Полный текст (400 стр.). Показаны 386–400 · переход к 391.
стр. 386
أرينا يومَ ذلك من أتانا ... بذي الظُّبةِ الكواكبَ بالنَّهارِ
فلو كنَّا المغيرةَ قد أفأنا ... المؤبَّلَ والعقائلَ كالعرارِ
أبا ثورٍ سجاحِ فإنَّ دعوى ... تخالفُ ما أبيتَ عصيمُ عارِ
فلولا أن تداركَ جريُ صهوي ... كلومٌ مثلُ غائلةِ النِّفارِ
لردَّ إليكَ شاكلةً بتيراً ... حسامٌ غيرُ مستلمٍ قُطارِ
عديّ بن وداع
وقال عديّ بن وداع أحد بني عقْيٍ، وهو أسد بن الحارث بن مالك بن فهم أحد الأزد، وكان يلقب الأعمى ولم يكن أعمى:
كلَّفني القلبُ فلمْ أجهلِ ... عهدَ الصِّبا في السَّالفِ الأوَّلِ
أزمانَ إذ أملكُ عقلي وإذ ... طرفيَ لم يخسأ ولم يكللِ
أرى ابنةَ الأزْدي قد أقبلتْ ... بينَ سموطِ الدُّرِّ في المجولِ
كالظَّبيةِ الفاردةِ الخاذلِ ... المخروفةِ المقفرةِ المُطفلِ
ظلَّتْ تعاطى بخلاءٍ من ال ... أرضِ شجونَ السَّلمِ المهدلِ
يابنةَ كعبِ بن صليعٍ ألا ... تستيقني إن كنتِ لم تذهلي
قالتْ ألا لا يُشترى ذاكمُ ... إلاَّ برعبِ الثَّمنِ الأجزلِ
إن تعطنا سطرَ الحفافينِ مقْ ... طوعاً لنا بتلاً إذنْ نفعلِ
إنَّ الحفافينَ عقارُ امرئٍ ... يمنعهُ الضَّيمُ فلا تجهلي
مالُ امرئٍ يخبطُ في الغمرةِ ال ... قرنَ غداةَ البأسِ بالمنصلِ
إن كنتِ تستأسينَ لا بدَّ فال ... معروفُ منّا أُختنا فاسألي
العبدَ أو بكرتنا الحرَّةَ ال ... زَّهراءَ أو منصفةَ النُّزَّلِ
طبنا بهذا لك نفساً فإنْ ... ترضي به عنّا إذن فافعلي
بعضكِ يا وجدَ امرئٍ شفَّهُ ال ... حبُّ فلمْ يفرغْ ولم يُشغلِ
أعمى على حالٍ من الحالِ لا ... يشعرُ ما النّائي من المقبلِ
لو كنتِ قد أدنيتني الودَّ ما ... ألفيتُ مثلَ الضَّمنِ الزُّمَّلِ
أوديتُ في المودينَ إن كنتُ في ال ... أحياءِ كالمنسيَّ لم يحفلِ
وسائلي القومَ إذا أرملوا ... والمعتفي والصَّحبَ بي فاسألي
أيُّ فتًى أعمى عديٌّ إذا ... ما باشرَ الكيدَ على التَّلتلِ
قد أشخذُ الصَّحبَ إلى موطنٍ ... يكلحُ منه ناجذُ المصطلي
ضربَ سيوفِ الهندِ صقعاً كما ... يُشعلُ غابُ الحرقِ المشعلِ
أو كقصيفِ البردِ الصَّيِّفِ ال ... مبعقِ في الظَّاهرِ ذي الجرولِ
جرتْ به دلوٌ قريٌّ على ... أدراجها من باكرٍ مسبلِ
من عارضٍ جونٍ ركامٍ وهتْ ... عزلاؤهُ منهزمِ الأسفلِ
يحفزهُ رعدٌ وبرقٌ على ... أرجائهِ مرتجزُ الأزملِ
حينَ ترى القتلى لدى مُزحفٍ ... كالقربِ الوفرِ لدى المنهلِ
حينَ يقولُ النَّجدُ مِن رهبةِ ال ... موتِ أرى الغمرةَ لا تنجلي
سيفُ ابنِ نشوانَ بكفِّي وقدْ ... سقاهُ شهراً مدوسُ الصَّقيلِ
أخضرُ ذو زرَّينِ يُسقى سِما ... ماً فإذا أُرهفَ لم ينحلِ
أحمي بهِ فرجَ سلوقيَّةٍ ... كالشَّمسِ تغشى طرفَ الأنملِ
إنْ كنتُ أعمى فاسألي القومَ هلْ ... أُسكتُ روَع المرءِ ذي الأفكلِ
أضربُ في العورةِ ما فيَّ إنْ ... أُخضمتُ أو أُقضمتُ لم أئتلِ
أعلمُ أنْ كلُّ فتًى مرَّةً ... للقتلِ أو بيتٍ منَ الجندلِ
ذلكَ مكروهي وروغي فإنْ ... أُحملْ على الثِّقلةِ لا أثقلِ
ممَّا ينوبُ الحيُّ فيهمْ وقدْ ... أجتازُ بالمبتقلِ المعملِ
السَّابقُ المختالَ بالكورِ وال ... أعلامِ نوحَ الفاقدِ المعولِ
ينجو منَ السَّوطِ كما تجدمُ ال ... قيدودُ منْ وهوهةِ المسحلِ
شرَّدها زرٌّ بلحييهِ منْ ... أعرافِها والشَّعرِ المنسلِ
صائفةٍ وَحمى تصدَّى لهُ ... كالقوسِ منْ فارعةِ الأشكلِ
ترهقهُ ضرباً وتنجُو على ... وحشيِّها قاربةَ المنهلِ
قذفكَ بالقدحِ منَ السَّاسمِ ال ... أجردِ قدحَ الصَّنعِ المغتلي
حتَّى يحورَ النَّيُّ منهُ إلى ... عظمِ سُلامى سلسِ المفصلِ
بينَ رذيِّ الرَّهبِ المقصدِ ال ... مخِّ المُباري خدمَ المنعلِ
стр. 387
يعلُو لنابيهِ صريفٌ كما ... غرَّدَ صوتُ الصُّردِ الصُّلصلِ
واللهِ واللهِ لهذا الفتى ... كانَ لزازَ الزَّمنِ الممحلِ
للجارِ والضَّيفِ وباغي النَّدى ... حينَ يُباري خلُقي أخيلي
أروعُ وشواشٌ قليلُ الخنا ... صلبٌ مُشاشي صنعٌ مقوَلي
يؤنسُ معروفي نَزيلي وقدْ ... أُخرجُ ضبَّ الخصمِ الأجدلِ
في الجدِّ إذا جدَّ شِياحي وإذْ ... أصواتُ يومِ الجمعِ لمْ تصحلِ
إن يصدفِ الأترابُ عنِّي فقدْ ... أخدعُ مثلَ الرَّشأِ الأكحلِ
كدرَّةِ الغائصِ تُهدى إلى ... ذي نطفٍ في غرفةِ المجدلِ
جاءَ بها آدمٌ صلبٌ أحص ... صُ الرَّأسِ فيهِ الشَّيبُ لمْ يشملِ
لمَّا انتضاها موقنٌ أنَّهُ ... إنْ يبلغِ السُّوقَ بها يجذلِ
شيَّعَ في قرواءَ مدهونةٍ ... ذاتِ قلاعٍ صعداً تغتلي
تختصمُ اللُّجِّةُ في العوطبِ ... ذي التَّيَّارِ والجلجلِ
بشَّرَ أصحاباً لهُ إنَّها ... تجبرُ فقرَ البائسِ الأرملِ
قالتْ وقدْ كنَّا على موعدٍ ... ويلكَ إنْ يُدرَ بنا نقتلِ
أخشى عليكَ اليومَ منْ مصعةٍ ... خدباءَ منْ ذي هبَّةٍ مقصلِ
بكفِّ غيرانَ نهيكٍ منَ ال ... قومِ كصدرِ السَّيفِ لم ينكلِ
عندكِ شعبٌ منْ فؤادِ امرئٍ ... ما بهِ عنكِ اليومَ من مزحلِ
إنْ تبذُلي الودَّ فتشفي بهِ ال ... قلبَ وإنْ خفتِ فلا تفعلي
لشائنيكِ الويلَ إنْ تبذُلي ... أُغتلْ وشرٌّ لكِ أنْ تبذُلي
يصبحُ جذماناً على آلةٍ ... يعرفُها الآخرُ للأوَّلِ
تعاقبُ الأسرَى ودورُ الرَّحى ... وتالفٌ إنْ هوَ لمْ يغفلِ
أوْ لمْ يُفدْ أعقابكمْ قُضأةً ... مثلَ وُحيِّ الصَّخرِ لمْ تخملِ
وقال عدي أيضاً:
أرى لهواً تعرَّضَ للفراقِ ... وبيناً بعدَ بينٍ واتّفاقِ
لعلَّكِ إنَّما تدرينَ لومِي ... وعذْلي إنْ قدرتِ على النّفاقِ
فقدْ يأتي عليَّ أوانُ حينٍ ... وعِرسي ما تعرَّضَ للطَّلاقِ
ولكنْ قدْ يسرُّ ويتَّقيني ... بجهدِ الودِّ مغضبةَ الرِّواقِ
فتَى الفتيانِ لا يعتَقيني ... عنِ الأهواءِ جدِّي بالعواقي
فإمَّا أُمسِ مرتهناً أسيراً ... على العينينِ مشدودَ الوثاقِ
أسير الجنِّ لا أرجُو فكاكاً ... طوالَ الدَّهرِ محفوظَ الأباقِ
ولو أنِّي أرادَ لقلتُ قرنٌ ... أرادَ عدواتي حرجٌ مُلاقِ
وأحضرهُ العداوةَ منْ قريبٍ ... بضربٍ بينهُ وقْدُ احتراقِ
وكنتُ فتًى أخا العزَّاءِ فيهمْ ... لرَهطي لو وقَى العينينِ واقِ
تعظَّمُ ندوَتي فيهمْ وأثني ... مودَّتهمْ بأخلاقٍ رماقِ
إذا ما ألزَنُوا ولقدْ أُنادي ... لعانيهمْ بناجزةِ الحقاقِ
وصادرةٍ معاً وتُشتُّ ورداً ... لها منحٌ تواشكُ باتّفاقِ
نزعتُ لها رهابةَ مقدماتٍ ... يُلحنَ بوفرِ منتهكِ الغلاقِ
وقومي يعلمونَ لربَّ يومٍ ... شددتُ بما ألمَّ بهِ نطاقي
وأدفعُ عنهمُ والجرمُ فيهمْ ... دخيسَ الجمعِ بالكلمِ السّلاقِ
وخصمٍ قد لويتُ الحقَّ فيهِ ... قرائنهُ تنازعُ للشِّقاقِ
وجارٍ قد أواسيهِ بنفسي ... ووُسعي أن يبينَ عن اللِّزاقِ
وحورٍ قد خززتُ لهنَّ طرفي ... لذيذاتِ المودَّةِ والعناقِ
يدفنَ الزَّعفرانَ على خدودٍ ... نواعمَ لا كلفنَ ولا بهاقِ
كأنَّ وجوههنَّ متونُ بيضٍ ... جلتها الشَّمسُ في ذرِّ الشِّراقِ
لذيذاتِ الشَّبابِ مخصَّراتٍ ... مخاصرهنَّ في نشرٍ رقاقِ
وقد أغدو بمنشقٍّ نساهُ ... جوادٍ في المحثَّةِ والنِّزاقِ
لغيثٍ يجنبُ الرُّوّادُ عنهُ ... يباري الرِّيحَ بالعشبِ السِّماقِ
وبثَّ به من الوسميِّ غيثٌ ... مرادَ العينِ منفرقَ البساقِ
تقدَّمَ رابئٌ فإذا شياهٌ ... يدسنَ حديقَ سلاَّنِ البراقِ
فأرسلهُ وقد غرَّبنَ شأواً ... بهنَّ تواشكَ الشَّدِّ المزاقِ
كأنَّ مجامعَ الهُلباتِ منهُ ... وهاديها لميعادٍ وفاقِ
стр. 388
فأرخيتُ القناةَ ويزأنيّاً ... على الأكفالِ بالطَّعنِ المعاقِ
فعادى بينهنَّ وهنَّ رهوٌ ... يملنَ على مسمَّحةٍ ذلاقِ
فأدّاها إليَّ ولم يرثها ... فواقاً أو أقلَّ من الفُواقِ
وأدَّانا المقيلُ إلى شواءٍ ... يطاطئُ أنفسَ القومِ الدِّهاقِ
بفتيانٍ ذوي كرمٍ أعاذوا ... وقيذهمُ بشبعٍ واعتناقِ
وندمانٍ رهنتُ له بريٍّ ... وراووقٍ ومُسمعةٍ وساقي
كريم لا يُشعِّثني إذا ما ... نفتهُ الكأسُ بالسُّكرِ المساقي
أقامَ لدى ابنِ محصنَ عاملاتٍ ... من الأمثالِ والكلمِ البواقي
أرى الأيّامَ لا يبقى عليها ... سوى الأجبالِ والرَّملِ الرِّقاقِ
أبو بردة عديّ بن عمرو
وقال أبو بردة عديّ بن عمرو بن سويد بن زبّان الطائي المعنيّ:
أسماءُ حلَّتْ بوادي الكومِ من ريبٍ ... إلى المواثلِ تدنو ثمَّ تنصفقُ
وقد تولَّى بها صرفُ النَّوى حقباً ... وشطَّ أرضكَ من تهوى ومن تثقُ
وما تذكُّرهُ إحدى بني أسدٍ ... إلاَّ السَّفاهَ وإلا أنهُ علقُ
وقد ظللنا سراةَ اليومِ حابسنا ... شبكُ الدُّيونِ وأمرٌ بينهمْ غرقُ
ثمَّ أجدُّوا وعن أيمانهمْ ديرٌ ... وعن شمائلهمْ من فردةٍ برقُ
كأنَّهمْ وزهاءُ الآلِ يرفعهمْ ... وقد تألَّقَ ظهرُ المهمهِ البلقُ
نخلُ الجماحِ أعاليهِ مكمَّمةٌ ... لمّا تفتَّقْ ولم يدخلْ بهِ الحرقُ
وقد أكونُ أمام الحيّ يحملني ... قدَّامَ سرحهمِ ذو ميعةٍ تئقُ
نهدُ الثَّميلةِ إلاَّ أن يُكمِّشهُ ... الأجراءُ لا شبهةٌ فيهِ ولا بلقُ
رحبُ اللَّبانِ رجيلٌ منهبٌ تئقٌ ... للشَّدِّ لا سغلٌ فيه ولا ملقُ
كأنَّ ثائبهُ غيثُ تُقحِّمهُ ... ريحٌ فيسفحُ تاراتٍ ويندفقُ
كأنه أكلف الخدين منتصب ... منه المخالب أعلى ريشة لثق
بازٍ جريءٌ على الحزَّانِ مقتدرٌ ... ومن حبابيرَ ذي ماوانَ يرتزقُ
وقد طلبتُ حمولَ الحيّ تحملني ... عنسٌ مواشكةٌ في سيرها قلقُ
بقَّى السِّفارُ وحرُّ القيظِ جبلتها ... فهيَ رذيٌّ وفي أخفافها رققُ
كأنَّها بعدما خفَّتْ ثميلتها ... من وحشِ جبَّةَ موشيُّ الشَّوى لهقُ
أحسَّ غُنماً ولا يوري بطلعتهِ ... على مذارعهِ من شملةٍ خرقُ
يقودُ غُضفاً دقاقاً قد أحالَ بها ... أكلُ الفقارِ ومن أقواتها السَّرقُ
مقلَّداتٍ بأوتارٍ ومن قِددٍ ... كأنَّهنَّ على أعناقها ربقُ
فبثَّهنَّ بطاوي الكشحِ منجردٍ ... كأنَّ أظلافهُ يهوي بها زهقُ
على قرا صحصحانٍ يعتلينَ بهِ ... حتَّى تداركنهُ لما استوى الفلقُ
كأنَّهنَّ إذا أُغرينَ عاصيةً ... خضعُ الرِّقابِ وفي أحداقها زرقُ
فكرَّ ثبتاً معيدَ الطَّعنِ ذا نزلٍ ... طعنَ المبيطرِ إذ ناهى به يشقُ
حتَّى تحاجزنَ عنهُ بعدما كثرتْ ... منها الدُّميُّ على آثارهِ دفقُ
فظلَّ غنمٌ كئيباً عندَ أكلبهِ ... ولم يصدْهُ فتيلاً ذلك الطَّلقُ
ثمَّتَ ولَّى على رحٍّ مسلَّمةٍ ... يعلو الأواعسَ كالعيُّوقِ يأتلقُ
أذاكَ أمْ خاضبٌ حصٌّ قوادمهُ ... جادتْ لهُ العينُ حتَّى احْلولكَ البرقُ
تبري لهُ صلعةٌ ربداءُ خاضعةٌ ... خدبَّةُ الجرمِ لا يزري بها السِّوقُ
يقْرو النِّقاعَ وتتلوهُ مواشكةٌ ... كأنَّما زفُّها في دفِّها خرقُ
قد أودعتْ من قُفيٍّ ناعجٍ ثقلاً ... يحبو عليه حصى الأُدحيّ يطَّرقُ
فآنسا همَّةً من فيخِ نافجةٍ ... كما يحفُّ أباءٌ غالهُ الحرقُ
فاستدبرتهُ وصدرُ الرِّيح يكثحها ... يرقدُّ وهي تواريهِ وتفتلقُ
وقد تألَّقَ في حمَّاءَ راجسةٍ ... برقٌ تطايرَ في أرجائها شققُ
واللَّيلُ قد جلَّلَ الآفاقَ شملتهُ ... وقد تمدَّدَ فوقَ الطَّخيةِ الغسقُ
لولا توقُّدُ ما ينفيهِ خطوهما ... على البسيطةِ لم تدركهما الحدقُ
أبلغْ بني أسدٍ عنِّي مُغلغلةً ... تهوي بها العيسُ لا ودٌّ ولا ملقُ
لكنَّها مثلٌ يبقى لها علبٌ ... على المخاطمِ ما جلَّى الدُّجى الفلقُ
стр. 389
إنّا تركنا لدى الهلْتى أبا جعلٍ ... ينوءُ في الرُّمحِ والأقتابُ تندلقُ
أجرَّهُ خيبريٌّ صدرَ مطَّردٍ ... فيه سنانٌ كنجمِ الرَّجمِ يأتلقُ
إنَّ الفوارسَ من جرمٍ ومن ثعلٍ ... آلَوا بآبائهم أن تُمنعَ الطُّرقُ
أضحتْ سميراءُ تردي في جوانبها ... خيلٌ عليها فتوٌّ في الوغى صدقُ
الأجدع بن مالك
وقال الأجدع بن مالك الهمدانيّ:
أسألتني بركائبٍ ورحالها ... ونسيتِ قتلَ فوارسِ الأرباعِ
الحارثِ بن يزيدَ ويبكِ أعولي ... حلواً شمائلهُ رحيبَ الباعِ
فلو أنَّني فوديتهُ لفديتهُ ... بأناملي وأجنَّهُ أضلاعي
ونفعتُ غيرهُ في اللِّقاءِ وفاتهُ ... نفعي وكلُّ منيَّةٍ بجماعِ
تلكَ الرَّزيَّةُ لا قلائصَ أُسلمتْ ... برحالها مشدودةَ الأنساعِ
أبلغْ لديكَ أبا عميرٍ مألكاً ... فلقدْ أنختَ بمبركٍ جعجاعِ
ولقدْ قتلنا من بنيكَ ثلاثةً ... فلتنزعنَّ وأنتَ غيرُ مطاعِ
والخيلُ تعلمُ أنَّني جاريتها ... بأجشَّ لا ثلبٍ ولا مظلاعِ
يصطادكَ الوحدَ المدلَّ بحضرهِ ... بشريحِ بينَ الشَّدِّ والإيضاعِ
يهدي الجيادَ وقد تزايلَ لحمهُ ... بيديْ فتًى سمحِ اليدينِ شجاعِ
فرضيتُ آلاءَ الكميتِ فمن يبعْ ... فرساً فليسَ جوادنا بمباعِ
إنَّ الفوارسَ قد عرفتَ مكانها ... فانعقْ بشائكَ نحو آلِ رداعِ
خيلانِ من قومي ومن أعدائهمْ ... خفضوا أسنَّتهمْ وكلٌّ ناعي
خفضوا الأسنَّةِ بينهمْ فتواسقوا ... يٌسقونَ في حللٍ من الأدراعِ
والخيلُ تنزو في الأعنَّةِ بيننا ... نزوَ الظِّباءِ تحوِّشتْ بالقاعِ
فكأنَّ قتلاها كعابُ مقامرٍ ... ضربتْ على شزنٍ فهنَّ شواعي
وهلتْ فهنَّ يسرنَ في أرماحنا ... ورفعنَ وهْوهةً صهيلَ وقاعِ
ولَحقنهُ بالجزعِ جزعِ حَبوْننٍ ... يطلبنَ أذواداً لأهلِ ملاعِ
ففدًى لهمْ أمِّي وأمُّهمُ لهمْ ... فبمثلهمْ في الوترِ يسعى السَّاعي
ولقد شددتمْ شدَّةً مذكورةً ... ولقد رفعتمْ ذكركمْ بيفاعِ
فَلتبلغنْ أهلَ العراقِ ومذحجاً ... وعكاظَ شدَّتنا لدى الإقلاعِ
أبني الحُصينَ ألم يحنكمْ بغيكمْ ... أهلَ اللِّواءِ وسادةَ المرباعِ
شهدوا المواسمَ فانتزعنا ذكرهمْ ... منهمْ بأمرِ صريمةٍ وزماعِ
أبلغْ قبائلَ مذحجٍ ولفيفها ... أنِّي حميتُ محاميَ الأجراعِ
وتركتُ أكتلَ والمخزَّمَ وابنهُ ... رهناً لوردِ لعاوسٍ وضباعِ
فلكمْ يدايَ بيومِ سوءٍ بعدها ... متكفِّلٍ بتفرُّقٍ وضياعِ
وتظلُّ جالعةُ القناعِ خريدةٌ ... لم تبدُ يوماً غيرَ ذاتِ قناعِ
أبَني منسِّفةِ استِها لا تأمنوا ... حرباً تقضُّ مضاجعَ الهجّاعِ
حتَّى تلفَّ أصارمٌ بأصارمٍ ... ويلمَّ شتُّ تفرُّقِ الأوزاعِ
وترى أبا الأبداءِ يسحبُ هدمهُ ... حيرانَ ملتجئاً إلى الأكماعِ
ولقد بلا جعلُ المخازي بأسنا ... ومحالنا في كبَّةِ الوعواعِ
فنجا ومقلتهُ يقسِّمُ لحظها ... فنَّينِ بينَ أخادعٍ ونخاعِ
يزيد بن المخرّم
وقال يزيد بن المخرّم بن حزن بن زياد، أخو بني الحارث بن كعب:
تعجَّبُ جارتي لمّا رأتني ... كذاتِ النَّوطِ مخدرتي جراحي
كأنَّكِ لم تريْ قبلي أسيراً ... يقادُ به على جملٍ رداحِ
على آثارِ أحمرةٍ وفرقٍ ... تقسَّمُ بينَ أغولةٍ شحاحِ
فلمّا أنزلوني كنتُ حرّاً ... أجالدهمْ لدى كفلِ الجناحِ
تعاورهُ الرِّجالُ فأنزلوني ... عن الفرسِ المطهَّمةِ الوقاحِ
فلمّا إن كثرتُ وغابَ قومي ... أسرتُ إسارَ محتبلِ البراحِ
رأوني مفرداً فتناذروني ... وما صدعتْ كماتهمُ جماحي
وقد روَّعتهمْ قِدماً بخيلٍ ... جوانفَ في الأعنَّةِ كالسِّراحِ
إذا بلَّتْ أعنَّتها بناني ... خرجنَ بنا نواشطَ كالقداحِ
ولو أنِّي جمعتُ لهمْ شواري ... على نهدٍ مراكلهُ شناحِ
لأنكرني الذينَ تبادروني ... عليَّ مفاضتي ومعي سلاحِ
стр. 390
كأنَّ عديَّهمْ حولي عبابٌ ... تغطمطَ في قموسِ البحرِ ضاحي
وغابَ حلائبي وبقيتُ فرداً ... أُماصعهمْ ونهضكَ بالجناحِ
فما أدري وظنِّي كلُّ ظنٍّ ... أيُسلمني بنو البدءِ اللِّقاحِ
فتقتلني بنو خبرٍ بذهلٍ ... وكدتُ أكونُ من قتلى الرِّياحِ
وظنِّي أن ستشغلكَ النَّدامى ... غدوُّهمُ إليكَ معَ الرَّواحِ
تغنِّيكَ الحمامةُ كلَّ فجرٍ ... على التُّكآتِ في النُّجبِ الصَّباحِ
إذا فارقتَ ندماناً بليلٍ ... تواعدهُ لقاءكَ ذا صباحِ
وإنَّ أخاكَ إن غُيِّبتَ عنهُ ... يغصُّ بنغبةِ الماءِ القراحِ
فلوْ كنتَ الأسيرَ ولا تكنهُ ... لزرتهمُ بمرتجفِ النَّواحِ
فإن لم يطلقوا منكم أسيراً ... فقودوا الخيلَ أسفلَ من رُباحِ
ولا يردعكمُ شفقٌ علينا ... فبعضُ القودِ أدنى للنَّجاحِ
وإنَّ القودَ بعد القودِ يشفي ... ذوي الأضغانِ من لهبِ الأُحاحِ
جبر بن الأسود
وقال جبر بن الأسود المعاويّ، من بني الحارث بن كعب:
أجدَّكَ لم تعرفْ أثافيَّ دمنةٍ ... مررتَ على أطلالها لا تعرِّجُ
بلى فتداعى الدَّمعُ حتَّى كأنَّما ... جفونكَ سمطٌ خانهُ السِّلكُ ممرجُ
لياليَ ليلى لا تزالُ كأنَّها ... هميجٌ بذي الدَّثَّينِ غرّاءُ عوهجُ
ربيبةُ خدرٍ لم تكشَّفْ سجوفهُ ... وفارةُ مسكٍ آخرَ اللَّيلِ تارجُ
كأنَّ ثناياها وبردَ رضابها ... هدوّاً نطافٌ بالمسيلةِ حشرجُ
تشجُّ به رقراقةٌ صرخديَّةٌ ... عقيلةُ محذوفٍ يغصُّ وينشجُ
تذكَّرتها من بعدِ ما حالَ دونها ... من النّأي طلحٌ بالحجازِ وعوسجُ
فإنّي بليلى جيرِ أن تُسعفَ النَّوى ... ومن دونها غولُ البطاحِ فمنعجُ
فدعْ ذا ولكنْ هل ترى رأيَ كاشحٍ ... يخبُّ إلينا بالوعيدِ ويهدجُ
كذبتمْ وبيت الله لا تأخذونها ... بني عانسٍ حتَّى تروحوا وتدلجوا
وحتَّى ترى الحوَّ الطِّوالَ متونها ... على ضوءِ نارٍ أو معَ الصُّبحِ تسرجُ
وحتَّى ترى النَّجدَ البسيلَ كأنَّما ... يضرِّجهُ بالزَّعفرانِ مضرِّجُ
وحتَّى ترى اللّيسَ الكُماةَ كأنَّما ... تصلَّوا ذكاً يلوي القلوبَ فيهرجُ
كبتْ كرَّةُ الأبدانِ فوقَ جلودهمْ ... إذا لبسوا ما كان داوودُ ينسجُ
هنالكَ إنْ تغلبْ تكنْ أنتَ ربَّها ... وإنْ تنهكمْ عنها الحواجزُ تعنجوا
حواجزُ رحمٍ أو قتالُ عشيرةٍ ... وعادةُ بعضِ الظُّلمِ بالظُّلمِ تلهجُ
وما خلتُ أنِّي نلتُ مالَ عشيرةٍ ... ولا حيبةً إنَّ الأمورَ تفرَّجُ
فلستُ بمولى باطلٍ إن طلبتهُ ... وما لكَ عندي بالظُّلامةِ مدلجُ
متى تلقني لا تلقَ شكَّةَ واحدٍ ... إذا افترَّ يوماً عن لظًى يتأجَّجُ
معي مشرفيٌّ كالعقيقةِ صارمٌ ... به أثرٌ بالمتنتينِ مدرَّجُ
وأسمرُ خطِّيٌّ كأنَّ اهتزازهُ ... مقاطُ قليبٍ مسَّهُ الماءُ مدمجُ
وأبيضُ فضفاضٌ كنهيٍ تبسَّمتْ ... له تحتَ ذيلِ الصُّبحِ في القاعِ نيرجُ
فيالكَ من بزِّ امرئٍ ذي حفيظةٍ ... يخبُّ به عبلُ المعاقمِ مهرجُ
وقد علمتْ إنِّي وإنَّكَ في الوغى ... إذا اعتكرتْ أصغى إلى السِّلمِ مذحجُ
وقد لفَّ شخصينا سرادقُ هبوةٍ ... فخانكَ صبرٌ يومَ ذلك مخدجُ
فحاذر هديّاها فإنِّي زعيمها ... وأشنعُ ما يُنثى الكلامُ الملجلجُ
الحارث بن جحدر
وقال الحارث بن جحدرٍ الحضرميّ ثمَّ الصدفيّ:
أتهجرُ أمْ لا اليومَ من أنتَ عاشقهْ ... ومن أنتَ مشتاقٌ إليهِ وشائقُهْ
ومن أنتَ طولَ الدَّهرِ ذكرُ فؤادهِ ... ومن أنتَ في صرمِ الخلائقِ وامقهْ
ورئمٍ أحمِّ المقلتينِ موشَّحٍ ... زرابيُّهُ مبثوثةٌ ونمارقهْ
أغنَّ غضيضِ الطَّرفِ عذبٍ رضابهُ ... تُعلَّلُ بالمسكِ الذَّكيِّ مفارقهْ
بذلتُ لشيخيهِ التِّلادَ فنلتهُ ... وما كدتُ حتَّى سافَ مالي أوافقهْ
وغيثٍ من الوسميِّ أسحجَ فارتوى ... من الماءِ حتَّى ضاقَ بالماءِ طالقهْ
стр. 391
أجشَّ دجوجيٍّ إذا جادَ جودةً ... على البيدِ أوفى واتلأبَّتْ دوافقهْ
ملثٍّ فُويقَ الأرضِ دانٍ كأنَّهُ ... دجى اللَّيلِ أرسى يفحصُ الأرضَ وادقهْ
هزيمٍ يسحُّ الماءَ عن كلِّ فيقةٍ ... مرنٍّ كثيرٍ رعدهُ وبوارقهْ
إذا جلَّلتْ أعجازهُ الرِّيحُ جلجلتْ ... تواليهِ رعداً فاستهلَّتْ رواتقهْ
إذا ما بكى شجواً تحيَّرَ مسمحٍ ... على الجوفِ حتَّى تتلئبَّ سوابقهْ
فأقلعَ عن مثلِ الرِّحالِ ترى به ... خناظيلَ أهمالٍ تجولُ حزائقهْ
إذا أنفدتْ بقلَ الرَّبيعِ وماءهُ ... تذكَّر سلسالَ الفراتِ نواهقهْ
وسربِ ظباءٍ ترتعي ظاهرَ الحمى ... إلى الجوِّ فالخَبتينِ بيضٍ عقايقهْ
مجلجلةِ الأصواتِ أُدمٍ كأنَّها ... مكاكيكُ كسرى شوِّفتْ وأبارقهْ
حماشِ الشَّوى نُجلِ العيونِ سوانقٍ ... من البقلِ حورٍ أحسنَ الخلقَ خالقهْ
ذعرتُ بمقوَرِّ اللِّياطِ مصنَّعٍ ... ممرٍّ كصدرِ الرُّمحِ عادٍ نواهقهْ
أقولُ لفتلاءِ المرافقِ سمحةٍ ... وللَّيلِ كسرٌ يضبعُ البيدَ غاسقهْ
تضمَّنتِ همِّي فاستقيمي وشمِّري ... على لاحبٍ تُنضي المطيَّ أسالقهْ
وسيري إلى خيرِ الأنامِ وروِّعي ... بلادكِ أنَّ الدَّهرَ جمٌّ بوائقهْ
إلى الأكرمينَ الأمجدينَ أولي النُّهى ... بني مالكٍ ضخمٍ عظيمٍ سرادقهْ
بني الحارث الخير بن عمرو بن آكل ال ... مُرارِ الذي لا يرهبُ البخلَ طارقهْ
لهمْ جبلٌ يعلو الجبالَ مشيَّدٌ ... أشمٌّ رفيعٌ يحسرُ الطَّرفَ شاهقهْ
وما علمتْ في النَّاسِ طرّاً قبيلةٌ ... لها المجدُ إلاَّ مجدُ كندةَ فائقهْ
وما من حمًى في النّاسِ إلاَّ حمًى لنا ... وإلا لنا غربيُّهُ ومشارقهْ
أتعلمُ أنَّ الصِّدقَ في القولِ واضحٌ ... أما إنَّ خيرَ القولَ في النَّاسِ صادقهْ
وما من فتًى في النّاسِ إلاَّ يسوقهُ ... إلى الموتِ يومٌ لا محالةَ سائقهْ
لهُ أجلٌ ساعٍ لهُ لا مؤخِّراً ... إذا جاءَ محتوماً ولا هو سابقهْ
وكلُّ فتًى يوماً وإن ضنَّ رغبةً ... بصاحبهِ لا بدَّ يوماً مفارقهْ
امرؤ القيس بن جبلة
وقال امرؤ القيس بن جبلة السَّكونيّ:
إنِّي على رغمِ الوشاةِ لقائلٌ ... سقى الجارتينِ العارضُ المتهلِّلُ
من الهيفِ صفراوانِ أنَّى أُتيحتا ... لعينيَّ إنِّي مهتدٍ أو مضلَّلُ
فما زلتُ أدعو اللهَ حتَّى استماهما ... من العينِ جونٌ ذو عثانينَ مسبلُ
به بردٌ صافي الجنوبِ تمدُّهُ ... بناتُ مخاضِ المزنِ أبيضُ مُنزلُ
ودونهما من تلعِ بسيانَ فاللِّوى ... أخاقيقُ فيها صلِّيانٌ وحنظلُ
نباتانِ أمّا الصِّلِّيانُ فظاهرٌ ... وحنظلهُ في باطنِ التَّلعِ مسهلُ
وقد أذعرُ الوحشَ الرُّبوضَ بعرمسٍ ... مضبَّرةٍ حرفٍ تخبُّ وترقلُ
كأني على حقباءَ خدَّدَ لحمها ... إرانٌ وشحّاجٌ من الجونِ معجلُ
صهابيَّةُ العُثنونِ مخطوفةُ الحشا ... تخيَّلُ للأشباحِ غرباً فتجفلُ
تضمَّنها حتَّى تكاملَ نسئُها ... إرانٌ فمرفضُّ الرِّداهِ فأيَّلُ
يجدُّ بها في خفضهِ وهبابه ... أحذُّ جماديٌّ من الحقبِ صلصلُ
يصرِّفها طوعاً وكرهاً إذ أبتْ ... مصكٌّ جلتْ عنهُ العقايقُ صندلُ
ألدُّ شديدُ الأخدعينِ بليتهِ ... من الزَّرِّ أبلادٌ جليبٌ ومُخضلُ
يعارضُ تسعاً قد نحاها لموردٍ ... يجورُ بذاتِ الضِّغْنِ منها ويعدلُ
فلاقى أبا بشرٍ على الماءِ راصداً ... به من زماعِ الصَّيدِ وردٌ وأفكلُ
يقلِّبُ أشباهاً كأنَّ نصالها ... بعيجةُ جمرٍ أو ذبالٌ مفتَّلُ
فلمّا رضى إعراضها واغترارها ... وواجههُ من منبضِ القلبِ مقتلُ
رماها بمذروبِ المكفِّ كأنَّهُ ... سوى عودهِ المخشوشِ في الرأسِ مغولُ
فأنفذَ حضنيها وطرَّ وراءها ... بمعتقبِ الوادي نضيٌّ مرمَّلُ
وغادرها تكبو لحرِّ جبينها ... يناطحُ منها الأرضَ خدٌّ وكلكلُ
ومارَ عبيطٌ من نجيعٍ كأنَّهُ ... على مستوى الإطلينِ نيرٌ مرحَّلُ
стр. 392
وأجفلنَ من غيرِ ائتمارٍ وكلُّها ... له من عبابِ الشَّدِّ حرزٌ ومعقلُ
يؤمِّلُ شرباً من ثميلٍ وماسلٍ ... وما الموتُ إلاَّ حيثُ أرَّكَ ماسلُ
عليهِ أُبيرٌ راصداً ما يروقهُ ... من الرَّميِ إلاَّ الجيِّدُ المتنخَّلُ
ولاقينَ جبّارَ بن حمزةَ بعدما ... أطابَ بشكٍّ أيَّ أمريهِ أفعلُ
يقلِّبُ أشباهاً كأنَّ نصالها ... خوافي حمامٍ ضمَّها الصَّيفَ منزلُ
وصفراءَ من نبعٍ رنينٌ خُواتها ... تجودُ بأيدي النّازعينَ وتبخلُ
وباتَ يرى الأرضَ الفضاءَ كأنَّها ... مراقبُ يخشى هولها المتنزِّلُ
يؤامرُ نفسيهِ أعين غُمازةٍ ... يغلِّسُ أم حيثُ النِّباجُ وثيتلُ
فلمّا ارجحنَّ اللَّيلُ عنهُ رمى بها ... نجادَ الفلا يعلو مراراً ويسفلُ
فغامرَ طحلاءَ الشَّرائعِ حولهُ ... بأرجائها غابٌ ألفُّ وثيِّلُ
فغمَّرها مستوفزاً ثمَّ حاذها ... يشجُّ الصُّوى من قربها الشَّدُّ من علُ
وأضحتْ بأجوازِ الفلاةِ كأنَّها ... وقد راخت الشَّدَّ الحنيُّ المعطَّلُ
ألا هذه أمُّ الصَّبيَّينِ إذ رأتْ ... شحوباً بضاحي الجسمِ منِّي تهزَّلُ
تقولُ بما قد كانَ أفرعَ ناعماً ... تغيَّرَ واستولى عليهِ التَّبدُّلُ
فإنْ تسألي عنِّي صحابي تُنبَّئي ... إذا ما انفرى سرباليَ المترعبلِ
تنبَّيْ بأنّي ماجدٌ ذو حفيظةٍ ... أخو القومِ جوّابُ الفلاةِ شمردلُ
تريني غداةَ البذلِ أهتزُّ للنَّدى ... كما جرَّدَ السَّيفَ اليمانيَّ صيقلُ
فلا يهنئنَّ الشّامتينَ اغتباطهمْ ... إذا غالَ أجلادي ترابٌ وجندلُ
وإضتُ هميداً تحتَ رمسٍ بربوةٍ ... تعاورني ريحٌ جنوبٌ وشمألُ
تمنَّى ليَ الموتَ الذي لستُ سابقاً ... معاشرُ من ريبِ الحوادثِ جهَّلُ
معاشرُ أضحى ودُّهمْ متبايناً ... وشرُّهمُ بادٍ يدَ الدَّهرِ مقبلُ
أقرَّ وقاعي أنفساً ليسَ بينها ... وبينَ حياضِ الموتِ للشّربِ منهلُ
كما راعَ ممسى اللَّيلِ أو مستوى الضُّحى ... عصافيرُ حجرانِ الجُنينةِ أجدلُ
خداشُ بن زهير
وقال خداشُ بن زهير بن ربيعة بن عامر فارس الضّحياء بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وخداش هو ذو الشّامة:
عفا واسطٌ أكلاؤهُ فمحاضرهُ ... إلى جنبِ نهيَ سيلهُ فصدائرهْ
فشركٌ فأمواهُ اللَّديدِ فمنعجٌ ... فوادي البديِّ غمرهُ فظواهرهْ
منازلُ من هندٍ وكان أميرها ... إذا ما أحسَّ القيظَ تلكَ مصايرهْ
صلي مثلَ وصلي أمَّ عمرٍو فإنَّني ... إذا خفتُ أخلاقَ النَّزيعِ أُدابرهْ
وأبيضَ خيرٍ منكِ وصلاً كسوتهُ ... ردائي فيما نلتقي وأسايرهْ
وإنّي لتغشى حجرةَ الدّارِ ذمَّتي ... ويدركُ نصري المرءَ أبطأ ناصرهْ
وإنّي إذا ابنُ العمِّ أصبحَ غارماً ... ولو نالَ منِّي ظنَّةً لا أهاجرهْ
يكونُ مكانَ البرِّ منِّي ودونه ... وأجعلُ مالي ماله وأُؤامرهْ
فإنَّ ألوكَ اللَّيلِ معطًى نصيبهُ ... لديَّ إذا لاقى البخيلَ معاذرهْ
وإنِّي لينهاني الأميرُ عن الهوى ... وأصرمُ أمري واحداً فأهاجرهْ
بأدماءَ من سرِّ المهارى كأنَّها ... أقبُّ شنونٌ لم تخنهُ دوابرهْ
تصيَّفَ أطرافَ الصُّوى كلَّ صيفةٍ ... وواردَ حتَّى ما يلثّمُ حافرهْ
ولاحتهُ هيفُ الصَّيفِ حتَّى كأنهُ ... صليفُ غبيطٍ لاءمتهُ أواسرهْ
تلا سقبةً قوداءَ أفردَ جحشها ... فقد جعلتْ تاذي به وتناكرُهْ
رباعيَّةً أو قارحَ العامِ ضامراً ... يمائرها في جريهِ وتُمائرُهْ
إذا هبطا أرضاً حزوناً رأيتها ... بجانبهِ إلاَّ قليلاً تواترهْ
فحلأها حتَّى إذا ما توقَّدتْ ... عليهِ من الصَّمّانتينِ ظواهرهْ
وخالطَ بالأرساغِ من ناصلِ السَّفى ... أنابيشَ مرميّاً بهنَّ أشاعره
أرنَّ عليها قارباً وانتحتْ لهُ ... خنوفٌ إذا تلقى مصيفاً تبادرُهْ
فأوردها والنَّجمُ قد شالَ طالعاً ... رجا منهلٍ لا يخلفُ الماءَ حائرهْ
стр. 393
فجاءتْ ولم تملكْ من الماءِ نفسها ... وسافَ الشَّريعَ أنفهُ ومشافرهْ
فرادَ قليلاً ثمَّ خفَّضَ جأشهُ ... على وجلٍ من جانبٍ وهو حاذرهْ
فدلَّى يديهِ بينَ ضحلٍ وغمرةٍ ... تخالجُ من هولِ الجنانِ بوادرهْ
وأوسٌ لدى ركنِ الشَّمالِ بأسهمٍ ... خفافٍ وناموسٍ شديدٍ حمائرهْ
إذا رابهُ من سهمهِ زيغُ قذَّةٍ ... يعوذُ بمبراةٍ له فهو حاشرهْ
فأوردهُ حتَّى إذا مدَّ صلبهُ ... وباشرَ بردَ الماءِ منه مناخرهْ
تنحَّى بمذروبٍ فأخلفَ ظنَّهُ ... وويَّلَ ملهوفاً وخيِّبَ طائرهْ
فأصدرها تعلو النِّجادَ وينتحي ... بها كلَّ ريعٍ متلئبٍّ مصادرهْ
يجنِّبُ رجليها يديهِ ورأسهُ ... شديدٌ عليها وقعهُ وغشامرُهْ
فأصبحَ ذو حسمٍ ودورانُ دونهُ ... وحسيُ القرانِ دونهُ وحزاورهْ
بعيدُ مدى صوتِ النُّهاقِ يردُّهُ ... إلى جوفهِ منهُ صحيحاً نواظرهْ
أقبٌّ قليلُ العتبِ توبعَ خلقهُ ... فأُفرغَ هاديهِ وأُرمحَ سائرهْ
كأنَّ ضئيَّيْ رأسهِ شجرُ واسطٍ ... تفاقمَ حتَّى لا حكتهُ مسامرهْ
فتلكَ بها أقضي همومي وحاجتي ... إذا ما التوتْ والهمُّ جمٌّ خواطرهْ
وقال خداشٌ أيضاً:
صبا قلبي وكلَّفني كنودا ... وعاودَ داءهُ منها التَّليدا
ولم يكُ حبُّها عرضاً ولكنْ ... تعلَّقَ داءهُ منها وليدا
ليالي إذ تربَّعُ بطنَ ضيم ... فأكنافَ الوضيحةِ فالبرودا
وإذ هيَ عذبةُ الأنيابِ خودٌ ... تُعيشُ بريقها العطشَ المجودا
ذريني أصطبحْ كأساً وأودي ... مع الفتيانِ إذ صحبوا ثمودا
فإنِّي قد بقيتُ بقاءَ حيٍّ ... ولكن لا بقاءَ ولا خلودا
وإنَّ المرءَ لم يخلقْ سلاماً ... ولا حجراً ولم يخلقْ حديدا
ولكن عائشٌ ما عاشَ حتَّى ... إذا ما كادهُ الأيّامُ كيدا
لحتْ عذَّالتايَ فقلتُ مهلاً ... ألمّا تبصرا الرّأيَ الرَّشيدا
فما إن أمرتما إلاَّ بنحلٍ ... فهلاَّ أن أُثمِّرَ أو أفيدا
سأحضرها التِّجارَ إذا أتوني ... بخمرهمِ وأمنحها المُريدا
وأروي الفتيةَ النُّدماءَ منها ... ذوي شركٍ يعدُّونَ الفقودا
رأيتُ الله أكثر كلِّ شيءٍ ... محاولةً وأكثرهُ جنودا
تقوهُ أيُّها الفتيانُ إنِّي ... رأيتُ اللهَ قد غلبَ الجدودا
رأيتُ الخادرَ المحجوبَ منّا ... يلقَّى حتفهُ والمستريدا
ولمّا يُبقِ من سرواتِ فهرٍ ... وخندفِ هذه إلاَّ شريدا
تولَّوا نضربُ الأقفاءَ منهمْ ... بما انتهكوا المحارمَ والحدودا
وأبرحُ ما أدامَ اللهُ رهطي ... رخيَّ البالِ منتطقاً مجيدا
بساهمةٍ أهنتُ لها عيالي ... وأمنحها الخليَّةَ والصَّعودا
وأُلحفها إذا ما الكلبُ ولَّى ... براثنهُ وجبهتهُ الجليدا
ردائيَ فهيَ صافنةٌ إلينا ... تشيمُ بطرفها البلد البعيدا
منَ المتلفِّتاتِ لجانبيها ... إذا أخضلنَ بالعرقِ اللَّبُّودا
أقدتُ بثابتٍ وإلى زيادٍ ... رضختُ بنعمةٍ وإلى يزيدا
وفي النَّجارِ قد أسديتُ نعمى ... وأجدرْ في النَّوائبِ أن أعودا
إذِ الأشهادُ من عمرو بن عوفٍ ... قعودٌ في الرِّفاقِ وفي يهودا
أثيبوني القيانَ إذا انتديتمْ ... وبزلَ الشَّولِ تحدى والبرودا
وجرداً في الأعنَّةِ مصغياتٍ ... حدادَ الطَّرفِ يعلكنَ الحديدا
فأبلغْ إن عرضتَ بنا هشاماً ... وعبد الله أبلغْ والوليدا
أولئكَ إن يكنْ في القومِ خيرٌ ... فإنَّ لديهمِ حسباً وجودا
همُ خيرُ المعاشرِ من قريشٍ ... وأوراها إذا قدحتْ زنودا
بأنّا يومَ شمظةَ قد أقمنا ... عمودَ المجدِ إنَّ له عمودا
جلبنا الخيلَ ساهمةً إليهمْ ... عوابسَ يدَّرعنَ النَّقعَ قودا
وبتنا نعقدُ السِّيما وباتوا ... وقالوا صبِّحوا الأنسَ الحريدا
وقد حتموا القضاءَ ليجعلنّا ... مع الإصباحِ جاريةً وئيدا
فجاؤوا عارضاً برداً وجئنا ... كما أضرمتَ في الغابِ الوقودا
стр. 394
فقالوا يالَ عمرٍو لا تفرُّوا ... فقلنا لا فرارَ ولا صدودا
فعاركنا الكماةَ وعاركونا ... عراكَ النُّمرِ واجهتِ الأسودا
علوناهمْ بكلِّ أفلَّ عضبٍ ... تخالُ جماءَ وقعتهِ خدودا
فلمْ أرَ مثلهمْ هزموا وفُلُّوا ... ولا كذيادنا غبقاً مذودا
عددتمْ عطفتينِ ولم تعدُّوا ... وقائعَ قد تركنكمُ حصيدا
تركنا البيدَ والمعزاءَ منهمْ ... تخالُ خلالها معزًى صريدا
تركنا عامريهمْ مثلَ عادٍ ... ومرَّةَ أُهلكوا إلاَّ الشَّريدا
وعبدَ الله قد قتلوا فصاروا ... همُ الأنكاسَ يرعونَ النَّقيدا
أنا الحامي الذِّمارَ وليثُ غابٍ ... أشبُّ الحربَ أشعلها وقودا
أهمُّ فلا أقصِّرُ دونَ همِّي ... أنالُ الغنمَ والبلد البعيدا
بتجهيزي المقانبَ كلَّ عامٍ ... وغاراتي على جبليْ زرودا
على الأحلافِ من أسدٍ وطيْئٍ ... وفي غطفانَ أجدرُ أن أعودا
وقال خداشٌ أيضاً:
إذا ما الثُّريا أشرفتْ في قتامها ... فُويقَ رؤوسِ النّاسِ كالرُّفقةِ السَّفْرِ
وأردفتِ الجوزاءُ يبرقُ نظمها ... كلونِ الصِّوارِ في مراتعهِ الزُّهرِ
إذا أمستِ الشِّعرى استقلَّ شعاعها ... على طلسةٍ من قرِّ أيّامها الغُبْرِ
وبادرتِ الشَّولُ الكنيفَ وفحلها ... قليلُ الضِّرابِ حينَ يرسلُ والهدرِ
ألم تعلمي والعلمُ ينفعُ أهلهُ ... وليسَ الذي يدري كآخرَ لا يدري
بأنّا على سرّائنا غيرُ جهَّلٍ ... وأنّا على ضرّائنا من ذوي الصَّبرِ
وأنَّ سراةَ الحيِّ عمرو بن عامرٍ ... مقارٍ مطاعيمٌ إذا ضنَّ بالقطرِ
وكم فيهمِ من سيِّدٍ ذي مهابةٍ ... وحمّالِ أثقالٍ وذي نائلٍ غمرِ
ومن قائلٍ لا يفضلُ النّاسُ حلمهُ ... إذا اجتمعَ الأقوامُ كالقمرِ البدرِ
ونلبسُ يومَ الرَّوعِ زغفاً مُفاضةً ... مضاعفةً بيضاً لها حببٌ يجري
ونفري سرابيلَ الكُماةِ عليهمِ ... إذا ما التقينا بالمهنَّدةِ البترِ
ونصبرُ للمكروهِ عندَ لقائنا ... ونرجعُ منهُ بالغنيمةِ والذِّكرِ
وقد علمتْ قيسُ بن عيلانَ أنَّنا ... نحلُّ إذا خافَ القبائلُ بالثَّغرِ
بحيٍّ يراهُ النّاسُ غير أُشابةٍ ... لهمْ عرضُ ما بينَ اليمامةِ والقهرِ
ترى حينَ تأتيهمْ قباباً وميسراً ... وأخبيةً من مستجيرٍ ومن تجرِ
ولا يمنعُ الحانوتَ منّا زعانفٌ ... من النَّاسِ حتَّى نستفيقَ من الخمرِ
أنا ابن الذي لاقى الهمامَ فردَّهُ ... على رغمهِ بينَ المثامنِ والصَّخرِ
أقمنا بقاعِ النَّخلِ حينَ تجمَّعتْ ... حلائبُ جعفيٍّ على محبسِ النَّفرِ
ضربناهمُ حتَّى شفينا نفوسنا ... من السَّيِّدِ العاتي الرَّئيسِ ومن دهرِ
وفي شعبى يومٌ لنا غيرُ وابطٍ ... ويومُ بني وهيٍ ويومُ بني زحرِ
نعاورهمْ ضرباً بكل مهنَّدٍ ... ونجزيهمِ بالوترِ وتراً على وترِ
دروعٌ وغابٌ لا يرى من ورائهِ ... سنا أفقٍ بادٍ ولا جبلٍ وعرِ
امرؤ القيس بن عمرو السَّكونيّ
وقال امرؤ القيس بن عمرو بن الحارث السَّكونيّ:
طربتَ وعنّاك الهوى والتَّطرُّبُ ... وعادتكُ أحزانٌ تشوقُ وتنصبُ
وأصبحتَ من ليلى هلوعاً كأنَّما ... أصابكَ مومٌ من تهامةَ موربُ
ألا لا بلِ الأشواقُ هاجتْ همومهُ ... وأشجانهُ فالدَّمعُ للوجدِ يسكبُ
وليلى أناةٌ كالمهاةِ غريرةٌ ... منعَّمةٌ تصبي الحليمَ وتخلبُ
كأنَّ ثناياها تعلَّلنَ موهناً ... غبيقاً من الصَّهباءِ بل هيَ أعذبُ
وما أمُّ خشفٍ شادنٍ بخميلةٍ ... من الدَّهسِ منهُ هائلٌ ومكبَّبُ
يعنُّ لها طوراً وطوراً يروقها ... على الأنسِ منهُ جرأةٌ وتوثُّبُ
بأحسنَ منها مقلةً ومقلَّداً ... وإن هيَ لم تسعفْ وطالَ التَّجنُّبُ
وما روضةٌ وسْميَّةٌ حمويَّةٌ ... بها مونقاتٌ من خزامى وحلَّبُ
تعاورها ودقُ السَّماءِ وديمةٌ ... يظلُّ عليها وبلها يتحلَّبُ
بأطيبَ منها نكهةً بعدَ هجعةٍ ... إذا ما تدلَّى الكوكبُ المتصوِّبُ
стр. 395
فدعْ ذكرَ ليلى إذ نأتكَ بودِّها ... وإذ هيَ لا تدنو إليكَ فتسقبُ
أتتنا تميمٌ قضُّها بقضيضها ... ومن سارَ من ألفافهمْ وتأشَّبوا
برجراجةٍ لا ينفدُ الطَّرفُ عرضها ... لها زجلٌ قدِ احزألَّ وملجبُ
فلمّا رأيناهم كأنَّ زهاءهمْ ... على الأرضِ إصباحاً سوادٌ وغرَّبُ
سمونا لهمْ بالخيلِ تردي كأنَّها ... سعالٍ وعقبانُ اللِّوى حينَ تركبُ
ضوامرُ أمثالُ القداحِ يكرُّها ... على الموتِ أبناءُ الحروبِ فتحربُ
فقالوا الصَّبوحَ عندَ أوَّلِ وهلةٍ ... فقلنا لهمْ أهلٌ تميمٌ ومرحبُ
ألم تعلموا أنَّا نفلُّ عدوَّنا ... إذا احْشوشدوا في جمعهمْ وتألَّبوا
بضربٍ يفضُّ الهامَ شدَّةُ وقعهِ ... ووخزٍ ترى منهُ التَّرائبَ تشخبُ
فلاقَوا مصاعاً منْ أُناسٍ كأنَّهمْ ... أُسودُ العرينِ صادقاً لا يكذِّبُ
فلمْ ترَ منهمْ غيرَ كابٍ لوجههِ ... وآخرَ مفلولٍ وآخرَ يهربُ
ولمْ يبقَ إلاَّ خيفقٌ أعوجيَّةٌ ... وإلاّ طمِرٌّ كالهراوةِ منهبُ
وفاءَ لنا منهمْ نساءٌ كأنَّها ... بوجرةَ والسُّلاَّنِ عينٌ وربربُ
ونحنُ قتلْنا عامراً وابنَ أُمِّه ... ووافاهُما يومٌ شتيمٌ عصبصبُ
وغودرَ فيها ابْنا رياحٍ وحبترٌ ... تنوشهمُ طيرٌ عتاقٌ وأذؤبُ
ويعدو ببزِّي هيكلُ الخلقِ سابحٌ ... ممرٌّ أسيلُ الخدِّ أجردُ شرجبُ
كأنِّي غداةَ الرَّوعِ منْ أسدِ زارةٍ ... أبو أشبُلٍ عبلُ الذِّراعِ محرَّبُ
ولمَّا رأيتُ الخيلَ تدمَى نحورُها ... كررتُ فلمْ أنكلْ إذا القومُ هيَّبوا
حبوتُ أبا الرَّحَّالِ منِّي بطعنةٍ ... يمدُّ بها آتٍ منَ الجوفِ يزعبُ
فلمْ أرقِهِ إنْ ينجُ منها وإنْ يمتْ ... فجيَّاشةٌ فيها عواندُ تتعبُ
وقدْ علمتْ أولَى المغيرةِ أنَّني ... كررتُ وقدْ شلَّ السَّوامُ المعزِّبُ
ونهنهتُ ريعانَ العديِّ كأنَّهُ ... غواربُ تيَّارٍ منَ اليمِّ يُجنبُ
فسائلْ بني الجعراءِ كيفَ مِصاعنا ... إذا كرَّرَ الدَّعوى المُشيحُ المثوِّبُ
عبد الله بن ثور
وقال عبد الله بن ثور، أحد بني البكّاء من بني عامر بن صعصعة:
أرسمَ ديارٍ لابنةِ القينِ تعرفُ ... عفا شدخُ اللَّعباءِ منها فأسقفُ
وقدْ حضرتْ عاماً بوادرَ كلّها ... فذروةُ منها فالمراضانِ مألفُ
وقدْ أنبأتني الطَّيرُ لوْ كنتُ عائفاً ... ولكنَّني بالطَّيرِ لا أتعيَّفُ
برمَّانَ والعرجينِ إنَّ لقاءها ... بعيدٌ وإنَّ الوعدَ منها سيخلفُ
نهيمُ بهندٍ منْ وراءِ تهامةٍ ... ووادي القُرى بيني وبينكَ منصفُ
ولا هندَ إلاَّ أنْ تذكَّرَ ما مضى ... تقادمَ عهدٍ والتَّذكُّرُ يشعفُ
كنانيَّةٌ ترعى الرَّبيعَ بعالجٍ ... فخيبرَ فالوادي لها متصيَّفُ
تحلُّ معَ ابنِ الجونِ حرَّ بلادهِ ... فأنتَ الهوى لو أنَّ ولْيَكَ يسعفُ
فحادثُ ديارَ المُدلجيَّةِ إذْ نأتْ ... بوجناءَ فيها للرَّادفِ تعجرفُ
منفَّجةِ الدّأيَّاتِ ذاتِ مخيلةٍ ... لها قردٌ تحتَ الوليَّةِ مشرِّفُ
كحقباءَ منْ عونِ السَّراةِ رجيلةٍ ... مراتعُها جنبا قنانٍ فمنكفُ
تخافُ عُبيداً لا يزالُ ملبَّداً ... رصيداً بذاتِ الحرفِ والعين تطرفُ
وجاءتْ لخمسٍ بعدَما تمَّ ظمؤُها ... وجانبُها ممَّا يلي الماءَ أجنفُ
فمدَّ يديهِ منْ قريبٍ وصدرهُ ... بمعبلةٍ ممَّا يريشُ ويرصفُ
فأعجلهُ رجعُ اليمينِ انصِرافها ... وأخطأها حتفٌ هنالكَ مزعفُ
فباتتْ بملتدٍّ تعشَّى خليسةً ... وباتَ قليلاً نومهُ يتلهَّفُ
على مثلهِ أقضي الهمومَ إذا اعترتْ ... وأُعقبُ إخوانَ الصَّفاءِ وأُردفُ
وندمانِ صدقٍ قدْ رفعتُ برأسهِ ... إليَّ وأوتارُ الوليدةِ تعزفُ
وذي إبلٍ لا يقربُ الحقُّ رفدَها ... تركتُ قليلاً مالهُ يتنصَّفُ
وأحسبُ أنِّي بعدَ ذلكَ أقتدي ... بأخلاقِ منِ يقري ومنْ يتعفَّفُ
ألا تلكمُ ليثٌ وعمرو بنُ عامرٍ ... حليفانِ راضُوا أمرهمْ فتحلَّفوا
стр. 396
فما كانَ منَّا منْ يحالفُ دونكمْ ... ولو أصفقتْ قيسٌ علينا وخندفُ
ولمَّا رأينا الحيَّ عمرَو بنَ عامرٍ ... عيونهمُ يابْنَيْ أُمامةَ تذرفُ
وقفْنا فأصلحْنا علينا أداتَنا ... وقُلنا ألا اجْزُوا مُدلجاً ما تسلَّفوا
فظلْنا نهزُّ السَّمهريّ عليهمِ ... وبئسَ الصَّبوحُ السَّمهريُّ المثقَّفُ
فكنَّا كمنْ آسَى أخاهُ بنفسهِ ... نعيشُ معاً أو يتلَفونَ ونتلفُ
وجئْنا بقومٍ لا يُمنُّ عليهمِ ... وجمعٍ إذا لاقى الأعاديَّ يزحفُ
وقومٍ إذا شلُّوا كأنَّ سوامَهمْ ... على ربعٍ وسطَ الدِّيارِ تعطَّفُ
وقالتْ ربايانا ألا يالَ عامرٍ ... على الماءِ راسٌ منْ عليٍّ ملفَّفُ
نُطاعنُ أحياءَ الدُّرَيْدينِ بالضُّحى ... أُسودُ فروعُ الغيلِ عنها تكشَّفُ
علَوْنا قنوْنَى بالخميسِ كأنَّنا ... أتِيٌّ سرَى منْ آخرِ اللَّيلِ يقصفُ
فلمْ تتهيَّبْنا تهامةُ إذْ بدا ... لنا دوْمُها والظَّنُّ بالقومِ يخلفُ
ظللنا نفرِّي بالسُّيوفِ رؤوسهمْ ... جهاراً وأطرافُ الأسنَّةِ ترعفُ
أبو داود الرّؤاسيّ
وقال أبو داود الرّؤاسيّ، أحد بني كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، واسمه يزيد بن عمرو:
يا دارَ عبلةَ بالعلياءِ منْ ظلمِ ... ما إنْ تَبينُ مغانيها منَ القِدمِ
هاجتْ عليكَ شؤوناً غيرَ واحدةٍ ... وذكَّرتكَ بذحلٍ غيرِ منتقمِ
أمستْ رهينةَ دهرٍ لا فكاكَ لها ... بينَ الرِّياحِ وبينَ الوبلِ والدِّيمِ
نحنُ الذينَ تحمَّلنا على ملأٍ ... سيرَ المخبَّبِ منْ إيرٍ إلى الرَّقمِ
لا غروَ إلاَّ لواءٌ تحتهُ ظعُنٌ ... ولا مسارحُ إلاَّ عازبَ النَّعمِ
إذا مياهٌ جهرْناها وأجدَبَنا ... رعيٌ سقيْنَا بأُخرى غيرَها سدمِ
إذا اتَّقتْنا معمَّاةٌ بمهلكةٍ ... نبزُّها بجميعِ الأمرِ مظّلمِ
وكانَ مفزَعُنا جرداً مسوَّمةً ... كأنَّهنَّ عجيمٌ بزَّ عنْ جرمِ
يخرجنَ منْ كلِّ أوبٍ تحتَ ألويةٍ ... يُكبحنَ منْ حذرِ الأضغانِ باللُّجمِ
يحملنَ فتيانَ صدقٍ كانَ عادتهمْ ... ضربَ الحبيكِ وإقداماً على البهمِ
يطرِّفونَ بضربٍ لا كفاءَ لهُ ... يومَ الصَّباحِ وطعنٍ صائبٍ خذمِ
ونحنُ أهلُ بُضيعٍ يومَ طالَعنا ... جيشُ الحُصينِ طِلاعُ الخائفِ الكزمِ
ساقُوا شعوباً وعنزاً منْ ديارهمِ ... ورَجلَ خثعمَ من سهلٍ ومنْ علمِ
منَّاهمُ منيةً كانتْ لهمْ كذباً ... إنَّ المُنى إنَّما يوجَدنَ كالحلمِ
ولَّتْ رجالُ بني شهرانَ تتبعُها ... خضراءُ يرمُونَها بالنَّبلِ عنْ شممِ
والزَّاعبيَّةُ تُحفيهمْ وقدْ جعلتْ ... فيهمْ نوافذَ لا يُرقعنَ بالرُّسُمِ
ظلَّتْ يَحابرُ تُدعى وسطَ أرحُلِنا ... والمستَميتُونَ منْ حاءٍ ومن حكمِ
حتَّى تولَّوا وقدْ كانتْ غنيمتهمْ ... طعناً وضرباً غيرَ مقتسمِ
إذا نجاوزُ ضرباً عن محجَّمةٍ ... تُذري سنابكُها الدَّقعاءَ في اللِّممِ
ونحنُ إذا سارَ وثَّابٌ بأُسرتهِ ... للحيِّ حيِّ بني البكَّاءِ ذي الصَّممِ
كنَّا لططْنا ملطَّ السِّترِ فانحدرتْ ... أهلُ الحجازينِ منْ نصرٍ ومنْ جشمِ
حتَّى تداركنَ بالفقعاءِ شأوهمُ ... عندَ البنيَّةِ من زيٍّ ومنْ زرمِ
واسألْ سلولاً بنا إذْ ضاقَ مبركُها ... إذْ لا تفيءُ إلى حلٍّ ولا حرمِ
سهم بن حنظلة الغنويّ
وقال سهم بن حنظلة الغنويّ، أحد بني جابر بن ضبيبة:
هاجَ لكَ الشَّوقُ من ريحانَة الطَّربا ... إذْ فارقتكَ وأمستْ دارُها غرَبا
ما زلتُ أحبسُ يومَ البينِ راحلَتي ... حتَّى استمرُّوا وأذرتْ دمعَها سرَبا
حتَّى ترفَّعَ بالحِزَّانِ يركضُها ... مثلُ النَّهاءِ مرتْهُ الرِّيحُ فاضطرَبا
والغانياتُ يقتِّلنَ الرِّجالَ إذا ... ضرَّجنَ بالزَّعفرانِ الرَّيطَ والنُّقَبا
منْ كلِّ آنسةٍ لمْ يغذُها عدمٌ ... ولا تشدُّ لشيءٍ صوتَها صخَبا
إنَّ العواذلَ قدْ أهلكْنني نصباً ... وخلتُهنَّ ضعيفاتِ القُوى كذبا
стр. 397
معاوداتٍ على لومِ الفتى سفهاً ... فيما استفادَ ولا يرجعنَ ما ذهَبا
إنَّ احتضاركَ مولى السَّوءِ تسألهُ ... مثلَ القعودِ ولمَّا تتَّخذْ نشَبا
إذا افتقرتَ نأى واشتدَّ جانبهُ ... وإنْ رآكَ غنيّاً لانَ واقترَبا
وإنْ أتاكَ لمالٍ أو لتنصرهُ ... أثنى عليكَ الذي تهوى وإنْ كذَبا
نائي القرابةِ عندَ النَّيلِ تطلبهُ ... وهوَ البعيدُ إذا نالَ الذي طلَبا
وماكثٌ عقبَ الأيَّامِ يرقبُها ... وما تردُّ لهُ الأيَّامُ والعُقَبا
حلوُ اللِّسانِ ممرُّ القلبِ مشتملٌ ... على العداوةِ لابنِ العمِّ ما اصطحَبا
لا تكُ ضبّاً إذا استغنى أضرَّ فلمْ ... يحفلْ قرابةَ ذي قُربى ولا نسَبا
اللهُ يخلفُ ما أنفقتَ محتسباً ... إذا شكرتَ ويُؤتيكُ الذي كتَبا
لا بلْ سلِ اللهَ ما ضنُّوا عليكَ بهِ ... ولا يمنُّ عليكَ المرءُ ما وهَبا
لا يحملنَّكَ أقتارٌ على زهدٍ ... ولا تزلْ في عطاءِ الله مرتغِبا
بينا الفتى في نعيمٍ يطمئنُّ بهِ ... أخنى ببؤسٍ عليهِ الدَّهرُ فانقلَبا
أو في ابتئاسٍ يُقاسيهِ وفي نصبٍ ... أمسى وقدْ زايلَ التَّبئاسَ والنَّصَبا
فاعصِ العواذلَ وارمِ اللَّيلَ معترضاً ... بساهمِ الخدِّ يغتالُ الفلا خبَبا
في بُدنهِ خَظَوانٌ لحمهُ زيمٌ ... وذي بقيَّةِ ألواحٍ إذا شسَبا
شهمُ الفؤادِ قبيض الشَّدِّ منجردٍ ... فوتَ النَّواظرِ مطلوباً وإنْ طلَبا
يكادُ يخلجُ طرفُ العينِ حاجبهُ ... عن الحجاجِ إذا ما انتصَّ واقترَبا
كالسَّمعِ لمْ ينقبِ البيطارُ سرَّتهُ ... ولمْ يدجهُ ولم يغمزْ لهُ عصَبا
عاري النَّواهقِ لا ينفكُّ مقتعداً ... في المُسنفاتِ كأسرابِ القطا عُصَبا
إذا ألحَّ حسبتَ الفاسَ شاجيةً ... فاهُ وشجرَ صبيَّيْ لحيهِ قتَبا
ترى العناجيجَ تُمرى كلَّما لغبتْ ... بالقدِّ في باطلٍ منهُ وما لغِبا
يُدني الفتى للغِنى في الرَّاغبينَ ... إذا ليلُ التَّمامِ أفزَّ المقترَ العزَبا
حتَّى تصادفَ مالاً أوْ يقالُ فتًى ... لاقَى التي يشعبُ الفتيانَ فانشعَبا
يا للرِّجالِ لأقوامٍ أُجاورهمْ ... مُستقبسينَ ولمَّا يُقبسوا لهَبا
يصلَونَ ناري وأحْميها لغيرهمِ ... ولو أشاءُ لقدْ كانُوا لها حطَبا
إنْ لا يفيقُوا وليسًوا فاعلينَ أُذقْ ... منهمْ سِناني بما لمْ يُحرِموا رجَبا
عرضَ ابنِ عمِّهمِ الأدنى وجارهمُ ... إذْ همْ شهودٌ وأمسى رهطهُ غيَبا
منَ الرِّجالِ رجالٌ لا أُعاتبهمْ ... وما تفزَّعُ منهمْ هامَتي رعُبا
من لا يزلْ غرضاً أرمي مَقاتلهُ ... لا يتَّقي وهوَ منِّي واقفٌ كثَبا
تُبدي المحارفُ منهُ عظمَ موضحةٍ ... إذا أساها طبيبٌ زادِها ذرَبا
ويحتلبْ بيديهِ ما يسلِّفُنا ... منَ النَّدامةِ أو ينهشْهُما كلَبا
إنِّي امرؤٌ مَن يكلَّفْ أو يجاريني ... منَ المئِينَ يجشِّمْ نفسهُ تعَبا
نُبِّئتُ أنَّ شبيهَ الوبرِ أوعَدَني ... فما قضيتُ لهذا المُوعدي عجَبا
يا أيُّها المُوعدي إنِّي بمنزلةٍ ... تعيِي عليكَ وتلقَى دونَها رُتَبا
مثلي يردُّ على العادِي عداوتهُ ... ويعتبُ المرءَ ذا القُربى إذا عتَبا
ولا أكونُ كوبرٍ بينَ أخبيةٍ ... إذا رأى غفلةً مِن جارهِ وثَبا
وثبَ القعودِ تَنادى الحاديانِ بهِ ... ليُنفراهُ وشدَّا ثيلَهُ حقَبا
أقسمتُ أطلبُ ذحلاً كنتُ أطلبهُ ... ما مسحَ الزَّائرونَ الكعبةَ الحجَبا
حتَّى أحلَّ بوادي مَن يُحاذرُني ... فيستفيدُوا ولوْ أتعبتهمْ خبَبا
ولا أسبُّ امرءاً إلاَّ رفعتُ لهُ ... عاراً يُسبُّ بهِ الأقوامُ أوْ لقَبا
ولا يُبرئُ القطرانُ البحتُ نقبتهُ ... وما تُبينُ بضاحي جلدهِ جرَبا
تَحمي غنيٌّ أُنوفاً أنْ تضامَ وما ... يَحمي عدوُّهمُ أنفاً ولا ذنَبا
إذا قُتيبةُ مدَّتني حلائبُها ... بالدُّهمِ تسمعُ في حافاتِها لجَبا
مدَّ الأتِيِّ ترى في أوبهِ تأقاً ... وفي القواربِ منْ تيَّارهِ حدَبا
стр. 398
وحالَ دُوني منَ الأنباءِ صمصمةٌ ... كانُوا الأُنوفَ وكانُوا الأكرمينَ أَبا
وشمَّرَ الخوفُ يومَ الرَّوعِ مسبغةً ... منَ المآزرِ حتَّى تبلغَ الرُّكَبا
شدَّ النِّساءُ سماواتِ البيوتِ فما ... ينقضنَ للخوفِ مِن أطنابِها طنُبا
حتَّى يشدُّوا الأُسارى بعدَما فرغُوا ... مِن بينِ متَّكئٍ قد فاظَ أو كرَبا
وحيَّ وردٍ ألمْ ينزلْ بعقوَتِهمْ ... حتَّى تضايقَ واديهمْ بما رحُبا
ملمومةً لمْ تداركْ في سوامهمِ ... حتَّى أُبيحوا بها والسَّبيَ فانتُهِبا
واسألْ بنا رهطَ عِلباءَ فقدْ شربوا ... منَّا بكأسٍ فلمْ يستمرئوا الشُّربا
إنَّا نذودهمُ يومَ الرُّحابِ وهمْ ... كالهِيمِ تَغشى بأيدي الذَّادةِ الخشَبا
بكلِّ عضبٍ رقيقِ الحدِّ ذي شطبٍ ... إذا توارى بقحفَيْ هامةٍ رسَبا
نذري بهنَّ أكفَّ الدَّارعينَ كما ... تذري المناجلُ مِنْ أوساطهِ القصَبا
لا ترفعُ الحربُ أيدينا إذا خُفضتْ ... ولا تبوخُ إذا كنَّا لها شُهُبا
حتَّى تُبيحَ العناجيجُ الجيادُ بنا ... أحماءَ مَنْ يعبدُ الأصنامَ والصُّلُبا
قدْ يعلمُ النَّاسُ أنَّا منْ خيارهم ... في الدِّينِ ديناً وفي أحسابهمْ حسَبا
لمْ يعلمُوا خلَّتَيْ صدقٍ فيستَبِقا ... إلاَّ انتمينا إلى عُلياهُما سبَبا
لا يمنعُ النَّاسُ منِّي ما أردتُ ولا أُعطيهمِ ما أرادُوا حسنَ ذا أدَبا
ومَنْ يسوِّي قصيراً باعهُ حصِراً ... ضيقَ الخليقةِ عُوَّاراً إذا ركِبا
بذي مخارجَ وضَّاحٍ إذا نُدِبوا ... في النَّاسِ يوماً إلى المخشيَّةِ انْتَدَبا
مالك بن زغبة
وقال مالك بن زغبة الباهليّ، ثم القتبيّ بن كعب ونهد وجرم في يومٍ كان بينهم:
نأتكَ سليمى دارَها لا تزورُها ... وشطَّ بها عنكَ النَّوى وأميرُها
وما خفتُ منها البينَ حتَّى رأيتُها ... ميمِّمةً نحوَ القرِيَّةِ عيرُها
عليهنَّ أُدمٌ مِن ظباءِ تبالةٍ ... خوارجُ مِنْ تحتِ الخدورِ نحورُها
وفيهنَّ بيضاءُ العوارضِ طفلةٌ ... كهمِّكَ لوْ جادتْ بما يضيرُها
وما كانَ طِبِّي حبُّها غيرَ أنَّهُ ... يقومُ لسلمى في القوافي صدورُها
فدعْ ذا ولكنْ هلْ أتاها مُغارُنا ... بذاتِ العراقِي إذْ أتاها نذيرُها
بملمومةٍ شهباءَ لوْ نطحُوا بها ... عمايةَ أوْ دمخاً لزالتْ صخورُها
يخُضْنَ بني كعبٍ ويدعُونَ مذحجاً ... لتنصُرَنا كعبٌ وكعبٌ شطورُها
ولمَّا رأينا أنَّ كعباً عدوُّنا ... وأبدى دفينَ الدَّاءِ منها ضميرُها
دعونا أبانا حيَّ كعبٍ بن مالكٍ ... وقدْ آلتِ الدَّعوى إليها كبيرُها
فثارتْ إليهمْ مِنْ قُتيبةَ عصبةٌ ... ومِن وائلٍ في الحربِ يَحمي نفيرُها
فدارتْ رَحانا ساعةً ورحاهمُ ... نثلِّمُ مِنْ أركانِها ونُديرُها
بكلِّ رُدينيٍّ أصمَّ مذرَّبٍ ... وبالمشرفيَّاتِ البطيءِ حسورُها
بضربٍ يزيلُ الهامَ عنْ مستقرِّهِ ... وطعنٍ كإيزاغِ المخاضِ تبورُها
وشعثٍ نواصيهنَّ يزجرنَ مُقْدماً ... يُحمحمُ في صمِّ العوالي ذكورُها
إذا انتسؤُوا فوتَ العوالي أتتهمُ ... عوائرُ نبلٍ كالجرادِ تطيرُها
فما إنْ تركْنا بينَ قَوٍّ وضارجٍ ... ولا صاحةٍ إلاَّ شِباعاً نسورُها
وجئْنا بأمثالِ المَها مِنْ نسائهمْ ... صدورُ القنا والمشرفيِّ مهورُها
ونهديَّةٍ شمطاءَ أوْ حارثيَّةٍ ... تؤمِّلُ سيباً مِنْ بَنِيها يُغيرُها
فتنظرُ أبناءَ الخميسِ أراعَها ... أوائلُ خيلٍ لمْ يُدرَّعْ بشيرُها
فآبتْ إلى تثليثَ تذرفُ عينُها ... وعادَ إليها صمغُها وبَريرُها
علي بن الغدير
وقال علي بن الغدير السهميّ:
ألمْ تعرفِ الأطلالَ مِنْ آلِ زينَبا ... بلى لوْ ترَى لطالبِ الشَّوقِ مطلَبا
وماذا على ربعٍ وُقوفكَ ضحوةً ... يذكِّرُ عينيكَ الشُّجونُ لتسكُبا
ألا يا لقلبٍ قدْ أشتَّ بهِ الهوى ... ذرِ الشَّوقَ لا يذهبْ بكَ الشَّوقُ مذهَبا
стр. 399
فيا ربَّ باكٍ قدْ بكى شجوَ غيرهِ ... وذي طربٍ لمْ يطربِ النَّفسَ مطرَبا
بلى قدْ تراها ناهِدَ الثَّديِ قدّها ... يجاوزُ مَخْطاها الطِّرافَ المحجَّبا
لياليَ تُبدي للمفنِّن منظراً ... إذا هيَ أبدتْ طرفَها العينُ أصْحبا
جبيناً وخدّاً واضحاً وكأنَّما ... شرتْ مُقلتيها شادناً متربِّبا
ألا أبلِغا عنِّي الهُمامَ محمَّداً ... فهلْ مُبتغي عُتباكَ راحَ ليُعتبا
لعلَّكَ تنسى مِنْ عياضٍ بلاءهُ ... زمانَ تُسامي بابنِ مروانَ مُصعبا
وكنتُ إذا لاقيتهمْ عندَ كُربةٍ ... جمعتَ لها الأمَّ الكريمةَ والأبا
لياليَ لا ترضى نضالَ كتيبةٍ ... ولا طعنُها حتَّى يشُدُّ فيضرِبا
إذا ما رأى الخرساءَ يبرقُ بيضُها ... بَلا السَّيفَ فيها والسِّنانَ المذرَّبا
فلمَّا أصابَ اللهُ بالملكِ أهلهُ ... وأُعطِيتَ سُلطاناً منَ الملكِ أغلبا
ودرَّتْ لكَ الدُّنيا جعلتَ عطاءهُ ... أداهمَ في سجنٍ وباباً مضبَّبا
فهمْ بعدَها مَنْ يولِكَ الخيرَ يزدجرْ ... سنيحاً منَ العفرِ البوارحِ أعضبا
فلوْ شاءَ لمْ يُنقضْ لهُ طيُّ حبوةٍ ... عياضٌ ولمْ يُرزأ نضيّاً مركَّبا
أتانيَ عنْ مولاكَ ذاكَ ابنِ محرزٍ ... على حين قالُوا سادَ ذاكَ وأترَبا
وعنْ قومهِ الأدنينِ دُخلانُ قومهمْ ... بأمرٍ جليٍّ قدْ أهمَّ وأنصبا
فلوْ كانَ مولَى مثلِها يابنَ مُحرزٍ ... لألفيتهُ رِدْءاً وراءكَ مِشغبا
قليلَ هجودِ اللَّيلِ ما دمتَ مُوثقاً ... مُشيحاً إليها ذا مخارجَ قلَّبا
لهُ أُسرةٌ إنْ خفتَ ضيماً رأيتهُ ... رأى الحقَّ أنْ يحمي حِماكَ ويحْدَبا
وذلكَ منْ عوفِ بنِ كعبٍ سجيَّةٌ ... على ما مضَى من درِّهمْ وتقلَّبا
فذو الرَّأيِ منَّا مستفادٌ لرأيهِ ... وشاهدُنا يَقضي على مَنْ تغيَّبا
إذا غضبَ المولَى لهمْ غضبَ الحصَى ... فلمْ ترَ أثْرى منْ حصاهمْ وأصلَبا
ومنْ يتفقَّدْ منِّيَ الظَّلعُ يلقَني ... إذا ما التقيْنَا ظالعَ الرِّجلِ أشْيَبا
وما الظَّلعُ إنْ شاءَ المليكُ بمُقعِدي ... ولا رائضٌ منِّي لذي الضِّغنِ مركَبَا
أبى ليَ أنِّي لا أُعيِّرُ والداً ... لئيماً ولمْ يُذممْ فَعالي فأقْصَبا
ولمْ تُضربِ الأرضُ العريضُ فرُوجُها ... عليَّ بأسدادٍ إذا رمتُ مذْهَبا
وهُلكُ الفتى أنْ لا يراحَ إلى النَّدى ... وأنْ لا يرَى شيئاً عجيباً فيعْجَبا
أبو قردودة الطائيّ
وقال أبو قردودة الطائيّ يمدح المنذر جدّ النّعمان بن المنذر:
كَبيشةُ عِرسي تمنَّى الطَّلاقا ... وتسألُني بعدَ هدءٍ فِراقا
وقامتْ تُريكَ غداةَ الرَّحي ... لِ كشحاً لطيفاً وفخذاً وساقا
ومُنسدلاً كمثانِي الحِبا ... لِ توسِعُهُ زنبقاً أوْ خِلاقا
وعذْب المذاقةِ كالأُقحوا ... نِ جادَ عليهِ الرَّبيعُ البِراقا
تُسائلُني طَلَّتي هلْ لَقي ... تَ قابوسَ فيما أتيتَ العِراقا
فقلتُ لها قدْ لَقيتُ الهُما ... مَ منطلقاً بالخميسِ انْطِلاقا
يقودُ الجيادَ لأرضِ العدوِّ ... فقدْ آضتِ الخيلُ شعثاً دِقاقا
سراعيفُ قدْ عُطِّلتْ هدَّجاً ... أمامَ الرِّفاقِ يَقدنَ الرِّفاقا
شماطيطَ يمزعنَ مزعَ الظِّبا ... ءِ لمْ يتركنَ ببطنٍ عَقاقا
فحيَّيتُهُ إذْ رأيتُ الجمُوعَ ... تُعارضهُ باليمينِ الوَراقا
عظامِ المناكبِ والسَّاعدَيْ ... نِ تنفرقُ الخيلُ عنهُ انْفِراقا
وقالَ لهُ اللهُ أعطِ وهبْ ... وباعَ لهُ المجدُ بيعاً صِفاقا
وما أسدٌ مِنْ أُسودِ العَري ... نِ يعتنقُ السَّائلينَ اعْتِناقا
بأجرَأَ منهُ على بهمةٍ ... وأقدمَ منهُ صِراحاً صِداقا
وما البحرُ تطمُو قواميسُهُ ... بأنفقَ منهُ لمالٍ نِفاقا
أصاحِ ترَى البرقَ لمْ تغتمضْ ... طوارقُهُ يأتلقنَ ائْتِلاقا
يُضيءُ حبيّاً دَنا بركُهُ ... يُقيمُ فُواقاً ويَسري فُواقا
سقَى وارداتٍ فهضبَ الرِّدا ... هِ فانعقَّ فوقَ الغَبيطِ انْعِقاقا
стр. 400
فلمَّا تنزَّلَ عنْ صلبِهِ ... ومسَّ منَ الأرضِ ترباً دُقاقا
مرتْهُ الصَّبا وانتحتْهُ الجَنو ... بُ تطحرُ عنهُ جَهاماً رِقاقا
فألقَى على أجإٍ بركَهُ ... كأنَّ على عَضُديهِ رِفاقا
يكبُّ العِضاه لأذقانهِ ... ككبِّ الفنيقِ اللّقاح البُصاقا
ثلاثُ ليالٍ وأيَّامهنَّ ... يندفقُ الماءُ منهُ انْدِفاقا
وألقى البَعاعَ بقيعانِهِ ... فرفَّعَ ماطُورَهُ واسْتَفاقا
سقيتُ بهِ جبلَيْ طيِّئٍ ... ولمْ أسقِ شاماً بهِ أوْ عِراقا
ولكنْ سقيتُ بهِ بلدةً ... تُباسقُ عنَّا معَدّاً بِساقا
فلمْ يأتِها أنَّنا معشرٌ ... حَوَيْنا المدى وملَكْنا السِّباقا
وإنَّا نُجدِّعُ أنفَ الفَخارِ ... إذا ما القسيُّ غممنَ الرِّواقا
وإنَّا ادَّعقْنا برغمِ الأُنوفِ ... حِمى أسَدٍ بالخُوَيّ ادِّعاقا
صلقْناهُمُ باللِّوى صلقةً ... سقتهُمْ منَ الموتِ كأساً دِهاقا
فأضحتْ بنُو أسَدٍ بعدَها ... تَشيمُ بشعفَيْنِ برقاً ألاقا