ شَكْلاً للهوى لاتبعْتُهُ ... ولكنَّ شَيْبي بالصِّبا غيرُ لائقِ وقال العلوي في الغلالة البالية، ولم يسبق إلى معناه: يا قمراً ثوبُه ورامِقُهُ ... منه حِذارَ البِلى على خَطَرِ يا مَن حكى الماءُ فرطَ رقَّتِه ... وقلبُهُ في قَساوَةِ الحَجَرِ ياليتَ حظي كحظِّ ثوبكَ مِن ... جِسمكَ ياواحِدي مِن البَشَرِ لا تعجَبا من بِلى غِلالَتِهِ ... إذ زُرَّ كِتّانُهُ على القَمَرِ وقال ابن المعتز في اللباس الخلق، وأحسن فيه: ما بين بابِ الوزيرِ والمسجدِ الجامِعِ ظبيٌ كالظَّبي في غَيَدهْ أثوابُه رثَّةٌ فقد ضاعَ، لا ... ضاعَ، وضاعَ التَمييزُ في بَلدِهْ ليس له ناقدٌ فيعرِفُه ... وآفةُ التَّبرِ ضَعْفُ مُنْتَقِدِهْ وقال المهلبي في الأحمر: وَيْحَ نفْسي من لوَعةِ الإشْتياقِ ... ورَسيسِ الهوى وَوَشْكِ الفِراقِ

стр. 38

جَلَّ مابي حتى لَقد عَلِمَ النا ... سُ بأني أطقْتُ غيرَ المُطاقِ مَنْ عَذيري مِمَّنْ به ظَلَّ عِشْقي ... مَثَلاً بين سائرِ العُشَّاقِ حاز رِقِّي بِوردِ خدَّيْهِ لمَّا ... أنْ بدا في مُوَرَّداتٍ رِقاقِ الباب الخامس والعشرون العناق وطيبه قال الحسين بن الضحاك: ومُوشَّحٍ نازعتُ فَضلَ وِشاحِهِ ... وكَسوتُه من ساعِدَيَّ وِشاحا باتَ الغيورُ يشُقُّ جِلدةَ خدّهِ ... وأمال أعطافاً عليَّ مِلاحا ابن المعتز: ما أقصرَ الليلَ على الراقِدِ ... وأهونَ السُقْمَ على العائدِ يَفْديكَ ما أبقيتَ مِن مُهجتي ... لستُ لِما أوليتَ بالجاحِدِ كأنَّني عانقتُ رَيْحانةً ... تنفَّست في ليلِها الباردِ فلو تَرانا في قميص الدُّجى ... حَسِبْتَنا من جسدٍ واحدِ ذو الرمة: هَضيمُ الحشا يَثْني الذِّراعَ ضَجِيعُها ... على جيدِ أدماء المُقَلَّدِ مُغْزِلِ تُعاطيه تاراتٍ إذا جِيد جَوْدَةً ... رُضاباً كطعمِ الزَّنجبيلِ المُعَسَّلِ رَشيفَ الهِجانيْن الصَّفا رَقْرقَتْ بهِ ... على ظَهْر صَمْدٍ بَغْشةٌ لم تَزَيَّلِ الصمد: المكان الصلب. والبغش: المطر الضعيف. عَقِيلةُ أترابٍ كأنَّ بعينِها ... إذا استيْقَظَت كُحْلاً، وإن لَمْ تَكَحَّلِ الصولي: طالَ عُمْرُ الليلِ عندي ... إذ تَوَلَّعْتَ بِصدِّي يا ظَلوُماً نقضَ العهدَ ولم يُوفِ بِوعْدِ أنَسِيتَ الوصلَ إذ بِتنا على مَرْقَدِ وَردِ واعتَنَقْنا كوِشاحٍ ... وانتَظَمْنا نَظْمَ عِقْدِ وتعطفنا كغُصْنيْنِ فقدّانا كَقَدِّ جادَ خدَّاكَ بوردٍ ... لِيَ والنشْر بِنَدِّ وَثَناياكَ بِرَاحٍ ... وبمسكٍ وبِشَهْدِ وَجناحُ اللَّيْلِ وَحْفٌ ... مِثلَ شَعْرٍ منكَ جَعْدِ ونُجومُ الليلِ تَحْكي ... ذَهَباً في لازَوَرْدِ ابن المعتز: فَقُلْ في مكرعٍ عَذْبٍ ... وقد وَافاه عَطْشانُ وَضَمٍ لم يكن يحسنهُ للريح أغصانُ كما ضَمَّ غريقٌ سا ... بحاً والماءُ طُوفانُ ابن المعذل: أقولُ وجنُحُ الدُجى مُلْبِدٌ ... ولليلِ في كُلِّ فَجٍّ يَدُ ونحنُ ضَجيعانِ في مِجْسَدٍ ... فَلِلَّهِ ما ضَمِنَ المِجْسَدُ أيا غَدُ إنْ كنتَ لي مُحْسِناً ... فلا تَدْنُ من ليلتي يا غدُ وياليلةَ الوصلِ لا تَنْفَدِي ... كما ليلةُ الهجرِ لا تَنْفَدُ المعوج: ثلاثةٌ منَعتْها من زيارَتِنا، ... وَقد طوى الليلُ جَفْنَ الكاشِح الحَنِقِ ضَوْءُ الجبينِ، وَوَسْواسُ الحُلِيِّ وما ... يفوحُ من عرقٍ كالعَنْبرِ لععبق هَبِ الجبينَ بفَضْلِ الكُمِّ تستُرُهُ ... والحَلْيَ تَنزِعُه ماحِيلةُ العَرقِ أبو عبادة: وزارتْ على عجلٍ فاكْتسى ... لِزَوْرتِها أبْرَقُ الحَزْنِ طِيبا فكانَ العبيرُ بها واشياً ... وجَرْسُ الحُلِيِّ عليها رَقيبا ولم أنسَ لُقْيتَنا للعِنا ... قِ ولفَّ الصَّبا بقضيبٍ قَضِيبا ابن المعتز: وَكَمْ عِناقٍ لنا وكم قُبَلٍ ... مُخْتَلَساتٍ حِذارَ مُرْتقِبِ نَقْرَ العصافيرِ، وهي خائفةٌ ... مِن النواطيرِ، يانِعَ الرُطَبِ ديك الجن: ومجدولةٍ أمَّا مَلاثُ إِزارها ... فَدِعصٌ، وأمَّا قَدُّها فَقَضِيبُ لها القَمرُ الساري شَقِيقُ، وإنَها ... لَتَطلُعُ، أحياناً، له فَيَغِيبُ أقولُ لها، والليلُ مُلْقٍ سُدُولَه ... وغُصنُ الهوى غَضُّ الشبابِ رَطِيبُ ونحن، معاً فردانِ في ثِنْيِ مِئْزرٍ: ... بِكِ العيشُ، يازينَ النساءِ، يطيبُ لأنْتِ المُنى يازْينَ من وَطِئَ الحصا ... وأنتِ الهوى أُدعى له فأُجيبُ وأنشد: لَمْ أُلْفِها بيدِي إذ بِتُّ أَلثُمها ... إلاَّ تطاوَلَ غُصنُ الجِيد للجيدِ كما تَطَاعَمَ في خَضْراءَ ناعمةٍ ... مُطَوَّقانِ أصاخا بعدَ تغريدِ ومنه أخذ أبو تمام قوله: وإذا خلا بِعتابِ صاحِبَةٍ ... عجْماءَ في الساحات والرَّحَبِ

стр. 39

رَقَّتْ له فسقَتْهُ بردَ ندىً ... مِن رِيقةٍ مَعْسولةِ الحَلَبِ ذو الرمة: تَراءى لنا من بين سِجْفَيْن لَمْحةً ... غزالٌ أَحمُّ العيْن بيضٌ تَرائبُهْ إذا نازَعَتْكَ القولَ مَيَّةُ أو بَدا ... لكَ الوجهُ منها أو نَضا الدِرعَ سالِبُهْ فيالَكَ من خدٍّ أسيلٍ ومَنطِقٍ ... رَخيمٍ، ومن خَلْقٍ تعلَّل جادِبُهُ الحسن بن وهب: وليلٍ رقيقِ الطُرَّتيْن تظلَّمت ... كواكِبُه مِن بدْرِهِ المتألِّقِ لَهْونا كغِزلان الصَّريمةِ تحتَه ... نُميتُ الهوى ما بيْن ثغْرٍ وَمفْرِقِ كشاجم: وَزائِرٍ والعيونُ هاجِعَةٌ ... وقلبُه مِن رَقيبِهِ وَجِلُ مُنغَّصٌ وَصْلُهُ بِحِشْمَتِهِ ... يميلُ من لينه ويعتَدلُ كانَ شِفائِي من رِيقِهِ جُرَعٌ ... تُرْوِي، ومِن وردِ خدِّه قُبَلُ أبو الشيص: زارَتْك في غَلَسِ الظلامِ ... حَوْراءُ في قدِّ الغُلامِ خَوْدٌ كأنَّ جبينَها ... بدْرٌ تجلَّى من غَمامِ رَيْحانُنا وردُ الخدودِ ... ونقلنا قُبَلُ اللِّثامِ القطامي: تضع المجاسِدَ عن صفائح فضةٍ ... بيضٍ ترى صَفَحاتِهنَّ حِسانا وترى لها بَشَراً يعودُ خَلوقُهُ ... بعدَ الحَميمِ خَدَلَّجاً رَيَّانا قال الشيخ: بعد الحميم الحميم: العرق والماء الحار. وترى النعيمَ على مفارقِ فاحمٍ ... رَجْلٍ تَعُلُّ أصولَه الأدْهانا وكأنما اشتملَ الضجيعُ بِرَيْطَةٍ ... لا بلْ تزيدُ وَثارةً ولَيانا علي بن الجهم: سقى اللهُ ليلاً ضمَّنا بعد فُرْقَةٍ ... وأدْنى فُؤاداً من فُؤادٍ مُعَذَّبِ فبِتْنا جميعاً لو تُراقُ زُجاجةٌ ... من الخمرِ فيما بيننا لم تَسَرَّبِ عبد الله بن طاهر: البرقُ في مُبْتَسَمِهْ ... والخمرُ في مُلْتَثَمِهْ ووجهُهُ في شَعْرِهِ ... كقَمَرٍ في ظُلَمِهْ نامَ رَقيبي سَكراً ... يَحرُسني في حُلُمِهْ وباتَ من أهوى معي ... يَزُقُّني رِيقَ فَمِهْ وقال الحسين بن الضحاك: ولَيلةٍ بِتُّها مُحسَّدَةً ... مَحْفوفَةً بالظُنون والتُّهَمِ وبتُّ عن موعدٍ سُبِقْتُ بهِ ... ألْثَمُ دُرّاً مُفَلَّجاً بفمِ يابأبي مَن بِلا يُرَوِّعُني ... وعادَ مِن بعدِها إلى نَعَمِ أبَاحَ لي صَوْنَهُ ووسَّدَني ... إحدى يَدَيْهِ وباتَ مُلْتَزِمي سعيد بن حميد: ياليلةً جَرَتِ النُحوسُ بعيدةً ... مِنها، على رَغْمِ الرَقيبِ الراصِدِ تَدَعُ العواذِلَ لايَقُمْنَ بِحُجَّةٍ ... وتَقومُ بَهجتُها بِعُذرِ الحاسِدِ وقد أحسن في قوله في غير هذا المعنى: سَخَّى بِنَفْسي عن الدنيا وزينَتِها ... أني أراها بكم ضَنَّتْ فلم تَجُدِ ضَنَّتْ عليَّ بمن أهوى فجُدْتُ لها ... بِمَنْ سواهُ، فلم أجزعْ على أحدِ الخبزرزي: ياليلُ دُمْ لي لا أريدُ صَباحا ... حَسْبي بوجهِ مُعانِقي مِصْباحا حسبي به بَدْراً، وحسبي رِيُقُه ... خَمراً، وحسبي خَدُّه تُفَّاحا حسبي بِمَضْحَكِهِ إذا استضحكْتُهُ ... مُستَغْنِياً عن كل نَجْمٍ لاحا طَوَّقتُهُ طَوْقَ العِناقِ بِساعِدِي ... وَجَعلتُ كفِّي للِّثامِ وِشاحا هذا هو الفوزُ العظيمُ فَخَلِّنا ... متعانِقَيْنِ فما نُريدُ بَراحا ديك الجن: قالت: حَراماً تَبْتَغي وَصلَنا ... قلت: فما بِالوصلِ مِن باسِ قالتْ: فمن حَلَّلَ هذا لكمْ؟ ... قلتُ: أراهُ رأيَ قَيَّاسِ نحن جميعاً من بني آدَمٍ ... من حرَّمَ الناسَ على الناسِ فأقبلتْ تمشي ولو أنها ... تَقدِرُ جاءَتْني على الرَّاسِ هذا آخر صفات محاسن الخلق المنسوب فصله من الكتاب إلى المحبوب ويتلوه مقطعات الشعر المنسوب فصله من الكتاب إلى المحب. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتاب المحبوب المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم وهو ثقتي

стр. 40

وبعد، فهذا الفصل ما شرطنا في صدر الكتاب من مقطّعات الشّعر المنتخبة في أحوال المحبين، وما يتشعب منها من جميع الفنون، متداخلاً بعضها في بعض. ولم نبوّبها لأن المقصد في مضمون الكتاب إلى المختار؛ وعقد الأبواب في فنّ فنّ يضطرُّ صاحبه إلى إيراد الجيد والرَّديء) والغث والسَّمين (، محبةً لتكثير حجمه. والمبتدئ الأمر ساكن النفس معتدل الأخلاط. فإذا توسَّط هاجت طبيعته، فتجاوز الحقوق إلى الفضول، والقصد إلى السَّرف والعدل إلى الشّطط. فسرنا في إجمالنا هذه المسيرة وهي قضية عادلةٌ، وطريقةٌ واسطةٌ ومقالةٌ رضيّةٌ. وبعدُ، فالطالب لنعت حال من أحوال الهوى، إذا احتاج إلى عدّ صفحاته، وحصر أوراقه وتأمُّل سطوره، وتكرير النظر والفكر في منظومه، ثم هجم على بغيته وظفر بمطلوبة، تضاعفت الحاجة في صدره، وتزايد موقعها في قلبه ككاسب المال ووارثه. وعذرنا فيما وقع في أوَّل الكتاب إلى آخره، إن كان وقع، من مقطوعة خارجة عن شرط الاختيار، قول الشاعر: وحُسنُ دَراريِّ الكواكبِ أن تُرى ... طوالعَ في داجٍ من الليلِ غيهبِ والصوابُ في التأليفِ أنَّ الهوى أوَّلٌ وهو أعمُّ لوقوعِه على كلِّ ما يهواهُ الإنسان. وثانيه الحبُّ، وهو أخصُّ. وأقصاه العشق. ولهذا ما قال أبو عبادة: فاليومَ جازبيَ الهوى مقدارهُ ... في أهلِه وعلمتُ أني عاشقُ والاشتقاق يؤيِّد ما قلناه، لأنَّ الهوى من زوال الشئ عن موضعه. والحب ملازمه المكان ثم الانبعاث، كما قيل: محبٌّ كإحبابِ البعيرِ وإنَّما ... به أسفٌ أنْ لا يرى من يصاولُهْ والعشق إنما هو من العشقة وهي اللَّبلابة؛ كأنَّ العاشق سمي بذلك لذبوله. وقالوا في قول رؤبة: ولم يُضِعْها بينَ فرْكٍ وعشقْ وفي محفوظ ما اشتملت عليه الأوراق كفاية وبلاغٌ في إيراد الشاهد، وعمارة المجلس، وإيناس الهائم الوحيد، وتسلية العاشق الفريد، ومن أيَّد بصفاء قريحة ٍ وطينةٍ قابلةٍ ورقة حدٍ، استغنى به في قيل الشِّعر، إن سمت همته إليه، أو حامت نهمته عليه، ولم يفتقر إلى أحدٍ واستزادة مددٍ بعون الله ومنِّه. وقد قدمنا أمامها القول في الفرق بين الحب والهوى والعشق. والشعراء مختلفون في هذا الترتيب. فمنهم من جعل الهوى أشدَّ. أما سمعت كثيراً يقول: هوىً لا تطيقُ الراسياتُ احتمالهُ ... فسلْ عن ضعيفِ القلب كيف احتمالهُ ومنهم من يجعل الحب أشد كقول الآخر: تأثل حب عثمة في فؤادي ... فباديه مع الخافي يَسيرُ تغلغل حيث لم يبلغ شرابٌ ... ولا حزنٌ ولم يبلغ سرورُ إنه لم يضعها بين اطراحٍ وملازمةٍ. ويقال: عشق بالشئِ إذا لزمه. ولكل جيلٍ من الناسِ قولٌ في الحبِّ حسبَ اعتقاده. فالمنجِّمون ردّوهُ إلى تأثيرِ الكواكبِ. والأطبّاء ومن جرى مجراهم ردّوه إلى الطَّبع وأصحُّه بحكم العيانِ وقضيةِ المشاهدةِ ما قالت ابنةُ الخسِّ: قربُ الوسادِ وطولُ السِّواد. وهو دوامُ النظرِ الفكرْ. وما أحسنَ ما قالته الأعراب أحسنَ ما قالته الأعرابيَّة في صفةِ الحبِّ: خفيَ عن أنْ يرى وجلَّ عن أنْ يخفي. فهو كامنً ككمونِ النار في الحجر إن قدحته أورى، وإن تركته توارى، وإن لم يكن شعبةً من الجنون فهو عصارةٌ من السحر. العتّابي: امطِليني وسَوَّفي ... وعديِني ولا تَفي اتْرُكِيني مُعلَّقاً ... إنَ تَجودي وتُسعِفي فَعسى يَعثرُ الزما ... نُ بِجَدِّي فأَشتَفي أَنا راضٍ بما صنعتِ ... وإنْ كان مُتلفي بشّار: تَشتهي قُربكَ الربابُ وتَخشى ... قولَ واشٍ وتتَّقِي إسماعَهْ لكَ مِن قلبِها محلُّ شَرابٍ ... تَشْتَهي وِردهُ وتَخشى صُداعهْ وأخذ هذا المعنى، على طريق التورية، بعضُهم وطرَّده إلى العتاب فقال: يحبُّ المَديح أبو صالحٍ ... ويهربُ من صِلَةِ المادحِ كَبِكْرٍ تُحبُّ لذيذَ النِكاحِ ... وتهربُ من صَوْلةِ الناكحِ عليُّ بنُ الجهْمِ: ولما بَدتْ بينَ الوُشاةِ كأنها ... عِناقُ الوَداع يُشتَهى وهو يَقتُلُ يَئسْتُ من الدُنيا وقلتُ لِصاحبي ... لَئِنْ عَجِلتْ للمَوتُ أوْحى وأعجَلُ إبراهيم بن العبَّاس:

стр. 41

وإذا عَصاني الدَّمع ُ في ... إحدى مُلماتِ الخُطوبِ أَجريتُهُ بِتذكُّري ... ما كانَ من هجرِ الحبيبِ أعرابي: يَقرُّ بِعينْي أنْ أرى مَنْ بِلادُها ... ذُرا هضباتٍِ الأجرعِ المتقاوِدِ وأَنْ أَردَ الماءَ وردَتْ به ... سُلَيْمى وقد مَلَّ السُرى كلُ واجِدِ وأُلصِقَ أَحشائي بِبرْد تُرابها ... وإن كانَ مَخلوطاً بِسُم الأساوِدِ الحسنُ بنُ وهبٍ: وَذي نَفَسٍ صاعدِ ... يَئِنُّ بلا عائِدِ تَبَرَّأَ عُوادُهُ ... من السَّقَمِ الزائدِ فيَامنْ لِذي شِقوَةٍ ... بذي سَاْوةٍ راقِدِ يَكَرُّ على عَسكَرٍ ... ويعجِزُ عن واحدِ وقال دعبلْ: إني أُحبُّكِ حُباً لو تَضَمَّنَهُ ... سَلْمى سَميُّكِ دُكَّ الشاهقُ الراسي حُباً تلبَّسَ بالأحشاءِ فامتزجَتْ ... تلبُّسَ الماء بالصَّهباء في الكاسِ وقال مسلم بن الوليد الأنصاري: ويُخطئُ عُذري وجهَ ذنبيَ عندَها ... فأجني إليها الذنبَ من حيثُ لا أدري إذا أَذنبتُ أَعددْتُ عذراً لذنْبها ... وإنْ سخطَتْ كان اعْتِذاري من العُذرِ الرَّقاشي: ومراقبَيْن يكاتمانِ هواهما ... جعلا الصُّدورَ لما تكُنُّ قُبورا مُتلاحظينِ تلاحُظاً فكأَنَّما ... يتناسخانِ من الفُؤادِ سُطورا ابن أبي أُميَّةَ: مامون يملُّ الحبيبُ طولَ التجنيَّ ... لِشقائِي به ولا الصدَّ عنّي ربّما جئتُهُ فأسلفتُهُ العُذ ... رَ لبعضِ الذنوبِ خوفَ التجنيّ الفرزدقُ: أَلمْ ترَ أَني يومَ جوِّ سُويقةٍ ... بكيتُ فنادتْني هُنيدةُ ماليا فقلتُ لها: إنَّ البكاءَ لراحةً ... به يشتَفي من ظَنَّ أَلاَّ تلاقيا ذو الرمَّة: لعلَّ انحدارَ الدمعِ يُعقبُ راحةُ ... من الوَجد أو يَشفي نَجيَّ البَلابلِ وفي قول البحتري نظرُ، وهو بالضد من الأوَّل: نصرت ُ لها الشوقَ اللجوجَ بأدمعٍ ... تلاحقْنَ في أعقابِ وصلٍ تصرَّما أعرابي: وما فارقتُ سُعدى عن قِلاها ... ولكنْ شقوةٌ بلَغَتْ مَداها بكيتُ نعم بكيتُ وكلّ ُ إلفٍ ... إذا بانتْ قرينتُهُ بَكاها لَبِستُ جَديدها وتركتُ فيها ... رداءً صالحاً لمن ارتداها ذو الرمَّة: كأنَّ سناناً فارسياً أصابني ... على كَبِدي أو لوعةُ الحبِّ أَوجعُ عشيّةَ مالي حيلةٌ غيرَ أنني ... بِلَقط الحَصى والخطِّ في الدار مُولعُ أَخطُّ وأمحو الخطَّ ثم أعيدُه ... بكفيَّ والغِربانُ في الدارِ وُقعُ أخذ البيت الثاني من امرئ القيس: أظَلُّ ردائي فوق رأسي قاعداً ... أعُدُّ الحَصى ما تنقَضي عَبَراتي ابنُ أبي عيينة: لعمركَ إني يومَ أدخلُ بيتَها ... بعلَّةِ بعضِ الوارِدين لوارِدُ وقامَتْ إلى سِتْر من الباب خلفهُ ... مُجافٍ وقد قامتْ عليها الولائدُ لتسمعَ شِعري وهو يقرَعُ قلبَها ... بوحيٍ تُؤدِّيهِ إليها القصائدُ إذا سمِعَتْ مني بديعاً تنفَّستْ ... له نفَساً تنقدُّ منه القَلائِدُ أحمد بن أبي فنن: صبٌّ بحُبِّ مُتيَّمٍ صَبِّ ... حُبِّيهِ فوقَ نِهايةِ الحُبِّ أشكو إِليه صُنْعَ جَفوتِه ... فيقولُ: مُتْ. ذا أيسرُ الخطْبِ وإذا نظرتُ إلى محاسِنِه ... أَخرجتُهُ عُطلاً من الذَنبِ أَدميتُ باللحظاتِ وجنتهُ ... فاقتصَّ ناظرُه من القلبِ الضَحَّاكُ العُقيلي: وإني لممنوعُ البُكا كُلما أرى ... خليلاً كسا الأجمال رَقماً وهودَجا وقلتُ لعينيَّ اللَّجوجينِ أَقْصِرا ... من الشوقِ إلا تُقصر الطرفِ تُحرجا النُميريّ: أَهاجتكَ الظعائنُ يومَ وَلَّوْا ... بذي الزيِّ الجميلِ من الأثاثِ كأنَّ على القلائصِ يومَ بانوا ... نعاجاً ترْتعي بَقْل َ البراثِ يُهيِّجُني الحمامُ إذا تغنّى ... كما سَجَعَ النوائحُ بالمراثيِ أحمد بن أبي فننٍ: فَلِمَ لا تُسبَلُ العبراتُ مني ... ولستُ على اليقينِ من التلاقي فلا وأبِيكَ ما أبصرْتُ شيئاً ... أَضرَّ على النُفوسِ من الفراقِ

стр. 42

محمدُ بن أبي أُميَّة: أًتظعنُ والذي تَهوى مقيمٌ ... لعمرُكَ إنَّ ذا خطرٌ عظيمُ إذا ما كنت للحَدثانِ عوناً ... عليكَ وللفراقِ فمن تلومُ أَنشدَ البحتريُّ قال: أَنشدني إبراهيمُ بنُ المهديّ لنفسه: أَضنُّ على لَيْلى وليلى سَخيَّةٌ ... وتبخَلُ عني بالهوى وأجودُ وأَنهى فلا أَلوى على لومِ لائمٍ ... وأعلمُ أَني مُخطئٍ فأعودُ وقال أبو حفصٍّ الشَّطرنجي مولى المهدي: مَنْ يكُنْ يكرهُ الفِراقَ فإني ... أَشتهيهِ لعلَّةِ التسليمِ إنَّ فيه اعْتناقةً لِوداعٍ ... وانتظارَ اعتَناقةٍ لقُدومِ الفتحُ بن خاقان: إذا أمرتْني العاذلاتُ بهَجرِها ... هَفَتْ كبِدٌ مما يقلْنَ صَديعُ وكيفَ أُطيعُ العاذلاتِ، وحبُّها ... يُؤرِّقُني، والعاذلاتُ هجوعُ الأشجع: وكُلُّ مُحبٍّ إلى إلْفهِ ... يَحِنُّ، وتُسعِدُه أَربَعُ بُكاءُ الغَمام ونَوْحُ الحمامِ ... ورعدٌ وبرقٌ إذا يلمعُ ابن المعتز: لمَّا رأيتُ الدمعَ يفضَحُني ... وقَضَتْ عليَّ شَواهدُ الصَبِّ أَلقيْتُ غيرَك في ظُنونهِمُ ... وسترتُ وجه الحُبِّ بالحُبِّ آخر: رِعايةُ الحُب تَبقى بعد صُحبتهِ ... كالنار يَبقى عليها خالِصُ الذهبِ أبو نواس: ما هوىً إلاَّ له سببُ ... يَبْتَدي منه ويَنْشَعِبُ صار جِداًّ ما مزحتُ به ... رُبَّ جدٍّ جرَّه لَعبُ فَتَنتْ قلبي مُحجَّبةٌ ... وجهُها بالحُسنِ مُنْتقِبُ خُلِّيَتْ والحُسنَ تأخذُهّ ... تَنتَقِي منه وتَنتخِبُ فاكْتَستْ منه طَرائِفَهُ ... واستزادَتْ فَضلَ ما تَهَبُ إبراهيمُ بن العبّاس: رَدَّ قوْلي وصدَّقَ الأقوالا ... وأَطاعَ الوُشاةَ والعُذَّالا أَتراهُ يكونُ شَهرَ صُدودٍ ... وعلى وَجهِه رأيتُ الهِلالا محمدُ بنُ أبي أميَّة: لي حبيبٌ لي إليهِ ... شافِعٌ من مُقلتيْهِ والذي أَجلَلْتُ خَدَّيْ ... هـ فقبَّلْتُ يديْهِ بأَبي وجهُكَ ما أك ... ثرَ حُسّادي عليهِ أنا ضَيْفٌ وَجزاءُ الضي ... فِ إحسانٌ إليهِ العباسُ بنُ الأحنف: اقبَلوا وُدِّي فقد أهديتُهً ... ثُمّ كافوني بِودٍّ مثلِ ودْ هذه نَفسي لكُمْ مَوهوبَةٌ ... خيرُ ما يوهَبُ مالا يُسترَدْ وله: نُهدي إليك نفوسَنا وقُلوبَنا ... فعزيزةٌ تُهدي لخير عزيزِ أبو نُوَاس: ولم يُبقِ الهوى إلاَّ ... أَقلِّى وهو مُحتَسبُ سِوى أني إلى الحَيَوا ... نِ بالحَرَكاتِ أنتسِبُ ابن هرمة: فأصبحتَ منها على نأْيها ... وعِرفانِ نَفسِكَ أَلاَّ سَماحا كَذِي الكَلمِ لَمَّا عَفا كَلْمُه ... بَغى تحتَه كَلْمُه فاسْتَقاحا آخر: بِنفسِيَ مَن أجودُ له بِنفسي ... ويبخَلُ بالتحيَّةِ والسلامِ ويَلقاني بِعزَّةِ مُستطيلٍ ... وأَلقاه بذِلَّةِ مُستَهامِ وحْتفي كامِنٌ في مُقلَتيْهِ ... كمُنَ الموتِ في حَدِّ الحُسامِ ابن أبي عيينة: ضيَّعْتِ عهدَ فتىً لعهدِكِ حافظٌ ... في حفظِه عجبٌ وفي تَضييعِكِ وَذهبتِ عنه فما لهُ من حيلةٍ ... إلا الوقوف إلى أَوانِ رُجوعِكِ مُتخشِّعاً يُذري عليكِ دُموعَهُ ... جَزَعاً، ويَعجبُ من جفوفِ دموعِكِ إن تَفتنيهِ وتذهبي بفُؤادِهِ ... فَبِحُسْنِ وَجهكِ لا بحُسْنِ صَنيعِكِ قال أبو حفص الشَّطرنجي: وما مرَّ يومٌ أَرتَجي فيه راحةً ... فأخْبُرَهُ إلاَ بكيتُ على أمْسِ إِذا سَرَّها أمرٌ وفيه مَساءَتي ... نَظرتُ لها فيما تحبُّ إلى نفسي إبراهيم بن العبّاس: حَلالٌ لِلَيْلي أن تَروُعَ فؤادَهُ ... بِبَيْنٍ ومغفورٌ لليلي ذُنوبُها وزالت زوالَ الشمسِ عن مستَقِّرها ... فَمَن مُخبري في أيِّ أرضٍ غُروبُها تَطَلَّعُ من نفسي إليكِ نوازعٌ ... عوارفُ أَنَّ اليأسَ منكِ نصيبُها عُمرُ بن أبي ربيعة: حَيِّ طيفاً من الأحِبَّةِ زارا ... بَعدَما صَرَّعَ الكَرى السُمَّار

стр. 43

طارِقاً في الظَلام تحتَ دُجى الليلِ ... ضنِيناً بأنْ يزورَ نَهارا قُلتُ: ما باُلنا جُفِينا وكُنَّا ... قبلَ ذاكَ الأسماعَ والأبصارا قالَ: إِنْا كما عَهِدتَ ولكنْ ... شَغَلَ الحَلْيُ أهلهُ أَن يُعارا أبو زرعة الدمشقي: وجاءُوا إليهِ بالتَعاويذِ والرُقى ... وصبّوا عليه الماءَ مِن أَلَم النُكسِ وقالوا: به من أعيُن الجِنِّ نظرةٌ ... ولو عَلِموا قالوا: بِهِ أعينُ الإنسِ ابن الدمينة: يقولون قصر في هواها فقد وعت ... ضغائن شبان عليك وشِيبُ وما إن نبالي سخط من لا نحبه ... إذا نصحت ممن نحب جيُوبُ ديك الجن: لا وحبيك مامللت سقاماً ... لك فيه من مقلتيْكِ نصيبُ كلُّ شيءٍ وإن أضرَّ بِجِسْمي ... لكِ فيه الرِضى إليَّ حبيبُ وعلى حَذْوِهِ قال الشامي: ودَّعتُهم من حيثُ لم يَعْلوا ... ورُحتُ والقلبُ بِهمْ مُغرَمُ واسْتَحْسنوا ظلمي فمِنْ أجْلِهم ... أَحَبَّ قلبي كلَّ من يَظْلمُ إبراهيمُ بن العبَّاس: تَمرُّ الصَّبا صَفحاَ بِساكِنِ ذي الغَضا ... ويصدَعُ قلبي أن يَهُبَّ هُبوبُها قَريبةُ عَهدٍ بالحبيبِ وإنَّما ... هوى كُلِّ نَفْسٍ حيثُ حلَّ حَبيبُها بشّار: أقولُ وقد غصَّت عيونٌ بِمائها ... علينا، ومن دَمعي كَمينٌ ومُرْسَلُ وَجدتُ دموعَ العينِ تَجري غُروبُها ... أَخفَّ على المَحْزونِ، والصَّبرُ أَجملُ الأشجعُ: ومُغتَربٍ يَنْقضى ليلُه ... شُجوناً ومُقلتُه تَدمعُ يُؤرِّقُهُ نأَيُهُ في البلادِ ... فما يستَقِرُّ بهِ مَضجَعُ إذا الليلُ أَلْبَسَني ثوبَه ... تقلَّبَ فيه فتىً مُوجَعُ أعرابي: فما بُحتُ يوماً بالذي كان بَيننا ... كما يُستباحُ الهِذْريانُ المُبيَّحُ سوى أنني قد قُلتُ والعيسُ تَرْتَمي ... بنا عَرَصاتٍ والأزِمَّةُ تَمْرحُ هنيئاً لِقُضبانٍ بذي الضِّرْوِ أَنها ... بِبرْد ثَنايا أُمِّ عمروٍ تُصَبَّحُ والطوقِ مجراه وللقُرطِ أَنَّهُ ... على قائمٍ مِن جِيدِها يَتوضَّخُ النوفلي: إذا اختلجَتْ عَيْني رأَتْ من تُحبُّه ... فدامَ لِعيْني ما حَيِيتُ اخْتلاجُها وما ذُقتُ كأساً مُذ تعلَّقَني الهوى ... فأشرَبَها إِلاَّ ودِمْعي مِزاجُها ديكُ الجِنِّ: دَعُوا مُقلتي تبكي لِفَقدِ حبيبها ... لِيُطفئَ بردُ الدمعِ حرَّ لَهيبِها بِمَن لو رَأَتْهُ القاطِعاتُ أَكفَّها ... لَماَ رَضِيتْ إِلاَّ بِقَطعِ قُلوبِها الأحوص: من الخَفراتِ البيضِ خُلْصٌ لو أنها ... تُلاحي عَدواً لم يَجدُ ما يَعيبُها فما مُزنةٌ بين السِماكيْن أومضتْ ... منَ البرْقِ حتى استَعْرَضتْها جَنوبُها بِأحسنَ منها يومَ قالتْ، وعِندنا ... مِن الناسِ أوشابٌ كثيرٌ شِغوبُها وَدِدْتُ، وما تُغْنى الوَدادةُ، أَنها ... نَصِيبي من الدُنيا وأَني نَصيبُها الحارثي: ما قُلتِ إِلاَّ الحقَّ أَعرِفُهُ ... أَجدُ الدليلَ عَليهِ في قَلبي إِنَّا لنا قلبانِ مذ خُلِقا ... يَتجاوَدانِ بِصادِقِ الحُبِّ يَتهادَيان هوىً سَيجْعلُنا ... أُحدوثَةً في الشرقِ والغَرْبِ ابنُ الدمينة: بَنَفْسي وأهلي مَن إذا عَرَّضوا لهُ ... بِبعْضِ الأَذى لم يَدْرِ كيفَ يُجيبُ ولم يعتذِرْ عُذُرَ البَرئِ ولم يَزلْ ... به سَكْتَةٌ حتى يُقالَ: مُريبُ لَقدْ ظَلموا ذاتَ الوِشاحِ ولم يَكُنْ ... لنا مِن هوى ذاتِ الوِشاحِ نَصيبُ آخر: سُقيتُ دَمَ الحيَّاتِ إِن لُمتُ بعدها ... مُحبّاً ولا عَنَّفْتهُ بِحبيبِ آخر: ياذا الذي زارَ وَما زارا ... كأَنَّه مُقتبِسٌ نارا قامَ بِبابِ الدارِ من تِيهِهِ ... ما ضَرَّهُ لو دخلَ الدَارا آخرُ: ولقد جَعلتُكَ في الفُؤاد مُحدَّثي ... وأَبَحتُ مِني ظاهِري لِجليسي فالجِسمُ مني لِلْجَليس مُؤانسٌ ... وحَبيبُ قَلبي في الفُؤادِ أَنيسي ذو الرمَّة:

стр. 44

مَتى تَظْعني ياميُّ عن دارِ جيرتي ... أَمُتْ والهوى بَرْحٌ على من يُطالبُهْ أَكُنْ مثلَ ذي الألاَّفِ شُدَّ وَظيفه ... إلى يَدهِ الأُخرى وَوَلَّتْ صواحِبُهْ تَهادَيْنَ أَطلاقاً وقاربَ خَطْوَهُ ... على الذَّوْد تقييدٌ وهُنَّ حَبائبُهْ إذا حَنَّ لم يسمعْنَ رَجْعَ حَنينِهِ ... فلا الحبْلُ مُنحَلٌّ ولا هو قاضِبُهْ آخر: أَتَتْني تُؤَنِّبُني بالبكاءِ ... فَأَهلاً بها وَبتأْنيبِها تقولُ وفي قَوْلِها حِشْمهِ ... أَتبكي بِعيْنٍ تَرانَي بها فقلتُ: إذا استحسَنَتْ غَيْرَكم ... أَمرْتُ الدموعَ بِتأديبها ديكُ الجنِّ: لَهُنَّ الوَجى لِمْ كُنَّ عوناً على السُرى ... ولا زالَ مَنْها ظالِعٌ وحَسيرُ ديكُ الجنِّ: ولي كَبِدٌ حَرَّى ونفسٌ كأَنّها ... بكفَّيْ عدوِّ ما يريدُ سَراحَها كأَنَّ على قلبي قَطاةٌ تذكَّرَتْ ... على ظَمَأٍ وِرداً فهزَّت جَناحَها وقال إسماعيل القَراطيسي: أَلا رُبَّ طالِبَةٍ وَصلَنا ... أَبيْنا عليْها الذي تَطلُبُ أَردْنا رِضاكِ بإسخاطِها ... ومَنْعُكِ من بَذْلِها أَطيبُ ابنُ حازِم: وَجدْتُ مِن الهوى ناراً تَلَظَّى ... على كَبِدي وتلتَهِبُ التهابا وداءُ الحُبِّ أَهونُه شَديدٌ ... وسَهْمُ الحُبِّ يَقتُلُ من أَصابا والبةُ بنُ الحُبابِ: وَلَها ولا ذَنْبَ لها ... وُدٌّ كأطْرافِ الرِماحِ تَلْقى الفُؤادَ بِحَدِّهِ ... فالْقَلبُ مجروحُ النَواحي قيل لأبي نواس: مالذي رغبك في خدمة والبة بن الحباب؟ فقال: قوله في صفة السيف: سل الخليفة صارماً ... هو للفساد وللصَّلاحِ يلقى بجانب خصره ... أمضى من القدر المُتاحِ وكأنما ذر الهبا ... ءُ عليهِ أَنفاسَ الرِياحِ وأَلَمَّ به ابنُ المعتزِ فقالَ وأَحسنَ تَرى أَثْرَهُ في صَفْحتيْهِ كأنّما ... تَنَفسَ فيه القَيْنُ وهو صَقيلُ والأصل في هذا قولُ ذي الرَمَّة وزُرقٍ كَستْهُنَّ الأسِنَّةُ هَبْوةً ... أرقَ من الماءِ الزُلالِ كَليلُها العَتّابي: ما غَناءُ الحِذارِ والإشْفاقِ ... وشآبِيب دَمعِكِ المُهَراقِ غدَراتُ الفِراقِ مُنتزِعاتٌٌ ... عُنُقَيْنا من أُنسِ هذا العِناقِ قُلتُ لِلفرقَدَيْنِ والليلُ مُلْقٍ ... سِتْرَ إظلامه على الآفاقِ ابقِيا ما بَقتُما سوفَ يُرمى ... بينَ شخصيْكُما بسَهْم الفِراقِ عمارة: ألا أَيُّها الغادي تَحَمَّل رسالةً ... إليها فبلِّغْها سَلامي مع الرَكْبِ فكْم في حِمى القَلبِ الذي نَزَلتْ ... به لها مِن مَرادٍ لا وَخِيمٍ ولا جَدْبِ قَيْس: وما أُمُّ خِشْفٍ هالِكٍ بتَنُوفَه ... إذا ذكرتْهُ آخِرَ الليل حَنَّتِ بأكثَرَ مني لَوْعةً غيرَ أنَّني ... أُطامنُ أَحشائي على ما أَجَنَّتِ وقال أبو حفص الشطرنجيُّ، ولم يسبق إلى معناهُ في ظرفهِ عَرِّضَنْ للذي تُحبُّ بحُبٍ ... ثمَّ دَعْهُ يروضُه إبليسُ وسمع سفيان بن عيينة قول أبي نواس: عَجِبْتُ من إبليسَ في تيهِهِ ... وفَرْطِ ما أَظهرَ من نَخْوَتِهِ تاهَ على آدمَ في سجدةٍ ... فصارَ قَوَّاداً لذُرِّيَتِهِ فقال: فأَبيكَ لقد ذهبَ مَذْهباً قيس: أَصابَ ذُبابُ السيفِ أنيابيَ العُلى ... وأنيابُ ليلى واضحاتٌ مَلائحُ فإنْ يَكُ ثَغري صَكَّهُ الحربُ صَكةً ... لقد بَقيتْ مني نواحٍ صَحائحٌ أبو دهبل: أَلا ياحَمى وادي المياهِ قَتَلْتَني ... أَتاحكَ لي قبلَ المَماتِ مُتيحُ رأيتُكَ وسْمِيَّ الثَّرى ظاهِرَ الرُبا ... يَحوطُكَ شَحّاح عليكَ شَحيحُ بعضُ الجواري: ما سَلِمَ الظبِيُ على حُسنهِ ... كلا ولا البدرُ الذي يوصَفُ الظبيُ فيه خَنَسٌ بَيِّنٌ ... والبدرُ فيه نُكتَةٌ تُعرَفُ ابنُ أَبي عيينة: ويومَ الجِنازةِ إِذا أرسلَتْ ... على رقْبَةٍ أَنْ جُزِ الخنْدقا فَجِئنا كغُصْنيْنِ مِن بانةٍ ... قَرِينَينِ حِدْثانَ ما أورقا

стр. 45

فقالتْ لاُختٍ لها: اسْتَنْشدي ... هـ مِن شِعْرِهِ المُحْكَمِ المُنْتَقى فقلتُ: أُمِرْتُ بكتِمانِهِ ... وخِفْتُ إذا ذاع أن يُسْرَقا فقالتْ: بِعيْشِكِ قولي لَهُ ... تَمَنَّعْ: لعَلكَ أن تنفقا أبو على البصير: ما بالُ قلبِكَ لا يقرُ خُفوقا ... وأَراكَ تَرعى النَجْمَ والعَيُّوقا وجفونُ عَيْنِك قد نَثْرنَ مَن البُكا ... فوقَ المدامعِ لُؤلُؤاً وعقيقا لوْ لم يكُنْ إنسانُ عينكَ سابحاً ... في بحرِ مُقلَتِه لماتَ غَريقا أَعرابيٌّ وقع بالريّ: أيالَيْلتي بالريِّ هلْ لكِ من يومِ ... وإنْ لم يكُن يومٌ فهل لَكِ من نومِ ويا غيمٌ أقشعْ عن فؤادِ مُتيَّمٍ ... فإني رَأيتُ الغَيمَ نوعاً من الغَمِّ ابن أبي عيينة: ما لِقلبي أَرقَّ مِن كُلّ قَلبٍ ... ولِحُبيِّ أَشدَّ من كلَّ حُبِ وَلِدُنيا، على جُنوني بِدُنيا، ... أَشْتهي قُرْبَها وتكرهُ قُربي قُلْ لِدُنيا: أَلمْ تَجِئكِ مِراراً ... رَطْبَةً مِن دُموعِ عينيَ كُتْبِي أَبو الشِّيص: أَقولُ، والعينُ لها حُرقةٌ ... مِن دَمعةٍ هاجَتْ ولم تَسْكبِ إنْ تَذهَبِ الدَّارُ بِسُكَّانِها ... فإنَّ ما في النَّفْسِ لم يَذْهَبِ إنْ كانَ ذَنبي طولَ حُبي لكمْ ... فاعفُ فإنّي لستُ بالمُذْنِبِ أعرابيّ: وَأُوصيكُما يا صاحبَيَّ هُديتُما ... بِشَنْباءَ والذَّلْفاءِ أن تُكْرِماهُما وأَنْ تَحَظا غَيْبي إذا غِبْتُ عَنهما ... فإنِّيَ راضٍ عنكُما بِرضاهُما فلو كانتا بُرْديْنِ لم أكسُ عارِياً ... ولم يُلْقَ من طولِ البِلى خَلقاهُما ابن أبي عيينة: أَبكي إليكِ إذا الحمامةُ طَرَّبَتْ ... يا حُسنَ ذَاكَ إليَّ مِن تَطْرِيبِ وأَنا الغريبُ فلا ألامُ على البُكا ... إنَّ البُكا حَسَنٌ بكلِّ غَريبِ وقال معقل بن عيسى في مخارق: لَعمْري لَئِنْ قَرَّتْ بقُربكَ أعينٌ ... لقد سَخِنَتْ بالبينِ مِنكَ عُيونُ فَسِرْ وأقِمْ، وقفٌ عليكَ مودَّتي ... مكانُكَ في قلبي عليكَ مَصونُ عبد الله بن الطاهر: أَقامَ بِبلدةٍ ورَحلْتُ عنها ... كلانا بَعدَ صاحِبهِ غريبُ أقَلُّ الناس في الدنيا سُروراً ... مُحِبٌ قد نِأى عنه الحبيبُ العباسُ بنُ الأحنف: صَرَمْتِ حِبالكِ من واصلٍ ... وأظهرتِ زُهدَكِ في راغبِ وإني لأَرضى بدون الرِّضى ... وأَقنَعُ بالموعِدِ الكاذِبِ إلى كم أروح على حَسرةٍ ... وأَغدو على سَقمٍ واصِبِ وأرجو غداً فإذا جاءَني ... بَكَيْتُ على أَمْسِي الذاهبِ أبو الشِّيص: قَضيْتُ على نفسي مَخافةَ سُخْطِها ... ولي حُجَجٌ في الحُبِّ أَضوا من الشَمس ماني المُوَسْوِسُ الله يعلُم أنَّني كَمِدُ ... لا أستطيع أَبثُّ ما أََجدُ نَفسانِ لي: نَفْسٌ تضَّمنَها ... بلدٌ وأخرى حازَها بَلَدُ وأرى المقيمةَ ليس ينفَعُها ... صَبْرٌ وليسَ يُقيمُها جَلَدُ وأَظَنُّ غائِبَتي كشاهِدتي ... بمكانها تَجِدُ الذي أَجِدُ أَبو دُلَف: أَرى عَهدَكُم كالوَرْدِ ليس بدائمٍ ... ولاخيرَ في مَنْ لا يَدومُ له عَهدُ وعَهدي لكُمْ كالآسِ حُسناً وبهجةً ... له رَوْعَةٌ تبقى إذا فَنِيَ الوَردُ الأَشْجعُ: يا مَنزلاً ضَنَّ با لسلامِ ... سُقّيتَ صَوْباً مِنَ الغَمامِ لم يَترُكِ الدهرُ مِنْكَ إلاَّ ... ما تركَ الشّوْقُ مِن عِظامي ابن الدُّمينة: نَهاري نَهار النّاسِ حتى إذا بَدا ... لِيَ اللّيلُ هزَّتني إِليكِ المَضاجِعُ أُقضيّ نهاري بالحديثِ وبالمُنى ... ويَجمعُني والليلَ بالهمِّ جامِعُ أبي اللهُ أَن يَلقى الرَشادَ مُتَيَّمٌ ... كَذا كلُّ شئٍ حُمَّ لابُدَّ واقِعُ ديك الجنّ: حَبيبي مُقيمٌ على نائهِ ... وقلبي مُقيمٌ على رائِهِ حَنانَيْكِ با أَمَلي دَعوةً ... لِمَنْ صارَ رَحمة أَعدائهِ سأَصْبِرُ عنكِ وأُعصى الهَوى ... إِذا صَبَرَ الْحُوتُ عَن مائهِ

стр. 46

الحسنُ بن وهب: ما أوْلَعَ الأَيّامَ بالأَعْحَبِ ... والحادثِ الأَغرَبِ فالأغْرَبِ وأَشجعَ الحبَ على قلبِ مَن ... يَملأُ قَابَ الأسدِ الأَغلَبِ الأَحوصُ: وما أَنسَ مِ الأَشياءٍ لا أَنسَ قولَها ... تقدَّمْ فشيَّعْني إلى ضَحوةِ الغَدِ فأَصبحتُ مِمّا كانَ بَيْني وبَيْنَها ... سوى ذكرِها كالقابضِ الماءِ باليدِ الحكم: لَعَمْرُكَ ما خُوصُ العُيونِ شَوارفٌ ... روائِمُ أَظْارٍ عَطَفْنَ على سَقْبِ بأَوجَدَ مِنّي يومَ وَلَّت حُمولُهم ... وقد طَلَعتْ أُولى الرِّكابِ من النَّقْبِ قيس بن الخطيم وأحسن في نعت الخيال، والبحتري عيال عليه: أَنّىّ اهْتَديْتِ وكنتِ غيرَ سَروبِ ... وتُقَرِّبُ الأحلامُ غيرَ قَريبِ ما تَمنعي يَقْظى فقد تُعطِينَهُ ... في النَّومِ غيرَ مُصرَّدٍ مَحسوبِ كانَ المُنى بِلِقائها فلَقِيتُها ... ولهوْتُ من لهوٍ امرئ مَكْذوبِ قيس: إذا قَرُبَتْ ليلى لَجَجْتَ بهجرِها ... وإنَ بَعُدتْ يوماَ يَرُعْكَ اغترابُها فَفي أَيِّ هذا راحةٌ لكَ عندها ... سَواءٌ لَعَمْري، هَجرُها واقْتِرابُها الأشجع: ما اخْترتُ تركَ وَداعكم يومَ النوى ... واللهِ لا مَللاً ولا لِتَجنُّبِ لكنْ خَشيتُ بأن أموتَ صَبابةً ... فيقالُ أنتَ قتلتَه فتقاد بي ركَّاض الزبيري: نُرامي فَنَرْمي نحن منهنَّ في الشَّوى ... ويَرْمينَ لا يَعدلْنَ عن كَبِدٍ سَهْما إذا ما لَبِسْنَ الحَلْيَ والوْشيَ أشرقتْ ... وجوهٌ ولَبَّاتٌ يُسلِّبنَنا الحِلْما ولُثْنَ السُّبوبَ خمرةٍ قُرشيَّةً ... زُبيريَّة يعلمْن في لَوْثِها عَلْما ذو الُّرمة: خَليليَّ عُدَّا حاجَتي مِن هواكُما ... ومَن ذا يُواسي النفسَ إِلاّ خليلُها إلى دارِميٍّ قبلَ أن تَطْرَحَ النَّوى ... بِنا مَطْرحاً، أو قبلَ بَينٍ يُزيلُها وإنْ لم يكنْ إلاَّ تعلُّلُ ساعةٍ ... قليلاً، فإني نافِعٌ لي قليلُها الخليع: وما لأَني أَنساكِ أكثرُ ذِكرا ... كِ، ولكنْ بذاكِ يجري لِساني أَنتِ في القلبِ والجوانحِ والنَّف ... سِ، وأنتِ الهوىَ، وأنتِ الأَماني كُلُّ جُزءٍ مني يَراكِ من الوجدِ ... بِعيْنٍ غَنيَّةٍ عن عِيانٍ وإذا غبتِ عن عيانيَ أَبصرْ ... تًكِ مِني بعين كُلِّ مكانِ ابن ميادة الكرجي: وما أَنسَ مِ اْلأَشياءِ لا أَنسَ قولَها ... وأَدمُعُها يَحدُرنَ حَشوَ المكاحِلِ تَمتَّعْ بِذا اليومِ القصيرِ فإنّه ... رَهينٌ بأيامِ الشُهورِ الأَطاوِلِ آخر: ورأيتُه في الطِّرسِ يكتبُ مرةً ... غلطاً يُواصلُ مَحوَهُ بِرُضابهِ فَودِدْتُ أني في يَدَيْهِ صَحيفةٌ ... وَوَدِدْتُه لا يَهتدي لِصوابِهِ أبو دهبل: ولي كَبِدٌ مقروحةٌ من يبيعُني ... بها كَبِداً ليست بذات قُروحِ أَباها عليَّ الناسُ لا يشترونَها ... ومن يشتري ذا عِرَّهٍ بصحيحِ أَئِنُّ من الشوقِ الذي في جوانحي ... أَنِينَ غصيصٍ بالسلاح جريحِ قيس بن مسعود: وقد قُلتُ لما أَعْرضَ السجنُ دونَنا ... وأرضٌ عليها غَبرةٌ وقَتَامُ على البَدويَّات المِلاحِ وإن نأَتْ ... بِهنَّ النَّوى أَو لم يَزُرْنَ سَلامُ تعرَّضَتِ الأَشغالُ حتى كأنَّما ... وُقوفُ المطايا عِندهُنَّ حَرامُ آخر: ذكرتُكِ ذِكرى تلحقُ النفس دونَها ... عقيلٌ وأعناقُ المَطِيِّ سَوامِ سقى اللهُ مَبدىً ياعقيل بدوته ... بوادي سليم وببرق سَنامِ فإن تقبلي منا المعاذير نعتذر ... وإن تظلمينا فهو دهر ظلامِ الأحوص: ألا تسألن الله أن يسقي الحمى ... بلى فسقى الله الحمى والمطاليا وإني لأستسقي لِبَيْتيْن في الحمى ... ولو يَملكانِ البحرَ ما سقياليا أُسائلُ من لاقيتُ هل سُقِيَ الحمى ... فهل يَسأَلنْ أَهلُ الحمى كيفَ حالِيا آخر: شاقَني الأَهلُ لم تَشُقْني الديارُ ... والهوى صارَ بي إلى حيثُ صاروا

стр. 47

فأُناسٌ رَعَوْا لنا، ثُمّ غَابوا ... وأُناسٌ جَفَوْا، وهمْ حُضَّارُ عَرَضُوا ثم أَعْرَضوا واستمالوا ... ثُمَّ مالوا، وجاوَرُوا، ثم جارُوا لا تَلُمْهُمْ على التَجنِّي، فلو لمْ ... يَتَجنوا، لم يَحْسُنِ الإعتِذارُ ابن المعتزِّ: وَمَنْ مِن الحُبّ منقذٌ رجُلاً ... باعَ لذيذَ الرُقاد بالسُّهُدِ ذاكَ بعيدُ الخلاصِ قد نَشِبَتْ ... في الرُوحِ مِنهُ مَخالِبُ الأَسدِ ابن ميَّادة: يِراها قَريباً من يراها ونَيْلُها ... مَكان الثُّريَّا مِنكَ أَو هو أَبعدُ كَفِعْلِ شَمُوسِ الخَيلِ، لا هِيَ تَرْعَوي ... لِزَجْرٍ، ولا تَدْنو لِمَن يَتَوَدَّدُ ابن هرمة: عَهدتُ بها هِنداً، وهندٌ غريرةٌ ... عن الفُحْش بَلْهاءُ العِشاء نَؤُومُ رَدَاحُ الضحى مَيَّالةٌ بَخْتَرِيَّةٌ ... لها مَنْطِقٌ يَسبي الحَليمَ رَخيمُ ولقد رَعيتُ رياضَهُنَّ يُوْيفعاً ... وعصر............... يحومُ فعلى الصِّبا أَيّامَ أَجنى نَوْرَهُ ... وأَسوفُ في أَوْراقه وأَسيمُ كَبِدي مِنَ الزَفَراتِ صَدَّعَها الأَسى ... وحَشايَ مِنْ أَلَمِ الفِراقِ سَقيمُ عبدُ الأعلى: عَصاكَ الصِّبا لمّا أَطلعتَ النَّواهيا ... وماتَ الصِّبا لمّا سَئِمْتَ التَصابِيا وَناجاكَ إِعْجامٌ من الدَّمْعِ مُعربٌ ... فَصِيحٌ بِبَيْنِ الحيَّ أَلاَّ تَلاقِيا ابن المعتز: كَمْ ليلةٍ فيك لا صَباحَ لَها ... أَفنيْتُها قابضاً على كبِدي وأَنتَ خِلْوٌ تنامُ في دَعَةٍ ... شَتَّانَ بين الرُّقادِ والسُهُدِ قد فاضِتِ العَينُ بالدمُوعِ وقد ... وَضعْتُ خدِّي على بَنانِ يَدي كأَنَّ قَلبْي إذا ذَكرْتُكُمُ ... فَريسةٌ بَيْنَ ساعِدَيْ أَسَدِ أبو دهبل ووجدتها في ديوان عمرو بن أبي ربيعة: يَلومونَني في غيرِ ذَنبٍ جَنَيْتُهُ ... وغَيْريَ في الذَّنبِ الذي كانَ أَلْوَمُ أَمِنَّا أُناساً كنتِ قِدماً أَمنتُهم ... فَزادوا علينا في الحديثِ وأَوهَموا وَقالوا لَنا مالمْ نَقُلْ ثم أَكثروا ... عَلينا، وباحُوا بالذي كنتُ أَكْتُمُ وقد مُنِحَتْ عَيني القَذى لِفراقِكُمْ ... وعادَ لها تَهْتانُها فهي تَسجُمُ وأَنكرتُ طيبَ النفس منها وكدَّرت ... عليَّ حَياتي والهوى مُتَقَسَّمُ وصافيتُ نِسواناً فلم أرَ فيهمُ ... هَوايَ، ولا الوُدَّ الذي أَنا أَعلمُ فلا تَصْرِميني أَن تَرْيني أُحِبُكمْ ... أَبوءُ بِذَنْبي ظالِمي وهو أَظلَمُ أَليس كثيراً أَن نَكونَ بِبلْدةٍ ... كِلانا بها باكٍ ولا نَتكلَّمُ مُنَعَّمةٌ لو دَبَّ ذَرٌّ بِجِلدها ... لَكانَ دبيبُ الذَرِّ في الجِلد يَكْلُم أعرابي: يُكذِّبُ أَقوالَ الوُشاةُ صُدودُها ... ويَزدادُ شَكّاً في هوانا قَعيدُها أنازِعُ من لاأَستَلِذُّ حَديثَه ... ويجتازُها طَرْفي كأَنْ لاأُريدُها وتحت مَجاري الطَرْفِ منا مَوَدَّةٌ ... ولحظاتٌ سِرٍّ لا يُنَادى وليدُها رَفعتُ عن الدُنيا المُنى غيرَ وُدِّها ... فلا أسألُ الدُنيا ولا أَسْتزيدُها آخر: ما لَذَّةٌ أَكْمَلُ في طيبها ... مِن قُبلةٍ في إثرِها عَضَّهْ كأنَّما تَأثيرُها لُمْعَةٌ ... من ذَهبٍ أُجرِيَ في فِضَّهْ آخر: أُعيذُكِ من مَبيتٍ باتَ فيهِ ... مُحِبُّكِ خالياً حتى الصباحِ كأَنَّ بِقلْبهِ خفقانَ طيرٍ ... علَقنَ به العَلائِقَ في الجَناحِ آخر: وإِنَّ الذي يَنْهاكُمْ عن طِلابها ... يُناغي نساءَ الحيِّ في طُرَّةِ البُرْدِ يُعَلَّلُ والأَيامُ تَنْقُصُ عُمْرَهُ ... كما تَنْقُصُ النيرانُ من طَرَفِ الزَنْدِ آخر: هَجرتُكِ لاقلىً مني ولكنْ ... رأَيت بقاءَ وُدِّكِ في صُدودي كَهَجْرِ الحائِماتِ الوِرْدَ لمَّا ... رأَتْ أَنَّ المنيَّةَ في الورودِ تفيضُ نُفوسُها أَسَفاً وتَخشى ... حِماماً فهي تَنظُرُ من بَعيد كما نَظرُ الأّسيرُ إلى طليقٍ ... يُلمُّ بِلاده لشُهوده عيد

стр. 48

عبدُ اللهِ بنُ طاهرِ: نُزولُ الهوى سقمٌ على المْرءِ فادِحُ ... وفي بَدني للحُبِّ داعٍ وصائحٌ يَرى أَن لي ذنباً إذا قُلت مُنْبِئاً ... لِمُنْ عادَني في الحُب: إِني صالحِ إِذا المْرءُ لم تَقرحْ بطون جفونِه ... فما قَرحَتْ في الجِسْمِ مِنهُ الجَوانِحُ وما الشاحجاتُ البارِحاتُ نوائحٌ ... ولكنَّ أَعضاءَ المُحبِّ نوائِح المجنون: أمُخْتَرِمي ريْبُ المَنونِ فذاهبٌ ... بنَفسِي وأشجانُ الفؤاد كما هِيا بِلى في صروفِ الدهرِ أَن تُسعِفَ المُنى ... وتُعطي المُحبِّينَ الرِضى والأمانِيا نُصَيْب: أَلا فَرعى الله الرَواحلَ إنِّما ... مَطايا قلوبِ العاشِقينَ الرواحلُ أَلا إنّهنَّ الواصِلاتُ عُرى النَوى ... إِذا ما نَأى بألآلِفِين التواصُلُ ابنُ المُعتز: وأَبقيتَ مِنيّ فَتىً مُدنَفاً ... لِدَمعِتهِ أبداً سافِحُ نَعانِي الطبيبُ إِلى نَفسِه ... وقالَ لِمَن عادَني: صالِحُ أَعرابي: يافرْحتا إذ صَرفْنا أَوجُه الإبلِ ... نحو الأحبَّةِ بالإزعاجِ والعجَلِ نَحثُّهنَّ وما يُونِينَ من دَأًَب ... لكنَّ للشَوْقِ حثاً ليس للإبلِ أعرابيَّ: أَلمِ تعلمَا أَنَّ المُصلّى مكانُه ... وأن العقيقَ ذا الظِلال وذا البَرْدِ وأَن به لو تعلمانِ أَصائلاً ... وليلاً رقيقاً مثل حاشِيةِ البُردِ أعرابي: متى تَدْنُ ليلى من بِلادِك لا تَنَلْ ... نَوالاً، وإن تبعدْ بك الدارُ تكمدِ كثيِّر عزَّة: لَعمرُكَ إِنَّ الجزعَ أَمسى تُرابُه ... من الطيبِ كافوراً وعيدانُه رَنْدا وما ذاكَ إلاَّ أن مَشتْ في عِراصه ... عُزَيْزةُ في سِربٍ وجرَّت به بُردا محمد بن وهب: بَنانُ يد يشيرُ إلى بَنانٍ ... تَجاوَبَتا وما تتَكلَّمانِ جرى الإيماءُ بينهما رسولاً ... فأعربَ وحيَه المُتناجِيانِ فلو أَبصرْتَنا أبصرتَ طَرفاً ... على مُتكلَّميْن بِلا لسانِِ ابن المعتز: هَبْ لِعيْني رُقادَها ... وَانْفِ عتها سُهادَها وارْحمِ المُقلةَ التي ... كُنتِ فيها سَوادَها كُنْ صَلاحاً لها كما ... كُنتَ دهراً فسادَها وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: أَلا إنَّما التوديعُ ضَربٌ من الرّدى ... إذا ما تَدانى الشملُ صار تَنائِيا فلو أَنَّ ما في الأَرضِ دمعٌ أصبُّهُ ... بحقِّ النّوى ما كانَ بالحقِّ كافيا أبو الشيِّص: كأنَّ بلادَ اللهِ حَلقةُ خاتَمٍ ... عليَّ، فما تزدادُ طولاً ولا عَرْضاً كأنَّ فؤادي في مَخالِيبِ طائرٍ ... إذا ذكرتْكِ النفسُ شدَّت به قَبضا كثيِّر: وإني وتَهيامي بِعَزَّةَ بعدما ... تَسلَّيْتُ مِن وَجْدٍ بها وتَسلَّتِ لَكالْمُرْتجي ظِلَّ الغَمامةِ كلَّما ... تَبَوَّأَ منها للمَقِيل اضْمَحَلَّتِ ابن الزيَّات: سَماعاً يا عِبادَ اللهِ مِني ... وَكُفّوا عن مُلاحَظةِ المِلاحِ فإنَّ الحُبَّ آخِرُه المنايا ... وأَوَّلُه يُهيَّجُ بالمزاحِ وقالوا: دَعْ مُراَقبةَ الثُريّا ... وَنمْ فالليلُ مُسوَدُّ الجَناحِ فقلتُ: وهل أَفاقَ القلبُ حتى ... أُفَرِّقُ بينَ لَيْلي والصباحِ الحارثي: تَعَطَّلْنَ إِلاَّ مِن مَحاسنِ أَوْجُهٍ ... فَهُنَّ حَوالٍ في الصِّفاتِ عَواطِلُ كَواسٍ عَوارٍ صامِتاتٌ نَواطِقٌ ... بِعَفٍّ الحديثِ باخِلاتٌ بَواذِلُ بَرَزْنَ عَفافاً، واحتَجَبْنَ تَستُّراً ... وشِيبَ بقول الحقِّ مِنهنَّ باطِلُ فذو الحِلْم مُرتابٌ، وذو الجَهلِ طامِعٌ ... وَهنَّ عنِ الفَحْشاءِ حِيدٌ نَواكِلُ أعرابي: أُديمُ الطَرْفَ ما غَفَلَتْ إِليها ... وإِنْ نَظرَتْ نَظرتُ إلى سِواها أَغارُ من النساء يَرَيْن منها ... محاسنَ لا يُرَيْنَ ولا أَراها وإن غَضِبتْ عليَّ غَضِبتُ معها ... على نَفسي، ويُرضيني رَضاها وما غَضَبِي على نَفسي بِجُرْمٍ ... ولكِني أَمِيلُ إِلى هَواها ابن المعتز:

стр. 49

وآثارُ وَصْلٍ في هَواكِ حَفِظْتُها ... تحياتٌ رَيْحانٍ، وعضَّاتُ تُفَّاحِ وكُتْبٌ لِطافٌ حَشْوُها المسكُ أُدْرِجَتْ ... على رَصْفِ أَحزانٍ وتعذيبِ أَرواحِ يُخَلْنَ تَعاويذاً بِجَنْبِي كأَنما ... أُمسُّ بَخَبْلٍ في مَسائي وإصباحي دريد: أَتجزَعُ إِن شطَّتْ، وتَبخَلُ إِن دَنَتْ ... فكلٌّ لنا مِنها عذابٌ مُوكَّلُ فإنْ حَضرَتْ لم تنتفعُ بِحضُورِها ... وتشتاقُ إن غابَتْ إِليها وتَذْهَلُ آخر: وَلي فُؤادٌ إذا طالَ العذابُ بهِ ... طارَ اشتياقاً إلى لُقيا مُعذِّبِهِ يَفديكَ بالنفسِ صَبٌّ لو يكونُ له ... أَعزَّ من نَفسِهِ شئٌ فداكَ بهِ البعيث، وهو من نادر وصف الليل بالطُّول: لقد تَركَتْني أُمُّ عمروٍ ومُقلتَي ... هَمُولٌ، وقَلبي لا تُفِيقُ بلابِلُهْ تَطاولَ هذا الليل حتى كأنَّما ... إذا ما مَضى تُثنى عليه أَوائِلُهْ عمر بن أبي ربيعة: نَظرتُ إليْها بالمُحصَّبِ من مِنى ... وَلي نظرٌ لوْلا التحرُّجُ عارِمُ وقلتُ أشمسٌ أم مصابيحُ بِيعةٍ ... بَدتْ لك تحت السِجْفِ، أم أنتَ حالِمُ بعيدةُ مَهْوى القُرطِ إِما لنوفلٍ ... أبوها، وإما عبد شمسٍ وهاشِمُ فلم أستطعها غير أن قد بدت لنا ... عشية راحت، وجهها والمعاصمُ معاصمُ لم تضرب على البهم بالضحى ... عصاها، ووجه لم تلحه السمائمُ أنشد ثعلب: ولما تَبيَّنْتُ المنازلَ من منى ... ولم تُقضَ لي تَسليمَةُ المُتَزَوِّدِ زَفرتُ إِليها زفرةً لو حَشوْتُها ... سَرابيلَ أَبدانِ الحديدِ المُسرَّدِ لَفُضَّتْ حَواشِيها، وظلَّتْ بِحرِّها ... تَلينُ كما لانتْ لِداودَ في اليدِ جميلٌ: وَيقُلْنَ إِنكَ قد رضيتَ بباطلٍ ... منها، فهل لكَ في اعتزالِ الباطلِ ولَباطِلٌ ممن أَلَذُّ حديثَه ... أَشهى إِليَّ من البَغيضِ الباذِلِ وَلَرُبَّ عارضةٍ علينا وَصلَها ... بالجِدِّ تخلطُه بقولِ الهازِلِ فأَجبتُها في القولِ بعد تَسَتُّرٍ ... حُبي بثينةَ عن وِصالِك شاغِلي لو كان في قلبي كَقدر قُلامةٍ ... فضلٌ لزرتكِ أو أَتتكِ رسائلي يَمشيِنَ حولَ عَقيلةٍ منسوبةٍ ... كالبدرِ بينَ دمالِجٍ وخَلاخِلِ نضحُ الحميم يجولُ في أقرابها ... حولَ الحباب إلى الحباب الجائل يَعضَضْنَ من غيظٍ عليَّ أناملاً ... وَوَدِدْتُ لو يَعْضَضْنَ صُمَّ جَناِلِ يزعُمنِ أَنكِ بابثينَ بخيلةٌ ... نَفْسي فَداؤُكِ من ضنينٍ باخِلِ وَلَئنْ أَلِفْتُكِ أو وَصلتُ حبالَكُمْ ... لَعلى المودَّةِ مِن ضَميرِ الواصِلِ فَصِلي بِحبْلِكِ يابُثينَ حَبائلي ... وعِدي مَواعدَ مُنجِزٍ أو ماطِلِ ابن محلم: أَلا يا حَمامَ الأَيكِ إلفُكَ حاضِرٌ ... وغُصنُكَ ميَّادٌ فَفيمَ تَنوحُ أَفي كلِّ عامٍ غُربةٌ ونُزوحُ ... أمَا لِلنَّوى مِن وَنيةٍ فتُريحُ لَقد طَلَّحَ البينُ المُشِتُّ رَكائبي ... فهلْ أَرَيَنَّ البَيْنَ وهو طَليحُ وهيَّجني بالرَيِّ نَوحُ حمامةٍ ... فنُحتُ، وذو الشَجْوِ الحزينُ ينوحُ على أنها ناحتْ ولم تُذْرِ عَبرةً ... ونُحتُ وأَسرابُ الدمُوعِ سفوحُ وناحتْ، وفَرخاها بِحيثُ تراهُما ... ومِنْ دونِ أَفراخي مَهامِهُ فِيحُ عروة: حَلَفْتُ لَها بالمشْعَرَيْنِ وَزَمْزَمٍ ... وذو العَرشِ فوقَ المُقسِمين رقيبُ لَئِن كانَ بردُ الماءِ حرَّانَ صادياً ... إليَّ حبيباً، إنها لَحبيبُ ذو الرمَّة: إذا خَطَرتْ من ذِكِر مَيَّةَ خطرة ... على القلبِ كادتْ في فؤادِكَ تَجرَحُ وإنْ غيََّرَ النأيُ المُحبينَ لم أجِدْ ... رَسيسَ الهوى مِن حُبِّ ميةَ يبرَحُ أرى الحُبَّ بالهِجرانِ يُمحى فَيَمْتَحي ... وحُبُّكِ مِنَّا يَسْتَجِدُّ ويصرَحُ فلا القربُ يُدني مِنْ هواها مَلالَةً ... ولا حُبُّها إِنْ تَنزحِ الدار يَنَزحُ لَئِنْ دامَتِ الدُنيا عليَّ كما أَرى ... تباريحَ من ذكراكِ فالموت أروَحُ

стр. 50

ابن الدُميْنةَ: ولا أَنسَ مِ الأشياء لا أنسَ قولَها ... أَتَتْرُكُني في الدارِ وَحدي وتذهبُ فقلتُ لُها: واللهِ لو كانَ مُمْكِنا ... مقامي لَكانَ المَكْثُ عنديَ يُعجبُ فردَّتْ على فِيها اللِثامَ وأَدْبرتْ ... وراجَعَني مِنها بَنانٌ مُخَضَّبُ وأَنشدَ: سَلْني عَن الحُبِّ يا مَن ليس يعرفُه ... ما أطيبَ الحُبَّ لولا أَنه نَكَدُ طَعْمانِ:حُلوٌ ومُرٌ ليسَ يَعدِلُهُ ... في حَلْقِ ذائقهِ سُمٌّ ولا شَهدُ المَوصليّ: لَما رَأَيْناهُمْ يَزُمُّونا ... قُلنا لهم: أَينَ تُريدونا قالوا: فما كَثْرَةُ تَسآلِكُمْ ... قُلنا لهم: نحن المُحِبّونا فأَبْرَزَتْ من هَوْدَجٍ جِيدَها ... بيضاءَ تُذري الدمعَ مَكْنونا قالت:تركتَ الوصلَ في حينه ... وجِئتَ عند البَيْن تُؤْذِينا أحمد بن أبي فَنَن: ألا رُبَّ يُمنَعُ النومُ دونَه ... أقامَ كَقَبْضِ الراحَتيْن على الجَمْرِ بَسطْتُ له وجهي لأكْبِتَ حاسِدا ... وأبديتُ عن نابٍ ضَحوكٍ وعن ثَغرِ وشوقٍ كأطراف الأسِنَّةِ في الحشا ... مَلكتُ عليه طاعةَ الدَّمعِ أن يَجري وقال محمد بن صالح الطوسي: رَقيقةُ مجرى الدمعِ أَمَّا شبابُها ... فَغَضٌّ وأمّا الرأيُ مِنها فَكامِلُ رُدَيْنيَّةُ الأعْلى هِجانٌ عَقيلةٌ ... بِأَعْطافِها الجاديُّ والمِسكُ شامِلُ أُبو نُواس تَركتني الوُشاةُ نصبَ المُشِيري ... ن وأُحدوثةً بكلِّ مكانِ ما أرى خالِيَيْنِ في السرِّ إلاَّ ... قلتُ ما يَخْلُوانِ إلاَّ لِشاني أخذه من قول بشّار: يُرَوِّعُه السِرارُ بكل فَجٍّ ... مَخافةَ أَنْ يكونَ به السِرارُ ذو الرُمَّة: فما ظَبيةٌ تَرعى مَساقِطَ رَملةٍ ... سقى الواكفُ الغادي لها وَرَقاً نَضْرا رأتْ أَنَساً بَعدَ الخَلاء فأقبلتْ ... ولم تبدِ إلاَّ في تَصرُّفها ذُعْرا بِأحسنَ من ميٍّ عَشيّةَ طالعتْ ... لِتَجْعَلَ صَدْعاً في فؤادِكَ أو وَقرا بِوجهٍ كَقَرْن الشمسِ حُرٍّ كأنما ... تَهيضُ بهذا القلب لَمْحتُهُ كَسْرا وعينٍ كأنَّ البابِليَّيْنِ لَبَّسا ... بِقلْبِكَ مِنها يومَ مَعْقُلةٍ سِحرا الأقرع بن معاذ: وما أَنس مِ الأَشياءِ لا أنسَ قولَها ... بِنفسيَ بيِّنْ لي مَتى أنتَ راجِعُ فقلتُ لها: واللهِ ما من مُسافِرٍ ... يُحيطُ له عِلمٌ بِما اللهُ صانِعُ فقالتْ: ودمعُ العينِ يحدرُ كُحلَها ... تركتَ فؤادي وهو بالبيْنِ رائِعُ وأَلقتْ على فيها اللِثامَ وأَدْبَرَتْ ... وأَقبلَ بالكُحل السحيقِ المَدامِعُ أبو نواس: ومُظهِرَةٍ لِخَلْقِ اللهِ بُغضاً ... وتُلقى بالتَحيةِ والسَّلامِ أتيتُ فؤادَها أَشكو إِليهِ ... فلم أَخْلصْ إِليهِ من الزِحامِ فيا مَنْ ليس يَكفيهِ خليلٌ ... ولا أَلْفا خليلٍ كلَّ عامِ أراكِ بقيةً من قومٍ مُوسى ... فهم لا يَصبرون على طَعامِ أعرابي: شَكوتُ فقالتْ: كُلُّ هذا تَبرُّماً ... بِحُبي، أَراحَ اللهُ قلبَكَ مِن حُبّي فلمّا كَتمتُ الحًبَّ قالت: لَشَد َّما ... صَبرْتَ، وما هذا بِفعلِ شَجِي القلبِ وأَدنو فَتُقْضيني، فأَبعُدٌ طالِباً ... رِضاها، فَتَعْتَدُّ التَباعُدَ مِن ذَنْبي فَشكْوايَ تُؤذيها، وصَبْري يَسوؤها ... وتَجزعُ مِن بُعدي، وتَنْفِرُ مِن قُربي فيا قومُ هلْ مِن حِيلةٍ تَعْرِفونها ... أَعينوا بِها، واسْتوْجِبوا الشُكرَ مِن رَبيّ وقال الأحوص: ووجدتها في ديوان نصيب: وما هَجَرَتْكِ النفسُ يا مَيَّ أنّها ... قَلَتْكِ، ولا أَنْ قَلَّ منكِ نَصيبُها ولكنَّهم، يا أَمْلحَ الناسِ، أولِعوا ... بِقوْلٍ، إذ ما جِئْتُ، هذا حبيبها أعرابي: لعمرُ أَبي المُحصينَ أيَّامَ نَلْتقي ... لِما لا نُلاقيها مِنَ الدَّهرِ أَكثرُ يَعُدُّون يوماً واحداً إن أَتيتُها ... ويَنسوْنَ ما كانتْ من الدهرِ تَهجُرُ ابن الدمينة:

стр. 51

بِنفسيَ من لا بُدَّ أَنيَ هاجِرُه ... وأَني على المَعسورِ واليُسر ذاكِرُهُ ومَن قدْ رَماهُ الناسُ حتى اتقاهُمُ ... بِبُغْضيَ إِلاَّ ما تُجنُّ ضمائرُهُ جميلُ: أَتهجُرُ هذا الربعَ أم أَنت زائِرُهُ ... وكيف يُزارُ الربعُ قد بان عامِرُهْ رأَيتُك تأتي البيتَ تُبغِضُ أهلَه ... وقلبُكَ في البيتِ الذي أنتَ هاجِرُهْ مضرِّس بن ربعي: ألا قُلْ لِدارٍ بين أكثِبَةِ الحِمى ... وذاتِ الغضا جادت عليكِ الهواضبُ أجِدَّكِ لا أغشاكِ إلاّ تقلَّبتْ ... مِن العين أو كادتْ دموعٌ سواكبُ ذو الرُّمة: إذا اسْتوْدعتْه صفصفاً أو صريمةً ... تنحَّتْ ونصَّتْ جيدَها بالمَناظِرِ حذاراً على وسنانَ يصرَعُه الكَرى ... بكُلِّ مَقيلٍ عن ضِعافٍ فواتِر وَتَهجُرهُ إِلاَّ اختلاساً بطرفها ... وكم من مُحِبٍّ خِيفَةَ العين هاجِرِ الحارِثيّ: إذا أنتَ لم تُؤمنْ بما تصنعُ النوى ... بأَهل الهوى فافْقِدْ حبيباً وجَرِّبِ تَجدْ حُرُقاتٍ يلذعُ القلبَ حرُّها ... بأَنضجَ من كَيِّ الغضا المتلَهِّبِ قيس: تصَبُّ إلى سُعدى على نَأيِ دارها ... ولم يَكُ يُجدي، والمزارُ قَريبُ ولاحظَّ من سُعدى لنا غيرَ أننّا ... تَقطَّعُ أنفاسٌ لنا وقُلوبُ وقال ابن المعتز: أيا مَنْ فؤادي بِه مُدنَفُ ... حُجِبْتَ فلي دَمعةٌ تَذْرِفُ إذا حَجَبوا مُقْلتي أَنْ تَرا ... كَ فقَلبي يَراكَ ولا يَطرِفُ العطويّ: فما ازْدحمتْ عيرٌ على وردِ منهَلٍ ... دَنا وردُها تَرعى النَجيلَ من الحَمْضِ تزاحُمَ دمْعي في الجُفونِ وقد غَدَتْ ... حُداتُهم بين القَرينينِ فالعِرْضِ وَقد تَركوني في الديارِ كأنَّني ... سَليمٌ حَوَتْه الأُفعوانةُ بالعَضِّ ولا أُمُّ أملاطٍ أَقامتْ فِراخَها ... على فنَنٍ في الضَّالِ ذي المُنحنى الغضِّ رأي سَوذَنِيقُ الجوِّ منهنَّ غُرَّةً ... فَكَفْكفَ يبغيهنَّ كالنجْمِ في القضِّ ولا أُمُّ خِشْفٍ أقبلت بعدِ فيقةٍ ... لِتمنَحَه من ضِرْعِها صَفْوةَ المَحْضِ فأبصرتِ المَعْبوطَ رَدْعَ إهابهِ ... وقد خَبَّ آلُ الصَحصَحانِ على الأرضِ بِأوجدَ مني يومَ قالتْ حُداتُهم ... أمُستَوْطِنٌ بعدَ الظَعائنِ أَمْ تَمضي وقال أبو زرعة الدِّمشقي: فراقُكِ في غدٍ وغدٌ قريبٌ ... فَوا أَسفا على البين القريبِ فيا صدرَ النهارِ إِليكِ عني ... ويا شمسَ الأَصائِل لا تَغيبي القُطامي: وأرَّقني أن لا يزالَ يروعني ... غزالُ أُناسٌ قاصرُ الطرف فاتِرُهْ له مستظلٌّ باردٌ في مخدَّرٍ ... كنينٍ إِذا شعبانُ حمَّتْ هواحِرُهْ بعينيكَ تنظارٌ إِلى كل هودجٍ ... وكلِّ بشيرِ الوجهِ حرٍّ مسافِرُهْ تراهُ وما تسطيعهُ غيرَ أنهُ ... يكونُ على ذي الحلم داءً يُخامِرهْ إذا تاقَ قلبي أو تطرَّبه الهوى ... فليستْ له بقيا ولا الحلمُ زاجِرُهْ عصى كلَّ ناهٍ واستبدَّ بأمره ... فما هو إلاَّ كالعشير تُؤامِرهْ ذو الرُمَّة: فوالله ما أدري أجولان عبرة ... تجود بها العينان أجدى أم الصبرُ وفي هملان العين من غصة الهوى ... رواحٌ وفي الصبر الجلادة والأجْرُ علي بن الجهم: أما ينفك من لومٍ دراك ... محبٌّ لا يحن إلى سواكِ لئن ألهيتهِ عن كلِّ شيءٍ ... لما ألهاهُ شيءٌ عن هواكِ آخر: ولقد مررتُ على العقيق وأهلُهُ ... يشكونَ من مَطرٍ الربيعِ نُزورا ما ضرَّكُمْ إذ كان أحمد جاركم ... ألا يكون ربيعكم ممطورا تبكي عليَّ فدمعُها ... على حالِهِ في جفنهِا مُتََحَيِّرُ الأشجع: ومحرونةٍ عند الفراق رأيتُها ... وفي القلبِ منها جمرةٌ تتسعَّرُ تطيَّرُ أن تبكي عليَّ فدمعها ... على حالهِ في جفنها متحيِّرُ فقلتُ: قضاءُ الله فرَّق بيننا ... فقالت: قضاءُ الله ما كنتُ أحذرُ فقلتُ: وأيامٌ أغيبُ يَسيرةٌ ... فقالتْ: لِيَ الأيامُ بَعدَكَ أشهُرَ

стр. 52

فقلتُ:اصْبِري مافي بكائكِ راحةٌ ... ولا كلٌّ محزونٍ له الصبرُ يقدَرُ فقالتْ: أتوصيني بما لست فاعلاً ... ألا في سبيلِ الحبِّ ضاعَ التصبُّرُ ابن المعتز: بقلبي لِنار الهوى جَمْرَهْ ... وللشَّوق في كبدي عَبْرَهْ وأسخنَ عيني حبيبٌ نَأى ... وكانتْ لعيني به قُرَّهْ يقولون لي خيرةٌ قي الفِرا ... ق فقلتُ لهم خيرةٌ مرَّهْ الحارثي: أقولُ وقد صاحَ ابنُ دَأيةَ غدوةً ... ببينٍ ألا لا أخطأتكَ الشوابكُ أفي كلِّ يومٍ رائِعي أنتَ روعةً ... ببينونةِ الأَحبابِ عِرسُكَ فارِكُ فلا بِضتَ في خضراءَ ما عشتَ بيضةً ... وضاقتْ برحْباها عليكَ المسالِكُ الأحوصُ: ألا لا تلمه اليومَ أن يتبلَّدا ... فقد غُلِبَ المحزونُ أن يتجلَّدا بكيتُ الصبا جهدي فمن شاءَ لامني ... ومن شاءَ آسى في البكاءِ وأسعدا وما العيش إلا ما تلذُّ وتشتهي ... وإِن لامَ فيه ذو الشَّنانِ وفنَّدا إذا أنتَ لم تعشَقْ ولم تدرِ ما الهوى ... فكُن حجراً من يابِس الصخر جلمَدا المعلوط: فما وجدُ مِلواحٍ من الهيم حُلِّئتْ ... عن الماءِ حتى جوفُها يَتصَلْصَلُ تحومُ وتَغشاها العِصيُّ وحولها ... أَقاطيعُ أَنعامٍ تُعلُّ وتُنهلُ بِأعظمَ مني غُلَّةً وتعطُّفاً ... إلى الوِرْد إلاّ أَنني أَتجمَّلُ آخر: فيا حبَّذا نجدٌ وطيبُ ترابِه ... إذا هضبته بالعشيِّ هواضِبُهُ وريحُ صَبا نجدٍ إذا ما تنسَّمتْ ... ضُحىً وسرَتْ غِبَّ الظَلامِ جَنائِبُهُ بأجرعَ ممراعِ كأَنَّ رِياحَه ... سَحابٌ من الكافورِ والمِسْكُ شائِبُهْ ابن أبي عيينة: مَرَّتِ اليومَ سافِرهْ ... لصَّةُ العينِ ساحِرهْ إنَّ دُنيا هيَ التي ... تَسحرُ القلبَ ناظرَهْ سَرقوا نصفَ إسمِها ... وهْي دُنيا وآخِرَهْ ابن المعتز: ينسي التجلُّدَ قلبي حين أذكُرهُ ... وتهجُرُ النومَ عَيْني حين أهجُرُهُ وإنْ كتمتُ الهوى أَبدى الهوى نَظري ... والقلبُ يَطوي الهوى والعينُ تنشُرُهُ وما تذكَّرتُه إِلاّ وجدتُ له ... في داخل القلبِ صَوَّاراً يُصوّرُهُ وما قَصرْتُ على تَذكار رُؤيته ... إلاّ استطابَ على قلبي تذكُّرهُ ولا غضِبتُ عليهِ ثمّ أَلحظُهُ ... إلاّ رَضيتُ وقامَ الحبُّ يَعذرُهُ وقال أبو زرعة الدمشقي: خبَّروني أَنْ قد غَضِبْتِ لأَنْ قبَّ ... لْتُ عينَ الرَسولِ لمَّا أَتاكِ ثُم أودعتِ وجْهَهُ ريقَكِ العذ ... بَ، ووجْهي أَحقُّ منه بِذاكِ أكرِميني بما أهَنتِ بهِ الخا ... دمَ لمّا غضبتِ نَفسي فِداكِ قيسٌ: فيا لَهفَ نفسي كلَّما التحتُ لوحةً ... إلى شرْبةٍ من ماءِ أحواض ناصِبِ بَقايا نِطافِ المصدرينَ عشيَّةً ... بمحدورةِ الأَرجاءِ حصرِ النَصائبِ ترقرقَ ماءَ المُزنِ فيهنَّ والتقتْ ... عليهنَّ أنفاسُ الرياحُ الغَرائبِ كثيّر: فقلتُ لها عُزيزَ مطلتِ دَيْني ... وشرُّ الغانياتِ ذَوو المِطالِ فقالت: وَيحَ غيرِكَ كيف أَقضي ... غريماً ما ذهبتُ له بمالِ الواسطي: يامن يُسائلُ أينَ حلَّ حبيبُهُ ... جهلاً، ويترُكُهُ لبعدِ مزارِهِ لو كان قلبُك صادقاً في حبِّهِ ... رَحَلتْ بكَ الأشواقُ في آثارهِ إن سارَ سِرتَ وإن يُقمْ لم تتخذْ ... وطناً سوى وطنِ الحبيبِ ودارِهِ لا كنتُ حين أقولُ أينَ قرارهُ ... أينَ الخليطُ جَهالةً بِقرارهِ وقال الأقرع بن معاذ: أقولُ لِمفتٍ ذاتَ يومٍ لقيتُهُ ... بمكَّةَ والأنضاءُ مُلقىً رِحالُها فَديتُكَ خبِّرني عن الظبيةِ التي ... أَضرَّ بجسمي مُنذُ حينٍ خيالُها فقال: بلى واللهِ أن سيصيبُها ... مِن اللهِ بَلوى في الحياةِ تَنالُها فقلتُ ولم أملكْ سوابِقَ عَبرةٍ ... سَريعٍ على جيْبِ القميصِ انهمالُها عفا اللهُ عَنها كلَّ ذنبٍ ولُقِّيتْ ... مُناها، وإن كانت قليلاً نوالها آخر:

стр. 53

ودَّعينَي لسفرهْ ... بِلحظةٍ مِن نظرِهْ لم يستطعْ لي غيرَ ذا ... لِخَوفِهِ وحذَرِهْ يا ربِّ ما أقبَحَني ... مُسائلاً عن خبرِهْ ابن وهيب: للقلبُ يَحسُدُ عيني لذَّةَ النظرِ ... والعينُ تحسُدُ قلبي لذَّةَ الفِكَرِ تَشاغلا فأضرَّاني وما نفَعا ... وعَلَّقا بِلِساني عُقلَةَ الحَصرِ كثيِّر: أقيمي فإنّ العمرَ يا عزَّ بعدكم ... إليَّ إذا ما بِنتِ غيرُ جميلِ أُريدُ لأَنسى ذكرَها فكأنَّما ... تَمثَّلُ لي ليلى بكلِّ سَبيلِ مسلم بن الوليد: سقى اللهُ أياماً لنا لسْنَ رُجَّعا ... وسَقياً لِعصرِ العامِريَّةِ من عصرِ ليالي أَجرَرتُ البَطالةَ مِقودي ... تمُرُّ الليالي والشُهورُ ولا أدري جميل: أَلا ليتَ قلبي عن بُثينةَ يذهلُ ... ويبدو لهُ الهجرانُ أوْ يتبدَّلُ فتؤذِنَنا بالصّرمِ أو ينثني الهوى ... على دَنِفٍ قد كادَ بالصّرمِ يَخزلُ بعثتُ إليها صاحبِِي برسالةٍ ... وذو الحاجِ مبعوثٌ إليه ومُرسلُ فقالتْ بأخفى ما يكونُ: أَلا ترى ... مُكوكبَهم حوْلي أشاوسُ جُهَّلُ فقلتُ: أَرى قوماً تَغشاهُمُ الكَرَى ... فهمْ منهُ صَرعى لا يهُبُّونَ كسَّلُ فإن أرَ مِنهمْ كالهُبوبِ أفُتهُمُ ... وأسبقْهُمُ إنْ كانَ لي مُتمَهَّلُ فإن يأخُذوني عندَ بيتِك يَعلَموا ... بأنِّي مَشبوحُ الذِراعيْن جُلْجُلُ ابن ميادة: مَوانعُ لا يعطينَ حَبَّةَ خَردلٍ ... وهُنَّ دوانٍ في الحديثِ أوانسُ ويكرهنَ أنْ يَسمعنَ في الحبِّ ريبةً ... كما كَرهتْ صوتَ اللِّجامِ الشَّوامسُ العلويّ: بِأبي الذي أنا في لَذاذةِ حُبِّهِ ... مُستقصرٌ أعمارَ سَبعةِ أنْسُرِ مَدَّ الهوى بيْني وبينكِ غايةً ... أَقصى مَداها خَلفَ يومِ المَحشَرِ فروة ابن حميضة: آهٍ من البارقِ الذي لمَعَا ... ماذا بِقلبي ومُقلَتي صَنَعا أَهيمُ في الطُرقِ شِبهَ والهةٍ ... لعلَّ عيني عَليكِ أَنْ تَقَعا الموصليُّ: راحوا ورحنا على آثارهم أُصُلاً ... مُحمَّلينَ مِن الأحزانِ أوقارا كأنَّ أنفُسَنا لم ترتحِلْ أَبداً ... أو سِرْنَ في أوَّلِ الحيِّ الذي سارا ابن طاهر: قد تحذَّرتُ والحذَرْ ... ليسَ يُنْجي مِنَ القَدَرْ ليسَ من يكتُمُ الهوى ... مِثْلَ من باحَ واشْتَهرْ إنَّما يَعرِفُ الهوى ... منْ على مُرِّهِ صَبَرْ نَفسُ يا نفسُ فاصبْري ... إنَّهُ من صَبَرْ ظَفرْ وقال: قامتْ تُودِّعُنا والعينُ ساكِبَةٌ ... كأنّ إِنسانَها في لُجَّةٍ غَرقُ ثم استدارَ على أرجاء مُقلتِها ... مُبادِراً سَلساً كالدُرِّ يَستَبِقُ كأَنه حين فار المأْقِيانِ به ... دُرٌّ تَحدَّرَ من أسلاكِهِ نَسَقُ الحسن بن وهب: لا وحُبّيك لا أُصا ... فِحُ بالدَّمعِ مَدمَعا من بكى شَجوَهُ تَعزّى ... وإنْ كان مُوجَعا ابنُ الروميّ: ولمَّا أَزمَعوا بيناً وشدّوا ... هَوادِجَهم بأثناءِ النُسوعِ تلاقَيْنا لقاءً لافْتِراقٍ ... كِلانَا منه ذو قلبٍ مَروعِ فما افْترَّتْ شَفاهٌ عن ثغور ... بل افْترَّتْ جفونٌ عن دموعِ عبد الله بن أبي الشّيص: جَعلتْ تُواصِلُ بالدُموعِ دُموعا ... جَزَعاً ولم تَكُ قبلَ ذاكَ جَزوعا وجرى لها دمعٌ يُعصْفُرهُ دمٌ ... في صَحن وجنتِها فعاد نجيعا فكأنَّه خَرزُ العَقيقِ مُفَصَّلاً ... بالدُّر يُحسَبُ سِلكُهُ مقطَوعا ابن مناذر: كانوا بعيداً فكنتُ آملُهم ... حتى إذا ما تقاربوا هجروا فالبعدُ مِنهمْ على جفائِهمُ ... أَنفعُ من هَجرِهم إذا حَضروا إبراهيمُ بنُ العبّاس: ألا لا يضرُّ النفسَ هجرانُ ذي الهوى ... إذا غالَهُ صرفُ النّوى ومقادرُهْ ولكنَّ مثلَ الموتِ هجرانُ ذي الهوى ... حِذارَ الأَعادي والحبيبُ مُجاورُهْ الأحوص: يا بيتَ عاتكةَ الذي أتغزَّلُ ... حَذرَ العِدى وبهِ الفؤادُ موكَّلُ

стр. 54

هل عيشُنا بكَ في زمانِكَ راجعٌ ... فلقد تفاحشَ بعدَكَ المتَعلِّلُ أصبحتُ أمنحُكَ الصدودَ وإنني ... قَسماً إليكِ مع الصدودِ لأميلُ ولقد نزلتِ من الفؤادِ بمنزلٍ ... ما كانَ غيرُكِ من حبيبٍ يَنزلُ ولقد شكوتُ إليكِ بعضَ صَبابتي ... وَلمَا كَننتُ من الصَبابةِ أفضلُ إنَّ الشبابُ وعيشَنَا اللذَّ الذي ... كُنّا به زمناً نُسَرُّ ونَجْذلُ ذهبتْ بشاشتُه وأصبح ذِكرُه ... شَجَناً يُعلُّ بِهِ الفُؤادُ ويُنْهَلُ أَودى الشبابُ وأخلقتْ لذَّاتُه ... وأَنا الحزينُ على الشَبابِ المُعولُ أبكي لِما قَلب الزمانُ جديدَهُ ... خَلقاً وليس على الزَمانِ مُعوَّلُ إبراهيم بن العبَّاس: دَنتْ بأُناسٍ عن تَناءٍ زيارةٌ ... وشَطَّ بِلَيْلى عن دُنوٍّ مَزارُها وإنَّ مُقيماتٍ بمنقطع اللِّوى ... لأَقرَبُ من ليْلى وهاتِيكَ دارُها كثيِّرٌ: وإني لأَرْضى منكِ ياعَزَّ بالذي ... لو أيقَنهُ الواشي لقرَّت بَلا بِلُهْ بِلا، وبأنْ لا أستطيعُ وبالمُنى ... وبالوعدِ حتى يسأمَ الوعدَ آملُهْ وبالنَظرةِ العَجْلى وبالحَوْلِ تَنْقضي ... أَواخِرُهُ لا نلتَقي وأَوائلُهْ أَنشد: ذكرُ الحَبيبِ بِخاطِري ... هو مُؤنسي ومُسامِري غَرَسَ الهوى شجرَ المُنى ... فحماهُ سِرُّ ضَمائِري وشَمَمْتُ رَيْحانَ الرِضى ... مِن عالمٍ بِسرائري يا مَن شَكرتُ صَنيعَهُ ... زِدْني مَزَيَدَ الشاكِرِ عبد الله بن أبي الشيِّص: ومُعرِضةٍ تظنُ الهجرَ فَرضا ... تَخالُ لِحاظَها للضَّعْفِ مَرضى كأني قد قتلتُ لها قتيلاً ... فما مِني بغيرِ الهَجرِ تَرضى الأشجع: إذا الليلُ أَلْبَسني ثَوبَهُ ... تَقَّلبَ فيهِ فتىً مُوجَعُ وها أنتَ تَبكي وهمْ جِيرةٌ ... فكيفَ تكونُ إذا وَدَّعوا أَتطمعُ في القُرب بعدَ البِعا ... دِ، فَبِئْسَ لَعمرُكَ ما تصنعُ بشَّار: يُعيِّرني في حُبِّ عَبدةَ نِسوةٌ ... قلوبُهم فيها مُخالِفَةٌ قلبي فقلتُ: دَعوا قلبي وما اختارَ وارتضى ... فَبالقلب لا بالعَينِ يُبصرُ ذو اللُبِّ وما تبصرُ العينانِ في موضِعِ الهوى ... ولا تسمعُ الأُذْنان إلاَّ مِن القلبِ وما الحُسنُ إلاَّ ما دَعاكَ إلى الصِّبا ... وألَّفَ بينَ الوُدُّ والعاشِق الصَبِّ ذو الرمَّة: فياميُّ هلْ تجزينَ ودّي بمثلِهِ ... مِراراً وأَنفاسي إليكِ الزوافِرُ وإذْ لا يَنالُ الرَكبُ تَهويمَ ساعةٍ ... مِن الليلِ إِلاّ اعْتادَني مِنكِ زائرُ وأني متى أُشرفْ إلى الجانبِ الذي ... بهِ أَنتِ من بَينِ الخواطرِناظِرُ العبَّاس: تَعبٌ يدومُ لذي الرَّجاءِ مع الهوى ... خيرٌ له مِنْ راحةٍ في اليأسِ لولا محبَّتُكم لمَا عاتَبتُكُمْ ... ولَكُنتُمُ عِندي كِبِعضِ الناسِ وضدُّه ما أنشده الأصمعيُّ: ومَوْلىً كأَنَّ الشمسَ بَيني وبَينَهُ ... إذا ما التقَينا لَستُ ممَّنْ أُعاتبُهْ ولفظه أحسن من لفظ غيره: إذا أبصَرْتَني أَعرَضتَ عنّي ... كأنَّ الشمسَ مِن قبلي تَدورُ وفي بيت المتنبي سوء عبارةٍ: كأنَّ شُعاعَ عينِ الشمسِ فيهِ ... فَفي أَبصارِنا عنه انكِسارُ النَّمري: مَنعوا زيارتَه فمُثِّلَ شخصُهُ ... لِلقلبِ، فهو مُحجَّبُ لا يُحْجَبُ لو كان يقدرُ أن يَبثَّكَ ما بهِ ... لَرأيْتَ أَملحَ عاتِبٍ يتَعتَّبُ الحمّاني: تعزَّ بصبرٍ لا وَجدِّكَ لا تَرى ... عِراصَ الحِمى أُخرى الليالي الغوابِرِ كأنَّ فؤادي مِن تَذكُّرِه الحِمى ... وأَهلِ الحِمى يَهفو به ريشُ طائرِ العباسُ بنُ الأحنف: ظلَّتِ الأحزانُ تكحلُني ... مَضَضاً طارتْ له سِنَتي مِن هَوى ظبيٍ كأنَّ له ... أَرباً بالصَدِّ في ترَتي قد حَمى طَرْفي مَحاسنَه ... وحَمى تَقْبيله شفَتي شَرِكَتْ عَيناهُ ظالِمَةً ... في دَمي يا عِظْمَ ما جنَتِ أعرابي: أقولُ والدَّهْماءُ تَمشي والفصلْ

стр. 55

قَطعَّتِ الأَحداجُ أَعناقَ الإِبلْ آخر: إنَّ لها لَسائقاً خَدَلَّجا غَضيضَ طَرْفِ المُقْلتينِ أَدعَجا لم يدَّلِجْ في الليلِ في من أَدْلجا وقال ابن المُعذَّل: أنّ السرورَ تَصرَّمتْ أيامُهُ ... مِنّي وفارقَني الحبيبُ المُؤْنِسُ حالانِ لا أنفَكُّ من إحداهما ... مُستَعبراً أَو باكياً أَتنفَّسُ ولَمثلهِ بكتِ العيونِ صَبابةً ... ولَمثلهِ حِزِنتْ عليه الأنْفُسُ نصيب: بزينبَ ألمْمْ قبلَ أنْ يَظعنَ الرَكْبُ ... وقُلْ إن تملِّينا فما مَلَّكِ القلبُ وقُلْ إن تُنلْ بالحبِّ منكِ مودةٌ ... فلا مثلَ ما لاقيتُ في حبكْم حُبُ فمَنْ شاءَ رامَ الصُرْمَ أو قال ظالِماً ... لذي وُدِّه ذنبٌ وليسَ لهُ ذنبُ خليليَّ مِن كَعبٍ أَلِمّا هُديتُما ... بزينبَ لا تفقِدْ كُما أبداً كعبُ مِنَ اليومِ زوارها فإنَ ركابَها ... غَداةَ غدٍٍ عنها وعن أهلها نُكْبُ وَقُولا لَها يا أُمُّ عُثمانَ خُلَّتي ... أَسِلْمٌ لنا في حُبِّنا أنتِ أمْ حربُ أبو زرعة الدمشقي: إنَّ حظّي مِمَّن أُحبُّ كَفافُ ... لا صُدودٌ مُقصٍ ولا إسعافُ كلَّما قلتُ قد أَنابتْ إلى الوَصلِ ... ثَناها عمّا أُريدُ العَفافُ فَكأنّي بينَ الوصالِ وبين الهَجرِ ... مِمّن مُقامُهُ الأَعرافُ في محلٍّ بين الجِنانِ وبين النّا ... رِ طوراً أَرجوا وطوراً أَخافُ العلويُّ البصريُّ: أَيا طائِرِ الصَمّانِ مالَكَ مُفرَداً ... تأسَّيتَ بي أم عاقَ إلفَكَ عائقُ أراكَ تَقاضاني لَدى كُلِّ ليلةٍ ... إذا طَفَّلَ الإمساءُ أوَذرَّ شارقُ أحاوَلْتَ إتياني هَوىً قد ضَمِنتُهُ ... لِفقدانِ إلفٍ ذكرُهُ لكَ شائقُ فَبي مثلُ ما تشكو فَدُمْ نَصْطَحبْ معاً ... فإنَّك ذَو عِشقٍ وإنيَ عاشقُ وغنِّ لنا بيتاً من الصوتِ إننّي ... لكَ اليومَ يا بِدْعاً من الطيْرِ وامِقُ ابن دريد: أقولُ لورقاويْنِ في فَرْعِ أَيْكَةٍ ... وقد طَفَّلَ الإمْساءُ أو جَنَح العَصرُ وقد بَسَطَتْ هاتِي لتلكَ جَناحَها ... ومالَ على هاتيكَ من هذه النَحرُ لِيهْنِكُما أنْ لم تُراعا بِفُرقةٍ ... ولم يَسْعَ في تَشْتيتِ شَملِكُما الدهرُ فلمْ أَرَ مِثلي قَطَّعَ الشوقُ قلبَهُ ... على أنَّه يَحْكي قَساوتَه الصخْرُ أبو السَّمْط مَروان: وَلو لمْ يَهجْني الظاعِنونَ لَهاجَني ... حَمائِمُ وُرْقٌ في الدِيارِ وُقُوعُ تَباكَيْنَ فاسْتبكينَ مَن كانَ ذا هوىٍ ... نَوائحُ لم تَقطُرْ لَهُنَّ دُموعُ وإنّي لأُخْفي حُبَّ سَمْراءَ جاهداً ... ويَعلَمُ قَلبي أَنَّهُ سَيشِيعُ أظلُّ كأنّي واحِدٌ بمُصيبَةٍ ... ألَمَّتْ وأهلي سالِمونَ جميعُ سعيدُ بن حميد: فما كانَ حُبّيها لأَوَّلِ نَظرةٍ ... ولا غَمْرةٍ من بَعْدِها فتجلَّتِ وما كنتُ بالباكي على إثرِ مَن مضى ... وإنْ لم تكُنْ من قُربِهِ النفسُ ملَّتِ ولكنّها الدُنيا تولَّتْ فما الذي ... يُسَلّي عنِ الدُنيا إذا ما تَوَلَّتِ وقال ثعلبة بن أوس الكلابي: وما ذو شُقَّةٍ نقضٌ يمانٍ ... بِنجدٍ ظِلَّ مُغتَرِباً نزِيعا يُمارِسُ راعياً لا لينَ فيهِ ... وقيداً قد أضرَّ بهِ وَجيعا إذا ما البرقُ لاحَ له سَناهُ ... حِجازياً سَمِعتَ له سَجِيعاً بِأكثرَ لوعةً مني ووجْداً ... لو أنّ الشملَ كانَ بِنا جَميعا عبد الملك بن حبيب: ألا ليتَ شِعري هلْ أبيتنَّ ليلةً ... بِسلْعٍ، ولم تُغلقْ علي دُروبُ وإني لأَرعىَ النَّجمَ حتى كأنّني ... على كُلِّ نَجمٍ في السَماءِ رَقيبُ وأشتاقُ للبرق اليَماني إذا بَدا ... وَيزدادُ شوقي أن تهبَّ جَنوبُ فما صَدَعٌ أَحمى الرُماةُ مَثابَهُ ... مِنَ الماءِ حتى فرَّ وهو شَذِيبُ يرى الموتَ دونَ الماءِ لا يَستطيعُهُ ... يحومُ على أرجائهِ ويَلوبُ بأوجدَ بالماء الزُلالَ تَلُفُّهُ ... إضاءُ فلاةٍ بينهنَّ لُهوبُ

стр. 56

مِن الهائمِ المُشتاقِ قد شَفَّ جِسمَهُ ... دواعي الهَوى تَغدو لهُ وتَؤؤبُ وقال أبو الشِّيص: وصِرْتُ مُطَّرَحاً في شرِّ مَنزِلةٍ ... بينَ الظُنونِ وبين الشكِّ والياس ابن الدمينة: أحبُّ بِلادِ اللهِ ما بينَ مَنْعجٍ ... وحرَّةِ سَلمى أنْ يَصوبَ سَحابُها بلادٌ بها حلَّتْ عليَّ تَمائمي ... وأوَّلُ أرضٍ مَسَّ جِلدي تُرابُها ابن الرومي: وَلي وطنٌ آليتُ أَلاَّ أَبيعَهُ ... بشئٍ ولا أَلقى لهُ الدهرَ مالِكا عَهِدتُ به شرخَ الشبابِ ونِعمةً ... كَنعمةِ قوْمٍ أصبحوا في ظِلالِكا وقَد ألِفتْهُ النفسُ حتى كأنهُ ... لها جسدٌ إن غابَ غودِرْتُ هالكا وحبَّبَ أوطانَ الرِجالِ إليهمُ ... مَآربُ قضَّاها الشبابُ هنالِكا إذا ذَكروا أَوطانَهم ذكَّرَتْهُمُ ... عُهودَ الصِبا فيها فحنّوا لِذَلِكَا الأخطل: ولو أبْصرتني دَعدُ في وَسْطِ زَورقٍ ... وقد هاجَتِ الأرواحُ من كلّ جانِبِ ونفسي على مِثل السِنانِ مُقيمةٌ ... لِما أحدَثَتْ في الماءِ أيدي الجَنائبِ إذاً لَرَأَتْ مني كئيباً مُتَيَّماً ... يَحنُّ إليها عندَ تلكَ النَوائبِ ويذكُرُ منها وَصلَها وحديثَها ... على حالةٍ تُنسي وِصالَ الحَبائبِ العبّاس: الله يعلمُ ما تركي زيارَتَكُمْ ... إِلاَّ مَخافَةَ أَعْدائي وحُرّاسي وَلو قَدرْتُ على الإتْيانِ زُرْتُكُمُ ... سَحْباً على الوَجهِ أو مشياً على الراسِ أبو العتاهية: قولا لِعُتْبَةَ يا ابْنَةَ الشَّمسِ ... عَذَّبتني بالمَطْلِ والحَبْسِ إِني لَفي كِتمانِ حُبَّكُمُ ... كَمُطَيِّنٍ يا عُتْبَ للشَّمْسِ العبّاس: أُحرَمُ منكُمْ بما أقولُ وقدْ ... نالَ بِهِ العاشِقونَ من عَشِقوا صِرْتُ كأَني ذُبالَةٌ نُصِبَتْ ... تُضئُ للنّاسِ وَهْي تَحْتَرِقُ أنشد ثعلب، ويروي لمحارم: طَرَقَتْكَ زينبُ والرِكابُ مُناخةٌ ... بِجَنوبِ يَثْرِبَ والنّدى يتصبَّبُ بثنيَّةِ العلَمين وَهناً بَعدما ... خَفَقَ السِماكُ وعارضتْهُ العَقْرَبُ أَنَّى اهْتديتِ ومن هداكِ وَدوننا ... حَملٌ فَقُلَّةُ عالجٍ فالمَرْقَبُ فتحيةٌ وكرامةٌ لِخيالِها ... ومَعَ التحيةِ والكرامةِ مَرْحبُ وزعمتِ أهلَكِ يمنعونكِ رَغبةً ... عنَّي فأهلي بي أضنُّ وأرغبُ أوَ ليس لي قُرْبى إذا أقصيتني ... حَدَبوا عليَّ وعِندي المُتعَتَّبُ فَلَئنْ دنوتِ لأدْنُونَّ بعِفَّةٍ ... ولَئِنْ نأيْتِ لَمَا وَرائي أرْحَبُ يَأبى وجدِّكِ أن أكونَ مقصِّراً ... عقلٌ أعيشُ به وقلبٌ قُلَّبُ آخر: إنَّ التي هامَ بها النفسُ ... عاوَدها من سُقمها النُكْسُ كانتْ إذا ما جاءَها المُبْتَلى ... أبْرأهُ من كفِّها اللَّمسُ وابأبي الوجهَ المليحَ الذي ... قد حَسَدتْه الجِنُّ والإنْسُ إن تكُنِ الحُمّى أضرَّتْ بهِ ... فرُبَّما تنكَسِفُ الشَمسُ المصعبي: بموضِع أظعانِ اللِّوى ومحلِّهم ... وآثارِ آياتِ الطُلول الدَوارسِ وبالعهدِ إلاَّ للمحبَّةِ والهوى ... تَنفَّسْتُ وجداً إثرَ تلكَ المَجالِسِ بشار: حَوراءُ ألبسَها النعيمُ ثيابَهُ ... كَمُلتْ فكانتْ فوقَ وصفِ المُفرِطِ ولقد لهوْتُ بها فلم أُظهرْ لها ... سُوءاً ولم أهبِطُ جميعَ المَهبطِ ديك الجنَّ: أما والذي أصفاكِ مني مَوَدَّةً ... وحُباً لكُمْ في حبَّةِ القلبِ يُغرَسُ لَئنْ ظلَّ لي من فقدِ وجهكِ مُوحِشٌ ... لقد ظلَّ لي من طولِ ذِكْرِكِ مُؤنسُ أُناجيكِ بالأوهامِ حتى كأنَّما ... أراكِ بَعْينيْ فِكْرتي حينَ أَجْلِسُ ابن الدمينة: وفي الدمنةِ البيضاءِ إنُ رُمتَ أهلَها ... مَهاً مُهملاتٌ ما عليهنَّ سائسُ خَرجن لحبِ اللهِ في غيرِ ريبةٍ ... عَفائِفَ باغي اللهو منهُنَّ بائِسُ يَردْن إذا ما الشمس لم يُخشَ حرُّها ... خِلالَ بساتينِ خَلاهنَّ يابِسُ

стр. 57

إذا الحرُّ آذاهُنَّ لُذْنَ بِغينَةٍ ... كَما لاذَ بالظِلِّ الظباءُ الكوانِسُ ابنُ مُناذِر: يَقولونَ لا تَنظُرْ، فتلكَ بَليَّةٌ ... ألا كُلُّ ذي عَيْنينِ لا بُدَّ ناظرُ وَهل في اكتِحالِ العينِ بالعينِ ريبةٌ ... إذا عفَّ فيما بينهُنَّ السرائرُ أبو الشيّص: أما يُحْسِنُ من يُحْسِنُ ... أنْ يغْضَبَ أنْ يرضى أما يَرضى بِأنْ صِرْتُ ... على الأرضِ لهُ أَرضا حميد بن ثور: لم أَلْقَ عمرةَ بعدَ إذ هيَ ناشئٌ ... خَرَجَتْ مُعطَّفةٌ عليها مِئْزرُ برزَتْ عقيلةَ أَربعٍ هاديْنَها ... بيضِ الوُجوهِ كأنَّهُنَّ العبقَرُ ذهبتْ بعقلِكَ رَيطَةً مَطويَّةً ... وهيَ التي تُهْدى بها لو تنشرُ فَهمَمْتُ أنْ أغشى إليْها محجراً ... ولمثلُها يُغشى إليها المَحْجِرُ آخر: أرْعشُ إنْ أبصرْتُهُ مُقبِلاً ... كأنَّما تَرجُفُ بي الأرضُ عَلامةُ العاشِقِ في وَجهِهِ ... رَعْدتُهُ والنظرُ الخَفْضُ آخر: أَلا يا عِبادَ اللهِ هذا أخوكُمُ ... قتيلاً فهلْ مِنكُمْ له اليومَ ثائرُ خُذوا بِدَمي إن مِتُّ كُلُّ خريدةٍ ... مريضةِ جَفْنِ العينِ والطَّرْفُ ساحرُ آخر: وَلوْلا الدمعُ حينَ يهيجُ شَوقٌ ... لأَوْدى العاشِقونَ من الزَفيرِ ولكنْ في الدموعِ لهم شِفاءٌ ... إذا ما الحُبُّ ألهبَ في الصدورِ ابن المعذَّل: مثلُكِ في الأرضِ وَبي غفْلًةٌ ... حتى كأني لستُ في الأرضِ حُبُّكِ فَرضٌ وأرى قُوَّتي ... تعجِزُ عنْ تَأدِيَةِ الفرضِ الصنوبريُّ: كَمْ تَفي ثم تُعرِضُ ... وتداوي وتُمرِضُ ناهياً عن هواكَ مِنْ ... حيثُ تَنْهى تُحَرِّضُ أترى كلَّ من يَحبُّ ... من الخَلْق يُبْغَضُ لِيَ دَمعانِ:مُذْهَبٌ ... ذا وَهذا مُفَضَّضُ إبراهيمُ بنُ العبّاس وأحْسنَ ما شاءَ: كَمْ قد تجرَّعْتُ من غّمٍ ومن حَزَنٍ ... إذا تجدَّدَ غمٌّ هوَّنَ الماضي وكمْ غَضِبْتُ فما بالَيْتُمُ غَضبي ... حتى انصَرَفْتُ بقلبٍ ساخطٍ راضِ آخَرُ: لو لي لسانٌ عليكَ منبسِطُ ... كنتُ أُجازيكَ حينَ تَختلطُ لكن لساني إذا استعنتُ بهِ ... يعتادهُ من مهابةٍ غلطُ تيهٌ وصدٌ وسطوةٌ وقلىً ... أكلُ هذا عليَّ مشترطُ ما أنصفَ الدهرُ في تصرُّفهِ ... هذا كئيبٌ وذاك مغتبطُ إسحاق الموصلي: كأنَّي لم أرحْ للهو يوماً ... ولم أسبِّ المخبَّأةَ الكعابا كما نسمتْ يمانيةٌ جنوبٌ ... فهاجَ نسيمها إبلاً طرابا عمر بن أبي ربيعة: أبرزوها مثلَ المهاةِ تهادى ... بين عشرٍ كواعبٍ أترابِ ثم قالوا: تحبُّها؟ قلتُ: بهراً ... عدد الرَّملِ والحصى والترابِ الأحوص: إذا رمتْ عنها سلوةً قال شافعٌ ... من الحبِّ ميعادُ السلوِّ المقابرُ ستبقى لها في حبَّةِ القلبِ والحشا ... سريرة حبٍّ يومَ تبلى السرائرُ النوفلي: ما كنتُ أيَّام كنتِ راضيةً ... عنَّي بذاكَ الرضى بمغتبطِ علماً بأنَّ الرضى سيتبعهُ ... منكِ صدودٌ لكثرةِ السخطِ فكلُّ ما ساءني فعنْ عمدٍ ... وكلُّ ما سرَّني فعنْ غلطِ عروة: أمنصدعٌ قلبي من البينِ كلَّما ... ترنَّمَ هدَّالُ الحمامِ الهواتفِ سجعنَ بلحنِ يصدعُ القلبَ شجوهُ ... على غيرِ علمٍ بافتراقِ الألايفِ ولو نلتُ منها ما يوازنُ بالقذى ... شفى كلَّ داءٍ في فؤادي حالفِ ابن المعذل: ما إنْ ذكرتكَ في قومٍ أجالسهمْ ... إلاَّ تجدَّد من ذكراكَ بلوائي ولا هممتُ بشربِ الماءِ من عطشٍ ... إلاَّ وجدتُ خيالاً منكَ في الماءِ ولا حضرتُ مكاناً لستَ شاهدهُ ... إلاَّ وجدتُ فتوراً بينَ أعضائي حسبي ودادكَ من خفضي ومن دَعتي ... ومِن سروري ومن ديني ودنيائي عمر بن أبي ربيعة: قلتُ وجدي بها كوجدي بالما ... ءِ إذا ما منعتُ بردَ الشرابِ وهي مكنونةٌ تحيَّرَ منها ... في أديمِ الخدَّينِ ماءُ الشبابِ ابن المعذل:

стр. 58

عذركَ لي عندي مبسوطُ ... والعتبُ عن مثلكِ محطوطُ ليس بمسخوطٍ فعالُ امرئٍ ... كلُّ الذي يفعلُ مسخوطُ الحسين بن الضحاك: بعضي بنارِ الوجدِ ماتَ حريقا ... والبعضُ منيَّ بالدموعِ غَريقا لم يشكُ عشقاً عاشقٌ فسمعتهُ ... إلاَّ ظننتكَ ذلكَ المَعْشوقا الخزيمي: يا ويحَ من منعَ الحذارُ قراره ... فغدا وراحَ بروعةِ الإشفاقِ نفسي الفداءُ لخائفٍ مترقِّبٍ ... جعلَ الوداع إشارةً لعناقِ إذ لا جوابَ لمفحمٍ متحيِّرٍ ... إلاَّ الدموعُ تصانُ بالإطراقِ العرجي: باتا بأنعمِ ليلةٍ حتى إذا ... صبحٌ تلوَّحَ كالأغرِّ الأشقرِ فتلازما ثوبيهُما عندَ النوى ... أخذَ الغريمُ ببعضِ ثوبِ المعسرِ المجنون: يا سرحةَ الدوِّ أينَ الدوُّ واكبِدا ... نفسي تذوبُ، وبيتِ الله، من حسرِ لا زال ظلُّكِ معموراً تفئ بهِ ... تحت الهواجرِ غيدٌ، ناعم الخصرِ فينانَ ينشرُ في خيطانهِ قضباً ... سكرى تفيّأ بالنوَّارِ والزهرِ ها أنتِ عجماءُ عن نطقٍ لسائلكمْ ... ما للمنازلِ لم تنطقْ ولم تحرِ يا قاتلُ اللهُ غزلاناً قرعنَ لنا ... حبَّ القلوبِ بما استودعنَ من حورِ عنَّت لنا وعيونٌ في براقعها ... مكسوةٌ مقل الغزلانِ والبقرِ إذا رنت ظبيةٌ منها تخيَّلها ... ليلى إذا ما رنتْ والوجهُ كالقمرِ باللهِ يا ظبياتِ القاعِ قلنَ لنا ... ليلاي منكنَّ أم ليلى من البشرِ يا ما أميلحَ غزالاناً شدنَّ لنا ... من هؤليَّاء بين الضالِ والسمرِ الموصلي: إقرأ السلامَ على الذُّلفاءِ إذ شحطتْ ... وقل لها: وقد أذقت القلبَ ما خافا فما وجدتُ على إلفٍ فجعتُ بهِ ... وجدي عليكِ وقد فارقتُ ألاَّفا أبو حية النميري: إذا أخذت بعد امتتاع من الكرى ... أنابيب َمن عودِ الأراكِ المخلَّقِ سقت شعثَ المسواكِ ماءُ غمامةٍ ... فضيضاً بخرطومِ الرحيقِ المعتَّقِ وإن ذقتَ فاها بعدما يسقطُ النّدى ... بعطفيْ بخنداةٍ رداح المنطَّقِ شممتَ عرارَ الطلِّ بعد هيميمةٍ ... وريحَ الخزامي في الندى المتفرِّقِ شرقتَ بريّا عارضيها كأنّما ... شرقتَ بجاديِّ الشرابِ المروَّقِ وقال عبد الله بن طاهر: خليليَّ للبغضاءِ حالٌ مبينةٌ ... وللحبِّ آياتٌُ ترى ومعارفُ فما تنكرُ العينانِ فالقلبُ منكرٌ ... وما تعرفُ العينانِ فالقلبُ عارفُ سلم الخاسر: إني لأستحيي من الله أنْ أرى ... رديفاً لوصلٍ أو عليَّ رديفُ وإني للماءِ المُخالطهِ القذى ... إذا كثرتْ ورَّادهُ لعيوفُ أبو الشيّص: ولي مقلةٌ إنسانها يلبسُ الدجى ... وآخرُ في بحرِ الدموعِ غريقُ على أنها تأوي طروقاً مع الكرى ... خيالاً له بينَ الجفونِ طريقُ ابن الرُّومي: وأجيلُ فكري في هوا ... كِ بلا لسانِ ناطقِ أدعوا عليكِ بحسرةٍ ... من غيرِ قلبٍ صادقِ أبو قيس بن الأسلت: ويكرمنها جاراتها فيزرنها ... وتعتلُّ عن إتيانهنَّ فتعذرُ وليسَ بها أن تستهينَ بجارةٍ ... ولكنَّها من ذاك تعيا وتحصرُ الأشجع: من يكُ يهواكَ على شبهةٍ ... فإنَّني في ذاكَ مستبصرُ الأشجع: سأمنعُ عيني أن تلذَّ بنظرةٍ ... وأشغلها بالدَّمعِ عن كلِّ منظرِ معن بن زائدة: يحنُّ إلى الألاّفِ قلبي وإنَّهُ ... إذا شاءَ عن ألاَّفِه لصبورُ أبيتُ أناجي الهمَّ حتى كأنَّني ... بأيدي عداةٍ ثائرين أسيرُ وأرعى نجومَ الليلِ حتى كأنَّما ... يشيرُ إليها بالبنانِ مشيرُ لعلَّ الذي لا يجمعُ الشملَ غيرهُ ... يديرُ رحى شعبِ الهوى فتدورُ فتسكن أشجانٌ ويلقى أحبَّةٌ ... ويورقَ غصنٌ للسرورِ نضيرُ الشَّلغماني: يا نصيرَ الهوى أعرني دموعاً ... إنَّ دمعي أفناه يوم الفراقِ تركتني النوى أذلَّ من الأر ... ض، وأبلى من يابس الأوراقِ أشربُ الكأسَ وهي تشربُ روحي ... بمزاجٍ من دمعي المهراقِ

стр. 59

ما أشدَّ الفراقَ يومَ الفراقِ ... عند ليِّ الأعناقِ بالأعناقِ مصعب بن عبد الله الزبيري: ألا أيّها القلبُ الذي كلَّ ليلةٍ ... به من هوى ما لا ينالُ غليلُ هل أنتَ مفيقٌ؟ إنَّ في اليأسِ راحةً ... وإنَّ غناءَ الوجدِ عنكَ قليلُ اللاَّحقي: لم أنسَ يومَ الرحيلِ موقفها ... وطرفُها في دموعها غرقُ وقولها والركابُ سائرةٌ ... تتركنا هكذا وتنطلقُ البسّامي: يا مانعَ العين طيبَ رقدتها ... ومانحَ النفسِ كثرةَ العللِ علّمني حبك الوقوف على الضَّيم ... وقطعَ الأيامِ بالأملِ ابن عرفة: ربَّ ليلٍ سهرتُ في ظلمائهْ ... كاد يقضي عليَّ قبلَ انقضائهْ يا عنيفاً بعبدهِ لو تراهُ ... واضعاً كفَّهُ على أحشائهْ وهو يدعوك مبدئاً ومعيداً ... هب لقلبي الشِّفاءَ من بلوائهْ لتيَّقنتَ أنه بك صبٌ ... وكشفتَ البلاءَ عن حوبائهْ ابن كيغلغ: قلبي إليكِ مشوقُ ... من حبِّه ما يفيقُ أَلقيتِ فيه حريقاً ... فليس يُطفا الحريقُ وكنت أصبرُ حتى ... حملتُ مالا أُطيقُ والصَّبر عونٌ ولكنْ ... مالي إليه طريقُ وقال العلويُّ الكوفيُّ: إنّي سألتكِ باختلا ... سِ الطَّرفِ من خلل السجوفِ وبما جنتْ تلكَ العيو ... نُ على القلوب من الحتوفِ وبماءِ لؤلؤةٍ جرى ... في ماءِ ياقوتٍ مدوفِ وبحيرةِ الأجفانِ عن ... دَ تضايقِ الدَّمعِ الذروفِ أن تبعدي ضنَّ البخي ... لِ وغلظةَ المولى العسوفِ وقال آخر: فتمنَّيتُ أنْ أرا ... كَ فلّما رأيتُكا غلبتْ دهشةُ السرو ... ر فلم أملكِ البُكا وقال عمارة: ولمّا بدتْ عيرهمْ للنّوى ... وظلَّتْ بأحداجهمْ ترتكُ ضحكتُ من البينِ مستعبراً ... وشرُّ الشدائدِ ما يضحِكُ ابن المعذَّل: أبدى له إلفهُ تذلُّلَه ... وشفَّهُ شوقهُ فأنَّ لهُ وانقادَ للسُّقم بعد صِحَّتهِ ... حتى برى جسمهُ فأنحلهُ وخطَّ إذا غابَ عنهُ مؤنسهُ ... في كفِّه شبههُ فمثَّلهُ فكلَّما غالهُ تشوُّقه ُ ... مال إلى كفِّهِ فقبَّلهُ سلمٌ الخاسر: مالي على الخطراتِ لا أنساها ... وأرى محاسنها ولستُ أراها ويظلُّ يلحاني العذولُ سفاهةً ... وكأنّما يعني العذولُ سواها البسَّامي: أبي الدمعُ أن يرقا وجسمي أنْ يبقى ... فما ضرَّ من ملَّكتهُ الرقَّ لو رقّا جعلتكَ لي مولىً أقرُّ بملكه ... فجدْ لي بإنصافٍ إذا لم ترَ العتقا أعيذكَ أن تلقى من الحبِّ ما ألقى ... وإن حلتَ عن وصلي وأشتمتَّ بي الخلقا أفي العدلِ إن ملّكتَ حسناً وبهجةً ... وأنتَ به تحظى وقلبي به يشقى الأقرع بن معاذ: أحببتها فوقَ ما ظنَّ الرجال ُ بنا ... حبَّ العلاقةِ لا حبّاً عن الخبرِ حتى إذا قلتُ: هذا الموتُ أدركني ... ثبت الجنانِ ربيطَ الجأشِ للقدرِ يهتزُّ في مرطها متنٌ إذا طَّردتْ ... حكى تأوَّد غصنِ البانةِ النضرِ ياحبَّذا المستقى من فيكِ يبعثهُ ... ماءُ الأراكِ حلا عن باردٍ خصرِ وقال هدبة بن الخشرم: ولما دخلتُ السجنَ يا أمَّ مالكٍ ... ذكرتُكِ والأطرافُ في حلقٍ سمرِ وعند سعيدٍ غيرَ أني أبحْ ... بذكراك إنَّ الأمرَ يذكرُ بالأمرِ آخر: أشرفتْ فوقَ قصرها ثم قالتْ ... جعل اللهُ والديَّ فداكا كلُّ أنثى غيري عليكَ حرامٌ ... وعليَّ من الرجال كذاكا حرُّ وجهي من الثرى لك نعلٌ ... قدَّ للنعلِ من فؤادي شراكا جرير: أتعرفُ رسمَ الدار غيَّره البلى ... ومرُّ رياحٍ قد تهبُّ أعاصرهْ بها قد أرى سلمى، وسلمى بخيلةٌ ... تراعي مهاً عيناً حساناً محاجرُهْ أوانسُ لا يصطدنَ إلاّ خلابةً ... وللوحشُ مصطادٌ تصادُ غرائرهْ قيس بن ذريح: فإنْ تكنِ الدنيا بلبنى تقلَّبت ... فللدهر والدنيا بطونٌ وأظهرُ لقد كان فيها للأمانةِ موضعٌ ... وللكفِّ مرتادٌ وللعين منظرُ

стр. 60

وللحائم العطشانِ ريٌّ بكفِّها ... وللمرح الذيَّال خمرٌ ومسكرُ كأنَّي في أرجوحةٍ فوق أجبلٍ ... إذا ذكرةٌ منها على القلبِ تخطرُ ابن الزيّات: نفسٌ تدمى مسالكهُ ... وأنينٌ لستُ أملكهُ لهوىً لي بتُّ أكتمهُ ... وعواصي الدمعِ تهتكهُ ابن المعتز: ألا فاسألوا مقلتي مالها ... فقد غيَّرتْ عبرتي حالها تلامُ على أن بكتْ شجوها ... وهل يصلحُ الدمعُ إلاّ لها المخزومي: أيُّ محبٍ فيك لم أحكهِ ... وأيُّ ليلٍ فيك لم أبكهِ إن كان لا يرضيك إلاّ دمي ... فقد أذنّا لكَ في سفكهِ ما شئتَ فاصنعْ غيرَ سترِ الهوى ... بالله، لا تحرصْ على هتكهِ وقال محمد بن عبد الرحمن الكوفي: أمزمعةٌ للبينِ ليلى ولم تمتْ ... كأنَّك عمّا قد أظلَّكَ غافلُ ستعلمُ إن شطَّت بهمْ غربةُ النوى ... وساروا بليلى أنَّ صبركَ زائلُ أعرابي: أفي كلِّ يومٍ أنت من لاعج الهوى ... إلى الشمِّ من أعلامِ ميلاءَ ناظرُ بعمشاءَ من طولِ البكاءِ كأنّما ... بها رمدٌ أو طرفها متحازرُ تمنّى المنى حتى إذا ملَّت المنى ... جرى واكفٌ من دمعها متبادرُ كما أرفضَّ سمطٌ بعد ضمٍ يضمُّهُ ... بخيطِ الفتيل اللؤلؤُ المتناثرُ جرير: أمّا الحبيب فلا أملُّ حديثه ... وحديثُ من أبغضته مملولُ ويرى المحبُّ على الحبيبِ ملاحةً ... والطرفُ من دون البغيضِ كليلُ أبو العميثل: ألا هل إلى نصَّ النواعج بالضحى ... وشمَّ الخزامى بالعشىِّ سبيلُ بلادٌ بها أمسى الهوى غير أنَّني ... أميلُ مع المقدارِ حيثُ يميلُ الأشجعي: فلّما أن دنا منّا ارتحالٌ ... وقرِّبَ ناجياتُ السيرِ كومُ تحاسر واضحاتٌ اللونِ غرٌ ... على ديباجِ أوحهها النعيمُ فجئن مودِّعاتٍ والمطايا ... لَدى أكوارها خوصٌ هجومُ فقائلةٌ ومثنيةٌ علينا ... تروعُ ومالها فينا حميمُ مشيعة الفؤاد ترى هواها ... وقرَّة عينها فيمن يقيمُ تعدُّ لنا الشهور وتحتصيها ... متى هو حائنٌ منا قدومُ وأخرى لبُّها معنا ولكن ... تجلَّدُ وهي واجمةٌ كظومُ متى تر غفلة الواشين عنها ... تجد بدموعها العين السَّجومُ فكم في تلعةٍ بين المصلّى ... إلى أحدٍ إلى ما حاز ريمُ إلى الجمَّاء من وجهٍ أسيلٍ ... تقيِّ اللونِ ليس به كلومُ الحسينُ بن الضحَّاك: يا صاحبيَّ دعا الملامةَ إنَّما ... شرُّ الملامة أن يلامَ الموجعُ أألامُ في طلبِ الأحبةِ بعدما ... حنَّتْ من الطربِ الحمامُ النزَّعُ ابن داود: يا ويحَ من ختل الأحبَّةُ قلبهُ ... حتى إذا ظفروا به قتلوهُ عزّوا ومالَ به الهوى فأذلَّهُ ... إنَّ العزيزَ على الذليلِ يتيهُ أنظرُ إلى جسدٍ أضرَّ به الهوى ... لَولا تقلُّبُ طرفهِ دَفنوهُ من كان خلواً من تباريح الهوى ... فأنا الهوى وحليفهُ وأخوهُ أعرابي: وواضحة المقلَّد أمُّ طفلٍ ... تذكِّرني سليمى مقلتاها إذا نظرتْ عرفتُ النحرَ منها ... وعينيها ولم نعرفْ سواها صدرتُ بصحبتي أن يذعروها ... بمحنيةٍ ترودُ إلى طلاها كرهنا أن نفزِّعها فقلنا ... أشلَّ الله كفَّي من رمادها خالد: جسمي معي غير أنَّ الروحَ عندكمُ ... فالجسمُ في غربةٍ والروح في وطنِ فليعجبِ الناسُ مني أنَّ لي بدناً ... لا روحَ فيه، ولي روحٌ بلا بدنِ ذو الرمَّة: خليليَّ لمّا خفتُ أن تستفزَّني ... أحاديثُ نفسي بالهوى واهتمامها تداويتُ من ميٍّ بتكليمةٍ لها ... فما زادَ إلاّ ضعف دائي كلامها مسلم: يا نظرةً نلتها على حذرٍ ... أوَّلها كانَ آخرَ النظرِ إن يحجبوها عن العيونِ فقد ... حجبتُ عيني لها عن البشرِ آخر: إذا طلعتْ شمسُ النهارِ فسلِّمي ... فآيةُ تسليمي عليكِ طلوعها بعشر تحيّاتٍ إذا هي أشرقتْ ... وعشرٍ إذا اصفرَّتْ وحانَ وقوعها كشاجم:

стр. 61

نفوسُ الخلقِ أسرى في يديهِ ... وثوبُ الحسنِ مخلوعٌ عليهِ سررتُ بأنْ ذبلتُ وذبتُ شوقاً ... لعلَّ الريحَ تسفي بي إليهِ الصنوبري: شكوتُ إليك من قلبٍ قريحِ ... بدمعٍ في شكايتهِ فصيحِ عذرتُكَ لو حملتُ هواكَ مني ... على كبدٍ وجثمانٍ صحيحِ ألستَ ترى الهوى لم يبق مني ... سوى شبحٍ مطيعٍ كلَّ ريحِ أخذه من قول المجنون: ألا إنّما غادرت يا أمَّ مالكٍ ... صدىً أينما تذهبْ به الريحُ يذهبِ المتنبي: روحٌ تردَّدُ في مثلِ الخيال إذا ... أطارتِ الريحُ عنه الثوبَ لم يبنِ كفى بجسمي نحولاً أنَّني رجلٌ ... لولا مخاطبتي إياكَ لم ترني آخر: إن بحتُ باسمك لم آمن عليك وإن ... كتمتُ حبُّك لم آمن على بدني فقد وقفتُ على حالين من عطبٍ ... فانظُر لعبدكَ يا ذا المنظرِ الحسنِ وقال أحمد بن أبي طاهر: يقول العاذلاتُ تسلَّ عنها ... وَداو غليلَ قلبك بالسلوِّ فكيف ونظرةٌ منها اختلاساً ... ألذُّ من الشماتة بالعدوِّ ابن المعذَّل: القلبُ بعدك لم يسكن إلى سكنِ ... والعينُ بعدكِ لم تنظرْ إلى حسنِ كأنَّما الروحُ لما غبتمُ بعدتْ ... حتى إذا عدتمُ عادتْ إلى بدني ذو الرمَّة: فلا برء من ميّ وقد حيل دونها ... فما أنت فيما بين هاتين صانعُ أمستوجبٌ أجر الصّبور فكاظمٌ ... على الوجدِ أم مبدي الضمير فجازعُ خالد: لم ينسنيك سرورٌ لا ولا حزنٌ ... وكيف ذا كيف ينسى وجهكِ الحسنُ ولا خلا منكِ قلبي لا ولا بدني ... كلَّي بكلِّكِ مشغولٌ ومرتهنُ أبو العتاهية: وما طلعتْ إلا رميتُ بزفرةٍ ... على الأرضِ مني ساعةً ثم أسبتُ وإلاّ استقلَّتني على الأرض رعدةٌ ... يكادُ فؤادي عندها يتفتَّتُ وما رحمتني يوم ولَّت وأسرعتْ ... وقد تركتني قائماً أتلَّفتُ وقال إسماعيل القرطيسي: قالتْ جننتَ على رأسي فقلتُ لها ... الحُبُّ أعظمُ ممَّا بالمجانينِ الحبُّ ليس يفيقُ الدهر صاحبهُ ... وإنّما يصرعُ المجنونُ في الحينِ أعرابي: ألا طرقت ليلى الرفاقَ بسحرةٍ ... ومن دونِ ليلى يذبلٌ فالقعاقعُ على حين ضمَّ اليلُ من كلِّ جانبٍ ... جناحيه، وانصبَّ النجومُ الضواجعُ طمعتُ بليلى أن تريع وإنَّما ... تقطِّعُ أعناقَ الرجالِ المطامعُ وبايعتُ ليلى في الخلاءِ ولم يكنْ ... شهودي على ليلى عدولٌ مقانعُ وما كلُّ ما منَّتكَ نفسكَ خالياً ... تُلاقي، ولا كلُّ الهوى أنتَ تابعُ ابن الدمينة: أفي كلِّ يومٍ أنت رامٍ بلادها ... بعينين إنسانا هما غرقانِ ألا فاحمِلاني باركَ اللهُ فيكما ... إلى حاضرِ الروحاءِ ثم دَعاني أعرابي: باتتْ تشوقُني بِرَجْعِ حنينهِا ... وأزيدها شوقاً برجعِ حنيني نِضْوينِ مغتربينِ بينَ مهامهٍ ... طَوَيَا الضُلوع على جوىً مكنونِ ابن المعذَّل: ويلي على أغيد ممكور ... وساحرٍ ليس بمسحورِ يؤثرهُ الحور علينا كما ... نؤثره نحن على الحورِ الخثعمي: يوم الفراقِ لقد تركتَ حرارةً ... تبقى على الأيّامِ والأزمانِ لمّا رأيتُ جمالهم مزمومةً ... ودَّعتهمْ فأجابَت العَينانِ فتبَادَرتْ في الوجنتينِ دُموعها ... كالرِّشح فوقَ شقائقِ النُعمانِ أبو سعيد المخزومي: هوىً لا يستريحُ ولا يُريحُ ... وقلبٌ من تذكُّره جريحُ فإنْ يكُ سرُّ قلبكِ أعجميّاً ... فإنَّ الدمعَ نمَّامٌ فصيحُ آخر: نمَّ دَمعي فليسَ يكتمُ شيئاً ... ووجدتُ الضميرَ ذا كتمانِ كضمير الكتابِ أخفاه طيٌّ ... فاستدلّوا عليه بالعيونِ أعرابي: فما الشَّهدُ والمسكُ الفتيقُ على الظَّما ... بأطيبِ من ماء الحسا والوقائعِ أتتك بِريّاهُ الصَّبا وبحنوةٍ ... من الليل أنفاسُ الرياحِ الزعازعِ الرَّقاشي: وقد شاقني نوحُ قمريَّةٍ ... هتوفِ العِشاءِ طَروبِ الضُحى من الورقِ نوَّاحةٍ باكرًتْ ... عسيبَ أشاءً بذاتِ الغضا

стр. 62

لأبي صفوان الأسدس: يميلُ عليها بلحنٍ لها ... يذكِّرُ للصبِّ ما قد مَضى مُطوَّقةٍ كسيَتْ زينةً ... بدعوةِ نوحٍ لها إذْ دعا فَلم أرَ باكيةً قبلَها ... تبكيِّ ودمعتُها لا ترى ربيعة الرَّقِّيّ: لقد تركتْ فؤادكَ مُستجنّا ... مُطوَّقةٌ على فننٍ تغني تميلُ بِه وتركبُهُ بلحنٍ ... إذا ما عنَّ للمُشتاقِ أنّا فلا يَحزُنكَ أيامٌ تولىّ ... تذكُّرُها ولا طيرٌ أرنّا أبو محمد المخزومي: صادتكَ بالحسْنِ وبالإحسانِ ... إنسانَةٌ ساحرةٌ الإنسانِ إنَّ عناناً مَلكتْ عناني ... واستمْطرَتْ عيني من الهجرانِ والحبُّ أعمى مالَهُ عينانِ وقال أعرابي: فو اللهِ ما أدري أزيدتْ ملاحةً ... أمِ الحبُّ مثلما قيل في الحبِّ أعرابي: وقد أرسلَتْ في السرِّ أنْ قد فضحتَني ... وأعربْتَ عَني في النَسيبِ ولم تُكنِ وأشمتَّ بي أهلي وجلَّ عشيرتي ... فإنْ كانَ يهينكَ ذا فهو الذي يهنيِ جعيفران: أبدَتْ على البينِ أطرافاً مُخضَّبةً ... لما تولَّتَ وخافَتْ حُرقةَ البيْنِ وَوَدَّعَتْني وما هَمَّتْ وما نَطَقَتْ ... وإنَّما نطقتْ وَحْياً بِعَينَينِ بلى فلو أوْمَأَتْ نحوي بإصبعِها ... إِيماءةً ختلتْ عنها الرقيبينِ بشَّار: إني لمنتظِرٌ أقصى الزمانِ بها ... إنْ كانَ أدناهُ لا يصفو لجيرانِ لَعَلَّ يوماً إلى يومٍ يقلِّبُها ... والدهرُ يلبسُ ألْواناً بألوانِ هلْ تعلمِينَ وراءَ الحبِّ منزِلَةً ... تُدني إليكِ فإنَّ الحبَّ أقصاني أعرابي: أقول لعيسٍ قد برى السَّيرُ نيَّها ... فلم يبقَ منها غيرُ عظمٍ مجَلَّدِ خُذي بي ابتلاكِ اللهُ بالشّوقِ والهوى ... وهاجَكِ أصواتُ الحمامِ المغرِّدِ فطارتْ مِراحاً خوفَ دعوةِ عاشقٍ ... تجوبُ بي الظلماء في كل فَدْفَدِ فلمّا ونتْ في السَّيرِ ثنَّيتُ دعوتي ... فكانتْ لها سَوطاً إلى ضحوةِ الغدِ وقال أبو العتاهية: أصبحتُ بالبصرةِ ذا غُربَهْ ... أُدفعُ من هَمّ إلى كُربهْ أطلبُ عُتبى من حبيبٍ نَأى ... وليس لي عتبي ولا عتبهْ محمد بن ثابت: لا تَعجلوا لملامتي ... فامتْ عليَّ قِيامَتي وهويت أحسنَ من مشى ... فلقد عدمتُ سلامَتي عُلِّقْتُها فابتعتُ طو ... لَ تَذَ لُّلي بِكَرامتي مَنْ كانَ يُعرَفُ بالعلا ... مةِ فالهمومُ عَلامَتي وقال ذو الرُمَّة: وودَّعن مشتاقاً أصبنَ فؤادهُ ... هواهنَّ إن لم يصرِهِ اللهُ قاتِلُهْ أطاعَ الهوى لما رمَته بحبلهِ ... على ظهرِه بعد العتاب عواذلُهْ إذا القلبُ لامُستحدثٌ غير وَصِلها ... ولا شُغُلٌ عن ذكرِميَّةَ شاغِلُهْ وقال أبو العتاهيةِ: وأنتِ لو أحسنتِ أحيَيتِني ... يا عتبَ يا ضُرّي ويا نَفعي بقبلةٍ موقعها في الحشا ... كموقعِ الماءِ من الزرعِ الصنوبريّ: أيها الساخطُ المقيمُ على الهجْ ... ر أعِذْ منه عائذاً برِضاكا كيفَ أهوى خلقاً سواكَ وماتُبْ ... صِرُ عيني في الخلقِ خلقاً سِواكا لي أذنٌ صمّاءُ حتى أناجِي ... كَ وعينٌ عَمياءُ حتى أراكا المبرِّدُ قال: أنشدني أحمدُ بنَ عبدِ الله بي طاهر: يا جبلَ السمَّاق سقياً لَكا ... ما فعلَ الظبي الذي حلّكا فارقتُ أطلالكَ لا أنَّهُ ... قلاكَ قلبي لا ولا ملَّكا فأيّ لذَّاتِك أبكي دَماً ... ماءكَ أم طينكَ أم ظلَّكا أم نفحاتٍ منكَ تأتي إذا ... دَمعُ النَّدى تحتَ الدُجى بَلَّكا أعرابيّ: مَضى الظاعنونَ فلمْ يَربَعوا ... وَكانوا على رقبةٍ أجمعُوا ألا كاتبوكَ ألا راسَلو ... كَ ألا آذنوكَ ألا ودَّعُوا فإن كنتُ تجزعُ من بينهِم ... فمثلكَ من بينهمْ يجزعُ همُ صنعوا بك مالا يحِ ... لُّ ولو راقبوا اللهَ لم يَصنَعُوا ابن الحداديَّة: فمالكَ منْ حادٍ حَبَوتَ مقيَّداً ... وأخنى على عِرنين أنفك َ جادِعُ

стр. 63

فإن تلقينْ أسماءَ قبلي فَحَيِّها ... وسلْ كيفَ تُرعى في المغيبِ الودائِعُ وَظنِّي بها حِفظٌ لغَيبي ورعيةٌ ... لما استودعتْ والظنُّ بالغيبِ واسِعُ بَكتْ من حديثٍ بثَّهُ وأشاعَهُ ... ولفَّقَهُ واشٍ من القومِ واضِعُ بَكتْ عينُ من أبكاكِ لا يشجُكِ البُكا ... ولا تتخالَجكِ الأمورُ النوازِعُ ولا يسمعنْ سِرِّي وسِرِّك ثالِثٌ ... ألا كُلُّ سِرٍ جاوزَ اثنينِ شائِعُ فكيفَ يشيعُ السِرُّ مني ودونَهُ ... حجابٌ ومنْ دونِ الحجابِ الأضالِعُ ابن الرومي: مابالُها قد حُسِّنتْ ورَقيبُها ... أبداً قبيحٌ قُبِّحَ الرقباءُ ما ذاكَ إلاَّ أنَّها شمس الضُحى ... أبداً يكونُ رقيبها الحرباءُ وعلى ذِكرِ الرقيبِ قول ديك الجنِّ طريفٌ: عينَ الرقيبِ غرقتِ في بحرِ العمى ... لا أنت لا بلْ عينُ كلِّ رقيبِ من عاشَ في الدنيا بغير حبيبِ ... فحياتُهُ فيها حياةُ غريبِ أعرابي: لِسهمِ الحبِّ كَلْمٌ في فؤادي ... ولا كالكلمِ منْ عينِ الرقيبِ تمكَّنَ ناظراهُ به فأضحى ... مكانَ الكاتبين منَ الذُنوبِ ولو سقطَ الرقيبُ من الثُريَّا ... لَصُبَّ على مُحِبٍّ أو حبيبِ آخر والناسُ يشكونُ الرقيبَ وإنَّما ... شكوايَ للمرقوبِ طولَ زَماني ابن أبي فنن: ومنْ حذرِ الرقيبِ إذا التقينا ... نُسَلِّمُ كالغريبِ على الغريبِ ولولاهُ تشاكَينا جميعاً ... كما يشكو المُحِبُّ إلى الحبيبِ ابن المعتز: موقفٌ للرقيبِ لا أنساهُ ... لستُ أختارُهُ ولا آباهُ مرحباً بالرقيبِ منْ غيرِ وعدٍ ... باتَ يجلو عليَّ من أهواهُ لا أحبُّ الرقيبَ إلاَّ لأنّي ... لا أرى من أحبُّ حتى أراهُ إسحاقُ بن المهلّبي: هبيني يا معذِّبتي أسأتُ ... وبالهجرانِ قبلكمُ بدأتُ فأينَ الفضلُ منكِ فدتكِ نَفْسي ... عليَّ إذا أسأتِ كما أسأتُ عبيدُ اللهِ بن عبد اللهِ بن طاهر: أتهجرونَ لكي نُغرى بكُم تيها ... لَحَقُّ دعوةِ صبٍّ أن تجيبوها أهدى إليكمْ على نأيٍ تحيَّتَهُ ... حيُّوا بأحسنَ منها أو فَرُدُّوها زَمُّوا المطايا غداةَ البينِ واحتَملُوا ... وخلَّفوني على الأطلالِ أبكيها شيَّعتُهم فاسترابوني فقلتُ لهمْ ... إني بعِثتُ مع الأجمالِ أحدوها قالوا: فما نَفَسٌ يعلوا كَذا صعدا ... وما لعينكَ لا تَرقا مَآقيها قلت: التنفُّسُ من إدمانِ سيركمُ ... ودمعُ عينيَ جارٍ من قَذىً فيها حتى إذا أنجدوا والليلُ مُعتكرٌ ... خفَّضتُ في جُنحهِ صوتي أناديِها يا منْ بهِ أنا هيمانٌ ومختبَلٌ ... هل لي إلى الوصلِ من عقبى أرجِّيها جرير: أما تتَّقينَ اللهَ إذ رُعت ِ محرماً ... سرى ثم ألقى رحله وهو هاجِعُ أخالدُ ما من حاجةٍ تنبري لنا ... بذكراكَ إلا ارفضَّ منها المدامعُ سَلِمتَ وجادتكَ الغيوثُ الروائعُ ... فإنكَ وادٍ للأحبَّةِ جامعُ الحارث بن كلدة: وما عسلٌ بباردِ ماءِ مُزنٍ ... على ظمأ لشاربه يشابُ بأشهى من لقائهم إلينا ... وكيفَ لنا بهم ومتى الإيابُ يحنُّ إليهمُ قلبي فأمسى ... كأني من تذكرهمْ مصابُ وأزجرُ للتخوُّفِ كلَّ طيرٍ ... وبعضُ الطير أحياناً صوابُ فيعجبني السوانحُ سالماتٍ ... ويحزنني إذا نعبَ الغرابُ ذو الرمة: دعاني وما داعي الهوى من بلادِها ... إذا ما نأتْ خرقاءُ عني بغافلِ لها الشَّوقُ بعد الشَّحطِ حتى كأنّما ... علاني بحمَّى من ذواتِ الأفاكلِ وما يومُ خرقاءَ الذي نلتقي به ... بنحسٍ على عيني ولا متطاولِ إذا قلتُ قطَّعْ وصلَ خرقاءَ واجتنبْ ... زيارتها تخلقْ حبالَ الوسائلِ أبتْ ذكرٌ عوَّدنَ أحشاءَ قلبهِ ... خفوقاً ورقصاتُ الهوى في المفاصلِ أما الدَّهرُ من خرقاءَ إلا كما أرى ... أنينٌ وتذرافُ الدموعِ الهَواملِ ابن أبي عيينة: سَألتكِ بالمودَّةِ والجوارِ ... دُعاءَ مصرِّحٍ بادي السِّرارِ

стр. 64

وإني عنكِ مُسشتغلٌ بِنفْسي ... ومحترقٌ عليكِ بغيرِ نارِ وأنتِ توقَّرينَ وليس عندي ... على نارِ الصَّبابةِ منْ وقارِ ومُرسلةٍ غداةَ وصلتُ دُنيا ... تعيِّرني وليسَ عليَّ عاري تقولُ: تركتني واخترتَ دُنيا ... نَعمْ فجمدتُ عاقبةَ اخْتياري الحمَّاني: مُؤرَّقٌ من سهدِهْ ... مُعذَّبٌ مِنْ كمدِهْ خَلا بهِ السُّقمُ فما ... أسرعهُ في جسدهْ يرحَمُهُ ممَّا بهِ ... مِن ضُرِّهِ ذو حسدِهْ كأنَّ أطرافَ المُدى ... تجرحُ أعلى كَبِدِهْ ابن بشير: أفؤادٌ مُستهامُ ... وجفونٌ لا تَنامُ ودُموعٌ أبدَ الده ... رِ على خَدّي سِجامُ وحبيبٌ كلّما خا ... طبتُهُ قال: سلامُ فإذا ما قلتُ زُرني ... قالَ لي ذاكَ حرامُ وقال عبد الله بن طاهر: صبٌّ كئيبٌ يشتكيكَ الهوى ... كَما اشتَكى خصرُكَ منْ ردفِكا لِسانُه عنْ وصفِ أسقامِهِ ... أكلُّ منهُ عن مدى وصفِكا أخر: لمْ يبقَ إلاَّ نفسٌ خافِتُ ... ومقلةٌ إنسانها باهتُ ومُغرمٌ توقدُ أحشاؤهُ ... بالنّارِ إلاَّ أنَّهُ ساكتُ لم يبقَ من أعضائهِ مفصلٌ ... إلاَّ وفيهِ سقمٌ ثابتُ وقال نعيم بن عتاب الوالبي: يا عينُ لا تستعجلي بمائكِ واطْوي الحَشا طيًّا على حيائكِ واعتصمي بالشَّيبِ من بكائكِ فإنَّ في الحيِّ شِفاءَ دائِكِ جنِّيةٌ منْ مالكِ بن مالكِ عزَّتْ على الحيِّ فلم تُشارِكِ كأنّها بين سُجوفِ الحائكِ على الحَشايا وعلى الأرائِكِ في الخزِّ والمعلمةِ الدَرانِكِ بين حجالِ السُندسِ الحوالكِ دعصانِ من عُجمةِ رَملِ عاتِكِ في الشَّرقِ بينَ الديمِ الرَكائكِ ويحكِ يا جنيَّ هل بَدا لكِ أنْ ترجعي عقلي قبل ذلِكِ والله ما مدْحيكِ من نوالِكِ ولا عطاءٍ من جَزيلِ مالِكِ مِنْ يَدكِ اليُمنى ولا شمالِكِ إلاَّ امتلاءُ العينِ من جمَالِكِ وحسبٌ تمَّ إلى كمالِكِ ويْلي عليكِ وعلى أمثالِكِ أبو العتاهية: يقولُ أناسٌ لو نعتَّ لنا الهوى ... ووالله ما أدري لَهمْ كيفَ أنعِتُ سقامٌ على جِسمي كثيرٌ موسَّعٌ ... ونومٌ على عيني قليلٌ مُفوَّتُ إذا اشتدَّ ما بي كان أفضلُ حيلتي ... له وضعَ كفّي فوقَ خدّي وأسكتُ ذو الرمة: وقد زوَّدتْ ميٌ على النأي قلبهُ ... علاقاتِ حاجاتٍ طويلٍ سقامها فأصبحتُ كالهيْماء لا الماءُ مبرئٌ ... صَداها ولا يقضي عليها هيامها كأنّي غداةَ البينِ يا ميُّ مدنفٌ ... أُعالجُ نفساً قد أتاها حمامُها حذارَ احتِذامِ البينِ أقرانَ طيَّةٍ ... مُصيبٍ لوَقرانِ الفُؤادِ انجذامُها جريرٌ: أنمضي بالرسومِ ولا تُحيّا ... كلامكمُ عليَّ إذنْ حرامُ أقيموا إنَّما يومٌ كيومٍ ... ولكنَّ الصديقَ له زمامُ بنفسي من تحيَّته عزيزٌ ... عليَّ ومن زيارتُه لمامُ ومن أمسي وأصبحُ لا أراهُ ... ويطرقني إذا هجعَ النيامُ أليسَ لما طلبتُ فدتكِ نفسي ... قضاءٌ أو لحاجتيَ انصرامُ فدىً نفسي لنفسكِ من ضجيعٍ ... إذا ما التجَّ بالسِّنةِ المنامُ أتنسى إذ تودِّعنا سليمى ... بفرع بشامةٍ سقيَ البشامُ تركتِ محلَّئينِ رأوا شفاء ... فحاموا ثم لم يردوا وحاموا فلو وجدَ الحمامُ كما وجدنا ... بسلمانينَ لا كتأبَ الحمامُ فما وجدتْ كوجدكَ يومَ قُلنا ... على ربعٍ بناظرةَ السَّلامُ الحسن بن داود الجعفري: حرامٌ علي عينٍ أصابتْ مقاتلي ... بأسهمها من مهجتي ما استحلَّتِ دعتْ قلبيَ المنقادَ للحبِّ فانثنى ... إليها فلّما أن أجابَ تولَّتِ العرجي: قالتْ كلابةُ منْ هذا؟ فقلتُ لها: ... هذا الذي أنتِ من أعدائهِ زعموا أنا الذي لجَّ بي حبُّ فأحرضني ... حتى ضنيتُ وأبلى جسمي السقمُ المؤمّل: حلمتُ بكم في نومتي فغضبتمُ ... ولا ذنب لي إن كنتُ في النوم أحلمُ

стр. 65

سأطردُ عني النومَ إن جاء خالياً ... على حين حانَ النومُ والناسُ نوَّمُ وقد خبَّروني أنَّها نذرتْ دمي ... ومالي بحمدِ الله لحمٌ ولا دمُ ذو الرمة: إذا قلتُ: أسلو عنكِ يا ميُّ لم يزلْ ... محلٌ لدائي من دياركِ ناكسُ نظرتُ بجرعاءِ السبيَّةِ نظرةً ... ضحىً وسوادُ العينِ في الماءِ قالسُ إلى ظعنٍ يقرضنَ أجوازَ مشرفٍ ... شمالاً وعن أيمانهنَّ الفوارسُ تبسَّمن عن درٍ كأنَّ رضابها ... ندى الرملِ مجَّته العهادُ القوالسُ على أقحوانٍ في حناديجِ حرَّةٍ ... يناصي حشاها عانكٌ متكادسُ وألمحنَ لمحاً عن خدودٍ أسيلةٍ ... رواءٍ خلا ما أنْ تشفَّ المعاطسُ كما أتلعت من تحت أرطى صريمةٍ ... إلى نبأةِ الصوتِ الظباءُ الكوانسُ سلم الخاسر تمنَّيتها حتى إذا ما رأيتها ... رأيت ُ المنايا شرَّعاً قد أظلَّتِ وصدَّتْ بوجهٍ يبهرُ الشمسَ حسنهُ ... إذا ما رأته أعينُ الناس كلَّتِ فللعينٍ تهمالٌ إذا ما رأيتها ... وللقلبِ وسواسٌ إذا العينُ ملَّتِ جرير: فليتَ الظاعنينَ همُ أقاموا ... وفارقَ بعضُ ذا الأنسِ المقيمِ فما العهدُ الذي عهدتْ إلينا ... بمنسيِّ البلاءِ ولا ذميمِ أعاذلَ طالَ ليلكِ لم تنامي ... ونامَ العاذلاتُ ولم تنيمي إذا مالمتني وعذرتُ نفسي ... فلومي ما بدالكِ أنْ تلومي الأقرع بن معاذ: وما حائماتٌ حمنَ يوماً وليلةً ... على الماء يغشينَ العصيَّ حوانِ يرينَ حبابَ الماء والموتُ دونهُ ... وهنَّ بأبصارٍ إليهِ روانِ لوائبُ لا يصدرونَ عنه لوجهةٍ ... ولا هنَّ من بردِ الحياضِ دوانِ بأكثرَ مني فرطَ شوقٍ وغلَّةٍ ... إليكم ولكنَّ العدوَّ عداني الضحاك العقيلي: كفى حزناً أني تطاللتُ كي أرى ... ذرى علمي دمخٍ قما تريانِ كأنَّهما والآلُ يجري عليهما ... من البعدِ عينا برقعٍ خلقانِ ألا حبَّذا واللهِ لو تعلمانهِ ... ظلالكما يا أيَّها الطللانِ وماؤكما العذبُ الذي لو شربتهُ ... وبي صالبُ الحمّى إذاً لشفاني ذو الرمة: ألا لا أرى مثلَ الهوى داء مسلمٍ ... كريمٍ ولا مثلَ الهوى ليمَ صاحبهْ فإنْ يعصهِ تبرحْ معاناتهُ بهِ ... وإن يتَّبعْ أسبابه فهو عائبهْ نظرتُ إلى أظعانِ ميٍّ كأنّها ... موليةً ميسٌ تميلُ ذوائبهْ فأبديتُ من عينيَّ والصدرُ كاتمٌ ... بمغرورقٍ نمَّتْ عليَّ سواكبهْ هوى آلفٍ جاءَ الفراقَ ولم تجلْ ... جوائلها أسرارهُ ومعاتبهْ ربيعة بن الأشهب: كأنَّ بجيدها والنَّحرِ منها ... إذا ما أمكنتْ للناظرينا مخطاً كان من قلمٍ دقيقٍ ... فخطَّ بجيدها والنحر نونا مرداس بن مسعود: إذا اكتحلتْ عيني بهندٍ كحلتها ... من المسكِ والكافورِ يختلطانِ وإن تختلج واللهِ عيني بغيرها ... وذي العرشِ أكحلها من القطران قيس بن ذريح: أيا حزنا وعاودني رداعي ... وكان فراقُ لبنى كالخداعِ تكنَّفني الوشاةُ فأزعجوني ... فياللهِ للواشي المطاعِ فأصبحتُ الغداةَ ألومُ نفسي ... على شيءٍ وليس بمستطاعِ كمغبونٍ يعضُّ على يديه ... تبيَّنَ غبنهُ بعدَ ابتياعِ دريد: لولا العزيمةُ أنها من شيمتي ... للحقتُ يومَ وداعك الأظعانا فلقد طبعت على هواكِ بخاتمٍ ... وجعلتُ ذكري للهوى عنوانا ذو الرمة: فلما عرفتُ الدارَ غشَّيتُ عمَّتي ... شآبيبَ دمعٍ لبسةَ المتلثِّمِ مخافةَ عيني أن تنمَّ دموعها ... عليَّ بأسرارِ الحديثِ المكتَّمِ أحبُّ المكانَ القفرَ من أجل أنني ... به أتغنىَّ بآسمها غير معجمِ فلم يبق إلا أن مرجوعَ ذكرها ... نهوضٌ بأحشاءِ الفؤادِ المتيِّمِ إذا ما رآها عينه هيضَ قلبهُ ... بها كآنهياضِ المتعب المتهشمِ ومن يكُ ذا وصلٍ فيسمعْ بوصله ... أحاديثَ سواقِ الأحاديثِ يصرمِ تغيَّرتِ بعدي أو وشى الناسُ بيننا ... بما لم أقلهُ من مسدًّى وملحمِ

стр. 66

بشار: يا قَّرةَ العينِ إني لا أسمِّيكِ ... أكني بأخرى أسمِّيها وأعنيكِ أخشى عليكِ من الجارات حاسدةً ... أو سهمَ غيرانَ يرميني ويرميكِ لولا الرقيباتُ إذ ودَّعت رائحةً ... قبَّلتُ فاكِ وقلتُ: النفسُ تفديكِ يا أطيبَ الناسِ ريقاً غيرَ مختبرٍ ... إلا شهادةَ أطرافِ المساويكِ قد زرتنا زورةً في الدهر واحدةً ... باللهِ لا تجعليها بيضةَ الديكِ يا رحمةَ اللهِ حلّي في منازلنا ... حسبي برائحةِ الفردوسِ من فيكِ ابن الطثرية: تكنَّفني الواشونَ من كلِّ جانبٍ ... ولو كانَ واشٍ واحدٌ لكفاني إذا ما جلسنا مجلساً نستلذُّهُ ... تواشوا بنا حتى أملُّ مكاني نويفع بن لقيط: حننتُ ولم تحننْ أوانَ حنينِ ... وقلَّبت خلفَ الركبِ طرفَ حزينِ يشوق الحمى أهلُ الحمى ويشوقني ... حمىً بينَ أفخاذٍ وبينَ بطونِ عبيد الله بن قيس: ظعائنٌ من قشيرٍ عشنَ في سعةٍ ... من المعيشةِ أترابٌ مبادينُ أعارهنَّ فتورَ الطرفِ في زججٍ ... أدمُ الظباءِ المرابيعُ المشادينُ عروة: لا تزالُ الديارُ في برقةِ النج ... دِ لسعدى بقرقرى تبكيني تيَّمَ القلبَ ظبيةٌ ذاتُ خشفٍ ... من ظباءٍ ليستْ بذاتِ قرونِ فتحيلتُ أن أرى وجهَ سعدى ... فإذا كلُّ حيلةٍ تعييني فتنكرتُ ثمَّ جئتُ إلى البا ... بِ على غرةٍ فلمْ يعرفوني قلتُ لمّا ولجتُ في سدَّةِ البا ... بِ لسعدى مقالةَ المسكينِ افعلي بي يا ربَّةَ الخدرِ خيراً ... ومنَ الماء جرعةً فاسقيني إنما شهوتي رضابكِ إن شئ ... تِ بما شئتِ جرعة تغنيني فاشمأزَّتَ عنِ المقالِ وقالتْ ... كلَّ يومٍ بعلةٍ تأتيني العباس: لو كنت عاتبةً لسكَّنَ عبرتي ... أملي رضاكِ وزرتُ غيرَ مراقبِ لكنْ صددتِ فلم تكنْ لي حيلةٌ ... صدُّ الملولِ خلاف صدِّ العاتبِ ذو الرمة: لقد ْ كنتُ أخفي حبَّ ميٍّ وذكرها ... رسيسُ الهوى حتى كأنْ لا أريدها فما زالَ يعلو حبُّ ميّةَ عندنا ... ويزدادُ حتى لمْ نجدْ ما نزيدها أعرابي: أمسَّ العينَ ما مسَّتْ يداها ... لعلَّ العينَ أن يبرا قذاها يقولُ الناسُ: ذو رمدٍ معنّى ... وما بالعينِ من رمدٍ سواها الأحوص: يا موقدَ النارِ بالعلياءِ من إضم ... أوقد فقد هجتَ قلباً دائمَ السقمِ يا موقدَ النارِ أوقدها فإنَّ لها ... سناً يهيجُ فؤادَ الهائمِ السدمِ بشامة: سقى العلمَ الفردَ الذي في ظلا لهِ ... غزالانِ مكحولانِ قد سبياني أردتهما ختلاً فلم أستطعهما ... ورمياً ففاتاني وقد قتلاني ذو الرمة: خليليَّ أدّى الله خيراً إليكما ... إذا قسمتْ بينَ العباد أجورُها بميٍّ إذا أدلجتما فاطردا الكرى ... وإن كان آلى أهلها لا نطورُها يقرَّ بعيني أنْ أراني وصحبتي ... نعنّي المطايا نحوها ونجيرُها ابن الطثرية: إذا ما الريحُ نحو الأثلِ هبَّت ... وجدتُ الريحَ طيبةً جنوبا وماذا يمنعُ الأرواحَ تسري ... بريّا أمِّ عمروٍ أن تطيبا نصيب: أيا صاحبَ الخيماتِ من بطنِ أرثدٍ ... إلى النخلِ من ودَّانَ ما فعلتْ نعمُ أسائلُ عنها كلَّ ركبٍ لقيتهم ... ومالي بها من بعد مكثفهمُ علمُ أنشد ثعلب: هجرتك لمَّا أن هجرتكِ أصبحتَ ... بنا شمَّتاً تلكَ العيونُ اللوامحُ فلا يفرحِ الأعداءُ بالهجرِ ربمَّا ... أطالَ المحبُّ الهجرَ والقلبُ بارحُ وتغدو النَّوى بينَ المحبَّينَ والهوى ... مع القلبِ مطويٌّ عليه الجوانحُ أبو دهبل: ومغتربٍ بالمرجِ يبكي لشجوه ... وقد غابَ عنه المسعدونَ على الحبِّ إذا ما أتاهُ الرِّكبُ من نحو أرضها ... تنشَّقَ يستشفي برائحةِ الرِّكبِ عبيد الله بن عبد الله عتبة بن مسعود: ألا منْ لنفسٍ لا تموتُ فينقضي ال ... عناءُ ولا تحيا حياةً لها طعمُ تجنَّبتُ إتيانَ الحبيبِ تأثُّماً ... ألا إنَّ هجرانَ الحبيبِ هو الإثمُ

стр. 67

فذقْ هجرها قد كنتَ تزعمَ أنَّهُ ... رشاد ألا يا ربما كذبَ الزعمُ ذو الرمة: وقد كنتُ من ميٍّ إذ الحيُّ جيرةٌ ... على بخلِ ميٍّ ميِّتَ الشوقِ ساهيا أقولُ لها في السرِّ بيني وبينها ... إذا كنتُ ممن عينه العينُ خاليا تطيلينَ ليًّا وأنتِ مليَّةٌ ... وأحسنُ يا ذاتَ الوشاحِ التقاضيا وله: ألا ربَّما سؤتُ الغيورَ وبرَّحتْ ... بي الأعينُ النجلُ المراضُ الصحائحُ وساعفتُ حاجاتِ الغواني وراقني ... على بخلِ رقراقا تهنَّ الملائحُ جرير: ولقد تسقَّطني الوشاةُ فصادفوا ... مذلاً بسرِّكِ يا أميمَ ضنينا فارعيْ كما نرعىْ بغيبٍ وصلكمُ ... وإذا ضننتِ بنائلٍ فعدينا آخر: ألمْ تعلمي يا أملحَ الناسِ أننَّي ... أحبُّكِ حبّاً مستكناًّ وباديا أحبُّكِ ما لو كانَ بينَ قبائلٍ ... من الناسِ أعداءٌ لجرَّ التصافيا كثيِّر عزَّة: فو اللهِ ما أدري أطائفُ جنةٍ ... تأوَّبني أمْ لم يجدْ أحدٌ وجدي عشيَّةَ ما أعدي بدائي صاحبي ... ولم أرَ داءً مثلَ دائي لا يعدي وكانَ الهوى خدنَ الش بابِ فأصبحا ... وقد غادراني في مغانيهما وحدي ذو الرِّمة: سلوا الواجدينَ المخبرينَ عن الهوى ... وذو البثِّ أحياناً يبوحُ فيصرحُ أتقرحُ أكبادُ المحبينَ كالذي ... أرى كبدي من حبِّ ميَّةَ تقرحُ أنينٌ وشكوى بالنهارِ شديدةٌ ... عليَّ وما يأتي به الليلُ أبرحُ المجنون: ألا حبَّذا يومٌ تهبُّ به الصَّبا ... لنا وعشيَّاتٌ تدلَّتْ غيومها بنعمانَ إذ أهلي بنعمانَ جيرة ... لياليَ إذ يرضى بدارٍ مقيمها أيا جبليْ نعمانَ باللهِ خليَّا ... سبيلَ الصَّبا يخلصْ إليَّ نسيمها فإنَّ الصَّبا ريحٌ إذا ما تنفستْ ... على نفسِ محزونٍ تجلَّتْ غمومها أجدْ بردها أوتشفِ منى حرارةً ... على كبدٍ لم يبقَ إلاَّ صميمها تذكَّرتُ وجدَ الناعجيَّاتِ بالضحى ... ولذَّةَ دنيا قد تقضّى نعيمها ألا إنَّ أدوائي بليلى قديمةٌ ... وأقتلُ أدواءِ المحبِّ قديمها أبو رجاء العطاردي: إلى اللهِ أشكو ثمَّ أشكو إليكُما ... وهلْ تنفعُ الشَّكوى إلى منْ يزيدُها حرارتِ شوقٍ في الفؤادِ وعبرةً ... أظلُّ بأطرافِ البنانِ أذُودها ويحنُّ فؤادي من مخافةِ بينكمْ ... حننَ المزجَّى وجهةً لا يريدُها آخر: فإنْ كنتمُ ترجونَ أنْ يذهبَ الهوى ... يقيناً ويروى بالسَّرابِ فينقعا فردُّوا هبوبَ الريحِ أو غيِّروا الهوى ... إذا حلَّ الواذَ الحشا فتمنَّعا الأحوص: أصاحِ ألمْ تحزنكَ ريحٌ مريضةٌ ... وبرقٌ تلا لا بالعقيقينِ لامعُ فإنَّ غريبَ الدارِ مما يشوقهُ ... نسيمُ الرياحِ والبروقُ اللوامعُ وقد ثبتَتْ في القلبِ منها مودَّةٌ ... كما ثبتتْ في الرَّاحتينِ الأصابعُ باب صفة طول الليل وقصره وصفة السماء والأهلَّة والنجوم ختمنا به الكتاب جحظة: وليلٍ في كواكبهِ حرانٌ ... فليسَ لطولِ مدَّتهِ انتهاءُ عدمتُ محاسنَ الإصباحِ فيهِ ... كأنَّ الصُبح جودٌ أو وفاءُ البسامي: كأنَّ الصبحَ يطليني بدَجْلِ ... فما يجلو الظلامَ عن الضياءِ فليتَ الشمسَ تمكثُ لي قليلاً ... ففيها كلّما فنيتْ فَنائي نظر إلى قول ابن الدمينة - لقيس بن ذريخ: نهاري نهارُ الناسِ حتَى إذا دنا ... لِيَ الليلُ هزَّتني إليكِ المَضاجعُ أُقضَّي نهاري بالحديثِ وبالمُنى ... ويَجمعُني والهمَّ بالليلِ جامِعُ ابن المعتزَّ: عهدي بها ورداءُ الوصلِ يَجمعُنا ... واللَّيلُ أطولهُ كاللَّمحِ بالبَصرِ فالآنَ ليلي مُذ بانوا ... فديتُهمُ ليلُ الضريرِ فصُبحي غيرُ منتظرِ كشاجم: ينامُ اللَّيلَ أسهرهُ ... وأشكُوهُ ويشكرُهُ وليلُ الصبَّ أطولُهُ ... على المعشوقِ أقصرهُ كثيرُ الذنبِ إلاَّ أنَّ ... ) م (فَرْطِ الحُبِّ يغفرُهُ

стр. 68

أكاتمُ حبَّهُ الواشِي ... نَ والعبراتُ تُظهرهُ وأذكُرُ خالياً حُجَجي ... وأَنْسى حينَ أُبصرُهُ وقال آخر: يا ليلُ مالكَ من صَباحْ ... أمْ ما لنجمِكَ من براحْ ضَلَّ الصباحُ طريقَهُ ... واللّلُ ضلَّ عن الصباحْ صبراً على مضَضِ الهوى ... فالصبرُ مفتاحُ النجاحْ ابن المعتز: مالي أَرى الليلَ مسبلاً شعراً ... عن غرَّةِ الصبْحِ غيرَ مفروقِ كشاجم: ألا ربَّ ليلٍ بتُّ أرعى نجومهُ ... فلم أغتمِضْ فيهِ ولا الليلُ غمَّضا كأنّ الثريّا راحةٌ تشبرُ الدجى ... لتعلمَ طالَ الليلُ لي أم تعرَّضا فأعجِبْ بليلٍ بين شرقٍ ومغربٍ ... يقاسُ بشبرٍ كيفَ يرجى لهُ انْقِضا ابن المعتز: ما بالُ ليلي لا يُرى فجرُهُ ... وما لدَمعي مُسبلاً قطرُهُ أستودعُ اللهَ حبيباً نأى ... ميعادُ دَمعي أبداً ذكرهُ بشّار: أقولُ وليلتي تزدادُ طولً ... أما للَّيلِ بعدهمُ نهارُ جفَتْ عَيني عنِ التغميضِ حتى ... كأنَّ جُفونها عنها قصارُ كأنَّ جفونها خُزمتْ بشوكٍ ... فليسَ لوسنةٍ فيها قرارُ ومنه أخذ المتنبي قوله: بعيدة ما بينَ الجفونِ كأنَّما ... عقدتمْ أعالي كلِّ هدبٍ بحاجبِ أحمد بن المعذَّل: ألا ما لوجهِ الصبحِ داجٍ قناعهُ ... وما بالُ أرواقَ الدُجى لا تقدَّدُ هل الغورُ مسدودٌ؟ أم النجمُ غائرٌ؟ ... أمِ الصبحُ مكبولٌ؟ أم الليلُ سرمدُ أطالَ عليَّ الليلَ حتى كأنَّهُ ... حسيرٌ بهيرٌ أو أسيرٌ مقيَّدُ خالد: ربَّ ليلٍ أمدَّ من نفسِ العشَّ ... اقِ طولاً قطعتهُ بانتحابِ ونعيمٍ ألذَ من نظرةِ المعش ... وقِ بدَّلتهُ بطولِ العِتابِ بشار: خليليَّ ما بالُ الدجى ليسَ يبرحُ ... وما بالُ ضوءِ الصبحِ لا يتوضَّحُ أضلَّ النهارُ المستنيرُ طريقهُ ... أمِ الدَّهرُ ليلٌ كلُّهُ ليس يبرحُ في قصر الليل إبراهيم بن العباس: وليلةٍ إحدى اللَّيالي الزُهرِ ... قابلتُ منها بدرَها ببدرِ لمْ تكُ غيرَ شفقٍ وفجرِ ... حتَّى تولَّتْ وهي بكرُ الدهرِ آخر: يا ليلةً جمعتنا بعدَ فرقتنا ... وبتُّ من صبحِها لمَّا بدا فرِقا لمّا خلوتُ بآمالِي بها قصَرتْ ... وكادَ يسبِقُ منها فجرُهَا الشفَقَا المهلبيِ: قد قصُرَ الصبحُ عندَ ساهِرهْ ... كأنَّ حادِي الصَّباحِ صاحَ بهْ كأنَّما الليلُ راكبٌ فرساً ... منهزماً والصَّباحُ في طلبهْ آخر: وليلةٍ منَ القصِرْ عشاؤُهَا مع السَحَرْ تُقضّى ولم يَقضَ الوطَرْ والشعراءُ يصفون أيامَ السرور والمتعة وليالي الوصل والألفة بالقصر، وساعات الغمِّ وأوقات الوحشة بالطول.وحقيقة ذلك لطول الليل: مراعاته؛ وكل ليل لا يراعى قصير. في صفة الأهلةِ والسماءِ والنجومِ أنشدَ أبو عمرو بن العلاء للعرب: دأبنَ بنا وابنُ اللَّيالي كأنَّهُ ... حسامُ جَلتْ عنهُ العيونُ صقيلُ فما زالتِ الأيَّامُ تفصلُ دونهُ ... إلى أنْ أتتكَ العيسُ وهو ضئيْلُ أعرابي، وعليه عوَّل أكثر المحدثين في تشبيه الهلال: لقدْ سرَّني أنَّ الهِلالَ عشيَّةً ... بدا وهو محقورُ الحِبارِ دقيقُ أضرَّتْ بهِ الأيَّامَ حتى كأنَّهُ ... سِوارٌ لواهُ باليدينِ رفيقُ ابن المعتز: في ليلٍ ليلةَ أكلَ المُحاقُ هلالها ... حتى تبدَّى مِثلَ وقفِ العاجِ والصبحُ يتلو المشتري فكأنَّهُ ... عريانُ يمشي في الدُجى بسِراجِ العلوي: ما للهِلالِ ناحلاً في المغربِ كالنُّونِ قد خُطَّتْ بماءِ الذهبِ أفارقتهُ الشَمسُ منْ تعتُّبِ فراحَ نضواً كالمريضِ الوصبِ كأنَّما حلَّ بِهِ ما حلَّ بي منْ الضَنى عندَ فُراقِ زَينَبِ ابن المعتز في محقهِ وأبدع فيه: ما ذقتُ طعمَ النومِ لو تَدرِي ... كأنَّ أحشائي على جَمرِ في قمرٍ مُسَترِقٍ نِصفَهُ ... كأنَّهُ مجرَفَةُ العِطرِ وقال في الهلالِ إذا بدت دارته:

стр. 69

وقدْ بدتْ فوقَ الهِلالِ كرَتَهْ ... كهامةِ الأسودِ شابتْ لحيتُهْ العلوي في الهلال والزهرة وأحسن فيها: لاحَ الهِلالُ فويقَ مغرِبهِ ... والزُهرةُ الزَّهراءُ لمْ تغِبِ فهوى دوِنَ مغيبَها فهوتْ ... تَبكي بِدمعٍ غيرِ مُنسكبِ فكأنَّها أسماءُ باكيةً ... عندَ انفِصامِ سوارِهَا الذهبي كُشاجم: انظٌرْ إلى نورِ الهِلا ... لِ بدى لِعين المُبصِرِ أو ما تراهُ يلوحُ في ... جوِّ السماءِ الأخضرِ كشعيرةٍ من فضَّةٍ ... قدْ رُكِّبتْ في خنجَرِ وكان ابن أبي البغل جالساً، وعنده ابن بحرٍ فكتب على درج: المرءُ مثل هِلالِ الأُفقِ تبصِرُهُ ... يبدو ضَئيلاً ضَعيفاً تمَ يتَّسقً فكتب ابن بحر تحته: يزدادُ حتى إذا ما تمَّ أعقبَهُ ... صرفُ اللَّيالي بِنقصٍ ثم ينمَحِقُ العلوي: تأمَّلْ نحولي والهِلالَ إذا بدا ... لليلَتهِ في أُفقِهِ أيُّنا أضنى على أنَّهُ يزدادُ في كُلِّ ليلةٍ ... نموَّاً وقلبي بالضنى أبداً يفنى ابن المعتز: وكأنَّ البدرَ لمّا ... لاحَ مِنْ تحتِ الثُريَّا ملكٌ أقبلَ في التّ ... اجِ يُفدَّى ويُحيَّا العلوي: أبا المعمَّرِ قدْ قطَّعتَ أحشائي ... وزدتَني في الهَوى داءً على دائي بقيَّةَ الحُسنِ ما أبقيتَ منْ جسدي ... بقيَّةً لم تبشِّرُها بإِفناءِ ما أنْسَ لا أنْسهُ في العينِ حينَ بدا ... يحكيهِ في الدِّرعِ عينُ الشمسِ بالماءِ حكى الحَمائِلَ فوقَ الدِّرعِ منطقةُ ال ... جوزاءِ تَحكيهِ في حُسنٍ ولألاءِ والشمسُ والبدرُ مشغُولانِ قدْ شغِلا ... بِوصفهِ عندَ إصباحي وإمسائي قَدْ انقضتْ دولةُ الصيامِ وقدْ ... بشَّرَ سُقمُ الهِلالِ بالعيدِ يتلو الثُريا كفاغِرٍ شرِّهٍ ... يفتحُ فاهُ لأكلِ العنقُودِ ذو الرَّمة: ورَدتُ اعتسافاً والثُريَّا كأنَّها ... على قِمَّةِ الرَأسِ ابنُ ماءٍ محلِّقُ ابن الطثرية: إذا ما الثُريَّا في السَّماءِ كأنَّها ... جمانٌ وهى مِنْ سلكِهِ فَتبدَّدا أبو قيس ابن الأسلت وقد لاحَ في الصُبحِ التُريَّا لمن رأى ... كعنقودِ ملاَّحيَّةٍ حينَ نوَّرا عمر بن أبي ربيعة، ونعوت التشبيهات أربعة قريبٌ بعيدٌ ومصيبٌ ومخطئٌ وقد دخلت فيها: أحسنُ النَّجمِ في السماءِ الثُريَّا ... والثُريَّا في الأرضِ خيرَ النِّساءِ آخر: خليليَّ إني للثُريَّا لحاسِدُ ... وإني على ريبِ الزمانِ لواجدُ أيجمعُ منها شملُها وهي سبعةُ ... ويبعدُ منْ أحبَبتُهُ وهو واحِدُ والعرب تسميها النجم وقال بعضهم: على إثِرْ حيٍّ لا يرى النجمَ طالِعاً ... مِنِ اللَّيلِ إلا وهو قفرٌ منازلُهٌ وقال أبو عثمان المازني: ما شبه الليل أحد تشبيه كعبٍ: وليلةِ مُشتاقٍ كأنَ نُجومَها ... تفرَّقنا منها في طَيالسةٍ خُضرِ ابن المعتز: ومصباحُنا قمرٌ مُشرِقٌ ... كترسِ اللُّجينِ يشقُّ الدُجى العلوي: والليلُ منْ لألاءِ قَمْرائه ... ينشرُ منه علمٌ مذهبُ ابن المعتز: والصبحُ ملتبسُ كعينِ الأشهلِ التنوخي: كأنَّ الدجى لما استنارتْ نُجومُهُ ... رِداءٌ موشّ، أو كِتابٌ منمَّقُ ابن المعتز: واللَّيلُ مُشمطُّ الذرا ... والصُبحُ حينَ حبا وشبّا العلوي: رُبَّ نهارٍ أمسَتْ أصائلُهُ ... تُرشفُ مَن شمسِهِ صُباباتِ قضيتُ فيهِ والشمسُ ناعِسةٌ ... من جزعي نومةَ العشيّاتِ التنوخي: وأصفرُ الجوِّ قدْ لاحَتْ كواكِبهُ ... فيهِ كدرٍّ على الياقُوتِ منثورِ ابن المعتز: وأرى الثُريَّا في السماءِ كأنَّها ... قمرٌ تبدَّتْ في ثيابِ حِدادِ العلوي: رُبَّ ليلٍ وهتْ لآلي دموعِ ... فيهِ حتى وهَتْ لآلي الثُريَّا ورِداءُ الدجى لبيسٌ داريسٌ ... في يدِ الفجرِ وهو يطويهِ طيَّا وهبوبُ الضياءِ منْ أُفقِ المشر ... قِ يذرو الظلامَ شيئاً فشيَّا الصولي: ونجومُ اللَّيلِ تحكي ... ذهباً في لا زوردِ

стр. 70

ابن المعتز: ولاحةِ الشِّعرى وجوزاؤُها ... كمثلِ زجٍّ جرَّهُ رامِحُ ولهُ: كأنَّ سماءنا لمّا تجلَّتْ ... خلالَ نِجومها غبَّ الصباحِ رياضُ بنفسجٍ خضلٍ ندَاهُ ... تفتَحَ بينهِ نورِ الأقاحِ التنوخي: رُبَّ ليلٍ كتجَنِّي ... كِ مقيم ليسَ يذهبْ ونجومِ اللَّيلِ وقفٌ ... كلآلٍ لم تثقَّبْ وله: واللَّيلُ كالحلَّةِ السوداءِ لاحَ بها ... منَ الصباحِ طرازٌ غيرُ مرقومِ ولهُ: والجوُّ مشتملٌ منْ فوقِ سندسِهِ ... بأرجوانٍ على الآفاقِ منشورِ كأنَّهُ روضةٌ خضراءُ لابسةٌ ... منَ الشقيقِ قميصاً غيرَ مزرورِ العلوي: ها إنِّها الجوزاءُ في أُفقها ... واهيةٌ ناعِسةٌ تسحبُ نِطاقُها واهٍ لَدى أُفقها ... ينسلُّ منها كوكبٌ كوكبُ آخر: كأنَّما الجوزاءُ لمّا طلَعتْ ... حوتٌ على لُجَّةِ بحرٍ قد طفا آخر: وشالتِ الجوزاء منها باليدِ ... فَعلَ البغيِّ لوَّحتْ بالمَعضدِ العلوي: واللّيلُ راسٍ كالحليمِ المُحتبي غضبانُ إنْ ناجيتَهُ لمْ يجبِ ونجمُهُ قدْ لاحَ فوقَ مرقبِ ذا حيرةٍ كالدَّيدبانِ المُرتبي يشكُو إلى الأفقِ انسِدادَ المذهبِ والجوُّ منْ شعاعِهِ ذو طُنبِ حتى بدا الفجرُ كمثلِ اللَّهبِ يمحو الدُجى محو الرِضى للغضبِ شيئاً فشيئاً كاعتذارِ المذنبِ ابن المعتز: والصبحُ حيٌّ في مشارِقهِ ... واللَّيلُ يلفظُ آخرَ النَّفسِ آخر: كأنَّهُنَّ دُررٌ منظُومةٌ ... بَدَّدها في الجوِّ رامٍ إذ رمى أرقُبها حتى كأنّي عاشِقٌ ... يرقبُ أنْ تغفي عيونَ الرُقبا آخر، في الأفقِ والنجومِ: كأنَّهُ ياقوتةٌ أو مقلةٌ ... زرقاءُ أو قحفُ قواريرٍ أكبّ وأقبلتْ أنجُمهُ كأنَّها ... نورُ أقاحٍ أو ثغورٌ أو حبَبْ آخر: يا ليلةً قدْ بِتُّها ساهِراً ... كأنَّني من قلقٍ أرصدُ في كلِّ وجهَ أمَّه فَجرُهُ ... بابُ دجىً من دونِهِ موصَدُ والنجمُ والجوزاءُ قد أقبلا ... كفارسٍ في كفَّهِ مطردُ لبعضهم: ولاحَ لنا الهلالُ كشطرِ طوقٍ ... على لبَّاتِ زرقاءِ اللِّباسِ آخر: وكأنَّ الهِلالَ نونُ لُجينٍ ... غرِقتْ في صحيفةٍ زرقاءِ تمَّ كتابُ المحبِّ بحمدِ اللهِ تعالى ومنهِ، ويتلوهُ، إن شاء الله تعالى كتابِ المشموم . والحمد للهِ وحده، وصلاتهُ وسلامهُ على سيدنا محمدٍ وآلهِ وأصحابهِ. وحسبنا الله ونعم الوكيل. كتاب المشموم المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 71

الربيع كاسمه، ربيع القلوب، ونزهة العيون، وفرحة النفوس، وجلاء الصدور، وفسحة الآمال، وحركة الأجرام المصمتة، ونمو الجماد، كأنك شاهدت به العالم وسر الخلق، وعاينت الهيولى وتركيب البنية فيها والطينة وحدوث الصورة لها؛ ورأيت البسيط وتأليفه، والمفرد وازدواجه، وأبصرت نفخ الأرواح في الأشباح، وكيف تخرَّقت منافسها، وتحلَّلت محارقها؛ فأحسست الجوهر وحلول العرض فيه، والأشخاص وتنوعها، وكيف فتقت الأرض بالصدع حتَّى تأخذ زينتها، وتلبس البسيطة زخرفها من كل زوج بهيج ونشر أريج. فهي خصيبة الجناب، دمثة التراب، مهاد وثير للهاجع، وشعار كبير لليقظان الرائح. والشَّمس عوض من الصِّلاء، والهواء خلف من الغذاء، وصفحة السماء ريَّا تكاد رقة تقطر، وغضارة تمطر، وأوضاح الكواكب نيرة تزهر، كأنهن عيون زرق في البراقع، وأنوار الأقاحي على رياض بنفسج، أوْ نثر جمان في عرضة فيروزج، كأنما دراريهما شرر متقاذف والجو رمادها، أوْ خرائد سوافر والهواء حدادها، أوْ شذور ذهب أحمر على بساط زبرجد أخضر. والجو يبهى رقة وصفاء، وطلعة القمر لألاؤها كأنها ماويَّة عسجد سراة العشاء، وكأنه موجة مكفوفة والبر بحر من فيض قمرائه، والظلمة فجر من أشعة أضوائه، والشَّمس غرة مطلعها مرآة مصقولة في كف الأشل. أوْ كما تهتز الصحيفة الجلواء، أوْ كترس يقلبه كميٌّ رامح. فإذا كربت للمغيب، وعادت مذهبة الفرقد، ونفضت على أطراف الجدران ورس الأصيل كالملاء المعصفر، مدَّت على الأفق الغربي سطر ذهبي من شفق الغروب وجاديّ المغيب؛ فخلت السماء فرشاً كحليّاً مفروشاً أحد الطرفين بالذهب المنسوج والعبير الممزوج، وموصولاً أحد الطرفين بالإبريز المسبوك والوشي المحبول. يميع زبرجها في خضرة الأرض الأريضة والفضاء العريضة، منصدعة سهولها ووعورها، متَّسقة بطنانها وظهورها بجواهر الأزاهير خارجة من أكنة الصدف، وأنوار النوار ضاحكة خلال السدف، والتربة حلة وحرير، والنبات روضة وغدير، والقطر لؤلؤ نثير، وما بين ماحله وأفنان مكمّمه قد جرى في عودها الماء. وأشجار ذات جمم لم تمشطها النساء، وقرارة تطّرد كأنها فيضة مكروب، أوْ بثة مكظوم، أوْ نفثة مصدور، أوْ كما يتنفس الحزين الواجم، والمغتاظ الكاظم. وخدود عشب يضمّخها ثراها. وأمواهٌ يصلُّ بها حصاها ... صليلَ الحليِ في أيدي الغواني

стр. 72

والصارم الهندواني. وظواهر الأطواد، وأقبال الأجلاد بعد العري والعطول فضفاضة الأردية، سابغة الذيول، في مقطعات الحلل، ومصنوعات الحلي، وقلل الجبال متوجة تميل في أطراف الأعشاب أجيادها، وتروق بكسوة الخضرة أجسادها. وعلى كل قنّة شاهقة، وشعفة شامخة غمام مكلل بالمرجان والدرر؛ وبكل سفح برد مهلل بقُراضة الفضة والتبر؛ مفصلات ألواذها وضواحيها، وهضباتها وأعاليها؛ بسيح نطفة زرقاء وفيض ثغرة سجراء، ورصف مترع ملآن، ومستنقع مفعم ريان. ففي كل قلتٍ ندوة كوكب، وعلى كل ثعبٍ هالة قمر، وبكل غدير طفاوة شمسٍ. فإذا نزلت في المذانب والقريان من الشعاف والمصدان انسرحت خلال رملٍ محقوقفٍ ونقاً مستدير، وأفضيت من عواقل الريود وفدر العصم وصحم الأراوي إلى أصورة المها، وأقاطيع الوحوش رواجع إلى السهول والأوعار، بعد أن كانت قواطع إلى المهامه لقفار، مختلطات الأسراب بالآجال هملاً بلا راع، وبدداً دون والٍ عليها ساع. بها العين والآرام يمشين خلفةً، والجآذر والغزلان ينادين صرمةً مؤتلفات جيرةً، وكن أبعاداً، وجميعاً، وكن أفراداً، فمن ثَمَّ جؤذر أحم السوارين، ومن هنا شادن أدعج الناظرين، حواضنها مولَّعة خنساء ومُغزل أدماء، بين صوارٍ للبقر حور العيون بابليَّات النظر، متولّجة مطافيلها بكل وِهاديّ المراتع يحرجُ كأنه مناط وشاح أوْ معلّق دملُج؛ كأنما هتكن سجوف الرقم والكلل عن ذوات الأهداب والوُطف وحور المقل؛ عينٌ كوانس كالعين الأوانس، لا يسكنّ إلاَّ بمنجاةٍ من الريب. وفرق الظباء ملاطمهنَّ شيمٌ كأن بلادهن سماءٌ تكشفت عن كواكبها غيومٌ من أُدمان الظباء الخواذل؛ لاوياتٌ السوالف كأنهن صفح المناصل، سواكن كل قذف فلاةٍ وبلدةٍ وسمية الثرى غداةٍ، معتادات كل مرتاد الندى خضل مستحلسٍ بعميم النبت مكتهلٍ؛ يراعي كل أحقب ذي سفعةٍ، أوْ أخطب ذي خطةٍ، ومسحَّجٍ عاري الصبيين ومرنِّ الضحى بين جدَّتين وكل أم ساجي الطرف وسنان ينوء من ضعاف فواتر، تستودعه الحمى وتنص إليه جيدها بالمناظر، أوْ مخرفٍ فردٍ بأعلى صريمةٍ عاطفٍ تتصدى لأحوى مدمع العين في فينان من الظل وارف. فواحم المدارى مؤلّلات حدادها كأنهن أقلام بلحظها يردن نطاف المصانع، مطّردة كالسيوف القواطع، عواقد أمهاتها من سحمِ القرون عقائص، كأنها ملوية الأسورة، أوْ مثنية الأهلة، كما سمعت الأول: وقفتُ على العفر في ربعهمْ ... فخلتُ على رأسِ كلِّ هلالا إذا قلت هل يرجعُ الظاعنو ... نَ تمثَّلَ لي كلُّ ترنٍ ألالا وورق الحمائم عواطل في قلائد وعقود، وعوار في معمدات وبرود. وكل طروب الضحى هتوف العشا، تترنم خلال أوراق الغصون كما تقطع الكرائن، تحت الستائر، أصوات الأغاني واللحون، فيلتقي شتات المتيم بين اللحون. يصلنَ بنوْحي نوحهنَّ وإنَّما ... بكيتُ لشجوي لا لنوحِ الحمائمِ والنهار معتدل المزاج حره وبرده، ومستقيم ميزان ليله ونهاره. ولا قر يجمد، ولا حر يلفح. والماء فضة بلا ذهب، والشَّمس نور بلا لهب، وقد انحطَّت عن لفحة الهجير ووقدة الشِّعرى العبور، وارتفعت عن خصر الشتاء؛ وكوكب الجرباء تطلع في قميص شعاعٍ مذهب الزبرج، ويتساقط ضياؤها خلل الأوراق كاللؤلؤ المدحرج. والأعشاب غبَّ قطارها كالعروس تحت نثارها: ذهبٌ حيثما ذهبنا ودرٌّ ... حيثُ درنا وفضةٌ في الفضاء والجو مغيم وهو من تلألؤ الزهر مشمس. والليل مظلم وهو من تضاحك الأنوار مقمر. والريح سجواء الهبوب، تغازل الأرواح رقَّة، وتقرص الأبشار خفَّة، كأنها ذيل الغلالة المبلول، أوْ نفس المستهام العليل، فإذا اشتدت عصفتها، ومعجت هبَّتها حسبتها خرقاء ذات نيقة، وهوجاء جدّ رقيقة، نسجت على ظهور الكثبان ومتون الغدران مالا تنمِّقه الصوانع في صفحة القضيم، ولا تقدِّره الخوالق على فراء الأديم ببديع النَّسج في الكثيب، وتمحوه بإقبالها إلى الأدبار. والفصل متحبَّب شمائله، متلوِّن خلائقه. بينا البرق ضاحكاً استحال باكياً، ووجه السماء مستبشراً راح ترفضُّ دموعه مستعبراً يختال الغصن الرويّ بقدِّه، والورد الجنيُّ بخده. وترى الرياضَ كأنهنَّ عرائسُ ... يُنقلنَ من حمراءَ في صفراءِ إذا لحظتَ زاهرَ الشجْراءِ ... وجدته مُصفرَ السماءِ وإن شممت أرجَ الفضاءِ ... ألفيتهُ مُعنبرَ الهواءِ

стр. 73

يجري سلسال الماء على رضراض الحصباء مطَّرداً كأنه سبيل لجين ممدَّد، أوْ صفيح مجرَّد، أو متن يمان مهنَّد. حتَّى إذا ضربت الريح متنه تحلَّق وجهه، وتحزَّز جريه، فانجابت أقذاؤه وصفت كأنه حلق الجواشن مصقولاً حواشيها، أو متون المبارد مجلوّاً نواحيها: ما إن يزالُ عليه طيرٌ كارعٌ ... كتطلُّعِ الحسناءِ في المرآةِ والشَّمس يحسر مرة لثامها، وتارة يسيل غمامها؛ فهي تسفر وتنتقب، وتبرز وتحتجب طلاع فتاة تشرق اغتراراً، وتخاف اشتهاراً: شمسٌ تُطالعنا فتمنحُنا ... نوراً يلاحظُنا بلا لهبِ والخلاف يعقد على القضبان سموط درِّه، ويفتح ختام الربيع بمفترِّ ثغره. معندم القشر، معنبر النَّشر، مرصَّع قشره بنور كأنه لؤلؤ ولاف. والشقائق مصفوفة على الضواحي مطارده، منظومة في سفوح الجبال قلائده، ينشر جمَّته سوداء، وحلَّته حمراء، متمايلاً على قاماته الرشاق، متهادياً خلال الرياح بقضبانه الدقاق، كأنه سبج قرنت به عقيقاً، أو فحم أشعلت به حريقاً أو أقداح ياقوت قرارتها سحيق مسك أذفر، أو زنجيَّة قامت في معصفرة على ساق أخضر، تتهاداه الرياح فينثني ثمَّ يستوي كأنه سكران طافح، أو كما جرَّ رمحه رامح. وسقيط الطلّ عليها كأنه مواقع الدموع في خدود الخرائد، أو سقوط الفرائد من مناط القلائد في ترائب الولائد: شقائقُ يحملنَ النَّدى فكأنَّها ... دموعُ التصابي في خدودِ الخرائد والورد يقدم من خلل الربيع الباكر، وخصاص الريحان الزاهر، يحكي في معرض شجرة نسيم سحره؛ يحمرُّ خجلاً ويصفرُّ وجلاً، أوْ يبيضُّ جذلاً؟ ما بين أحمر كالحياء شيبت به الخدود، أوْ أصفر كالمحبّ أضرَّ به الصدود، أوْ أبيض كالنجوم مطالعها السعود: وذي لونينِ نشرُ المسكِ فيه ... يروقُ بحُمرةٍ فوقَ اصفرارِ كَمعْشوقيْنِ ضمَّهما عناقٌ ... على حدثانِ عهدٍ بالمزارِ والنَّارنجُ تطلعُ بينَ الأغصانِ متَّقدةَ القشرِ بخالصِ العِقيان، أرجوانيَّة اللَّون، كما غمست بالدم قبيعة حسام مهنَّد، أو كأنها شموس عقيق في قباب زبرجد، أو الرّاح صرفاً، أو كخدٍّ مورَّد، أو كمرآةٍ مخروطة من الياقوت على صوالجة زمرُّد، أو حقاق مرجان مترعات من الدرّ في ملاحفها الخضر، أو كبَّة جمر محذوفة من جاحم النار، أو أنهار مضرَّجة ممسَّكة الحافات والأقطار: أتتْ كلَّ مشتاقٍ بريّا حبيبهِ ... فهاجتْ له الأشواقَ من حيثُ لا يدري والأترجُّ متهدِّلٌ من الأشجار أشباه نواهد الأبكار كالشمس معرضةً في ورس الأصائل، أو قناديل ذهبية نيطت بخضر السلاسل: تخالُ بها في اخضرار الغُصو ... ن نواهدَ بين مُلاءِ القصبْ والأقحوان ضاحك عن مباسم الثغور من كلَّة الخدور؛ تبدو أوراقه كافوريَّة الظَّهر والبطن، ولؤلؤيَّة البهجة والحسن: تُذكرنا ريَّا الأحبَّةِ كلّما ... تنفَّسُ في جُنحٍ من اللَّيلِ باردِ والبنفسج يأرج بذكاء الورد، ويعرض بصبغة اللاَّزوَرْد، أو قرص التجميش في صحن الخدّ: كأنَّها فوقَ طاقاتٍ ضعُفنَ بها ... أوائلُ النَّارِ في أطرافِ كبريتِ والنّرجسُ الغضُّ يزهو في مقاطعهِ ... كأنَّهنَّ عيونٌ مالها هدُبُ أو أجفان فضَّة أحداقها من ذهب، أو أقداح ياقوت مخروطة من لؤلؤ رطب، أو فصوص درٍّ أبيض حول مصوغ تبر أصفر على قضيب زبرجد أخضر، أو رواصد عيون الرقباء لزيارة الأحبَّاء، أو كواكب تألَّقت في صفاء هواء على صحن سماء: طَلعن نُجوماً خلالَ الريا ... ض ما بينَ زُهرةَ والفرقدِ سهرنَ قياماً على ساقها ... ونمنَ وقد قطفتها يدي والسّوسن مسبوكة ورقاته، متراكبة طبقاته، كأنه شقق صينيّ الحرير الممهّد على قدود رابية من خضر الزبرجد. ليِّن المسِّ، عبق المشمّ، خضل الورق، كأنه من رقَّته وشاح ولنفحته نضاح، كهدب الوشي المبلول أو نسيم السّحر المطلول. كأنَّ أوراقه في كل شارقةٍ ... على الميادين أذنابُ الطواويسِ والآذريون يشدّ الليل أزراره، ويفتح الصبح أبصاره كأنه كأس عقيق بقرارة مسك سحيق، أو نقطة مسك في خدّ متيَّم، أو إيماض بارقة في غيم أسحم، أو دارة سبج في صحيفة زبرجٍ: أزرارُ ديباجٍ إذا الليلُ دجا ... وهنَّ في الصبح عيونٌ ساميهْ

стр. 74

والجلَّنار مشبع الصبغة قانئ الحمرة مضرَّج بالدَّم كمنحر البدن، أو قوارير خمر عاقرت ساحة الدنِّ: يدعو إلى وردةٍ مورَّدةٍ ... حمراءَ مصبوغةِ القواريرِ إذا وَنَتْ في الأكفِّ حَثْحَثَها ... للسيرِ نطَّاقةُ المزاميرِ فثارَ لِلَّهو والهوى رهجٌ ... تحسبه وقعةَ المغاويرِ فكم قتيلٍ على الكؤوسِ بها ... وكم جريحٍ بجنبِ مأسورِ حتَّى إذا خلف الاعتدال الربيع يّ الاعتدال الخريفيّ، فانثنت القضبان متساقطة والثمار متهدّلة والفواكه يانعة متلوِّنة الأصباغ منفوضة الأزهار، وعادت بعد بشاعتها شهية، وغبَّ مماتها فخمة متصلة أنابيبها بالأفنان أعطافها وحواشيها، كأنها أشربة واقعة دون أوانيها؛ قد أماعها الحر بلفحاته، وعقدها القرُّ بنسماته، وأنضجتها الشَّمس، وصبغها القمر، فهي ظروف هواء على صبابات نور، أوْ أوعية ملاء من الضرب المنثور، طالعك الزعفران غريب الوجه والبنان أنيق الوقت والأوان في أغشية المصمت الأزرق، كأنها نصول السهام أوْ تخطيطات الألفات على الأكمام. فإذا وهت حروفها واتسع بأعاليها فتوقها، زافت كألسنة الحيات مذعورة، أوْ أعراف الخيل منشورة، أوْ شوك الإبر مضمّخات بصفرة فاقعة، أوْ حمرة قانية، كأنهنَّ حياء تحمرُّ أوْ مخافة تصفرُّ: حُمْراً وصفراً في تراكيبها ... كأنها تخجلُ أو تُذعرُ قد ذكرنا بعض نعوت الربيع في صدور المقالة قولاً منثوراً، ونحن متبعوها بجميع صفات فصله وسحائبه وبروقه ورعوده وأنهاره وغدرانه ومصانعه وملاءته وأزاهير فضائه وسجسج هوائه شيئاً فشيئاً مبوّباً مرتَّباً؛ وبالله الحول والقوة والتوفيق. الباب الأول الربيع أنشد علي الأسواري هذه المقطوعة: أوائلُ رسلٍ للرَّبيعِ تقدَّمتْ ... على حسن وجهِ الأرض خيرَ قدومِ فراقتْ لها بعدَ الممات حدائقٌ ... كواسٍ وكانتْ مثل ظهر أديمِ كأنَّ اخضرارَ الرَّوضِ والنَّورُ طالعٌ ... عليه سماءٌ زُيِّنت بنجومِ إذا افتضَّها لحظُ البصير بلحظةٍ ... توهَّمها مفروشةً برقومِ تردَّتْ بظلٍّ دائمٍ وتضاحكتْ ... بضحكِ بروقٍ في بكاءِ غيومِ فأوردها فحلُ السَّحاب عرائساً ... ضعافَ القِوى من مرضعٍ وفطيمِ كمثلِ نشاوى الرَّاح يلثمُ دائباً ... إذا الرّيحُ جادتْ بنتها بنسيمِ الخليع: ضحكت ضواحي الأرض لمَّا رقرقتْ ... ظهرانهنَّ مدامعُ الأنواءِ فترى الرّياضَ كأنَّهنَّ عرائسٌ ... يُنقلنَ من صفراءَ في حمراءِ البسَّامي: أما ترى الأرضَ قد أعطتكَ زهرتَها ... بخضرةٍ واكتسى بالنَّوْرِ عاريها فللسماءِ بكاءٌ في جوانبها ... وللرَّبيعِ ابتسامٌ في نواحيها الزاهي وأحسن فيه: هذا الربيعُ وهذه أنوارُه ... طابتْ لياليه وطابَ نهارهُ درِّيَّةٌ أنوارهُ فضيَّةٌ ... أنهارهُ ذهبيَّةٌ أشجارُهُ متأرِّجٌ نشواتهُ متبلّجٌ ... ضحواتهُ ومتبرِّجٌ أسحارُهُ والماءُ فضيُّ القميصِ مفروزٌ ... ببنفسجٍ واللازوردُ شعارُهُ والسَّروُ ممدودُ القوام كأنَّه ... قدُّ القناةِ يصفهُ أنهارُهُ وترنَّمتْ عجمُ الطّيورِ كأنَّها ... سربُ القيان ترنَّمتْ أوتارُهُ فاشربْ على ورد الخدودِ بجنبهِ ... وردُ الربيع تحُفُّهُ أنوارُهُ من كلِّ أحورَ كالقضيب منعَّمٍ ... قد شدَّ خوطَ قوامه زنَّارُهُ يسقيكَها من كفِّه وبطرفه ... أضعافَ ما قدْ أسكرتْه عُقارُهُ متدلِّلٌ من عقدهِ بدرُ الدجى ... متهلِّلٌ وظلامُه أزرارُهُ الصنوبري: إنْ كانَ في الصيفِ ريحانٌ وفاكهةٌ ... فالأرضُ مستوقد والجوّ تنُّورُ وإن يكنْ في الخريفِ النخلُ مختَرفاً ... فالأرض محصورةٌ والجوُّ مأسورُ وإن يكنْ في الشتاء الغيمُ متَّصلاً ... فالأرض عريانةٌ والجوُّ مقرورُ ما الدَّهرُ إلاَّ الربيعُ المستنيرُ إذا ... جاء الربيعُ أتاكَ النَّورُ والنُّورُ فالأرض ياقوتةٌ والجوُّ لؤلؤةٌ ... والنَّبتُ فيروزجٌ والماءُ بلُّورُ لا تعدمُ الأرض كأساً من سحائبه ... فالنبتُ ضربانِ سكرانٌ ومخمورُ

стр. 75

فيه جنى الورد منضودٌ مورَّدةٌ ... به المجالسُ والمنثور منثورُ هذا البنفسجُ هذا الياسمينُ وذا ال ... نِّسرينُ ذا سوسنٌ بالحسنِ مشهورُ حيثُ التفتَّ فقمريٌّ وفاختةٌ ... وبلبلٌ ووراشينٌ وزرزورُ يطيبُ حولَ صحاريهِ المقامُ كما ... تطيبُ في غيرهِ الحاناتُ والدُّورُ في كلِّ ظهرٍ علونا فيه دَسْكرةٌ ... وكلِّ بطنٍ هبطنا فيه ماخورُ تباركَ اللهُ ما أحلى الربيع فلا ... يغررْ مقايسهُ بالحسن تغريرُ مَن شمَّ ريحَ نحياتِ الربيع يقلْ ... لا المسك مسك ولا الكافورُ كافورُ آخر: هذا الربيعُ من الجنانِ هديَّةٌ ... ونديمُ كأسكَ من نتاجِ الحورِ لك نزهتانِ محاسنٌ ومناقبٌ ... إنْ لم تلذَّ فلستَ بالمعذورِ فالوردُ في خُضر القُموعِ كأنَّه ... وردُ الخدودِ بخُضرةِ التَّعذيرِ آخر: قهقهَ نورُ الربيع فاستبشرْ ... واكتستِ الأرضُ مطرفاً أخضرْ ترى ربيعاً نوَّارهُ ذهبٌ ... ماءُ لجينٍ حصباؤه جوهرْ عطَّل صبّاغُه الخدودَ بما ... ورَّدَ من صبغها وما عصفرْ لابسُ قميصٍ من العقيق على ... غلائلٍ من زبرجدٍ أخضرْ الخبزأرزي: هذا الربيعُ من الجنَّات مسترقٌ ... ففيه من صفة الجنَّات تمثيلُ فالوردُ من وجنة المعشوق صِبغتُه ... والطيبُ من نكهةِ المعشوق معلولُ وردُ الخُدود مصونٌ ليس يقطفهُ ... إلاَّ العيونُ ووردُ الرَّوض مبذولُ طيبوا فما طيبُ هذا الفصل مُدَّغمٌ ... يخفى ولا فضلُ هذا اليومِ مجهولُ أمَّا النَّهارُ فر حرٌ ولا خصرٌ ... والليلُ لا قصرٌ فيه ولا طولُ فلا البنانُ عن التجميش منقبضٌ ... ولا العناق لكرب الحرِّ مملولُ طاب الهواءُ لتعديل الهواءِ به ... فللَّذاذاتِ في الأرواحِ تعديلُ فشيِّعوا يومَكم واستقبلوا غدهُ ... فقسمةُ العيش تعجيلٌ وتأميلُ وما انتظاركمُ والعيشُ مقتبلٌ ... والوردُ مُبتسمٌ والروضُ مطلولُ غيره: اخضرَّتِ الأرضُ واصفرَّت وقد لبستْ ... ثوبَ النضارةِ أشجارُ البساتينِ والروضُ مبتهجٌ والماءُ مطّردٌ ... والنَّورُ مفترشٌ وسطَ الميادينِ والوردُ أطيبُ شمَّاماً ورائحةً ... من مسك تُبَّتْ أوْ من عنبر الصينِ أما ترى الطيرَ غنَّتْ وقد طربتْ ... تحكي بنغمتها وزنَ الدَّساتينِ الصنوبري: أما ترى جواهرَ الأنواءِ ... ألَّفها مؤلِّفُ الأنداءِ ما شئتَ من ياقوتةٍ حمراء ... فيها ومن ياقوتةٍ صفراءِ قدْ فُصِّلتْ بدرَّةٍ بيضاء ... زهراءَ مثلِ الزَّهرةِ الزَّهراءِ فإن لحظتَ زاهرَ الشَّجراءِ ... ألفيتهُ معصفرَ السماءِ وإنْ شممتَ أرجَ الفضاءِ ... وجدتَهُ معنبرَ الهواءِ في ذهبِ التُربُ لجينُ الماءِ ... يجري على زمرُّد الحصباءِ الباب الثاني البرق أنشد لبعض العرب، وهو نادرٌ ما قيل: ألا يا سنا برقٍ علا قُللَ الحِمى ... ليهنكَ من برقٍ عليَّ كريمُ لمعت اقْتذاءَ الطيرِ والقومُ هجَّع ... فهيجتَ أوجاعاً وأنتَ سليمُ آخر، وهو من البديع: نارٌ تُجدِّدُ للعيدانِ نضرتَها ... والنَّارُ تلفح عيداناً فتحترقُ أعرابي: وكمْ دونَ ليلى منْ بريقٍ كأنَّه ... سُيَيْفٌ ولكن لم يسلَّ من الغمدِ يضيءُ ويخفى تارةً فكأنَّه ... تقطُّعُ لمعِ النَّارِ في طرفِ الزندِ أنشد الجاحظ لحميد بن ثور: أرِقتُ لبرق آخر اللَّيل يلمعُ ... سرى موهناً دوني يهبُّ ويهجعُ خفا كاقتذاء الطير والليلُ ضاربٌ ... بأرواقهِ والصبحُ قد كادَ يسطعُ وأنشد أيضاً: أشاقكَ برقٌ أخرَ الليل لامعٌ ... وكلُّ حجازيٍّ لهُ البرقُ شائقُ سرى كاحتساء الطير والليلُ دونه ... وأعلامُ سلمى كلُّها والأسالقُ جحظة: ألا أيُّها البرقُ الذي صابَ ودقُه ... وسارتْ به في الجانبينِ الجنائبُ إذا أنتَ روَّيتَ المطيرة مثلما ... روينا به خمراً فحقُّكَ واجبُ آخر:
следующие страницы →