Полный текст (1 078 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الا لشرط والعكس في المصدق ويتبعها الفرع فيهما ان لم يتمم به وتكره في غير فقراء البلد غالبا] .
قوله: فصل: "ولغيرالولي والوصي التعجيل بنيتها".
أقول: قد دل على ذلك حديث على ان العباس بن عبد المطلب سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك أخرجه أحمد ["١/١٠٤"] وأهل السنن [أبو داود "١٦٢٤", الترمذي "٦٧٨", ابن ماجه "١٧٩٥"] والحاكم والدارقطني والبيهقي وذكر الدارقطني الاختلاف فيه وليس ذلك بقادح في الاحتجاج به ولا ينافي هذا ما ورد في وجوب الزكاة من العين لان الجمع ممكن بحمل حديث التعجيل على انه أخرج زكاته من العين التي ستجب عليه عند كمال الحول.
ومن ادلة جواز التعجيل ما أخرجه البيهقي عن علي ان النبي ﷺ قال "إن كنا احتجنا فاستلفنا من العباس صدقة عامين" قال ابن حجر ورجاله ثقات الا انه فيه انقطاعا وأخرج أبو دأودالطيالسي من حديث أبي رافع أن النبي ﷺ قال لعمر: "إنا كنا تعجلنا صدقة مال العباس عام الأول".
وأما قوله: "إلا عما لايملك وعن معشر قبل إدراكه" فهو صواب لما قدمنا من ان الزكاة تجب من العين وذلك المعجل قدملكه الفقير ان انكشف ان الزكاة واجبة على المالك والا رده كما اشار اليه المصنف ولا وجه لقوله والعكس في المصدق وهكذا الفرع له حكم الاصل في الرد وعدمه ولا يتمم به النصاب لما قدمنا في قوله وحول الفرع حول اصله.
قوله: "وتكره في غير فقراء البلد غاليا"
أقول: الاحاديث الصحيحة قد دلت على ان الزكاة تؤخذ من الاغنياء في البلد وترد في الفقراء منهم ولا ينافي ذلك انه كان السعاة يحملون اليه من الزكوات التي يقبضونها فإن مصارف الزكاة ثمانية والرد في فقراء البلد إنما هو لسهم الفقراء ومن الزكاة لا لغيره على انه لا ينافي الرد في فقراء البلد حمل بعض نصيبهم إلي النبي ﷺ فإن ذلك قد يكون لاستغناء فقراء البلد بصرف بعض نصيب الفقراء فيهم وقد يكونون اغنياء وقد لا يوجد فيهم من يستحق الصرف فيه.
وبما ذكرناه تعرف الجمع بين الاحاديث ويتضح عدم التعارض بينها.
стр. 282
[باب والفطرة تجب من فجر أول شوال إلي الغروب
في مال كل مسلم عنه وعن كل مسلم لزمته فيه نفقته بالقرابة أو الزوجية أو الرق أو انكشف ملكه فيه ولو غائبا وإنما تضيق متى
стр. 283
رجع الا المأيوس وعلى الشريك حصته وإنما تلزم من ملك فيه له ولكل واحد قوت عشر غيرها فإن ملك له ولصنف فالولد ثم الزوجة ثم العبد لا لبعض صنف فتسقط ولا على المشتري وتحوه مما قد لزمته وهي صاع من أي قوت عن كل واحد من جنس واحد الا لاشتراك أو تقويم وانما تجزئ القيمة للعذر وهي كالزكاة في الولاية والمصرف غالبا فتجزئ واحدة في جماعة والعكس والتعجيل بعد لزوم الشخص وتسقط عن المكاتب قيل حتى يرق أو يعتق والمنفق من بيت المال وبأخراج الزوجة عن نفسها وبنشوزها أول النهار موسرة ويلزمها ان اعسر أو تمرد.
وندب التبكير والعزل حيث لا مستحق والترتيب بين الافطار والاخراج والصلاة] .
قوله: "باب والفطرة تجب من فجر أول شوال إلي الغروب".
أقول: قد ثبت في الاحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما ان النبي ﷺ فرض زكاة الفطر وفي الاحاديث الخارجة عن الصحيحين بلفظ: "صدقة الفطر واجبة على كل مسلم" وفي بعض أحاديث الصحيحين بلفظ أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر فوجوبها لا شك فيه ولا شبهة ولا يقدح في ذلك ما أخرجه النسائي عن قيس بن سعد بن عبادة قال امرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل ان تنزل الزكاة فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله فإن في إسناده رأويا مجولا فلا تقوم به الحجة وعلى التسليم فلا دليل فيه على النسخ لان الامر الأول يكفى ولا يحتاج إلي تجديد.
وقد نقل ابن المنذر وغيره الاجماع على وجوب صدقة الفطر قال في الفتح وفي نقل الاجماع نظر لأن إبراهيم بن علية وأبا بكر بن كيسان الاصم قالا ان وجوبها نسخ انتهى ولا يخفاك انهما ليسا ممن يتكلم في النسخ ولا يعتد بقولهما ولكنه قد روى عن اشهب انها سنة مؤكدة وهو قول بعض أهل الظاهر وابن اللبان من الشافعية والادلة الصحيحة ترد عليهم وتدفع قولهم.
وأما كون وقت الوجوب من فجر أول شوال إلي الغروب فحديث ابن عباس قال "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطرة طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فن اداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن اداها بعدالصلاة فهي صدقة من الصدقات" أخرجه أبو دأود وابن ماجه والدارقطني والحاكم وصححه يدل على انها لا تكون بعد الصلاة زكاة فطر بل صدقة من صدقات التطوع والكلام في زكاة الفطر فلا تجزئ بعدالصلاة وفي الصحيحين من حديث ابن عمر ان رسول الله ﷺ : "امر بزكاة الفطر ان تؤدى قبل خروج الناس إلي الصلاة".
قوله: "وفي مال كل مسلم عنه وعن كل مسلم لزمته فيه نفقته بالقرابة أو الزوجية أو الرق".
стр. 284
أقول: هذا ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والانثى والصغير والكبير من المسلمين".
وفي حديث أبي سعيد في الصحيحين وغيرهما قال كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من من تمر أو صاعا من اقط أو صاعا من زبيب.
وأما إيجاب الاخراج على من لزمته النفقة فذلك ظاهر في العبد وأما الصبي فيخرج عنه وليه من مال الصبي وكذا المجنون وأما الزوجة فتخرج من مالها إذا كان لها مال فإن لم يكن لها ولا للصبي ولا المجنون مال فالظاهر عدم الوجوب وأما الغريب الكبير الذي ينفقه قريبة فلا وجه لايجاب ذلك على من ينفقه وأما ما روى بلفظ: "أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون".
أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعا وأخرجه البيهقي من حديث علي ففي إسنادهما مقال ولا تقوم بذلك حجة.
ويقوى ما ذكرناه في العبد حديث أبي هريرة مرفوعا: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة الا صدقة الفطر" أخرجه مسلم وهو في البخاري بدون الاستثناء.
قوله: "وإنما تلزم من ملك له ولكل واحد قوت عشر غيرها".
أقول: هذا التقرير يقوت عشر مجرد رأي محض لا دليل عليه وظاهر الاحاديث الواردة بأن زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين وهكذا مأورد من الامر بإغناء الفقراء في هذا اليوم يدلان على ان المعتبر وجود وقت هذا اليوم فمن وجده ووجد زيادة عليه أخرجها عن الفطرة ومن لم يجد الا قوت اليوم فلا فطرة عليه لانه إذا أخرجها احتاج للنفقة في هذا اليوم وصار مصرفا للفطرة.
وإذا صح ما ورد من ايجابها على الغني والفقير قد عرفت ما هو الغنى فيما تقدم وعرفت ان الفقير من لا يجد ما يجده الغنى فايجاب الفطرة على الفقير لايستلزم ان يخرج قوت يومه.
وأما قوله: "فإن ملك له ولصنف فالولد" الخ فقد عرفت مما تقدم انه لم يتقرر وجوب إخراج الفطرة الا عن العبد للحديث الصحيح الوارد بذلك.
وأما ما ورد من تقديم النفس ثم الأهل كما في حديث جابر عند مسلم وما ورد من تقديم النفس ثم الولد ثم الزوجة ثم الخادم كما في حديث أبي هريرة عندا حمد وأبي دأود والنسائي وابن حبان والحاكم فذلك في النفقة لا في الفطرة فالتقديم في النفقة يكون هكذا وأما في الفطرة فلا بد
стр. 285
من دليل يدل على الوجوب ولا دليل الا في العبد ولم ينتهض حديث "ممن تمونون" للحجية كما قدمنا.
وأما قوله: "لا لبعض صنف فتسقط" فالمناسب لتفريع المصنف ان تجب عليه الفطرة لمن ملك له قوت عشر من ذلك الصنف وأما جعل ذلك كعدم كمال النصاب فخارج عن البحث لا جامع بينه وبين ما نحن بصدده. وأما قوله ولا تجب على المشتري ونحوه ممن قد لزمته فوجه ذلك ان الوجوب قد ثبت على الأول.
قوله: "وهي صاع من أي قوت".
أقول: قد ذكرت في شرحي للمنتقى ان الاحاديث الواردة بأن الفطرة نصف صاع من الحنطة تنتهض بمجموعها للتخصيص وذكرت الكلام علىما ذكره أبو سعيد فليرجع اليه وقد ذهب إلي ذلك جماعة من الصحابة منهم عثمان وعلي وابو هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وامه اسماء بنت أبي بكر كما حكى ذلك عنهم ابن المنذر قال ابن حجر باسانيد صحيحة.
قوله: "وإنما تجزئ القيمة للعذر".
أقول: هذا صحيح لان ظاهر الاحاديث الواردة بتعيين قدر الفطرة من الاطعمة ان إخراج ذلك مما سماه النبي ﷺ متعين وإذا عرض مانع من إخراج العين كانت القيمة مجزئة لان ذلك هو الذي يمكن من عليه الفطرة ولا يجب عليه مالا يدخل تحت إمكانه.
قوله: "وهي كالزكاة في الولاية والمصرف".
أقول: هذه زكاة خاصة لطهرة الصائم من اللغو والرفث ولإغناء الفقراء في ذلك اليوم فمصرفه الفقراء والولاية في الصرف لمن عليه الفطرة ولم يرد ما يدل على ان الولاية للامام ولا يصح التمسك بعموم ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية والا لزم ان صدقة المتطوع يكون مصرفها الثمانية الاصناف وان الولاية فيها للإمام ولا قائل بذلك.
أما قوله: "فتجزئ واحدة في جماعة والعكس" فذلك صحيح لآن الولاية له فيتحرى في الصرف ما هو الاقرب إلي سد فاقة الفقراء من غير ان يفرقها تفريقا لا ينفع.
قوله: "ويجزئ التعجيل بعد لزوم الشخص".
أقول: جعلها ظهرة للصائم من اللغو والرفث وكذلك التصريح باغناء الفقراء في ذلك اليوم وكذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر ان النبي ﷺ أمر بزكاة الفطر ان تؤدى قبل خروج الناس إلي الصلاة يدل على ان وقتها يوم الفطر قبل الخروج إلي صلاة العيد ولكنه روى البخاري وغيره من حديث ابن عمر انهم كانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين فيقتصر على هذا القدر في التعجيل وقد حكى الامام يحيى إجماع السلف على جواز التعجيل فيحمل هذا الاجماع على
стр. 286
هذا القدر من التعجيل وهو يستفاد من حديث: "من أداها قبل الصلاة فهي صدقة مقبولة" فإن المراد القبلية القريبة لا القبلية البعيدة التي تنافي حديث: "إنها طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين". [أبو دأود "١٦٠٩"، ابن ماجة "١٨٢٧".
وأما قوله: "وتسقط عن المكاتب" فصحيح لانه قد صار متصفا بصفة هي متوسطة بين الحر والعبد فلم يكن حرا خالصا ولا عبدا خالصا ولم يرد النص الا في فطرة العبد كما تقدم.
وأما قوله: "والمنفق عليه من بيت المال" فلا وجه للسقوط بل هو كغيره من المسلمين إن وجد زيادة على كفاية يومه أخرجها وان لم يجد الزيادة فلا فطرة عليه ولا تأثير لكونه منفقا عليه من بيت المال.
وأما ما ذكره من سقوطها عن الزوجة باخراجها عن نفسها وبنشوزها فقد عرفت ان فطرتها واجبة عليها لاعلى زوجها.
وأما قوله: "والعزل حيث لا مستحق" فذلك غاية ما يقدر عليه مع عدم المصرف.
قوله: "وندب التبكير"
أقول: ان أراد بالتبكير انها تجزئ قبل الخروج إلي الصلاة فذلك واجب ولا تكون فطرة الا إذا أخرجها في ذلك الوقت كما تقدم وان أراد الزيادة في التبكير حتى يكون إخراجها مثلا بعد فجر يوم الفطر فلا دليل على ذلك.
قوله: "وندب الترتيب بين الافطار والاخراج والصلاة".
أقول: الوارد عنه ﷺ أخراج الفطرة قبل الخروج إلي الصلاة وتنأول شيء يفطر به قبل الخروج إلي الصلاة فإذا فعل ذلك فعل المشروع سواء قدم الافطار على اخراج الفطرة أو اخره عليه.
стр. 287
كتاب الخمس
[فصل
يجب على كل غانم في ثلاثة الأول صيد البر والبحر وما استخرج منهما أو اخذ من ظاهرهما كمعدن وكنز ليس لقطة ودرة وعنبر ومسك ونحل وحطب وحشيش لم يغرسا ولو من ملكه أو ملك الغير وعسل مباح.
стр. 288
الثاني: ما يغنم في الحرب ولو غير منقول ان قسم الا مأكولا له ولدابته لم يقبض منه ولا تعدى كفايتهما أيام الحرب.
الثالث: الخراج والمعاملة وما يؤخذ من أهل الذمة] .
قوله: "كتاب الخمس يجب على كل غانم في ثلاثة الأول صيد البر والبحر".
أقول: اعلم ان هذه الشريعة المطهرة وردت بعصمة اموال العباد وانه لايحل شيء منها الا بطيبة من انفسهم وان خلاف ذلك من أكل اموال الناس بالباطل وقد ثبت في الكتاب والسنة ان الله سبحانه احل لعباده صيد البر والبحر فما صادوه منهما فهو حلال لهم داخل في املاكهم كسائر ما احل الله لهم فمن زعم ان عليهم في هذا الصيد الحلال خمسة أو اقل أو اكثر لم يقبل منه ذلك الا بدليل يصلح لتخصيص الادلة القاضية بعصمة اموال الناس وينقل عن الاصل المعلوم بالضرورة الشرعية ولم يكن ها هنا دليل قط بل ايجاب ذلك سببه توهم دخول الصيد تحت عموم قوله تعالي: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] ، وهو توهم فاسد وتخيل مختل.
قوله: "وما استخرج منهما أو اخذ من ظاهرهما كمعدن".
أقول: قد ثبت حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما ان النبي ﷺ قال: "العجماء جرحها جبار والبئر جبار وفي الركاز الخمس" وهو يدل على وجوب الخمس في الركاز ولكنه اختلف في تفسير الركاز فقال مالك والشافعي انه دفن الجأهلية وقال أبو حنيفة والثوري وغيرهما ان المعدن ركاز وخصص الشافعي الركاز بالذهب والفضة وقال الجمهور لا يختص الركاز بهما واختاره ابن المنذر وهذا مبحث لغوي يرجع فيه إلي تفسيره عند أهل اللغة لانه لم تثبت فيه حقيقة شرعية فقال في الصحاح والركاز دفن الجأهلية كأنه ركز في الارض ركزا انتهى فهذا يقتضي انه خاص بدفن الجأهلية وأما صاحب القاموس فقال في الركاز ما ركزه الله تعالي في المعادن أي احدثه ودفين أهل الجأهلية وقطع الفضة والذهب من المعدن انتهى.
وظاهر هذا ان ما خلقه الله في المعادن فهو ركاز وان كان من غير الذهب والفضة وان ما يوجد في معادن الذهب والفضة من قطع الذهب والفضة ركاز.
وقال صاحب النهاية ان الركاز عند أهل الحجاز كنوز الجأهلية المدفونة في الارض وعند أهل العراق المعادن والقولان تحتملهما اللغة لان كلا منهما مركوز في الارض أي ثابت ثم قال والحديث إنما جاء في التفسير الأول وهو الكنز الجأهلي انتهى.
فهذا تصريح منه بأن الحديث إنما ورد في الكنز الجأهلي وقد اتفق عليه أهل اللغة ويقصر عليه لانه مدلول الحديث ببقين وما عداه فهو محتمل فلا يحمل الحديث عليه وان كان له مدخل في الاشتقاق فلا يجب الخمس الا في دفين الجأهلية ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو دأود والنسائي والحاكم والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رسول الله ﷺ قال لرجل في كنز وجده في خربة: "إن وجدته في خربة جأهلية أو قرية
стр. 289
غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس وان وجدته في قرية مسكونة أو طريق ميتاء فعرفه".
وإذا تقرر لك هذا الحديث عرفت انه لا وجه لايجاب الخمس فيما استخرج من البحر من الجواهر ونحوها ولا فيما استخرج من الارض من المعادن ونحوها بل في الكنز الذي هو من كنز الجأهلية فقط وعلى تقدير ان الركاز يتنأول زيادة على دفين الجأهلية وسلمنا الاحتجاج بالمحتمل فلا يشمل زيادة على معدن الذهب والفضة.
وبهذا يتضح لك انه لا خمس فيما ذكره المصنف من الدرة والعنبر والمسك والنحل والحطب والحشيش والعسل.
قوله: "والثاني ما يغنم في الحرب".
أقول: هذا أمر متفق عليه كما حكاه القرطبي قال اتفقوا على ان المراد بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] . مال الكفار إذا ظفر بهم المسلمون وقد حكى هذا الاجماع غيره من أهل العلم والادلة من الكتاب والسنة فيه أوضح من كل واضح واجلى من كل جلي وأما حرب بغاة السملمين فقد وردت الادلة الصحيحة بعصمة اموالهم بكلمة الإسلام والقيام بأركانه فلا يحل من اموالهم الا ما دل الدليل الناقل عن تلك العصمة عليه فمن جاء به صافيا عن شوب الكدر فبها ونعمت ومن عجز عن ذلك وقف حيث أوقفه الله وكف يده ولسانه وقلمه عن الكلام فيما ليس من شأنه ولا اذن الله له به.
ولا فرق في المغنوم من الكفار بين الاراضي وغيرها وأما استثناء المأكول فلا بد فيه من دليل يصلح لاخراجه من عموم الغنائم ولا يصلح لذلك ما روى انهم كانوا يأكلون ما يكفيهم من طعام ونحوه لاحتمال ان يكون ذلك بعدالقسمة أو انه محسوب عليهم من نصيبهم من الغنيمة وفي حديث الجراب الشحم المغنوم في خيبر ما يرشد إلي ما ذكرناه وهو ثابت في الصحيح [البخاري "٧/٤٨١"، مسلم "٧٢/١٧٧٢"] .
قوله: "الثالث الخراج والمعاملة وما يؤخذ من أهل الذمة".
أقول: أما الخراج والمعاملة فأرضهما هي من الارض المغنومة من الكفار وفيها الخمس لانها المغنومة وأما ما يؤخذ منها من خراج أو معاملة فأمر وراء الغنيمة لان تلك الارض بعد تخميسها أما ان تقسم على السملمين ولكل واحد منهم ان يدعها في يد أهلها على خراج يؤدونه أو معاملة وذلك هو فائدة ارضه التي دخلت في ملكه كما يدخل في ملكه بالشراء والميراث وله ان يدعها في يد أهلها ويتصرف بها بما شاء من بيع أو غيره.
وأما إذا لم تقسم تلك الارض ورضى الغانمون بأن يشتركوا فيما حصل من غلتها فليس عليهم في ذلك خمس لان الخمس قد وجب في أصل الارض.
وأما الجزية وسائر ما يؤخذ من أهل الذمة فعدم الخمس فيها معلوم لانها موضوعة على أهل الذمة إلي مقابل تأمينهم وعصمة اموالهم ودمائهم وليست من الغنيمة التي تغنم في الحرب.
والحاصل ان ايجاب الخمس في هذه الثلاثة الأنواع لم يكن لدليل ولا لرأي مستقيم.
стр. 290
وإذا تقرر لك هذا عرفت انه لا يجب الخمس الا في الغنيمة من الكفار وفي الركاز وما عدا ذلك فليس الا مجرد دعأوى لا برهان عليها من معقول ولا منقول.
[فصل
ومصرفه من في الآية فسهم الله للمصالح وسهم الرسول للامام ان كان والا فمع سهم الله وأولو القربى هم الهاشميون المحقون وهم فيه بالسوية ذكرا وانثى غنيا وفقيرا ويخصص ان انحصروا والا ففي الجنس وبقية الاصناف منهم ثم من المهاجرين ثم من الانصار ثم من سائر المسلمين وتجب النية ومن العين الا لمانع وفي غير المنفق] .
قوله: "فصل ومصرفه من في الآية فسهم الله للمصالح وسهم الرسول للامام".
أقول: قد ذكرت في تفسيري الذي سميته فتح القدير في هذا ستة مذاهب للسلف واحسن الاقوال واقربها إلي الصواب ان سهم الله سبحانه موكول إلي نظر الامام فيصرفه في الامور التي هي شعائر الدين ومصالح المسلمين.
وأما سهم الرسول فلا شك انه للإمام لورود الادلة الدالة على ان ما جعله الله لرسوله فهو لمن يلي امور المسلمين بعده وعليه ان يضع ذلك في مواضعه ولهذا يقول رسول الله ﷺ : "ما لي مما أفاء الله عليكم الا الخمس والخمس مردود عليكم"، وإذا لم يوجد الامام كان لمن صلح من الملمين ان يضعه في مواضعه.
قوله: "أولو القربى هم الهاشميون المحقون".
أقول: قداختلف السلف في ذلك فقيل هم قريش كلها وقيل هم بنو هاشم وبنو المطلب وقيل هم بنو هاشم خاصة والحق ان بني المطلب لهم نصيب من الخمس فقد ثبت في الصحيح ان النبي ﷺ اعطاهم منه معللا ذلك بقوله: "إنما نحن وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه" فدل ذلك على ان لهم في سهم ذوى القربى كما لبني هاشم في ذلك.
وأما كونه يستوى في ذلك الذكر والأنثى والغني والفقير فينبغي تفويض ذلك إلي نظر الامام العادل الذي يقسم بالسوية ويعمل بما ثبت في الشرع ويؤثره على غيره.
قوله: "وبقية الاصناف منهم".
أقول: هذه دعوى مجردة وتقييدالقرآن الكريم بمجرد الرأي الذي لا دليل عليه والحق ان لليتامى على العموم سهم من الخمس وكذلك للمساكين وابناء السبيل فالقول بأن هذه الثلاثة الاسهم تصرف في سهم ذوي القربى بعيد من الحق بعدا شديدا ومخالف للنصوص القرآنية مخالفة بينة.
стр. 291
وأما قوله: "ثم من المهاجرين ثم من الانصار ثم من سائر المسلمين" فليس لهذا الترتيب وجه بل يستحق يتامى المهاجرين والانصار وابناء سبيلهم من هذه الثلاثة السهوم نصيبهم ولا تكون مرتبتهم مسقطة لمن كان من أهل هذه الثلاثة السهوم من غيرهم فهذا شيء قد تولى الله سبحانه قسمته في كتابه فليس لنا ان نقول بالرأي وتقييد كلامه سبحانه بمجرد الخيال ولم يثبت عن رسول الله ﷺ في هذا شيء حتى يقال انه مقيد للكتاب أو مخصص له.
قوله: "وتجب النية".
أقول: قد قدمنا غير مرة ان الاحاديث المصرحة بأن "الاعمال بالنيات" وبأنه "لا عمل إلا بنية" تدل على وجوب النية في كل عمل وقول ولا سيما الاقوال والافعال التي هي قرب فلا يحتاج إلي الاستدلال على ذلك في كل باب من الابواب والامر أوضح من ان يحتاج إلي تطويل الاستدلال.
وأما كون الخمس يجب من العين فذلك ظاهر لقوله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ، فأوجب الخمس في المغنوم وذلك ينصرف إلي عينه فلا يجزئ غيرها الا بدليل.
وأما كون الصرف يكون في غير المنفق فقد تقدم في الزكاة ما يفيد في مصرف الخمس فارجع اليه.
[فصل
والخراج ما ضرب على ارض افتتحها الامام وتركها في يد أهلها على تأديته والمعاملة على نصيب من غلتها ولهم في الارض كل تصرف ولا يزد الامام على ما وضعه السلف وله النقص فإن التبس فالأقل مما على مثلها في ناحيتها فإن لم يكن فما شاء وهو بالخيار فيما لا يحول بين الوجوه الاربعة] .
قوله: فصل: "والخراج" الخ.
أقول: هذا البيان لماهية الخراج والمعاملة صحيح.
وأما قوله: "ولهم في الأرض كل تصرف" فلا يدرى ما سببه ولا ما هو الامر الذي يقتضيه فإنها قد خرجت عن ملكيتهم باغتنام المسلمين لها فلا يقتضي ابقاؤهم عليها خراجا أو معاملة عودها إلي ملكهم اصلا فكيف يصح لهم فيها كل تصرف ومن اين جاز لهم ذلك فإن هذا لا تقتضيه القواعدالفقهية مع كون الادلة ترده فإن النبي ﷺ قال لأهل خيبر بعد أن صالحهم على أن لهم الشطر من ثمارها: "نقركم على ذلك ما شئنا"، وهو في الصحيحين [البخاري "٥/٢١"، مسلم "٦/١٥٥١"] ، وغيرهما [أبو دأود "٣٠٠٨"] .
стр. 292
قوله: "ولا يزد الامام على ما وضعه السلف".
أقول: الامام العادل الناظر في مصالح المسلمين له ان يفعل ما فيه مصلحة لهم على وجه لا يضر بالعاملين في الارض ولا يكون وضع من قبله ما نعاله من الزيادة التي تقتضيها المصلحة كما انه لا يكون ما نعاله له من النقصان الذي تقتضيه المصلحة فله رأيه ونظره المطابق لمراد الله سبحانه وإذا اقتضى نظره نزع الارض من ايديهم نزعها وإذا اقتضى نظره وضعها في يد قوم آخرين فعل فقول المصنف ولا يزد الامام على ما وضعه السلف لا وجه له ولا دليل عليه الا مجرد ايجاب تقليدالاخر للأول وإهمال النظر في المصالح والمفاسد التي تختلف باختلاف الزمان والمكان والاشخاص.
وهذا هو في الاراضي المنتزعة من ايدي الكفار بالجهاد الذي أوجبه الله على المسلمين وأما ما صار يتمسك به بعض المقصرين المروجين للشبه المرخصين في الاموال المعصومة من ان حكم الارض المنتزعة من ايدي البغاة مثل حكم الارض المغنومة من الكفار فهذا كلام ليس من الشرع في شيء بل من التشهي والحكم بالهوى والتلاعب بالدين.
وأما ما صارت الطوائف الإسلامية تترامى به من تكفير التأويل فتلك فاقرة من فواقر الدين لا ترجع إلي أصل ولا تنبنى على عقل ولا نقل لا يغتر بمثلها الا جأهل ومتعصب وكلاهما لا يستحق الكلام معه وسيأتي لهذا مزيد تحقيق عند الكلام على قوله وكل ارض اسلم أهلها.
قوله: "وهو بالخيار فيما لا يحول بين الوجوه الاربعة".
أقول: قد قدمنا ان له ان يعمل بما فيه مصلحة عائدة على المسلمين جارية على منهج لدين فإذا رأى المصلحة في وجه غير الوجوه الاربعة وذلك كأن يقتضي نظره ان يبيعها من أهللها أو من غيرهم عندالظفر بها ويقسم الغنيمة على الغانمين فعل ذلك وهكذا إذا اقتضى نظره تخريب الدور وتغيير رسوم الاموال وقطع الاشجار وتغوير الانهار فعل ذلك لانه ربما يغلب على الظن ان أهلها يغلبون عليها وينتزعونها من ايدي المسلمين كما يقع مثل ذلك كثيرا بين المسلمين والكفار تارة يغلب هؤلاء وتارة يغلب هؤلاء وهكذا إذا اقتضى نظره ان يخص بها بعض الغانمين دون بعض فعل إذا كان في ذلك مصلحة وقد فعله رسول الله ﷺ في ارض بني النضير فإنه خص بها المهاجرين لما لم تكن لهم اموال يعيشون بها.
[فصل
ولا يؤخذ خراج ارض حتى تدرك غلتها ويسلم الغالب ولا يسقطه الموت والفوت وبيعها إلي مسلم واسلام من هي في يده وان عشرا ولا يترك الزرع تفريطا] .
قوله: فصل: "ولا يؤخذ خراج ارض حتى يدرك غلتها".
стр. 293
أقول: وجه هذه انه لو اخذ الخراج قبل ذلك وذهبت غلة الارض بجائحة كان في الاخذ ظلم على العاملين في الارض الا ان يكون بينهم وبين من إليه الخراج مواطأة على ان ذلك الخراج يسلم في كل عام أو في وقت حصول الغلة سواء زرعت الارض ام لا ادركت غلتها ام لا فإن ذلك يصير كالاجارة لنفس الارض وقدا ختاروا لأنفسهم ذلك ورضوا به والا فقد ثبت الامر بوضع الخراج وهو عام.
وأما قوله: "ولا يسقط بالموت والفوت" فالأمر كذلك لأن الارض باقية والوضع عليها لا على الاشخاص.
وهكذا بيعها إلي مسلم واسلام من هي في يده.
وأما قوله: "ويترك الزرع تفريطا" فمبنى على ما قدمنا من التراضي وأما مع عدم ذلك فاخذ الخراج من ارض لم تزرع ظلم لا يحل للإمام والمسلمين فعله.
وحكم المعاملة حكم الخراج وإنما ترك المصنف ذكر ذلك لكون المعاملة هي على نصيب من الغلة كما سبق فإذا لم تدرك الغلة وذهبت بجائحة لم يجز للامام ولا لغيره من المسلمين ان يأخذوا منهم الا بقدر ما سلم فقط.
[فصل
والثالث أنواع:
الأول الجزية وهي ما يؤخذ من رءوس أهل الذمة وهو من الفقير اثنا عشرة قفلة ومن الغني وهو من يملك الف دينار وثلاثة آلاف دينار عروضا ويركب الخيل ويتختم الذهب ثمان واربعون ومن المتوسط اربع وعشرين وإنما تؤخذ ممن يجوز قتله وقبل تمام الحول.
الثاني: نصف عشر ما يتجرون به نصابا منتقلين بأماننا بريدا.
الثالث: الصلح ومنه ما يؤخذ من بني تغلب وهو ضعف ما على المسلمين من النصاب.
الرابع: ما يؤخذ من تاجر حربي آمناه وإنما يأخذ إن اخذوا من تجارنا وحسب ما يأخذون فإن التبس أولا تبلغهم تجارنا فالعشر ويسقط الأول بالموت والفوت وكلها بالإسلام] .
قوله: فصل: "والثالث أنواع الأول الجزية" الخ.
стр. 294
أقول: قد قدمنا انه لا خمس في خراج ولا معاملة ولا ما يؤخذ من أهل الذمة وأما الفرق بين الغني والفقير والمتوسط وتفسير كل واحد منهم بهذه التفاسير فليس لذلك أصل يرجع اليه ولاله دليل يعتمد عليه وقد بين النبي ﷺ للناس ما نزل اليهم من قوله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] ، فامر معاذ بن جبل ان يأخذ من كل حالم دينارا.
أخرجه أحمد ["٥/٢٣٠"] وابو دأود ["١٥٧٦", "١٥٧٧", "١٥٧٨"] والترمذي ["٦٢٣"] والنسائي ["٥/٢٦"] وابن حبان والحاكم وصححاه وإذا نظر الامام لمصلحة راجعة إلي الدين وأهله ان يزيد شيئا من غير ظلم أو ينقص شيئا فعل.
وأخرج البخاري ["٦/٢٥٧"] عن ابن أبي نجيح قال قلت لمجاهد ما شان أهل الشام عليهم اربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار قال جعل ذلك من قبيل اليسار.
وأما كونها لا تؤخذ الا ممن يجوز قتله فلأمره ﷺ لمعاذ ان يأخذها من كل حالم.
قوله: "الثاني نصف عشر ما يتجرون به" الخ.
أقول: لم يات في الكتاب العزيز الا الجزية ولا ثبت عن النبي ﷺ انه ضرب على اموال أهل الذمة شيئا ولا وجه للاستدلال بما وقع من بعض الصحابة فإن ذلك لا تقوم به الحجة لا سيما في مثل اموال المعاهدين الذين وردت السنة المطهرة بأن ظالمهم "لا يرح رائحة الجنة" [أحمد "٥/٤٦، ٥/٥٠"، أبو دأود "٢٧٦٠"، النسائي "٨/٢٤"] .
فالحاصل انه لا يجب عليهم شيء سوى الجزية وهي مأخوذة لحقن الدماء وليس في أموالهم شيء فإن الله سبحانه إنما فرض الزكاة والفطرة في أموال المسلمين تطهرة لهم كما قال سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ، ولا تطهرة للكفار فهذه المسألة مبنية على غير أساس لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس.
قوله: "الثالث الصلح ومنه ما يؤخذ من بني تغلب".
أقول: ما وقع منه ﷺ من مصالحة أهل البحرين وكانوا مجوسا كما ثبت في الصحيحين [البخاري "٦/٢٥٧-٢٥٨", مسلم "٦/٢٩٦١"] وكذلك مصالحته لأكيدر دومة [أبو داود "٣٠٣٧"] وكذلك مصالحته لأهل نجران وكل ذلك جزية صالحهم على مقدارها بما روى عنه في ذلك وليس ذلك مالا آخر غير الجزية وفي ذلك دليل على ان للإمام ان يصالح عن الجزية بما فيه مصلحة.
قوله: "الرابع ما يؤخذ من تاجر حربي امناه".
أقول: هذا الذي يؤخذ من تجار أهل الحرب هو أيضا جزية لانه مأخوذ في مقابلة تأمينهم في بلاد السملمين وحقن دمائهم وليس ذلك شيئا آخر غير الجزية وللإمام ان يأذن لتجار أهل الحرب ان يدخلوا بتجارتهم إلي ارض المسلمين إذا كان في ذلك مصلحة.
وأما كونه يؤخذ منهم بقدر ما ياخذون من تجارنا إن اخذوا وإلا فلا فهذا أيضا مما لنظر الائمة فيه مدخلا لأن الاخذ منهم مع كون أهل الحرب لا يأخذون من تجار المسلمين يؤدى إلي إنزال الضرر بتجار المسلمين.
стр. 295
والحاصل ان الامام المتبصر العارف بموارد هذه الشريعة ومصادرها لا يخفى عليه ما فيه المصلحة أو المفسدة فله نظره المطابق للصواب العائد على المسلمين بجلب المصالح ودفع المفاسد.
قوله: "ويسقط الأول بالموت والفوت".
أقول: لا وجه لهذا السقوط لانه دين قد ثبت للمسلمين بذمة الذمي الذي مات أو فات فلا يسقطه الا مسقط شرعي وقد وفى المسلمون له بالامان فاستحقوا ما جعلوه عليه في مقابلته لا شك في ذلك.
وأما سقوط الجميع بالإسلام فذلك أمر ظاهر لا يحتاج إلي ذكره لان ذلك المأخوذ إنما كان لكونهم كفارا وقد صاروا مسلمين فلم يبق الموجب للأخذ والإسلام يجب ما قبله.
[فصل
وولاية جميع ذلك إلي الامام وتؤخذ هذه مع عدمه ومصرف الثلاثة المصالح ولو غنيا وعلويا وبلديا وكل ارض اسلم أهلها طوعا أو احياها مسلم فعشرية ويسقط بأن يملكها ذمي أو يستأجرها ويكرهان وينعقدان في الاصح وما اجلى عنها أهلها بلا إيجاف فملك للإمام وتورث عنه] .
قوله: فصل: "وولاية جميع ذلك إلي الامام".
أقول: قد كان أمر هذه الامور إلي رسول الله ﷺ ثم صار إلي الخلفاء الراشدين من بعده فأفاد ذلك ان امرها إلي الائمة ولا يحتاج إلي الاستدلال بزيادة على هذا.
وأما كونها تؤخذ مع عدمه فذلك أمر واضح لانها واجبات شرعية يجب على المسلمين صرفها في مصارفها فإن لم يوجد الامام كان امرها إلي من له نهضة بالقيام بأمور المسلمين كائنا من كان.
وأما قوله: "ومصرف الثلاثة المصالح" الخ فلا يخفى انها كانت معروفة في زمن النبوة وفي أيام الخلفاء الراشدين إلي مصارف معروفة فينبغي للإمام ان يتحرى ذلك ويضعها في مثل تلك المصارف بحسب ما يبلغ اليه إجتهادة ويدخل تحت قدرته وطالب الحق لا يخفي عليه وجهه وقد تركنا رسول الله ﷺ على الواضحة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها الا جاحد هكذا قال رسول الله ﷺ فيما صح عنه ثم قال عقيبه: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الهادين عضوا عليها بالنواجذ"، [أحمد "٤/١٢٦/١٢٧"، الترمذي "٢٦٧٦"، ابن ماجة "٤٣، ٤٤"] .
قوله: "وكل ارض اسلم أهلها أو احياها مسلم فعشرية".
أقول: هذا هو من الوضوح بمكان يستغنى عن تدوينه فإن اراضي أهل الإسلام معصومة
стр. 296
بعصمة الإسلام لا يجب فيها الا ما أوجبه الله من الزكاة ومن زعم في ارض منها انها قد صارت إلي صفة غير هذه الصفة فقد خالف ما هو معلوم من الضرورة الدينية ولا يكون الا أحد رجلين أما جأهل لا يدري ما يقول أو متلاعب بالدين لأغراض نفسانية ومقاصد دنيوية كما قدمنا قريبا.
واحق ارض الله سبحانه بإجراء الأحكام الإسلامية عليها ارض اليمن لما صح عنه ﷺ من قوله: "الايمان يمان" وقد صح انهم اسلموا طوعا بغير قتال عند بلوغ البعثة النبوية اليهم فهم احق العالم بما ذكرناه وارضهم احق الارض بذلك.
وأما ما تجدد من الدعأوي الفاسدة والشبه الداحضة من تكفير بعض طوائف الإسلام لبعض فذلك لا يرجع إلي دليل من عقل ولا نقل بل مجرد شهوة شيطانية اثارتها العصبية الجأهلية فإياك ان تغتر بشيء منها فإنها حديث خرافة وقد سمى النبي ﷺ الخراج جزية كما في حديث أبي الدرداء عند أبي دأود مرفوعا: "من اخذ أرضا بجزيتها فقد استقال هجرته" فهذا الوعيد ورد فيمن استأجر ارض الخراج وهو مسلم فكيف يحل لملسلم ان يحكم على السملمين بأن أرضهم خراجية وانهم يسلمون الخراج الذي سماه رسول الله ﷺ جزية وهل يجترئ على ما دون هذا من يؤمن بالله واليوم الاخر.
وأخرج أبو دأود من حديث حرب بن عبيد الله: "إنما الخراج على اليهود والنصارى وليس على المسلم خراج".
وأخرج أبو دأود والترمذي من حديث ابن عباس مرفوعا: "ليس على مسلم جزية" أي خراج.
قوله: "ويسقط بأن يملكها ذمي أو يستاجرها"
أقول: هذا أيضا أوضح من شمس النهار ولا يحتاج إلي تدوينه في كتب الفقه فإن الزكاة إنما فرضها الله سبحانه على المسلمين لا على الكافرين ومن عجائب الزمن انه قد وقع في زمننا هذا المطالبة لليهود بزكاة ما يملكونه من الارض من كثير من المغفلين الذين لا يعرفون الشرائع فما كان المصنف ﵀ الا كشف له عما يأتي به الزمان من الغرائب فنص على هذا الامر الواضح الجلي في كتابه هذا.
وأما القول بالكراهة لتملك الذمي للأرض العشرية واستئجاره لها فراجع إلي الخلاف في ان أهل الذمة هل يجوز لهم ان يتملكوا شيئا من الاراضي الإسلامية ام لا فمن منع من ذلك لم يجعله مكروها فقط بل يجزم بمنعه وعدم تقرير أهل الذمة عليه ومن جوزه فلا وجه لجعله مكروها.
قوله: "وما اجلى عنها أهلها بلا إيجاف فملك للإمام وتورث عنه".
أقول: هذا مخالف لما في كتاب الله قال الله سبحانه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أهل الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الحشر: ٧] ، إلي قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] ، ثم عطف عليه ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] ، ثم قال ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا
стр. 297
مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الحشر: ١٠] ، فهذه مصارف ما افاء الله على رسوله من أهل القرى فما معنى قوله: فملك للإمام وتورث عنه مع ان المصنف وغيره استدلوا على هذا الذي ذكروه بقوله سبحانه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] ، فكيف قصروا الآية على مصرف من المصارف التي ذكرها الله ؟
стр. 298
كتاب الصيام
مدخل
...
كتاب الصيام
هو أنواع منها سيأتي ومنها رمضان.
[فصل
ويجب على كل مكلف مسلم الصوم ٤ والافطار لرؤية الهلال وتواترها ومضى الثلاثين وبقول مفت عرف مذهبه صح عندي قيل جوازا ويكفي خبر عدلين قيل أو عدلتين عن ايها ولو مفترقين وليتكتم من انفرد بالرؤية ويستحب صوم يوم الشك بالشرط فإن انكشف منه امسك وان قد افطر.
ويجب تجديد النية لكل يوم ووقتها من الغروب إلي بقية من النهار الا في القضاء والنذر المطلق والكفارات فتبيت. ووقت الصوم الفجر إلي الغروب ويسقط الأداء عمن التبس شهره أو ليله بنهاره فإن ميز صام بالتحري.
وندب التبييت والشرط وإنما يعتد بما انكشف منه أو بعده مما له صومه أو التبس والا فلا ويجب التحري في الغروب.
وندب في الفجر وتوقي مظان الافطار والشاك بحكم الاصل وتكره الحجامة والوصل ويحرم تبييته]
قوله: "يجب على كل مكلف الصوم والافطار لرؤية الهلال وتواترها ومضى الثلاثين".
أقول: وجوب الصيام عند حصول أحد هذه الثلاثة الاسباب معلوم بالضرورة الدينية وإجماع المسلمين والاحاديث الواردة في ذلك مصرحة بهذا مثل حديث [البخاري "٤/١١٩"، مسلم "١٩/١٠٨"، أحمد "٢/٤١٥"، النسائي "٤/٧٣٣"، "صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غم عليكم
стр. 299
فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما". ومثل حديث [البخاري "٤/١١٣"، مسلم "٨/١٠٨"، أحمد "٢/١٤٥"، النشائي "٤/١٣٤"، ابن ماجة "١٦٥٤"، "إذا رأيتم الهلال فصوموا فإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما".
والاحاديث في هذا الباب كثيرة صحيحة.
قوله: "وبقول مفت عرف مذهبه صح عندي"
أقول: وجه هذا ان صدور مثل هذا القول من المفتي الذي يعقل حجج الله ويعرف ما تقوم به الحجة على العباد في الصوم والافطار يدل على انه قد صح عنده مستند شرعي من المستندات المعتبرة فكأنه اخبر بوجود ذلك المستند وصحته فكلامه دليل على نفس السبب الشرعي وان لم يكن سببا شرعيا.
هذا إذا كان بالمنزلة التي ذكرناها ولا يكون الا مجتهدا لأن المقلد لا يعقل الحجة ولا يدري ما هو الذي يصلح للاستناد اليه والعمل به وأما إذا لم يكتف المفتي بهذه العبارة وهي قوله: "صح عندي" بل ذكر السبب الذي قامت به لديه الحجة من شهادة شهود عدول أو كمال عدة انه قد صح عنده وجود ذلك السبب وقيام الحجة فالعمل بهذا اقرب من العمل بمجرد إطلاق الصحة بدون ذكر المستند.
قوله: "ويكفى خبر عدلين قيل أو عدلتين"
أقول: يدل على اعتبار العدلين ما أخرجه أحمد والنسائي بإسناد لا بأس به عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب انه خطب في اليوم الذي شك فيه فقال الا اني جالست اصحاب رسول الله ﷺ وسائلتهم وانهم حدثوني ان رسول الله ﷺ قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين يوما فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا".
وأخرج أبو دأود ["٢٣٣٨"] والدارقطني وصححه عن امير مكة الحارث بن حاطب قال عهد الينا رسول الله ﷺ ان ننسك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما ورجاله رجال الصحيح الا الحسين بن الحارث الجدلي وهو صدوق.
وأخرج أحمد ["٩/٢٥٦"، وابو دأود "٢٣٣٩"] ، عن ربعي بن حراش عن رجل من اصحاب النبي ﷺ قال اختلف الناس في آخر يوم من رمضان فقدم اعرأبيان فشهدا عند النبي ﷺ بالله لأهل الهلال امس عشية فأمر رسول الله ﷺ الناس ان يفطروا ورجاله رجال الصحيح.
وأخرج أحمد وابو دأود والنسائي وابن ماجه وصححه ابن المنذر وابن السكن وابن حزم عن عبيد الله بن عمير بن أنس ان ركبا جاءوا إلي النبي ﷺ وسلم فشهدوا انهم رأوا الهلال بالامس فأمرهم ان يفطروا وإذا اصبحوا ان يغدوا إلي مصلاهم.
وورد ما يدل على الاكتفاء بشهادة الواحد فأخرج أبو دأود والدرامي والدارقطني وابن حبان والحاكم وصححاه والبيهقي وصححه أيضا عن ابن عمر قال تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول ﷺ اني رأيه فصام وأمر الناس بصيامه.
стр. 300
وأخرج أهل السنن [أبو دأود"٢٣٤٠"، النسائي "٢١١٣"، الترمذي "٦٩١"، ابن ماجة "١٦٥٢"] ، وابن حبان والدارقطني والبيهقي والحاكم عن ابن عباس قال جاء اعرأبي إلي النبي ﷺ فقال إني رأيت الهلال يعني رمضان فقال: "أتشهد ان لاإله الا الله؟ " قال: نعم, قال: "أتشهد ان محمدا رسول الله؟ " قال: نعم, قال: "يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا".
ولا يخفاك ان مادل على اعتبار الشاهدين يدل على عدم العمل بالشاهد الواحد بمفهوم العدد وما دل على صحة شهادة الواحد والعمل بها يدل بمنطوقه على العمل بشهادة الواحد ودلالة المنطقوق أرجح من دلالة المفهوم.
وأما قوله: "عن أيها" فقد قدمنا الكلام على قول المفتي صح عندي.
وأما قوله: "ولو مفترقين" فذلك صحيح فلا خلاف انه لا يعتبر ان يراه الشاهدان مجتمعين.
قوله: "وليتكتم من انفرد بالرؤية".
أقول: قد قدمنا وجوب العمل بخبر الواحد وأن ذلك يلزم جميع المسلمين إذا كان عدلا مقبول الشهادة فهذا الذي انفرد بالرؤية قد حصل له العلم اليقين المستند إلي حاسة البصر فلا وجه لتكتمه بالصوم ولا بالافطار بل عليه التظهر بذلك وإعلام الناس بأنه رآه فمن عمل بذلك عمل ومن ترك ترك وأما الاستدلال على هذا التكتم بحديث: "صومكم يوم يصوم الناس وفطركم يوم يفطر الناس" فمن الاستدلال بما لا مدخل له في المقام فإن ذلك إنما هو ارشاد إلي ان يكون الاقل من الناس مع السواد الاعظم ولا يخالفونهم إذا وقع الخلاف لشبهة من الشبه وأما بعد رؤية العدل فقد اسفر الصبح لذي عينين ولم يبق ما يوجب على الرائي ان يقلد غيره أو يعمل بغير ما عنده من اليقين.
قوله: "ويستحب صوم يوم الشك بالشرط"
أقول: الوارد في هذه الشريعة المطهرة ان الصوم يكون للرؤية أو لكمال العدة ثم زاد الشارع هذا بيانا وأيضاحا فقال: "فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما" فهذا بمجردة يدل على المنع من صوم يوم الشك فكيف وقدا انضم إلي ذلك ما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما من نهية ﷺ لامته عن ان يتقدموا رمضان بيوم أو يومين فإذا لم يكن هذا نهيا عن صوم يوم الشك فلسنا ممن يفهم كلام العرب ولا ممن يدري بواضحه فضلا عن غامضه ثم انضم إلي ذلك حديث عمار بلفظ: "من صام يوم الشك فقد عصى ابا القاسم".
أخرجه أهل السنن [أبو دأود "٢٣٣٤"، الترمذي "٦٨٦"، النسائي "٤/١٥٣"، ابن ماجة "١٦٤٥"] ، وصححه الترمذي "٣/٧٠"، وهو للبخاري "٤/١١٩" تعليقا وصححه ابن خزيمة وابن حبان قال ابن عبد البر هذا مسند عندهم لا يختلفون فيه.
قوله: "وان انكشف منه امسك وان قد افطر".
стр. 301
أقول: يدل على هذا ما ثبت في الصحيحين [البخاري "٤/٢٤٥"، مسلم "١٣٥/١٣٥"] ، وغيرهما [النسائي "٤/١٩٢"، أحمد "٤/٤٧"] ، من حديث سلمة بن الاكوع والربيع بنت معوذ أن النبي ﷺ أمر رجلا من اسلم ان يؤذن في يوم عاشوراء ان كل من أكل فليمسك ومن لم يأكل فليصم وكان إذ ذاك صيام عاشوراء واجبا فدل هذا على انه إذا انكشف ان اليوم من رمضان امسك من كان قد أكل.
قوله: "ويجب تجديد النية لكل يوم وهو من الغروب إلي بقية من النهار".
أقول: استدل على هذا بما قدمناه من امره ﷺ لمن أكل في يوم عاشوراء فليمسك ومن لم يأكل فليصم وكان ذلك النداء والامر بالصوم في النهار فدل على ان النية تصح في نهار الصوم واستدل الموجبون للتبييت بحديث ابن عمر عند أحمد وأهل السنن عن النبي ﷺ انه قال: "من لم يجمع الصوم قبل الفجر فلا صيام له" وأخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان وصححاه وصححه أيضا الحاكم وليس فيه علة قادحة الا ما قيل من الاختلاف في الرفع والوقف والرفع زيادة وقد صحح المرفوع هؤلاء الاشمة الثلاثة ولا يخفاك ان هذا الحديث عام وانه يدل قوله: "فلا صيام له" على أنه لا يصح صوم من لم يبيت النية فيكون حديث يوم عاشوراء معمولا به فيمن لم ينكشف له ان اليوم من رمضان الا في النهار فلا معارضة بين الحديثين.
وبهذا يتضح لك انه لا وجه لتخصيص القضاء والنذر المطلق والكفارات بوجوب التبييت بل هو واجب في كل صوم الا في تلك الصورة التي ذكرناها وفي صوم التطوع لما ورد انه كان ﷺ يدخل على أهله فيسألهم عن الغداء فإن لم يجده قال: "إني صائم" مع أنه يحتمل أنه كان قد بيت النية وإنما سأل عن الغداء لأنه متطوع والمتطوع امير نفسه.
قوله: "ووقت الصوم من الفجر إلي الغروب".
أقول: ما ذهب اليه القائلون بأن ابتداء الصوم من شروق الشمس ليس عليه دليل قط والاستدلال لهم بمثل حديث: "كلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" لا يطابق المدعى ولا يدل عليه فإن النبي ﷺ عرف الناس بأن بلالا يؤذن بليل ثم علل ذلك بقوله: "ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم"، [البخاري "٢/١٠٣"، مسلم "١٠٩٣"] ، فإذانه كان في بقية من الليل لهذه العلة وكان الفجر الحقيقي هو عند إذان ابن ام مكتوم وكما ورد انه كان لا ينادي حتى يقال له اصبحت اصبحت أي دخلت في وقت الصباح والدخول في وقت الصباح يكون بطلوع الفجر وليس المراد انه كا يؤخر الإذان عن وقت طلوع الفجر بل كان ينتظر من يخبره بطلوع الفجر وكيف يصح الاستدلال لهم بمثل هذه الامور وقد صح انه ﷺ كان يتسحر ثم يخرج إلي صلاة الفجر وكان بين سحوره وصلاته مقدار خمسين آية كما ثبت التقدير بهذا وقد ثبت انه ﷺ كان يصلى صلاة الفجر بغلس وكان آخر الامرين التغليس.
стр. 302
والحاصل ان هذا المذهب هو من جملة المذاهب الساقطة المخالفة لما هو المعلوم من الشريعة.
قوله: "ويسقط الأداء عمن التبس شهره أو ليله بنهاره".
أقول: هذا اللبس يرفع الوجوب عنه لأن تكليفه بالصوم لرمضان مع عدم علمه بأن الشهر شهر رمضان تكليف بما لا يطيقه ولا يدخل تحت وسعه وهكذا تكليفه بصوم وقت لا يدري اهو ليل أو نهار تكليف بصيام وقت لم يتبين انه من نهار رمضان.
ولا شك ان الوجوب مع هذا اللبس منتف وأما وجوب القضاء فذكر المصنف لسقوط الأداء يفيد انه يجب القضاء بعد ذهاب اللبس العارض ولا وجه لايجاب القضاء عليه الا إذا كان سبب اللبس لنوع من أنواع المرض كالأعمى فإنه يدخل تحت قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وأما قوله: "فإن ميز صام بالتحري" فظاهر لأن الخطاب قد توجه اليه بما حصل له من التمييز.
وأما قوله: "وندب التبييت" فقد قدمنا انه واجب ولا وجه لندبيته مع التمييز ولكنه إذا انكشف أنه صام غير رمضان فلا يسقط عنه الوجوب.
وأما إيجاب التحري في الغروب فلكون الاصل بقاء النهار ولكن هذا إذا كان ثم سبب يقتضى التحري كالغيم ونحوه وإلا فوقت المغرب واضح لا يحتاج إلي تحر الا عند من حرمه الله العمل بمشروعية تعجيل الافطار الثابت بالسنة الصحيحة.
وأما كون التحري في الفجر مندوبا فذلك مع عروض ما يقتضي التحري وإلا فهو وسوسة ليست من الشرع في شيء.
وأما قوله: "وندب توقي مظان الافطار فالظاهر" أن اجتناب ما هو مظنة للإفطار واجب لأن البقاء على الصوم واجب والخروج منه حرام والذريعة إلي الحرام حرام.
وأما كون الشاك يحكم بالاصل فذلك صواب فلا ينتقل عنه الا بدليل يصلح للنقل.
قوله: "وتكره الحجامة".
أقول: بمجرد كراهة التنزيه يجمع بين الاحاديث الواردة في ان الحجامة يفطر بها الصائم وبما ورد من الترخيص في ذلك فمن كانت الحجامة تضعفه كانت مكروهة في حقه وقدأخرج البخاري عن ثابت البناني انه قال لأنس اكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله ﷺ فقال لا إلا من اجل الضعف وأخرج الدارقطني بإسناد رجاله ثقات عن أنس قال أول ما كرهت الحجامة للصائم ان جعفر ابن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي ﷺ فقال: "أفطر هذان" ثم رخص النبي ﷺ بعد في الحجامة للصائم وكان أنس يحتجم وهو صائم وقد ثبت في الصحيح [البخاري "٤/١٧٤"] ، انه ﷺ احتجم وهو صائم.
قوله: "والوصل يحرم بنيته".
стр. 303
أقول: وجهه انه ثبت النهي عنه في الاحاديث في الصحيحين وغيرهما والنهي حقيقة في التحريم ولا ينافي هذا مواصلته ﷺ فقد بين العلة في ذلك لما قالوا له إنك تواصل فقال: "لست كهيتئكم إني يطعمني ربي ويسقيني" فاقتضى هذا أن الجواز خاص به لهذه العلة ولو لم يكن ذلك محرما على غيره لما واصل بهم حين لم ينتهوا وقال: "لو مد لنا الشهر لواصلت وصالا يدع به المتعمقون تعمقهم" وفي البخاري أنه واصل بأصحابه لما أبوا أن ينتهوا عن الوصال فواصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال: "لو تأخر لزدتكم" كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا.
[فصل
ويفسده الوطء والامناء لشهوة في يقظة غالبا وما وصل الجوف مما يمكن الاحتراز منه جاريا في الحلق من خارجه بفعله أو سببه ولو ناسيا أو مكرها الا الريق من موضعه ويسير الخلالة معه أو من سعوط الليل فيلزم الاتمام والقضاء ويفسق العامد فيندب له كفارة كالظهار قيل ويعتبر الانتهاء] .
قوله: "فصل ويفسده الوطء"
أقول: لا يعرف في مثل هذا خلاف وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما ان المجامع في رمضان قال للنبي ﷺ : هلكت يا رسول الله قال: "وما أهلكك؟ " قال وقعت على امرأتي في رمضان فأمره بالكفارة وفي رواية لأبي دأود وابن ماجه انه ﷺ قال له: "وصم يوما مكانه" وهذه الزيادة مروية من اربع طرق يقوى بعضها بعضا ويدل على تحريم الوطء على الصائم صيأما واجبا مفهوم قوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلي نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
قوله: "والامناء لشهوة في يقظة"
أقول: ان وقع من الصائم سبب من الاسباب التي وقع الامناء بها بطل صومه وان لم يتسبب بسبب بل خرج منيه لشهوة ابتداء أو عند النظر إلي ما يجوز له النظر اليه مع عدم علمه بأن ذلك مما يتسبب عنه الامناء فلا يبطل صومه وما هو باعظم ممن أكل ناسيا كما سيأتي.
قوله: "وما وصل الجوف مما يمكن الاحتراز منه" الخ.
أقول: هذا معلوم بالضرورة الدينية فمن ادخل مأكولا أو مشروبا من فمه إلي جوفه بطل صومه إذا كان له في ذلك اختيار ولا فرق بين مفطر ومفطر ولا بين مأكول ومشروب معتاد ونادر أما إذا لم يكن له اختيار فلا يبطل صومه لورود الدليل فيمن أكل أو شرب ناسيا وهو ما
стр. 304
ثبت في الصحيحين [البخاري "٤/١٥٥"، مسلم "١٧١/١٥٥"] ، وغيرهما [أحمد "٢/٤٢٥"، أبو دأود "٢٣٩٨"، الترمذي "٧٢١"، ابن ماجة "١٦٧٣"، من حديث أبي هريرة قال قال رسول ﷺ : "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فانما اطعمه الله وسقاه".
وفي لفظ للدارقطني من هذا الحديث بإسناد صحيح "فإنما هو رزق ساقه الله اليه ولا قضاء عليه".
وفي لفظ لابن خزيمة وابن حبان والحاكم من هذا الحديث: "من أفطر يوما من رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة"، قال ابن حجر وهو صحيح.
وأخرج الدارقطني من حديث أبي سعيد مرفوعا: "من أكل في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه" قال ابن حجر وإسناده وان كان ضعيفا لكنه صالح للمتابعة فأقل درجات الحديث بهذه الزيادة ان يكون حسنا يصلح للاحتجاج به انتهى.
وقد ذهب إلي العمل بهذا الجمهور وهو الحق ومن قابل هذه السنة بالراي الفاسد فرأيه رد عليه مضروب به في وجهه وكثيرا ما يتمسك المصنفون بمقالات اصولية اصلها مبني على الراي فيرجعون إلي الرأي من حيث لا يشعرون ولهذا الفت كتأبي في الاصول.
الذي سميته ارشادا لفحول إلي تحقيق الحق من علم الاصول واعلم ان من فعل شيئا من المفطرات كالجماع ناسيا فله حكم من أكل أو شرب ناسيا ولا فرق بين مفطر ومفطر ولا حاجة لذكر ما استثناه المصنف فعدم كونه مفطرا معلوم.
وأما قوله: "والقضاء" فخلاف ما ورد به الدليل كما ذكرنا.
وقوله: "ويفسق العامد فيندب له كفارة كالظهار".
أقول: أما الفسق فلكونه اجترأ على كبيرة من الكبائر العظيمة وأما مشروعية الكفارة له فظاهر الدليل ان ذلك واجب حتما ولا ينافيه صرفها فيه وقوله ﷺ : "اذهب فأطعمه أهلك"، فإنه انما سوغ له ذلك لمزيد فقره وشدة حاجته وعدم قدرته على الصوم فيلحق به من هو مماثل له وأما القادر على احدالأنواع فهي واجبة عليه.
[فصل
ورخص فيه للسفر والاكراه وخشية الضرر مطلقا ويجب لخشية التلف أو ضرر الغير كرضيع أو جنين ولا يجزئ الحائض والنفساء فيقضيان وندب لمن زال عذره الامساك وان قد افطر ويلزم مسافرا ومريضا لم يفطرا]
قوله: فصل: "ورخص فيه للسفر".
أقول: قد رخص في ذلك كتاب الله فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أو عَلَى سَفَرٍ
стр. 305
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، وثبت عنه ﷺ في أحاديث في الصحيحين وغيرهما انه صام في السفر وأفطر وثبت عنه ﷺ في الصحيحين وغيرهما انه قال لحمزة الاسلمي: "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر"،
وأما قوله ﷺ للصائمين في السفر: "ليس من البر الصوم في السفر"، فانما قال ذلك لما رأى زحأما ورجلا قد ظلل عليه فقال: "ما هذا"؟ فقالوا صائم هكذا في الصحيحين فمن بلغ به الصوم إلي مثل ذلك الضرر فليس صومه من البر لان الله سبحانه قد رخص له في الافطار وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال خرج النبي ﷺ من المدينة ومعه عشرة آلاف يصوم ويصومون حتى إذا بلغ الكديد افطر وأفطروا.
وفي الصحيحين من حديث أنس قال: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.
وأخرج مسلم من حديث أبي سعيد قال سافرنا مع رسول الله ﷺ فيصوم الصائم ويفطر المفطر فلا يعيب بعضهم على بعض والاحاديث في هذا الباب كثيرة.
قوله: "والاكراه".
أقول: أما من اكره على الافطار ولم يقدر على الدفع ولا بقي له فعل ف وجه للحكم عليه بأنه قد افطر بل صومه باق ولا قضاء عليه وهذا المكره إلي هذا الحد أولى بان يقال فيه لا يفطر من الناسي وأما إذا بقي له قدرة على الدفع حتى لا يفطر فذلك واجب عليه لان إكراهه على الافطار منكر يجب إنكاره.
وأما قوله: "وخشية الضرر مطلقا" فإذا خشى وقوع ضرر عليه في بدنه أو ماله ان لم يفطر جاز له الافطار والظاهر انه لا يبطل صومه بهذا الافطار الذي خشى إذا لم يفعله الضرر لانه مستكره وقد قال ﷺ : "رفع عن امتي الخطأ والسنيان وما استكرهوا عليه"، وله طرق يقوى بعضها بعضا.
هذا إذا كان الضرر الذي يخشاه صادرا من جهة الغير أما إذا كان صادرا من جهة نفسه لعدم القدرة على الصوم وحدوث الضرر أن فعل فالافطار جائز له لانه قد صار بذلك في حكم المريض وعليه القضاء كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، ووجوب الافطار لخشية التلف علوم من قواعدالشريعة كلياتها وجزئياتها كقوله تعالي: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ٦] .
"وإذا امرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم".
وحفظ النفس واجب ولم يتعبد الله عباده بما يخشى منه تلف الانفس وقد رخص لهم في الافطار في السفر لانه مظنة المشقة فكيف لا يجوز لخشية التلف أو الضرر.
стр. 306
قوله: "أو ضرر الغير كرضيع أو جنين".
أقول: هذا قد دل عليه حديث أنس بن مالك الكعبي عندأحمد وأهل السنن ان رسول الله ﵌ قال: "إن الله وضع عن المسافر الصم وشطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع الصوم" وحسنه الترمذي وقال لا يعرف لابن مالك هذا عن النبي ﷺ غير هذا الحديث الواحد وقال ابن أبي حاتم في علله سألت أبي عنه يعني الحديث فقال اختلف فيه والصحيح عن أنس بن مالك القشيري انتهى.
والمسمون بأنس بن مالك خمسة هذا احدهم.
وقد ذهب إلي ما دل عليه هذا الحديث الجمهور ونقل بعض أهل العلم الاجماع على عدم جواز صوم الحامل والمرضع إذا خافتا على الجنين أو المرضع قال الترمذي العمل على هذا عند أهل العلم.
قوله: "ولا يجزئ الحائض والنفساء فيقضيان".
أقول: هذا أمر متفق عليه بين أهل الإسلام وبه عمل من كان في عصر النبوة ومن بعدهم إلي هذه الغاية ولا يسمع عن أحد من المسلمين انه خالف في هذا قط الا ما يروى عن الخوارج ولهذا قالت ام المؤمنين عائشة للقائلة لها ما بال الحائض تقضى الصيام ولا تقضى الصلاة احرورية انت أي اخارجية انت لانهم كانوا يسمون الخوارج حرورية فالعجب ممن يميل إلي هذه المقالة الباطلة مستمسكا بالشبه الداحضة ويخالف أهل الإسلام اجمع اكتع ويختار ما ذهب اليه الخوارج كلاب النار.
قوله: "وندب لمن زال عذره الامساك وان قد افطر".
أقول: قد قدمنا الدليل على هذا عند قول المصنف ﵀ فإن انكشف منه امسك الخ وهذا الذي زال عذره قد صار حكمه حكم الصحيح فالامساك لحرمة الشهر منه كإمساك من انكشف له في بعض اليوم انه من رمضان بجامع ان كل واحد منهما كان معذورا عن الصوم ثم زال عذره.
وأما قوله: "ويلزم مسافرا ومريضا لم يفطرا" فوجهه ظاهر لانه قد زال عذره الذي يجوز له الافطار لأجله فهو كأهل العوالي الذين أمر النبي ﷺ من كان صائما منهم فليتم صومه وقد قدمنا الجمع بين حديث تبييت النية وبين حديث أهل العوالي.
[فصل
وعلى كل مسلم ترك الصوم بعد تكليفه ولو لعذر ان يقضى بنفسه في غير واجب الصوم والافطار ويتحرى في ملتبس الحصر.
стр. 307
وندب الولاء فإن حال عليه رمضان لزمته فدية مطلقا نصف صاع من أي قوت عن كل يوم ولا تتكرر بتكرر الاعوام فإن مات آخر شعبان فمحتمل] .
قوله: فصل: "ويجب على كل مسلم ترك الصوم بعد تكليف ولو لعذر ان يقضى بنفسه في غير واجب الصوم والافطار".
أقول: أما من افطر ناسيا فقد قدمنا انه لا قضاء عليه وأما من افطر لعذر المرض أو السفر فقد دل على وجوب القضاء عليه الكتاب العزيز.
وأما الحائض والنفساء فقد دل على وجوب القضاء عليهما السنة المطهرة والاجماع.
وأما من افطر عامدا فقد قدمنا في حديث المجامع في رمضان أنه قال له النبي ﷺ : "صم يوما مكانه"، وذكرنا انه صالح للاحتجاج والظاهر انه كان عامدا ولهذا قال هلكت وأهلكت وسمى المحترق.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب انه جاء إلي النبي ﷺ رجل فقال اني افطرت يوما من رمضان فقال: "تصدق واستغفر وصم يوما مكانه". وهو مرسل.
ويؤيد القضاء الحديث الصحيح وهو قوله ﷺ : "فدين الله أحق أن يقضى".
ولا ينافى وجوب القضاء على العامد ما أخرجه أهل السنن وغيرهم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "من أفطر يوما من رمضان من غير رخصةلم يجزه صيام الدهر"، فإن هذا إنما هو بيان لعظم جرمه وغلظ معصيته وانه قد فعل ما لا يمكن تلافيه.
وأما كونه يقضي بنفسه فظاهر لان الوجوب متعلق به فإن مات ولم يقض فقد ثبت في الصحيح حديث: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه".
وأما كونه يكون القضاء في غير واجب الصوم فلكون ذلك الوقت قد تعين صومه لسبب آخر فلا يكون الصوم للقضاء في وقت متعين للأداء وإذا ساغ له الافطار لعذر كا لسفر لم يجز له ان يفعل فيه غير ما رخص فيه لأجله. وأما كون القضاء في غير واجب الافطار كالعيدين وأيام الشتريق وأيام الحيض والنفاس فالأمر أوضح من شمس النهار والادلة على المنع من الصوم في ذلك ثابتة ثبوتا لا يخفى والتعويل على الشبه الداحضة ليس من دأب أهل الانصاف بل من دأب ارباب التعصب والاعتساف.
وأما كونه يتحرى في ملتبس الحصر فذلك غاية ما يقدر عليه من عرض له اللبس.
قوله: "وندب الولاء".
أقول: لا يخفى ان المطلوب من العبد قضاء ما فات من رمضان بعدد الايام التي افطرها فإذا جاء بها متفرقة فقد فعل ما طلب منه كما لو جاء بها مجتمعة لان كل يوم عبادة مستقلة بنية وإمساك في وقت معين من الفجر إلي الغروب فمن قال بوجوب التتابع فقد أوجب بصفة زائدة
стр. 308
وعليه الدليل الدال على ذلك ولم يأت من الادلة على وجوب التتابع ما تقوم به الحجة بل الادلة التي وردت في عدم وجوب التتابع انهض من الادلة التي استدل بها الموجبون للتابع وان كان الجميع لا تقوم به الحجة نعم إذا جاء بأيام القضاء متتابعة فقد سارع إلي التخلص عما عليه وبادر إلي امتثال الامر فهو من هذه الحيثية مندوب كما قال المصنف.
قوله: "فإن حال عليه رمضان لزمته فدية مطلقا".
أقول: لم يثبت عن النبي ﷺ في هذا ما تقوم به الحجة ولا حجة فيما روى عن بعض الصحابة والذي طلبه الله سبحانه ممن افطر رمضان أو بعضه هو ان يقضيه حيث قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ومن قضى رمضان بعد مضي عام أو عامين أو اكثر فقد فعل ما أوجبه الله سبحانه وهو العدة من ايام اخر ولم يقيد الله سبحانه هذه العدة بايقاعها في العام الذي فات فيه الصوم ولا أوجب على المتراخي كفارة.
[فصل
وعلى من افطر لعذر مأيوس أو ايس عن قضاء ما افطره كالهم ان يكفر بنصف صاع عن كل يوم ولا يجزى التعجيل ويجب الايصاء بها ويحمل عليه على صوم لا صوموا عني وتنفذ في الأول من رأس المال والا فمن الثلث] .
قوله: فصل: "وعلى من افطر لعذر مأيوس أو أيس عن قضاء ما افطره ... ".
أقول: قد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث سلمة بن الاكوع قال لما نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، كان من أراد ان يفطر يفتدى حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.
وأخرج أحمد وابو دأود عن معاذ نحوه وفيه ثم انزل الله تعالي: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] ، فأثبت الله سبحانه صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وثبت الاطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام فثبت بهذا ان الآية كانت للتخيير بين الصوم والفدية لكل الناس ثم نسخت وبقي الترخيص للشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام ويجب عليه الفدية ولا يخالف هذا ما روى عن ابن عباس حيث قال إنها ليست منسوخة هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان ان يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا أخرجه عنه البخاري لأنه قد جعلها للشيخ الكبير والشيخة.
وأما قوله: "لم تنسخ" فغير صحيح فإن الله سبحانه قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، ولم يقل وعلى الذين لا يطيقونه.
стр. 309
وأخرج الدارقطني والحاكم وصححاه عن ابن عباس انه قال رخص للشيخ الكبير ان يفطر ويطعم كل يوم مسكينا فلا وجه لقول من قال ان الكبير الذي لا يقدر على الصوم لا فدية عليه.
وأما قوله: "أن يكفر بنصف صاع من أي قوت عن كل يوم" فالأولى ما روى عن الصحابة من ان الكفارة إطعام مسكين لان ذلك في حكم التفسير للآية وقولهم مقدم على قول غيرهم في تفسير الكتاب العزيز.
ولا ينافي هذا ما ورد في حديث كعب بن عجرة في الصحيحين مرفوعا انه يصوم ثلاثة ايام أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع فإن هذا في كفارة الاذى.
وأما ما ذكره من عدم إجزاء التعجيل فصحيح لعدم وجود السبب وهكذا ما ذكره من وجوب الايصاء لأنه قد لزمه دين لله ودين الله احق ان يقضى.
قوله: "ويحمل عليه على صوم لا صوموا عني".
أقول: ظاهر الادلة الصحيحية ان الولي مأمور بالصوم عن الميت إذا مات وعليه صوم كما في حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما مرفوعا: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه".
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ان امرأة قالت: يا رسول الله ان امي ماتت وعليها صوم نذر فأصوم عنها فقال: "أرأيت لو كان على امك دين فقضيته اكان ذلك يودى ذلك عنها" قالت: نعم قال: "فصومي عن أمك". وأخرج مسلم نحوه عن بريدة مرفوعا.
وقد ذهب الجمهور إلي انه لا يجب الصوم على الولي وبعضهم قال لا يصح والسنة ترد عليهم أما إذا أوصى الميت بأن يكفر عنه من ماله فربما يقال انه قد اختار ذلك لنفسه وارتفع الوجوب عن الولي ويحمل على هذا حديث ابن عمر عندالترمذي وابن ماجه "من مات وعليه صوم فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا"، على ضعف في إسناد هذا الحديث فإن فيه عمر بن موسى بن وجيه وهو ضعيف جدا والرأوي ابراهيم بن نافع وهو أيضا ضعيف وقال الترمذي الصحيح انه عن ابن عمر موقوفا وكذا قال الدارقطني والبيهقي.
وأما ما ذكره من الفرق ما بين ما يخرج من رأس المال ومن الثلث فلا وجه له بل هو مجرد رأي ولا يعلول عليه.
стр. 310
[باب وشروط النذر بالصوم
ما سيأتي وان لا يعلق بواجب الصوم الا ان يريد غير ما وجب
стр. 311
فيه ولا الافطار الا العيدين والشتريق فيصوم غيرها قدرها وما تعين ما هو فيه اتمه ان أمكن والا قضى ما يصح منه فيه الانشاء وما تعين لسببين فعن الأول إن ترتبا وإلا فمخير ولا شيء للآخر ان عينه لهما كالمال] .
قوله: باب "وشروط النذر بالصوم منها ما سيأتي وان لايعلق بواجب الصوم والافطار".
أقول: هذا صحيح لأنه إذا نذر بصوم رمضان لسبب آخر أو يصوم العيدين وأيام التشريف فقد نذر بمعصية الله وبمالا يملك لأنه قد صار الصوم والافطار في ذلك لله بسبب آخر وقد صح عنه ﷺ أنه قال: "لا نذر في مصعية الله ولا فيما لا يملك العبد" وإذا ورد دليل على وجوب الكفارة على مثل هذا النذر فعلى بابه ولا ينافى ذلك عدم صحة النذر به وأما إذا أراد غير ما وجب فيه الصوم والافطار كأن ينذر بصوم اليوم الذي يقدم فيه غائبه فيقدم في رمضان أو في أيام العيدين والشتريق فقد كان القدوم في يوم لا يجوز فيه الصوم عن النذر فسقط الأداء وإذا سقط لم يجب القضاء الا بدليل يدل على ذلك.
وبما ذكرناه تعرف انه لا وجه لقول المصنف الا العيدين وأيام الشتريق فيصوم غيرهما قدرها.
وأما قوله: "ومتى تعين ما هو فيه أتمة" فهذا صحيح فإنه إذا قدم وهو صائم على القول بعدم وجوب تبييت النية اتمه بنية النذر وأما إذا كان قد افطر فلا يجب القضاء الا بدليل لأنه لم يجب عليه الأداء.
وأما قوله: "وما تعين لسببين فعن الأول" فصحيح لانه قد صار بتقديمه أولى مما تأخر عنه ومع عدم التقدم نحو ان يقول نذرت بصوم اليوم الفلاني ان قدم فيه الغائب وبصومه ان شفى الله المريض فليس عليه الا صوم ذلك اليوم للسببين جميعا لأنه بصومه قد وفى بالنذرين جميعا.
[فصل
ولا يجب الولاء الا لتعيين كشهر كذا فيكون كرمضان أداء وقضاء أونية فيستأنف ان فرق لعذر ولو مرجوا زال ان تعذر الوصال فيبنى لا بتخلل واجب الافطار فيستأنف غالبا ولا تكرار الا لتأبيد ونحوه فإن التبس المؤيد صام ما تعين صومه أداء أو قضاء قيل ثم يقهقر اليه ويستمر كذلك] .
قوله: فصل: "ولا يجب الولاء الا لتعيين" الخ.
أقول: هذا أمر قد أوجبه على نفسه فوجب الوفاء بما نذر وأما في القضاء فقد قدمنا انه
стр. 312
يجوز تفريق قضاء رمضان فتفيق قضاء النذر بالأولى وهكذا إذا نوى ان يتابع ما نذر به من الصوم فقد لزمه بالنية لانها المؤثرة فإذا فعل الصوم مفرقا فلم يفعل النذر الذي نذر به ويتسأنف حتى يفى بنذره وأما مع العذر فلا شك انه مسوغ لا يجب معه الاستئناف وهكذا تخلل واجب الصوم والافطار له حكم العذر فلا يستأنف وبما ذكرناه يعرف الكلام على بقية هذا الفصل.
стр. 313
[باب الاعتكاف وشروطه
النية والصوم واللبث في أي مسجد أو مسجدين متقاربين واقله يوم وترك الوطء والايام في نذره تتبع الليالي والعكس الا الفرد ويصح استثناء جميع الليالي من الايام لا العكس الا البعض ويتابع من نذر شهرا أو نحوه ومطلق التعريف للعموم ويجب قضاء معين فات والايصاء به وهو من الثلث وللزوج والسيد ان يمنعا ما لم يأذنا فيبقى ما قد أوجب في الذمة وان يرجعا قبل الايجاب] .
قوله: "باب الاعتكاف وشورطه النية".
أقول: قد اصاب المصنف ﵀ هنا حيث جعل النية شرطا فإن الادلة الدالة عليها تفيد انه يؤثر عدمها في عدم الفعل الذي شرعت فيه وما كان كذلك فهو شرط لا فرض.
قوله: "والصوم".
أقول: من ادعى ان الصوم شرط لصحة الاعتكاف فالدليل عليه لانه اثبت شرطا متنازعا فيه والوقوف في موقف المنع والقيام في مقام عدم التسليم يكفي من لم يقل بالشرطية ولم يصح في اشتراطه شيء عن رسول الله ﷺ وما قيل انه مرفوع لم يصح وما كان موقوفا على بعض الصحابة فلا حجة فيه فإن تبرع من لم يقل بالشرطية بالدليل فله ان يقول صح عن رسول الله ﷺ في الصحيحين وغيرهما انه اعتكف في غير رمضان وثبت في الصحيحين وغيرهما ان عمر بن الخطاب قال يا رسول الله اني نذرت في الجأهلية ان اعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال ﷺ : "أوف بنذرك"، ولم يرو من وجه صحيح يصح العمل به انه ﷺ صام ايام اعتكافه في شوال ولا صح انه أمر عمر بالصوم.
وأما ما أخرجه أبو دأود عن عائشة انها قالت السنة على المعتكف الا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة الا لما لا بد منه ولا اعتكاف الا بصوم ولا اعتكاف الا في مسجد جامع فقد أخرجه في الموطأ والنسائي وليست فيه قالت السنة قال أبو دأود غير عبد الرحمن بن اسحاق ولا يقول فيه قالت السنة وجزم
стр. 314
الدارقطني بأن القدر المرفوع من حديث عائشة قولها لا يخرج وما عداه ممن دونها وكذلك قال البيهقي كما ذكره ابن كثير في الارشاد وأما ما أخرجه الحاكم عن ابن عباس مرفوعا وقال صحيح على شرط مسلم انه لا اعتكاف الا بصوم فقد صحح الدارقطني والبيهقي وابن حجر انه موقوف على ابن عباس وأيضا قد أخرج الحاكم عن ابن عباس مرفوعا وصححه انه قال ﷺ : "ليس على المعتكف صيام" ورجح الدارقطني والبيهقي وقفه على ابن عباس فتعارضت الرواية عن ابن عباس كما ترى ولا حجة في قوله.
قوله: "واللبث في مسجد أو مسجدين متقاربين".
أقول: مفهوم الاعتكاف الشرعي هو اللبث في المسجد فلا توجد هذه الماهية الا بذلك والا لزم أن يكون الاعتكاف في الدور والاسواق والصحراء صحيحا واللازم باطل بالاجماع فالملزوم مثله ومعلم الشرائع ﷺ الذي جاء بمشروعية الاعتكاف لم يفعله الا في المسجد ولم يشرعه لأمته الا في المساجد وهذا القدر يكفى ومن ادعى انها توجد ماهية الاعتكاف الشرعية في غير مسجد فالدليل عليه.
وإذا عرفت هذا لم تحتج إلي الاستدلال بما روى "أنه لا اعتكاف إلا في مسجد" أو لا اعتكاف الا في مسجد جماعة ولا للاحتجاج يقول سبحانه: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
قوله: "واقله يوم".
أقول: لم يأتنا عن الشارع في تقدير مدة الاعتكاف شيء يصلح للتمسك به واللبث في المسجد والبقاء فيه يصدق على اليوم وبعضه بل وعلى الساعة إذا صحب ذلك نية الاعتكاف وأما حديث: "من اعتكف فواق ناقة فكأنما اعتق نسمة من ولد إسماعيل" فلم يثبت من وجه يصلح للاستدلال به قل في البدر المنير هذا حديث غريب لا أعرفه بعد البحث الشديد عنه.
قوله: "وترك الوطء"
أقول: قد دل على هذا الكتاب العزيز قال الله تعالي: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، ودل عليه إجماع الامة فدل ذلك على ان الوطء لا يجامع الاعتكاف وان عدم الترك وهو فعل الوطء يؤثر عدمه في عدم الاعتكاف فكان شرطا من هذه الحيثية.
وأما قول المصنف: "والايام في نذره تتبع الليالي والعكس ويصح استثناء جميع الليالي من الايام لا العكس إلا البعض" فمبنى على ما ذكره من اشتراط الصوم ومن ان اقل الاعتكاف يوم وقد عرفت ما هو الحق.
وأما قوله: "ويتابع من نذر شهرا أو نحوه" فلا بد ان يكون نأويا للتتابع لأنه لو أراد الاعتكاف عدد أيام الشهر مع التفريق صح ذلك ويعتكف ثلاثين يوما من اشهر وهكذا قوله ومطلق التعريف للعموم لا بد من ان يريد به ذلك لأن معاني التعريف مختلفة ولا مانع من ان يريد بالمعرف غير العموم بل الاصل في التعريف العهد كما صرح بذلك المحقق الرضى وكلام أهل الاصول والبيان في ذلك معروف.
стр. 315
وأما قوله: "ويجب قضاء معين فات" فهذا يحتاج إلي دليل وقد قدمنا في صوم النذر ما يكفي.
وهكذا وجوب الايصاء بما فات مبنى على انه قد لزم وتعين بالنذر ووجب قضاؤه وذلك ممنوع.
وأما كونه من الثلث فمبني على الرأي الذي قدمنا الاشارة اليه.
وأما كون للزوج والسيد المنع من هذه الطاعة فذلك صحيح للأدلة الدالة على طاعة الزوج والسيد عموما وخصوصا ولا وجوب ها هنا عليهما حتى يقال ليس للزوج والسيد المنع من الواجب بل هما اختارا الدخول في ذلك بأنفسهما وهما مخاطبان بما هو اهم منه.
[فصل
ويفسده الوطء أو الامناء كما مر وفسادالصوم والخروج من المسجد لا لواجب أو مندوب أو حاجة في الاقل من وسوط النهار ولا يقعد ان كفى القيام حسب المعتاد ويرجع من غير مسجد فورا وإلا بطل ومن حاضت خرجت وبنت متى طهرت.
وندب فيه ملازمة الذكر] .
قوله: فصل: "ويفسده الوطء والامناء لشهوة كما مر".
أقول: أما الوطء فقد تقدم وأما الامناء فإن كان عن مباشرة فله حكم الوطء لدخوله تحت قوله: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [القرة: ١٨٧] ، وإلا فلا وجه لاقتضائه الفساد.
وأما قوله: "وفساد الصوم" فمبني على ما تقدم من انه لا اعتكاف الا بصوم.
قوله: "والخروج من المسجد" الخ.
أقول: قد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة ان النبي ﷺ كان لا يدخل البيت الا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفا فهذا يفيد انه لا يجوز الخروج من المسجد الا لحاجة الإنسان لا لغيرها من القرب ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو دأود من حديث عائشة قالت كان النبي ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو ولا يعرج يسال عنه ولكن في إسناده ليث ابن أبي سليم وقدأخرجه مسلم وغيره عن عائشة من فعلها قال ابن حجر والصحيح عن عائشة من فعلها في الصحيحين وغيرهما عنها قالت ان كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما اسأل عنه الا وأنا مارة وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن صفية قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفا
стр. 316
فأتيته لأزوره ليلا فحدثته ثم قمت لانقلب فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار اسامة بن زيد.
وأخرج أبو دأود عن عائشة انها قالت السنة على المعتكف الا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة الا لما بدمنه وقد قدمنا ان النسائي أخرجه بدون قوله من السنة وكذلك مالك في الموطأ وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها لا يخرج وما عداه ممن دونها.
والحاصل انه يجوز الخروج لحاجة الإنسان ولما لا بد منه كما فعله ﷺ من خروجه مع صفية وهذا الخروج للحاجة لا يختص بوقت دون وقت بل يجوز في الليل والنهار في أوله وآخره ووسطه.
وأما كونه لا يقعد ان كفى القيام فذلك صحيح لأن الحاجة إذا قضيت من قيام كان القعود لغير حاجة وقد تقرر ان الخروج لا يكون الا لحاجة.
وأما كونه يرجع من غير مسجد فورا فصواب لأن التراخي خارج عن قدر الحاجة المتنوعة.
وأما كونه يبطل الاعتكاف فغير مسلم فإن الاعتكاف الأول قد صح ولا يعود عليه التراخي بالبطلان لما عرفناك ان الاعتكاف يصح في الوقت اليسير وإذا عاد إلي المسجد عاد له حكم الاعتكاف.
وأما كون الحائض تخرج من المسجد فللأدلة الداله على منعها منه.
وأما المستحاضة فهي في غير وقت الحيض كمن ليست بحائض فلهذا ثبت من حديث عائشة في البخاري انها اعتكفت مع النبي ﷺ بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم فربما وضعت الطشت تحتها من الدم.
وأما كونه يندب في الاعتكاف ملازمة الذكر فلكون هذا المعتكف قد فرغ نفسه لعبادة الله في المساجد فينبغي له ان يشتغل بما فيه قربة وطاعة من صلاة وذكر وتلأوة وتفكر واعتبار فقد صار هذا الوقت من هذه الحيثية اخص بذلك من سائر الأوقات وان كان ذلك مندوبا في جميع الأوقات.
[فصل
وندب صوم غير العيدين والتشريق لمن لا يضعف به عن واجب سيما رجب وشعبان وأيام البيض وأربعاء بين خميسين والاثنين والخميس وستة عقيب الفطر وعرفة وعاشوراء ويكره تعمدالجمعة والمتطوع امير نفسه لا القاضي فيأثم الا لعذر وتلتمس ليلة القدر في تسع عشرة وفي الأفراد بعدالعشرين من رمضان] .
стр. 317
قوله: فصل: "وندب صوم الدهر" الخ.
أقول: حديث لا صام من صام الابد في الصحيحين من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص وكذلك حديث أبي قتادة عند مسلم وغيره قال: قيل: يا رسول الله كيف بمن صام الدهر؟ قال: "لا صام ولا أفطر" أو "لم يصم ولم يفطر" معناهما أنه لما خالف الهدى النبوي الذي رغب فيه ﷺ كان بمنزلة من لم يصم صوما مشروعا يؤجر عليه ولا أفطر فطرا ينتفع به ويؤيد أن هذا المعنى هو المراد أن رسول الله ﷺ قال لعبدا لله بن عمرو وقد كان أراد أن يصوم الدهر فقال: "صم من كل شهر ثلاثة أيام"، فقال: إني أقوى من ذلك فلم يزل يرفعني حتى قال: "صم يوما وأفطر يوما فإنه افضل الصيام وهو صوم أخي دأود". هكذا في الصحيحين وغيرهما من حديثه.
وقد ثبت أنه ﷺ قال للثلاثة الذين قال: أحدهم أنه يصوم ولا يفطر وقال الثاني أنه يقوم الليل ولا ينام وقال الثالث إنه لا ياتي النساء فقال ﷺ : "أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني".
فهذا الحديث الصحيح يدل على أن صيام الدهر من الرغوب عن سنة رسول الله ﷺ فاستحق فاعله ما رتبه عليه من الوعيد فمن رغب عن سنتي فليس مني وقد أخرج أحمد وابو دأود وابن ماجه أن النبي ﷺ قال للرجل الذي اخبره أنه يصوم الدهر: "من أمرك أن تعذب نفسك" ولا ينافي هذا ما ورد في صوم ايام البيض أن صيامها كصيام الدهر وكذلك ما ورد فيمن صام رمضان واتبعه ستا من شوال أنه كمن صام الدهر لأن التشبيه لا يقتضي جواز المشبه به فضلا عن استحبابه وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يوما ومن المعلوم أن المكلف لا يجوز له صيام كل السنة فلا يدل التشبيه على افضلية المشبه به من كل وجه ومع هذا فقد ورد الوعيد على صوم الدهر فأخرج أحمد وابن حبان وابن خزيمة وابن أبي شيبة والبيهقي عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا" وقبض كفه ولفظ ابن حبان "ضيقت عليه جهنم هكذا" وعقد تسعين وأخرجه أيضا البزار والطبراني قال في مجمع الزوائد ورجاله رجال الصحيح فهذا وعيد ظاهر وتأويله بما يخالف هذا المعنى تعسف وتكلف والعجب ذهاب الجمهور إلي استحبابه كما حكاه عنهم ابن حجر في الفتح وهو مخالف للهدى النبوي وهو أيضا أمر لم يكن عليه أمر رسول الله ﷺ وقد قال ﷺ فيما صح عنه في الصحيحين وغيرهما "كل أمر ليس عليه امرنا فهو رد" وهو أيضا من الرغوب عن سنة رسول الله ﷺ ومن رغب عن سنته فليس منه وهو أيضا من التعسير والتشديد المخالف لما استقرت عليه هذه الشريعة المطهرة قال الله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وقال ﷺ فيما صح عنه: "يسروا ولا تعسروا" [البخاري "٤٣٤٤، ٤٣٤٥، ٤٣٤٢"، مسلم
стр. 318
"٧١/١٧٣٣"] ، أحمد "٤/٤٠٩"] ، وقال: "لن يشاد الدين أحد الا غلبه"، وقال: "أمرت بالشريعة السمحة السهلة".
فالحاصل ان صوم الدهر إذا لم يكن محرما تحريما بحتا فأقل احواله ان يكون مكروها كراهة شديدة هذا لمن لا يضعفه الصوم عن شيء من الواجبات أما من كان يضعف بالصوم عن بعض الواجبات الشرعية فلا شك في تحريمه من هذه الحيثية بمجردها من غير نظر إلي ما قدمنا من ادلة.
قوله: "سيما رجب".
أقول: لم يرد في رجب على الخصوص سنة صحيحية ولا حسنة ولا ضعيفة ضعفا خفيفا بل جميع ما روى فيه على الخصوص أما موضوع مكذوب أو ضعيف شديد الضعف وغاية ما يصلح للتمسك به في استحباب صومه ما ورد في حديث الرجل البأهلي ان النبي ﷺ قال له: "صم أشهر الحرم" ورجب من الاشهر الحرم بلا خلاف وهذا الحديث أخرجه أحمد وابو دأود وابن ماجه ولكنه لا يدل على شهر رجب على الخصوص كما يفيد تنصيص المصنف وكان الأولى له ان يقول ويستحب صوم الاشهر الحرم سيما المحرم وذلك لورود الدليل الدال على استحباب صومه على الخصوص كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ان النبي ﷺ سئل أي الصيام بعد رمضان افضل فقال: "شهر الله المحرم".
وأما ما أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس ان النبي ﷺ نهى عن صيام رجب ففي إسناده ضعيفان زيد بن عبد الحميد ودأود بن عطاء ولكنه على ضعفه اقوى مما روى في استحباب صومه.
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه ان عمر كان يضرب اكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجفان ويقول كلوا فإنما هو شهر كان يعظمه الجأهلية.
وأخرج ابن ابن أبي شيبة أيضا من حديث زيد بن اسالم قال سئل رسول الله ﷺ عن صوم رجب فقال اين انتم من شعبان وهو مرسل.
قوله: "وشعبان".
أقول: أما هذا الشهر فقد جاءت فيه الادلة الصحيحية حتى قالت عائشة لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرا اكثر من شعبان فانه كان يصومه كله هكذا في الصحيحين وغيرهما وفي لفظ فيهما من حديثها ما كان يصوم في شهر ما كان يصوم في شعبان كان يصومه الا قليلا بل كان يصومه كله وفي لفظ من حديثها ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط الا شهر رمضان وما رأيته في شهر اكثر منه صيأما في شعبان.
стр. 319
وأخرج أحمد وأهل السنن من حديث ام سلمة ان النبي ﷺ لم يكن يصوم من السنة شهرا تأما الا شعبان يصل به رمضان ولفظ ابن ماجه كان يصوم شعبان ورمضان وحسنه الترمذي.
قوله: "وايام البيض".
أقول: قد ورد في مشروعية صومها أحاديث كثيرة منها حديث أبي قتادة عند مسلم وغيره قال قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كل شهر ورمضان إلي رمضان فهذا صيام الدهر كله"، وأخرج أحمد والنسائي والترمذي وابن حبان وصححاه من حديث أبي ذر قال قال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة ايام فصم ثلاث عشرة واربع عشرة وخمس عشرة"، وأخرجه النسائي وابن حبان وصححه من حديث أبي هريرة وأخرجه النسائي أيضا من حديث جرير قال ابن حجر وإسناده صحيح وفي الباب أحاديث قد ذكرناها في شرح المنتقى.
قوله: "واربعاء بين خميسين".
أقول: تحتمل هذه العبادة ان يريد انه يصوم يوم الخمس ثم يصوم بعده يوم الاربعاء ثم يصوم بعده يوم الخميس وذلك يمكن في ثمانية ايام ويحتمل ان يريد انه يصوم أول خميس من الشهر ثم يصوم أحد ايام الاربعاء من ذلك الشهر ثم يصوم آخر خميس منه وكل هذا لا دليل عليه قط فإن ما ورد من استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر على تقدير احتماله لغير ايام البيض لا يفيد هذا التخصيص والتعيين وكذلك لا يفيد هذا ما أخرجه الترمذي وحسنه من حديث عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والاحد والاثنين ومن الشهر الاخر الثلاثاء والاربعاء والخميس فإن هذا إنما فعله ﷺ للمدأولة بين ايام الاسبوع وعدم تخصيص بعضها بالصوم دون بعض فكان يصوم بعضها من شهر وبعضها من شهر آخر نعم ورد ما يدل على استحباب صوم الاربعاء مع الخميس عند أبي دأود والترمذي من حديث مسلم القرشي قال: سألت أو سئل النبي ﷺ عن صيام الدهر فقال: "إن لأهلك عليك حقا فصم رمضان والذي يليه وكل اربعاء وخميس فإذا انت قد صمت الدهر" وأخرج أبو دأود والترمذي أيضا من حديث عبد الله بن عمر بن العاص ان النبي ﷺ امره ان يصوم كل اربع وخميس ولكن هذا هو غير ما ذكره المصنف.
قوله: "والاثنين والخميس".
أقول: يدل على ذلك ما أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ان النبي ﷺ قال: "تعرض اعمال العباد كل اثنين وخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" وأخرج أحمد والنسائي هذا المعنى من حديث أسامة بن زيد وأخرج أحمد والنسائي والترمذي [ (٧٤٥) ]
стр. 320
وابن ماجه وابن حبان وصححه من حديث عائشة ان النبي ﷺ كان يتحرى صيام الاثنين والخميس وأخرجه أيضا أبو دأود من حديث أسامة بن زيد.
وورد في صوم الاثنين على الخصوص ما أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي قتادة ان النبي ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: "ذلك ولدت فيه وأنزل على فيه"
قوله: "وست عقيب الفطر"
أقول: يدل على ذلك ما أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي ايوب عن رسول الله ﷺ قال: "من صام رمضان ثم اتبعه ستا من شوال فذاك صيام الدهر" وأخرجه أحمد وعبد بن حميد والزبار من حديث جابر وفي إسناده عمرو بن جابر وهو ضعيف.
وأخرج أحمد والنسائي ابن ماجه والدارمي والبزار من حديث ثوبان عن النبي ﷺ أنه قال: "من صام رمضان وستة أيام بعدالفطر كان تمام السنة" ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ وفي الباب احاديث.
قوله: "وعرفة".
أقول: يدل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي ايوب ان رسول الله ﷺ قال: "صيام عرفة كفارة سنتين" وفي بعض الروايات الثابتة في السنن "أنه يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده" وفي الباب أحاديث ولم يصح في النهي عن صومه شيء وإنما تركه ﷺ بعرفة للاشتغال باعمال الحج على ان مجرد الترك لا يرفع استحباب صومه الثابت بالقول المرتب عليه الأجر العظيم ولا سيما وهو أحد أيام العشر التي ورد أنه: "ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في عشر ذي الحجة" كما في الحديث الثابت في الصحيحين [البخاري "٩٦٩"، وغيرهما أحمد "١/٢٢٤"، الترمذي "٧٥٧"، ابن ماجة "١٧٢٧"] .
قوله: "وعاشوراء".
أقول: الاحاديث الصحيحة الكثيرة قد دلت على مشروعية صومه ونسخ وجوبه لا نسخ استحبابه لما في حديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما قال: ما علمت أن رسول الله ﷺ صام يوما يطلب فضله على الايام الا هذا اليوم يعني يوم عاشوراء ولاشهرا الا هذا الشهر يعني رمضان وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر ان أهل الجأهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء وان رسول الله ﷺ صامه والمسلمون قبل ان يفرض رمضان فلما فرض رمضان قال رسول الله ﷺ : "أن يوم عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه"، وفي الصحيحين أيضا من حديث معأوية بن أبي سفيان نحوه وفي مسلم وغيره انه لما قيل لرسول الله ﷺ :
следующие страницы →