Полный текст (91 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أثافٍ كالخدودِ لطمنَ حزناً ... ونؤيٌ مثلُ ما انفصمَ السوارُ
وقال ابن المعتز
عفى غيرَ سفعٍ ماثلاتٍ كأنها ... خدودُ عذارى مسهنَّ شحوبُ
وقال الطائي وزعم ابن طاهر أنه أحسن شيءٍ قيل في النؤي
والنؤيُ أهمدَ شطرهُ فكأنه ... تحتَ الحوادثِ حاجبٌ مقرونُ
وقال ابن المعتز نحوه
عفتْ وتخلتْ غيرَ شاماتِ دمنةٍ ... ونويٌ خفيُّ الخطِّ كالحاجبِ الفردِ
وقال جميل بن معمر
وآثارُ ولدانٍ ونؤيٌ كأنه ... شفى من هلالٍ للتقادمِ ماثلُ
باب ٣٣ في
الطلل
ومما يتصل بذلك قول لبيدٍ وهو من أحسن التشبيه
وجلا السيولُ عن الطلولِ كأنها ... زبرٌ تجد متوتها أقلامها
يخبر أن الريح إذا عفت الطلل وسفت عليه وجاء المطر كشف الترابَ عنه فبانت الرسوم كما تبين الخطوط الدارسة في الكتب والزبر الكتب قال المرقش وبها سمى المرقش
الدارُ قفرٌ والرسومُ كما ... رقش في ظهرِ الأديمِ قلمْ
وقال ذو الرمة
أللأربعِ الدهمِ اللواتي كأنها ... بقياتُ وحيٍ في متونِ الصحائفِ
وقال طرفة
لخلوةَ أطلالٌ ببرقةِ ثهمدِ ... تلوحُ كباقي الوشمِ في ظاهرِ اليدِ
وقال زهير
ودارٌ لها بالرقمتينِ كأنها ... مراجيعُ وشمٍ في نواشرِ معصمِ
النواشر عروق باطن الذراعِ والوشم نقشٌ كانوا يستعملونه والوسمُ اسمهُ ولها أسماءٌ والرسمُ أثرُ الشيء وقال آخر
عرفتُ ديارَ الحيِّ خاليةً قفرا ... كأنَّ بها لما توهمتها سطرا
مراجيع وشمٍ بين كفٍ ومعصمٍ ... عفتهُ الليالي غيرَ أن له إثرا
وقال قيس بن الخطيم
أتعرفُ رسماً كالطرادِ المذاهبِ ... لعمرةَ وحشاً غيرَ موقفِ راكب
المذاهب جلود فيها خطوط مذهبة مطردة يتلو بعضها بعضاً واحدها مذهب ووحشاً أي قفرٌ ومنه قيل لصاحب الدواء توحش أي لا يدخلْ جوفك شيء. غير موقف راكب أي إلا أن يمر راكب فيقف والشعر في هذا الباب كثير جداً وكان أبو نواس يخالف مذاهب القدماء ويسلك غير مسلكهم في وصف بلى الرسم والبكاء على الطلل واستسقاء المطر كما قال النمر بن تولب
فواللهِ ما أسقي الديارَ لحبها ... ولكنما أسقيكَ حارِ بنَ تولبِ
وقال البحتري يرثي غلاماً
سقى اللهُ الجزيرة لا لشيءٍ ... سوى أن يرتوي ذاك القليبُ
وقال آخر
سقى جدثاً تضمنَ أمَّ عمرو ... بنخلةَ ما استهلَّ من الغمامِ
وما للأرضِ أستسقِي ولكن ... لأصداءٍ أقمنَ به وهامِ
وقال الطائي نحوه
قرى دارهم مني الدموعُ السوافك ... وإن عاد صبحي بعدهم وهو حالك
سقى ربعهم لا بل سقى منتواهم ... من الدهر أخلاف السحاب الحواشك
وقال أبو نواس في ما ذكرنا المنسرح
سقياً لغيرِ العلياءِ والسندِ ... وغيرِ أطلالِ ميَّ بالجردِ
ويا صبيبَ السحابِ إنْ كنتَ قدْ ... جدتَ اللوى مرةً فلا تعدِ
لا ستقينْ بلدةً إذا عدتِ ال ... بلدانُ كانت زيادةَ الكمدِ
إن أتحرزْ من الغرابِ بها ... يكنْ مفري منه إلى الصردِ
أحسنُ عندي من انكبابكَ بال ... فهرِ ملحاً به على وتدِ
وقوفُ ريحانةٍ على أذنٍ ... وسيرُ كأسٍ إلى فمٍ بيدِ
وقال أيضاً
لمن طللٌ يزدادُ حسنَ رسومِ ... على طولِ ما أقوتْ وطيبَ نسيمٍ
تجافى البلى عنهنَّ حتى كأنما ... لبسنَ من الإقواءِ ثوبَ نعيمِ
وقال البحتري على مذهب القدماء
أرى بينَ ملتفِّ الأراكِ منازلا ... مواثلَ لو كانت مهاها مواثلا
لقينا المغاني باللوى فكأنما ... لقينا الغواني اللابساتِ عواطلا
وقال الطائي
إن شئتَ ألا ترى صبراً لمصطبرِ ... فانظر على أي حالٍ أصبحَ الطللُ
كأنما جادَ مغناهُ فغيرهُ ... دموعنا يوم بانوا وهي تنهمل
وقال ابن الرقي نحوه
ثنى شوقه والمرءُ يصحو ويسكرُ ... رسومٌ كأخلاقِ الصحائفِ دثرُ
حبستُ بها صحبي فظلت عراصهُ ... بدمعي وأنفاسي تراحُ وتطرُ
وقال معلى الطائي
لبسنَ البلى حتى كأنَّ رسومها ... طعمنَ الهوى أو ذقنَ هجرَ الحبائبِ
وقال محمد بن وهيب
стр. 37
لبسا البلى فكأنما وجدا ... بعدَ الأحبةِ مثلَ ما أجدُ
وقال البحتري
أصبا الأصائلِ إنَّ برقةَ ثهمدِ ... تشكو اختلافكِ بالهبوبِ السرمدِ
دمنٌ مواثلُ كالنجومِ فإنْ عفتْ ... فبأيِّ نجمٍ في الصبابةِ نهتدي
وقال الطائي
أأطلالَ ميَّ خبرينا بمنبجٍ ... غناءكِ محظورٌ على الدنفِ الشجي
ومن فعلاتِ الجهلِ توقيفُ ذي حجي ... على عرصاتٍ كالكتابِ المثبجِ
وقال أيضاً
أوما رأيتَ منازلَ ابنةِ مالكٍ ... رسمتْ له كيفَ الزفيرُ رسومها
وكأنما ألقى عصاهُ بها البلى ... من نيةٍ قذفٍ فليسَ يريمها
وقال الكميت
ومشججٍ ترك الولائدُ رأسهُ ... مثلَ السواكِ ورمةً كالمهرقِ
وفيه يقول ابن ناعمةَ المدني
وملقى الهوانِ شجج بالفه ... ر على رأسه دقاقُ الترابِ
وقال المتلمس فيه
ولا يقيمُ على خسفٍ يسامُ به ... إلا الأذلان عيرُ الأهلِ والوتدُ
هذا على الخسف مربوطٌ برمته ... وذا يشجُّ فلا يأوي له أحدُ
وذكره أبو نواس فقال الهزج
ومضروبٌ بلا ذنبٍ ... وما في ضربهِ حوبُ
ولا ضاربهُ معت ... بهُ ما حنتِ النيب
ولا هوْ قائلٌ فيمَ ... ولا لمْ أنا مضروبُ
وبيتٌ ضاقَ عن شسعٍ ... وفيه الخزرُ والنوبُ
يعني بيت الشعر، وقال آخر في محو الديار
بفرعِ اللوى والربعِ قد خفَّ أهلهُ ... وبدلَ أرواحاً جنوباً وشمألا
ضرائرَ أوطنَّ العراصَ كأنما ... أجلنَ على ما غادرَ الحيُّ منخلا
ونحوه قول عروة بن أذينةَ
ونخلنَها نخلَ الطحين مقيمةً ... كلُّ الرياحِ تعيرها غربالها
باب ٣٤ في
الخمر
ومن التشبيهات الحسان في الخمر قول العكوك وهو علي بن جبلة
وصافيةٍ لها في الكاسِ لينٌ ... ولنْ في النفوسِ لها شماسُ
كأنّ يدَ النديمِ تديرُ منها ... شعاعاً لا تحيطُ عليه كاسُ
وقال ابن المعتز
معتقةٌ صاغ المزاجُ لرأسها ... أكاليلَ درٍ ما لمنظومهِ سلكُ
فقدْ خفيتْ حتى كأنَّ ضياءها ... يقينُ ضميرٍ كاد يدخلهُ الشكُّ
وقال أبو عون الكاتب
واسقنيها سقيتها يابنَ عمرو ... من كميت لماعةٍ كالشعاعِ
بنتِ عشرٍ كخاطرِ الوهمِ أو خا ... طفِ برقٍ أو مثلِ حسِّ السماعِ
وقال ابن أبي كريمة
كأنها عرضٌ في كفِ شاربها ... تخالها فارغاً والكأسُ ملأنُ
وقال البحتري
فاشربْ على زهرِ الرياضِ يشوبهُ ... زهرُ الخدودِ وزهرةُ الصهباء
من قهوةٍ تنسى الهمومَ وتبعثُ الش ... وقَ الذي قد ضلَّ في الأحشاءِ
يخفي الزجاجةَ لونها فكأنها ... في الكأسِ قائمةٌ بغير إناءِ
وقال ابن الرومي في هذا المعنى
ويتيمةٍ من كرمها ونديها ... لم تبقِ منها الشمس غيرَ صميمها
لطفتْ فقد كادتْ تكونُ مشاعةً ... في الجوِّ مثلَ شعاعها ونسيمها
وقال ابن المعتز
وكرخيةُ الأنسابِ أو بابليةٌ ... ثوتْ حقباً في ظلمةِ الغارِ لا تسري
أرقتْ صفاءَ الماءِ فوقَ صفائها ... فحلتهما سلاَّ من الشمسِ والبدرِ
وقال آخر
ماءُ الكرومِ وماءُ النيلِ في قدحٍ ... والماء ماآنِ في ما شبهَ الماءُ
كأسٌ صفتْ وصفتْ منها زجاجتها ... كأنها لاشتباهِ اللونِ جوفاءُ
وقال ابن أبي أمية
سقياني بسرَّ منْ را إلى الدي ... رِ فأعلى الوادي إلى أحنائهْ
من شرابٍ كأنهُ ليس في الكأ ... سِ إذا ما صببتهُ من صفائه
وقال آخر في رقتها وصفائها
وكأسٍ سباها التجر من أرضِ بابلٍ ... كرقةِ ماء الشوقِ في الأعينِ النجلِ
إذا شجها الساقي حسبتَ حبابها ... عيونَ الدبَى من تحتِ أجنحةِ النملِ
وقال أبو نواس
وليس لللهوِ إلا كل صافيةٍ ... كأنها دمعةٌ في عينِ مهجورِ
وقال آخر المنسرح
وقهوةٍ كالدموعِ صافيةٍ ... من عينِ صبٍّ أذابهُ الحزنُ
وقال عبد الصمد بن المعذل
ونازعني كأساً كأن رضابها ... دموعي لما صدَّ عن مقلتي غمضِي
وقال ابن الرومي
فاسقنا من شرابك الرائق العذ ... بِ ولا تحمنا سقتك السماءُ
стр. 38
من عيونٍ كأنها دمعةُ المه ... جورِ يبكي وعينهُ مرهاء
وقال الأعشى في صفائها
تريكَ القذى من دونها وهي دونهُ ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطقُ
وسئل النظام عن الزجاج فقال لا يخفى القذى ولا يسترُ وجه النديم وعيبه أنه يسرع إليه الكسر ولا يقبل الجبر. ومن حسن ما شبهتْ به قول أبي نواس المنسرح
ثمَّ توجأتُ رأسها بشبا ال ... اشفى فجاءت كأنها لهب
أقولُ لما حكتهما شبهاً ... أيهما للتشابه الذهب
هما سواءٌ والفرقُ بينهما ... أنهما جامدٌ ومنسكبُ
وقال ابن المعتز
يا نديميَّ أسقياني فقد لا ... حَ صباحٌ وأذنَ الناقوسُ
من كميتٍ كأنها أرضُ تبرٍ ... في نواحيه لؤلؤٌ مغروسُ
وقال أبو نواس
عتقتْ في الدنّ حتى ... هيَ في رقةِ ديني
ثم شجتْ فأدارتْ ... حولها مثل العيونِ
حدقاً ترنوا إلينا ... لمْ تحجرْ بجفونِ
ذهباً يثمرُ دراً ... كلَّ إبانٍ وحينِ
وله أيضاً المنسرح
وخندريسٍ باكرتُ حانتها ... فودجوا خصرها بمبزالِ
فسالَ عرقٌ على ترائبها ... كأنَّ مجراهُ فتلُ خلخالِ
وقال ابن المعتز المنسرح
تخرج من دنها وقد حدبتْ ... مثل هلالٍ بدا بتقويسِ
من لامني في المدام فهو كمنْ ... يمشقُ بالماءِ في القراطيسِ
وقال أوس بن حجر
سأرقمُ في الماءِ القراحِ إليكمُ ... على نأيكمْ إنْ كان للماءِ راقمُ
وقال أبو نواس
فإذا ما اجتليتها فهباءٌ ... تمنعُ الكفَّ ما تبيحُ العيونا
ثمَّ شجتْ فاستضحكتْ عن لآلٍ ... لوْ تجمعنَ في يدٍ لاقتنينا
في كؤوسٍ كأنهنَّ نجومٌ ... جارياتٌ بروجها أيدينا
طالعاتٌ مع السقاةِ علينا ... فإذا ما غربنَ يغربنَ فينا
لو ترى الشربَ حولها من بعيدٍ ... قلتَ قوماً من قرةٍ يصطلونا
وقال ابن المعتز
ظبيٌ خليٌّ من الأحزانِ أودعني ... ما يعلمُ اللهُ من حزنٍ ومن قلقِ
كأنه وكأنَّ الكأسَ في يدهِ ... هلالُ أولِ شهرٍ عبَّ في شفقِ
وقال ابن الرومي
ومهفهفٍ تمت محاسنه ... حتى تجاوز منية النفسِ
تصبو الكؤوس إلى مراشفهِ ... وتهشُّ في يدهِ من الحبسِ
وكأنه والكأسُ في يدهِ ... قمرٌ يقبلُ عارضَ الشمسِ
وقال أبو نواس
إذا عبَّ فيها شاربُ القومِ خلتهُ ... يقبلُ في داجٍ من الليلِ كوكبا
وله أيضاً
وكأنّ شاربها لفرطِ شعاعها ... بالليلِ يكرعُ في سنى مقباسِ
وقال ابن المعتز
يا حسنَ أحمدَ غادياً أمسِ ... بمدامةٍ صفراء كالورسِ
وكأنّ كفيهِ تقسمُ في ... أقداحنا قطعاً من الشمسِ
وقال ابن الرومي المنسرح
ونحن نسقَى شرابَ ذي أدبٍ ... ثناءُهُ من فواكهِ الرفقِ
يلقاك في رقةِ الشرابِ وفي ... نشرِ الخزامى وصفرةِ الشفقِ
له صريحٌ كأنه ذهبٌ ... ورغوةٌ كاللآلئ القلقِ
وتشبيه الحباب بأنصاف اللؤلؤ أحسن من تشبيهه بجميعه وقال ابن المعتز
أسقَى مخدرةَ الدنا ... نِ سلافَ خمرٍ قرقفا
راحاً كأنَّ حبابها ... درٌ يجولُ مجوفا
وقال أبو نواس
كأنّ صغرَى وكبرَى من فواقعِها ... حصباءُ درٍّ على أرضٍ من الذهبِ
وله
ثمَّ شجتْ فأدارتْ ... فوقها طوقاً فدارا
كاقترانِ الدرِّ بالدُّ ... رِ صغاراً وكبارا
فإذا ما اعترضتهُ ال ... عينُ منْ حيثُ استدارا
خلتهُ في جنباتِ ال ... كأسِ واواتٍ صغارا
وقال آخر
فجاء بها كالشمسِ يحكي حبابها ... نجومَ الثريا في الزجاجِ لنا حسنا
وقال أبو نواس المنسرح
تلعبُ لعبَ السرابِ في قدحِ ال ... قومِ إذا ما حبابُها اتصلا
وقال ابن المعتز
وكأسٍ تحجبُ الأبصارُ عنها ... فليسَ لناظرٍ فيها طريقُ
كأنّ غمامةً بيضاءَ بيني ... وبينَ الريحِ تخرقُها البروقُ
وقال أبو نواس
صرفٍ إذا استنبطتَ سورتها ... أدتْ إلى معقولكَ الفرحا
وكأنّ فيها من جنادبها ... فرساً إذا سكنتهُ جمحا
وأخذ من قول حسان في كلمته
стр. 39
بزجاجةٍ رقصتْ بما في جوفها ... رقص القلوص براكبٍ مستعجلِ
وقال آخر
نورٍ تحدرَ من فمِ الإبريقِ ... في ريحِ كافورٍ ولونِ خلوقِ
فكأنّها وشرارها متطائرٌ ... والماءُ يطفئُها لهيبُ حريقِ
وقال ابن أبي عون الكاتب
وللشمسِ في ضمنِ الدهورِ وديعةٌ ... تقومُ مقامَ الشمسِ إنْ غابتِ الشمسُ
يحققُها المستودعونَ فانجلتْ ... فلم يبقَ إلا الحسُّ منها أو الدسُ
وليس لها حد تحيطُ بوصفهِ الل ... غاتُ ولا جسم يباشره اللمس
تلاعبها كفُّ المزاجِ محبةً ... لها وليجري ذات بينهما الأنس
فتزبد من تيهٍ عليه كأنها ... عزيزةُ خدرٍ قد تخبطها اللمسُ
وقال أبو نواس
ثمَّ لما مزجوها ... وثبتْ وثبَ الجرادِ
ثمَّ لما شربوها ... أخذتْ أخذَ الرقادِ
ونحوه قوله
ولها دبيبٌ في العظامِ كأنه ... قبضُ النعاسِ وأخذهُ بالمفصلِ
عبقتْ أكفهمُ بها فكأنما ... يتنازعونَ بها سخابَ قرنفلِ
ومثله له
فأرسلتْ من فمِ الإبريقِ صافيةً ... مثلَ اللسانِ جرى واستمسك الجسدُ
وقال الطائي
وكأسٍ كمعسولِ الأماني شربتُها ... ولكنها أجلتْ وقد شربتْ عقلي
إذا عوتبت بالماء كان اعتذارها ... لهيباً كوقعِ النارِ في الحطبِ الجزل
إذا اليدُ نالتها بوترٍ توقرتْ ... على ضغنها ثمَّ استقادتْ من الرجلِ
وقال ديك الجن
وقم أنتَ فاحثنثْ كأسنا غيرَ صاغرٍ ... ولا تسقِ مطبوخاً وأسقِ عقارها
فقامَ تكادُ الكأسُ تخضبُ كفهُ ... وتحسبهُ من وجنتيهِ استعارها
موردةٌ في كفِّ ظبيٍ كأنما ... تناولها من خدهِ فأدارها
فظلنا بأيدينا نتعتعُ روحها ... وتأخذُ من أقدامنا الراحُ ثارها
وأخذ ابن المعتز قوله: كأنما ... تناولها من خده فأدارها وزاد عليه فقال
تدورُ علينا الكأسُ من كفِّ شادنٍ ... له لحظُ عينٍ تشتكي السقم مدنفُ
كأنَّ سلافَ الخمرِ من ماءِ خدهِ ... وعنقودها من شعرهِ الجعدِ يقطفُ
وقال الطائي
وقهوةٍ كوكبُها يزهرُ ... يسطعُ منها المسكُ والعنبرُ
ورديةٍ يحثها شادنٌ ... كأنها من خدهِ تعصرُ
مهفهفٌ لم يبتسم ضاحكاً ... مذ كان إلا كسد الجوهرُ
وقال ابن المعتز
ونارٍ قدحناها سراعاً بسحرةٍ ... متى ما يرقْ ماءٌ عليها توقدِ
يجولُ حبابُ الماءِ في جنباتها ... كما جالَ دمعٌ فوقَ خدٍ موردِ
وقال أبو نواس
فإذا علاها الماء ألبسها ... نمشاً شبيهَ جلاجلِ الحجلِ
حتى إذا سكنتْ جوانحها ... كتبتْ بمثلِ أكارِعِ النمل
وقال ابن المعتز
كأنَّ في كأسِها والماءُ يقرعها ... أكارعَ النملِ أو نقشَ الخواتيمِ
وقال المنسرح
للماء فيها كتابةٌ عجبٌ ... كمثلِ نقشٍ في فصِّ ياقوتِ
وقال مسلم
إذا مسها الساقي أعارتْ بنانه ... جلابيبَ كالجاديّ من لونها صفر
أناخَ عليها أغبرُ اللون أجوفٌ ... فصارتْ له قلباً وصارَ لها صدرا
أبتْ أن ينالَ الدنُّ مسَّ أديمها ... فحاكَ لها الإزبادُ من دونها سترا
وقال البحتري
ألا ربما كأسٍ سقاني سلافها ... رهيفُ التثني واضحُ الثغرِ أشنبُ
إذا أخذت أطرافهُ من فتورها ... رأيتَ اللجينَ بالمدامةِ يذهبُ
كأنَّ بعينيهِ الذي جاء حاملاً ... بكفيهِ من ناجودِها حين يقطبُ
وله
صافحتْ في وداعِنا فأرتنا ... ذهباً من خضابها في لجينِ
وقال أبو الشيص
سقاني بها والليلُ قد شابَ رأسهُ ... غزال بحناءِ الزجاجةِ مختضبْ
وله أيضاً المتقارب
يدور علينا بها شادنٌ ... يداهُ من الكأسِ مخضوبتانِ
وقال أبو نواس
شمولْ إذا شجتْ تقولُ عقيقةٌ ... تنافسَ فيها السومُ بين تجارِ
كأنّ بقايا ما عفى من حبابها ... تفاريق شيبٍ في سوادِ عذارِ
تعاطيكها كفٌ كأنَّ بنانها ... إذا اعترضتها العين صفُّ مدارِ
وقال ابن المعتز المنسرح
فاشربْ عقاراً كأنها قبسٌ ... قد سبكَ الدهرُ تبرها فصفا
стр. 40
يندى لثامُ الإبريقِ من دمها ... كأنه راعفٌ وما رعفا
وقال أبو الشيص
من كلِّ مرتجفِ الذوائبِ أحمرٍ ... كسرى أبوه وأمه بلقيسُ
يسعى بإبريقٍ كأن فدامهُ ... من نورها في عصفرٍ مغموسُ
وقال ابن المعتز
ومعشوقُ الشمائل عسكريٌ ... له قتلٌ وليسَ له سلاحُ
كأنَّ الكأسَ في يدهِ عروسٌ ... لها من لؤلؤٍ رطبٍ وشاحُ
وقال أبو نواس
ترى كأسها عندَ المزاجِ كأنها ... نثرتَ عليها حلي رأسِ عروسِ
فتهتكُ أستارَ الضميرِ عن الحشا ... وتبدي من الأسرارِ كلَّ حبسِ
وقال البحتري
قد سقاني ولم يصردْ أبو الغو ... ثِ على العسكرينِ شربةَ خلسِ
من مدامٍ تخالها وهيَ نجم ... في دجى الليل أو مجاجةُ شمسِ
أفرغتْ في الإناءِ من كلِ قلبٍ ... فهي محبوبةٌ إلى كلِ نفسِ
وقال أبو نواس
نبهْ نديمكَ قد نفسْ ... يسقيكَ كأساً في الغلسْ
صرفاً كأنّ شعاعها ... من كفِّ شارِبها قبسْ
تذرُ الفتى وكأنما ... بلسانهِ منها خرسْ
يدعَى فيرفعُ رأسهُ ... فإذا استقل به نكسْ
ونحوه قول أبي الهندي
سقيتُ أبا المطرحِ إذْ أتاني ... وذو الرعثاتِ منتصبٌ يصيحُ
شراباً يهربُ الذبانُ منه ... ويلثغُ حينَ يشربهُ الفصيحُ
وقال أبو نواس
جاءتك من بيتِ خمارٍ بطينتها ... صفراءُ مثلُ شعاعِ الشمسِ تتقدُ
فابتزها من فمِ الإبريقِ فانبعثتْ ... مثلَ اللسانِ جرى واستمسكَ الجسدُ
وقال الأخطل
نازعتهمْ طيبَ الراحِ الشمولِ وقد ... صاحَ الدجاجُ وحانتْ وقعةُ الساري
لما أتوها بمصباحٍ ومبزلهمْ ... سمتْ إليهم سموَّ الأبجلِ الضاري
ومن حسن الاستعارة قول ابن المعتز المنسرح
قمْ فاسقنيها سلافَ ما يعصرْ ... مجلوةً في غلائلِ الجوهرْ
اسكنتِ الدنَّ في معصفرةٍ ... وأخرجتْ في متبنٍ أصفرْ
وقال الناجم
عصرتْ فألقتْ حلةً سبجيةً ... عنها وجرتْ للعقيقِ ذيولا
وقال ابن الرومي المنسرح
ودرةُ اللونِ في خدود الندا ... مَى وهيَ صفراءُ في خدودِ الكؤوس
ولابن الرومي
هيَ الورسُ في بيضِ الكؤوسِ فإنْ بدتْ ... لعينيكَ في بيضِ الوجوهِ فعندمُ
وقال أبو نواس
تصبحْ بوجهِ الراحِ والطائرِ السعدِ ... كميتاً وبعدَ المزجِ في شبهِ الوردِ
وقال الناجم المتقارب
أدرْ يا سلامةُ كأسَ العقارِ ... وضاهِ بشدوكَ نوحَ القمارِي
وخذها مشعشعةً قهوةً ... تصبُّ على الليلِ ثوبَ النهارِ
يسالبها الخدُّ جريالها ... وتهديهِ للعينِ يوم الخمارِ
وقال ابن المعتز
ومقتولِ سكرٍ عاش لي إنْ دعوتهُ ... إلي مجيباً قد يرى غيهُ رشدا
فقام بكفيهِ بقايا خمارهِ ... وعيناهُ من خديهِ قد جنتا وردا
وقال الأعشى
وكريمةٍ مما يعتق بابلْ ... كدمِ الذبيحِ سلبتها جريالها
الرواة تفسر هذا البيت تقول شربتها حمراء وبلتها بيضاء وسئل أبو نواس عنها فقال المعنى فيه مثل قوله.
كأساً إذا انحدرتْ في حلقِ شاربها ... أرتكَ حمرتها في العينِ والخدِّ
باب ٣٥ في
أواني الخمر
ومن التشبيهات في أواني الخمر قول علقمة بن عبدة
كأنَّ إبريقهمْ ظبْي على شرفٍ ... مفدمٌ بسبا الكتانِ ملثومُ
الفدام واللثام واحد وهو ما شددته على فم الإبريق أو فم الإنسان ومن ذلك قيل رجلٌ فدمٌ كأن على فمه غطاءً وملثوم بلثام وكانت أباريقهم قديماً بأرجلٍ فلذلك شبهوها بالظباء لطول أعناقها وقوائمها وقال آخر
يا ربَّ مجلسِ فتيةٍ نادمتهمْ ... منْ عبدِ شمسٍ في ذرى العلياء
وكأنما إبريقهم من حسنه ... ظبيٌ على شرفٍ أمام ظباءِ
وقال أبو الهندي في الأواني
مفدمةٌ قزاً كأنّ رقابها ... رقابُ بناتِ الماء أفزعها الرعدُ
وقال ابن المعتز
وكأنَّ إبريقَ المدامةِ بينهمْ ... ظبيٌ على شرفٍ أنافَ مدلها
لما استحثتهُ السقاةُ جثى لها ... فبكى على قدحِ النديمِ وقهقها
وقال اسحق الموصلي
كأن أباريقَ المدامةِ بينهْم ... ظباءٌ بأعلى الرقمتين قيامُ
стр. 41
وقد شربوا حتى كأنّ رقابهم ... من اللينِ لم تخلق لهن عظامُ
وقال أبو نواس نحو ذلك
ركبٍ تساقوا على الأكوارِ بينهمُ ... كأسَ الكرى وانتشى المسقيُّ والساقي
كأنَّ أرؤسهمْ ... والنومُ واضعها على المناكبِ لم تعدلْ بأعناقِ
ومما يدخلُ في هذا الباب من حسن التشبيه قول ابن الرومي يصف قدحاً أهداه إلى علي بن يحيى في أبياتٍ بعضها متعلق ببعض
وبديعٍ من البدائعِ يسبي ... كلَّ عقلٍ ويطبي كل طرف
دقَّ في الحسنِ والملاحةِ حتى ... ما يوفيه واصفٌ حقَّ وصفِ
كهواءٍ بلا هباءٍ مشوبٍ ... بضياءُ أرققْ بذاك وأصفِ
وسطُ القدرِ لم يكبرْ لجرعٍ ... متوالٍ ولم يصغرْ لرشفِ
لا عجولٌ على العقولِ جهول ... بل حليمٌ عنهنَّ من غير ضعفِ
ما رأى الناظرونَ قداً وشكلاً ... فارساً مثلهُ على ظهرِ كفِ
فيه لونٌ معقربٌ عطفتهُ ... حكماءُ القيونِ أحسنَ عطفِ
مثلَ عطفِ الأصداغ في وجناتٍ ... من غزالٍ زهى بثغرٍ وطرفِ
وقال في قدح رأى فيه نبيذاً أسود
علني أحمدٌ من الدوشابِ ... شربةٌ نغصتْ سوادَ الشبابِ
لا تراني وفي يدي قدحُ الدو ... شابِ أبصرتَ بازياً وغرابِ
وقال البحتري نحو ذلك المتقارب
فجاء نبيذٌ له حامضٌ ... يشقُّ على الكبدِ المقفره
إذا صبَّ مسودهُ في الإناءِ ... فكأسُ النديمِ به محبره
وقال ابن المعتز
أخي ردِ كأسَ الخمرِ عني فلا خمرا ... تبدلتَ منها أسوداً حالكاً مرا
كأنَّ بأيدي شاربيها إذا انتشوا ... محابرَ وراقينَ قد ملئتْ حبرا
ومن التشبيه الحسن قول البحتري في إناءٍ أرق
قد أتتنا تلك الهدية والصهباءُ من خيرِ ما تبرعتَ تهدى
لبست زرقةَ الزجاجِ فجاءتْ ... ذهباً يستبينُ في اللازوردي
وقال ابن المعتز
غدا بها صفراءَ كرخيةً ... كأنها في كأسها تتقدْ
فتحسبُ الماء زجاجاً جرى ... وتحسبُ الأقداحَ ماءً جمدْ
وقال الطائي
وكأن بهجتها وبهجة كأسها ... نارٌ ونورٌ قيدا بوعاءِ
أو درةٌ بيضاءُ بكرٌ أطبقتْ ... جبلاً على ياقوتةٍ حمراء
وقال ابن المعتز
منْ لي على رغمِ الحسودِ بقهوةٍ ... بكرٍ ربيبةِ خانةٍ عذراء
موجٍ من الذهبِ المذابِ تضمهُ ... كأسٌ كقشرِ الدرةِ البيضاءِ
وهذا قول أبي نواس
فالخمرُ ياقوتةٌ والكأسُ لؤلؤةٌ ... من كفِ جاريةٍ ممشوقةِ القدِ
باب ٣٦ في
النرجس
ومن جيد ما قيل في النرجس ما أنشدناه المبرد
نرجسةٌ لا حظني طرفها ... يشبهُ ديناراً على درهمِ
وقال عبيد الله بن عبد الله فيه المنسرح
ترنو بأبصارها إليك كما ... ترنو إذا خافت اليعافيرُ
مثلَ اليواقيتِ قد نظمنَ على ... زمردٍ فوقهنَّ كافورُ
كأنها والعيونُ ترمقها ... دراهمٌ وسطها دنانيرُ
وقال أبو نواس
لدي نرجسٍ غضِّ القطافِ كأنه ... إذا ما منحناهُ العيونَ عيونُ
مخالفةٌ في شكلهنَّ فصفرةٌ ... مكانَ سوادٍ والبياضُ جفونُ
وقال وذكر العلةَ في أنه كعينٍ لا تطرفُ فصار التشبيه تاماً وهو
كأنما النرجسُ يحكي لنا ... عينَ محبٍّ أبداً تنظرُ
لا تطرفُ الدهرَ لإشفاقها ... تخوفاً من نظرةٍ تقصرُ
وقال آخر
وكأنّ العيونَ في النرجسِ الغضِّ عيونٌ قد وكلتْ بالسهودِ
وقال ابن الرومي يفضل النرجس على الورد
خجلتْ خدودُ الوردِ من تفضيلهِ ... خجلاً توردها عليه شاهدُ
لم يخجل الوردُ الموردُ لونهُ ... إلا وناحلهُ الفضيلةَ عاندُ
للنرجسِ الفضلُ المبينُ وإنْ أبى ... آبٍ وحادَ عن الطريقةِ حائدُ
فصلُ القضيةِ إنَّ هذا قائدٌ ... زهرَ الربيعِ وإنَّ هذا طاردُ
شتانَ بينَ اثنينِ هذا موعدٌ ... بتسلبِ الدنيا وهذا واعدُ
وإذا احتفظتَ به فأمتعُ صاحبٍ ... بحياتهِ لو أن حياً خالدُ
ينهي النديمَ عن القبيحِ بلحظةٍ ... وعلى المدامةِ والسماعِ مساعدُ
أطلبْ بعقلكَ في الملاحِ سميهُ ... يوماً فإنكَ لا محالةَ واجدُ
стр. 42
والوردُ لو فتشتَ فرداً في اسمهِ ... ما في الملاحِ له سميٌّ واحدُ
هذي النجومُ هي التي ربتهما ... بحيا السحابِ كما يربي الوالدُ
فانظرْ إلى الأخوينِ من أدناهما ... شبهاً بوالدهِ فذاك الماجدُ
أين الخدودُ من العيونِ نفاسةً ... ورئاسةً لولا القياسُ الفاسدُ
وقال الناشي المتقارب
أخص الصفات التي ... تناولها من كثبْ
عيونٌ بلا أوجهٍ ... لها حدقٌ من ذهبْ
وقال ابن المعتز
كأنَّ عيونَ النرجسِ الغضِ بيننا ... مداهنُ درٍّ بينهنَّ عقيقُ
إذا بلهنَّ القطرُ خلتَ دموعها ... بكاءَ عيونٍ كحلهنَّ خلوقُ
وقال ابن الرومي يستهدي نبيذاً
أدركْ ثقاتكَ أنهمْ وقعوا ... في نرجسٍ معه ابنةُ العنبِ
فهمُ بحالٍ لو بصرتَ بها ... سبحتَ من عجبٍ ومن طربِ
ريحانهمْ ذهبٌ على دررٍ ... وشرابهمْ دررٌ على ذهبِ
يا نرجسَ الدنيا أقمْ أبداً ... للاقتراحِ ودائرِ النخبِ
هذبَ العيونُ إذا مثلنَ بها ... دررُ الجفونِ زبرجدُ القضبِ
وأنشدنا زبير بن بكار
شموسٌ وأقمارٌ من الزهرِ طلعُ ... لذي اللهوِ في أكنافها متمتعُ
نشاوَى تثنيها الرياحُ فتنثني ... ويلثمُ بعضٌ بعضها ثمَّ يرجعُ
كانَّ عليها من مجاجةِ طلها ... لآلئ إلا أنها هي ألمعُ
ويحدرُها عنها الصبا فكأنها ... دموعٌ مراها البينُ والبين يفجعُ
وقال ابن المعتز في قصيدة له يصف فيها جملة الأنوار
أما ترى البستانَ كيفَ نورا ... ونشرَ المنشورَ برداً أصفرا
وضحكَ الوردُ على الشقائقِ ... واعتنقَ الغصنَ اعتناقَ وامقِ
في روضةٍ كحللِ العروسِ ... وخرمٌ كهامةِ الطاؤوسِ
وياسمين في ذرى الأغصانِ ... منتظمٌ كقطعِ العقيانِ
والسروُ مثلُ قضبِ الزبرجدِ ... قد استمدّ الماء من تربٍ ندِي
على رياضٍ وثرًى ثريِّ ... وجدولٍ كالمبردِ المجلي
وفرخَ الخشخاشُ حيناً وفتقْ ... كأنه مصحفةٌ بيضُ الورقْ
أو مثلُ أقداحِ من البلورِ ... تخالها تجسمتْ من نورِ
تبصرهُ بعدَ انتشارِ الوردِ ... مثلَ الدبابيسِ بأيدي الجندِ
والسوسنُ الآزاذُ منشورُ الحللْ ... كقطنٍ قد مسهُ بعضُ البللْ
وقد بدتْ فيه ثمارُ الكسبرِ ... كأنها جماجمٌ من عنبرِ
وحلقُ البهارِ حولَ الآسِ ... جمجمةٌ كهامةِ الشماسِ
وجلنارٌ كاحمرارِ الوردِ ... أو مثلُ أعرافِ ديوكِ الهندِ
والأقحوانُ كالثنايا الغرِّ ... قد فصلتْ أنوارها بالقطرِ
ومن جيد التشبيه فيها في ذم الشتاء
وقد نسيتُ شررَ الكانونِ ... كأنه نثارُ ياسمينِ
وتركَ البساطُ بعد الخمدِ ... ذا نقطٍ سودٍ كجلدِ الفهدِ
وتشبيه البهار بهامة الشماس مأخوذ من قول ابن الرومي في صفة روضة
وروضةٍ عذراء غيرِ عانسهْ ... جادتْ لها كلُّ سماءٍ راجسهْ
كأنما الألسنُ عنها لاحسهْ ... فيها شموسٌ للبهارِ وارسهْ
كأنها جماجمُ الشمامسهْ ... تروقكَ النورةُ منها الناكسهْ
بعينِ يقظَى وبجيدِ ناعسهْ ... لؤلؤةُ الطلِّ عليها فارسهْ
وقال ابن المعتز
يا ربما نازعتهُ ... روح دنانٍ صافيه
في روضةٍ كأنها ... جلدُ سماءٍ عاريهْ
وقال الأخيطل الواسطي
سقياً لأرضٍ إذا ما نمتُ ينبهني ... بعد الهدوءِ بها قرعُ النواقيسِ
كأنه سوسنها في كل شارفةٍ ... على الميادين أذنابُ الطواويسِ
وقال ابن المعتز
ظللتُ بملهى خيرَ يومٍ وملعبِ ... تدور علينا الكأسُ في فتيةٍ زهرِ
لدي نرجسٍ غضٍ وسرو كأنهُ ... قدودُ جوارٍ ملنَ في أزرٍ خضرِ
وقال سعيد بن حميد يذكر روضةً
حفتْ بسروٍ كالقيانِ تلبسْ ... خضرَ الحريرِ على قوامٍ معتدلْ
فكأنها والريحُ تخطرُ بينها ... تنوي التعانقَ ثم يمنعها الخجلْ
وله
وترى الغصونَ إذا الرياحُ تنفستْ ... ملتفةً كتعانقِ الأحبابِ
وقال ابن الرومي
ورياضٍ تخايلُ الأرضُ فيها ... خيلاء الفتاةِ في الأبرادِ
стр. 43
ذاتِ وشيٍ تكلفتهُ سوراٍ ... لبقاتٌ تحوكهُ وغوادِ
شكرتْ نعمةَ الوليِّ على الوس ... ميِّ ثمَّ العهدَ بعدَ العهدِ
هي تثنِي على السماءِ ثناءً ... طيبَ النشرِ شائعاً في البلادِ
من نسيمٍ كأنَّ مسراهُ في الأر ... واحِ مسرى الأرواحِ في الأجسادِ
منظرٌ معجبٌ تحيةُ إلفٍ ... ريحها ريحُ طيبِ الأولادِ
تتداعى بها حمائمُ مشتى ... كالبواكي وكالقيانِ الشوادِ
وقال آخر
إلى الروضِ الذي قد أضحكتهُ ... شآبيبُ السحائبِ بالبكاءِ
كأنَّ شقائقَ النعمانِ فيه ... ثيابٌ قد روينَ من الدماءِ
وقال الأخيطل
هذي الشقائق قد أبصرتُ حمرتها ... مستشرفاتٌ على عيدانها الذللِ
كأنها دمعةٌ قد مسحتْ كحلاً ... فاضتْ بها غبرةٌ في وجنتي خجلِ
وقال ابن المعتز
فطافَ بها ساقٍ أريبٌ بمبزلٍ ... كخنجرِ عيارٍ صناعتهُ الفتك
وحملَ آذريونةً فوقَ أذنهِ ... ككأسِ عقيقٍ في قرارتها مسكُ
وقال آخر في البنفسج
وكأنّ البنفسجَ الغضَّ يحكي ... أثر اللطمِ في خدودِ الغيدِ
وقال العلوي الكوفي
دمنٌ كأنَّ رياضها ... يكسينَ أعلامَ المطارفْ
وكأنما غدرانها ... فيها عشورٌ في مصاحفْ
وكأنما أنوارها ... تهتزَّ بالريحِ العواصفْ
طررُ الوصائفِ يلتقينَ بها إلى طررِ الوصائفْ
باتتْ سواريها تم ... خضُ في رواعدها القواصفْ
وكأنَّ لمعَ بروقها ... في الجوِ أسيافُ المثاقفْ
ثم انبرتْ سحاً كبا ... كيةٍ بأربعةٍ ذوارفْ
وقال البحتري
أتاكَ الربيعُ الطلقُ يختالُ ضاحكاً ... من الحسنِ حتى كاد أن يتكلما
وقد نبهَ النوروزُ في غلسِ الدجى ... أوائلَ وردٍ كنَّ بالأمسِ نوما
يفتحهُ بردُ الندى فكأنما ... يبثُّ حديثاً كان قبلُ مكتما
ومن شجرٍ ردَّ الربيعُ لباسهُ ... عليه كما نشرتَ وشياً منمنما
أحلَّ فأبدَى للعيونِ بشاشةً ... وكان قذًى للعينِ إذ كان محرما
وقال ابن الرومي
أصبحتِ الدنيا تروقُ من نظرْ ... بمنظرٍ فيه جلاءٌ للبصرْ
واهاً لها مصطنعاً لقد شكرْ ... أثنتْ على اللهِ بالآلاءِ المطرْ
فالأرضُ في روضٍ كأفوافِ الحبرْ ... تبرجتْ بعدَ حياءٍ وخفرْ
تبرجَ الأنثى تصدتْ للذكرْ
وقال ابن المعتز في روضةٍ
جلا لنا وجهُ الثرى عن منظرِ ... كالعصبِ أو كالوشيِ أو كالجوهرِ
من أبيضٍ وأصفرٍ وأحمرِ ... وطارِفٍ أجفانهُ لم تنظرِ
تخالهُ العينُ فماً لم يفغرِ ... وفاتقٍ كادَ ولم ينورِ
كأنه مبتسمٌ لم يكشرِ ... وأدمعُ الغدرانِ لم تكدرِ
كأنها دراهمٌ في منشرِ ... أو كعشورِ المصحفِ المنشرِ
فيه الندى مستوقفاً لم يقطرِ ... كدمعةٍ حائرةٍ في محجرِ
وقال عبد الصمد بن المعذلِ وينسب بعضهم هذه الأبيات إلى خالد الكاتب
رأتْ منه عيني منظرينِ كما رأتْ ... من الشمسِ والبدرِ المنيرِ على الأرضِ
عشيةَ حياني بوردٍ كأنه ... خدودٌ أضيفتْ بعضهنَّ إلى بعضِ
ونازعني كأساً كأنَّ رضابها ... دموعِيَ لما صدَّ عن مقلتِي غمضي
وولَّى وفعلُ السكرِ في حركاتهِ ... من الراحِ فعلُ الريحِ بالغصنِ الغض
وقال علي بن الجهم
ما أخطأ الوردُ منك شيئاً ... طيباً وحسناً ولا ملالا
أقام حتى إذا أنسنا ... بقربهِ أسرعَ انتقالا
باب ٣٧ في
المياه والجداول
ومن حسن التشبيه في المياه والجداول والغدران قول ابن الرومي
ألذ من معتقِ الرساطونْ ... وقهوتي قطربلٍ وكرينْ
جرجرةٌ من ماءِ ليلِ تشرينْ ... كرونقِ السيفِ اليماني المسنونْ
وقال ذو الرمة في نحوه
فما انشقَّ ضوءُ الصبحِ حتى تبينتْ ... جداول أمثالَ السيوفِ القواطعِ
وقال آخر في ماءٍ شديدِ الجري
كأنما يفقدهُ من يشهده ... فهو شفاء الصاد مما يعمده
وقال ابن المعتز
لا مثلُّ منزلةِ الدويرةِ منزلٌ ... يا دارُ جادكِ وابلٌ وسقاكِ
стр. 44
وكأنّ درعاً مفرغاً من فضةٍ ... ماء الغدير جرتْ عليه صباكِ
وقال آخر
ألا ليتَ شعري هل أرى جانب الحمى ... وقد أنبتْ مسلانهُ بقلهُ جعدا
وهل أردنَّ الدهرَ ماء وقيعةٍ ... كأنّ الصبا شدتْ على متنهِ بردا
وقال مسلم صريع الغواني
وماءٍ كعينِ الشمسِ لا يقبلُ القذى ... إذا درجتْ فيه الصبا خلتهُ يعلو
وقال ابن المعتز
وماءٍ كأفقِ الصبحِ صافٍ جمامهُ ... دفعتُ القطا عنه وخففتُ كلكلا
إذا استجهلتهُ الريحُ جالتْ قذاتهُ ... وجردَ من إغمادِهِ فتسلسلا
فلما وردن الماء وانسلَّ صفوهُ ... كما أغمدتْ أيدي الصياقلِ منصلا
وله أيضاً
ظللتُ بها أسقَى سلافةَ قهوةٍ ... بكفِّ غزالٍ ذي جفونٍ صوائدِ
على جدولٍ ريانَ لا يكتمُ القذَى ... كأنّ سواقيهِ متونُ المباردِ
وقال ابن الرومي
على حفافيْ جدولٍ مسجورِ ... أبيضَ مثلِ المهرقِ المنشورِ
أو مثلِ متنِ المنصلِ المشهورِ ... ينسابُ مثلَ الحيةِ المذعورِ
وأنشد الطائي
اقرأ على الوشلِ السلامَ وقل له ... كلُّ المشاربِ مذ هجرت ذميمُ
سقياً لظلكَ بالعشيّ وبالضحى ... ولبردِ مائكَ والمياهُ حميمُ
وقال ابن المعتز يهجو ماءً
وماءٍ دارسِ الآثارِ خالٍ ... كدمغٍ حارَ في جفنٍ كحيل
وقال آخر
ألا هلْ إلى شربٍ بأكنافِ منشدٍ ... سبيلٌ فقد بلاكَ ماءُ اللواحقِ
له جلباتٌ في البطونِ كأنها ... إذا سمعتْ جريُ العتاقِ السوابقِ
كأن سحيقَ المسكِ شيب بطعمهِ ... إذا ذاقهُ يوماً على اللوحِ ذائقِ
وقال ذو الرمة
وماءٍ بعيدِ العهدِ بالناسِ آجنٍ ... كأنَّ الدبَى ماءَ الفضا فيه يبصقُ
وقال ابن المعتز
وماءٍ خلاءٍ قد طرقتُ بسدفةٍ ... عليه القطا كأنَّ آجنهُ الزيتُ
وأنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب
وأخضرَ كالحناءِ طامٍ جمامهُ ... بعيدٌ به الأصواتُ قطعَ بالمحلِ
وجدتُ عليه الذئبَ يعوي كأنهُ ... خليعٌ خلا من كلِ مالٍ ومن أهلِ
فقلتُ له يا ذئبُ هل لك في فتًى ... يواسيكَ في ظهرِ المطيةِ والرحلِ
باب ٣٨ في
وصف النار
وقال كثير يذكر ناراً
رأيتُ وأصحابي بأيلةَ موهناً ... وقد غابَ نجمُ الفرقدِ المتصوبُ
لعزةَ ناراً ما تبوخُ كأنها ... إذا ما رمقناها من البعدِ كوكبُ
وقال آخر في صفة نار
كأنَّ النار تقطعُ من سناها ... بنائقَ جبةٍ من أرجوانِ
وقال ابن المعتز
وموقداتٍ بتنَ يضرمنَ اللهبْ ... يشبعنهُ من فحمٍ ومن حطبْ
يرفعنَ نيراناً كأشجارِ الذهبْ
وقال آخر
ومستنبحٍ بعدَ الهدوءِ دعوتهُ ... بشقراءَ مثلِ الفجرِ ذاكٍ وقودها
وقال جران العودِ
ونارٍ كسحرِ العودِ يرفعُ ضوءها ... مع الصبحِ هباتُ الرياحِ الزعازعِ
وقال ابن المعتز
فوقَ نارٍ شبعَى من الحطبِ الجز ... لِ إذا ما التظتْ رمتْ بالشرارِ
فهيَ تعلو اليفاعَ كالرايةِ الحم ... راءِ تفري الدجى إلى كلِ سارِ
وقال آخر في فتح هرقلة
كأنّ نيراننا في جنبِ قلعتهم ... مصبغاتٌ على أرسانِ قصارِ
وقال الطائي في إحراق المعتصم للأفشين
ما زالَ سرُّ الكفرِ بينَ ضلوعهِ ... حتى اصطلى سرَّ الزنادِ الواري
ناراً يساورُ جسمهُ من حرها ... لهبٌ كما عصفرتَ شقَّ إزارِ
طارتْ لها شعلٌ يهدمُ لفحها ... أركانهُ هدماً بغيرِ غبارِ
مشبوبةً رفعتْ لأعظمِ مشركٍ ... ما كانَ يرفعُ ضوءها للساري
صلى لها حياً وكان وقودها ... ميتاً ويدخلها مع الفجارِ
باب ٣٩ في
طول الليل
ومن التشبيه الحسن في طول الليل قول امرئ القيس
وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سدولهُ ... عليَّ بأنواعِ الهمومِ ليبتلي
فقلتُ له لما تمطى بصلبهِ ... وأردفَ أعجازاً وناءَ بكلكلِ
ألا أيها الليلُ ألا انجلِ ... بصبحٍ وما الإصباحُ منكَ بأمثلِ
فيا لك من ليلٍ كأنَّ نجومهُ ... بكلِّ مغارِ الفتلِ شدتْ بيذبلِ
стр. 45
كأنَّ الثريا علقتْ في مصامها ... بأمراسِ كتانٍ إلى صمِّ جندلِ
وقال الطرماحُ مثل قوله: وما الإصباح فيك بأمثل. وزاد عليه
ألا أيها الليلُ ألا اصْبِحي ... ببمَّ وما الإصباحُ فيك بأروحِ
على أنَّ للعينينِ في الصبحِ راحةً ... بطرحهما طرفيهما كلَّ مطرحِ
ومثله قول الآخر
يا ليلُ ليتكَ سرمدٌ أبداً ... ما في الصباحِ لعاشقٍ فرجُ
وقال آخر مثل قوله بأمراس كتان
أراقبُ في السماءِ بناتِ نعشٍ ... ولو أسطيعُ كنتُ لهنَّ حادي
كأنّ الليلَ أوثقَ جانباهُ ... وأوسطَهُ بأمراسٍ شدادِ
وقال آخر
ليلٍ تطاولً ما ينفكُّ عن جهةٍ ... كأنه فوقَ وجهِ الأرضِ مشكولُ
لا فارقَ الصبحَ كفي إنْ ظفرتُ به ... وإنْ بدتْ غرةٌ منه وتحجيلُ
وقال بشار
خليليَّ ما بالُ الدجى ليسَ يبرحُ ... وما لعمودِ الصبحِ لا يتوضحُ
أضلَّ النهارُ المستنيرُ طريقهُ ... أم الدهرُ ليلٌ كأنه ليسَ يبرحُ
وطالَ عليَّ الليلُ حتى كأنهُ ... بليلينِ موصولٌ فما يتزحزحُ
وقال آخر
كأنَّ بهيم الليلِ أعمى مقيدٌ ... تحيرَ في تيهٍ من الأرضِ مجهلِ
كأنَّ الظلامَ حينَ أرخى سدولهُ ... يبيتُ على ليلٍ بليلٍ موصلِ
وقال ابن الرقاعِ مثله
وكنَّ ليلي حين تغربُ شمسهُ ... بسوادِ آخر مثلهِ موصولُ
أرعى النجومَ إذا تغيبَ كوكبٌ ... أبصرتُ آخر كالسراجِ يجولُ
وقال أصرمُ بن حميد
وليلٍ طويلِ الجانبينِ قطعتهُ ... على كمٍد والدمعُ تجري سواكبهْ
كواكبهُ حسرى عليه كأنها ... مقيدةٌ دونَ المسير كواكبهْ
وقال آخر
ما لنجومِ الليلِ لا تغربُ ... كأنها من خلفها تجذبُ
رواكداُ ما غار في غربها ... ولا بدا من شرقها كوكبُ
وذكرَ الفرزدقُ العلةَ في طول الليل فقال
يقولونَ طالَ الليلُ والليلُ لم يطلْ ... ولكنَّ من يبكي من الشوقِ يسهرُ
وقال بشار
لم يطلْ ليلي ولكنْ لم أنمْ ... ونفى عني الكرى طيفٌ ألمْ
وقال العجاج
تطاول الليلُ على مَنْ لم ينمْ ... واحتمت العينُ احتمامَ ذي السقم
وقال علي بن محمد بن نصر بن بسام
لا أظلمُ الليلَ ولا أدَّعِي ... أن نجومَ الليلِ ليستْ تغور
ليلي كما شاءتْ فإنْ لم تجدْ ... طالَ وإنْ جادتْ فليلي قصيرْ
وقال بشار
أقولُ وليلتي تزدادُ طولاً ... أما لليلِ بعدهمُ نهارُ
نبتْ عيني عن التغميض حتى ... كأنَّ جفونها عنها قصارُ
ومن حسن الكلام في طول الليل وإنْ لم يكنف يه تشبيه قول النابغة
كليني لهمٍّ يا أميمةَ ناصبِ ... وليلٍ أقاسيه بطيءَ الكواكبِ
تقاعس حتى قلتُ ليسَ بمنقضٍ ... وليسَ الذي يرعى النجومَ بآئبِ
وأحسنَ ابن الأحنف في قوله أيضاً
أيها النائمونَ حولي أعينو ... ني على الليلِ حسبةً وائتجارا
حدثوني عن النهارِ حديثاً ... أو صفوهُ فقد نسيتُ النهارا
وقال سعيد بن حميد الكاتب
يا ليلُ بل يا أبدُ ... أنائمٌ عنك غدُ
يا ليلُ لوْ تلقَى الذي ... ألقى بها أو أجدُ
قصرَ من طولكَ أوْ ... ضعفَ منكَ الجلدُ
أشكو إلى ظالمةٍ ... تشكو الذي لا تجدُ
وقفٌ عليها ناظري ... وقفٌ عليها السهدُ
والباب في هذا أوسع من أن نحصره في هذا الفصل وقال الحارث بن خالد
تعالوا أعينوني على الليلِ إنهُ ... على كلِّ عينٍ لا تنامُ طويلُ
وذكر عمر بن شبة أن بيت الحارث بن خالد أصلٌ من ذكر طول الليل وقال خالد الكاتب المتقارب
رقدتَ فلم ترثِ للساهرِ ... وليلُ المحبِّ بلا آخرِ
ولم تدرِ بعدَ ذهابِ الرقا ... دِ ما فعلَ الدمعُ من ناظري
وقال ابن الرومي
ربَّ ليلٍ كأنهُ الدهرُ طولاً ... قد تناهى فليسَ فيه مزيدُ
ذي نجومٍ كأنهنَّ نجومُ ال ... شيبِ ليستْ تزولُ لكنْ تزيدْ
باب ٤٠ في
خفوق القلب
ومن حسن التشبيه في خفوق القلب وتعلقه قول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت
كأنَّ فؤادي في مخالبِ طائرٍ ... إذا ذكرتكِ النفسُ شدَّ بها قبضا
стр. 46
كأنَّ فجاجَ الأرضِ حلقةُ خاتمٍ ... عليَّ فما تزدادُ طولاً ولا عرضا
ومثل هذا قول الآخر
كأنَّ بلادَ اللهِ وهي عريضةٌ ... على الخائفِ المذعورِ كفةُ حابلِ
الكفة بالكسر من الميزان معروفة ويفتح ومن الصائد حبالته ويضم وقال الشماخ
وبات فؤادي مستخفاً كأنه ... خوافي عقابٍ بالجناحِ خفوقُ
وقال الفرزدق
وخافوكَ حتى القومُ تنزو قلوبهمْ ... كنزوِ القطا ضمتْ عليه الحبائلُ
وقال عروة بن حزامٍ
كأنَّ قطاةً علقتْ بجناحها ... على كبدي من شدةِ الخفقان
أناسيةٌ عفراءُ ذكرى بعدما ... تركتُ لها ذكراً بكلِ مكانِ
وقال ابن ميادة
ألا ما لقلبي لا يزال كأنهُ ... يدا لامعٍ أو طائرٌ يتصرفُ
وقال توبة بن الحمير
كأنَّ القلبَ ليلةَ قيل يغدي ... بليلي العامرية ويراحُ
قطاةٌ عزها شركٌ فباتتْ ... تجاذبهُ وقد علقَ الجناحُ
فلا في الليلِ نالتْ ما تمنت ... ولا في الصبحِ كان لها براحُ
وقال بشار
كأنَّ فؤادهُ كرةٌ تنزَّى ... حذارِ البينَ إنْ نفعَ الحذارُ
نبتْ عيني عن التغميضِ حتى ... كأنَّ جفونها عنها قصارُ
ومثله قول الآخر المتقارب
كأنَّ المحبَّ قصيرُ الجفونِ ... لطولِ السهادِ ولم تقصرِ
وقال ديك الجن
كأنَّ على قلبي قطاةً تذكرتْ ... على ظمإٍ ورداً فهزتْ جناحها
ولي كبدٌ حرَّى ونفسٌ كأنها ... بكفِّ عدوٍ ما يريدُ سراحها
وقال آخر
كأنَّ فؤادي عظمُ ساقٍ مهيضةٍ ... عنيفٌ مداريها بطيءٌ جبورها
إذا حزموها بالجبائرِ أوهنتْ ... ونْ تركوها فهي بادٍ كسورها
وقال المجنون
كأن فؤادي كلما مر راكبٌ ... جناحُ عقابٍ رامَ نهضاً إلى وكرِ
تداويتُ من ليلَى بليلَى من الهوى ... كما يتداوى شاربُ الخمرِ بالخمرِ
وقال أبو صخرٍ الهذلي
وإني لتعروني لذكراكِ روعةٌ ... كما انتفضَ العصفورُ بللهُ القطرُ
وقال المجنون
وداعٍ دعا إذْ نحنُ بالخيفِ من منًى ... فهيجَ أحزانَ الفؤادِ وما يدرِي
دعا باسمِ ليلَى غيرها فكأنما ... أطار بليلَى طائراً كان في صدري
باب ٤١ في
فناء الناس
ومن حسن التشبيه في فناء الناس قول عدي بن زيد
أينَ كسرى كسرى الملوكِ أبو سا ... سانَ أم أينَ قبلهُ سابورُ
وبنو الأصفرِ الكرامُ ملوكُ ال ... روم لم يبقَ منهم مذكور
وأخو الحضرِ إذْ بناهُ وإذْ دج ... لةُ تجبى إليه والخابورُ
شادهُ مرمراً وجللهُ كل ... ساً فللطيرِ في ذراهُ وكورُ
لم يهبهُ ريبُ المنونِ فبانَ ال ... ملك عنه فبابهُ مهجور
وتبينْ ربَّ الخورنقِ إذْ أش ... رفَ يوماً وللهدى تفكيرُ
سرهُ حالهُ وكثرةُ ما يم ... لك والبحرُ معرضاً والسديرُ
فارعوَى قلبُهُ وقال فما غب ... طةُ حيٍّ إلى المماتِ يصيرُ
ثمَّ أضحوا كأنهم ورقٌ ج ... فَّ فألوتْ به الصبا والدبورُ
ثم بعدَ الفلاحِ والملكِ والإ ... مةِ وارتهمُ هناك القبورُ
وقال نافع بن لقيط الفقعسي
فلئنْ بليتُ لقدْ عمرتُ كأنني ... غصنٌ تثنيهِ الرياحُ رطيبُ
وكذاكَ حقاً من يعمرْ يبلهِ ... كرُّ الزمانِ عليه والتقليبُ
وقال النابغة الجعدي المتقارب
وما البغيُ إلا على أهلهِ ... وما الناسُ إلا كهذي الشجرْ
ترى الغصنَ في عنفوانِ الشبا ... بِ يهتزُّ من بهجاتٍ خضرْ
زماناً من الدهرِ ثمَّ التوى ... فعادَ إلى صفرةٍ فانكسرْ
وقال الآخر
والناسُ يبلونَ كما تبلى الشجرْ
وقال آخر
كنا كغصْنينِ في جرثومةٍ بسقا ... حيناً بأحسنِ ما تنمِي له الشجرُ
حتى إذا قيلَ قد طالتْ فروعهما ... وطابَ قنواهما واستطعم الثمرُ
أحنى على واحدٍ ريبُ الزمانِ وما ... يبقى الزمانُ على شيءٍ ولا يذرُ
كنَّا كأنجمِ ليلٍ وسطها قمرٌ ... يجلو الدجى فهوى من بينها القمرُ
ومثله للطائي
كأنَّ بني نبهانَ يومَ وفاتهِ ... نجوم سماءٍ خرَّ من بينها البدرُ
وقال ابن مناذرٍ
стр. 47
وأرانا كالزرعِ يحصدهُ الده ... رُ فمن بينِ قائمٍ وحصيدِ
والمعنى للطرماح
إنما المرءُ مثل نابتةِ الزر ... عِ متى يأتِ محتصدهْ
وقال آخر
إنَّ الشبابَ إذا ما الشيبُ حلَّ به ... كالغصنِ يصفرُّ فيه ناعمُ الورقِ
شيبٌ تعللهُ كيما تدلسهُ ... كبيعك الثوبَ مطوياً على حرقِ
وقال لبيد
وما المرءُ إلا كالشهابِ وضوءهِ ... يعودُ رماداً بعدَ إذْ هوَ ساطعُ
وسرقه ابن الرومي فقال
معادُ الفتى شيخوخةٌ أو منيةٌ ... ومرجعُ وضاحِ المصابيحِ رمددُ
وقال الجعدي
وأبقى الدهرُ والأيامُ منى ... كما أبقينَ من عضبٍ يمانِ
والسيف إذا قدمَ عهده وصدى صفت حديدته وخلص من صدئه وتمثل معاوية لمصقلة بن هبيرة
أبقى زمانك من خلي ... لك مثل جندلةِ المراجمْ
قد رامني الأعداءُ قب ... لكَ فامتنعتُ عن المظالمْ
وقال النمر بن تولب
كأنَّ محطاً في يديْ حارثيةٍ ... صناعٍ علتْ مني به الجلد من علُ
يودُّ الفتى طول السلامةِ جاهداً ... فكيفَ ترى طولَ السلامةِ يفعلُ
ومثله لحميد بن ثور الهلالي
أرى بصري قد رابني بعدَ صحةٍ ... وحسبك داءَ أن تصحَّ وتسلما
وأنشدنا ثعلب
كانتْ قناتي لا تلينُ لغامزٍ ... فألانها الإصباحُ والإمساءُ
فدعوتُ ربي بالسلامةِ جاهداً ... ليصحنى فإذا السلامة داءُ
وقال ابن مناذر لأبي العيناء وقد أسنَّ كيف أصبحتَ فقال في داءٍ يتمناهُ الناسُ وقال أبو العتاهية
أسرعَ في نقصِ امرئٍ تمامهُ ... يا ذا الذي قد بعدتْ أيامهُ
وله أيضاً
وأسرُّ في الدنيا بكلِ زيادةٍ ... وزيادتي فيها هي النقصُ
وقال عمرو بن قميئة
كأنّي وقد جاوزتُ تسعين حجةً ... خلعتُ بها عني عذار لجامي
وقال آخر
حنتني حانياتُ الدهرِ حتى ... كأني خاتلْ أدنو لصيدِ
قريبُ الخطوِ يحسبُ من رآني ... ولستُ مقيداً أنّي بقيدْ
وقال رجل لشيخ رآه يمشي من قيدك يا شيخ قال الذي يفتلُ قيدك يعني الدهر وقال آخر
أرى مرَّ السنينَ أخذنَ مني ... كما أخذ المحاقُ من الهلالِ
وقال الأخطل
يا قاتل الله وصل الغانيات إذا ... أيقنَّ أنكَ ممنْ قد وهى الكبرُ
أعرضنَ لما حنى قوسي موترها ... وابيضَّ بعد اسودادِ اللمةِ الشعرُ
وقال آخر
شيخٍ تحنَّى وأودَى لحمُ أعظمهِ ... تحنى النبعةِ الصفراءِ في الوترِ
ومما يتصل بهذا الباب قول ابن الرومي
مضى زمنُ اللحظِ الذي كان يستبي ... قلوبَ المهى فاجعلنَ دمعاً مفيضا
كأنَّ شباباً كان لي فسلبنهُ ... كساني منه سالفُ الدهرِ معرضا
وقال ابن مقبل
يا حرُّ أمسى سوادُ الرأسِ خالطهُ ... شيبُ القذالِ اختلاطَ الصفو بالكدرِ
يا حرُّ منْ يعتذرْ من أن يلمَّ به ... ريٌب الزمانِ فإني غيرُ معتذرِ
وأنشدني أبي ﵀ قال أنشدنا حمودٌ الطيالسي قال أنشدنا أبو البيداء عن شعبة بن الحجاج
يا منْ لشيخٍ قد تخددَ لحمهُ ... أفنى ثلاثَ عمائمٍ ألوانا
سوداءَ حالكةً وسحقَ مفوفٍ ... وأجدَّ لوناً بعدَ ذاكَ هجانا
ثم المماتُ وراء ذلك كلهِ ... وكأنما يعني بذاكَ سوانا
وقال الفرزدق
والشيبُ ينهضُ في الشبابِ كأنه ... ليلٌ يصيحُ بجانبيهِ نهارُ
وقال البحتري في قص الشيب
وأبتْ تركي الغدياتُ والآ ... صالُ حتى خضبتُ بالمقراضِ
شعراتٍ أقصهنَّ ويرجع ... نَ رجوعَ السهامِ في الأغراضِ
وقال ابن المعتز
ألستَ ترى شيباً برأسيَ شاملاً ... ونتْ حيلتي عنه وضاقَ به ذرعي
كأنَّ المقاريضَ التي يعتورنهُ ... مناقيرُ طيرٍ تنتقي سنبلَ الزرعِ
وقال
وما زلتَ ترجو نيلَ سلمى وودَّها ... وتبعدُ حتى ابيضَّ منك المسائحُ
ملا حاجبيكَ الشيبُ حتى كأنه ... ظباءٌ جرى منها سنيحٌ وبارحُ
وقال كثيرٌ
مسائحُ فودَى رأسهِ مشمعلةٌ ... جرى مسكُ دارينَ الأحمُّ خلالها
وقال البحتري
وكنتُ أرجي في الشباب شفاعةً ... وكيفَ لباغي حاجةٍ بشفيعهِ
стр. 48
مشيبٍ كبثِ السرِّعَيَّ بحملهِ ... محدثهُ أو ضاقَ صدرُ مذيعهِ
باب ٤٢ في
مدح الشيب
وقال دعبل في مدح الشيب
أهلاً وسهلاً بالمشيبِ فإنه ... سمةُ العفيفِ وحليةُ المتحرجِ
وكأنَّ شيبي نظمُ درٍ زاهرٍ ... في تاجِ ذي ملكٍ أغرَّ متوجِ
وقال علي بن الجهم
حسرتْ عنيَ القناعَ لومُ ... فتولتْ ودمعها مسجومُ
أنكرتْ ما رأتْ برأسي وقالتْ ... أمشيبٌ أمل لؤلؤٌ منظومُ
قلتُ أولاهما برأسي فأنتْ ... أنةً يستثيرها المهمومُ
وقال مسلمٌ صريع الغواني
الشيبُ كرهٌ وكرهٌ أن تفارقهُ ... أعجبْ بشيءٍ على البغضاءِ مودودِ
يمضي الشبابُ وقد يأتي له خلفٌ ... والشيبُ يذهبُ مفقوداً بمفقودِ
وقال عبد الصمد بن المعذل
لاحَ شيبي فظلتُ أمرخُ فيه ... مرحَ الطرفِ في اللجامِ المحلَّى
وتولَّى الشبابُ فازددتُ غياً ... في ميادينِ باطلي إذْ تولَّى
إنَّ منْ ساءهُ الزمانُ بشيءٍ ... لأحقُّ امريءٍ بأنْ يتسلَّى
أتراني أسوءُ نفسيَ لمّا ... ساءني الدهرُ لا لعمريَ كلا
ومن حسن ما قيل في مدح الشيب قول الشاعر
والشيب إن يحلُلْ فإنَّ وراءهُ ... عمراً يكونُ خلالهُ متنفسُ
لم ينتقصْ مني المشيبُ قلامةً ... ألآنَ جينَ بدا ألبُّ وأكيسُ
والبيت الأول مأخوذ من قول امرئ القيس
ألا إنَّ بعدَ العدمِ للمرءِ قنوةً ... وبعدَ المشيبِ طولَ عمرٍ وملبسا
وقال أبو عون الكاتب
هزئتْ إذْ رأتْ مشيبي وهلْ غي ... رُ المصابيح زينةٌ للسماءِ
وتولتْ فقلتُ قولاً بإفصا ... حٍ لها لا بالرمزِ والإيماءِ
إنما الشيبُ في المفارِقِ كالنو ... رِ بدا والسوادُ كالظلماءِ
أبيضٌ والبياضُ للماءِ والبحرِ جميعاً فخلقهُ من ماءِ
وهو لونُ السماءِ ما لم تعرضْ ... خضرةُ الجوِ دونَ لونِ السماء
وهو لونُ الكأسِ التي وعدَ الأب ... رارُ لا غولها على الندماء
كسبيكِ اللجينِ والدرِّ لاقى ... صدفَ الماء فيه قطرُ العماء
وإذا غلَّ بالخضابِ فكالعق ... يانِ في حلقِ غادةٍ أدماء
لم تعيبي إذْ عبتِ بالشيبِ إلا ... عمةً من عمائمِ الحكماءِ
منحتْ سودداً وحليةَ مجدٍ ... ووقارٍ بادٍ على العظماءِ
لا محيصٌ عن المشيبِ أو المو ... تِ فكنْ للحوباءِ أو للنماءِ
إنَّ عمراً عوضتُ فيه من المو ... تِ بشيبٍ من أعظمِ النعماء
وقال محمود الوراق في ذم الخضاب
يا خاضبَ الشيبِ الذي ... في كل ثالثةٍ يعودُ
إن النصولَ إذا نضا ... فكأنه شيبٌ جديدُ
وقال ابن المعتز يعتذر من ذلك المتقارب
وقالوا النصولُ مشيبٌ جديدُ ... فقلتُ الخضابُ شبابٌ جديدُ
إساءةُ هذا بإحسانِ ذا ... فإنْ عادَ هذا فهذا يعودُ
وقال آخر في الصلع
لعمركَ إنني وأبا ربيعٍ ... على ريب الحوادثِ والمنونِ
كلانا كلُّ شيءٍ من قفاهُ ... إلى الخدينِ من رأسِ الجنينِ
وقال آخر
قالتْ سليمى والكبيرُ يصلعُ ... ما رأسُ ذات إلا جبينٌ أجمعُ
وأنشد ابن الأعرابي
برى رأسه بارٍ بغيرِ حديدةٍ ... فمفرقهُ من بين أذنيهِ أجمعُ
حفافانِ مثل القذتينِ وهامةٌ ... يزلُّ الذبابُ الثقفُ عنها فيصرعُ
وقال آخر:
برى أعظمى مر الزمان الذي مضى ... وبدلت من رأسٍ ثلاثة أرؤسِ
حفافان مثل القذتين وهامةُ ... يزل الذباب الثقف عنها فيفرس
باب ٤٣ في
الشعر
ومن حسن التشبيه في ذكر الشعر قول حبيب بن أوس الطائي
ووالله لا أنفكُّ أهدِي شوارداً ... إليك يحملنَ الثناءَ المنخلا
تخال بها برداً عليك محبراً ... وتحسبها عقداً عليك مفصلا
ألذَّ من السلوى وأطيبَ نفحةً ... من المسكِ مفتوقاً وأيسرَ محملا
أخفَّ على روحٍ وأثقلَ قيمةً ... وأقصرَ في سمعِ الجليسِ وأطولا
ويزهى بها قومٌ ولم يمدحوا بها ... إذا مثلَ الراوي بها أو تمثلا
وقال عديّ بن الرقاع
وقصيدةٍ قد بتُّ أجمعُ بينها ... حتى أقومَ ميلها وسنادها
стр. 49
نظرَ المثقفِ في كعوبِ قناتهِ ... حتى يقيم ثقافهُ منادَها
والشاعر يجوز له أن يقرظ شعره كما يجوز له تسمية أولاد الخلفاء والرؤساء وقال ابن الرومي في قصيدة له في أبي محمد عبيد الله بن سليمان بن وهب
هاكها والهاً إليكَ عروبا ... تتثنَّى رشاقةً ودلالا
لم أقلْ هاكها لشيءٍ سوى العا ... دةِ والشعرُ يركبُ الأهوالا
منطقٌ يطرحُ الكنى ويسمى ... منْ يكنَّ ولا يبالي مبالا
جاهليٌّ كما علمتَ ولكنْ ... لا تراهُ يعاملُ الجهالا
وفي ما ذكرنا مما يجوز لهم قول البحتري
تطوعُ القوافي فيكم فكأنما ... يسيلُ إليكم من عدوٍ قصيدها
فكم ليَ من محبوكةِ الوشي فيكم ... إذا أنشدتْ قامَ امرءٌ يستعيدها
وقال الطائي يمدح دينار بن عبد الله
وقد علمَ القرمُ المساميكَ أنه ... سيغرقُ في البحرِ الذي أنتَ خائضُ
كما علمَ المستشعرونَ بأنهم ... بطاءٌ عن الشعرِ الذي أنا قارضُ
كأني دينارٌ ينادي ألا امرءاً ... يبارزُ إذ ناديتُ من ذا يقارضُ
وقال آخر
وإنّي لمهدٍ من ثنائي قصيدةً ... ترى لابنِ عمِ الصدقِ قيسِ بنِ مالكِ
أهزُّ بها في ندوةِ الحيِّ عطفهُ ... كما هزَّ عطفى بالهجانِ الأوارِكِ
وقال الطائي
إنّ القوافي والمساعيَ لم تزلْ ... مثل النظامِ إذا أصابَ فريدا
هي جوهرٌ نثرٌ فإنْ ألفتهُ ... بالشعرِ كان قلائداً وعقودا
من أجلِ ذلك كانت العربُ الألى ... يدعونَ هذا سودداً محمودا
وتندُّ عندهمُ العلى إلا عُلًى ... جعلتْ لها مررُ القصيدِ قيودا
وقال علي بن الجهم
ولكنَّ إحسانَ الخليفةِ جعفرٍ ... دعاني إلى ما قلتُ فيه من الشعرِ
فسارَ مسيرَ الشمسِ في كلِ بلدةٍ ... وهبَّ هبوبَ الريحِ في البرِّ والبحرِ
وقال أشجع السلمي
ذهبتْ مكارمُ جعفرٍ وفعالهُ ... في الناسِ مثلَ مذاهبِ الشمسِ
وقال البحتري
وقد أتتكَ القوافي غبَّ فائدةٍ ... كما تفتحُ غبَّ الوابلِ الزهرُ
ومنْ يكنْ فاخراً بالشعرِ يمدحُ في ... أضعافهِ فبكَ الأشعارُ تفتخرُ
وقال أيضاً
وكنتُ إذا استبطأتُ ودكَ زرتهُ ... بتفويفِ شعرٍ كالرداءِ المحبرِ
عتابٌ بأطرافِ القوافي كأنهُ ... طعانٌ بأطرافِ القنى المتكسرِ
فأجلو به وجهَ الإخاء وأجتلي ... حياءَ كصبغِ الأرجوان المعصفرِ
وقال ابن الرومي
فدونكها من شاعرٍ لك شاكرٍ ... وإنْ حركَ الخيمُ الكرامَ وحرضا
ما ازدادَ فضلٌ فيك بالمدحِ شهرةً ... ولكنهُ كالمسكِ صادفَ مخوضا
وقال البحتري
ألستَ الموالي فيك نظمَ قصائدٍ ... هي الأنجمُ اقتادتْ مع الليلِ أنجما
ثناءُ كأنَّ الروضَ منه منوراً ... ضحًى وكأنَّ الوشيَ فيه مسهما
وقال ابن الرومي في قصيدة يهجو فيها
خذْها إليكَ مشيحةً سيارةً ... في الناسِ من بادٍ ومن متحضرِ
تغدو عليك بحاصبٍ وبتاربٍ ... وعلى الرواةِ بلؤلؤٍ متخيرِ
وقال الأعشى
فإنْ تتعدني أتعدكَ بمثلها ... وسوفَ أزيدُ الباقياتِ القوارصا
قوافي أمثالاً يوسعنَ جلدهُ ... كما زدتَ في عرضِ القميصِ الدخارصا
وقال البحتري
إليكَ القوافي نازعاتٌ قواصداً ... يسيرُ ضاحي وشيها وينمنمُ
ومشرقةٌ في النظمِ غرٌ يزيدها ... بهاءً وحسناً أنَّها لك تنظمُ
ضوامنُ للحاجاتِ إما شوافعاً ... مشفعةً أو حاكماتٍ تحكمُ
وكائنْ غدتْ لي وهيَ شعرٌ مسيرٌ ... وراحتْ عليَّ وهيَ مالٌ مسومُ
وقال الطائي في آخر قصيدة له
حذيتْ حذاءَ الحضرمية أرهفتْ ... فأجابها التحضيرُ والتلسينُ
إنسيةٌ وحشيةٌ كثرتْ بها ... حركاتُ أهلِ الأرضِ وهي سكونُ
أما المعاني فهي أبكارٌ إذا ... نصتْ ولكنَّ القوافيِ عونُ
أحذاكها صنعُ الضميرِ يمدهُ ... جفرٌ ذا نضبَ الكلامُ معينُ
ويسيءُ بالإحسانِ ظناً لا كمن ... يأتيكَ وهو بشعرهِ مفتونُ
وقال البحتري
وما عدلتْ عنكَ القصائدُ معدلاً ... ولا تركتْ فضلاً لغيركَ يحسبُ
стр. 50
تنظمُ منها لؤلؤاً في سلوكهِ ... ومن عجبٍ تنظيمُ ما لا يثقبُ
وقال الخنساء المتقارب
وقافيةٍ مثلِ حدِّ السنا ... نِ تبقى ويذهبُ من قالها
نطقتَ ابنَ عمروٍ فسهلتها ... ولم ينطقِ الناسُ أمثالها
وقال دعبل في هذا المعنى
سأقضي ببيتٍ يعلمُ الناسُ فضلهُ ... ويكثرُ من أهلِ الروايةِ حاملهْ
يموتُ رديُّ الشعرِ من قبلِ أهلهِ ... وجيدهُ يبقَى وإنْ ماتَ قائلهْ
وقال ابن هرمة
إنّي امرؤٌ لا أصوغُ الحلىَ تعملهُ ... كفايَ لكنْ لساني صانعُ الكلمِ
وقال ابن حازمٍ يصف أبياتاً له
فأبعثهنَّ أربعةً وخمساً ... بألفاظٍ مثقفةٍ عذابِ
فكنَّ إذا وسمتُ بهنَّ قوماً ... كأطواقِ الحمائمِ في الرقابِ
وقال ابن هرمة مثله
إني إذا ما امرءٌ خفتْ نعامتهُ ... في الجهلِ واستحصدتْ منه قوى الوذمِ
عقدتُ في ملتقى أوداجِ لبتهِ ... طوقَ الحمامةِ لا يبلَى على القدمِ
وهجا رجلٌ من بني حرام الفرزدق فجاء به أهله إليه موثقاً فقال الفرزدق
فمنْ يكُ خائفاً لهناتِ شعري ... فقد أمنَ الهجاءَ بنو حرامِ
همُ قادوا سفيههمُ وخافوا ... قصائدَ مثل أطواقِ الحمامِ
وقال ابن الرومي
حباني بما يعيا به كلُّ واهبٍ ... وحبرتُ ما يعيا به كلُّ حائكِ
فأعدمهُ مدحَ الغثاثِ مدائحي ... وأعدمني رفدَ الألدِّ المسالكِ
وما لربيعٍ ممطرٍ من مجاودٍ ... وما لبقيعٍ مزهرٍ من محاوكِ
باب ٤٤ في
وصف الذكر
قال ابن الرومي يصف ذكراً
كأنَّ صوت الأعجزِ المتينِ ... في طيزِ ذاتِ الكفلِ الرزينِ
صوتُ يد العجانِ في العجينِ ... أو رجلِ رهاصٍ مشى في الطينِ
أيرٌ غليظٌ في حرٍ سمين ... من غادةٍ وافرةِ المتينِ
تواضعتْ لا للتقى والدينِ ... تحتَ فتًى من قلبها مكينِ
تواضعَ البطَّةِ للشاهينِ
وقال آخر
وفيشةٍ زينٍ وليستْ فاضحهْ ... نابلةٍ طوراً وطوراً راسخهْ
كأنها صنجةُ ألفٍ راجحهْ
وقال راشد بن إسحاق يرثي ذكره
طالَ ما قمتَ كالمنارةِ تهتزُّ اهتزازاً تسمو إليه العيونُ
ربَّ يومٍ رفعتُ فيه ثيابي ... فكأنّي في مشيتي مختونُ
وقال جحشويه المنسرح
أبصرتُ ظبياً مقارناً جملاً ... يمشي بأيرٍ كأنه سمكهْ
فناكني لا عدمتُ نيكتهُ ... نيكَ الحصانِ العنيفِ للرمكهْ
وقال أبو نعامة المنسرح
كأنه والأكفُّ تلمسهُ ... عنقُ ظليمٍ بغيرِ منقارِ
أنعظَ حتى كأنَّ فقتحتهُ ... مشدودةٌ في زيارِ بيطارِ
وقالت عمرة بنت الحمادية
أنعتُ عيراً هو أيرٌ كلهُ ... حافرهُ ورأسهُ وظلهُ
أنعظَ حتى طارَ عنه جلهُ ... كأنَّ حمَّى خيبرٍ تملهُ
إدخالهُ عامٌ وعامٌ سلهُ
وقال آخر
أنعتُ أيراً من أيورِ الزطِّ ... لم ينثنِ قطُّ ولم ينحطِّ
كأنما قطَّ على مقطِّ ... كأنه صلعةُ شيخٍ قبطي
وقال آخر
وفيشةٍ جاءتْ من الحجازِ ... في رأسها داءٌ من الحزازِ
تبرقُ من نعظٍ كزرقِ البازي
وقال بيدونُ غلام ابن عمار في خلاف ذلك
فهل لك في أيرٍ فجعتُ بنصفهِ ... وبالثلثِ بعد النصفِ منه وبالعشرِ
فلم يبقَ منه غير شيءٍ كأنه ... على مثلِ زرِ البردِ من صفرِ القدرِ
ولراشد الكاتب تشبيهات في ذكرهِ منها
ينام على كفِّ الفتاةِ وتارةً ... له حركاتٌ ما تحسُّ بها الكفُّ
كما يرفعُ الفرخُ ابنُ يومين رأسهُ ... إلى أبويه ثمَّ يدركهُ الضعفُ
تطوقَ فوقَ الخصيتينِ كأنه ... رشاءٌ على رأسِ الركية ملتفُّ
وله
أيرٌ ضعيفُ المتنِ رثُّ القوى ... لو شئتُ أن أعقدهُ لانعقدْ
غنْ يمسِ كالبقلةِ في لينها ... فطالما أصبح مثل الوتد
وله
تعقفَ واستوى الطرفانِ مه ... كمثلِ الدالِ من خطِ الكتابِ
وله المتقارب
وقد كنتَ تملأ كفَّ الفتاةِ ... فأصبحتَ تدخلُ في الخاتمِ
وله
كأنه وهو مقعٍ فوق خصيتهِ ... مسافرٌ تحتهُ خرجانِ من أدمِ
وله
стр. 51
كأنه حين أطويه وأنشرهُ ... سيرٌ يلفُّ على دوامةِ الزيقِ
وإنْ يقمْ قلتَ قثاةٌ معقفةٌ ... أو عروةٌ ركبتْ في رأسِ إبريق
باب ٤٥ مما يتصل بذلك من جهة النساء
ومما يتصل بذلك من التشبيهات في الركب ما أنشدناه أبو العباس المبرد
قلتُ لذاتِ الكعثبِ المصكِ ... ولم أكنْ من أمرها في شكِ
إذْ لبستْ برداً دقيقَ السلكِ ... وعقدَ درٍ ونظامٍ سكِ
غطِّي الذي أفتنَ قلبي منكِ ... قالت ومما ذاك فقلت حركِ
فكشفتْ عن أبيضٍ حبكِّ ... كأنهُ قعبُ نضارٍ مكٍّي
أو جبنةٌ من جبنِ بعلبك ... تسمعُ فيه الدلكَ بعد الدلكِ
مثلَ صريرِ القتبِ المنفكِ ... أو حكِّ صفارٍ شديدِ الحكِ
وقال الناجم في ذكرِ جاريةٍ
إنّ ردفَ الفتاةِ عجنةُ خبا ... زٍ وقدامها من الأدمِ جبنهُ
وقالت عمرة بنت الحمارس
يا منْ يدلُّ عزباً على عزبْ ... على ابنةِ الحمارِسِ الشيخِ الأزبّ
محطوطةِ المتنينِ خثماءِ الركبْ ... كأنَّ لحمَ كينهِ إذا انقلبْ
رمانةٌ فتتْ لمحمومٍ وصبْ
وانشد الجاحظ للفرزدق
فبتنَ بجانبيَّ مصرعاتٍ ... وبتُّ أفضُّ أغلاقَ الختامِ
كأنَّ مفالقَ الرمانِ فيها ... وجمرَ غضًى قعدنَ عليه حامِ
وقال آخر
يا ربَّ خودٍ من بناتِ الكركِ ... تمشي بجهمٍ مثلِ وجهِ التركي
وقال سحيم
أبصرتُها تميلُ كالوسنانِ ... من الظباءِ الخردِ الحسانِ
تمشي بمثلِ القدحِ الجيشاني
وقال العماني
إنِّ لأرجو من عطاء ربي ... ومن ولي العهدِ بعدَ الغبِّ
روميةٌ أولجُ فيها ضبي ... لها حرٌ مستهدفٌ كالقعبِ
متسحصفٌ نعمَ قربُ الزبِّ
وقال آخر
فقربتْ رحباً خبيثَ المفلقِ ... متى ينكهُ نائكٌ يبقبقِ
بقبقةَ الجرِ بكفِ المستقي
وقال الفرزدق في سوداء
يا ربَّ خودٍ من بناتِ الزنجِ ... تمشي بتنورٍ شديد الوهجِ
أخثم مثل القدحِ الخلنجِ
وقال أعشى سليمْ ورأى امرأته تختضب وهي سوداء
تخضبُ كفاً بتكتْ من زندها ... فتخضبُ الحناء من مسودها
كأنها والكحلُ في مرودها ... تكحلُ عينيها ببعضِ جلدها
وقال جرير في أسودَ رأى عليه ثوباً جديداً
كأنه لما بدا للناسِ ... إيرُ حمارٍ لفَّ في قرطاس
باب ٤٦ في
النساء السود
ومما يتصل بذلك قول ابن الرومي في سوداء المنسرح
في لينِ سمورةٍ تخيرها ال ... فراءُ أو لين جيدِ الدلقِ
غصنٌ من الآبنوسِ ألفَ منْ ... مؤتزرٍ معجبٍ ومنتطقِ
أكسبها الحبُّ أنها صبغتْ ... صبغةَ حبِّ القلوبِ والحدقِ
فانصرفتْ نحوها الضمائرُ والْ ... أبصارُ يعنقنَ أيما عنقِ
يفترُّ ذاك السوادُ عن يققٍ ... من ثغرها كاللآلئ العتقِ
كأنها والمزاحُ يضحكها ... ليلٌ تفرَّى دجاهُ عن فلقِ
لها حرٌ تستعيرُ وقدتهُ ... من قلبِ صبٍّ وصدرِ ذي حنقِ
كأنما حرهُ لخابرهِ ... ما ألهبتْ في حشاهُ من حرقِ
يزدادُ ضيقاً على المراسِ كما ... تزدادُ ضيقاً أنشوطةُ الوهقِ
لهُ إذا ما القمدُّ خالطهُ ... أزمٌ كأخذِ الخناقِ بالعنقِ
أخلقْ بها أن تقومَ عن ذكرٍ ... كالسيفِ يفرِي مضاعفَ الحلقِ
إن جفونَ السيوفِ أكثرها ... أسودُ والجفنُ غيرُ مختلقِ
وقال آخر في السودان
مشبهاتِ الشبابِ والمسكِ تفدي ... هنَّ نفسي من الردَى والخطوبِ
كيفَ يهوَى الفتى الأريبُ وصالَ ال ... بيضِ والبيضُ مشبهاتُ المشيبِ
وقال أبو حفص الشطرنجي
أشبهكِ المسك وأشبهتهِ ... قائمةٌ في لونهِ قاعدهْ
لا شكَّ إذْ لونكما واحدٌ ... أنكما من طينةٍ واحدهْ
وقال آخر
أحبُّ النساءَ السودَ من أجلِ تكتمٍ ... ومن أجلها أحببتُ من كان أسودا
فجئنى بمثلِ المسكِ أطيبَ نفحةً ... وجئنى بمثلِ الليلِ أطيبَ مرقد
وقال آخر
وعائبٍ للأدمِ من جهلهِ ... مفضلٍ للبيضِ في محكِ
يا سفلةَ العشاقِ ما تستحي ... أنْ تجعلَ الكافور كالمسكِ
وقال أبو علي البصير
стр. 52
لم تشنها استحالةُ اللونِ عندي ... إنها صبغةٌ كلونِ الشباب
وقال أعرابي المنسرح
من جلدِها خفها وبرقعها ... حوراءُ في غيرِ خلقةِ الحورِ
وقال بشار وإن لم يكن فيه تشبيه في سوداء
يكونُ الخالُ في خدٍ نقيٍّ ... فيكسبهُ الملاحةَ والجمالا
ويونقهُ لأعينِ ناظريهِ ... فكيفَ إذا رأيتَ اللونَ خالا
باب ٤٧ في
العناق
ومن التشبيه في العناق قول البحتري
تلكَ نعمٌ لو أنعمتْ بوصالٍ ... لشكرنا في الوصلِ إنعامَ نعمِ
نسيتْ موقفَ الجمارِ وشخصا ... نا كشخصٍ أرمى الجمارَ وترمى
وقال بكر بن خارجة
رأيتُ شخصكَ في نومي يعانقني ... كما تعانق لأمُ الكاتبِ الألفا
وقال البحتري المتقارب
ولم أنْسَ ليلتنا في العنا ... قِ لفَّ الصبا بقضيبٍ قضيبا
وقال ابن المعتز
كأنني عانقتُ ريحانةُ ... تنفستْ في ليلها الباردِ
فلوْ ترانا في قميصِ الدجى ... حسبتنا في جسدٍ واحدِ
وأحسنَ علي بن الجهم في قوله
سقى اللهُ ليلاً ضما بعد هجعةٍ ... وأدنى فؤاداً من فؤادٍ معذبِ
فبتنا جميعاً لو تراقُ زجاجةٌ ... من الخمرِ فيما بيننا لم تسربِ
وقال بشار ومنه أخذه ابن الجهم
خلوتُ بها لا يخلصُ الماءُ بيننا ... إلى الصبحِ دوني حاجبٌ وستورُ
وقال ابن الرومي
طالَ ما التفتْ إلى الصبحِ لنا ساقٌ بساقِ
في نقابٍ من لثامٍ ... وإزارٍ من عناقِ
باب ٤٨ في
الطيلسان
قال الحمدويُّ المنسرح
يأتيكَ في جبةٍ مخرقةٍ ... أطولُ أعمارِ مثلها يومُ
وطيلسانٍ كالآلِ يلبسهُ ... على قميصٍ كأنهُ غيمُ
وله في طيلسانِ ابن حرب تشبيهات جيادٌ منها
إنَّ ابنَ حربٍ جادَ لي كاسياً ... بطيلسانٍ هرمٍ قشعمِ
انظرْ إلى كثرةِ تمزيقهِ ... كأنما مزقَ في مأتمِ
رمى له وهو رميمٌ كمنْ ... يبني بناءً فوقَ مستهدمِ
يصدعهُ اللحظُ بإيماضهِ ... صدعَ فؤادِ العاشقِ المغرمِ
تذكرني كثرةُ تمزيقهِ ... تفرقَ الناسِ عن الموسمِ
وله أيضاً
وطيلسانٍ إنْ تأملتهُ ... قددتهُ بالطولِ والعرضِ
كأنَّ إشفاقي عليه إذا ... غدوتُ إشفاقي على عرضي
لو أنهُ بعض بني آدمٍ ... كانَ أسيرَ اللهِ في الأرضِ
لبعض الأندلسيين
عبدكَ الوراقُ مذ وا ... ظبَ لا يأخذُ شياً
وعليه طيلسانٌ ... قد طواهُ الدهرُ طيا
كلما رقعَ نجماً ... طلعتْ فيه الثريا
وقال ابن الرومي فيه
يابنَ حربٍ كسوتني طيلساناً ... يزرعُ الرفو فيه وهو سباخُ
تستطيرُ الفزورُ طولاً وعرضاً ... فيه حتى كأنهنَّ رخاخُ
وقال الحمدوي
وطيلسانٍ إن تأملتهُ ... لجَّ من التمزيقِ في محكِ
كأنه من طولِ رفوي بهِ ... يملكني مذ صار في ملكي
وله أيضاً
يابنَ حربٍ أطلتَ فقري برفوي ... طيلساناً قد كنتَ عنه غنيا
فهو في الرفوِ آل فرعونَ في العر ... ضِ على النارِ بكرةً وعشيا
وله أيضاً
وطيلسانٍ هرمٍ يحتمى ... عليه أكلُ الخلِ والبقلِ
كنَّ كعبيَّ إذا انضمتا ... عليه خوفَ الريحِ في غلِّ
وقال ابن الرومي في هذا المعنى
ولي طيلسانٌ ناحلٌ غيرَ أنهُ ... ثبوتٌ لهباتِ الرياحِ الزعازعِ
وما ذاك إلا أنه متهتكٌ ... يخلِّي سبيلَ الريحِ غيرَ منازعِ
أراهُ كضوءِ الشمسِ بالعين رؤيةً ... ويمنعني من لمسهِ بالأصابعِ
شكا ثقلَ اسمِ الطيلسانِ لضعفهِ ... فسميتهُ ساناً فهل ذاك نافعي
وقال الحمدوني
طيلسانٍ ما زال أقدمَ في الده ... رِ من الدهرِ ما لرافيه حيلهْ
وترى ضعفهُ كضعفِ عجوزٍ ... رثةِ الحالِ ذات فقرٍ معيلهْ
غمرتهُ الرقاعُ فهو كمصرٍ ... سكنتهُ نزاعُ كلِّ قبيلهْ
وله المنسرح
قل لابنِ حربٍ مقالةَ العاتبْ ... ولستُ فيما أقولُ بالكاذبْ
أما رأيتَ الرفاءَ يجربني ... برفوهِ طيلسانكَ الذاهبْ
أفناهُ جودَ البلى عليه كما ... أفنَى الهوى قلبَ خالدِ الكاتبْ
باب ٤٩
стр. 53
نظر عبد بنى الحسحاس إلى امرأةٍ تضحك منه وهو يمضى به ليقتل فقال
فإنْ تضحكي مني فيا ربَّ ليلةٍ ... تركتكِ فيها كالقباءِ المفرجِ
وجاءت امرأة إلى المغيرة بن شعبة بزوجها تستمد به عليه وتذكر أنه عنين فقال
الله يعلم يا مغيرةُ أنني ... قد دستها دوس الحصانِ المرسلِ
وأخذتها أخذ المقصبِ شاتهُ ... عجلانَ يذبحها لقومٍ نزلِ
فقال المغيرة إني لأرى ذلك في شمائلك ونحوه قول البحتري المنسرح
لم تخطُ بابَ الدهليزِ خارجةً ... إلا وخلخالها مع الشنفِ
وقال أبو نواس المتقارب
ترفقْ قليلاً قد أوجعتني ... وألحقتَ قرطي بخلخاليه
وقال ابن الرومي في قينةٍ
يا أحمدَ بن سعيد لو بصرت بها ... إذا الأكفُّ لساقيها خلاخيلُ
ولأبي نواس
وشادنٍ لا يسئمون قربهُ ... قد ألصقوا أقراطهُ وعقبهُ
باب ٥٠
قال البحتري في إبراهيم بن المدبر
دنوت تواضعاً وبعدتَ قدراً ... فشأناك انخفاضْ وارتفاعُ
كذاك الشمسُ تبعدُ أن تسامى ... ويدنو الضوء منها والشعاعُ
وقال ابن الرومي
وذخرتهُ للدهرِ أعلمُ أنه ... كالحصنِ فيه لمنْ يؤولُ مآلُ
ورأيتهُ كالشمسِ إنْ هي لم تنلْ ... فضياءها والرفقُ منه ينالُ
وقال سعيد بن حميد
أهابُ وأستحيي وأرقبُ وعدهُ ... فلا هو يبدَا بي ولا أنا أسئلُ
هو الشمسُ مجراها بعيدٌ وضوءها ... قريبٌ وقلبي بالبعيدِ موكلُ
وقال آخر
وإني وإياها وإلمامها بنا ... لكالشمسِ نالتنا ولسنا ننالها
وقال الفرزدق
رأيتكَ مثلَ البرقِ يحسبُ أنهُ ... قريبٌ وأدنى صوبهِ منكَ نازحُ
وقال شبيب بن البرصاء
وكانتْ كبرقٍ شامتِ العينُ ضوءهُ ... ولم تدرِ بعدَ الشيمِ أينَ تصوبُ
باب ٥١ في
الخوف والدهش
قال الطرماح
لقد زادني حباً لنفسيَ أنني ... بغيضٌ إلى كلِ امرئٍ غيرِ طائلِ
إذا ما رآني قطعَ الطرفَ بينهُ ... وبيني فعلَ العارفِ المتجاهلِ
ملأتُ عليهِ الأرضَ حتى كأنها ... من الضيقِ في عينيهِ كفةُ حابلِ
وقال الآخر
كأنَّ بلادَ اللهِ وهي عريضةٌ ... على الخائفِ المذعورِ كفةُ حابلِ
وقال الآخر
يؤدَّى إليه أن كلَّ ثنيةٍ ... تيممها ترمي إليه بقاتلِ
كأنَّ بلادَ اللهِ وهي عريضةٌ ... على كلِّ من طالبتَ كفةُ حابلِ
وقال البحتري في مأسورٍ
أوفَى عليه فظلَّ من دهشٍ يرى ... في البرِ بحراً والفضاء مضيقا
واجتازَ دجلةَ خائضاً وكأنها ... قعبٌ على باب الكحيل أريقا
لولا اضطرابُ الخوفِ في أحشائهِ ... رسبَ العبابُ به فماتَ غريقا
باب ٥٢
وقال ذو الرمة يهجو رجلاً دعياً
فلوْ كانَ من كلبٍ صميماً هجوتهُ ... ولنني نبئتُ أن ليسَ من كلبِ
ولكنني نبئتُ أنه ملصقٌ ... كما ألصقتْ من غيرهِ ثلمةُ القعبِ
وقال أبو نواس يهجو أشجع
غدا وحديثهُ فيه ... لمنْ يتعجبُ العجبُ
لأسماءٍ يسميه ... نَّ أشجعُ حينَ ينتسبُ
تعلمها وإخوتهُ ... فكلهمُ بها ذبُ
لهم في بيتهمْ نسبٌ ... وفي وسطِ الملا نسبُ
كما لم تخفَ سافرةٌ ... وتخفَى حينَ تنتقبُ
وله
أيها المدعي سليمى سفاهاً ... لستَ منها ولا قلامةَ ظفرِ
إنما أنتَ ملصقٌ مثل واوٍ ... ألصقتْ في الهجاءِ ظلماً بعمرو
وقال حسان
وأنتَ زنيمٌ زيدَ في آلِ هاشمٍ ... كما نيطَ خلفَ الراكبِ القدحُ الفردُ
وقال الطائي
وتنقلٌ من معشرٍ في معشرٍ ... فكأنَّ أمكَ أو أباكَ الزئبقُ
باب ٥٣ في
الجود والسخاوة
أنشدنا أبو تمام الطائي
فكله إلى جنبِ الخوانِ إذا غدتْ ... نكباءُ تقطعُ ثابتَ الأطنابِ
وأبو اليتامى ينبتونَ ببابهِ ... نبتَ الفراخ بكالئٍ معشابِ
ونحوه قول بشار
يسقطُ الطيرُ حيثُ ينتثر الح ... بُّ وتغشى منازلُ الكرماء
وأنشد الجاحظ
يزدحمُ الناسُ على بابهِ ... والمشربُ العذبُ كثيرُ الزحام
وقال الطائي يرثي خالد بن يزيد المتقارب
стр. 54
وإذْ علمُ مجلسهِ موردٌ ... زلالٍ لتلكَ العقولِ الظماءِ
وزوارهُ للعطايا حضورٌ ... كأنَّ حضورهمُ للعطاء
لأبي نواس
ترى الناس أفواجاً إلى بابِ دارهِ ... كأنهمُ رجلا دبًى وجرادِ
وقال دعبلٌ في رجلٍ وليَّ السندَ
وقد كان هذا البحرُ ليس يجوزهُ ... سوى خائفٍ من ذنبهِ أو مخاطرِ
فأضحى لمنْ ينتابُ جودكَ عامراً ... كأنَّ عليه محكماتِ القناطرِ
باب ٥٤ في
الريح
قال بن الرومي يصف ريحاً
وشمألٍ باردةِ النسيمِ ... ألوتْ على المهمومِ بالهمومِ
ونفستهُ نفسَ المهمومِ ... مشاءةً في الليلِ بالنميم
بين نسيمِ الأرضِ والخيشومِ
ومثلهُ قوله في ريحٍ
كأنَّ نسيمها أرجُ الخزامى ... ولاها بعدَ وسميٍّ ولي
هديةُ شمئلٍ هبتْ بليلٍ ... لأفنانِ الغصونِ بها نجِي
إذا أنفاسُها نسمتْ سحيراً ... تنفسَ كالشجيِّ لها الخليُّ
وقال ابن المعتز
يا ربَّ ليلٍ سحرٌ كلهُ ... مفتضحُ البدرِ عليل النسيمْ
تلتقطُ الأنفاسُ بردَ الندى ... فيه فتهديه لحرِّ الهمومْ
لم أعرفِ الإصباحَ من ليلهِ ... فما بدا إلا بوجهِ النديمْ
وقال الطائي
أرسى بناديكَ الندى وتنفستْ ... نفساً بعقوتكَ الرياحُ ضعيفا
وقال ابن الرومي
حيتكَ عنا شمال طافَ طائفها ... بجنةٍ فجرتْ روحاً وريحانا
هبتْ سحيراً فناجى الغصنُ صاحبهُ ... سراً بها وتنادى الطيرُ إعلانا
ورقٌ تغنى على خضرٍ مهدلةٍ ... تسمو بها وتمسُّ الأرضَ أحيانا
تخالُ طائرها نشوانَ من طربٍ ... والغصنَ من هزهِ عطفيهِ نشوانا
وقال البحتري
كأنَّ الريحَ والمطرَ المناجي ... خواطرها عتابٌ واعتذارُ
كأن مدارَ دجلةَ حين جاءتْ ... بأجمعها هلالٌ أو سوارُ
وقال سعيد بن حميد في نحوهِ
حركتهُ الرياحُ فاعتدلَ النب ... تُ ومالتْ طوالهُ بالقصارِ
عائذٌ بعضهُ ببعضٍ كقومٍ ... في عتابٍ مكررٍ واعتذارِ
وقال العلوي الكوفي
وكأنما أنوارها ... تهتزُّ بالريحِ العواصفْ
طررُ الوصائفِ يلتقي ... نَ بها إلى طررِ الوصائفْ
باب ٥٥ في
الصدغ
قال عبد الله بن المعتز المتقارب
وساقٍ مطيعٍ لأحبابهِ ... على الرقباءِ شديدُ الجرهْ
وفي عطفةِ الصدغِ خالٌ له ... كما استلبَ الصولجانُ الكرهْ
وقال أبو نواس
كأنّ مخطَّ الصدغِ في حرِ وجهها ... بقيةُ أنفاسٍ بأصبعِ لائقِ
وقال ابن المعتز
بكفِّ غزالٍ ذي عذارٍ وطرةٍ ... وصدغينِ كالقافين من جانبيْ سطرِ
وقال ماني
ماءُ النعيمِ بخدهِ متعصفرٌ ... والصدغُ منه كعطفةِ الراءِ
وقال ابن المعتز
ظبيٌ يتيهُ بحسنِ صورتهِ ... عبثَ الفتورُ بلحظِ مقلتهِ
فكأنَّ عقربَ صدغهِ وقفتْ ... لما دنتْ من نارِ وجنتهِ
وقال أيضاً
بليتُ بشادنٍ كالبدرِ حسناً ... يعذبني بأنواعِ الدلالِ
غلالةُ خدهِ وردٌ جنيٌّ ... ونونُ الصدغِ معجمةٌ بخالِ
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي الهزج
ظباءٌ كالدنانيرِ ... كنوسٌ في المقاصيرِ
جلاهنَّ السعانينُ ... علينا في الزنابيرِ
وقد عقر بنَ أصداغاً ... كأذنابِ الزرازيرِ
وقال ابن المعتز المنسرح
ما لحبيبي كسلانَ من فكرٍ ... وقد جفا حسنهُ وزينتهُ
والصدغُ قد صدَّ عن محاسنهِ ... كصولجانٍ يردُّ ضربتهُ
باب ٥٦
ومما يتصل بذلك قول ابن المعتز
له مقلةٌ ترمي القلوبَ ووجنةٌ ... تفتحُ فيها النورُ من كل جانب
وعذرَ خداهُ بخطين قوما ... كما أثرَ التسطيرُ في رقِّ كاتب
وفي هذا المعنى وإن لم يكن فيه تشبيه قول ابن الرومي
معذرٌ حولَ مورديهِ ... قد ضربَ الحسنُ على خديهِ
خديهِ ثمَّ الخالُ في خديهِ ... لبيهِ مقروناً إلى سعديهِ
وقال ابن المعتز
وغزالٍ مقرطقِ ... في قباءٍ منطقِ
زينَ اللهُ خدهُ ... بعذارٍ معلقِ
وله
كأنَّ عذاريهِ على قمرٍ على ... قضيبٍ على دعصٍ رطيبِ الثرَى ندِ
стр. 55
تبسمَ إذ مازحتهُ فكأنما ... تكشفَ عن درٍ حجابُ زبرجدِ
ومثلهُ للواثق
لما استقلَّ بأردافٍ تجاذبهُ ... واخضرَّ فوقَ حجابِ الدرِّ شاربهُ
وقال ابن المعتز
كأنّ خطَّ عذارٍ فوقَ عارضهِ ... ميدانُ آسٍ على وردٍ ونسرينِ
وخطَّ فوقَ حجابِ الدرِ شاربهُ ... بنصفِ صادٍ ودالُ الصدغِ كالنونِ
وقال آخر
له من عيونِ الوحشِ عينٌ مريضةٌ ... ومن خضرةِ البستانِ خضرةُ شاربِ
كأنَّ غلاماً حاذقاً خطهُ له ... فجاءَ كنصفِ الصادِ من كفِ كاتبِ
باب ٥٧ في
وصف البرك والأبنية
قال البحتري للمعتز يهنئه ببناء.
لما كملتَ رويةً وعزيمةً ... أعملتَ رأيكَ في ابتناء
ذعرَ الحمامُ وقد ترنمَ فوقهُ ... من منظرٍ خطرِ المزلةِ هائلِ
وكأنَّ حيطانَ الزجاجِ بجوهِ ... لججٌ يمجنَ على جنوبِ سواحلِ
وكأنَّ تفويفَ الرخامِ إذا التقى ... تأليفهُ بالمنظرِ المتقابلِ
حبكُ الغمامِ رصفنَ بينَ منمرٍ ... ومسيرٍ ومقاربٍ ومشاكلِ
مليتهُ وعمرتَ في بحبوحةٍ ... من دارِ ملككَ ألفَ حولٍ كاملِ
ورأيتُ عبدَ اللهِ في السنِ التي ... تعدُ الكبيرَ بدهرها المتطاول
حدثٌ يوقرهُ الحجى فكأنه ... أخذ الوقارَ من المشيبِ الشاملِ
وقال علي بن الجهم المتقارب
وقبةُ ملكٍ كأنَّ النجو ... مَ تصغي إليها بأسرارها
لها شرفاتٌ كأنَّ الربيعَ ... كساها طرائفَ أنوارِها
فهنَّ كمصطبحاتٍ خرجنَ ... لعيدِ النصارى وإفطارها
فمن بينِ عاصبةٍ شعرها ... ومصلحةٍ عقد زنارها
وفوارةٍ ثارها في السماءِ ... فليستْ تقصرُ عن ثارها
وقال البحتري يصف بركةُ
يا من يرى البركةَ الحسناءَ رؤيتها ... والآنساتِ إذا لاحتْ مغانيها
ما بالُ دجلةَ كالغيري تنافسها ... في الحسنِ طوراً وأطواراً تباهيا
كأن جنَّ سليمانَ الذين ولوا ... إبداعها فأدقوا في معانيها
فلو تمر بها بلقيس عن عرضٍ ... قالت هي الصرحُ تمثيلاً وتشبيها
تنصبُّ فيها وفودُ الماء معجلةً ... كالخيلِ خارجةً من حبلِ مجريها
كأنما الفضةُ البيضاءُ سائلةً ... من السبائكِ تجري في سواقيها
إذا علتها الصبا أبدتْ لها حبكاً ... مثل الجواشنِ مصقولاً حواشيها
إذا النجومُ تراءتْ في جوانبها ... ليلاً حسبتَ سماءَ ركبتْ فيها
لا يبلغُ السمكُ المحصورُ غايتها ... لبعدِ ما بينَ قاصيها ودانيها
يعمنَ فيها بأوساطٍ مجنحةٍ ... كالطيرِ تنقضُّ في جوٍ خوافيها
كأنها حين لحبتْ في تدفقها ... كفُّ الخليفةِ لما سالَ واديها
وقال أبو عون الكاتب المنسرح
بركةُ لهوٍ قد شادها ملكْ ... تظلُّ أرجاؤها بهِ تزهرْ
فصفرةُ التبرِ في مجالسها ... إلى وميضِ اللجينِ والمرمرْ
كوجهِ عذراءَ راعها خجلٌ ... فخدُّها في بياضهِ أحمرْ
طمتْ فظلتْ تفترُّ عنْ زبدٍ ... كدرِ عقدٍ من سلكهِ ينثرْ
ثم أفاضتْ على الرياضِ كما ... تفيضُ بالجودِ راحتا جعفرْ
كأنها حين تستقي ثمَّ تس ... قي الروضَ من صوبِ دجلةَ الأغزرْ
شربٌ أضافتهمُ الكرومُ فهمْ ... أبناءُ أعنابها التي تعصرْ
وقال ابن أبي طاهرٍ
فوارةٍ تمجُّ منها ماءاً ... كما أذبتَ الفضة البيضا
أمطرتِ الأرض بها السماءا
باب ٥٨ في
القلة
وقال زهير يصف أرضاً موحشةً
وتنوفةٍ عمياء لا يجتازها ... إلا المشيعُ ذو الفؤادِ الهادي
قفرٍ هجعتُ بها ولست بنائمٍ ... وذراعُ ملقيةِ الجرانِ وسادي
وعرفتُ أنْ ليستْ بدارِ إقامةٍ ... فكصفقةٍ بالكفِّ كانَ رقادي
وقال آخر
ما تطعمُ النومَ عيني من تذكركمْ ... إلا غشاشاً كنومِ الطائرِ الساري
وأنشدنا المبرد
ما أذوقُ النومَ إلا غراراً ... مثلَ حسوِ الطيرِ ماءَ الثمادِ
وقال آخر في مثله
ونومٍ كحسوِ الطيرِ بتنا نذوقهُ ... على شعبِ الأكوارِ فوقَ الأيانقِ
وقال الفرزدق
стр. 56
جلوا عن عيونٍ قد كرينَ كلا ولا ... مع الصبح إذْ نادى أذانُ المثوبِ
وقال جرير
وهاجدِ موماةٍ بعثتُ إلى السرى ... وللنومُ أحلى عندهُ من جنى النحلِ
يكونُ نزولُ الركبِ فيها كلا ولا ... غشاشا فلا يدنينَ رحلاً إلى رحلِ
وقال أبو نواس المضارع
تركتَ مني قليلاً ... من القليلِ أقلاَّ
كالجزءِ يتجزَّى ... أقلَّ في اللفظِ من لا
وقال آخر يرثي ابنه
أضحى لأحمدَ في الثرى بيتٌ ... وخلا له من أهلهِ بيتُ
فكأنَّ مولدهُ وميتتهُ ... صوتٌ دعا فأجابهُ صوتُ
وقال أبو العتاهية
احذرْ من الدنيا مغيبتها ... كم صالحٍ عبثتْ به ففسدْ
ما بينَ فرحتها وترحتها ... إلا كما قامَ امرؤٌ وقعدْ
وقال حسان بن ثابت في موت عبد الله بن رواحة بعد موت جعفر ﵁ بموته المتقارب
وكانَ لباثكَ عن صاحبيكَ ... كملجمِ طرفٍ ولم يسرجِ
وقال العلوي الكوفي المتقارب
فشبهتُ سرعةَ أيامهم ... بسرعةِ قوسٍ يسمى قزح
تلونَ معترضاً في السماء ... فما تمَّ ذلك حتى نزحْ
باب ٥٩
قال أبو عيينة في ابن عمه
لا يعدنَّ في البنينَ يزيدُ ... خالداً إنَّ خالداً ليسَ بابنِ
وإذا مرَّ راكباً حسبَ النا ... سُ على ظهرهِ جوالقِ تبنِ
وله فيه المتقارب
إذا ما تكلمَ في مجلسٍ ... رأيتُ البصاقَ على العنفقهْ
يسيلُ وأسمجْ به راكباً ... كأنَّ على ظهرهِ مرفقهْ
وله فيه
يغدو الجوادُ بخالدٍ ... فكأنهُ يعدو بقربهْ
تيسٍ أنبَّ من التيو ... سِ كأنَّ لحيتهُ مذبَّهْ
باب ٦٠ في
النخل
قال العباس
رفضتُ بالبصرةِ أهلَ الغنى ... إني لأمثالهمُ رافضُ
قد جللوا بالقطفِ أعذاقهمْ ... كأنَّ حمى نخلهم نافضُ
وأنشد الجاحظ في صفة النخل
تخرجُ عندَ الطلعِ والتنغيضِ ... طلعاً كآذانِ الكلابِ البيضِ
وقال عبد الصمد بن المعذل يصف البلح
كأنهُ في ناضرِ الأغصانِ ... زمردٌ لاحَ على تيجانِ
حتى إذا تمَّ له شهرانِ ... وانسدلتْ عثاكلُ القنوانِ
فضلنَ بالياقوتِ والمرجانِ ... رأيتهُ مختلفَ الألوانِ
منْ قانئٍ أحمرَ أرجواني ... وفاقعٍ أصفرَ كالنيرانِ
مثلَ الأكاليلِ على الغواني
وقال ابن المعتز في نخلٍ
تخالُ ما جددنَ من نباتِ ... أجنحةً غيرَ منشراتِ
كأنها أذنابُ ناجياتِ ... ثمَّ تبدلْنَ بأوعياتِ
للعسلِ الماذيِّ ضامناتِ ... كقطعِ الياقوتِ يانعاتِ
بخالصِ التبرِ مقمعاتِ
وقال عمارةُ يصف النخلَ
أقمتُ لها العصرينِ رباً ولم أكنْ ... كمنْ ضنَّ عنْ عمرانها بالدراهمِ
فجاءتْ تغالِي في النباتِ كأنها ... على شطِّ فيضٍ من فيوضِ الأعاجمِ
كأنَّ نقيضَ الليفِ في سعفاتها ... نقيضُ صرير الميسِ فوقَ العياهمِ
وما الأصلُ ما رويتَ مضروبَ عرقهِ ... من الماء عن إصلاحِ فرعٍ بنائمِ
ومثله قول النابغة
من الشارعاتِ الماءَ بالقاعِ تستقي ... بأعجازها قبلَ استقاءِ الحناجرِ
وقال آخر في نخلٍ
ضربنَ العرقَ في ينبوعِ عينٍ ... طلبنَ معينهُ حتى روينا
كأنَّ فروعهنَّ بكلِّ ريحٍ ... عذارى بالذوائبِ ينتصينا
بناتُ الدهرِ لا يخشينَ محلاً ... إذا لم تبقَ سائمةٌ بقينا
ولآخر
يخرجُ من كافورها إذا نزلْ ... كطلعةِ الأشمطِ من بردٍ سملْ
وقال الربيع بن أبي الحقيق اليهودي
ونخيلٍ في تلاعٍ جمةٍ ... تخرجُ الطلعَ كأمثالِ الأكفِّ
باب ٦١ في
الإعراض
قال الأعشى
يزيدُ يغضُّ الطرفَ عني كأنما ... زوى بين عينيهِ على المحاجمُ
فلا ينبسطْ من بينِ عينيكَ ما انزوى ... ولا تلقني إلا وأنفك راغمُ
وتمثل ابن العباس حين رأى زياداً
إذا أبصرتني أعرضتَ عني ... كأن الشمس من قبلي تدور
وقال ابن الرومي
فتاةٌ بوجهٍ يطرفُ العينَ قبحهُ ... له طلعةٌ كالشمسِ في أعينِ الرمدِ
وقال العلوي الكوفي الهزج
فلما ورد الشيب ... بنوعين من الوردِ
стр. 57
تصديتُ فصدتْ خل ... وةً من ألمِ الصدِّ
كما صدتْ عن الشمسِ ... سراعاً أعينُ الرمدِ
وقال آخر
إذا تخازرتُ وما بي منْ خزرْ ... ثمَّ كسرتُ العينَ منْ غيرِ عورْ
ألفيتني ألوَى بعيدَ المستمرْ ... حمالَ ما حملتُ من خيرٍ وشرّ
كالحيةِ النضناضِ في أصلِ الحجرْ
باب ٦٢ في
الشجاعة ولين الطبع
قال البحتري
ضحوك إلى الأبطالِ وهو قريعهم ... وللسيفِ حدٌّ حين يسطو ورونقُ
حياة وموتٌ واحدٌ منتهاهما ... كذلك غمرُ الماء يروي ويغرقُ
وقال أبو العتاهية
هي دنيا كحيةٍ تنفثُ الس ... مَّ وإنْ كانتِ المجسةُ لانتْ
وقال البحتري لأبي سعيد
بأروعَ من طيٍّ كأنَّ قميصهُ ... يزرُّ على الشيخينِ زيدٍ وحاتمِ
سماحاً وبأساً كالصواعقِ والحيا ... إذا اجتمعا في عارضٍ متراكمِ
وقال ابن الرومي لأبي الحسين المنسرح
لم تخلني قطُّ من صنائعك ال ... غرِّ ولا من حروبكَ الضرسْ
تصرفُ الغيثَ في صواعقهِ ... وتارةً في سجالهِ البجسْ
وقال أبو الشيص
وكالسيفِ إنْ لاينتهُ لانَ متنهُ ... واحدهُ إنْ خاشنتهُ خشنانِ
وقال البحتري
إذا خطرتْ تأرجَ جانباها ... كما خطرتْ على الروضِ القبولُ
ويحسنُ دلها والموتُ فيه ... وقد يستحسنُ السيفُ الصقيلُ
وقال ابن الرومي في قيانٍ
من السمرِ اللدانِ إذا اسبكرتْ ... وصرفُ الموتِ في السمرِ اللدانِ
شبيهاتُ الرماحِ قنا متونٍ ... وكلماً في القلوبِ بلا سنانِ
فهل من ضربةٍ أو من سنانٍ ... كعينٍ أو كثغرٍ أو بنانِ
وقال السريحي نحو ذلك
تلقاك بؤسَي ونعمى من مخايلهِ ... كالنارِ في طبعهِ الإحراقُ والنور
باب ٦٣
قال الحطيئة يهجو أمه
تنحي واجلسي مني بعيداً ... أراحَ الله منك العالمينا
أغربالاً إذا استودعتِ سراً ... وكانوناً على المتحدثينا
وقال كعب بن زهير
ولا تمسك بالعهدِ الذي عهدتْ ... إلا كما تمسكُ الماءَ الغرابيلُ
وقال محمود في غلامه
أشبهُ من يستودعُ السرَّ عبدهُ ... كطارحِ رملٍ بينَ أعوادِ غربالِ
وقال آخر
أعززْ علىَّ بأخلاقٍ وسمتَ بها ... عندَ البريةِ يا فالوذجَ السوقِ
تضيقُ بالسرِّ ذرعاً إنْ خصصتَ به ... حتى يرى ذائعاً كالنفخِ في البوقِ
باب ٦٤ في
حسب اللئيم
وقال محمد بن مناذرٍ
فاعنفْ على حسبِ اللئيمِ فإنما ... حسبُ اللئيمِ إلى الزبيرِ زجاج
وقال حسان بن ثابت
وأمانةُ المريِّ حيثُ لقيتهُ ... مثلُ الزجاجةِ صدعُها لا يجبرُ
وقال الأعشى المتقارب
فبانت وقد تركتْ في الفؤا ... د صدعاً على نأيها فاستطيرا
كصدعِ الزجاجةِ لا تستطي ... عُ كفُّ الصناعِ له أن تحيرا
وقال أبو عثمان الناجم يهجو
لك عرضٌ مثلمٌ من قواريرٍ ووجهٌ ململمٌ من حديدِ
وقال آخر
ولم أرَ مثلَ الصدِّ أحسنَ منظراً ... إذا كانَ ممنْ لا يخافُ على وصلِ
وآلتْ يمنياً كالزجاجِ دقيقةً ... وما حلفتْ لا لتحنثَ من أجلي
وقال آخر
إذا حلفوني بالغموسِ منحتهمْ ... يميناً كأسماءِ الرداءِ الممزقِ
وإن حلفوني بالطلاقِ رددتها ... على خيرِ ما كانتْ كأنْ لم تطلقِ
وإنْ حلفوني بالعتاقِ فقدْ درَى ... لحيمُ غلامي أنهُ غيرُ معتقِ
وفي رقةِ اليمين من حسن التشبيه قول البحتري
سألوني اليمينَ فارتعتُ منهم ... ليقروا بذلك الإرتياعِ
ثم أمررتها كمنحدرِ السي ... لِ تهاوى من المكانِ اليفاعِ
باب ٦٥ في
السقيط واللغام
قال الفرزدق
وأصبح مبيضُّ الصقيعِ كأنهُ ... على سرواتِ النبتِ قطنٌ مندفُ
وقال العرجيِّ
كأنَّ سقيطَ الثلجِ ما حصبتْ به ... على الأرضِ قطنٌ أو دقيقٌ يغربلُ
وقال ابن المعتز يصف أرضاً
أرقتُ بها والركبُ ميلٌ رؤوسهمْ ... يخوضونَ ضحضاحَ الكرى وبهم وقرُ
علاهمْ جليدُ الليلِ حتى كأنهم ... بزاةٌ تتجلَّى من مرابئها القمرُ
وقال أبو نواس يصف لغامَ الجمل المديد
стр. 58
يكتسي عثنونهُ زبدا ... فنصيلاهُ إلى نخرهْ
ثمَّ يعتمُّ الحجاجُ به ... كاعتمامِ الفوفِ في عشرهْ
ثم تذروهُ الرياحُ كما ... طارَ قطنُ الندفِ عن وترهْ
النصيلانِ عرقان يليان أنف البعير، ونخرته طرف أنفه: والحجاج محجر العين، والعشر نبتٌ إذا فتحَ كان فيه كالعروق البيض يسمى الفوف، والفوف البياض الذي يكون في أصول الأظفار، وبردٌ مفوفٌ مخطط.
وقال ابن المعتز في نوقٍ
فاضتْ بإزبادٍ مشافرها ... فكأنها عشرٌ تشققهُ
وقال طرفة في ناقتهِ
ترى بين لحييها إذا ما تزعمتْ ... لغاماً كبيتِ العنكبوتِ الممددِ
باب ٦٦
قال ابن الرومي يهجو المنسرح
خوانُ عيسى من نصفِ ترمسةٍ ... وصحفتاهُ من فلقتيْ عدسهْ
من ذرةٍ ذرةٍ جرادقهُ ... تخفَى على العينِ فهيَ ملتمسهْ
لو نخلتْ بالحريرٍ لانسربتْ ... من خللِ النسجِ غيرَ محتبسهْ
إذا افترستَ الرغيفَ أنَّ له ... كأنّ ليثاً هنالكَ افترسهْ
كأنما كلُّ لقمةٍ أكلتْ ... منزوعةٌ من يديهِ مختلسهْ
وقال أبو نواس المتقارب
أتانا بخبزٍ له حامضٍ ... شبيهِ الدراهمِ في حليتهْ
يضرسُ آكلهُ طعمهُ ... وينشبُ في الحلقِ من خشنتهْ
وقال أبو نواس في ابن أبي سهل بن نيبخت
وما خبزهُ إلا كاوي يرى ابنهُ ... ولم يرَ آوى في الحزونِ ولا السهلِ
وما خبزهُ إلا كعنقاء مغربٍ ... تصورُ في بسطِ الملوكِ وفي المثلِ
وقال بشار
دينارُ آلِ سليمانٍ ودرهمهمْ ... كالبابليينِ حفا بالعفاريتِ
لا يظهرانِ ولا يرجَى لقاؤهما ... كما سمعتَ بهاروتٍ وماروتِ
وقال ابن الرومي
أكلتُ رغيفاً عندَ موسى فملني ... وكان كهمّي من حبيبٍ مغربِ
يريدُ أكيلاً رزءهُ من طعامهِ ... كرزءِ كتابٍ من ترابٍ متربِ
باب ٦٧ في
الفعل المستحيل
قال الفرزدق
فأصبحتَ مما قد فعلتَ كقابضٍ ... على الماءِ لم ترجعْ بشيءٍ أناملهْ
وقال آخر
ومن يأمنِ الدنيا يكنْ مثلَ قابضٍ ... على الماء خانتهُ فروجُ الأصابعِ
وقال مسلمٌ
وإني وإشرافي عليكَ بهمتي ... لكالمبتغي زبداً من الماء بالمخضِ
وقال الناجم
لم تحصلْ بمخضك الماء إلا ... زبداً حين رمتَ بالجهلِ زبدا
وقال أبو العتاهية المنسرح
أصبحتَ لا تعرفُ الجميلَ ولا ... تفرقُ بينَ القبيحِ والحسنِ
إنَّ الذي يرتجي نداكَ كمنْ ... يجلبُ تيساً من شهوةِ اللبنِ
وقال ابن مروان في غلام له ثقيل المنسرح
يبطئ حتى أكادُ أحسبهُ ... صادفَ تيساُ فظلَّ يحلبهُ
وقال آخر
وإني وتطلابي إليكَ بحاجتي ... لكالمستذيب الشحم من ذنبِ الكلبِ
وقال ابن حازمٍ المنسرح
يزدادُ لؤماً على المديحِ كما ... يزدادُ نتنُ الكلابِ بالمطرِ
إنّ الذي يرتجي نداكَ لكال ... غاسلِ من ثوبهِ خراً بخرِ
وقال آخر
فأصبحتُ من ليلَي الغداةَ كناظرٍ ... مع الصبحِ في أعقابِ نجمٍ مغربِ
ألا إنما أبقيتُ يا أمَّ مالكٍ ... صدى أينما تذهبْ به الريحُ يذهب
باب ٦٨ في
الحجام
قال آخر في حجامٍ
بيتٍ بناهُ له أبو ... هُ كأنهُ في السوقِ شامهْ
فيه خيولْ عكفٌ ... ما ينبعثنَ إلى القيامهْ
فيه يفزعُ من تغ ... ضبَ من غلامٍ أو غلامهْ
وقال في المحجمة
وخضراء لا من بناتِ الهدي ... رِ يلقفُ بالسيرِ منقارها
كأنّ مشقَّ عيونِ القطا ... إذا هنَّ هو من آثارها
وقال خلف بن سعيد يهجو حاجب نصرِ بن سيار المتقارب
وكان سلاحك في جونةٍ ... يعلقُ في سيرها ودعهْ
سلاحَ امرئٍ يدعُ الآدميَّ ... كأنَّ وراءَ أذنهِ هيقعهْ
بكلِّ أزومٍ إذا ركبتْ ... كأنكَ ألقمتها سلعهْ
وقال آخر يهجو ابنَ حجامٍ
يابنَ من يكتبُ في الأر ... قابِ من غيرِ دواتِ
لم يكنْ يكتبُ فيها ... غيرَ خطِّ الألفاتِ
وقال آخر في ابن حجام
أبوكَ أبٌ ما زال للناسِ موجعاً ... لأعناقهم نقراً كما ينقرُ الصقرُ
стр. 59
له ربقةٌ فيها ثلاثونَ محلقاً ... مناظرها بيضٌ وأجسامها حمرُ
إذا عوجَ الكتابُ يوماً سطورهمْ ... فليسَ بمعوجٍ له أبداً سطرُ
وقال آخر
وكانَ جدُّ خداشٍ في كتابتهِ ... من أكتبِ الناسِ يا هارونُ للألفِ
ومن حسن ما قيل فيه وإنْ لم يكن فيه تشبيه قول ابن كناسة المنسرح
أبوكَ أدهى النجاد حامله ... كمْ من كميٍّ آدم ومنْ بطلِ
يأخذُ من مالهِ ومن دمهِ ... لم يمسِ من ثائرٍ على وجلِ
باب ٦٩ في
جرح اللسان
قال امرؤ القيس المتقارب
وذلك منْ نبإٍ جاءني ... وخبرتهُ عن أبي الأسودِ
ولوْ عن نثا غيرهِ جاءني ... وجرحُ اللسانِ كجرحِ اليدِ
وقال الأخطل
أفحمتُ عنكمْ بني النجارِ قد علمتْ ... عليَا معدٍّ وكانوا طالما هدروا
حتى استكانوا وهم مني على مضضٍ ... والقولُ ينفذُ ما لا تنفذُ الإبرُ
وله
وتصدُّ عنك مخيلةَ الرجلِ ال ... عريضِ موضحةٌ عن العظمِ
بحسامِ سيفكَ أو لسانكَ وال ... جرحُ الرغيبُ كأوعبِ الكلمِ
وقال جرير
لساني وسيفي صارمانِ كلاهما ... وللسيف أشوى وقعةً من لسانيا
وقال البصير
إني أعيذك أنْ تكونَ دريئةً ... لسهامِ رامٍ إنْ رمى أصمى
وقال آخر
وجرحُ السيفِ تدملهُ فيبري ... وجرحُ الدهرِ ما جرحَ اللسانُ
وقال حسان
لساني وسيفي صارمانِ كلاهما ... ويبلغُ مالا يبلغُ السيفُ مذودي
لعمرُ أبيكَ الخيرِ يا سعدُ ما نبا ... عليَّ لساني في الخطوبِ ولا يدي
ومما يشبهُ هذا وإنْ لم يكن فيه تشبيه قول يزيد بن مفرغٍ
يغسل الماء ما صنعتَ وشعري ... راسخٌ منك في العظامِ البوالي
باب ٧٠
قال نهار بن توسعة
كانتْ خراسانُ أرضاً إذْ يزيد بها ... وكلُّ بابٍ من الخيراتِ مفتوحُ
فاستبدلتْ قتباً من بعدهِ لحزاً ... كأنما وجههُ بالخلِّ منضوحُ
وقال ابن الرومي يهجو الخلال زوج قسطنطين
لو تراهُ ثانياً منْ عطفهِ ... مائلاً في السرجِ من فرطِ الصلفْ
شامخاً بالأنفِ من نخوتهِ ... فهوَ لوْ يسترعفُ الخلَّ رعفْ
وقال المهلبي المتقارب
وإنْ جاءكَ القومُ في حاجةٍ ... تفطرتَ حولينِ في العلةِ
وتلقاهمُ أبداً كالحاً ... كأنْ قد عضضتَ على مصلةِ
وقال أعرابي في بني عمه
فقدتُ مواليَّ الذينَ كأنهم ... دماميلُ في وجهي عليَّ تبجسُ
إذا قلتُ ماتَ الداء بيني وبينهم ... أتى حاطبٌ منهم لآخرَ يقبسُ
وقال الطائي يهجو
وملكٍ في كبرهِ ونبلهِ ... وسوقةٍ في قولهِ وفعلهِ
بذلتُ مدحي فيه باغِي بذلهِ ... فجذ حبلَ أملي من وصلهِ
يعجبُ من تعجبي من بخلهِ ... كأنني أتيتهُ بعزلهِ
باب ٧١ في
القدور
قال الفرزدق
وقد علمّ الجيرانُ أن قدورنا ... ضوامنُ للأرزاقِ والريحُ زفزفُ
تفرغُ في شيزَي كأنَّ جفانها ... حياضُ الملا منها ملاءٌ ونصفُ
ترى حولهنَّ المعتفينَ كأنهم ... على صنمٍ في الجاهليةِ عكفُ
وقال معن بن أوس في قدرٍ
إذا ما انتحاها الموقدونَ رأيتها ... لوشكِ قراها وهيَ بالجزلِ تشعلُ
سمعتَ لها لغطاً إذا ما تغطمطتْ ... كهدرِ الجمالِ رزماً حينَ تجفلُ
وقال أميةُ بن أبي الصلتِ
وقدورهُ بفنائهِ ... للضيفِ مترعةٌ زواخرْ
وكأنهنَّ بما شجي ... نَ وما حمينَ به ضرائرْ
زبدٌ وقرقرةٌ كقرْ ... قرةِ الفحولِ إذا تخاطرْ
وقال ابن المعتز يفتخر
والسيفُ راعِي إبلي في المحلِ ... يسلمها إلى قدورٍ تغلي
مثلِ الليالي سامحتْ بهطلِ ... ترقلُ فيها بالوقودِ الجزلِ
إرقالها في السير تحت الرحلِ
وقال آخر
كأنّ صوتَ إليها المستعجلِ ... قفزُ الشيوخِ للشيوخ الجهلِ
باب ٧٢ في
الشره
قال ابن الرومي لابن حاجب الشاعر وقد دعاه وغيرهُ واستتر عنهم
لهفا وقد جاءتك جفالةٌ ... كلُّ مغذٌّ ساغبٌ لاغبُ
إلا يلاقوكَ فتلقَى لهم ... أكلَ يتامى ما لهم كاسبُ
стр. 60
منْ كلِّ شحذانِ الحشى لهسمٍ ... يأكلُ ما لا يحسبُ الحاسبُ
فكاهُ كالعصرينِ منْ دهرهِ ... كلاهما في شأنهِ دائبُ
كأنما الفروجُ في كفهِ ... فريسةٌ ضرغامُها داربُ
وقال البحتري في أكولٍ
فكأنَّ الفتى يضمُّ ركاباً ... قد تهورنَ أو يسدُّ بثوقا
معدةٌ أوليةٌ كرحى الب ... زارِ يلقِي حباً وتلقِي دقيقا
وقال آخر
فتضربُ خمسَ كفكَ في ثريدٍ ... بلقمٍ منك منكمشِ الذهابِ
كأنّ دويةً في الحلقِ لما ... تهمهم صوتُ رعدٍ في سحابِ
وأنشد ثعلب
يلقمُ لقماً ويفدي زادهُ ... يرمي بأمثالِ القطا فؤادهُ
وقال ابن المعتز
كأنَّ أكفَّ القومِ في جفناتهِ ... قطا لم تنفرهُ عن الماءِ سارحُ
وأنشد ثعلبٌ في أكولٍ
ترى كلَّ محلولِ الإزارِ كأنما ... يطبقُ سطحاً أو يلقمُ ناضحا
وقال ابن الرومي في ابن المدبرِ
لم أجدْ عذرِيَ للمح ... تالِ فيه المتلطفْ
غيرَ بطنٍ لك سأ ... لٍ إذا أصبحتَ ملحفْ
يا عدوَّ الزادِ يا ثع ... بانَ موسَى المتلقفْ
وقال آخر
لم ترَ عيني آكلاً مثلهُ ... يأكلُ باليسرَى معاً واليمنيْ
تلعبُ في القصعةِ أطرافهُ ... لعبَ أخي الشطرنجِ بالشاهينْ
وقال أعرابي ما رأيتُ جدتي زينبَ تأكل قط إلا خلتها تلقى إلى إنسانٍ وراءها
باب ٧٣ في
ذكر الأحباء
قال أبو العتاهية
أما والذي لو شاء لم يخلقِ النوى ... لئن غبت عن عيني لما غبتَ عن قلبي
يوهمنيك الشوق حتى كأنما ... أناجيك من قربي وإنْ لم تكنْ قربي
وقال ابن المعتز
ما أبالي بظنونٍ ... وعيونٍ أتقيها
لي من ذكركَ مرآ ... ةٌ أرى وجهكَ فيها
وله مثله
يقولون لي والبعدُ بيني وبينهمْ ... نأتْ عنكَ ليلَى وانقضَى سببُ القربِ
فقلتُ لهم و الحبُّ يفضحهُ البكى ... لئنْ فارقتْ عيني لقد سكنتْ قلبي
وقال أبو نواس
وما غضبتُ عليه ثمَّ ألحظهُ ... إلا رضيتُ وقامَ الحسنُ يعذرهُ
ولا تذكرتهُ إلا كأنَّ له ... في داخلِ القلبِ صواراً يصورهُ
ومن حسن الكلام وظريفه في هذا المعنى قول الحكم بن قنبرٍ
إن كنتَ لست معي فالذكرُ منكَ معي ... قلبي يراك وإن غيبتَ عن بصري
العينُ تبصرُ من تهوَى وتفقدهُ ... وناظرُ القلبِ لا يخلو من النظرِ
وقال الناجم
لئن راحَ عن عينيَّ أحمدُ غائباً ... لما هوَ عن عينِ الفؤادِ بغائبِ
له صورةٌ في القلبِ لم تقصها النوى ... ولم تتخطفها أكفُّ النوائبِ
عطفتُ على شخصٍ له غيرِ نازحٍ ... منازلهُ بين الحشى والترائبِ
إذا ساء بي منه شحوطُ ديارهِ ... وضاقتْ عليَّ في هواهُ مذاهبي
ومن جيد التشبيه في ذلك ما أنشدناه المبرد
وتديرُ عيناً في صحيفةِ فضةٍ ... تقليبها يرعَى ثمارَ الأنفسِ
إني لأضمرُ ذكرَها فكأنها ... دونَ النديمِ نديمتي في مجلسي
باب ٧٤ في
الحب
قال ابن الرومي
فدعِ المحب من الملامِ فإنهُ ... بئسَ الدواء لموجعٍ مقلاقِ
لا تطفئنَّ جوى بلومٍ إنهُ ... كالريحِ تغري النارَ بالإحراقِ
وقال الطائي
ظعنوا فكانَ بكايَ حولاً كاملاً ... ثم ارعويتُ كذاكَ حكمُ لبيد
أجدرْ بجمرةِ لوعةٍ إطفاؤها ... بالدمعِ أن تزدادَ طولَ وقودِ
وقال أيضاً
أذكتْ عليكَ شهابَ نارٍ في الحشى ... بالعذلِ وهناً اختُ آلِ شهابِ
عذلاً شبيهاً بالجنونِ كأنما ... قرأتْ به الورهاءُ نصفَ كتابِ
وقال الخمار المنسرح
قالوا امتدحتَ الإمامَ قلتُ لهم ... أخافُ ألا أحدهُ بصفهْ
وكيفَ يعطى على المدائحِ منْ ... كانَ أبو السمطِ عندهُ طرفهْ
كأنَّ إنشادنا قصائدهُ ... أنصافُ كتبٍ ليستْ بمؤتلفهْ
وأحسن شيء يذكر في هذا المعنى قول البحتري وإن لمي كن فيه تشبيه
وجدتُ نفسكَ من نفسي بمنزلةٍ ... هي المصافاةُ بين الماءِ والراحِ
أثني عليكَ لأني لم أجدْ أحداً ... يلحَى عليك وماذا يزعمُ اللاحي
باب ٧٥
قال النمر بن تولب
стр. 61
فإنْ تكُ أثوابي تمزقنَ عن بلى ... فإني كنصلِ السيفِ في خلقِ الغمدِ
وذلك يشبهُ قول ابن هفان
لعمرِي لئنْ يبعثُ في دارِ غربتي ... ثيابيَ أن ضاقتْ عليَّ المآكلُ
فما أنا إلا السيفُ أخلقَ جفنهُ ... له حليةٌ من نفسهِ وهو عاطلُ
وله أيضاً
تعيرني غربي رجالٌ سفاهةً ... فعزيتُ نفسي مصدراً وموردا
بأني كمثلِ السيفِ أحسنُ ما يرى ... وأهيبُ ما يلقَى إذا هو جردا
وقال لبيد
فأصبحتُ مثلَ السيفِ أخلقَ جفنهُ ... تقادمُ عهدِ القينِ والنصلُ قاطعُ
وقال أبو هفان
تعجبتْ درُّ من شيبي فقلتُ لها ... لا تعجبي فطلوعُ البدرِ في السدفِ
وراعها عجباً أنْ رحتُ في سملٍ ... وما درتْ درُّ أن الدرَّ في الصدفِ
باب ٧٦ في
الأعور
ولي يحيى بن أكثم رجلين أعورين قضاء الجانبين الغربي والشرقي فقال دعبل
رأيتُ من الكبائرِ قاضيينِ ... هما أحدوثةٌ في الخافقين
هما اقتسما العمى نصفين قدراً ... كما اقتسما قضاء الجانبين
وتحسبُ منهما من هزَّ رأساً ... لينظرَ في مواريثٍ ودينِ
كأنك قد جعلتَ عليه دناً ... فتحتَ بزالهُ من فردِ عينِ
وقال آخر
وبيننا أبداً أعمى نؤلفه ... قد يخلقُ الله عمياناً من العورِ
وكشف هذا المعنى بعضهم يصف امرأةً عوراء وعاشقها أعورُ
هي عوراءُ باليمينِ وهذا ... أعورٌ بالشمالِ وافق شناً
بينَ شخصيهما ضريرٌ إذا ما ... قعدتْ عن يمينهِ تتغنَّى
وقال آخر
ألم ترني وعمراً حين نعدو ... إلى الحاجاتِ ليس لنا نظيرُ
أسايرهُ على يمني يديهِ ... وفي ما بينا رجلٌ ضريرُ
باب ٧٧ في
وصف سمك ولوزينج وغيرهما
قال ابن الرومي يستهدي سمكاً
وبناتُ دجلةَ في فنائكمُ ... مأسورةٌ في كلِّ معتركِ
تغزى بأمثالِ الدروعِ وأح ... ياناً بمثلِ نوافذِ الشكِ
بيضٌ كأمثالِ السبائكِ بلْ ... مشحونةٌ بالشحمِ كالعككِ
تغني عن الزياتِ قاليها ... وتبخرُ الشاوينَ بالودكِ
حسنتْ مناظرها وساعدها ... طعمٌ كحلِّ معاقدِ التككِ
وله يستهدي لوزينجاً من ابن بشرٍ في قصيدة
لا يخطئني منك لوزينجٌ ... إذا بدا أعجبَ أو عجبا
لم تغلقِ الشهوةُ أبوابها ... إلا أبتْ زلفاتُ أن تحجبا
لو شاءَ أنْ يذهبَ في صخرةٍ ... لسخرَ الطيبُ له مذهبا
يدورُ بالنفخةِ في جامهِ ... دوراً ترى الدهنَ له لولبا
عاونَ فيه منظرٌ مخبراً ... مستحسنٌ ساعدَ مستعذبا
مستكثفُ الحشوِ على أنهُ ... أرقُّ جلداً من نسيمِ الصبا
كالحسنِ المحسنِ في شدوهِ ... تم فأضحى مضرباً مطربا
كأنما قدتْ جلابيبهُ ... من أعينِ القطرِ إذا قببا
يخالُ من رقةِ خرشائهِ ... شاركَ في الأجنحةِ الجندبا
لو أنه صورَ من خبزهِ ... ثغرٌ لكانَ الواضحَ الأشنبا
من كلِّ بيضاءَ يحبُّ الفتى ... أنْ يجعلَ الكفَّ لها مركبا
مدهونةٍ زرقاءَ مدفونةٍ ... شهباءَ تحكي الأزرق الأشهبا
فلا إذا العينُ رأتهُ نبتْ ... ولا إذا الضرسُ علاهُ نبا
ذيقَ له اللوزُ فلا مرةٌ ... مرتْ على الذائقِ إلا أبَى
وانتقدَ السكرَ نقادهُ ... وشاوروا في نقدهِ المذهبا
وقال يصف دجاجة
وسميطةٍ صفراءَ ديناريةٍ ... ثمناً ولوناً زفها لك حزورُ
طفقتْ تجولُ بذربها جوذابةٌ ... فأتى لبابَ اللوزِ فيها السكرُ
نعمَ السماءُ هناكَ ظلَّ صبيبُها ... يهمي ونعمَ الأرضُ ظلتْ تمطرُ
ظلنا نقشرُ جلدها عن لحمها ... فكأن تبراً عن لجينٍ يقشرُ
وأتتْ قطائفُ بعد ذاك لطائفٌ ... ترضى اللهاةُ بها ويرضى الحنجرُ
ضحكَ الوجوهُ من الطبرزدِ فوقها ... دمعُ العيونِ من الدهانِ يعصرُ
وقال علي بن الزيات
ولكن شفني ما قد أراهُ ... لديهِ من الطعامِ على الخوانِ
وباذنجانُ محشيٌّ تراهُ ... يعومُ كعنبرٍ في دهنِ بانِ
وقال ابن الرومي في الزوار
ما إنْ علمنا من طعامٍ حاضرٍ ... نعتدهُ لفجاءةِ الزوارِ
стр. 62
كمهيأينِ من المطاعمِ فيهما ... شبهٌ من الأبرارِ والفجارِ
هامٌ وأرغفةٌ وضاءٌ فخمةٌ ... قد أخرجا من جاحمٍ فوارِ
كوجهِ أهلِ الجنةِ ابتسمتْ لنا ... مقرونةً بوجوهِ أهلِ النارِ
وقال في العنب
ورازقي مخطفِ الخصورِ ... كأنهُ مخازنُ البلورِ
قد ضمنتْ مسكاً إلى النحورِ ... وفي الأعالي ماءَ وردٍ جوري
لم يبقِ منه وهجُ الحرورِ ... إلا ضياءَ في ظروفِ نورِ
له مذاقُ العسلِ المشورِ ... وبردُ مسِ الخصرِ المقرورِ
ونفحةُ المسكِ مع الكافورِ ... ورقةُ الماء على الصدورِ
لو أنه يبقى على الدهورِ ... قرط آذانَ الحسانِ الحورِ
بلا فريدٍ وبلا شذورِ ... باكرتهُ والطيرُ في الوكورِ
وعذرَ الذواتُ في البكورِ ... والطلُّ مثلُ اللؤلؤ المنثورِ
من نافعٍ فيها ومن محذورِ ... في فتيةٍ من ولدِ المنصورِ
أملأ للعينِ من البدورِ ... حتى أتينا خيمةَ الناطورِ
فانقضَّ كالطاوِي من الصقورِ ... قبلَ طلوعِ الشمسِ للذرورِ
بطاعةِ الراغبِ لا المقهورِ ... ثم جلسنا جلسةَ المحبورِ
بينَ سماطَيْ شجرٍ مسطورِ ... على حفافي جدولٍ مسجورِ
أبيضَ مثلِ المهرقِ المنشورِ ... ينسابُ مثلَ الحيةِ المذعورِ
ثم أتانا بضروعٍ خورِ ... مملوءةٍ من عسلٍ محصورِ
ناهيكَ للعنقودِ من ظهورِ
وله فيه
ورازقيٍّ مخطفٍ خصورهُ ... قد أينعتْ مسكاً إلى الأسافلِ
كأنه مخازنٌ مملوءةٌ ... من ماء وردٍ فيه مسكٌ ثافلِ
باب ٧٨ في
الموعظة
قال ابن الرومي
ترحاً لدنيا إنما ... سكانها رفقٌ مخبهْ
كم غرَّ قوماً حلوها ... من مرها إلا الألبهْ
فتهافتوا في شهدها ... فتهالكوا مثلَ الأذبَّهْ
وقال أبو العتاهية المديد
كلُّ شيء فيه موعظةٌ ... عظُ الإنسانَ لو عقلا
إنما الدنيا كمرحلةٍ ... حلها الإنسانُ وارتحلا
وقال البحتري
وكانتْ حياةُ المرءِ سوقاً إلى الردَى ... وأيامهُ دونَ المماتِ مراحلُ
وقال أبو العتاهية
أأخيَّ لا تنسى القبو ... رَ فإنها لك موعدُ
وكأنَّ شيئاً لم تنل ... هُ العينُ ساعةَ يفقدُ
وقال القطامي
وأرى المنيةَ للرجالِ حبائلاً ... شركاً يعادُ به لمنْ لم يعلقِ
وقال طرفة
لعمركَ إنْ الموتَ ما أخطأ الفتى ... لكالطولِ المرخَى وثنياهُ باليدِ
وقال أبو العتاهية
ألا يا موتُ لم أر منكَ بداً ... أتيتَ فما تحيفُ ولا تحابي
كأنكَ قد هجمتَ على مشيبي ... كما هجمَ المشيبُ على شبابي
وله
وكأنَّ منْ وارتهُ حفرتهُ ... لم يبدُ منهُ لناظرٍ شخصُ
ليدِ المنيةِ في تلطفها ... عن ذخرِ كلِّ شفيقةٍ فحصُ
وله
وكأنَّ من دفنتهُ أيدٍ في الثرى ... لم يغنِ حباً حين يرجعُ دافنهْ
جسدٌ سيخربُ حين تخرجُ روحهُ ... كالبيتِ يخربُ حين يخرجُ ساكنهْ
وله
والموتُ لا يخفى على أحدٍ ... ممنْ أرى وكأنه يخفى
ولقد مررتُ على القبورِ فما ... ميزتُ بينَ العبدِ والمولى
باب ٧٩
قال بشار
تشتهي قربك الربابُ وتخشى ... عينَ واشٍ وتتقي إسماعهْ
أنتَ من قلبها محلَّ شرابٍ ... تشتهي شربهُ وتخشى صداعهْ
وقال ابن هرمة المتقارب
يحبُّ المديحَ أبو خالدٍ ... ويفرقُ من صلةِ المادحِ
كعذراءَ تبغي لذيذَ النكاحِ ... وتفرقُ من صولةِ الناكحِ
وله مثلهُ
فأنتَ في المدحِ كالعذراءِ يعجبها ... مسُّ الرجالِ ويثني قلبها الفرقُ
تبدي بذاك سروراً وهيَ مشفقةٌ ... كما يهابُ نشيشَ الحيةِ الفرقُ
وقال كثيرٌ
تنيل نزراً قليلاً وهي مشفقةٌ ... كما يهابُ نشيشَ الحيةِ الفرقُ
باب ٨٠ في
الهجو
قال ابن الرومي في ابن أبي الجهم الكاتب
يابنَ أبي الجهمِ احتقب هذا اللطفْ ... فإنَّ فيه طرفةً من الطرفْ
يا جثةَ التلِّ ويا وجه الهدفْ ... يا روثةَ الفيلِ ويا لحمَ الصدفْ
стр. 63
يا جرةَ البيتِ قضاءً وسلفْ ... يا ليلةَ الخانِ إذا الخانُ وكفْ
يا حربَّ آبٍ عندَ سكانِ الغرفْ ... يا سوء كيلٍ وغلاءٍ وحشفْ
يا طيرةَ الشؤمِ ويا فألَ التلف ... يا ثلج ماءٍ مالحٍ فيه جيفْ
يا خزف التنورِ يا شرَّ الخزف ... يا سدةً في المنخرين من نغفْ
يا توبة الفقرِ ويا سنَّ الخرف ... منْ كان يشكو منْ هوى ومن شغفْ
فإنني منك لبغضاء وشف ... أدناهما منكَ الشقاءُ والدنفْ
بيتك بيتٌ نطفٌ كلَّ النطف ... لا يلتقي فيه العفافُ والشرفْ
بلْ تلتقي فيه بظورٌ وقلفْ ... كم طائرٍ أغفلتهُ حتى جدفْ
أحسنُ ما هرَّ به سوء الصلف ... لا زلتَ من دهركَ في شرِ كنفْ
يوليكَ منه جنفاً بعدَ جنْف ... ما لك في بغضك إن متَّ خلفْ
وقال الناجم
يابنَ أبي الجهمِ استمع على مهل ... ظرائفاً أهديتها على عجل
من نكتِ الشعرِ الرصين المنتخلْ ... يغرقنَ في بحرٍ خضمٍ لا وشلْ
يا شبهَ ماءِ البئرِ برداً وثقلْ ... يا ليلةَ الهجرانِ هجرانَ المللْ
يا بكرةَ العاشقِ جاءتْ بالعذلْ ... يا فرقة الخلانِ يا صدَّ الخلل
يا كربَ الطلقِ ويا ثقلَ الجبل ... يا حيرةَ المملقِ أعيتهُ الحيلْ
يا نكرَ المفيقِ من أدهى العلل ... يا قوةَ اليأسِ ويا ضعفَ الأملْ
يا ريثةَ الرزقِ ويا وشكَ الأجلْ ... يا زحلَ الدهرِ ومريخَ الدول
ويا قذى الأعينِ لا كحلَ المقلْ ... يا ياسمينَ السقمِ لا وردَ الخجل
بل يا سماد الحش حقاً لا مثلْ ... يا كلَّ مذكورٍ كريهٍ وبخلْ
أقسمُ لولا أنَّ بي عنك كسل ... لجدَّ فيك الشعرُ طوراً وهزلْ
ممزقاً عرضكَ تمزيقَ السملْ ... لا زلتَ من دهرك في شرِ محلْ
يليك منه وجلٌ بعد وجلْ ... ما لكَ في بغضكَ إنْ متَّ مثل
إلا بنوك العررُ النوكَى السفلْ
وقال أبو نواس
قد علا الديوانَ كأبهْ ... مذ وليهِ ابنُ شبابهْ
يا غرابَ البينِ في الشؤ ... مِ ومئزابَ الجنابهْ
يا كتاباً بطلاقٍ ... وعزاء بمصابهْ
يا مثالاً من همومٍ ... وتباريحٍ وكأبهْ
يا رغيفاً ردهُ الب ... قالُ يبساً وصلابهْ
كاتبٌ أيضاً فما م ... رَّ على رأسِ الكتابهْ
وقال ابن بسام يهجو أخاه
يا طلوعَ الرقيبِ يا بينَ إلفٍ ... يا غريماً أتى على ميعادِ
يا ركوداً في يومِ غيمٍ وصيفٍ ... يا وجوهَ التجارِ يومَ الكسادِ
وقال العطوي
أتيتكَ مشتاقاً فلم أرَ حاجباً ... ولا جالساً إلا بوجهِ قطوبِ
كأنّي غريمْ مقتضٍ أو كأنني ... طلوعُ رقيبٍ أو نهوضُ حبيبِ
باب ٨١ في
الالتحاء
قال سعيد بن حميد في غلام التحى
هلا وأنتَ بماءِ وجهك تشتهي ... رؤدَ الشبابِ قليلَ شعرِ العارضِ
فالآنَ حين بدتْ بخدكَ لحيةٌ ... ذهبتْ بحسنك ملءُ كفِ القابض
مثل السلافةِ عادَ خمرُ عصيرها ... بعدَ اللذاذةِ خلَّ خمرٍ حامضِ
وقال ابن بسام في أخيه
يا مَنْ نعتهُ إلى الإخوانِ لحيتهُ ... أدبرتَ والناسُ إقبالٌ وإدبارُ
قد كنتَ ممنْ يهشُّ الناظرونَ له ... تغضُّ دونك أسماعٌ وأبصارُ
للهِ أيُّ فتى حانتْ منيتهُ ... وكلُّ شيءٍ له وقتٌ ومقدارُ
حانتْ منيتهُ فاسودَّ عارضهُ ... كما تسودَ بعدَ الميتِ الدارُ
وقال سعيد بن وهب المنسرح
ما بالكمْ يا ظباءَ وجرةَ أمْ ... ما بالكمْ يا جآذِرَ البقرِ
ماتوا فلم يدفنوا فيحتسبوا ... ففيهمُ عبرةٌ لمعتبرِ
كأنهم بعدَ بهجةٍ درستْ ... ركبٌ عليهم عمائمُ السفرِ
وقال مصعب
قد صافحتْ أقطارَ خدك لحيةٌ ... تركتهُ وهو مسودُ الأقطارِ
فكأنَّ خطَّ الشعرِ في جنباتهِ ... ليلٌ أقامَ على نجومِ نهارِ
باب ٨٢ في
قصر القامة
قال الناجم في العزيز الهزج
ألا يا بيدقَ الشطرن ... جِ في القيمةِ والقامهْ
لقد صغرَ منكَ الك ... لُّ غيرَ الدبرِ والهامهْ
فما تنفكُّ وجعاء ... كَ للوافرِ مستامهْ
стр. 64
وكفُّ الضخمِ في رأس ... كَ كالخالِ أو الشامهْ
لقد ضلَّ امرءٌ عدَّ ... كَ يا طرطورُ علامهْ
وله في
إنَّ ابنَ بسارٍ له قامةٌ ... بطولها منقارُ فروجِ
يقطعهُ زيقٌ ويرضي الذي ... يحيطه منه بطسوجِ
ندَّ إلينا دونَ أصحابهِ ... من ردمِ ياجوجٍ وماجوجِ
وله فيه
تنقصُ الإخوانِ من شأنهِ ... وهو أخو الذلةِ والنقصِ
كأنه البرغوثُ لم يخطهِ ... في صغرِ الجثمانِ والقرصِ
وقال المصيصي في قصير
تقطعُ دواجاً له سابغاً ... وريقةٌ من ورقِ التوثِ
غني أراهُ في حشا أمهِ ... صورَ من نطفةٍ برغوثِ
وقال الناجم في العزيز
وعازبُ الرأي ضعيفٌ مغرورْ ... يخبطُ من عمايةٍ في ديجورْ
مكاثرٌ في العلمِ وهوَ مكثورْ ... حاصلهُ منه هباءٌ منثورْ
في جسمِ عصفورٍ وحلمِ عصفورْ
وقال حسان يهجو بني عبد المدان
دعوا التخاجؤ وامشوا مشيةً سجحاً ... إنَّ الرجالَ ذوو عصبٍ وتذكيرِ
لا بأس بالقومِ من طولٍ ومن قصرٍ ... جسمُ البغالِ وأحلامُ العصافيرِ
ثم مدحهم فقال
وقد كنا نقولُ إذا رأينا ... لذي جسمٍ يعدُّ وذي لسانِ
كأنك أيها المعطَى لساناً ... وجسماً من بني عبدِ المدانِ
وقال أبو نواس في قصيرة المنسرح
بدت لنا في ثياب لعبتها ... تجر أثوابها لقلتها
وقال ابن أبي حفصة المنسرح
كلُّ فتاةٍ قصيرة سمنتْ ... مسودةً لا ألذ نيكاها
وقال ابن الرومي في قصيرة
تضلُّ في السربالِ من قلةٍ ... كصعوةٍ في جوفِ قفاعهْ
قصيرةُ القامةِ دحداحةٌ ... قامتها قامةُ فقاعهْ
وله أيضاً
قميئةُ الخلفة دحداحةٌ ... تطرحها القلة في المنسى
نكهتها تقتل جلاسها ... لقرب محساها من المفسى
وقال الناجم
وقصيرٍ لا تعملُ الش ... مسُ فيئاً لقامتهْ
يعثرُ الناسُ في الطريقِ به من دمامتهْ
وله في ابن عمار
إنَّ ابنَ عمارٍ له قامةٌ ... قريبةُ البعضِ من البعضِ
طامنهُ الفقرُ وإدمانهُ ... فصار منه الطول في العرضِ
لا تبصرُ العينُ إذا ما بدا ... منه سوى الرأسِ على الأرضِ
باب ٨٣ في
الثقلاء
قال ابن الرومي يهجو
يا أبا القاسم الذي لستُ أدري ... أرصاصٌ كيانهُ أم حديدُ
أنتَ عندي كماء بئركَ في الصي ... ف ثقيلٌ يعلوهُ بردٌ شديد
وقال ابن المعتز
يا ربَّ يومٍ ظلتُ أرعى شمسهُ ... وكأنها في الجوِ دمعةُ خائفِ
عاشرتُ فيه معاشراً كانوا قذًى ... للعينِ لا يلقى بجفنٍ طارفِ
كانوا شتاءً فيه إلا أنني ... من شمسهِ آجرُّ يومٍ صائفِ
وقال ابن الرومي في ثقيل
وثقيل كأنهُ ثقلُ دينٍ ... تتقذاهُ طالعاً كلُّ عينِ
حملَ اللهُ أرضهُ ثقليها ... وبراهُ علاوةَ الثقلينِ
وقال أبو نواس المتقارب
ثقيلٍ يطالعنا من أمم ... إذا سرهُ رعفُ أنفى ألم
لطلعته وخزةٌ في الحشا ... كوقعِ المحاجمِ في المحتجمْ
أقولُ له إذ أتى لا أتى ... ولا نقلتهُ إلينا قدمْ
فقدتُ خيالكَ لا منْ عمى ... وصوتَ كلامك لا من صمم
تغطَّ بما شئت عن ناظري ... ولوْ بالرداءِ به تلتثمْ
وقال ابن الرومي
وثقيلٍ جليسهُ في سياقٍ ... ساعةً منه مثلَ يومِ الفراقِ
قد قضى اللهُ موتهُ منذُ حينٍ ... واجتوى الموتُ نفسهُ وهو باقِ
لا أسميه باسمهِ قد كفاني ... أنهُ وحدهُ بغيضُ العراقِ
باب ٨٤ في
الغربان
في الغربان قال بعض الشعراء
أأنْ شاقتَك منزلةٌ بخيبٍ ... ومنزلةٌ بمنجاةِ الكثيبِ
كأنَّ الشاحجاتِ بجانبيها ... شبابٌ جئنَ من حبشٍ ونوبِ
يقعنَ جماعةً ويطرنَ شتى ... إذا ما الشمسُ همتْ بالغروبِ
وقال الطرماح
وجرى بينهمُ غداةَ تحملوا ... من ذي الأبارقِ شاحجٌ يتفيدُ
شنجُ النسا أدفى الجناحِ كأنهُ ... في الدارِ إثرَ الظاعنينَ مقيدُ
وقال عنترةُ
ظعنَ الذين فراقهمْ أتوقعُ ... وجرى ببينهم الغراب الأبقعُ
стр. 65
حرقُ الجناحِ كأنَّ لحييْ رأسهِ ... جلمانِ بالأخبارِ هشٌّ مولعُ
وقال آخر
وصاحَ بالبينِ غرابٌ شحجا ... كأنما يقلعُ من فيه شجا
مغلغلاً دون اللهاةِ ولجا
باب ٨٥
ومما يتصل بذلك قول الآخر في حمامةٍ
محلاةُ طوقٍ ليس يخشى انفصامهُ ... إذا همَّ أنْ يبلَى تجددَ آخرُ
موشحةٌ بينَ التراقي بزفِّها ... وصدرٌ كمقطوفِ البنفسجِ أخضرُ
وقال آخر
كأنَّ بنحرها والجيدِ منها ... ذا ما أمكنتْ للناظرينا
مخطاً كان من قلمٍ لطيفٍ ... فخطَّ بجيدها والنحر نونا
وقال ابن الرومي
أشجتك داعيةٌ مع الإشراقِ ... هتفتْ بساقٍ في ذؤابةِ ساقِ
أيكيةٌ تدعو بشجوٍ أنْ دعا ... ريبُ الزمانِ قرينها بفراقِ
تبدو أماراتُ الشجى في صوتها ... وترى عليها إلةُ الإطراقِ
لو تستطيعُ تسلبتْ من طوقها ... لو كان منتحلاً من الأطواقِ
وله مثلهُ
مطوقةٌ تبكي ولم أرَ باكياً ... بدا ما بدا من شجوها لم تسلبِ
وقال آخر
مزبرجةُ الأعناقِ نمرٌ ظهورُها ... مخطمةٌ بالدرِّ خضرٌ روائعُ
ترى طرراً فوق الخوافي كأنها ... حواشي برودٍ أحكمتها الوشائعُ
ومن قطعِ الياقوتِ صيغتْ عيونها ... خواضبُ بالحناءِ منها الأصابعُ
وقال آخر
وهتوفٍ ورقاءُ أرقتِ الطر ... فَ وزادتْ حبلَ الفؤادِ خبالا
ذاتِ طوقٍ من الزمردِ يحكي ... صفو عيشٍ عني تولى وزالا
نبهتني والصبحُ قد خالط اللي ... لّ كما خالط الصدودُ الوصالا
وتراها كأنما بدموعي ... خضبوها أو خاضت الجريالا
باب ٨٦ في
الفراق
قال البصير
ألمتْ بنا يومَ الرحيلِ اختلاسةً ... فأضرمَ نيرانَ الهوى النظرُ الخلسُ
تأنتْ قليلاً وهيَ ترعدُ خيفةً ... كما تتأنَّى حينَ تعتدلُ الشمسُ
فخاطبها طرفي بما أنا مضمرٌ ... وأبلستُ حتى ليسَ يعلمُ حس
وولتْ كما ولى الشبابُ بطيئةً ... طوتْ دونها كشحاً على يأسها النفسُ
وقال البحتري نحو ذلك
وأبَى الظعائنُ يومَ رحنَ لقد غدا ... فيهنَّ مجدولُ القوامِ قضيفهُ
شمسٌ تألقُ والفراقُ غروبها ... عنا وبدرٌ والصدودُ كسوفهُ
وقال أعرابي
حلالٌ لليلى أن تروعَ قلبهُ ... بهجرٍ ومغفورٌ لليلى ذنوبها
فزالتْ زوالَ الشمسِ عن مستقرها ... فمنْ مخبري في أي أرضٍ غروبها
وقال البحتري
دنتْ عند الفراقِ لوقتِ بينٍ ... دنو الشمسِ تجنحُ للأصيلِ
وقال العلوي الكوفي
ولقد نظرتُ إلى الفراقِ فلم أجدْ ... للموتِ لو فقدَ الفراقُ رسولا
إنَّ المصائبَ لو تصورُ ما غدتْ ... مسترحلاً بالبينِ أو مرحولا
الساعةَ البينُ انبرَى فكأنما ... واصلتَ ساعاتِ القيامةِ طولا
وقال الأخطل
خفَّ القطينُ فراحوا منكَ أو بكروا ... وأزعجتهمْ نوًى في صرفها غيرُ
كأنني شاربٌ يومَ استبدَّ بهم ... من قهوةٍ ضمنتها حمصُ أو جدرُ
ومثل هذا كثير، وقال قيس بن ذريحٍ وقد سامه أبوه تطليق امرأته لبنى فقال
فوا أسفى وعاودني رداعي ... وكان فراقُ لبنى كالجداعِ
تكنفني الوشاةُ فأزعجوني ... فيا لله للواشي المطاعِ
فأصبحتُ الغداةَ ألومُ نفسي ... على شيءٍ وليس بمستطاعِ
كمغبونٍ يعضُّ على يديهِ ... تبينَ غبنهُ بعدَ البياعِ
وقال ابن المعتز
ورميتمُ جرحَ الفراقِ فؤادهُ ... فالدمعُ من أجفانهِ يترقرقُ
هزتهُ وقفةُ ساعةٍ فكأنما ... في كل عضوٍ منه قلبٌ يخفقُ
وقال ماني نحوهُ المتقارب
دعتني جهاراً إلى عشقها ... ولم تدرِ أني لها عاشقُ
فرحتُ وللشوقِ من مفرقِي ... إلى قدمي ألسنٌ تنطقُ
باب ٨٧ في
القلم والكتابة
قال بعض الشعراء في القلم
وبيتٍ بعلياءِ الفلاةِ بنيتهُ ... بأسمرَ مشقوقِ الخياشمِ يرعفُ
كأن عليه ملبساً سلخَ حيةٍ ... مقيمٍ فما يمضي ولا يتخلفُ
وقال ابن المعتز
قلمٌ ما أراهُ أمْ فلكٌ يج ... ري بما شاء قاسمٌ ويسيرُ
стр. 66
راكعٌ ساجدٌ يقبلُ قرطا ... ساً كما قبلَ البساطَ شكورُ
وقال آخر المتقارب
ضئيلُ الرواءِ كثيرُ الغناءِ ... من البحر في المنصبِ الأخضرِ
كمثل أخي العشقِ في شخصهِ ... وفي لونهِ من بني الأصفرِ
عليه كهيئةِ متنِ الشجا ... عِ في دعصٍ محنة أعفرِ
وقال المقنع الكندي
قلمٌ كخرطومِ الحمامةِ مائلٍ ... مستحفظٌ للعلمِ من علامهِ
يخفى فيقصمُ من شعيرةِ رأسهِ ... كقلامةِ الأظفورِ من مقلامهِ
وقال آخر في جاريةٍ
كأنما قابلَ القرطاسَ إذْ كتبتْ ... منها ثلاثةُ أقلامٍ على قلمِ
وقال ابن المعتز
عليمٌ بأعقابِ الأمورِ كأنه ... بمختلساتِ الظنِّ يسمعُ أو يرى
إذا أخذ القرطاسَ خلتَ يمينهُ ... تفتحُ نوارا أو تنظمُ جوهرا
ونحوه قول الطائي في كتاب
وضمنَ صدرهُ ما لم تضمنْ ... صدورُ الغانياتِ من الحليِّ
فكائنْ فيه من معنى لطيفٍ ... وكائنْ فيه من لفظٍ بهيّ
وقال آخر يصف كتاباً
سوادٌ مثل خافية الغرابِ ... وأقلامٌ كمرهفةِ الحرابِ
وقرطاسٌ كرقراقِ السرابِ ... وألفاظٌ كأيامِ الشبابِ
وقال حجزةُ بن أبي سلالة
منْ كتابٍ كأنهُ شعراتٌ ... وسط خدٍّ أومأ بهنَّ عذارُ
أو كنقشِ الحناءِ في كفِ عذرا ... ء حمى وجهها به الاستتارُ
بل كتابٍ يكادُ يضحك من جو ... هرهِ بحرُ لفظهِ الطومارُ
كتبتكَ الكفُّ التي كنزها السو ... ددُ لا درهمٌ ولا دينارُ
وقال علي بن الجهم
ورقعةٍ جاءتك مثنيةً ... كأنها خدٌّ على خدِّ
ساهمةُ الأسطرِ مصروفةٌ ... عن ملح الهزلِ إلى الجدِّ
نبذُ سوادٍ في بياضٍ كما ... فتَّ فتيتُ المسكِ في الوردِ
يا كاتباً أسلمني عتبهُ ... إليه حسبي منك ما عندي
وقال ابن الرومي المتقارب
لعمركَ ما السيفُ سيفُ الكمي ... بأخوفَ من قلمِ الكاتبِ
له شاهدٌ إنْ تأملتهُ ... ظهرتَ على سرهِ الغائبِ
أداةُ المنيةِ في جانبيهِ ... فمنْ مثلهِ رهبةُ الراهبِ
سنانُ المنيةِ في جانبٍ ... وسيفُ المنيةِ في جانبِ
ألم ترَ في صدرهِ كالسنانِ ... وفي الردفِ كالمرهفِ العاضبِ
باب ٨٨
قال ابن الرومي
ولحيةٍ يحملها مائقٌ ... مثلَ الشراعينِ إذا أشرعا
تقودهُ الريحُ بها صاغراً ... قوداً حثيثاً تبعثُ الأخدعا
لو غاص في البحرِ بها غوصةً ... صاد بها حيتانهُ أجمعا
وقال دعبلٌ
يلوثُ لحيةً عرضت وطالتْ ... ويمرثها كتمريث الخميره
فيا لك لحيةً وضرَى وشيباً ... كأنك قد أكلتَ بها مضيرهْ
وقال ابن الرومي
ولحيةٍ كذنبِ البرذونِ ... لو أنها كانت على فرعونِ
لاحتاجَ أن يحملها بعونِ
وله أيضاً
رجلٍ عليه لحيةٌ ... منها قراملُ زوجتهْ
لو يجمعُ الله اللحى ... كانتْ حذافةَ لحيتهْ
وقال الناجم مما لا ت شبيه فيه
لابنِ شاهينَ لحيةٌ ... طولهُ شطرُ طولها
فهو كالدهرِ كلهِ ... عاثرٌ في فصولها
باب ٨٩ في
تشبيهات باستثناء شيء أو نقصان شيء
ومن التشبيهات باستثناء شيءٍ أو نقصان شيء قول الأخطل يصف زقاقاً
أناخوا فجروا شاصياتٍ كأنها ... رجالٌ من السودانِ لم يتسربلوا
الشاصي الرافع لرجليه والشاغر الرافع إحداهما وقال أبو الهندي
أتلفُ المال وما جمعتهُ ... طلبَ اللذاتِ من ماء العنبْ
واستباءَ الزق من حانوته ... شائل الرجلين معصوبَ الركبْ
وقال ابن المعتز
ودنانٍ كمثلِ صفِ رجالٍ ... قد أقيموا ليرقصوا الدستبندا
وله أيضاً
خلتها في البيتِ جنداً ... صففوا حولي قياما
وتراها وهيَ صرعى ... فرغاً بين الندامَى
مثلَ أبطالِ حروبٍ ... قتلوا فيها كراما
وقال الناجم
ومدامةٍ كالبرقِ إلا أنها ... تبغي على الأوقاتِ باللالاء
وقال عوف بن محلم الخزاعي
وصغيرةٍ علقتها ... كانتْ من الفتنِ الكبارِ
كالبدرِ إلا أنها ... تبغي على ضوءِ النهارِ
وقال أبو نواس
стр. 67
كأنَّ في كأسها سراباً ... تخيلهُ المهمهُ القفارُ
كأنها ذاك حين يزهى ... لو لم يشب لونها اصفرارُ
لا ينزلُ الليلُ حيثُ حلتْ ... فدهرُ شرابها نهارُ
وقال أيضاً المنسرح
تلعبُ لعبَ السرابِ في قدحِ الق ... ومِ إذا ما حبابها اتصلا
وقال النابغة في صفة الصدر
ترائبُ يستضيءُ الحليُ فيها ... كجمرِ النارِ بذرَ في الظلامِ
وقال امرؤ القيس
كأنَّ عيونَ الوحشِ حولَ خبائنا ... وأرحلنا الجزعُ الذي لم يثقبِ
وقال الطائي
جودٍ كجودِ السيلِ إلا أنهُ ... كدرٌ وأنَّ نداكَ غيرُ مكدرِ
وقال الطائي
بمخضبٍ رخصٍ كأنَّ بنانهُ ... عنمٌ على أغصانهِ لم يعقد
وقال أبو نواس يهجو جعفر بن يحيى
قالوا امتدحتَ فماذا اعتضتَ قلتُ لهم ... خرقَ النعالِ وإخلاقَ السراويلِ
قالوا فسمِ لنا هذا فقلتُ لهم ... بلْ وصفهُ يعدلُ التصريحَ في القيلِ
ذاك الأميرُ الذي طالتْ علاوتهُ ... كأنه ناظرٌ في السيفِ بالطولِ
وقال الناجم
إذا ما تلاقتْ للجدالِ عصابةٌ ... رأيتَ أناساً لا يحلونَ مستورا
إذا قلَّ هذا تارةً فلَّ تارةً ... وقاهرُ ذا يمسي لآخرَ مقهورا
لقد أصبحوا مثل الزجاجِ جمعتهُ ... بطحٍ فأضحى الكلُّ بالجمعِ مكسورا
وقال المصيصي
أف لقاضٍ لنا وقاحِ ... أمسَى برياً من الصلاحِ
كأنَّ دنيةً عليهِ ... غرابُ بينٍ بلا جناحِ
وليس في الرأسِ منه شيءٌ ... يدورُ إلا أبو رياحِ
وقال الطائي وقد خلع عليه الحسن بن وهب رداء
قد كساني من كسوةِ الصيفِ خرقٌ ... مكتسٍ من فضائلٍ ومساعِ
كالسرابِ اللموعِ في القاعِ إلا ... أنهُ ليسَ مثلهُ في الخداعِ
وتراهُ تسترجفُ الريحُ متني ... هِ بأمرٍ من الهبوبِ مطاعِ
رجفاناً كأنه الدهرُ منه ... كبدُ الصبِ أو حشا المرتاعِ
وقال ابن الرومي
ألا يا هندُ هل لك في قمدٍ ... غليظٍ تفرحينَ به متينِ
يشدُّ به حشاكِ غلامُ نيكٍ ... من الفتيانِ منقطعُ القرينِ
يذكرُ بالقمدِ العردِ حتى ... تأنثَ نعتهُ قبلَ اليقين
فمنْ يره يبولُ يخلهُ أنثى ... بدا من فرجها ثلثا جنين
وقال راشد الكاتب
إني بليتُ بقسٍ لي أمرضهُ ... يبكي لمصرعهِ الناقوسُ والديرُ
كأنَّ قطريهِ في قربِ التقائهما ... سيرُ الركابِ إذا ما ركبَ السيرُ
وله
أيرٍ تعقف واسترخت مفاصلهُ ... مثل العجوزِ حناها شدةُ الكبرِ
يقومُ حينَ يريدُ البولَ منحنياً ... كأنه قوسُ ندافٍ بلا وترِ
وله
كأنه ويدُ الحسناء تغمزهُ ... سيرُ الإداوةِ لما مسهُ البلل
وله المنسرح
كأنَّ أيري من لين مقبضه ... خريطةٌ قد خلتْ من الكتبِ
أو حيةٌ نضوةٌ مطوقةٌ ... قد قلبتْ رأسها على الذنبِ
وقال ابن الرومي
شددتُ منها نظرةٌ على عجلْ ... آخرها أولها من العجل
كالشمسِ عامتْ يومها إلى الطفلْ ... ثم انجلتْ والشطرُ منها قد أفلْ
وقال صاحب الكتاب التشبيه، وإن كان في الشعر أحسنَ وعلى الشاعر أصعب لأنه يتعمدُ إصابة التشبيه ويتخير الألفاظ ويحترس من اللحن والإحالة ويزين الكلام ويحصره بالقافية فإن للأدباء والظرفاء والحكماء والمتأملين والمجان والمخنثين تشبيهاتٍ صحيحاتٍ ومعاني رائعاتٍ ونحن نذكر منها جملةً مختارة ثم نعود إلى الشعر وبالله التوفيق والقوة.
باب ٩٠ في
لطائف
وصف أبو الحارث جميز جعفر بن يحيى فقال كان مشجباً من حيثُ لقيته مهولاً وقال ابن المعتز
لو كنتَ من شيءٍ خلافكَ لم تكنْ ... لتكونَ إلا مشجباً في مشجبِ
يا ليتَ لي من جلدِ وجهكَ رقعةُ ... فأقدَّ منها حافراً للأشجبِ
وهذا قول منصور بن باذانَ الأصبهاني المجتث
يا ليتَ حافرَ نعلي ... من بعضِ جلدةِ وجهك
أهجو ببعضكَ بعضاً ... من ذا يقومُ لكلكْ
لطائف
стр. 68
قال صاحب كليلة الدنيا كالماء الملح الذي متى يزدد شاربه شرباً يزدد عطشاً وظمأً، قال أحمد بن المعذل لأخيه عبد الصمد أنت كالإصبع الزائد إن قطعت ألمت وإن تركت شانت. وكان الجماز لا يدخل بيتهُ أكثر من ثلثة لضيقه فدعا ثلثة فجاءه ستة قاموا على رجل رجل وراء الباب فعد أرجهم من خلف الباب وأدخلهم فلما حصلوا في بيته تذمر فقالوا ما شأنك فقال دعوت ناساً ولم أدع كراكيَّ يقومون على رجل رجل فقال صاحب كليلة الأدب يذهب عن العاقل السكر ويزيد الأحمق سكراً كالنهار يزيد البصير بصراً ويزيد الخفاش سوء بصره. وقال أبو عبد الله جعفر بن محمد ﵁ الأدب عند الأحمق كالماء العذب في أصول الحنظل كلما ازداد رياً ازداد مرارة. قال الجاحظ دخل مخنث الحمام فرأى رجلاً كبير الذكر كثير الشعر فقال انظروا إلى الخليفة في قطيفة. وقال رجل لبعض الرؤساء كتبت لي إلى فلان فكأنما كتبت منك إليك. قيل لمخنث كان يشب لبن الأتن كيف أصبحت قال لا تسئل عمن أصبح أخا الحمارة. وقال صاحب كليلة لا تبطر العاقل منزلة أصابها كالجبل الذي لا يزلزله الرياح العواصف والسخيف تبطره أدنى منزلة كالحشيش الذي يحركه أدنى الرياح. قال آخر كان ابن عباس يتبختر في كلامه كما يتبختر الرجل في مشيته، قال صاحب كليلة صحبة الأخيار تورث الخير وصحبة الأشرار تورث الشر كالريح إذا مرت على النتن حملت نتناً وإذا مرت على الطيب حملت طيباً. وقال رجل لبعض الظرفاء صف لي وليمةَ فلان فقال كانت كأنها زمن البرامكة من حسنها. وقال رجل لرجل صف لي الزلزلة فقال كأنها فرس انتفض ثم رجع. وقال صاحب كليلة من نصح لمن لا يشكر له كان كمن ينثر بذره في السباخ ومن أشار على معجبٍ كان كمن أشار على الأصم، وقال أيضاً لا يخفى فضل ذي الأدب وإنْ أخفاه بجهده كالمسك الذي يخبأ ويستر ثم لا يمنع ذلك ريحه من التذكي وذكر الجماز رجلاً فقال كأنَّ قيامه عندنا سقوط جمرة من الشتاء لبرده. وقال صاحب كليلة الرجل ذو المروءة قد يكرم على غير مال كالأسد الذي يهاب وإن كان رابضاً والغنى الذي لا مروءة له لا يهاب وإن كان غنياً كالكلب الذي يهون على الناس وإن طوق وخلخل. وقال بعض الحكماء من لا يقبل من نصحائه ما يثقل عليه مما ينصحون له فيه لم يحمد غب أمره وكان كالمريض الذي يترك ما يصف له الطبيب ويعمد إلى ما يشتهي. وقالت عجوز وقد رأت طلحة يوم الجمل من هذا الذي كأن وجهه دينار هرقلي قالوا هذا طلحة ثم رأت الزبير فقالت من هذا الذي كأنه أرقم يتلمظ قيل الزبير ثم رأت علياً ﵇ فقالت من هذا الذي كأنه كسرى ثم جبر قالوا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وقال صاحب كليلة المودة بين الصالحين بطيءٌ انقطاعها سريع اتصالها كآنية الذهب التي هي بطيئة الانكسار هينة الإعادة والمودة بين الأشرار سريع انقطاعها بطيء اتصالها كآنية الفخار يكسرها أدنى شيء ثم لا وصل لها. تكلم وفد بين يدي سليمان بن عبد الملك فلم يعلموا شيئاً وتكلم بعدهم رجل زري المنظر فأبلغ فقال سليمان كأن كلامه بعد كلامهم سحابة لبدت عجاجاً ووصف المعلى بن الزيات رجلاً فقال كان كأنه لسان حية من ذكائه. وقال ابن الرومي شهر رمضان بين شعبان وشوال مخشلبة بين درتين. وقال أبو سليمان الطنبوري شعبان درب لا ينفذ وقال آخر الصاحب كالرقعة في الثوب فالتمسه مشاكلاً. قال صاحب كليلة لا يرد بأس العدو القوي بمثل التذلل والخضوع كما أن الحشيش إنما يسلم من الريح العاصف بلينه لها وانثنائه معها حيثما مالته. وقال أيضاً ليس العدو بموثوق له ولا مفتر وإن أظهر جميلاً فإن الماء وإنْ أطيل إسخانه لا يمنعه ذلك من إطفاء النار إذا صب عليها. دخل لص على ملاح فوصفه لجيرانه فقال طويل مثل الدقل أسود مثل قير السفينة وفخذه مثل السكان وكل ذي صناعة يتكلم من صناعته كما قيل لملاح مرة كم بقي من النهار فقال مقدرا مردي شمسٍ. وسمع النحوي المازني قرقرة من بطن رجل فقال هذه ضرطة مضمرة. وقال سعيد بن حميد عمل السلطان كالحمام من فيه يريد الخروج منه ومن خارجه يريد الدخول فيه. وقال صاحب كليلة الدنيا كدودة القز لا تزداد للإبريسم على نفسها لفاً إلا ازدادت من الخروج منه بعداً. وصف رجلٌ ابن محرز المغني فقال كأنه خلق من كل قلب فهو يغني كل إنسان بما يشتهي. وقال بعض الحكماء العقل كالسيف والنظر كالمسن نظر
стр. 69
مخنث إلى موسى بن عيسى وكان المنصور عقد له بعده ثم عقد للمهدي وجعل موسى بعده فقال هذا الذي كان غداً صار بعد غد. وقال آخر الذي يذهب إلى العالم بغير ألواح كالساعي إلى الهيجاء بغير سلاح. وقال صاحب كليلة المذنب لا يحب أن يفحص عن أمره لقبح ما ينكشف منه كالشيء المنتن كلما أثير زاد نتناً. وقال علي ﵇ الدنيا كالحية لين مسها والسم الناقع في أنيابها ورأى مزبدٌ رجلاً كبير الأنف وفيه شعر فقال كأن أنفه كنف مملوء من شسوع. ويقال المرأة كالنعل يلبسها الرجل إذا شاء لا إذا شاءت هي، قال أنوشروان الصبر صبرٌ كاسمه وعاقبته عسل. وقال أبو تمام الطائي
وصاحبت أيامي بصبرٍ حلونَ لي ... عواقبهُ والصبرُ مثل اسمهِ صبرُ
قال بعضهم الداعي بغير عملٍ كالرامي بغير وتر. ووصف رجل نعمة قوم فقال لصقت بهم النعمة حتى كأنها من ثيابهم. وقال ابن مسعود ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل خلف الفارين. ونظر مخنث إلى رجل قصير على حمار أسود صغير فقال ركب زق دبساً وجاء يساير الناس ومثله المنسرح
كأن رجليهِ والعقالُ بها ... قضى عليه الوقوعَ في الوهقِ
أشبهُ شيءٍ رأيتُ راكبهُ ... صيادَ شصٍ غدا على زقِ
وقال صاحب كليلة من صنع المعروف لعاجل الجزاء كان كملقي الحب ليصيد به الطير لا لينفعه نظر ابن الرومي إلى غيم أبيض متقطع في السماء. فقال كأنه قطن يندف على بطانة زرقاء. نظر مزبد إلى رجل مدني أسود ينيك غلاماً رومياً أبيض فقال كأن أيره في إسته كراع عنز في صحفة أرز. وقال ابن الرومي وقد قيل له شبه كلية الجدي فقال كأنها لوبياءٌ، وقال الحمصة تشبه الخوخة وشبه عبادة الياسمين بمحة خرمية وأمواج دجلة في الجنوب بأسنمة الجمال. وقال صاحب كليلة إذا عز الكريم لم يستقل إلا بالكرام كالفيل إذا وحل لم تقلعه إلا الفيلة. قال أبو العيناء كنت آتياً محمد بن هارون وعنده حشد من إخوانه فأجده أخفضهم صوتاً قلت له أكلك طفل بك في منزلك قدم ابن مكرم إلى البصير جنب شواءٍ لم ينضج فقال أبو علي ليس هذا جنباً هذا شريجة قصب ذكر أبو العيناء ولد موسى بن عيسى فقال كان ألفهم قبورٌ نصبتْ على غير القبلة نظر عبادة إلى جارية سوداء عليها وقاية معصفرة فقال كأنها فحمة اشتعل رأسها.
باب ٩١ في
تشبيهات مختلطة وأبيات منفردة
من تشبيهات مختلطة وأبيات منفردة قول مسلم يرثي يزيد بن مزيد
قبر بحران استسر ضريحه ... خطراً تقاصر دونه الأخطار
فاذهبْ كما ذهبتْ غوادِي مزنةٍ ... أثنى عليها السهل والأوعار
ونحوه قول البحتري يرثي أبا سعيد
واذهبْ كما ذهبتْ بساطعِ نورها ... شمس النهارِ وأعقب الإظلامُ
وقال الحسن بن مطير يرثي معناً
فتى عيش في معروفهِ بعد موتهِ ... كما عادَ بعدَ السيلِ مجراهُ مرتعا
وقال البحتري يمدح ابن طولون المنسرح
إذا علا في بهاء منظرهِ ... أرى عليه في الحسنِ مختبره
كالغيثِ ما عينهُ ببالغةٍ ... بعض الذي راح بالغاً أثره
وقال آخر يرثي رجلاً
فمات وأبقى من تراثِ عطائهِ ... كما أبقتِ الأنواء للحيوانِ
وقال آخر في طفيلي
ويعربي خالع العذار ... أطفل من ليل على نهارِ
أثبت في الدارِ من الجدارِ ... يشرب بالصغارِ والكبارِ
كأنه في الدارِ ربُّ الدارِ
وقال عباس بن المشوق
يا وارثَ التطفيلِ عن والدٍ ... أحكم بالحذقِ وبالرفقِ
لو تجعل الإبرة رداً له ... لمرَّ كالبرقِ من الخرقِ
تأكل أرزاق بني آدمٍ ... لأنت مخلوقٌ بلا رزقِ
стр. 70
وقال البحتري في محمد بن إسحاق بن إبراهيم
زينت به الشرطة لما غدا ... إليه منها النهى والأمر
كأنما الحربة في كفه ... نجم الدجى شيعهُ البدرُ
ومثله قول ابن الرومي
لو تراهُ خلف السنانِ يهاوي ... هِ لأبصرتَ ماضياً خلفَ ماضِ
ولشبهت ذا وذاك شهابي ... نِ بليلٍ تهاويا بانقضاضِ
وله يصف جمة
كأنَّ بناتِ الماء في صرحِ متنها ... إذا ما علا تيارها وترفعا
زرابي كسرى بثها في صحابةٍ ... ليحضر وفداً أو ليجع مجمعا
تريك ربيعاً في خريفٍ وروضةً ... على لجةٍ بدعاً من الأمرِ مبدعا
وقال زهير
تراه إذا ما جئتهُ متهللا ... كأنك معطيهِ الذي أنت سائله
وقال ابن هرمة
حمدناك بالعرفِ الذي قد صنعتهُ ... كما حمد الساري السري حين أصبحا
وقال ابن الرومي
كل الخلال التي فيكم محاسنكمْ ... تشابهت فيكم الأخلاقُ والخلقُ
كأنكم شجر الأترجِ طابَ معاً ... حملاً ونوراً وطابَ العودُ والورقُ
وقال الطائي يهجو
عثمانُ لا تلهجْ بذكرِ محمدٍ ... ينهاك طول المجدِ عنه وعرضهُ
فكأن عرضك في السهولةِ وجههُ ... وكأنَّ وجهك في الحزونةِ عرضهُ
وقال ابن المعتز
قل لمن حيا فأحيا ... ميتاً يحسب حياً
ما الذي ضرك لو بق ... يت لي في الكأسِ شيا
أتراني كنتُ إلا ... مثل من قبلَ فيا
وقال ابن الرومي يهجو
كأنني بك قد قابلتَ بادرتي ... بالخرقِ تخبط فيها خبط عميتِ
كمتقٍ لح نارٍ فاستعدَّ لها ... بالجهل درعينِ من نفطٍ وكبريتِ
فكان عوناً عليه ما استعانَ به ... وشتتتهُ يداه أي تشتيت
وقال إبراهيم بن العباس في ابن الزيات نحوه
وإني وإعدادي لدهري محمداً ... كملتمسٍ إطفاء نارٍ بنافخِ
وقال ابن الرومي يهجو
يابنَ الزيوفِ التي أراها ... طارتْ فصيدتْ بكفِ قرطمْ
تعرضُ عرض الطعامِ جهراً ... في كل وقتٍ على مسلمْ
وكلهم قائلٌ هنيئاً ... لا يرتضي وطئها بمنسم
وللمسيب بن علس المتقارب
تبيتُ الملوكُ على عتبها ... وشيبان إنْ عتبتْ تعتبُ
وكالشهدِ بالراحِ أخلاقهمْ ... وأحلامهم منهما أعذبُ
وكالمسكِ ريح مقاماتهم ... وريح قبورهم أطيب
ولعبدة بن الطبيب يرثي قيس بن عاصم المنقري
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من أوليته منك نعمةً ... إذا زار عن شحطٍ بلادك سلما
وما كان قيسٌ هلكهُ هلكَ واحدٍ ... ولكنه بنيانُ قومٍ تهدما
وللطائي في الأفشين
كم نعمةٍ للهِ كانت عنده ... فكأنها في ظلمةٍ وإسار
كسيت سبائب لؤمهِ فتضاءلتْ ... كتضاؤل الحسناء في الأطمارِ
ولابن الرومي يستهدي رجلاً قدم من سيراف
أقسمتُ بالراحِ إذا أعملتْ ... واصطفق المزمار والمزهر
لو جاءنا العود وأتباعه ... وخيرهن العنبر الأخضر
لقد غدا يثني به شعرنا ... أضعاف ما يثني به المجمرُ
ولو أتى الكافورُ قلنا يدٌ ... بيضاءُ كالكافورِ لا تكفرُ
أو جاءنا من عندكم مركبٌ ... أحمرُ كالشعلةِ أو أشقرُ
مصرصرٌ لكنه صلبٌ ... عقاربُ الدارِ له تذعرُ
ما صر إلا ولنا نطقهُ ... بالشكرِ لا نحسرُ أو يحسرُ
ولابن المعتز يصف ديكاً المنسرح
بشر بالصبحِ طائر هتفا ... صاحَ من الليلِ بعدَ ما انتصفا
مذكراً بالصبوحِ صاحَ بنا ... كخاطبٍ فوق منبرٍ وقفا
صفق إما ارتياحةً لسنى الفجرِ وإما على الدجى أسفا
وله أيضاً يصف ديكاً المنسرح
وصاحَ فوق الجدارِ مشترفاً ... كمثل طرفٍ علاهُ أسوارُ
ثم غدا يسئل الفرات عن آلْ ... أزراقِ منها ثغر ومنقارُ
رافعُ رأسٍ طوراً وخافضه ... كأنما العرفُ منه منشارُ
وقال ابن الرومي المتقارب
فقدتك يابنَ أبي طاهرٍ ... وأطعمتُ ثكلك من شاعرِ
فلستَ بسخنٍ ولا باردٍ ... وما بين ذين سوى الفاترِ
وأنت كذاك تعشى النفو ... سَ تعشيةَ الفاترِ الخاثر
وله فيه المتقارب
стр. 71
فقدتك يابنَ أبي طاهرٍ ... وجرعتُ ثكلكَ قبلَ العشاءِ
فلا بردُ شعرك بردُ الشرابِ ... ولا حر شعركَ حر الصلاء
يذبذب قبلك بين الفنونِ ... فلا للطبيخِ ولا للشواء
وقال غيره
وشعرٍ كبعرِ الكبشِ مزق بينهُ ... لسانُ دعي في القريضِ وأخبل
وقال الآخر
ألم تر أن شعري سارَ عني ... وشعرك حولَ بيتكَ لا يسيرُ
وله في ضرطة وهب المنسرح
يا ضرطةً تخلق الزمان وما ... تبرح إحدى الطرائف الجدد
أرسلها صاحب البريد كما ... قوض بعض الهضاب من أحدِ
سارت بلا كلفةٍ ولا تعبٍ ... سير القوافي الأوابدِ الشردِ
كأنما طارت الرياحُ بها ... فألحقتها بكلِّ ذي بعد
لو أن أخبارهُ كضرطته ... إذنْ كفته مؤونة البردِ
وله في ذلك
حيا أبو حسنٍ وهبٌ أبا حسنٍ ... بضرطةٍ طيرت عثنونهُ خصلا
ثم استمرتْ فسارتْ في البلاد له ... كأنما أرسلت من دبره مثلا
وله فيه
يا وهبَ ذا الضرطة لا تبتئس ... فإن للأستاه أنفاسا
واضرط لنا أخرى بلا حشمةٍ ... كأنما خرقت قرطاسا
وله في غيره
ضرطة في قفاك يحسبه السا ... مع ثوباً من الحرير يقط
وقال علي بن جبلة الهزج
حميدٌ مفزع الأم ... ة في الشرق وفي الغرب
كأن الناسَ جسمٌ وه ... ومنهم موضع القلب
وقال البحتري في أبي سعيد وقد حبس
وما هذه الأيام إلا مراحلٌ ... فمن منزلٍ رحبٍ ومن منزلٍ ضنكِ
وقد هذبتك النائباتُ وإنما ... صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك
وقال الخثعمي لمالك بن طوق
فلا يحسب الواشون حبسك مغنماً ... فإن إلى الإصدارِ ما غايةُ الوردِ
وما كنتَ إلا السيفَ جردَ في الوغى ... فأحمد حيناً ثم رد إلى الغمد
وقال إبراهيم بن العباس
وإذا جزى الله امرءاً حسناً ... فجزى أخاً لي ماجداً سمحا
ناديتهُ عن كربةٍ فكأنْ ... ناديتُ عن ليلٍ به صبحا
ونحوه قول ابن المعتز
باتت ركائبنا إليك بنا ... يخبطن أهل النار والنبحِ
فكأن أيديهنَّ دامية ... يفحصنَ ليلتهن عن صبح
وللبحتري يمدح علي بن مر
لا تعتب النائل المبذول همتهُ ... وكيف يتعب عين الناظر النظر
توسط الدهر أحوالاً فلا صغرٌ ... من الخطوبِ التي تعرو ولا كبر
كالرمح أذرعه عشر وواحدةٌ ... فليس يزري به طول ولا قصر
ومصعدةٌ في هضابِ المجدِ يطلعها ... كأنه لسكون الجأش منحدر
ما زال يسبق حتى قال حاسده ... له طريقٌ إلى العلياء مختصرُ
ونحوه قوله
وإذا أبو الفضل استعار سجيةً ... للمكرمات فمن أبي يعقوبِ
شرفْ تتابع كابراً عن كابرٍ ... كالرمحِ أنبوباً على أنبوبِ
وقال ابن الرومي يهجو رجلاً كان مع ابن عبيد الله بن سليمان بقصيدة ذكرنا أبيات التشبيه منها
أرقتُ كأني بت ليلى على الجمرِ ... أراعي كرى بين السماكين والنسر
ولم لا وخنزيرٌ مهينٌ يهينني ... فيقضي على نومي وأغضي على قسر
سأشكو إلى مستنكرِ النكرِ قاسمٍ ... فينظرُ في أمري بناظرتي صقرِ
وجشمت نفسي فيك كل عظيمةٍ ... إلى أن تكلفتُ الشفاعة من عمرو
فكان جوابي أن حجبتُ وهكذا ... يكون جواب المبتغي الغيث من قبرِ
فتى وجهه كالهجر لا وصل بعدهُ ... وإما قفاهُ فهو وصلٌ بلا هجرِ
وعوجَ من عمرو تمكنُ حبلهِ ... كما عوجتْ كف الصبي من السطرِ
ولوىَ عمروٌ ليَّ لبلابِ غيضةٍ ... وطالَ فما يعني بذرعٍ ولا حزرِ
وقد لقبوه نهر بوق تعسفاً ... وفي الوغدِ أشباهٌ من البوقِ والنهرِ
فللقدِ من طولٍ كنهرٍ معوجٍ ... وللأنفِ منه نغمةُ البوقِ في الكفرِ
وقال المتلمس
وهل لي أم غيرها إن تركتها ... أبى الله إلا أن أكونَ لها ابنما
وما كنتُ إلا مثل قاطع كفه ... بكفٍ له أخرى فأصبحَ أجذما
فلما استقاد الكف بالكفِ لم يكنْ ... له درك في أن يبين فأحجما
يداهُ أصابتْ هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدما
стр. 72
فأطرق إطراقَ الشجاعِ ولو يرى ... مساغاً لنابيهِ الشجاعُ لصمما
وقال سعيد بن حميد في هذا المعنى المنسرح
لم آتِ ذنباً فإنْ زعمتَ بأنْ ... أتيتُ ذنباً فغيرُ معتمدِ
قد تطرفُ العينَ كفُّ صاحبها ... فلا يرى قطعها من الرشدِ
وقال ابن الرومي
شهر الصيام وإن عظمت حرمته ... شهر طويلٌ ثقيل الظل والحركه
يمشي الهوينا وأما حين يطلبنا ... فلا السليك يدانيه ولا السلكه
كأنه طالبٌ وتراً على فرسٍ ... أجد في إثرِ مطلوبٍ على رمكهْ
أذمهُ غيرَ وقتٍ فيه أحمدهُ ... من العشاء إلى أن تسقع الديكهْ
لو كان مولًى وكنا كالعبيد له ... لكان مولَى بخيلاً سيئ الملكهْ
وله أيضاً
رمضان تزعمه الغواةُ مباركاً ... صدقوا وجدك إنه لطويلُ
شهرٌ لعمري لا يقل قليلهُ ... وكذا المباركُ ليسَ فيه قليلُ
تتطاولُ الأيامُ فيه بجهدها ... فكأنَّ عهدَ الأمسِ فيه محيلُ
لو أنه للقاطعينَ مسافةٌ ... لحسبتُ أن الشبرَ منه ميلُ
وقال ابن أبي عيينة يهجو
كآبٍ لصدقِ القولِ لما لقيتهُ ... وأعلمتهُ ما فيه ألقمتهُ الحجرْ
أبوك لنا غيثْ نعيشُ بظلهِ ... وأنتَ جرادٌ لا تبقى ولا تذرْ
وقال ابن الرومي يهجو
أرواح فيك سقاطٌ لا يقامُ له ... والوجهُ منك ذرورٌ فيه إمضاضُ
وما تكلمتَ إلا قلتَ فاحشةً ... كأنَّ فكيكَ للأعراضِ مقراضُ
مهما نطقت فنبلٌ منك مرسلةٌ ... وفوكَ قوسكَ والأعراضُ أغراضُ
ومثله مما يشبه التشبيه من الاستعارة قول ابن هفان
لا تقعدنَّ مسامراً على الطرقِ ... إنْ كنتَ يوماً على عينيك ذا شفقِ
حوافرُ الخيلِ أقواسٌ وأسهمها ... ملس الحجارةِ والأغراضُ في الحدقِ
ولمروان بن أبي حفصة
بنو مطرٍ يومَ اللقاءِ كأنهم ... أسودٌ لها في غيلِ خفانَ أشبلُ
هم يمنعونَ الجارَ حتى كأنما ... لجارهمُ بينَ السماكينِ منزلُ
وأحسن منه قول ابن الرومي في أبي الصقر
تلقاهم ورماحُ الخطِّ حولهمُ ... كالأسدِ ألبسها الآجامَ خفانُ
وقال أبو نواس في الرشيد
إمامٌ يخافُ الله حتى كأنه ... يؤملُ رؤياهُ صباحَ مساءِ
أشمَّ طوالُ الساعدينِ كأنما ... يلاثُ نجادا سيفهِ بلواء
وله في محمد الأمين
سبطُ البنانِ إذا احتبى بنجادهِ ... غمرَ الجماجمَ والسماطُ قيامُ
وقال إبراهيم بن العباس يهجو المتقارب
فكنْ كيف شئت وقلْ ما تشاء ... وأبرقْ يميناً وأرعدْ شمالا
نجا بك لؤمكَ منجى الذبابِ ... حمتهُ مقاذيرهُ أن ينالا
وقال ابن الرومي في سعيد الصغير
يا أيها الرجل المدلس نفسه ... في جملةِ الأدباءِ والكرماءِ
بالبيتِ ينشدُ ربعهُ أو نصفهُ ... والخبزُ يزرأُ عنده والماءِ
تلديسهُ عند الكواعبِ لمةٌ ... مخضوبةٌ بالخضرِ والحناءِ
لا تكذبنَّ فإنَّ لؤمك ناصلٌ ... كنصولِ تلك اللمةِ الشمطاءِ
ولبشر بن أبي خازم
فإنكمُ ومدحكمُ بجيراً ... أبا لجإ كما امتدح الألاءُ
يراهُ الناسُ أخضرَ من بعيدٍ ... وتمنعهُ المرارةُ والإباءُ
ومثله قال ابن الرومي يستبطئ التوزي
ليس من حلَّ بالمحلِّ الذي أن ... تَ به من سماحةٍ ووفاء
بذل الوعدَ للأخلاءِ طوعاً ... وأبى بعد ذاك بذل الغناء
فغدا كالخلافِ يورقُ للعي ... نِ ويأبى الإثمارَ كلَّ الإباءِ
وقال العلوي الكوفي
حبَّ العواذلَ أن الوجدَ أوحشهُ ... من نومهِ فكأن النومَ تسهيدُ
أبقى الهوى منه جسماً كالهواءِ ضنًى ... تنسم الريحُ فيه وهو مفقودُ
كأنّ مدمعهُ تجري أوائلهُ ... كما يفيضُ على أخراهُ مردودُ
أتبعتها نفساً تدمى مسالكهُ ... كأنه من حمى الأحشاء مقدودُ
ونحوه قول الآخر المديد
نفسٍ تدمى مسالكهُ ... وأنينٍ لستُ أملكهُ
والذي أخفيهِ من حرقٍ ... فلسانُ الدمعِ يهتكهُ
وقال علي بن الجهم
أما ترى اليومَ ما أحلى شمائلهُ ... غيمٌ وصحوٌ وإبراقٌ وإرعادُ
стр. 73
كأنه أنتَ يا منْ لستُ أذكرهُ ... وصلٌ وهجٌ وتقريبٌ وإبعادُ
وقال آخر
كأن عيونَ القومِ حين يرونهُ ... عيونُ ضعافِ الطيرِ أبصرنَ بازيا
وكالعسلِ الصافي لأصحابِ ودهِ ... وسمٌّ يذيقُ الكاشحينَ القواضيا
ونحوه قول بعضهم في قتل عمرو بن سعيد الأشدق
كأن بني مروانَ إنْ يقتلونهُ ... بغاثٌ من الطيرِ اجتمعنَ على صقرِ
وقال ابن الرومي المجتث
تأملُ العيبِ عيبُ ... ما في الذي قلتُ ريبُ
والشعر كالعيش فيه ... مع الشبيبةِ شيبُ
فليصفحِ الناسُ عنه فطعنهمْ فيه غيبُ
حتى يعيش جريرٌ ... لعيبهِ أو نصيبُ
ومثل قوله والشعر كالعيش فيه قوله المنسرح
صبراً جميلاً فإنها بكرُ ال ... عيشِ ولا بدَّ من ودائقها
لكن آهاً لها مرملةً ... أعاذنا اللهُ من عوائقها
ومثله قوله
وما الدهرُ إلا كابنهِ فيه بكرةٌ ... وهاجرةٌ مذمومةُ الحرِ صيخدُ
وقال البحتري يمدح
صنتني من معاشرٍ لا يسمى ... أولوهم إلا غداةَ سبابِ
من جعادِ الأكفِ غيرِ جعادٍ ... وغضابِ الوجوهِ غيرِ غضابِ
خطروا خطرةَ الجهامِ وساروا ... في نواحي الظنونِ سير السرابِ
ومثله قوله
علمتك إن منيتَ منيتَ موعداً ... جهاماً وإنْ أبرقتَ أبرقتَ خلباً
وقال الخنساء ترثي أخاها صخراً
أغرُّ أبلجُ تأتمُّ الهداةُ به ... كأنه علمٌ في رأسهِ نارُ
مثلَ الرديني لم تنفدْ سريرتهُ ... كأنه تحتَ طيِّ البردِ أسوارُ
وقال أبو زبيد في غلامه وقد تبع حرباً قتل فيها
وقد تصليتَ حرَّ نارهم ... كما تصلى المقرورُ من قرسِ
تذبُّ عنه كفٌّ بها رمقٌ ... طيراً عكوفاً كزورِ العرسِ
عما قليلٍ علونَ جثتهُ ... فهنَّ من والغٍ ومنتهسِ
وقال ابن الرومي المتقارب
بني وهبِ باللهِ حارَ لكم ... من النائباتِ وأزمانها
يغيظُ العدَى أنكم عصبةٌ ... تبينَ رجحانُ ميزانها
وتقييدُ أطرافِ أقلامكمْ ... كأطرافِ أرماحِ فرسانها
لئن ضمنوا صونَ أملاكنا ... لما صان عيناً كأجفانها
وقال أبو العتاهية نحوه
وتقي المرء له واقيةٌ ... مثلما واقيةُ العينِ الجفونُ
ولأبي نواس في الفضل بن الربيع
كأن فيضَ يديه حين تسألهُ ... باب السماء إذا ما بالحيا انفتحا
وقال الطائي في الحسن بن وهب المنسرح
أبو علي أخلاقهُ زهرٌ ... غبَّ سماءٍ وروحهُ قدسُ
وحومةٌ للخطابِ فرجها ... والقومُ عجمٌ في مثلها خرسُ
شك حشاها بخطبةٍ عننٍ ... كأنها منه طعنةٌ خلسُ
أيامنا في ظلالهِ أبداً ... فصلُ ربيعٍ ودهرنا عرسُ
لا كأناسٍ قد أصبحوا صدأَ ال ... عيشِ كأنَّ الدنيا بهم حبسُ
في البعدِ منهم قربٌ من الروحِ وال ... وحشةُ من مثلهم هي الأنسُ
وقال ابن الرومي يهجو خالداً
أبلغا خالداً بأنكَ للشت ... مِ وللكلمِ في أديمكَ عطُّ
ضرطةٍ في قفاكَ يحسبهُ السا ... معُ ثوباً من الحريرِ يقطُّ
ألزمَ اللؤمُ أنفكَ الذلَّ حتى ... هي سيانِ ذلةٌ والمقطُ
ذاك تحتَ المذي مذال وهذا ... دملُ الذلةِ الذي لا يبطُّ
وقال البحتري في بني حميد
قبورٍ بأطرافِ الثغورِ كأنما ... مواقعها منها مواقع أنجمِ
ومثله قول الآخر
رمى الفقرُ بالفتيانِ حتى كأنهم ... بأطرافِ آفاقِ البلادِ نجومُ
وقال الطائي يرثي حميداً الطوسي
وقد كان فوتُ الموتِ سهلاً فردهُ ... إليه الحفاظُ المرُّ والخلق الوعرُ
ونفسٌ تعافُ العار حتى كأنهُ ... هو الكفرُ يومَ الروعِ أو دونهُ الكفرُ
وهذا مأخوذ من قول عبد يغوث اليهودي
ولو شئتُ نجتني من الخيلِ نهدةٌ ... ترى خلفها الجرد الجياد تواليا
ولكنني أحمي ذمارَ أبيكمُ ... وكان الرماحُ يختطفنَ المحاميا
وقال الطائي في بني حميد
عهدي بهم تستنير الأرضُ إن نزلوا ... بها وتجتمع الدنيا إذا اجتمعوا
ويضحك الدهر منهم عن غطارفةٍ ... كأنَّ أيامه من حسنها جمعُ
стр. 74
من لم يعاين أبا نصرٍ وقاتلهُ ... فما رأى ضبعاً في شدقها سبعُ
فيم الشماتةُ إعلاناً بأسد وغًى ... أفناهمُ الصبرُ إذ أبقاهم الجزع
وقال أوس بن حجر
معازيل حلالونَ بالغيب وحدهمْ ... بعيماءَ حتى يسئلوا الغد ما الأمرُ
فلو كنتم مر الليالي لكنتم ... كليلة سرٍّ لا هلالْ ولا بدرُ
وقال الأخطل
أما كليبُ بن يربوعٍ فليس لهم ... عند المكارمِ إيرادٌ ولا صدرُ
مخلفونَ ويقضي الناسُ أمرهمُ ... وهم بغيبٍ وفي عمياء ما شعروا
وقال جرير في بني لجإ
ويقضى الأمر حين تغيب تيمٌ ... ولا يستأذنونَ وهم شهودُ
وإنك لو رأيت عبيد تيمٍ ... وتيماً قلتَ أيهم العبيدُ
وقال آخر مثل شعر أوس
فلو كنتِ أرضاً كنتِ ميثاءَ سهلةً ... ولو كنتِ ليلاً كنتِ صاحبةَ البدرِ
ولو كنتِ ماء كنتِ ماء غمامةٍ ... ولو كنتِ نوماً كنتِ تعريسةَ الفجرِ
وقال آخر
لو كنتَ ماء لم تكنْ بعذبِ ... أو كنتَ طرفاً لم تكنْ بندبِ
أو كنتَ لحماً كنتَ لحمَ كلبِ ... أو كنتَ سيفاً كنتَ غيرَ عضبِ
وأنشد المبرد
لو كنتَ ماءً لم تكنْ طهورا ... أو كنتَ ريحاً كانت الدبورا
أو كنتَ غيماً لم تكنْ مطيرا ... أو كنتَ مخاً كنتَ مخاً ريرا
وقال ابن الرومي يهجو
أأبيت يوسفُ دعوةَ المستصغرِ ... ويلَ التي حملتك تسعةَ أشهرِ
بظراءَ عنبلها كعظمِ ذراعها ... بخراء ثم أتت بأعمى أبخرِ
وتبيتُ بين مقابلٍ ومدابر ... مثل الطريقِ لمقبلٍ ولمدبرِ
كأجيرٍ المئشارِ يجتذبانهِ ... متنازعين في فليجِ صنوبرِ
وله في أبي الحسن المنسرح
صيغَ الحجى من سكونهِ صيغاً ... راقتْ وصيغَ الذكاءَ من حركهْ
أخو فعالٍ كأنَّ زهرَ نجو ... مِ الليلِ مطبوعةٌ على سككهْ
كأنما القطرُ من ندى يدهِ ... والبرقُ من بشرهِ ومن ضحكهْ
ولعلي بن محمد العلوي الهزج
وبيتٍ قد بنينا فا ... ردٍ كالكوكبِ الفردِ
رفعنهُ على أعم ... دةٍ من قضبِ الهندِ
على حقفِ نقى مثلِ ... تداريجِ قفا جعدِ
ولأبي نواس
وخيمةِ ناطورٍ برأسِ منيفةٍ ... تهمُّ يدا من رامها بزليلِ
وضعنا بها الأثقالَ فلَّ هجيرةٍ ... عبوريةٍ ت ذكى بغيرِ فتيلِ
تأيتْ قليلاً ثم فاءتْ بمذقةٍ ... من الظلِّ في رثِّ الأباءِ ضئيلِ
كأنَّ لديها بينَ عطفيْ نعامةٍ ... جفا زورها عن مبركٍ ومقيلِ
يذكر أنه قصد خيمة الناطور وقت الهاجرة وعبورية يعني وقت الشعري العبور وهي متوسط السماء في أشد الحر وقوله تأيت قليلاً يعني أن الشمس اعتدلت في الجو ثم مالت وفاءت من الفيء والظل ما لم تقع عليه الشمس والفيء ما كانت عليه ثم مالت عنه، والظل للغداة والفيء للعشي والإباء أطراف القصب فشبه خيمة الناطور بنعامة غير باركة وقال مسلم بن الوليد
فأقسمتُ أنسى الداعيات إلى الصبا ... وقد فاجأتها العينُ والسترُ واقعُ
فغطتْ بأيديها ثمارَ صدورها ... كأيدي الأسارَى أثقلتها الجوامعُ
وقال البحتري يهجو المنسرح
كأنَّ في فيه لقمةً عقلتْ ... لسانهُ فالتوى على جنفِ
يحركْ رأسهُ توهمهُ ... قد قام من عطسةٍ على شرفِ
وقال ابن الرومي
عليَّ دينٌ ثقيلٌ أنتَ قاضيهِ ... يا من يحملني ديني رجائيهِ
لا تجعلني كراجي الغيثِ أضعفهُ ... وإنما آملُ الإسعاءِ راجيهِ
وقال الناجم في ابن خبازٍ وذكر أمه
شمطتْ إستها بغلمةِ فرجٍ ... فركتهُ كلحيةِ الخبازِ
فرجها واستها الرحيبة كالبح ... رينِ لكن لم يحجزا بحجاز
عجبي من بيوت آل خبازٍ ... كبيوتِ الشطرنجِ كل منازِ
كم رأينا الأيور تنحو خصاهمْ ... كانتحاء التيارِ للأجوازِ
وقال الحطيئة
وقد مدحتكم عمداً لأرشدكمْ ... كيما يكون لكم متحي وإمراسي
فما ملكتُ بأنْ كانت نفوسكم ... كفاركٍ كرهت ثوبي وإلباسي
وقال البحتري يمدح
سحابٌ إذا أعطى حريقٌ إذا سطا ... له عزةُ الهنديِّ في هزةِ الغصنِ
لجأنا إلى معروفه فكأننا ... لمنعتنا فيه لجأنا إلى حصنِ
стр. 75
وقال الطائي في أبي سعيد
أمسى ابتسامك والألوانُ كاسفةٌ ... تبسمَ الصبحِ في داجٍ من الظلمِ
كذا أخوك الندى لو أنهُ بشرٌ ... لم يلف طرفةَ عينٍ غيرَ مبتسمِ
رددتَ إفرندَ وجهي في صحيفتهِ ... ردَّ الصقالِ بهاء الصارمِ الخذمِ
وما أبالي وخيرُ القولِ أصدقهُ ... حقنتَ لي ماء وجهي أو حقنتَ دمي
وقال حطان بن المعلى
لولا بنياتٌ كزغب القطا ... حنينى من بعضٍ إلى بعضِ
لكن لي مضطربٌ واسعٌ ... في الأرضِ ذاتِ الطولِ والعرضِ
وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرضِ
وقال أعرابي في أولاده
إن فراخاً من وراء الأحشر ... تركتهم كبيرهمْ كالأصغرِ
عجزاً عن الحيلةِ والتمشرِ ... ذكرى لديهم مثل طعمِ السكرِ
ووجدهمْ بي مثل وجدِ الأعورِ ... بعينهِ إنْ ذهبتْ لم يبصرِ
وقال ابن الرومي
له عرسٌ له شركاءُ فيها ... كسابلةٍ تضمهمُ السبيلُ
يحلُّ لبعلها مائةٌ سواها ... لأنَّ نصيبهُ منها قليلُ
وقال ابن المعتز
يا ليلةً ما كان أط ... ولها سوى قصرِ البغاءِ
أحييتها وأميتها ... وطويتها طيَّ الرداءِ
حتى رأيتُ الشمسَ تت ... لو البدرَ في أفقِ السماءِ
فكأنه وكأنها ... قد حانِ من خمرٍ وماء
ولابن المعتز نحوه
لما رأيتُ البدرَ في ... أفقِ السماءِ وقد تعلى
ورأيتُ قرنَ الشمسِ في ... أفقِ المغيبِ وقد تدلَّى
شبهتُ ذاكَ وهذهِ ... وأرى شبيههما أجلا
وجهَ الحبيبِ إذا بدا ... وقفا الحبيبِ إذا تولى
وقال ابن الرومي
عيني شحاً ولا تسحا ... جل مصابي عن البكاءِ
ترككما الداءَ مستكناً ... أصدقُ عن صحةِ الوفاءِ
إنَّ الأسى والبكاء قدماً ... أمرانِ كالداءِ والدواءِ
وما ابتغاءُ الدواءِ إلا ... بغيا سبيلٍ إلى البقاءِ
ومبتغى العيشِ بعد خلٍّ ... كاذبهُ خلةَ الصفاءِ
وقال الطائي يستعطف أبا سعيد لابنه
هلالْ لنا قد كان ينجمُ ضوءهُ ... فأعيننا نصبٌ متى تستهلهُ
هو السيفُ عضباً قد أرثتْ جفونهُ ... وضيعَ حتى كلُّ شيءٍ يفلهُ
للمهلبي يهجو خالد بن يزيد بن عمه
ما كنتَ إلا كلحمِ ميتٍ ... دعا إلى أكلهِ اضطرار
وقال محمود الوراق
ذممتك أولاً حتى إذا ما ... بلوتُ سواكَ عادَ الذمُّ حمدا
فلم أحمدك من خيرٍ ولكنْ ... رأيتُ سواكَ شراً منك جدا
فعدتُ إليك مختلاً ذليلاً ... لأني لم أجدْ من ذاك بدا
كمجهودٍ تعاظمَ أكلَ ميتٍ ... فلما اضطرَّ عادَ إليه شدّا
وقال ابن الرومي
ربِّ أنصفني من الدهرِ فما ... ليَ إلا بك منه منتصفْ
يسفلُ الناسُ ويعلو معشرٌ ... فارقوا الأقرانَ من كلِّ طرفْ
ولعمري لو تأملناهم ... ما علوا لكن طفوا مثل الجيف
جيفٌ تطفو على بحرِ الغنى ... حين لا تطفو خبيئاتُ الصدفْ
وقال ابن الرومي
ألا أيها ذا السائلي عن معاشرٍ ... يزيدهم لومُ الفعالِ تعاليا
كذا جيفُ الموتى إذا هي أنتنتْ ... وأجوتْ بطونَ الماءِ تعلو طوافيا
وله نحوه
دهرٍ علا قدرُ الوضيعِ به ... وهوى الشريفُ يحطهُ شرفهْ
كالبحرِ يسفلُ فيه لؤلؤهُ ... سفلاً وتطفو فوقهُ جيفهْ
وقال دعبل يهجو الحسن بن وهب
يا منْ يقلبُ طوماراً وينشره ... ماذا بقلبك من حبِ الطواميرِ
فيه مشابهُ من شيءٍ تسرُّ به ... طولاً بطولٍ وتدويراً بتدويرِ
ولابن بسام يهجو بنات طومار
لبناتِ طومارٍ على نظرائهمْ ... فضلٌ سيظهرُ فيهم ويبينُ
سيتدخلونَ أباهمُ من حبهم ... فالشيخُ في أستاههم مدفونُ
وقال آخر نحوه وهو البلاذري
يا وهبُ يا عرةَ الحضورِ ... تضرطُ في مجلسِ الأميرِ
شبهتُ طومارهُ بأيرٍ ... أفرطَ في شهوةِ الأيورِ
وقال آخر
ما زال منبركَ الذي فارقتهُ ... بالأمسِ منك كحائضٍ لم تطهرِ
وقال ابن الرومي يهجو
تطمثُ الأرضُ من مواطئِ بورا ... نَ ولو بينَ زمزمٍ والحطيم
следующие страницы →