← Фикх общий

Фикх общий · id 7342

السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار

الشوكاني

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وأما كونه خروجا من الصلاة فالأمر كذلك ولو كان سهوا ولهذا قام النبي ﷺ فكبر وصلى بهم ما بقي ولو لم يكن خروجا من الصلاة ما استأنف النبي ﷺ التكبير للدخول في تأدية ما تركه. وأما إذا سلم عمدا عالما بانه ترك ركعة أو ركنا فق خرج من الصلاة قبل الفراغ منها متعمدا ولم يرد البناء على ما قد فعله قبل التسليم إلا في الناسي فقط فلا يلحق به المتعمد لوجود الفارق بينهما. قوله: "الرابع الفعل اليسير". أقول: لم يرد في هذا شيء بل الوارد يخالفه فقد كان رسول الله ﷺ يفعل في صلاته أفعالا هي عند الفقهاء كثيرة فضلا عن أن تكون يسيرة ثم كان لا يسجد سجود السهو فمن ذلك صلاته على المنبر ونزوله منه للسجود ثم رجوعه إليه ومن ذلك حمله أمامه في صلاته ثم وضعها إذا سجد وردها إلي ظهره إذا رفع ثم أمره للمصلي بأن يقاتل الحية وهو باق في صلاته ثم حمله للحسن على ظهره ثم ما وقع منه من إدارة من يقف عن يساره إلي يمينه ودفعه للرجلين اللذين وقفا عن يمينه ويساره إلي خلفه وكذلك اتقاؤه بيده وتأخره ولعنه للشيطان لما جاء له في صلاته بسعفه من نار. والحاصل أن هذا الباب إذا تتبع حصل منه الكثير ولم يسجد في شيء من ذلك. وأما ما أخرجه مسلم ["٨٩/ ٥٧٢"، وغيره [البخاري""٤٠١"، أبو دأود "١٠٢٠"] ، من حديث ابن مسعود قال: صلينا مع رسول الله ﷺ فإما زاد أو نقص علينا فقلنا: يا رسول الله حدث في الصلاة شيء؟ قال: "لا" فقلنا له الذي صنع فقال: "إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين" فينبغي حمل هذه الزيادة أو النقصان على الزيادة التي سجد لها رسول الله ﷺ وهي زيادة الركعة الخامسة وعلى النقصان الذي سجد له وهو التسليم على ركعتين أو ثلاث أو ما يشابه ذلك لا لكل زيادة أو نقص لأمرين أحدهما أنه ﷺ لم يسجد في هذه الزيادة أو النقص في حديث ابن مسعود بعد اأن نبهوه على ذلك الأمر. الثاني: ما ذكرنا من الأحاديث التي وقعت منه ﷺ ولم يسجد لها. قوله: "الخامس زيادة ركعة أو ركن سهوا". أقول: هذا صحيح أما زيادة الركعة فلسجوده ﷺ لما صلى خمس ركعات وأما زيادة الركن فلكونه جزءا من الركعة فيكون حكمه حكمها ويجبر الجميع بسجود السهو. [فصل لا حكم للشك بعد الفراغ فأما قبله ففي ركعة يعيد المبتدىء ويتحرى المبتلى ومن لا يمكنه يبني على الأقل ومن يمكنه ولم يفده في الحال ظنا يعيد وأما في ركن

стр. 177

فكالمبتلي ويكره الخروج فورا ممن يمكنه التحري قيل والعادة تثمر الظن ويعمل بخبر العدل في الصحة مطلقا وفي الفساد مع الشك ولا يعمل بظنه أو شكه فيما يخالف إمامه وليعد متظنن تيقن الزيادة ويكفي الظن في أداء الظني ومن العلم في أبعاض لا يؤمن عود الشك فيها] . قوله: فصل: "ولا حكم للشك بعد الفراغ". أقول: الأصل صحة الصلاة التي فرغ منها فلا يعمل بما يعرض من الشكوك فإن الشك الاصطلاحي الذي هو استواء الطرفين هو مجرد تردد والتردد لا يمكن العمل بأحد طرفيه لأنه لا ترجيح لأحدهما على الآخر وإذا لم يكن العمل بأحد طرفيه فلا يحتاج فيه إلي أن يقال لا حكم له لأنه ينفي حكم ما يمكن العمل به لا ما لا يمكن العمل به من الأصل فإنه لم يثبت بحال حتى ينفي. إذا تقرر لك هذا فاعلم أنه لا يجوز العمل بالشك بمعنى إذا تردد في شيء ما كان لتردده معنى وفائدة لا بعد الفراغ من الصلاة ولا قبل الفراغ منها ولهذا ثبت عنه ﷺ في الأحاديث الصحيحة الأمر باطراح الشك والبناء على اليقين وفي بعضها البناء على الأقل وورد في بعضها الأمر بتحري الصواب والجمع بين هذه الروايات ظاهر واضح وهو أن من عرض له الشك إن أمكنه تحري الصواب وذلك بأن ينظر في الأمور التي تفيده معرفة الصواب كان ذلك واجبا عليه فإن لم يفده التحري وجب عليه البناء على اليقين وهو البناء على الأقل ويجب عليه السجود لمجرد عروض هذا الشك كما صرحت به الأحاديث الصحيحة ولم يعد المصنف عروض الشك من اسباب السجود مع أنه السبب الذي ثبت ثبوتا أوضح من الشمس وذكر أسبابا قد قدمنا تزييف أكثرها فما كان أحقه بذكر هذا السبب الصحيح. وأما الفرق بين المبتدىء والمبتلي وبين الركعة والركن فليس بشيء ولا يعول على مثله من له دراية بالرواية والكل سواء في إيجاب تحري الصواب عليهم أولا ثم البناء على اليقين الذي هو الأقل ثانيا بعد اطراح الشك وعدم الالتفات إليه وللركن حكم الركعة فإنه إذا وجب اطراح الشك في الركعة كان وجوب اطراحه في الركن ثابتا بفحوى الخطاب. قوله: "ويكره الخروج فورا". أقول: الأولى أن يقال ويحرم الخروج على كال حال ووجه ذلك أن الشارع قد عرفه أنه يتحرى الصواب فإن لم يفده التحري بنى على اليقين والبناء على الأقل ممكن لكل أحد إذا كان صحيح العقل لأنه إذا تردد هل صلى ثلاثا أو أربعا أمكنه أن يبني على الثلاث. ولو قدرنا أنه اختلط عليه الأمر حتى لم يدركم صلى ولم يهتد إلي مقدار أصلا فعليه أن يبني على أنه في الركعة الأولى لأنه قد صار مصليا ولا أقل من ان يكون في الركعة الأولى وليس عليه غير ذلك فإنه هو الذي أمر به الشارع من البناء على اليقين والبناء على الأقل.

стр. 178

واطراح الشك هذا إذا كان المصلي من جنس العقلاء فإن كان قد انسلخ من العقل وصار مجنونا فقد رفع الله عنه قلم التكليف في الصلاة وغيرها. قوله: "قيل والعادة تثمر الظن". أقول: هب أن العادة تثمر الظن فكان مإذا فإن المقام مقام العمل باليقين ومقام البناء على الأقل فليس لمجرد الظن ها هنا فائدة يستد بها ولا يجوز العمل به فيما نحن بصدده وهكذا العمل بخبر العدل إن لم يحصل به اليقين الذي أمر به الشارع فلا اعتبار به ويغني عنه البناء على الأقل وهو ممكن كل عاقل. قوله: "ولا يعمل بظنه أو بشكه فيما يخالف إمامه". أقول: هذا صواب ولو قال المصنف ﵀ في هذا الفصل ولا يعمل بالظن والشك مطلقا أي قبل الفراغ من الصلاة وبعده وفي صلاته منفردا أو مع الإمام لكان ذلك صوابا مغنيا عن جميع ما في هذا الفصل على مقتضى ما هو الحق كما عرفناك. قوله: "ولبعد متظنن تيقن الزيادة". أقول: الذي تقتضيه الأدلة أنه إذا تيقن الزيادة عمل على اليقين كما تيقن أنه صلى خمسا وليس عليه إلا سجود السهو كما فعله ﷺ لما اخبروه أنه صلى خمسا فإنه سجد للسهو فقط ولم يعد الصلاة ولا أمرهم بالإعادة ولا اعتبار بكونه زاد تلك الزيادة متظننا فإنه لا عمل بالظن في مثل هذا ولا تأثير له على أن من صلى الخامسة لا بد له من حامل على ذلك من جهة نفسه وأقل ما يحمله على ذلك ما يحصل له من الظن أنها أربعة مثلا وقد عرفنا رسول الله ﷺ بأنه ليس عليه إلا سجود السهو. قوله: "ويكفي الظن في أداء الظني". أقول: جاء بهذه القاعدة الكلية وهي غير مقبولة لأن الحكم الشرعي الثابت بدليل ظني قد كلف به من وجب عليه وثبت في ذمته يقينا وإن كان دليله ظنيا فكيف يكفي ظن المكلف في تأدية ما هو ثابت عليه بيقين وأين هذا الظن من ظنية دلالة الدليل على وجوب الحكم مع تعلقه بالمكلف بيقين. وإذا تقرر لك هذا في الظن فهو فيما هو أعلى منه أولى. [فصل "وهو سجدتان بعد كمال التسليم حيث ذكر أداء أو قضاء إن ترك وفروضهما النية للجبران والتكبيرة والسجود والاعتدال والتسليم وسننهما تكبير النفل وتسبيح السجود والتشهد.

стр. 179

ويجب على المؤتم لسهو الإمام أولا ثم لسهو نفسه قيل المخالف إن كان ولا يتعدد لتعدد السهو إلا لتعدد أئمة سهوا قبل الاستخلاف وهو في النفل ولا سهو لسهو ويستحب سجوده بنية وتكبيرة لا تسليم أحدها شكرا واستغفارا ولتلأوة الخمس عشرة آية أو لسماعها وهو بصفة المصلي غير مصل فرضا إلا بعد الفراغ ولا تكرار للتكرار في المجلس"] . قوله: فصل: "وهو سجدتان بعد التسليم". أقول: هذه المسألة قد طال فيها الخلاف وقد استوفيت الكلام في المذاهب وما استدل به لكل مذهب في شرح المنتقى وذكرت فيها ثمانية مذاهب ولاح لي ما ينبغي أن يعد مذهبا تاسعا وهو أنه يسجد لما سجد له رسول الله ﷺ قبل السلام كذلك ولما سجد له بعد السلام كذلك وللسهو الخارج عن المواضع التي سجد فيها رسول الله ﷺ يكون المصلي مخيرا إن شاء سجد قبل السلام وإن شاء بعده لأن الكل قد ثبت وهذا قول حسن وجمع جامع بين الأدلة. وأما قوله: "حيث ذكر أداء أو قضاء إن ترك عمدا فالناسي يسجد عند الذكر ويكون أداء وإن خرج وقت الصلاة التي سها فيها". ولا وجه لتقييده بالعمد فلا فرق بين العمد والسهو. وإن كان التارك عمدا قد أثم بالتراخي عن تأدية ما يجب عليه. قوله: "وفروضهما النية للجبران". أقول: قد قدمنا أن في الأدلة الدالة على النية ما يفيد أنها شرط يؤثر عدمها في عدم المشروط وأما كونها للجبران فلكونه قد لحق الصلاة بالنقص منها أو الزيادة فيها ما هو نقص ولهذا وجب سجود السهو فلا وجه لما قيل أن الزيادة ليست بنقص فتجبر. وأما فرضية التكبير فلما تقدم لأن سجود السهو قد صار كالصلاة المستقلة لتحريمه بالتكبير وتحليله بالتسليم. وأما فرضية السجدتين فلكونهما هما والاعتدال أركانا لسجود السهو. وأما فرضية التسليم فلما تقدم في تسليم الصلاة. وأما كون تكبير النقل وتسبيح السجود سنة فلكونهما في الصلاة كذلك. وأما جعل التشهد سنة فلا وجه له بل حكمه حكم تشهد الصلاة وقد تقدم الكلام في ذلك في صفة الصلاة لكنه إذا كان السجود قبل التسليم فلا تشهد بل يغني عنه تشهد الصلاة وهكذا يكفي السلام الواحد تحليلا لصلاة الفريضة ولسجود السهو لأنه لم يرد أن النبي ﷺ سلم تسليمتين ولا تشهد تشهدين فيما سجد له قبل التسليم وأما ما سجد له بعد التسليم من الصلاة فلا بد من التشهد والتسليم. وقد ورد أنه ﷺ تشهد في سجود السهو فأخرج أبو دأود ["١٠٣٩"] ، والترمذي ["٣٩٥"] ،

стр. 180

والترمذي وابن حبان والحاكم عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ صلى بهم فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم قال الترمذي حسن غريب صحيح وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين وقد ورد في التشهد في سجود السهو غير هذا الحديث وهو ما أخرجه أبو دأود ["١٠٢٨"] ، والنسائي عن ابن مسعود وأخرجه البيهقي عن المغيرة وفي إسنادهما ضعف ولكن الحديث الأول على انفراده تقوم به الحجة. قوله: "ويجب على المؤتم لسهو الإمام أولا". أقول: هذا صحيح لورود الأمر بمتابعة الإمام وإن كان نقص صلاته لا يسري إلي صلاة المؤتم لما تقدم في الحديث الصحيح "أنه إذا أصاب فله وللمؤتمين وإن أخطأ فعليه لا عليهم" وأما إيجاب السجود على المؤتم لما عرض له من السهو في صلاته فذلك صواب لأن أدلة سجود السهو تتنأوله ولم يرد ما يدل على ان مجرد سجوده مع الإمام لسهو الإمام يسقط عنه السجود لسهو نفسه. والحاصل أنه إذا كان سهو الإمام في فعل أو ترك قد تابعه المؤتم في ذلك الفعل أو الترك سهوا فسجوده مع الإمام يكفي وإن كان قد وقع منه سهو غير سهو الإمام فعليه أن يسجد له لدخوله بهذا السجود في جملة الأدلة الواردة في سجود السهو. فقول المصنف قيل المخالف إن كان هو أصوب من قول القائل إنه يسجد مطلقا. قوله: "ولا يتعدد بتعدد السهو". أقول: أحسن ما يستدل به لهذا أنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنهم كرروا السجود لتكرر السهو مع أن تكرر السهو ممكن من كل مصل وأما الاستدلال على عدم التعدد بأن النبي ﷺ سلم على ركعتين وتكلم وسلم. ففيه أن الكلام وقع بعد الخروج من الصلاة بالتسليم ثم التسليم هو الذي تبين به أنه وقع السهو فإن قيل إنه في حكم المصلي لبنائه على ما قد فعل فيجاب عنه أنه لو كان ذلك صحيحا لكان للكلام الواقع منه في تلك الحالة حكم الكلام الواقع قبل الخروج من الصلاة. وأما قوله: "إلا لتعدد أئمة سهوا قبل الاستخلاف" فلا وجه له لأن الصلاة واحدة والأئمة المتعددون كالإمام الواحد فكما لا يتعدد السجود لسهو الإمام الواحد كذلك لا يتعدد لتعدد سهو الأئمة وسهوهم بعد الاستخلاف يخصهم لأنهم لم يكونوا أئمة في حال السهو. قوله: "وهو في النفل نفل". أقول: قد اختلف أهل الأصول في لفظ الصلاة إذا لم يقيد هل إطلاق الصلاة على الفريضة والنافلة من باب الاشتراك اللفظي أو المعنوي وإلي الثاني ذهب جمهورهم وإلي الأول ذهب الرازي والظاهر الأول فتكون الأحاديث التي ذكر فيها السجود لمن سها في صلاته شاملة للفريضة والنافلة ويكون عدم وجوب النافلة صارفا لما تدل عليه الأحاديث من الوجوب فلا يرد الاشكال الذي أورده الجلال.

стр. 181

قوله: "ولا سهو لسهوه" أقول: سجود السهو قد قدمنا أنه صار كالصلاة المستقلة لوجود خاصيتها فيه وهو كون تحريمهه التكبير وتحليله التسليم. وقد اتفق الجميع أنه يبطل بمبطلات الصلاة كالحدث ونحوه فلو صح ما قالوه من لزوم التسلسل لكان الحدث غير مبطل له. وإذا عرفت هذا فالسهو فيه كالسهو في الصلاة بشمول أحاديث السهو له لأنه صلاة. وأما ما قاله بعض أئمة النحو من أن المصغر لا يصغر فهو بمعزل عن علم الفقه في الدين. قوله: "ويستحب سجود بنية وتكبيرة لا تسليم أحدها شكرا". أقول: قد وردت أحاديث كثيرة بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها فيه ضعف ومجموعها مما تقوم به الحجة أن النبي ﷺ سجد سجود شكر في مواضع ولم يرد في ذلك غير فعله ﷺ فلم يكن واجبا ولم يرد في الأحاديث غير فعله ﷺ للسجود ولم يرد أنه كبر ولا أنه سلم فالمشروعية تتم بمجرد فعل السجود. فإن قلت لم يرد في الأحاديث ما كان يقوله ﷺ في سجود الشكر فمإذا يقول الساجد للشكر. قلت ينبغي أن يستكثر من شكر الله لأن السجود سجود الشكر. فإن قلت نعم الله على عباده لا تزال واردة عليه في كل لحظة؟ قلت المراد النعم المتجددة التي يمكن وصولها إلي العبد ويمكن عدم وصولها ولهذا أن النبي ﷺ لم يسجد إلا عند تجدد تلك النعم مع استمرار نعم الله سبحانه وتعالي عليه وتجددها في كل وقت. قوله: "واستغفارا" أقول: لم يرد في هذا شيء وليس في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ سجد في "ص" وقال: "سجدها دأود توبة ونسجدها شكرا" [النسائي "٩٥٧"] ، ما يدل على مشروعية السجود للاستغفار لأن ذلك هو بيان لمشروعية سجدة التلأوة في صلي الله عليه وسلم وأن دأود ﵇ فعلها للتوبة ولم يفعلها النبي ﷺ للتوبة بل قال: "ونسجدها شكرا" فلم يقرر النبي ﷺ سجود التوبة من دأود بل خالفه فليس ذلك من شرع من قبلنا كما زعمه البعض لأن النبي ﷺ لم يقرره وغاية ما في الحديث أنه يحسن السجود في صلي الله عليه وسلم شكرا عند تلأوة الآية أو سماعها. ولكنه قد ورد أن السجود هو مقام القرب من الرب سبحانه كما في الحديث الصحيح "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" [مسلم "٤٨٢"] ، فمن قصد إيقاع دعائه في هذا المقام أو استغفاره فقد وفق للصواب وتعرض لنفحات الرحمن في المقام الذي أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ أن العبد أقرب إلي ربه فيه من سائر المقامات التي يكون العبد عليها كالقيام والقعود والاضطجاع فمن فعل السجود عند دعائه قاصدا به هذا المقصد مريدا به هذه الأرادة فنعم ما فعل.

стр. 182

قوله: "ولتلاوة الخمس عشرة آية". أقول: سجود التلأوة سنة ثابتة وشريعة قائمة حتى ذهب أبو حنيفة ومن تابعه إلي وجوبه والأحاديث في ذلك كثيرة. وأما اشتراط أن يكون الساجد بصفة المصلي فليس على ذلك دليل ولا حجة فيما يروي عن بعض الصحابة. وأما قول المصنف غير مصل فرضا فدفع في وجه الدليل الصحيح ورد للسنة الثابتة ولو لم يكن من ذلك إلا ما في الصحيحين [البخاري "٧٦٦"،،"١٠٧٤"، مسلم "٥٧٨"، وغيرهما أبو دأود "١٤٠٨"، النسائي "٢/١٦٢": أن النبي ﷺ سجد في الصلاة لما قرأ ﴿إذا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] . قوله: "ولا تكرار للتكرار في المجلس". أقول: هذا التكرار لنفس الآية التي وقع السجود عند قراءتها إن كان من القارىء الذي قرأها أولا لا لفرض بل لما فرغ من السجود لها ابتدأ بها فلا سجود وإن كان من قارىء آخر أو من هذا القارىء نفسه لا لقصد التكرار كأن يقرأ سورة الانشقاق في جملة ما يتلوه ثم يقوم فيصلي بها فلا وجه لإسقاط السجود.

стр. 183

[باب والقضاء يجب على من ترك إحدى الخمس أو ما لا يتم إلا به قطعا أو في مذهبه عالما في حال تضيق عليه فيه الأداء غالبا. وصلاة العيد في ثانيه فقط إلي الزوال إن تركت للبس فقط. ويقضي كما فات قصرا وجهرا وعكسهما وإن تغير اجتهاده لا من قعود وقد أمكنه القيام والمعذور كيف أمكن وفوره مع كل فرض فرض. ولا يجب الترتيب ولا بين المقضيات ولا التعيين. وللإمام قتل المتعمد بعد استتابته ثلاثا فأبى] . قوله: "باب: والقضاء على من ترك إحدى الخمس". أقول: لفظ الترك يشمل الترك عمدا والترك سهوا أو نسيانا أو لنوم والأدلة الثابتة عنه ﷺ لم ترد إلا في السهو والنسيان والنوم وقال ﷺ فيها: "فوقتها حين يذكرها لا وقت لها إلا ذلك" وهذا يفيد أن ذلك وقتها أداء.

стр. 184

إذا لا قضاء فتكون هذه الأحاديث مخصصة لما ورد من توقيت الصلاة وتعيين أوقاتها ابتداء وانتهاء فيقال إلا الصلاة التي نام عنها المصلي أو سها عنها فإن فعلها عند الذكر هو وقت أدائها ولو بعد خروج الوقت المضروب لتلك الصلاة. وأما العمد فلا تشمله هذه الأحاديث الواردة في النوم والسهو والنسيان ولا يدخل تحتها ولا يصح قول من قال إنه ثبت القضاء مع السهو والنسيان والنوم ثبت مع العمد بفحوى الخطاب لأنا نقول ليس تأدية الصلاة التي نام عنها أو نسيها من باب القضاء بل من باب الأداء فلا يتم القياس من هذه الحيثية. ثم لا نسلم أن ذلك أولى لأن التارك عمدا قد أثم بالترك بالإجماع فإيجاب القضاء عليه لا يرفع عنه هذا الإثم. فإن قلت قد زعم قوم كدأود الظاهري وابن حزم وابن تيمية ومن تابعهم أنه لا قضاء في العمد وأنه لم يرد بذلك دليل فهل هذا صحيح؟ قلت نعم لم يرد في قضاء الصلاة المتروكة عمدا دليل يدل على وجوب القضاء على الخصوص ولكنه وقع في حديث الخثعمية الثابت في الصحيح [البخاري"١٥١٣، ١٨٥٤، ١٨٥٥، ٤٣٩٩، ٦٢٢٨"، مسلم "١٣٣٤، ١٣٣٥"، أبو دأود "١٨٠٩"، النسائي "٢٦٣٥، ٢٦٤١"، الترمذي "٩٢٨"، ابن ماجة "٢٩٠٩"] ، أن النبي ﷺ قال لها: "دين الله أحق أن يقضى" والتارك للصلاة عمدا قد تعلق به بسبب هذا الترك دين الله وهو أحق بأن يقضيه هذا التارك. وأما قول من قال إن دليل القضاء هو دليل الأداء فليس ذلك إلا مجرد دعوى ادعاها بعض أهل الأصول. وما ذكره المصنف ﵀ من أن ترك ما لا يتم الصلاة إلا به كتركها وذلك كترك شرط من شروط صحتها أو نحو ذلك فهذا مسلم. وأما قوله: "أو في مذهبه عالما" فهذا وإن قبله المقلدون فلا بد أن يكون ذلك المتروك مما يستلزم بطلان الصلاة شرعا وإلا فلا اعتبار بالأقوال المخالفة للحق وإن قال بها من قال. وأما اعتبار أن يكون الترك في حال تضيق عليه فيه الأداء فذلك لإخراج من لا وجوب عليه كالمجنون والحائض وقد أخرج النائم والساهي والناسي بقوله غالبا. قوله: "وصلاة العيد في ثانيه فقط". أقول: هذا قد دل عليه الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد ["٩/٢٦٥"، بوأبو دأود ["١١٥٧"، والنسائي ["١٥٥٧"، وابن ماجه ["١٦٥٣"] ، وابن حبان عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قالوا: غم علينا هلال شوال فأصبحنا صيأما فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمر الناس أن يفطروا من يومهم وأن يخرجوا لعيدهم من الغد، وصححه ابن حبان وابن المنذر وابن السكن وابن حزم والخطأبي وابن حجر في بلوغ المرام.

стр. 185

فهذا فيه التصريح بأنه ﷺ أمر الناس أن يفطروا وأمرهم بالخروج لعيدهم من الغد والناس هم الموجودون إذ ذاك في المدينة وقد كان ترك الإفطار في ذلك لكون الهلال قد غم على أهل المدينة مع كون ذلك الوقت مظنة لظهوره فكان الترك من هذه الحيثية للبس عرض لهم في ذلك اليوم ثم تبين لهم الصواب. وبهذا يندفع ما وقع الاعتراض به على المصنف. وأما كون القاضي يقضي كما فات فذلك ظاهر ولكنه إذا تغير اجتهاد المجتهد قبل فعله للقضاء كان العمل على اجتهاده الآخر لا كما قال المصنف لأنه إنما انتقل عن الاجتهاد الأول لدليل قد ظهر له يجب العمل عليه ولم يكن قد فعل القضاء. وأما قوله لا من قعود وقد أمكنه القيام فصحيح لأنه قد صار قادرا على القيام قبل القضاء فوجب عليه أن يقوم لزوال عذره ومع بقاء العذر يفعل ما بلغته استطاعته. قوله: "وفوره مع كل فرض فرض". أقول: هذه دعوى مجردة بل فوره أن يفعل ما يقدر عليه وهو يقدر على أن يأتي بصلاة الأيام المتعددة في بعض يوم. قوله: "ولا يجب الترتيب ولا بين المقضيات". أقول: يريد أنه لا يجب الترتيب بين المقضية والمؤداة ولا بين المقضيات نفسها لأن الجمع قد تعلق بمن عليه القضاء ولا دليل يدل على خلاف هذا حتى يتعين المصير إليه وأما من ترك الصلاة لنوم أو نسيان فقد عرفناك أن فعلها في وقت الذكر هو أداء لا قضاء. قوله: "وللإمام قتل المتعمد" الخ. أقول: قد دل على هذا كتاب الله قال الله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ، وصح عنه ﷺ في الصحيحين [البخاري"٢٥"، مسلم "٣٦/٢٢"] ، وغيرهما من طرق "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة" الحديث. وصح عنه في الصحيحين [البخاري "٤٠٩٤"، مسلم "١٠٦٤"] ، وغيرهما [أحمد "٣/٤"] أن خالد بن الوليد قال له في الرجل الذي قال للنبي ﷺ يا رسول الله اتق الله......, يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال ﷺ : "لا لعله يصلي". وصح في صحيح مسلم ["١٣٤/٨٢"] ، وغيره أبو دأود "٤٦٧٨"، الترمذي "٢٦١٨"، ابن ماجة "١٠٧٨"، أحمد "٣/٣٧٠، ٣٨٩"] ، من حديث جابر قال قال رسول الله ﷺ : "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة". وثبت عند أحمد ["٥/٣٤٦"] ، وأهل السنن [الترمذي "٢٦٢١"، ابن ماجة "١٠٧٩"] ، من حديث بريدة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العهد الذي بيننا وبينكم الصلاة فمن تركها فقد كفر"، وصححه النسائي والعراقي وأخرجه ابن حبان والحاكم.

стр. 186

وثبت إجماع الصحابة ﵃ على قتال مانعي الزكاة وهي عديلة الصلاة بل الصلاة أدخل في الركنية للإسلام منها. فالحاصل أن تارك الصلاة عمدا كافر يستحق القتل ويجب على إمام المسلمين قتله لا كما قال المصنف وللإمام قتل المتعمد فيقال له صل فإن أبى قتل ولا وجه لتأخيره عن القتل ثلاثة ايام بل مجرد امتناعه يقتل. [فصل ويتحرى في ملتبس الحصر ومن جهل فائتته فثنائية وثلاثية ورباعية يجهر في ركعة ويسر في أخرى. وندب قضاء المؤكدة] . قوله: "فصل ويتحرى في ملتبس الحصر" الخ. أقول: إذا تيقن انها فاتته إحدى الصلوات الخمس والتبس أيها الفائتة ولم يفده التحري فلا تحصل له البراءة إلا بفعل الخمس الصلوات جميعها يقول في كل واحدة إن كانت هي فقضاء وإلا فنافلة وصحت النية المشروطة هنا للضرورة وتوقف البراءة عليها. قوله: "وندب قضاء المؤكدة". أقول: ثبت عنه ﷺ أنها فاتته الركعتان بعد الظهر فقضاهما بعد العصر وثبت عنه أنه أمر من فاته وتره بالليل أن يقضيه بالنهار وثبت عنه فيمن فاته ورده بالليل أن يقضيه بالنهار وهذا إذا لم يترك تلك النافلة المؤكدة لغرض المرض أو نحوه. أما إذا تركها لذلك فقد ورد أن الله يكتب له ثوابها.

стр. 187

[باب صلاة الجمعة تجب على كل مكلف ذكر حر مسلم صحيح نازل في موضع إقامتها أو يسمع نداءها وتجزىء ضدهم وبهم غالبا. وشروطها اختيار الظهر وإمام عادل غير مأيوس وتوليته في ولايته أو الاعتزاء إليه في غيرها وثلاثة مع مقيمها ممن تجزئه ومسجد في مستوطن وخطبتان قبلها مع عددها

стр. 188

متطهرين من عدل متطهر مستدبر للقبلة مواجها لهم اشتملتا ولو بالفارسية على حمد الله تعالي والصلاة على النبي وآله وجوبا. وندب في الأولى الوعظ وسورة وفي الثانية الدعاء لإمام صريحا أو كناية ثم للمسلمين وفيهما القيام والفصل بقعود أو سكتة ولا يتعدى ثالثة المنبر إلا لبعد سامع والاعتماد على سيف أو نحوه والتسليم قبل الإذان والمأثور قبلهما وبعدهما وفي اليوم ويحرم الكلام حالهما. فإن مات أو أحدث فيهما استأنفتا ويجوز أن يصلي غيره] . قوله: "تجب على كل مكلف". أقول: الأدلة المصرحة بأنها حق واجب على كل مسلم وبأنها واجبة على كل محتلم وبالوعيد الشديد على تاركها وبهمه ﷺ بإحراق المتخلفين عنها يقتضي أنها واجبة على الأعيان. وأما ما قيل من أنه ﷺ قد هم بإحراق المتخلفين عن الجماعة ولم يثبت بذلك وجوبها على الأعيان فنقول قد ورد الصارف في صلاة الجماعة وهي الأدلة القاضية بصحة صلاة الفرادى ولم يرد في صلاة الجمعة ما يصرف ذلك. وأما ما قيل من أن مسجده ﷺ كان يضيق عن أن يصلي فيه جميع أهل المدينة فهذه الدعوى من ضيق العطن أما أولا فالأدلة إذا قضت بالوجوب على الأعيان فلا يصرفها مثل هذا وأما ثانيا فإقامتها خارجة ممكنة وأما ثالثا فقد ورد أن الجمعة كانت تقام في غير مسجده ﷺ . ثم ليس بعد الأمر القرآني المتنأول لكل فرد من قوله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إلي ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] ، حجة بينة واضحة. وزحلقة دلالة هذه الآية عن الوجوب العيني تعصب يأباه الإنصاف. وأما استثناء من استثناه المصنف فيدل على ذلك ما أخرجه أبو دأود من حديث طارق ابن شهاب أن النبي ﷺ قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض"، وقد وقد صححه غير واحد من الأئمة. وما قيل من أن طارق بن شهاب لم يسمع من النبي ﷺ فقد ثبت أنه قد لقي النبي ﷺ قال العراقي فإذا قد ثبتت صحبته فالحديث صحيح وغايته أن يكون مرسل صحأبي وهو حجة عند الجمهور إنما خالف فيه أبو إسحق الإسفراييني على أنه قد اندفع الإعلال بالإرسال بما في رواية الحاكم من ذكر أبي موسى. ويؤيده ما أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث جابر بلفظ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا امرأة أو مسافرا أو عبدا أو مريضا" وفي إسناده ضعف. وفي الباب عند الطبراني في الأوسط وعن مولى لآل الزبير عند البيهقي وعن أم عطية عند

стр. 189

ابن خزيمة وعن أبي هريرة ذكره صاحب مجمع الزوائد وصاخب التلخيص وفيه ضعف وعن تميم الداري عند العقلي والحاكم وفي إسناده ضعف. وأما إيجاب الجمعة على المسافر إذا كان نازلا في الموضع الذي تقام فيه الجمعة أو يسمع النداء لها فهو تخصيص لقوله في الحديث: "أو مسافرا" بغير مخصص. وأما قوله: "وتجزىء ضدهم" فصواب لأن مجرد الترخيص لهؤلاء لا يدل على عدم صحة الجمعة منهم إذ الرخصة ما خير المكلف بين فعله وتركه مع بقاء سبب الوجوب والتحريم كما تقرر في الأصول وهكذا قوله وتجزىء بهم لأن صلاتهم صحيحة. قوله: "وشروطها اختيار الظهر". أقول: قد جعل المصنف الوقت هنا شرطا كما جعله في أول كتاب الصلاة وقد قدمنا الكلام على ذلك هنالك فلا نعيده. واعلم أن الأحاديث الصحيحة قد اشتمل بعضها على التصريح بإيقاع صلاة الجمعة وقت الزوال كحديث سلمة بن الأكوع في الصحيحين [البخاري "٤١٦٨"، مسلم "٨٦٠"] ، وغيرهما [أبو دأود "١٠٨٥"، النسائي "١٣٩١"، ابن ماجة "١١٠٠"] ، قال كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس وبعضها فيه التصريح بإيقاعها قبل الزوال كما في حديث جابر عند مسلم ["٢٩/٨٥٨"] ، وغيره [أحمد "٦/٣٨‘ ٣٩"] ، أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة ثم يذهبون إلي جمالهم فيريحونها حين تزول الشمس وبعضها محتمل لإيقاع الصلاة قبل الزوال وحاله كما في حديث سهل بن سعد في الصحيحين [البخاري "٢/٤٢٧"، مسلم "٣٠/٨٥٩"] ، وغيرهما [أحمد "٥/٣٣٦"، أبو دأود "١٠٨٦"، الترمذي "٥٢٥"، ابن ماجة "١٠٩٩"] ، قال ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة وكما في حديث أنس عند البخاري وغيره قال كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة ثم نرجع إلي القائلة فنقيل. ومجموع هذه الأحاديث يدل على أن وقت صلاة الجمعة حال الزوال وقبله ولا موجب لتأويل بعضها. وقد وقع من جماعة من الصحابة التجميع قبل الزوال كما أوضحناه في شرح المنتقي وذلك يدل على تقرير الأمر لديهم وثبوته. قوله: "وإمام عادل" الخ. أقول: ليس على هذا الاشتراط أثارة من علم بل لم يصح ما يروى في ذلك عن بعض السلف فضلا عن أن يصح فيه شيء عن النبي ﷺ ومن طول المقال في هذا المقام فلم يأت بطائل قط ولا يستحق ما لا أصل له أن نشتغل برده بل يكفي فيه أن يقال هذا كلام ليس من الشريعة وكل ما ليس هو منها فهو رد أي مردود على قائله مضروب في وجهه. قوله: "وثلاثة مع مقيمها". أقول: هذا الاشتراط لهذا العدد لا دليل عليه قط وهكذا اشتراط ما فوقه من الأعداد.

стр. 190

وأما الاستدلال بأن الجمعة أقيمت في وقت كذا وعدد من حضرها كذا فهذا استدلال باطل لا يتمسك به من يعرف كيفية الاستدلال ولو كان هذا صحيحا لكان اجتماع المسلمين معه ﷺ في سائر الصلوات دليلا على اشتراط العدد. والحاصل أن صلاة الجماعة قد صحت بواحد مع الإمام وصلاة الجمعة هي صلاة من الصلوات فمن اشترط فيها زيادة على ما تنعقد به الجماعة فعليه الدليل ولا دليل وقد عرفناك غير مرة أن الشروط إنما تثبت بأدلة خاصة تدل على انعدام المشروط عند انعدام شرطه فإثبات مثل هذه الشروط بما ليس بدليل أصلا فضلا عن أن يكون دليلا على الشرطية مجازفة بالغة وجرأة على التقول على الله وعلى رسوله وعلى شريعته والعجب من كثرة الأقوال في تقدير العدد حتى بلغت إلي خمسة عشر قولا وليس على شيء منها دليل يستدل به قط إلا قول من قال إنها تنعقد جماعة الجمعة بما تنعقد به سائر الجماعات. قوله: "ومسجد في مستوطن". أقول: وهذا الشرط أيضا لم يدل عليه دليل يصلح للتمسك به لمجرد الاستحباب فضلا عن الشرطية ولقد كثر التلاعب بهذه العبادة وبلغ إلي حد تقضي منه العجب. والحق أن هذه الجمعة فريضة من فرائض الله سبحانه وشعار من شعارات الإسلام وصلاة من الصلوات فمن زعم أنه يعتبر فيها ما لا يعتبر في غيرها من الصلوات لم يسمع منه ذلك إلا بدليل وقد تخصصت بالخطبة وليست الخطبة إلا مجرد موعظة يتواعظ بها عباد الله فإذا لم يكن في المكان إلا رجلان قام أحدهما يخطب واستمع له الآخر ثم قأما فصليا صلاة الجمعة. ولقد تضرب الجلال في هذه الشروط تضربا يأباه الإنصاف بل يأباه التحقيق ومال مع الخوارج في بعضها كما جرت عادته بالقيام في المواطن المبتدعة والأقوال المخترعة. قوله: "وخطبتان قبلها" الخ. أقول: قد ثبت ثبوتا متواترا يفيد القطع بأن النبي ﷺ ما ترك الخطبة في صلاة الجمعة قط فالجمعة التي شرعها الله سبحانه هي صلاة الركعتين مع الخطبة قبلها وقد أمر الله سبحانه في كتابه العزيز بالسعي إلي ذكر الله والخطبة من ذكر الله إذا لم تكن هي المرادة بالذكر فالخطبة فريضة. وأما كونها شرطا من شروط الجمعة فلا. وأما قوله: "مع عددها" فقد عرفت ما فيه وهكذا اشتراط طهارتهم وطهارة الخطيب فليس على ذلك دليل بل يصح أن يخطب وهو محدث وهم محدثون ثم يقوم ويقومون فيتطهرون ويصلون صلاة الجمعة. وهكذا اشتراط عدالة الخطيب لا دليل عليه وأما استدبار الخطيب للقبلة واستقباله للحاضرين فهذه هيئة حسنة كان يفعلها رسول الله ﷺ ويفعلها من بعده من الخلفاء الراشدين ومن بعدهم ولكن لا دليل يدل على الوجوب فإن تأدية الذكر المأمور بالسعي إليه ممكنة بدون ذلك.

стр. 191

وأما اشتمال الخطبة على حمد الله والصلاة على رسوله فهكذا كانت خطبته ﷺ وليس ذلك إلا استفتاحا للخطبة المقصودة ومقدمة من مقدماتها والمقصود بالذات هو الوعظ والتذكير وهو الذي يساق إليه الحديث ولأجله شرع الله هذه الخطبة ولم يشرعها لمجرد الحمد لله والصلاة على رسوله فجعل المصنف للوعظ مندوبا وللحمد والصلاة على رسول الله واجبا ليس كما ينبغي وكان عليه أن يضم إلي الحمد والصلاة الشهادتين فإن رسول الله ﷺ لازمهما في خطبته كما لازم الحمد وغيره فلا وجه لإيجاب بعض ما لازمه رسول الله ﷺ دون بعض فإن ذلك تحكم لا ينبغي من منصف وقد كان رسول الله ﷺ يتلو شيئا من القرآن وقد يأتي في خطبته بسورة كاملة والمقصود الموعظة بالقرآن وإيراد ما يمكن من زواجره وذلك لا يختص بسورة كاملة. والحاصل أن روح الخطبة هو الموعظة الحسنة من قرآن أو غيره وقد خلط المصنف خلطا عظيما بإيجابه للبعض وإهماله للبعض والقول بندبية البعض وكان عليه أن يثبت لما ثبت عن رسول الله ﷺ حكما واحدا وإذا أراد تخصيص البعض بحكم آكد من غيره فليجعل ما هو المقصود والمراد من الخطبة وهو الوعظ آكد من غيره وأدخل في المشروعية. والقيام في الخطبتين مع القعود بينهما هو الثابت عن رسول الله ﷺ وخلاف ذلك بدعة والسكتة مع عدم القعود لم تثبت ولا فعلها رسول الله ﷺ ولا الخلفاء الراشدون بل كانوا يقعدون بين الخطبتين. وأما قوله: "ولا يتعدى ثالثة المنبر إلا لبعد سامع" فلم يرد في هذا شيء فذكره في مندوبات الخطبة لا وجه له وأما الاعتماد على سيف أو نحوه فقد روي ذلك عن رسول الله ﷺ وروي عنه أيضا التسليم على الحاضرين قبل الشروع في الخطبة من طرق يقوي بعضها بعضا. قوله: "وندب المأثور قبلهما وبعدهما وفي اليوم". أقول: قد اشتملت السنة المطهرة على ذلك فمن جملة ما اشتملت عليه الإتيان إلي الجمعة بالسكينة والوقار وعدم تخطي الرقاب وترك الجلوس في مجلس قد سبق إليه سابق والتطيب بعد الاغتسال وصلاة ركعتي التحية ولو في حال الخطبة وصلاة اربع ركعات بعد الفراغ من الصلاة والتكبير إلي الجمعة وترك الاحتباء حال الخطبة وترك العبث بالحصى والتحول من المحل الذي نعس فيه إلي غيره. ومن المشروعات في اليوم الاستكثار من الدعاء لأن فيه الساعة التي لا يرد فيها الدعاء والاستكثار من الصلاة على رسول الله ﷺ . قوله: "ويحرم الكلام حالهما". أقول: هذا هو مقتضى الأدلة كحديث أبي هريرة في الصحيحين [البخاري "٣٩٤"، مسلم "٨٥١"] ، وغيرهما [أبو دأود "١١١٢"، الترمذي "٥١١"، النسائي ٣/١٠٤"، ابن ماجة "١١١٠"] ، أن

стр. 192

النبي ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت"، وأخرج هذا الحديث أحمد ["٦/٦٢"، وأبو دأود "١٠٥١"] ، وأبو دأود من حديث علي وزاد فيه "ومن لغا فلا جمعة له" وفي إسناده رجل مجهول ولكنه قد أخرج معنى هذه الزيادة أحمد ["١/٢٣٠"] ، وابن أبي شيبة والبزار والطبراني في الكبير من حديث ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا والذي يقول له أنصت ليس له جمعة"، وفي إسناده مجالد بن سعيد وفيه مقال خفيف. وأخرج أحمد ["٢١١٨٤"] ، والطبراني من حديث أبي الدرداء عنه ﷺ أنه قال: "إذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى يفرغ"، وفي الباب أحاديث. وأما الخطيب فيجوز له أن يجيب سؤال من سأله ويأمر من ترك ما ينبغي فعله بأن يفعله كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة. وأما قوله: "فإن مات أو أحدث استؤنفتا" فلا وجه للاستئناف إذا عرض ما يمنع من تمام الخطبة بل يبني الآخر على ما قد فعله الأول إذا لم يكن قد فعل ما هو مشروع. وقد قدمنا أنه لا دليل على اشتراط كون الخطيب متطهرا لأن المقصود من الخطبة يحصل من المحدث كما يحصل من المتطهر وما قيل من أنها بمنزلة ركعتين فلا أصل لذلك بل هي ذكر من الأذكار وموعظة من المواعظ. وأما قوله: "ويجوز أن يصلي غيره" فذلك خلاف ما جرت به السنة فإنه ﷺ كان يخطب ثم يصلي بالناس مدة حياته ثم كذلك الخلفاء الراشدون ومن بعدهم بل كان هذا هو الأمر المستمر عند أمراء الأمصار فضلا عن الخلفاء. [فصل ومتى اختل قبل فراغها شرط غير الإمام أو لم يدرك اللاحق من أي الخطبة قدر آية متطهرا أتمت ظهرا وهو الأصل في الأصح والمعتبر الاستماع لا السماع وليس لمن حضر الخطبة تركها إلا المعذورين غالبا ومتى أقيم جمعتان في دون الميل لم يعلم تقدم إحداهما أعيدت فإن علم أعاد الآخرون ظهرا فإن التبسوا فجميعا وتصير بعد جماعة العيد رخصة لغير الإمام وثلاثة. وإذا اتفق صلاة قدم ما خشي فوته ثم الأهم] . قوله: "فصل ومتى اختل قبل فراغها شرط غير الامام" الخ. أقول: قد عرفت ما أسلفنا أنه لم يصح شيء من تلك الشروط وأن إطلاق إسم الشروط عليها لم يدل عليه دليل يثبت به الوجوب فضلا عن الشرطية إلا الخطبتان فقد قدمنا أن دليلهما قد يدل على وجوبهما وبعد هذا كله تعلم أنه لا يضر اختلال شيء مما جعله مشروطا ثم حكمه على

стр. 193

بعض الشروط بأنه يضر اختلاله قبل الفراغ وبعضها بأنه لا يضر بعد حكمه على الجميع بالشرطية تحكم يأباه الإنصاف فإن الشرط هو ما يؤثر عدمه في العدم فكيف كان بعض الشروط مؤثرا وبعضها غير مؤثر فهذا كونه تحكما مخالف لاصطلاح أهل الأصول والفروع. وأعجب من هذا كله أنه لا دليل بيده يدل على ما ذكره لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف بل إيجاب رفض الجمعة وتتميمها ظهرا مخالف للدليل وهو ما أخرجه النسائي ["١٤٢٥"] ، من حديث أبي هريرة بلفظ: "من أدرك من الجمعة فقد أدرك الجمعة" ولهذا الحديث اثنا عشر طريقا صحح الحاكم منها ثلاثا وقال في البدر المنير هذه الطرق الثلاث أحسن طرق هذا الحديث والباقي ضعاف. وأخرج النسائي ["٥٥٧"، وابن ماجه "١١٢٣"] ،والدارقطني من حديث ابن عمر نحوه وله طرق قال ابن حجر في بلوغ المرام إسناده صحيح وقوى أبو حاتم إرساله وأخرج الطبراني في الكبير من حديث ابن مسعود بلفظ: "من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى ومن فاتته الركعتان فليصل أربعا"، قال في مجمع الزوائد وإسناده حسن. فهذه الأحاديث تقوم بها الحجة ويندفع بها ما قاله المصنف ويدل على ما دلت عليه هذه الأحاديث ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة"، فإن صلاة الجمعة داخلة في هذا العموم ولا تخرج عنه إلا بمخصص ولا مخصص. قوله: "وهو الأصل في الأصح". أقول: الواجب يوم الجمعة الجمعة فريضة من الله فرضها على عباده فإذا فاتت لعذر فلا بد من دليل على وجوب صلاة الظهر وقد قدمنا في القولة التي قبل هذه من حديث ابن مسعود بلفظ: "ومن فاتته الركعتان فليصل أربعا" فهذا يدل على أن من فاتته الجمعة صلى ظهرا فإن كانت الأصالة من هذه الحيثية فذاك. وأما ما ذكره أهل الفروع من فوائد الخلاف في هذه المسألة فلا أصل لشيء من ذلك. قوله: "والمعتبر الاستماع لا السماع". أقول: هذا صحيح فمن وقف حيث ينتهي به الوقوف وكان لا يسمع أو كان أصم أو كان صوت الخطيب خفيفا فالمستمع كالسامع. قوله: "وليس لمن حضر الخطبة تركها" أقول: وجه هذا أنه قد ورد النهي عن الخروج من المسجد بعد سماع الدعاء إلي الصلاة والحاضر حال الخطبة داخل تحت هذا النهي وهذا يشمل المعذورين وغيرهم لأنهم قد حضروا إلا إذا كانوا يتضررون بالوقوف إلي وقت انقضاء الصلاة فما جعل الله في الدين من حرج. قوله: "ومتى اقيم جمعتان في دون الميل" الخ.

стр. 194

أقول: هذه المسألة قد اشتهرت بين أهل المذاهب وتكلموا فيها وصنف فيها من صنف منهم وهي مبنية على غير أساس وليس عليها أثارة من علم قط وما ظنه بعض المتكلمين فيها من كونه دليلا عليها هو بمعزل عن الدلالة وما أوقعهم في هذه الأقوال الفاسدة إلا ما زعموه من الشروط التي اشترطوها بلا دليل ولاشبهة دليل. فالحاصل أن صلاة الجمعة صلاة من الصلوات يجوز أن تقام في وقت واحد جمع متعددة في مصر واحد كما تقام جماعات سائر الصلوات في المصر الواحد ولو كانت المساجد متلاصقة ومن زعم خلاف هذا فإن كان مستند زعمه مجرد الرأي فليس ذلك بحجة على أحد وإن كان مستند زعمه الرواية فلا رواية. قوله: "وتصير بعد جماعة العيد رخصة لغير الإمام وثلاثة". أقول: ظاهر حديث زيد بن أرقم عند أحمد ["٤/٣٧٢"، وأبي دأود "١٠٧٠"، والنسائي "١٥٩١" وابن ماجه "١٣١٠" بلفظ أنه ﷺ صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال: "من شاء أن يصلي فليصل" يدل أن الجمعة تصير بعد صلاة العيد رخصة لكل الناس فإن تركوها جميعا فقد عملوا بالرخصة وإن فعلها بعضهم فقد استحق الأجر وليست بواجبة عليه من غير فرق بين الإمام وغيره وهذا الحديث قد صححه ابن المديني وحسنه النووي وقال ابن الجوزي هو أصح ما في الباب وفي إسناده إياس بن أبي رملة قال ابن القطان وابن المنذر هو مجهول ولكنه يشهد له ما أخرجه أبو دأود ["١٠٧٣"، وابن ماجه "١٣١١"] ، والحاكم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه عن الجمعة فإنا مجمعون"، قال في البدر المنير وصححه الحاكم وأخرج نحوه ابن ماجه من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف وأخرج أبو دأود ["١٠٧١"، والنسائي "١٥٩٢"،] ، والحاكم عن وهب بن كيسان قال: اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير فأخر الخروج حتى تعالي النهار ثم خرج فخطب فأطال الخطبة ثم نزل فصلى ولم يصل للناس يومئذ الجمعة فذكر ذلك لابن عباس قال: أصاب السنة, ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه أيضا أبو دأود ["١٠٧٢"] ،عن عطاء بنحو ما قاله وهب بن كيسان ورجاله رجال الصحيح وجميع ما ذكرناه يدل على أن الجمعة بعد العيد رخصة لكل أحد ولا ينافي ذلك قوله ﷺ : "فإنا مجمعون" فقد دلت أقواله على أن هذا التجميع منه ﷺ ليس بواجب. قوله: "وإذا اتفق صلوات قدم ما خشي فوته ثم الأهم". أقول: إن كانت الصلوات متفقة في كونها جميعا واجبة كصلاة جمعة وجنازة أو متفقة في كونها جميعا غير واجبة كصلاة الكسوف والاستسقاء فيقدم ما خشي فوته ثم الأهم أما إذا كان بعضها واجبا وبعضها غير واجب فعليه أن يأتي بالواجب عليه فإن أمكن فعل غير الواجب بعده فعله وإلا فهو معذور عن فعله باشتغاله عنه بما هو واجب عليه لأن من الجائز أن يعرض له ما يمنعه عن فعل الواجب الذي أخره وفعل ما خشي فوته من غير الواجب.

стр. 195

[باب ويجب قصر الرباعي "إلي اثنتين على من تعدى ميل بلده مريدا أي سفر بريد حتى يدخله مطلقا أو يتعدى في أي موضع شهرا أو يعزم هو ومن يريد لزامه على إقامة عشر في أي موضع أو موضعين بينهما دون ميل ولو في الصلاة وقد نووا القصر لا العكس غالبا أو لو تردد"] . قوله: "باب ويجب قصر الرباعي إلي اثنتين". أقول: لم يثبت عنه ﷺ في جميع أسفاره إلا القصر وذلك في الصحيحين وغيرهما وأظهر الأدلة على الوجوب الحديث الثابت عن عائشة في الصحيحين [البخاري "٣٩٣٥"، مسلم "٦٨٥"] ، وغيرهما [أحمد "٣/٢٧٢"، النسائي "١/٢٥٥"] ، بلفظ: "فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر"، فهذا اخبار بأن صلاة السفر أقرت على ما فرضت عليه فمن زاد فيها فهو كمن زاد على أربع في صلاة الحضر ولا يصح التعلق بما روي عنها أنها كانت تتم فإن ذلك لا تقوم به الحجة بل الحجة في روايتها لا في رأيها. وهكذا لم يثبت ما روي عنها أنه روت عن النبي ﷺ أنه أتم وقد وافقها على هذا الخبر الذي أخبرت به ابن عباس فأخرج مسلم ["٦٨٧"] ، عنه أنه قال: "إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم ﷺ على المسافر ركعتين وعلى المقيم أربعا والخوف ركعة". ومن ذلك ما أخرجه أحمد ["١/٣٧"، والنسائي "٣/١١"، وابن ماجه "١٠٦٤"] ، عن عمر قال صلاة السفر ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام من غير قصر على لسان محمد ﷺ ورجاله رجال الصحيح. وأخرج النسائي ["٣/١١٧"] وابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما عن ابن عمر قال إن رسول الله ﷺ أتانا ونحن ضلال فعلمنا كان فيما علمنا أن الله أمرنا أن نصلي في السفر ركعتين. فهذه الأدلة قد دلت على أن القصر واجب عزيمة غير رخصة وأما قوله تعالي: ﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] ، فهو وارد في صلاة الخوف والمراد قصر الصفة لا قصر العدد كما ذكر ذلك المحققون وكما يدل عليه آخر الآية ولو سلمنا أنها في صلاة القصر لكان ما يفهم من رفع الجناح غير مراد به في ظاهره لدلالة الأحاديث الصحيحة على أن القصر عزيمة لا رخصة. ولم يرد في السنة ما يصلح لمعارضة ما ذكرناه من الأدلة الصحيحة. قوله: "على من تعدى ميل بلده مريدا أي سفر بريدا". أقول: هذه المسألة قد اضطربت فيها الأقوال وكثرت فيها مذاهب الرجال وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس قال صليت مع النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعا وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين.

стр. 196

وهذا يدل على أن الخارج لسفر يقصر الصلاة إذا خرج من بلده قدر ما بين المدينة وذي الحليفة وهو ستة أميال ولكن هذا لا يدل على عدم القصر فيما دون هذه المسافة لما ثبت في صحيح مسلم ["٦٩١"] ، وغيره [أبو دأود "١٢٠١"] ، عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين. وأخرج سعيد بن منصور عن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله ﷺ إذا سافر فرسخا يقصر الصلاة. والحاصل أن هذه التقديرات لا تدل على عدم جواز القصر فيما دونها مع كونها محتملة أن يكون قاصدا لسفر هو خلف ذلك المقدار وأن يكون ذلك هو منتهى سفره. فالواجب الرجوع إلي ما يصدق عليه أنه سفر وأن القاصد إليه مسافر ولا ريب أن أهل اللغة يطلقون اسم المسافر على من شد رحله وقصد الخروج من وطنه إلي مكان آخر فهذا يصدق عليه أنه مسافر وأنه ضارب في الأرض ولا يطلقون اسم المسافر على من خرج مثلا إلي الأمكنة القريبة من بلده لغرض من الأغراض فمن قصد السفر قصر إذا حضرته الصلاة ولو كان في ميل بلده وأما نهاية السفر فلم يرد ما يدل على أن السفر الذي يقصر فيه الصلاة هو أن يكون المسافر قاصدا لمقدار كذا من المسافة فما فوقها. وقد صح النهي للمرأة أن تسافر بغير محرم ثلاثة أيام وفي رواية: "مسيرة يوم وليلة" وفي رواية: "أن تسافر بريدا" فسمى النبي ﷺ كل ذلك سفرا وأقله البريد فكان القصر في البريد واجبا ولكنه لا ينبغي ثبوت القصر فيما دون البريد إلا أن يثبت عند أهل اللغة أو في لسان أهل الشرع أن من قصد دون البريد لا يقال له مسافر وأما قول المصنف مريدا أي سفر أي سواء كان السفر طاعة أو معصية فهو صواب لأن الأدلة الأخرى لم تفرق بين سفر وسفر ومن ادعى ذلك فعليه الدليل. قوله: "أو يتعدى في أي موضع شهرا" أقول: الذي لم يعزم على إقامة مدة معينة لا يزال يقصر حتى يمضي له قدر المرة التي أقامها رسول الله ﷺ في مكة عام الفتح وفي تبوك. وقي روي أنه اقام في مكة ثماني عشرة ليلة كما في رواية أو تسع عشرة ليلة كما في رواية أخرى أو سبع عشرة ليلة كما في رواية ثالثة. وروي أنه قام بتبوك عشرين ليلة فإذا مضى للمتردد الذي لم يعزم على إقامة معينة عشرون ليلة أتم صلاته. فإن قلت: ومن أين لنا أن النبي ﷺ لو أقام أكثر من هذه المدة لأتم صلاته؟. قلت: المقيم ببلد قد حط رحله وذهب عنه مشقة السفر فلولا أنه ﷺ قصر في هذه المدة لما كان القصر في ذلك سائغا فعلينا أن نقتصر على المدة التي قصر فيها رسول الله ﷺ وأطلق

стр. 197

عليه وعلى من معه فيها اسم السفر فقال: "أتمو يا أهل مكة فإنا قوم سفر". وقد أخرج البخاري ["١٠٨٠"، وغيره [الترمذي "٥٤٩"، عن ابن عباس قال لما فتح النبي ﷺ مكة اقام فيها تسع عشرة ليلة فنحن إذا سافرنا فأقمنا تسع عشرة ليلة قصرنا وإن زدنا أتممنا فهذا حبر الأمة يقول هكذا وهو الحق اقتداء برسول الله ﷺ فيما قصر فيه مع الإقامة ورجوعا إلي الأصل وهو أن المقيم يتم صلاته فيما زاد على ذلك. قوله: "أو يعزم هو أو من يريد لزامه على إقامة عشر". أقول: قد قدمنا لك أن المقيم الذي حط رحل السفر لا يقصر إلا بدليل وقد ثبت فيمن لم يعزم على إقامة معينة ما قدمناه وأما من عزم على إقامة معينة فلم يثبت فيه إلا أن النبي ﷺ قصر الصلاة في عام حجه في أيام إقامته بمكة وهو قدم مكة صبحة رابعة من ذي الحجة فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الصبح في اليوم الثامن بمكة ثم خرج إلي منى فقد عزم ﷺ على إقامة هذه الأربعة الأيام بمكة وقصر الصلاة فيها فمن عزم على إقامة أربعة ايام بمكة قصر وإن عزم على إقامة أكثر منها أتم اقتداء برسول الله ﷺ رجوعا إلي الأصل وهو أن المقيم يتم. وقد خلط الكلام الجلال في هذا المقام ووهم عدة أوهام. [فصل "وإذا انكشف مقتضى التمام وقد قصر اعاد تمأما لا العكس إلا في الوقت ومن قصر ثم رفض السفر لم يعد ومن تردد في البريد أتم وإن تعداه كالهائم"] . قوله: فصل: "وإذا انكشف مقتضى التمام وقد قصر أعاد تماما". أقول: وجه ذلك عند المصنف أنه انكشف عدم المقتضى للقصر وهو سفر البريد ووجد المقتضى للتمام وهو عدم السفر إلي البريد وأما قوله: "لا العكس" فغير صواب لأنه قد وجد مقتضى القصر والقائل بأن القصر عزيمة لا يفيده قول من قال إنه رخصة ولكنه مبني على قاعدة فروعية وهي أن المختلف فيه لا يقضى إلا في الوقت لا بعده وهو يخالف قاعدة لهم أخرى وهي أن الاعتبار بالانتهاء. وهكذا قوله: "ومن قصر ثم رفض السفر لم يعد" كأن قياس قواعدهم أن يعيد اعتبارا بالانتهاء لأن النية غير مؤثرة بمجردها. وأما قوله: "ومن تردد في البريد أتم"، فإن كان التردد في البريد مع عدم مجأوزته فلم يحصل مقتضى القصر وإن كان مع مجأوزته فقد حصل موجبه فلا وجه لقوله وإن تعداه وقياسه على الهائم غير صحيح لأن الهائم لم يقصد السفر فهو غير مسافر وهذا مسافر فإن كان هذا الذي تردد في البريد هائما فلا وجه لقوله كالهائم لأنه هائم لا كالهائم.

стр. 198

[فصل "والوطن ما نوى استيطانه ولو في مستقبل بدون سنة وإن تعدد يخالف دار الإقامة بأنه يصير وطنا بالنية قيل وبأن لا يقصر منه إلا لبريد وتوسطه يقطعه ويتفقان في قطعهما حكم السفر وبطلانهما بالخروج مع الإضراب"] . قوله: فصل: "والوطن هو ما نوى استيطانه". أقول: مصير المكان وطنا بمجرد النية لم يوافق رواية صحيحة ولا رأيا مقبولا وجعل النية مؤثرة في دون سنة لا في سنة فما فوقها لا يدري ما وجهه ولا من أين مأخذه وليس مثل هذا الكلام القائل والرأي العاطل مما يدون في مثل كتب الهداية التي هي لقصد إرشاد العباد إلي ما شرعه الله لهم. وهكذا ما ذكره من الفرق بين دار الوطن ودار الإقامة ليس عليه أثاره من علم وكان الأولى للمصنف أن يجعل مكان هذه الخرافات ما ورد فيمن تأهل في بلد أنه يتم الصلاة فيها لما أخرجه أحمد عن عثمان بن عفان أنه صلى بمنى أربع ركعات فأنكر الناس عليه فقال يا ايها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم" وفي إسناده عكرمة بن إبراهيم وفيه ضعف خفيف لا يوجب ترك ما رواه.

стр. 199

[باب وشرط جماعة الخوف "من أي أمر صائل السفر وآخر الوقت وكونهم محقين مطلوبين غير طالبين إلا لخشية الكر فيصلي الإمام ببعض ركعة ويطول في الأخرى حتى يخرجوا ويدخل الباقون وينتظر في المغرب متشهدا ويقوم لدخول الباقين. وتفسد بالعزل حيث لم يشرع وبفعل كثير لخيال كاذب. وعلى الأولين بفعلها له"] . قوله: باب: "وشروط جماعة الخوف من أي أمر صائل السفر". أقول: الظاهر ثبوت مشروعية صلاة الخوف من كل أمر يخاف منه في السفر والحضر ولا يدل كونه ﷺ لم يصلها إلا من خوف خاص وفي إسفاره على أنها لا تصلى من خوف من غير آدمي ولا تصلى في الحضر فإن العلة التي شرعت لها كائنة في الجميع ولا يصح التمسك بأنه ﷺ لم يصلها في المدينة مع اشتداد الملاحمة والمدافعة لأنه ﷺ اشتغل هو وأصحابه بمواقعة الأحزاب حتى قال له عمر يا رسول الله ما كدت اصلي العصر حتى كادت الشمس

стр. 200

تغرب فقال له النبي ﷺ : "والله ما صليتها"، قال جابر فقمنا إلي بطحان فتوضأ النبي ﷺ للصلاة وتوضأنا فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب هكذا في البخاري ["٥٩٦، ٥٩٨، ٤١١٢"، مسلم "٦٣١"، الترمذي "١٨٠"، النسائي "٣/٨٤"] ، من حديث جابر وفي الموطأ أن الذين فاتهم الظهر والعصر والمغرب وأنهم صلوا بعد هدوء من الليل. وأيضا قد أخرج النسائي وابن حبان من حديث أبي سعيد أن ذلك كان قبل أن ينزل قوله تعالي: ﴿فَرِجَالاً أو رُكْبَاناً﴾ [البقرة: ٢٣٩] . وأما اشتراط أن تكون صلاة الخوف في آخر الوقت فلا دليل عليه بل تفعل في أول الوقت ووسطه وآخره على حسب ما يقتضيه الحال. وأما اشتراط كونهم محقين مطلوبين غير طالبين فلم يرد ما يدل على ذلك وقد صلاها رسول الله ﷺ في كثير من المواطن وهو طالب للكفار غير مطلوب. قوله: "فيصلي الإمام ببعض ركعة" الخ. أقول: قد وردت صلاة الخوف على أنحاء مختلفة وثبت فيها صفات فأيها فعل المصلون فقد أجزأهم وقد ذكرنا ما ورد فيها من الأنواع في شرحنا للمنتقي وذكرنا جملة ما صح من ذلك فليرجع إليه فإن إيراده هنا يحتاج إلي تطويل يخالف ما هو الغرض لنا من التنبيه على الصواب والإرشاد إلي الحق. وهذه الصفة التي ذكرها المصنف هي من جملة الصفات الواردة ولا وجه للاقتصار عليها فإن ذلك تضييق لدائرة قد وسعها الله على عباده. قوله: "وتفسد بالعزل حيث لم يشرع". أقول: إذا لم يوافق العزل صفة من الصفات الواردة فغاية ما هناك أنه أتى ببعض صلاته جماعة وبعضها فرادى وذلك لا يقتضي الفساد. وأما فسادها بالفعل الكثير للخيال الكاذب فقد قدمنا في الفعل الكثير ما يغني عن الإعادة. [فصل فإن اتصلت المدافعة فعل ما أمكنه ولو في الحضر ولا تفسد بما لا بد منه من قتال وانفتال ونجاسة على آلة الحرب وعلى غيرها تلقى فورا ومهما أمكن الإيماء بالرأس فلا قضاء وإلا وجب الذكر والقضاء. ويؤم الراجل الفارس لا العكس] . قوله: "فصل فإن اتصلت المدافعة فعل ما أمكنه".

стр. 201

أقول: يدل على هذا قول الله سبحانه ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:٦] ، وقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" ويدل على ذلك ما أخرجه أبو دأود ["١٢٤٩"] عن عبد الله ابن أنيس قال: بعثني رسول الله ﷺ إلي خالد بن سفيان الهذلي وكان نحو عرنة وعرفات فقال: "اذهب فاقتله" قال: وحضرت صلاة العصر فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومىء يماء نحوه فلما دنوت منه قال لي: من أنت؟ قلت: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذلك, فقال: إني لفي ذاك فمشيت معه ساعة حتى أمكنني ثم علوته بسيفي حتى برد. ومثل هذا من هذا الصحأبي المبعوث في هذا الأمر المهم لا يخفى على رسول الله ﷺ وفيه دليل على أنه يفعل ما أمكنه ولو بمجرد الايماء وإلي غير القبلة وفيه أنه لا يشترط ما تقدم من كونهم مطلوبين وفيه أن صلاة الخوف تصح أن تكون فرادى.

стр. 202

[باب وفي وجوب صلاة العيدين خلاف وهي من بعد انبساط الشمس إلي الزوال ركعتان جهرا ولو فرادى بعد قراءة الأولى سبع تكبيرات فرضا يفصل بينهما الله أكبر كبيرا إلي آخره ويركع بثامنة وفي الثانية خمس كذلك ويركع بسادسة ويتحمل الإمام ما فعله مما فات اللاحق] . قوله: باب: "وفي وجوب صلاة العيدين خلاف". أقول: هذه العبارة لا تفيد السامع ولا يحسن السكوت عليها لأنه غالب مسائل الفروع هكذا فيها خلاف ولعله لم يتقرر دليل الوجوب للمصنف كما ينبغي وكان عليه أن يقف على ما دون الوجوب ويجزم به كعادته في هذا الكتاب حتى يكون لكلامه فائدة يستفيدها المقلد. واعلم أن النبي ﷺ لازم هذه الصلاة في العيدين ولم يتركها في عيد من الأعياد وأمر الناس بالخروج إليها حتى أمر بخروج النساء العواتق وذوات الخدور والحيض وأمر الحيض أن يعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين حتى أمر من لا جلباب لها أن تلبسها صاحبتها من جلبابها وهذا كله يدل على أن هذه الصلاة واجبة وجوبا مؤكدا على الأعيان لا على الكفاية. ويزيد ذلك تأكيدا أنه صلي الله عليه وسلم أمر الناس بالخروج لقضائها في اليوم الثاني مع اللبس كما تقدم، وهذا شأن الواجباتلا غيرها. قوله: "وهي من بعد انبساط الشمس إلي الزوال". أقول: قد قدمنا حديث أن النبي ﷺ أمر الناس أن يفدوا إلي مصلاهم لما أخبره الركب برؤية الهلال.

стр. 203

وأخرج أبو دأود ["١١٣٥"وابن ماجه "١٣١٧"] ، أن عبد الله بن بسر صاحب رسول الله ﷺ أنكر على الإمام الذي أبطأ بصلاة العيد ورجال إسناده عند أبي دأود ثقات. وأخرج أحمد بن الحسن البناء عن جندب في كتاب الأضاحي قال كان النبي ﷺ يصلي بنا يوم الفطر والشمس على قيد رمحين والأضحى على قيد رمح هكذا ذكره ابن حجر في التلخيص ولم يتكلم عليه. وأخرج الشافعي في حديث مرسل أن النبي ﷺ كتب إلي عمرو ابن حزم وهو بنجران أن عجل الأضحى وأخر الفطر وذكر الناس. قوله: "وهي ركعتان جهرا ولو فرادى". أقول: أصل كل صلاة تصح فرادى كما تصح جماعة وصلاة العيد صلاة من الصلوات فمن ادعى أنها لا تصح فرادى كان عليه الدليل ولا يصلح لذلك أنه ﷺ ما صلاها إلا جماعة فإن غاية ما يستفاد من ذلك أن التجميع في العيد أولى ولا شك في ذلك ومحل النزاع الصحة فمن نفاها فهو المحتاج إلي الدليل. وهكذا الجهر هو الثابت عنه ﷺ ولكنه لا ينفي صحة الإسرار. قوله: "بعد قراءة الأولى سبع تكبيرات فرضا". أقول: لم يصح في كون التكبير بعد القراءة شيء أصلا بل لم يكن في ذلك حديث ضعيف فضلا عن أن يوجد فيه حديث صحيح أو حسن وأما تقديم التكبير في الركعتين على القراءة ففيه حديث عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ : "التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الأخرى والقراءة بعدهما كلتيهما"، أخرجه أبو دأود ["١١٥١"] ، والدارقطني وأخرجه من غير ذكر تقديم التكبير على القراءة أحمد ["٦/١٤٠، ١٤١"] ، وابن ماجه ["١٢٧٩"] . قال العراقي إسناده صحيح وقال الترمذي في العلل المفردة عن البخاري إنه قال حديث صحيح. وأخرج الترمذي عن عمرو بن عوف المزني أن النبي ﷺ كبر في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الثانية خمسا قبل القراءة قال الترمذي هو أحسن شيء في هذا الباب عن النبي ﷺ وأخرجه الدارقطني وابن عدي والبيهقي وفي إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال الشافعي وأبو دأود إنه ركن من أركان الكذب وقال ابن حبان له نسخة موضوعة عن أبيه عن جده قال ابن حجر في التلخيص وقد أنكر جماعة تحسينه على الترمذي وأجاب النووي في الخلاصة على المنكرين على الترمذي فقال لعله اعتضد بشواهد وغيرها قال العراقي في شرحه للترمذي إن الترمذي إنما تبع في ذلك البخاري فقال قال في كتاب العلل المفردة سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال ليس في هذا الباب شيء أصح منه وبه أقول: انتهى. وأخرج ابن ماجه ["١٢٧٧"] ، عن سعد القرظ أن رسول الله ﷺ كان يكبر في العيدين في

стр. 204

الأولى سبعا قبل القراءة وفي الأخرى خمسا قبل القراءة وفي إسناده ضعف. وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا وتصلح للاحتجاج بها في كون التكبير قبل القراءة وفي كون التكبير سبعا في الأولى وخمسا في الثانية. وقد وردت روايات أخر في عدد التكبير مقوية لهذه الأحاديث. قوله: "ويفصل بينهما ندبا الله أكبر" الخ. أقول: هذا الندب لا يستند إلي كتاب الله ولا إلي سنة رسول الله ولا إلي قول صحأبي ولا تابعي ومجرد أنه استحسنه فرد من أفراد العلماء لا يصلح لإثبات الندب فإن الندب هو أحد الأحكام الخمسة ولا يثبت إلا بدليل يدل عليه في هذا التسرع إلي التقول على الشرع بما لم يكن منه. والحاصل أن صلاة العيد هي أن يكبر المصلي للإحرام ثم يكبر في الأولى سبع تكبيرات ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن ثم يقوم إلي الركعة الثانية فيكبر خمسا ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن وإذا أراد أن يقتدي بالقراءة التي كان يقرأ بها رسول الله ﷺ في صلاة العيد قرأ في الأولى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ أو قرأ في الأولى بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وفي الثانية بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ فهذا هو المروي عن رسول الله ﷺ في قراءته في العيدين. وأما قوله: "ويتحمل الإمام ما فعله مما فات اللاحق" فلم يدل على هذا التحمل دليل وقد تقدم في أدلة قراءة الفاتحة في كل ركعة ما ينبغي اعتباره هنا وهكذا هذه الأحاديث المذكورة في تكبير صلاة العيدين يفعلها المؤتم كما يفعلها الإمام فلا يكون المؤتم مدركا للركعة إلا بقراءة فاتحتها والإتيان بما شرع فيها من التكبير. [فصل "وندب بعدها خطبتان كالجمعة إلا أنه لا يقعد أولا ويكبر في الأولى تسعا وفي آخرهما سبعا سبعا ومن خطبة الأضحى التكبير المأثور ويذكر حكم الفطرة والأضحية وتجزىء من المحدث وتارك التكبير وندب الإنصات ومتابعته في التكبير والصلاة على النبي ﷺ والمأثور في العيدين"] . قوله: فصل: "وندب بعدها خطبتان كالجمعة". أقول: هذا أعني كون الخطبتين بعد الصلاة هو الثابت عنه ﷺ في الأحاديث الصحيحة وأما كونهما مندوبتين فلما أخرجه النسائي ["١٥٧١" وابو دأود "١١٥٥" وابن ماجه

стр. 205

"١٢٩٠"] ، من حديث عبد الله بن السائب قال شهدت مع النبي ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: "إنا نخطب فمن أحب أن يجلس فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب"، وهذا الحديث هو من الأحاديث المسلسلة بيوم العيد وقد رويته مسلسلا بإسناد إلي النبي ﷺ في مجموعي الذي سميته إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر". قوله: "إلا أنه لا يقعد أولا". أقول: هذا صواب لأنه لم يرو عن النبي ﷺ أنه قعد في خطبة العيد بل كان يفرغ من الصلاة فيقوم ثم يخطب. قوله: "ويكبر في الأولى تسعا" الخ. أقول: لم يرد في ذلك دليل صحيح للتمسك به وأما ما رواه البيهقي عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة أنه قال من السنة أن تفتتح الخطبة بتسع تكبيرات تترى والثانية بسبع تكبيرات تترى فإن أراد سنة النبي ﷺ فالحديث مرسل وإن أراد سنة الصحابة فلا تقوم به الحجة إلا أن يكون إجماعا منهم قال ابن القيم وأما قول كثير من الفقهاء إنه تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار وخطبة العيد بالتكبير فليس معهم فيها سنة من النبي ﷺ ألبتة والسنة تقضي خلافها وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد انتهى. وأما قوله: "وفي فصول الأولى من خطبة الأضحى التكبير المأثور" فلم يؤثر في ذلك شيء ألبتة فإن أراد أنه يستحب في فصول هذه الخطبة تكبير التشريق الذي سيأتي فهو لم يؤثر في خطبة العيد قط. قوله: "ويذكر حكم الفطرة والأضحية". أقول: أما ذكر حكم الفطرة في خطبة عيد الفطر فلم يثبت في ذلك شيء ولكنه إذا فعل ذلك الخطيب فهو من البيان الذي شرعه الله مع كون ذلك مزيد اختصاص بهذا اليوم. وهكذا ذكر حكم الأضحية وما يجزىء منها وما لا يجزىء وبيان وقتها وما ينبغي للمضحي أن يفعله في أضحيته وقد ثبت عن النبي ﷺ : "أنه خطب يوم الأضحى فذكر مشروعية النحر بعد الصلاة وأن من نحر قبل الصلاة فليست بأضحية". وأما كون الخطبة تجزىء من المحدث فذلك صواب لعدم الدليل على أن يكون الخطيب متطهرا. وأما أنها تجزىء من تارك التكبير فتارك التكبير ابعد من البدعة من فاعله كما قدمنا. وأما كون الإنصات مندوبا فلكون سامع الموعظة ينبغي له أن يفهمها وإذا اشتغل بالكلام ولم ينصت لم يفهمها فهو إنما يحسن من هذه الحيثية لا من حيث الدليل فإنه لم يرد في خطبة العيد ما يدل على ذلك ولا ورد ما يدل على المتابعة في التكبير ولا ورد ما يدل في خصوص خطبة العيد على المتابعة في الصلاة على النبي ﷺ ولكنه ورد ما يدل على مشروعية الصلاة عليه ﷺ عند ذكره وهم أعم من أن يكون في خطبة العيد أو في غيرها ولم يخص إلا خطبة الجمعة لوجوب الإنصات فيها.

стр. 206

قوله: "وندب المأثور في العيدين" أقول: من المأثور في العيدين أن تكون الصلاة في الجبانة إلا لعذر من مطر أو نحوه وأن يخالف الإمام ومن معه الطريق فيرجعون في طريق غير الطريق التي جاءوا منها ورفع الصوت بالتكبير والتهليل وتعجيل الخروج لصلاة الأضحى وتأخيره لصلاة الفطر وأن لا يغدو لصلاة الفطر حتى يطعم ويخرج لصلاة الأضحى قبل أن يطعم وأن لا يصلي قبل صلاة العيد ولا بعدها وأن يلبس أحسن ما يجد ويتطيب بأجود ما يجد وأن يخرج إلي العيد ماشيا وأن يستكثر من الموعظة للرجال والنساء ويرغبهم في الصدقة. [فصل "وتكبير التشريق سنة مؤكدة عقيب كل فرض من فجر عرفة إلي آخر أيام التشريق ويستحب عقيب النوافل"] . قوله: فصل: "وتكبير التشريق سنة مؤكدة" الخ. أقول: قد ثبت الأمر بالذكر في الأيام المعدودة قال الله : ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرو: ٢٠٣] ، وهي أيام التشريق وثبت عنه ﷺ مطلق التكبير وفي صحيح مسلم ["١١/٨٩٠"] ، أنه ﷺ قال: "والحُيَّضُ يَكُنَّ خلف الناس يكبرن مع الناس". وفي البخاري ["٩٢٨"] ،: أن أم عطية قالت كنا نؤمر أن نخرج الحيض فيكبرن بتكبيرهم. وثبت في الصحيح عن عمر أنه كان يكبر فيكبر من في المسجد ويكبر بتكبيرهم من في الأسواق وأنه كان يقع ذلك مرة بعد مرة في دبر الصلاة وغيرها من الأوقات. والحاصل أن المشروع في ايام التشريق الاستكثار من ذكر الله خصوصا التكبير والمراد مطلق التكبير وهو أن يقول الله أكبر ويكرر ذلك في الأوقات ومن جملتها عقب الصلاة ولا وجه لتخصيصه بعقب الصلاة ولا لجعل يوم عرفة من جملة الأيام التي يستحب فيها تكبير التشريق فإن أيام التشريق هي أيام النحر وهي يوم النحر ويومان بعده. وأما يوم عرفة فهو من الأيام المعلومات وهي عشر ذي الحجة التي قال الله سبحانه فيها: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] وثبت فيها كما في البخاري ["٩٦٩"] ، وغيره [أحمد "١/٢٢٤" الترمذي "٧٥٧"، ابن ماجة "١٧٢٧"، أبو دأود "٢٤٣٨"] ، من حديث ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلي الله من هذه الأيام"، يعني ايام العشر قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وما له ثم لم يرجع بشيء من ذلك". وأخرج مسلم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والحمد".

стр. 207

[باب ويسن للكسوفين حالهما ركعتان في كل ركعة خمسة ركوعات قبلها ويفصل بينها الحمد مرة والصمد والفلق سبعا سبعا ويكبر موضع التسميع إلا في الخامس. وتصح جماعة وجهرا وعكسهما وكذلك لسائر الإفزاع أو ركعتين لها. وندب ملازمة الذكر حتى ينجلي ويستحب للاستسقاء أربع بتسلمتين في الجبانة ولو سرا وفرادى ويجأرون بالدعاء والاستغفار ويحول الإمام رداءه راجعا تاليا للمأثور] . قوله: باب: "ويسن للكسوفين حالهما ركعتان في كل ركعة خمس ركوعات قبلها" الخ أقول: هذا أكثر ما ورد في صلاة الكسوف فالأخذ به أخذ بالزيادة ولكن أصح ما ورد في صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان فإن هذا هو الثابت في الصحيحين [البخاري "١٠٥٢"، "مسلم "١٧/٩٠٧"] ، وغيرهما [أحمد "١/٢٩٨، ٢٥٨، ٣٥٩"، النسائي "٣/١٤٦، ١٤٨"] ، من طرق ثم دون هذا في الصحة مع كونه صحيحا في كل ركعة ثلاثة ركوعات وكذا ركعتان في كل ركعة أربعة ركوعات ثم دون هذين في الصحةركعتان في كل ركعة خمس ركوعات وورد ركعتان في كل ركعة ركوع وورد أن صلاة الكسوف تكون كأحدث صلاة صلوها. فجملة ما ورد ركوع في كل ركعة وركوعان في كل ركعة وثلاثة في كل ركعة وأربعة في كل ركعة وخمسة في كل ركعة وكأحدث صلاة فهذه ست صفات وقد استشكل كثير من المحدثين وقوع مثل هذا الاختلاف مع كونه ﷺ لم يصل صلاة الكسوف إلا مرة واحدة وذكروا في الجمع وجوها ليس هذا موضع ذكرها وإذا تقرر لك أن مخرج هذه الأحاديث متفقا وأن القصة واحدة عرفت أنه لا يصح ها هنا أن يقال كما قيل في صلاة الخوف أنه يأخذ بأي الصفات شاء بل الذي ينبغي ها هنا أن يأخذ بأصح ما ورد وهو ركوعان في كل ركعة لما في الجمع بين هذه الروايات من التكلف البالغ. ثم أعلم أنه قد اجتمع ها هنا في صلاة الكسوف الفعل والقول ومن ذلك قوله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموها كذلك فافزعوا إلي المساجد". البخاري ["١٠٤٤"] . وفي رواية: "فصلوا وادعوا". والظاهر الوجوب فإن صح ما قيل من الإجماع على عدم الوجوب كان صارفا وإلا فلا.

стр. 208

قوله: "ويفصل بينهما الحمد مرة والصمد والفلق سبعا سبعا". أقول: كان يغني عن هذا الرأي البحث والاستحسان الصرف ما ثبت عن النبي ﷺ انه كان يقرأ بعد كل ركوع بسورة من الطوال ولا وجه ها هنا لتكرير الحمد بعد كل ركوع بل يقرأ بعد الدخول في الصلاة ثم يقرأ بين كل ركوعين بسورة من الطوال اقتداء برسول الله ﷺ . وأما قوله: "ويكبر موضع التسميع"، فهو خلاف الثابت عن رسول الله ﷺ في الصحيحين [البخاري "١٤٠٧"، مسلم "٩٠١"] ، وغيرهما [أحمد "٦/١٦٨"، ابن ماجة "١٢٦٣"] ، من حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يقول عند الارتفاع من الركوع: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" وكذلك كان يقول عند الارتفاع من الركوع الثاني. وهكذا ينبغي أن يقال عند الارتفاع من سائر الركوعات لمن أراد أن يأتي بالزيادة على ركوعين في كل ركعة اقتداء بما فعله رسول الله ﷺ لأن الذي في رواية عائشة في هذا الحديث الذي فيه التسميع والتحميد هو في صلاته ﷺ ركعتين في كل ركعة ركوعان. قوله: "وتصح جماعة وجهرا وعكسهما". أقول: الثابت عنه ﷺ في هذه المرة التي صلى فيها صلاة الكسوف أنه صلاها جماعة وجهر فيها بالقراءة ولكن أمره ﷺ بالصلاة يتنأول صلاة الفرادى وصلاة الإسرار مع أنه ثبت من حديث سمرة عند أحمد ["٥/١٦"] ، وأهل السنن [أبو دأود "١١٨٤"، النسائي "٣/١٤٠"] : "أن النبي ﷺ صلى بهم في الكسوف لا يسمعون له صوتا"، وقد صححه الترمذي وابن حبان والحاكم ولكن روايات الجهر أصح وأكثر ورأوي الجهر مثبت وهو مقدم على النافي. قوله: "وكذلك لسائر الإفزاع". أقول: إذا لم تثبت الصلاة لمثل ذلك كان فعلها لحدوث الأمر المفزع بدعة من هذه الحيثية لا من حيثية كونها صلاة ولم يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء وما روي عن بعض الصحابة لم يصح ولو صح لم تقم به الحجة" قوله: "وندب ملازمة الذكر حتى تنجلي". أقول: ثبت في الصحيحين [البخاري "١٠٤٤"، مسلم "٩٠١"] ، عن النبي ﷺ أنه قال في الكسوف: "فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا" وفي لفظ آخر فيهما [البخاري "١٠٥٩"، مسلم "٢٤/٩١٢"] ، "فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلي ذكر الله ودعائه واستغفاره"، وفي لفظ لهما [البخاري "١٠٦٠"، مسلم "٩/٩٠٤"] : "فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى تنجلي". قوله: "ويستحب للاستسقاء أربع بتسليمتين". أقول: لم يرد عنه ﷺ أنه صلى أربعا ولا أرشد إلي صلاة الأربع بل الثابت عنه أنه صلى ركعتين فقط وثبت عنه أنه خطب بعد صلاته للركعتين وثبت عنه أنه استسقى في خطبة الجمعة وثبت أنه خطب قبل صلاة الركعتين والكل سنة. وثبت عنه ﷺ : أنه جهر بالقراءة.

стр. 209

وأما قول المصنف ﵀ ولو سرا أو فرادى فذلك رجوع إلي ما هو أصل كل صلاة أنها تصح سرا وجهرا وجماعة وفرادى. ولكن الاقتداء بالنبي ﷺ فيما ثبت عنه هو الذي ينبغي اعتماده. وأما ما ذكره من الجأر بالدعاء والاستغفار فقد ثبت عن النبي ﷺ : "أنه كان يدعو ويحول وجهه إلي القبلة ويرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه ولا يزال في الدعاء والتضرع". وما ذكره من تحويل الرداء فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه حول رداءه وحول أصحابه ولا وجه لتقييد ذلك بحال الرجوع فقد كان النبي ﷺ يفعله حال الدعاء والخطبة. وأما قوله: "تاليا للمأثور" فلم يرد في ذلك شيء يصلح للتمسك به لا في حال الخطبة والدعاء ولا في حال الرجوع ولكنه روى سعيد بن منصور في سننه عن عمر بن الخطاب أنه خرج يستسقي فلم يزد على الاستغفار فقالوا ما رأيناك استسقيت فقال لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء ثم قرأ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ الآية. [فصل "والمسنون من النفل ما لازمه الرسول ﷺ وأمر به وإلا فمستحب وأقله مثنى وقد يؤكد كالرواتب ويخص كصلاة التسبيح والفرقان ومكملات الخمسين. فأما الترأويح جماعة وصلاة الضحى بنيتها فبدعة"] . قوله: فصل: "والمسنون من النقل ما لازمه الرسول ﷺ وأمر به". الخ. أقول: مراده أنه قد تبين أن ذلك الذي لازمه وأمر به نفل بدليل يدل على ذلك ولهذا قال من النفل فلا يرد عليه باعتبار عبارته شيء ولكنه يقال له ما لازمه فقط فهو سنة وما أمر به أمرا لا يراد به المعنى الحقيقي لوجود صارف فهو سنة وما اجتمع فيه القول والفعل فلا شك أن له مزيد خصوصية فهو آكد مما لم يرد فيه إلا أحدهما فإن أراد هذا المعنى فلا وجه لجعل البعض مسنونا والبعض مستحبا لأن المستحب والمندوب عنده وعند من يوافقه من أهل الأصول والفروع لهما رتبة دون رتبة المسنون. والحق أن الكل يصدق عليه اسم السنة وإن كان بعضه آكد من بعض لكونه ثابتا بالسنة النبوية بل السنة تشمل ما ثبت وجوبه بالسنة فإن قلت هذا اصطلاح ولا مشاحة فيه قلت إذا جرى الاصطلاح على ما يخالف المعنى الشرعي فهو مدفوع من أصله. قوله: "وأقله مثنى". أقول: أما الإيتار بركعة فقد ثبت ثبوتا متواترا وذلك واضح ظاهر لكل من له أدنى اطلاع على السنة المطهرة وقد صح عن النبي ﷺ أنه وصف صلاة النفل بالليل والنهار أنها "مثنى

стр. 210

مثنى" [أحمد "٢/٢٦، ٥١"، أبو دأود "١٢٩٥"، الترمذي "٥٩٧"، النسائي "١٦٦٦"، ابن ماجة "١٣٢٢"، وخص صلاة الوتر بالزيادة فصلاها أربعا أربعا وورد ما يدل على جواز الزيادة على أربع متصلة وخصها أيضا بالنقصان فجوز الإيتار بركعة واجتمع في ذلك قوله وفعله. قوله: "وقد يؤكد كالرواتب". أقول: رواتب الفرائض قد اجتمع فيها القول والفعل وثبت ذلك ثبوتا لا شك فيه ولا شبهة فهي داخلة في المسنون من النفل دخولا أوليا فأفرادها بالذكر تطويل بلا طائل. قوله: "وقد يخص التسبيح". أقول: كأنه لم يرد في النوافل دليل يخصها إلا هذه التي ذكرها وذلك من أغرب ما يقرع سمع من يعرف الأدلة فإنه قد ورد في الاثني عشر الركعة التي هي رواتب الفرائض "أن من صلاها في يوم وليلة بنى له بيت في الجنة" [مسلم "٧٢٨"، أبو دأود "١٢٥٠"، النسائي "٣/٢٦١"، الترمذي "٤١٥"، ابن ماجة "١١٤١". وورد في كل راتبة من هذه الرواتب بخصوصها من الترغيبات ما لا يخفى على عارف فورد في الأربع قبل الظهر والأربع بعدها "أن من صلاها حرمه الله على النار" [أحمد "٦/٤٢٦"، النسائي "١٧٥٩"] ، وقال ﷺ : "رحم الله امرأ صلى أربعا قبل العصر" [أحمد "١/١١٧"، أبو دأود "١٢٧١"، الترمذي "٤٣٠"] ، وقال ﷺ في الركعتين قبل الفجر: "إنها خير من الدنيا وما فيها"، [مسلم "٧٢٥"، أحمد "٦/٥٠"، ٥١"، الترمذي "٤١٤"، النسائي "١٧٥٩"، وقال: "لا تدعوا ركعتي الفجر وإن طردتكم الخيل" [أبو دأود "١٢٥٨"] ، بل ورد في غالب النوافل في الليل والنهار من الترغيب بالأحاديث الصحيحة ما لا يخفى على عارف بل ورد في صلاة الضحى التي جعلها المصنف بدعة ما أخرجه البخاري ومسلم [البخاري "٣/٥٦"، مسلم "٧٢١"] ، وغيرهما [أبو دأود "١٤٣٢"، الترمذي "٧٦٠"، النسائي "١٦٧٧"] ، من حديث أبي هريرة قال: أوصاني خليل ﷺ بثلاث بصيام ثلاثة أيام في كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام. وثبت في الصحيح [مسلم "٧٢٠"] ، "أنه يصبح على كل سلامي صدقة وأنه يجزىء من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى". فالعجب من المصنف حيث يعمد إلي صلاة التسبيح التي اختلف الناس في الحديث الوارد فيها حتى قال من قال من الأئمة إنه موضوع وقال جماعة إنه ضعيف لا يحل العمل به فيجعلها أول ما خص بالتخصيص وكل من له ممارسة لكلام النبوة لا بد أن يجد في نفسه من هذا الحديث ما يجد وقد جعل الله في الأمر سعة عن الوقوع فيما هو متردد ما بين الصحة والضعف والوضع وذلك بملازمة ما صح فعله أو الترغيب في فعله صحة لا شك فيها ولا شبهة وهو الكثير الطيب. قوله: "والفرقان". أقول: رحم الله المصنف فإن هذه الصلاة التي جعلها مما خص بالتخصيص مكذوبة

стр. 211

موضوعة لم يثبت فيها حرف عن رسول الله ﷺ ولا عن غيره من الصحابة وما روي في ذلك عن علي فلا أصل له وهكذا الاختيار والانتفاء والانتقاد، وبالجملة صنع من لا يفرق بين أصح الصحيح وأكذب الكذب. قوله: "ومكملات الخمسين". أقول: لا يعرف في السنة المطهرة استحباب مثل هذا ولا ثبت في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف وقد كان ﷺ يواظب على نوافل لا يخل بها في غالب الحالات. فإن أراد المصنف ما كان يواظب عليه ﷺ مضموما إلي الفرائض فهو معروف وهو دون هذا العدد وإن أراد ما أرشد إليه أو كان يفعله في بعض الحالات فهو أكثر من هذا العدد. فيا لله العجب حيث يعمد المصنف إلي مثل هذه الأمور التي لا دليل عليها أصلا فيجعلها مما خص من النوافل بمزيد مزية على غيرها فإن هذا صنع من لا يدري بالسنة أصلا. قوله: "فأما الترأويح جماعة والضحى بنيتها فبدعة". أقول: أما صلاة الترأويح فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى في ليال من رمضان وائتم به جماعة من الصحابة وعلم بهم فترك ذلك مخافة أن تفترض عليهم وهذا ثابت في أحاديث صحيحة في الصحيحين [البخاري "٢٠٠٩"، مسلم "١٧٣/٧٥٩"، وغيرهما [ابو دأود "١٣٧١"، النسائي "٤/١٥٦"، الترمذي "٨٠٨"، ابن ماجة "١٣٢٦"، أحمد "٢/٢٨١، ٢٨٩، ٤٠٨، ٤٢٣"] ، وبهذا يتقرر أن صلاة النوافل في ليالي رمضان جماعة سنة لا بدعة لأن النبي ﷺ لم يتركها إلا لذلك العذر وثبت أيضا عند أحمد ["٥/١٥٩، ١٦٠، ١٦٣"] ، وأهل السنن أبو دأود "١٣٧٥"، النسائي ""٣/٨٣، ٨٤"، "ابن ماجة ١٣٢٧"، الترمذي ٨٠٦"] ، وصححه الترمذي ورجاله رجال الصحيح عن أبي ذر قال صمنا مع رسول الله ﷺ فلم يصل بنا حتى مضى سبع من الشهر فقام بنا حتى ذهب ثلثا الليل ثم لم يقم بنا في السادسة وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل فقلنا: يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه فقال: "إنه من قام مع الإمام حتى يتصرف كتب له قيام ليلة" ثم لم يقم بنا حتى بقي ثلث الشهر فصلى بنا في الثالثة ودعا أهله ونساءه فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح, قلت له: وما الفلاح؟ قال: السحور. ففي هذا الحديث أنه ﷺ صلى بهم في النافلة في ليالي رمضان جماعة فكيف تكون الجماعة بدعة كما قال المصنف ولم يقع من عمر إلا أنه لما خرج إلي المسجد فوجد الناس أوزاعا متفرقين يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أولى ثم عزم فجمعهم على أبي ابن كعب. [البخاري "٢٠١٠"] فقد كانت الجماعة موجودة في المسجد بعد موت النبي ﷺ وقبل أن يجمعهم عمر وبهذا كله تعرف أن التجميع في النوافل في ليالي رمضان سنة لا بدعة. وأما ما استحسنه جماعة من أهل العلم من جعل هذه الصلاة عشرين ركعة وجعل القراءة

стр. 212

في كل ركعة شيئا معينا فهذا لم يكن ثابتا بخصوصه لكنه من جملة ما يصدق عليه أنه صلاة وأنه جماعة وأنه في رمضان. وأما صلاة الضحى التي جعلها المصنف بنيتها بدعة فكما قال الشاعر: أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل وقد ذكرت في شرحي للمنتقي الأحاديث الواردة فيها وهي شيء واسع فمن أحب الوقوف على ذلك فليرجع إليه حتى يتبين له هذا الخبط والخلط الذي وقع من المصنف فإنه جعل السنن بدعا والبدع سننا والأمر لله العلي الكبير.

стр. 213

[كتاب الجنائز فصل "يؤمر المريض بالتوبة والتخلص عما عليه فورا ويوصي للعجز ويلقن الشهادتين ويجه المحتضر القبلة مستلقيا ومتى مات غمض ولين برفق وربط من ذقنه إلي قمته بعريض ويشق أيسره لاستخراج حمل تحرك أو مال علم بقاؤه غالبا ثم يخاط". ويعجل التجهيز إلا للغريق ونحوه ويجوز البكاء والإيذان لا النعي وتوابعه] . قوله: "كتاب الجنائز". فصل: "يؤمر المريض بالتوبة والتخلص عما عليه فورا". أقول: كان الأولى أن يقول المصنف تجب على المريض التوبة والتخلص عما عليه فورا للأدلة من الكتاب والسنة على وجوب التوبة والتخلص عن الحقوق الواجبة عليه نعم إذا بلغ إلي حالة من شدة المرض لا يتذكر ما عليه إلا بتذكير فذلك من الحاضرين عنده من باب الموعظة الحسنة والأمر بالمعروف الذي ندب الله إليه العباد وأمرهم به. قوله: "ويوصى للعجز". أقول: هذا من جملة ما يؤمر به أي يؤمر المريض بالتوبة والتخلص إن أمكن حال المرض فإن لم يمكن فإنه يؤمر بأن يوصي للعجز عن التخلص في الحال. وأصل الوصية واجب في جميع الأحوال إذا لم يتمكن من التخلص ولو كان صحيحا فإن

стр. 214

أمكن ذلك فهو الواجب للحديث الصحيح الذي يقول فيه ﷺ : "ولا يدعها حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا" [البخاري "٢٧٤٨"، مسلم "٩٢/١٠٣٢"] . قوله: "ويلقن الشهادتين" أقول: قد ثبت الأمر بتلقين من حضره الموت فمن ذلك ما في صحيح مسلم ["١/٩١٦"] وغيره [أبو دأود "٣١١٧"، الترمذي "٩٧٦"، النسائي "٥١٤"، ابن ماجة "١٤٤٥"] ، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" ومثله من حديث أبي هريرة في صحيح مسلم ["٢/٩١٧"] ، وغيره وهو مروي خارج الصحيح من طريق جماعة من الصحابة منهم عائشة [النسائي "٤/٥"] ، وعبد الله بن جعفر [ابن ماجة ""١٤٤٦"] ، وجابر وعروة بن مسعود وحذيفة ابن اليمان وابن عباس وابن مسعود قال النووي والأمر بهذا التلقين أمر ندب. قال وأجمع العلماء على هذا التلقين انتهى. وظاهر الأمر الوجوب ولا قرينة تصرفه عن ذلك وظاهر الأحاديث أن مشروعية التلقين إنما هي لهذا اللفظ أعني لا إله إلا الله ولكنه ثبت في غير هذا التلقين الأمر بمقاتلة الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله كما في الصحيحين وغيرهما من رواية ابن عمر. وقد قيل إن المراد هنا بقول لا إله إلا الله التلفظ بالشهادتين لكونه صار علما على ذلك. قوله: "ويوجه المحتضر القبلة مستلقيا". أقول: استدل على مشروعية هذا التوجيه بما أخرجه أبو دأود ["٢٨٧٥"، والنسائي "٤٠١٢"] ، والحاكم من حديث عبيد بن عمير عن أبيه أن رجلا قال يا رسول الله ما الكبائر قال: "هي سبع" وذكر منها: "استحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا" وهذا لايدل على المطلوب لأن المراد بقوله أحياء عند الصلاة وقوله أمواتا في اللحد والكلام في توجيه الحي المحتضر وقد استدل على ذلك بما أخرجه الحاكم والبيهقي من حديث أبي قتادة أن البراء بن معرور أوصى أن يوجه إلي القبلة إذا احتضر فقال ﷺ : "أصاب الفطرة" فإن صح هذا كان دليلا على مشروعية ذلك وقد ذكره في التلخيص ولم يتكلم عليه. والأولى أن يكون على شقه الأيمن لا مستلقيا لما ورد في أحاديث من الإرشاد منه ﷺ إلي أن يكون النوم على الشق الأيمن وقال في بعض الأحاديث الثابتة في الصحيحين [البخاري "٧٣٩٣"، مسلم "٥٦/٢٧١٠"] وغيرهما [أبو دأود "٥٠٤٦"، أحمد "٤/٢٩٠، ٢٩٦"] بلفظ: "إذا أويت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن"، قال في آخره "فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة" فإن هذا فيه دليل على أنه إنما أرشد إلي ذلك لأن النائم إذا مات مات على الفطرة فينبغي أن يكون المريض عند حضور الموت على شقه الأيمن. وأخرج أحمد في المسند عن سلمى أم أبي رافع أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ عند موتها استقبلت القبلة ثم توسدت يمينها.

стр. 215

والحاصل أنه لم يرد في التوجه عند الموت إلي القبلة ما يدل على مشروعيته إلا ما تقدم من قوله ﷺ : "إن البراء بن معرور أصاب الفطرة" حيث أوصى بأن يوجه إلي القبلة إذا احتضر ولو كان مشروعا لأرشد إليه ﷺ من مات في حياته ولم يسمع منه ﷺ في ذلك شيء مع كثرة الأموات من أهله وأصحابه. قوله: "ومتى مات غمض". أقول: استدل على مشروعية هذا بما أخرجه أحمد ["٤/١٢٥"] وابن ماجه ["١٤٥٥"] والحاكم والطبراني في الأوسط والبزار عن شداد بن أوس قال قال رسول الله ﷺ : "إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت" وفي إسناده قزعة بن سويد قال أبو حاتم محله الصدق وليس بذلك القوي. والأولى الاحتجاج بما ثبت في صحيح مسلم ["٩٢٠"] عن ام سلمة قالت دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: "إن الروح إذا قبض أتبعه البصر" قال النووي واجمع المسلمون على ذلك. والحكمة فيه أن لا يقبح منظره إذا ترك إغماضه. وأما ما ذكره المصنف من التليين برفق والربط من ذقن الميت إلي قمته فلم يرد فيه شيء لكنه عمل حسن لئلا تيبس أعضاء الميت فيصعب غسله وتكفينه ولئلا ينفتح فوه فيكون منظره قبيحا. قوله: "ويشق أيسره لاستخراج حمل تحرك أو مال علم بقاؤه غالبا". أقول: لم يرد في الشق لواحد من الأمرين شيء يعتمد عليه لكن قد علم بتحرك الحمل أنه حي فدفنه أهلاك له وقد ورد في حفظ النفوس واحترامها ما هو أشهر من ضوء النهار فإن كان مثلا ذلك الحمل المتحرك مما يظن حياته إذا خرج من البطن فإنقاذه واجب ولا يعارض هذا ما ورد من أن الميت يتألم كما يتألم الحي وأن كسر عظمه ميتا ككسره حيا [أبو دأود "٣٢٠٧"، ابن ماجة "١٦١٦"، أحمد "٦/٥٨، ١٦٨،١٦٩، ٢٠٠، ٣٦٤"] لأن حرمة الحي والحظر في أهلاكه أبلغ من ذلك وأشد. وأما من ازدرد مالا فمات وهو في بطنه فبقاؤه منكر عظيم وإضاعة للمال المنهي عن إضاعته فإخراجه متوجه والميت هو الجاني على نفسه فلا حرج في تأليمه ولا فرق بين قليل المال وكثيره لأن الكل منكر وإضاعة فلا وجه للاحتراز على مقدار ثلث ماله فإن الله سبحانه إنما جعل له ثلث ماله ليتقرب به إلي الله لا ليدسه في التراب معه. وأما كونه يخاط بعد الشق فذلك صواب لئلا يكون منظره قبيحا. قوله: "وتعجيل التجهيز إلا لغريق ونحوه". أقول: حديث الأمر بالتعجيل للتجهيز وتعليل ذلك بقوله: "فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهري أهله" أخرجه أبو دأود ["٣١٥٩"] ، من حديث الحصين بن وحوح وفي إسناده
следующие страницы →