← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 7329

نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق

ناصر الدين الألباني

Полный текст (69 стр.). Показаны 36–69 · переход к 41.

стр. 36

مثل حديث: "الأذنان من الرأس" ١ ونحوه، فهلاّ جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن لأن بعض ذلك عضد بعضًا كما قلتم في نوع الحسن على ما سبق آنفًا؟! وجواب ذلك أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت فمنه ما يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئًا من ضعف حفظ راويه، ولم يختلّ فيه ضبطه له، وكذلك إذا كان ضَعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر٢ ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك

стр. 37

ضعف الحديث المرسل وسببه ... لقوة الضعف، وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضعيف الذي ينشأ من كون الراوي متهمًا بالكذب، أو كون الحديث شاذًّا. وهذه جملة تفاصيلها تُدرَك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة". قلت: ولقد صدق رحمه الله تعالى، فإن الغَفَلَةَ عن هذه النفيسة قد أوقعت كثيرًا من العلماء، لا سيّما المشتغلين منهم بالفقه في خطأ فاضح، ألا وهو تصحيح كثير من الأحاديث الضعيفة اغترارًا بكَثرة طُرقها، وذهولًا منهم عن كون ضعفها من النوع الذي لا ينجبر الحديث بضعفها، بل لا تزيده إلا وَهنًا على وهن، ومن هذا القبيل حديث ابن عباس في هذه القصة، فإن طرقه كلها ضعيفة جدًا كما تقدم، فلا يتقوى بها أصلًا. لكن يبقى النظر في طرق الحديث الأخرى، هل يَتَقَوّى الحديث بها، أم لا؟ فاعلم أنها كلها مرسلة، وهي على إرسالها معلة بالضعف والجهالة كما سبق تفصيلها، سوى الطرق الأربعة الألى منها "رقم ١ و ٢ و ٣ و ٥" فهي التي تستحق النظر، لأن الحافظ ﵀ جعلها عمدته في تصحيحه هذه القصة، وتقويته لها بها، وهذا مما نخالفه فيه، ولا نوافقه عليه، وبيان ذلك يحتاج إلى مقدمة وجيزه مفيدة إن شاء الله تعالى، وهي:

стр. 38

ضعف الحديث المرسل: الوجه الثاني: وهو يحتوي على تحقيق أمرين أساسيين: الأول: أن الحديث المُرسَل، ولو كان المُرسِل ثقة، لا يُحتج به عند أئمة الحديث، كما بيّنه ابن الصلاح في "علوم الحديث" وجزم هو به فقال "ص٥٨": "ثم اعلم أن حكم المُرسَل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر كما سبق بيانه ... وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضَعفه، هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفّاظ الحديث، ونقاد الأثر، وقد تداولوه في تصانيفهم". الأمر الثاني: معرفة سبب عدم احتجاج المحدثيين بالمُرسَل من الحديث، فاعلم أن سبب ذلك إنما هو جَهالة الوساطة التي روى عنها المُرسِل الحديث، وقد بيّن ذلك الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" حيث قال "ص ٢٨٧" بعد أن حكى الخلاف بالعمل المرسل: "والذي نختاره سقوط فرض العمل بالمراسيل، وأن المرسل غير مقبول، والذي يدل على ذلك أن إرسال الحديث يؤدي إلى الجهل بعين راويه، ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه، وقد بيّنا من قبل أنه لا يجوز قبول الخبر إلا ممن عرفت عدالته

стр. 39

هل يتقوى الحديث بمجيئه من طرق مرسلة ورأي المؤلف في ذلك ... فوجب كذلك كونه غير مقبول، وأيضًا فإن العدل لو سئل عمن أرسل عنه؟ فلم يُعدّله، لم يجب العمل بخبره، إذا لم يكن معروف العدالة من جهة غيره، وكذلك حاله إذا ابتدأ الإمساك عن ذكره وتعديله، لأنه من الإمساك عن ذكره غير مُعدّل له، فوجب أن لا يقبل الخبر عنه". وقال الحافظ ابن حجر في "شرح نخبة الأفكار" "ص١٧" بعد أن ذكر الحديث المرسل في "أنواع الحديث المردود": "وإنما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف، لأنه يحتمل أن يكون صحابيًا، ويحتمل أن يكون تابعيًا، وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفًا، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حُمل عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق ويتعدد، أما بالتجويز العقلي، فإلى ما لا نهاية، وأما بالاستقراء، فإلى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض، فإن عرف من عادة التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة، فذهب جمهور المحدثين إلى التوقف، لبقاء الاحتمال، وهو أحد قولي أحمد، وثانيهما: يقبل مطلقًا، وقال الشافعي ﵁: يُقبل إن اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى مسندًا كان أو مرسلًا ليترجّح احتمال كون المحذوف ثقة في نفس الأمر"

стр. 40

قلت: فإذا عرف أن الحديث المُرسَل لا يقبل، وأن السبب هو الجهل بحال المحذوف فيرد عليه أن القول بأنه يقوى بمرسل آخر غير قوي لاحتمال أن يكون كل من أرسله إنما أخذه عن راوٍ واحد، وحينئذ ترد الاحتمالات الذي ذكرها الحافظ، وكأن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قد لاحظ ورود هذا الاحتمال وقوته، فاشترط في المرسل الآخر أن يكون مُرسِله أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول، كما حكاه ابن الصلاح "ص٣٥" وكأن ذلك لَيغلب على الظن أن المحذوف في أحد المرسَلين هو غيره في المرسَل الآخر. وهذه فائدة دقيقة لم أجدها في غير كلام الشافعي ﵀ فاحفظها وراعِها فيما يمر بك من المرسَلات التي تذهب البعض إلى تقويتها لمجرد مجيئها من وجهين مرسَلين دون أن يراعوا هذا الشرط المهم. ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد نصّ أيضًا على هذا الشرط في كلام له مفيد في أصول التفسير، نقله عنه الحافظ محمد بن عبد الهادي في كتاب له مخطوط في الأحاديث الضعيفة والموضوعة "حديث ٤٠٥/٢٢١"، فقال ابن تيمية رحمة الله تعالى: "وأما أسباب النزول، فغالبها مرسل، ليس بمسند، لهذا قال الإمام أحمد: ثلاث علوم لا إسناد لها. وفي لفظ: ليس لها

стр. 41

أصل: التفسير والمغازي والملاحم. يعني أن أحاديثها مرسلة، ليست مسندة". والمراسيل قد تنازع الناس في قَبولها وردها. وأصح الأقوال: أن منها المقبول، ومنها المردود، ومنها الموقوف، فمن عُلم من حاله أنه لا يرسل إلا عن ثقة قُبل مُرسَلُه، ومن عُرف أنه يُرسِل عن الثقة وغير الثقة، كان إرساله رواية عمن لا يُعرف حاله، فهو موقوف. وما كان من المراسيل مخالفًا لما رواه الثقات، كان مردودًا، وإن جاء المرسَل من وجهين، كل من الراويين أخذ العلم عن غير شيوخ الآخر، فهذا يدل على صدقه فإن مثل ذلك لا يُتصور في العادة تماثل الخطأ فيه وتعمد الكذب ... ". قلت: ومع أن التحقق من وجود هذا الشرط في كل مرسَل من هذا النوع، ليس بالأمر الهيِّن، فإنه لو تحققنا من وجوده، فقد يَردُ إشكال آخر، وهو أنه يحتمل أن يكون كل من الواسطتين أو أكثر ضعيفًا، وعليه يحتمل أن يكون ضعفهم من النوع الأول الذي ينجبر بمثله الحديث على ما سبق نقله عن ابن الصلاح، ويحتمل أن يكون من النوع الآخر الذي لا يقوى الحديث بكثرة طرقه، ومع ورود هذه الاحتمالات يسقط الاستدلال بالحديث المرسل وإن تعددت طرقه. وهذا التحقيق مما لم أجد مَن سبقني إليه، فإن أصبت فمن الله تعالى وله الشكر، وإن أخطأت فمن نفسي، وأستغفر الله من ذنبي.

стр. 42

وبالجملة فالمانع من الاستدلال بالحديث المرسل الذي تعدد مرسِلوه أحد الاحتمالين: الأول: أن يكون مصدر المرسلين واحدًا. الثاني: أن يكونوا جمعًا، ولكنهم جميعًا ضعفاء ضعفًا شديدًا. وبعد هذه المقدمة نستطيع أن نقول: إننا لو ألقينا النظر على روايات هذه القصة، لألفيناها كلها مرسَلة، حاشا حديث ابن عباس، ولكن طرقه كلها واهية شديدة الضعف لا تنجبر بها تلك المراسيل، فيبقى النظر في هذه المراسيل، وهي كما علمت سبعة، صح إسناد أربعة منها، وهي مرسل سعيد بن جبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وأبي العالية "رقم١-٣"، ومرسل قتادة، رقم "٥" وهي مراسيل يرد عليها أحد الاحتمالين السابقين، لأنهم من طبقة واحدة: فوفاة سعيد بن جبير سنة "٩٥" وأبي بكر بن عبد الرحمن سنة "٩٤"، وأبي العالية -واسمه رفيع مصغرًا- سنة "٩٠" وقتادة سنة بضع عشرة ومائة، والأول كوفي، والثاني مدني، والأخيران بصريان. فجائز أن يكون مصدرهم الذي أخذوا منه هذه القصة ورووها عنه، واحدًا لا غير، وهو مجهول.

стр. 43

وجائز أن يكون جمعًا، ولكنهم ضعفاء جميعًا، فمع هذه الاحتمالات لا يمكن أن تطمئن النفس لقَبول حديثهم هذا، لا سيّما في مثل هذا الحدث العظيم الذي يمسّ المقام الكريم، فلا جَرَم تتابع العلماء على إنكارها، بل التنديد ببطلانها، ولا وجه لذلك من جهة الرواية إلا ما ذكرنا، وإن كنت لم أقف على من صرّح بذلك كما ذكرت آنفًا. قال الفخر الرازي في "تفسيره ٦/١٩٣": "روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة١ أنه سئل عن هذه القصة؟ فقال: "هذا من وضع الزنادقة"، وصنّف فيه كتابًا. وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: "هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل" ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعون فيهم، وأيضًا: فقد روى البخاري في "صحيحه" أن

стр. 44

ذكر جماعة من الأئمة طعنوا في قصة القرانيق * ... النبي ﷺ قرأ سورة "النجم" وسجد وسجد فيها المسلمون والمشركون، والإنس والجن، وليس فيه حديث الغرانيق وروى هذا الحديث من طرق كثيرة، وليس فيها البتة حديث الغرانيق. وقد تبع هؤلاء جماعة من الأئمة العلماء، وهاك أسماءهم على ترتيب وفياتهم: ١- أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن العربي توفي سنة "٥٤٢"، في تفسيره "أحكام القرآن". ٢- القاضي عياض بن موسى بن عياض "٥٤٤" في كتابه "الشفا في حقوق المصطفى". ٣- فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن الرازي "٦٠٦" في تفسيره "مفاتيح الغيب: ٦/١٩٣-١٩٧" وقد مضى بعض كلامه في ذلك. ٤- محمد بن أحمد الأنصاري أبو عبد الله القرطبي في "أحكام القرآن: ١٢/٨٠-٨٤". ٥- محمد بن يوسف بن علي الكرماني من شرّاح "البخاري: ٧٨٦"، وقد نقل كلامه في ذلك الحافظ في "الفتح: ٨/٤٩٨". ٦- محمود بن أحمد بدر الدين العيني "٨٥٥" في "عمدة القاري: ٩/٤٧". ٧- محمد بن علي بن محمد اليمني الشوكاني "١٢٥٠" في "فتح القدير: ٣/٢٤٧-٢٤٨". ٨- السيد محمود أبو الفضل شهاب الدين الآلوسي "١٢٧٠" في "روح المعاني: ١٧/١٦٠-١٦٩".

стр. 45

٩- صديق حسن خان أبو الطيب "١٣٠٧" في تفسيره "فتح البيان". ١٠- محمد عبده المصري الأستاذ الإمام "١٣٢٣" في رسالة خاصة له في هذه القصة. وإذا عرفت هذا فلا بأس من ذكر كلمات بعض هؤلاء العلماء، لما فيها من الفوائد والتحقيقات التي تزيد القارئ إيمانًا ببطلان القصة، وتجعله يتبين أن النقد العلمي الرجيح يتفق دائمًا مع النقد الحديثي الصحيح، لأن كلًا منهما يقوم على قواعد علمية دقيقة لا تقبل التغيير والتبديل، وأنا أكتفي هنا بكلمات أربعة منهم. ومن شاء الزيادة فليرجع إلى المصادر الأخرى التي أشرنا إليها، والأربعة هم: ١- ابن العربي ٢- القاضي عياض ٣- الشوكاني ٤- الآلوسي. ١- كلام أبي بكر بن العربي في إبطال القصة: قال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر سبب نزول آية الحج التي ذكرناها في أول الرسالة ملخصًا من الروايات التي أوردناها:

стр. 46

"اعلموا أنار الله أفئدتكم بنور هداه، ويسَّر لكم مقصد التوحيد ومغزاه، أن الهدى هدى الله، فسبحان من تفضل به على من يشاء ويصرفه عمن يشاء، وقد بيَّنَّا معنى هذه الآية في "فضل تنبيه الغبي على مقدار النبي" بما نرجو به عند الله الجزاء الأوفى في مقام الزلفى، ونحن الآن نجلو بتلك الفصول الغماء، ونرقيكم بها عن حضيض الدهماء إلى بقاع العلماء في عشر مقامات. المقام الأول: أن النبي ﷺ إذا أرسل الله إليه الملَك بوحيه، فإنه يخلق له العلم به حتى بتحقيق أنه رسول من عنده، ولولا ذلك لما صحّت الرسالة، ولا تبينت النبوة، فإذا خلق الله له العلم به تميز عنده من غيره، وثبت اليقين، واستقام سبيل الدين، ولو كان النبي إذا شافهه الملك بالوحي لا يدري، أمَلَكٌ هو، أم شيطان، أم أنسان، أم صورة مخالفة لهذه الأجناس ألقت عليه كلامًا وبلغت إليه قولًا لم يصح أن يقول: إنه من عند الله، ولا تثبت عندنا أنه أمر الله، فهذه سبيل متيقنة، وحالة متحققة لا بد منها، ولا خلاف في المنقول ولا في المعقول فيها، ولو جاز للشيطان أن يتمثل فيها، أو يتشبّه بها ما أمناه على آية، ولا عرفنا منه باطلًا من حقيقة، فارتفع بهذا الفصل اللَبس، وصح اليقين في النفس.

стр. 47

المقام الثاني: أن الله قد عصم رسوله من الكفر، وأَمنه من الشرك، واستقر ذلك من دين المسلمين بإجماعهم فيه وإطباقهم عليه، فمن ادعى أنه يجوز عليه أن يكفر بالله أو يشك فيه طرفة عين، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، بل لا تجوز عليه المعاصي في الأفعال، فضلًا عن أن ينسب إلى الكفر في الاعتقاد، بل هو المنزّه عن ذلك فعلًا واعتقادًا، وقد مهدنا ذلك في كتب الأصول بأوضح دليل. المقام الثالث: أن الله قد عرّف رسوله بنفسه وبصّره بأدلته، وأراه ملكوت سماواته وأرضه، وعرّفه سنن من كان قبله من إخوته فلم يكن يخفى عليه من أمر الله ما نعرفه اليوم، ونحن حُثالة أمته، ومن خطر له ذلك فهو ممن يمشي مُكِبًّا على وجهه، غير عارف بنبيّه ولا بربه. المقام الرابع: تأملوا فتح الله إغلاق النظر عنكم إلى قول الرواة الذين هم بجهلهم أعداء على الإسلام ممن صرح بعداوته أن النبي ﷺ لما جلس مع قريش تمنى أن لا ينزل عليه من الله وحي١ فكيف يجوز لمن معه أدنى مسكة أن يخطر بباله أن النبي ﷺ آثر وصل قومه على وصل ربه، وأراد أن لا يقطع أنسه بهم بما ينزل عليه من عند ربه من الوحي الذي كان حياة جسده.

стр. 48

وقلبه، وأنس وحشته وغاية أمنيته، وكان رسول الله ﷺ أجود الناس، فإذا جاءه جبريل، كان أجود بالخير من الريح المرسَلة، فيؤثر على هذا مجالسته للأعداء؟! المقام الخامس: أن قول الشيطان: "تلك الغرانيق العلى، وأن شفاعتهن لترتجى" للنبي ﷺ قَبِله منه، فالتبس عليه الشيطان بالملَك، واختلط عليه التوحيد بالكفر، حتى لم يفرّق بينهما، وأنا من أدنى المؤمنين منزلة، وأقلهم معرفة بما وفقني الله له، وآتاني من علمه لا يخفى عليَّ وعليكم أن هذا كفر لا يجوز وروده من عند الله، ولو قال أحد لكم لتبادر الكل إليه قبل التفكير بالإنكار والردع والتثريب والتشنيع، فضلًا عن أن يجهل النبي ﷺ حال القول، ويخفى عليه قوله ولا يتفطن لصفة الأصنام بأنها "الغرانيق العلى وأن شفاعتهن ترتجى" وقد علم علمًا ضروريًا أنها جمادات لا تسمع ولا تبصر، ولا تنطق ولا تضر، ولا تنفع ولا تنصر ولا تشفع، بهذا كله كان يأتيه جبريل الصباح والمساء، وعليه انبنى التوحيد ولا يجوز نسخه من جهة المنقول، فكيف يخفى هذا على الرسول؟! ثم لم يَكْفِ هذا حتى قالوا: إن جبريل ﵇ لما عاد إليه بعد ذلك ليعارضه فيما ألقي إليه من الوحي كررها عليه جاهلًا بها -تعالى الله عن ذلك- فحينئذ أنكرها عليه جبريل، وقال له: "ما جئتك بهذا! " فحزن النبي ﷺ وأنزل عليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا

стр. 49

إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣] فيالله والمتعلمين والعالمين من شيخ فاسد موسوس هامد لا يعلم أن هذه الآية نافية لما زعموا، مبطلة لما رووا وتقوّلوا. وهو: المقام السادس: وذلك أن قول ابن العربي: "كاد يكون كذا" معناه قارب ولم يكن فأخبر الله في هذه الآية أنهم قاربوا أن يفتنوه عن الذي أوحي إليه، ولم تكن فتنة، ثم قال: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣] وهو: المقام السابع: ولم يفتر، ولو فتنوك وافتريت لاتخذوك خليلًا، فلم تفتتن ولا افتريت ولا اتخذوك خليلًا، ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ [الإسراء:٧٤] وهو: المقام الثامن: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٤] ، فأخبر الله أنه ثبته، وقرر التوحيد والمعرفة في قلبه، وضرب عليه سرادق العِصمة، وآواه في كَنَف الرحمة، ولو وكله إلى نفسه، ورفع عنه ظل عصمته لحظة، لألممت بما راموه ولكنا أمرنا عليك المحافظة، وأشرقنا بنوره الهداية فؤادك، فاستبصر وأزاح عنك الباطل ودحر، فهذه الآية نص في عصمته من كل ما نسب إليه، فكيف يتأولها أحد عدوا عما١ نسب إليه من الباطل إليه؟!

стр. 50

المقام التاسع: قوله: "فما زال مغمومًا مهمومًا حتى نزلت عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ [الحج:٥٢] ١، فأما غمه وحزنه، فبأن تمكن الشيطان مما تمكن مما يأتي بيانه، وكان النبي ﷺ يعز عليه أن ينال الشيطان شيئًا وإن قل تأثيره. المقام العاشر: إن هذه الآية نص في غرضنا، الدليل على صحة مذهبنا، أصل في براءة النبي ﷺ مما نسب إليه أنه قاله عندنا، وذلك أنه قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢] ٢، فأخبر الله تعالى أن من سنته في رسله، وسيرته في أنبيائه، أنهم إذا قالوا عن الله قولًا، زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، كما يفعل سائر المعاصي، كما تقول: ألقيت في الدار كذا، وألقيت في العِكم٣ كذا، وألقيت في الكيس كذا، فهذا نص في أن الشيطان زاد في الذي قاله النبي ﷺ ، لا أن النبي ﷺ قاله، وذلك أن النبي ﷺ كان إذا قرأ تلا قرآنا مقطّعًا، وسكت في مقاطع الآي سكوتًا محصلًا، وكذلك كان حديثه مترسلًا فيه

стр. 51

متأنيًا، فتبع الشيطان تلك السكتات التي بين قوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] وبين قوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢١] ، فقال يحاكي صوت النبي ﷺ : "وأنهن الغرانقة العلى وإن شفاعتهن لترتجى"، فأما المشركون، والذين في قلوبهم مرض لقلة البصيرة وفساد السريرة، فتلوها عن النبي ﷺ ، ونسبوها بجهلهم إليه، حتى سجدوا معه اعتقادًا أنه معهم، وعلم الذين أوتوا العلم والإيمان أن القرآن حق من عند الله، فيؤمنون به، ويرفضون غيره، وتجيب قلوبهم إلى الحق، وتنفر عن الباطل، وكل ذلك ابتلاء من الله، ومحنة، فأين هذا من قولهم؟! وليس في القرآن إلا غاية البيان بصيانة النبي ﷺ في الإسرار والإعلان، عن الشرك والكُفران، وقد أودعنا إليكم توصية أن تجعلوا القرآن، إمامكم، وحروفه أمامكم، فلا تحملوا عليها ما ليس فيها، ولا تربطوا بها ما ليس منها، وما هدي لهذا إلا الطبري بجلالة قدره وصفاء فكره، وسعة باعه في العلم، وشدة ساعده وذراعه في النظر، وكأنه أشار إلى هذا الغرض، وصوَّب على هذا المرمى فقرطس بعد ما ذكر في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها، ولو شاء ربك لما رواها أحد، ولا سطرها، ولكنه فعال لما يريد، عصمنا الله وإياكم بالتوفيق والتسديد, وجعلنا من أهل التوحيد بفضله ورحمته".

стр. 52

٢- كلام القاضي عِياض في ذلك: وقال القاضي عِيَاضْ: "فاعلم أكرمك الله: أن لنا في الكلام على مشكل الحديث مأخذين: أحدهما في توهِين أصله، والثاني على تسليمه. أما المأخذ الأول، فيكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند متصل سليم، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال: لقد بُلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقله، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده واختلاف كلماته. فقائل يقول: إنه في الصلاة، وآخر يقول: قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول: قالها وقد أصابته سِنة، وآخر يقول: بل حَدَّثَ نفسه فسها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وإن النبي ﷺ لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك؟! وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي ﷺ قرأها، فلما بلغ النبي ﷺ ذلك، قال: والله ما هكذا أنزلت. إلى غير ذلك من اختلاف الرواة، ومن حُكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين

стр. 53

والتابعين لم يُسْندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية، والمرفوع فيه حديث شُعبة عن أبي بِشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب -الشك في الحديث- أن النبي ﷺ كان بمكة، وذكر القصة. وقال أبو بكر البزّار: "هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل يجوز ذِكره إلا هذا، ولم يسنده عن شبعة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس". فقد بيَّن لك أبو بكر ﵀ أنه لا يُُعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبَّه عليه مع وقوع الشك فيه -كما ذكرنا- الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه. وأما حديث الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه، ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه كما أشار إليه البزّار، والذي منه في "الصحيح" "أن النبي ﷺ قرأ: "النجم" وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس "هذا توهينه من طريق النقل". فأما من جهة المعنى: فقد قامت الحُجَّة، وأجمعت الأمة على عِصمته ﷺ ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهةٍ غيرٍ الله وهو كفر، أو أن يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي ﷺ أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه عليه جبريل

стр. 54

عليهما السلام، وذلك كله ممتنع في حقه ﷺ أو يقول ذلك النبي ﷺ من قبل نفسه عمدًا، وذلك كفر، أو سهو، وهو معصوم من ذلك كله، وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته ﷺ من جَرَيان الكفر على قلبه أو لسانه لا عمدًا ولا سهوًا، وأن يشتبه عليه ما يلقيه الملَك بما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو يتقول على الله لا عمدًا ولا سهوًا ما لم ينزل عليه، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ الآية [الحاقة: ٤٤] ، وقال ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَات﴾ [الإسراء: ٧٥] . ووجه ثانٍ: وهو استحالة هذه القصة نظرًا وعُرفًا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام متناقض الأقسام، ممتزج المدح والذم، متخاذل التأليف والنّظم، ولَمَا كان النبي ﷺ ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى على أدنى متأمِّل، فكيف بمن رجَحَ حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه؟! ووجه ثالث: أنه قد علم من عادة المنافقين، ومعاندة المشركين، وضعفة القلوب، والجهلة من المسلمين، نفورهم لأول وَهْلة، وتخليط العدو على النبي ﷺ لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفنية بعد الفنية، وارتداد من في قلبه

стр. 55

مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شُبهة، ولم يحكِ أحد في هذه القصة شيئًا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء، حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردّة. كذلك ما روي في قصة القضية، ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت، فما رُوي عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة، فدل على بطلانها واجتثاث أصلها. ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس والجن هذا الحديث على مُغفَّلي المحدثين، يلبس به على ضعفاء المسلمين. ووجه رابع: ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ... ﴾ الآيتين [الإسراء: ٧٣-٧٤] . وهاتان الآيتان تردّان الخبر الذي رووه، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا ليفتنونه حتى يفتري، وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم، فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى قد عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلًا، فكيف كثيرًا؟ وهم يروون في أخبارهم الواهية أن زاد على الركون الافتراء بمدح آلهتهم، وأنه قال ﷺ : "أفتريت على الله، وقلت ما لم يقل" وهذا ضد مفهوم الآية.

стр. 56

وهي تضعف الحديث لو صح فكيف ولا صحة له؟ وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء: ١١٣] . وقد روي عن ابن عباس: "كل ما في القرآن "كاد" فهو ما لا يكون". قال القاضي: ولقد طالَبَتْه قريش وثقيف إذا مرّّ بآلهتهم أن يُقبل بوجهه إليها، ووعوده الإيمان به إن فعل، فما فعل ولا كاد أن يضل، وقد ذكرت في معنى الآية تفاسير أخر، ما ذكرناه من نصّ الله على عصمة رسوله برد سفاسفها، فلم يبق في الآية إلا أن الله تعالى امتن على رسوله بعصمته وتثبيته بما كاده به الكفار، وراموا من فتنته، ومرادنا في ذلك تنزيهه وعصمته ﷺ وهو مفهوم الآية. وأما المأخذ الثاني: فهو مبني على تسليم الحديث لو صح أعاذنا الله من صحته، ولكن مع كل حال فقد أجاب عن ذلك أئمة بأجوبه منها الغث والسمين". قلت: فذِكر هذه الأجوبة، وضعفها جلها أو كلها، إلا الأخير منها، فإنه استظهره ورجحه، وهو الذي أجاب به ابن العربي فيما تقدم من كلامه "ص ٥٣":

стр. 57

رد الحافظ ابن حجر وتعقبنا عليه ... إن الشيطان هو الذي ألقى ذلك في سكتة النبي ﷺ بين الآيتين، محاكيًا نغمة النبي ﷺ وأشاع ذلك المشركون عنه ﷺ ، ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظه السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، وتحققهم من حال النبي ﷺ في ذمّ الأوثان وعيبها على ما عرف منه، وقد حكى موسى بن عُقبة في مغازيه نحو هذا وقال: "إن المسلمين لم يسمعوها، وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين وقلوبهم"١ ويكون ما روي من حزن النبي ﷺ لهذه الإشاعة والشبهة وسبب هذه الفتنه. ردُّ الحافظ على ابن العربي والقاضي عِياض وتعقبنا عليه: وأما قول الحافظ في "الفتح" بعد أن نقل خلاصة عن الوجوه التي تقدمت عن الإمامين المذكورَيْن في إعلال القصة وتوهينها: "وجميع ذلك لا يتمشى على قواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها، دلّ ذلك على أن لها أصلًا، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض".

стр. 58

فأقول: إن هذا الجواب ليس بالقوي على إطلاقه لما بيَّنّا فيما تقدم أن تقوية الحديث بكثرة الطرق ليس قاعدة مضطردة، نعم من ذهب إلى الاحتجاج بالمرسل مطلقًا أو عند اعتضاده، ففي الجواب رد قوي عليه، كالقاضي عياض وغيره ممن يقبل مرسل الثقة١ أما نحن فهو غير وارد علينا لما أوردنا من الاحتمالات التي تمنع الاحتجاج بالحديث المرسل ولو من غير وجه، ولعل هذا مذهب الحافظ ابن كثير حيث قال عند تفسيره للآية السابقة "٣/٢٢٩": "قد ذكر كثير من المفسرين ها هنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظنًا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح". فإن ابن كثير يعلم أن بعض هذه المراسيل التي أشار إليها أسانيدها صحيحة إلى مُرْسِلها، فلو كان بعضها يعضد بعضًا عنده وتقوي القصة بذلك، لما ضعفها بحجة أنه لم يرها مسندة من وجه صحيح وهذا بيِّن لا يخفى ثم إن من الغريب أن الحافظ ابن حجر مع ذهابه إلى تقوية

стр. 59

القصة يرى أن فيها ما يُستنكر وأنه يجب تأويله فيقول بعد كلامه الذي نقلته آنفًا: "وإذا تقرر ذلك تعيَّن تأويل ما وقع فيها مما يستنكر وهو قوله: "ألقى الشيطان على لسانه: "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه يستحيل عليه ﷺ أن يزيد في القرآن عمدًا منه، وكذا سهوًا إذا كان مغايرًا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته". ثم ذكر الحافظ مسالك العلماء في تأويل ذلك، ثم اعتمد على الوجه الأخير منها. وهو الذي نقلناه عن القاضي عياض قبيل هذا الفصل، وقلنا إنه رجَّحه، ثم قال الحافظ: "وهذا أحسن الوجوه، ويؤيِّده ما تقدم في صدر الكلام عن ابن عباس من تفسير تمنَّى بـ"تلا". فينتج من ذلك أن الحافظ ﵀، قد سَّلم أن الشيطان لم يتكلم على لسان النبي ﷺ بتلك الجملة، وإنما ألقاها الشيطان بلسانه في سكتة النبي ﷺ ، فهذا لا يتفق البتة مع القول بصحة القصة، أو أن لها أصلًا، فإن كان يريد بذلك أن لها أصلًا في الجملة، أعني بدون هذه الزيادة، فهذا ليس هو موضع خلاف بينه وبين العلماء الذين ردّ عليهم قولهم ببطلان القصة، وإنما الخلاف في الجملة التي تزعم الروايات أن الشيطان ألقاها

стр. 60

على لسانه ﷺ فإذ قد صرح الحافظ بإنكارها وتنزيه النبي ﷺ عنها فنستطيع أن نقول لحضرة السائل: إن الحافظ متفق مع ابن كثير -وغيره ممن سبقه ولحقه- على إنكار القصة على ما وردت في الروايات حتى التي صحَّحها الحافظ، وأما ما بقي منها مما لا يتنافى مع عصمة النبي ﷺ ، فلا خلاف في إمكان وقوعها، بل الظاهر أن هذا القدر هو الذي وقع بدليل ظاهر آية الحج حسبما تقدم تفسيرها في أوائل الرسالة١. نعم يرد على الحافظ هنا اعتراضان: الأول: تليينه العبارة في إنكار تلك الزيادة، لأنه إنما أنكرها بطريق تأويلها! وحقه أن ينكرها من أصلها، لأن التأويل الذي زعمه ليست تفيده تلك الزيادة أصلًا، لأن الحافظ يقول: "إن الشيطان هو الذي ألقى بلسانه في سكتة النبي ﷺ ". وهي تقول: "إن الشيطان ألقى على لسان النبي ﷺ " فأين هذا من ذلك؟!

стр. 61

الثاني: تشنيعه القول على ابن العربي والقاضي عياض لإنكارهما القصة، ومع أنه يعلم أنهما أنكراها لم فيها من البواطيل التي لا تتفق مع القول بعصمة الرسول الكريم، منها هذه الزيادة التي وافقها الحافظ على استنكارها، مع فارق شكلي وهو أنهما كانا صريحين في إنكارها من أساسها، بينما الحافظ إنما أنكرها بطريق تأويلها –زعم-. ومن هنا يتبين لك ضعف ما قاله في رده على القاضي في "تخريج الكشاف". "وأما طعنه فيه باختلاف الألفاظ فلا تأثير للروايات الواهية في الرواية القوية، فيعتمد من القصة على الرواية الصحيحة، أي: يُعتمد على الرواية المتابعة، وليس فيها وفيما تابعها اضطراب والإضطراب في غيرها، وأما طعنه من جهة المعنى فله أسوة كثيرة من الأحاديث الصِّحاح التي لا يؤخذ بظاهرها، بل يرد بالتأويل المعتمد إلى ما يليق بقواعد الدين". قلت: إن هذا الرد ضعيف، لأن الرواية الصحيحة التي أشار إليها هي رواية ابن جُبير المتقدمة وفيها كما في غيرها من الروايات المتابعة الأمر المستنكر باعترافه، بل في بعض الروايات عن سعيد ما هو أنكر من ذلك وهو قوله: "ثم جاءه جبريل بعد ذلك فقال: إعُرض علي ما جئتك به، فلما بلغ "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" قال له

стр. 62

جبريل: لم آتك بهذا، وهذا من الشيطان!! " وقد جاء هذا في غير رواية سعيد كما تقدم، ولازمه أن النبي ﷺ قد انطلى عليه وحي الشيطان واختلط عنده بوحي الرحمن، حتى لم يميِّز بينهما، وبقي على هذه الحالة ما بقي، إلى أن جاءه جبريل في المساء! سبحانك هذا بهتان عظيم وافتراء جسيم فاتضح أن ليس هناك رواية معتمدة صحيحة بالمعنى العلمي الصحيح، وأن الرواية التي صححها الحافظ قد أنكر بعضها هو نفسه فأين الإعتماد. وأما قوله: "إن حديث الغرانيق له أسوة بكثير من الأحاديث الصحيحة"، فصحيح لو صح إسناده وأمكن تأويله، وكلا الأمرين لا نسلِّم به. أما الأول فلما علمت من إرساله من جميع الوجوه حاشا ما اشتد ضعفه من الموصول، وإنها على كثرتها لا تعضده. وأما الأمر الآخر فلأن التأويل الذي ذهب إليه الحافظ ﵀ هو في الحقيقة ليس تأويلًا، بل هو تعطيل لحقيقة الجملة المستنكرة، وهو أشبه ما يكون بتأويلات بل تعطيلات القرامطة والرافضة للآيات القرآنية والأحاديث المصطفوية. تأييدًا لمذاهبهم الهدّامة وآرائهم الباطلة، خلافًا للحافظ ﵀ فإنه إنما فعل ذلك دفاعًا عن مقام الحضرة النبوية والعصمة المحمدية، فهو مشكور على ذلك ومأجور، وإن كان مخطئًا عندنا في ذلك التأويل مع تصحيح القصة.

стр. 63

٣- كلام الشوكاني: وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: "ولم يصح شيء من هذا، ولا يثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته، بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه" ثم ذكر بعض الآيات الدالّة على البطلان ثم قال: "وقال إمام الأئمة ابن خزيمة، إن هذه القصة من وضع الزنادقة". ٤- كلام الآلوسي في إبطال القصة: وعلى كل حال فإن الحافظ ابن حجر ﵀ متفق مع الذين أنكروا القصة على تنزيهه ﷺ من أن يكون للشيطان تَكلُّم على لسانه ﵊، فالخلاف بينه وبينهم يكاد يكون شكليًا أو لفظيًا، وإنما الخلاف الحقيقي بينهم وبين بعض المتأخرين١ حيث ذهب إلى تصحيح القصة مع التسليم بها دون

стр. 64

كلام الآلوسي ورده على الكوراني في تصحيحه للقصة ! ... استنكار أي شيء منها، أو تأويل! بل جوّز على النبي ﷺ جميع ما فيها زاعمًا أن ذلك لا يتنافى مع عصمته، بل هو تأديب له! في كلام له طويل. يُغني وضوح بطلانه عن إيراده وتسويد الصفحات لرده، وقد نقله الآلوسي برمّته، ثم رده عليه في كلام متين، ولولا أن هذه العجالة لم توضع لهذه الغاية، لَسُقته بتمامه فأختصر من ذلك على قوله في خاتمة بحثه: "لكن إثبات صحة الخبر أشد من خرط القتاد، فإن الطاعنين فيه من حيث النقل علماء أجلاء، عارفون بالغث والسمين من الأخبار، وقد بذلوا الوُسع في تحقيق الحق فيه فلم يرووه إلا مردودًا، وهم أكثر ممن قال بقَوله، ومنهم من هو أعلم منه، ويغلب على الظن أنهم وقفوا على رواته في سائر الطرق فرأوهم مجروحين، وفات ذلك القائل بالقََبول١. ولَعمري إن القول بأن هذا الخبر مما ألقاه الشيطان على بعض ألسنة الرواة، ثم وفق الله تعالى جمعًا من خاصته لإبطاله، أهون من القول بأن حديث الغرانيق مما ألقاه الشيطان على لسان رسول الله ﷺ ثم نَسَخَه

стр. 65

سبحانه وتعالى، ولا سيّما وهو مما لم يَتوقف على صحته أمر ديني، ولا معنى آية، ولا سِوى أنها يتوقف عليها حصول شبه في قلوب كثير من ضعفاء المؤمنين لا تكاد تدفع إلا بجهد جهيد". وهذا آخر الكلام في تحقيق بطلان قصة الغرانيق. وقد بقي علينا التعرض لذكر فائدة سبقت مناسبتها وهي سجود المشركين مع النبي ﷺ عند قراءة سورة "النجم" وهي تضمن بيان سبب ذلك فأقول: سبب سجود المشركين مع النبي ﷺ : رب سائل يقول: إذا ثبت بطلان إلقاء الشيطان على لسانه ﵊ جملة "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" فَلِمَ إذن سجد المشركين معه ﷺ وليس ذلك من عادتهم؟ والجواب ما قاله المحقق الآلوسي بعد سطور من كلامه الذي نقلته آنفًا: "وليس لأحد أن يقول: إن سجود المشركين يدل على أنه كان في السورة ما ظاهره مدح آلهتهم، وإلا لما سجدوا، لأننا نقول: يجوز أن يكونوا سجدوا لدهشة أصابتهم وخوف اعتراهم عند سماع السورة لما فيها من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى

стр. 66

وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى، وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى، وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى، فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ إلى آخر الآيات [النجم: ٥٠-٤٠] . فاستشعروا نزول مثل ذلك بهم، ولعلهم لم يسمعوا قبل ذلك مثلها منه ﷺ ، وهو قائم بين يديْ ربه سبحانه في مقام خطير وجمع كثير، وقد ظنّوا من ترتيب الأمر بالسجود على ما تقدم أن سجودهم ولو لم يكن عن إيمان، كافٍ في دفع ما توهَّموه، ولا تستبعد خوفهم من سماع مثل ذلك منه ﷺ ، فقد نزلت سورة "حم السجده" بعد ذلك كما جاء مصرّحا به في حديث عن ابن عباس. ذكره السيوطي في أول "الإتقان" فلما سمع عُتبة بن ربيعة قوله تعالى فيها: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصّلت: ١٣] ! أمسك على فم رسول الله ﷺ ، وناشده الرحم واعتذر لقومه حين ظنوا به أنه صبأ وقال: "كيف وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب؟ فخفت أن ينزل بكم عذاب" وقد أخرج ذلك البيهقي في "الدلائل" وابن عساكر في حديث طويل عن جابر بن عبد الله ﵁. ويمكن أن يقال على بعد: إن سجودهم كان لاستشعار مدح آلهتهم، ولايلزم منه ثبوت ذلك الخبر، لجواز أن يكون ذلك الاستشعار من قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ

стр. 67

الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] ، بناء على أن المفعول محذوف وقدّروه حسبما يشتهون، أو على أن المفعول: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢١] . وتوهّموا أن مصب الإنكار فيه كون المذكورات إناثًا، والحب لشيء يعمي ويُصمّ، وليس هذا بأبعد من حملهم "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" على المدح حتى سجدوا لذلك آخر السورة، مع وقوعه بين ذمين المانع من حمله على المدح في البين كما لا يخفى على من سلمت عين قلبه من الغين". "وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك". محمد ناصر الدين الألباني انتهى تبيض هذه الرسالة صباح يوم الإثنين الواقع في ٧/٣/١٣٧٢هـ - ٢٣/١١/١٩٥٢م أسأل الله تعالى أن يفيد بها السائل وسائر المسلمين ويجعلها خالصة لوجه الكريم.

стр. 68

الفهارس ... الفهرس: الصفحة الموضوع ٣ المقدمة وسبب تأليف الرسالة. ٧ بين يدي الروايات، وتفسير قوله تعالى: ﴿إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ . ١٠ روايات القصة وعللها. ١٠ الرواية الأولى: عن سعيد بن جبير، وبيان علة ما رواه عنه موصولا. ١٨ الرواية الثانية: عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث. ٢٠ الرواية الثالثة: عن أبي العالية. ٢١ الرواية الرابعة: عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس. ٢٣ الرواية الخامسة: عن قتادة. ٢٤ الرواية السادسة: عن عروة بن الزبير. ٢٦ الرواية السابعة: عن أبي صالح، وبيان ضعف من وصله عنه.

стр. 69

٢٨ الرواية الثامنة: عن الضحاك. ٢٩ الرواية التاسعة: عن محمد بن فضالة الظفري، والمطلب بن عبد الله بن حنطب. ٣١ الرواية العاشرة: عن ابن عباس، وبيان ضعف طرقه عنه. ٣٥ بيان بطلان القصة متنا. ٣٧ كلام الحافظ ابن حجر والرد عليه. ٣٨ قاعدة تقوية الحديث بكثرة الطرق ليست على إطلاقها. ٤٠ ضعف الحدث المرسل وسببه. ٤٢ هل يتقوى الحديث بمجيئه من طرق مرسلة ورأي المؤلف في ذلك. ٤٧ ذكر جماعة من الأئمة طعنوا في قصة الغرانيق. ٤٨ ١- كلام أبي بكر ابن العربي في إبطال القصة. ٥٥ ٢- كلام القاضي عياض في ذلك. ٦٠- رد الحافظ ابن حجر وتعقبنا عليه. ٦٦ ٣- كلام الشوكاني. ٦٦ ٤- كلام الآلوسي ورده على الكوراني في تصحيحه للقصة!. ٦٨ سبب سجود المشركين مع النبي ﷺ . ٧١ الفهرس.