وقد أُثِر عن النبي ﷺ أقوال موجزة، وكلمات جامعة حكيمة سارت وفشت بين المسلمين فأصبحت أمثالاً - فمن ذلك:
قوله ﷺ :
"لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين"١.
وقوله:
"ليس الخبر كالمعاينة"٢.
وقوله: "الحرب خُدْعَة"٣.
وقوله: "هذا حين حمي الوطيس"٤ وفي رواية: "الآن حمي الوطيس"٥.
стр. 37
وقوله: "رُبَّ مُبلَّغ أوعى من سامع"١.
ونحوها كثير.٢
стр. 38
المطلب الثاني: في المعنى الثاني للفظ "مثل ":
يطلق لفظ "مثل" بمعنى وصف الشيء.١
وهذا المعنى لم أقف فيما اطلعت عليه من القواميس، وكتب المفردات على شواهد له من اللغة، وزعم بعض أهل العلم باللغة أنه غير معروف من كلام العرب.٢
وهذا الزعم يرده ورود استخدامه في القرآن الكريم كثيراً، حيث فَسَّر لفظ "مَثل" بمعنى "الصفة" بعض العلماء المتقدمين الذين اعتنوا بالتفسير ومعاني مفردات القرآن الكريم، وهم أدرى بمعانيه، كما أن أغلب مصادر المفردات تثبت هذا المعنى.
ورود هذا المعنى في القرآن الكريم:
قال الراغب الأصفهاني: وهو يبين معنى "مَثَل" و "مِثْل": "وقد يعبر بهما عن وصف الشيء"٣.
وقال ابن جرير٤ ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ
стр. 39
الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ ١.
"يقول تعالى ذكره: صفة الجنة التي وعدها المتقون"٢.
وقال الراغب الأصفهاني في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٣:
"وقيل المِثل ههنا هو بمعنى الصفة، ومعناه: ليس كصفته صفة"٤، وكذلك فسره بمعنى الصفة في قوله تعالى: ﴿لِلّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السّوْءِ وَلِلّهِ المَثَلُ الأعْلَىَ﴾ ٥.
وقال الإمام الشوكاني٦ في قوله تعالى:
стр. 40
﴿مُحَمّدٌ رّسُولُ اللهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التّوْرَاةِ﴾ ١ الآية.
قال: "والإشارة بقوله "ذلك" إلى ما تقدم من الصفات الجليلة..، ﴿مَثَلُهُمْ فِي التّوْرَاةِ﴾ أي وصفهم الذي وصفوا به في التوارة"٢.
وقد قرر بعض الباحثين٣ المعاصرين معنى بديعاً هو: أن لفظ "مَثَل" و "مِثْل" إذا اقترنا بكاف التشبيه، فإِن الأقرب تفسيرهما بمعنى: وصف، حيث قال:
"فيمكن أن نقول٤ في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ : ليس كوصفه شيء،
стр. 41
أي لا يشبه أوصافه شيء من الأشياء١، وذلك لأَنَّ المِثْل والمَثَل يستعملان
стр. 42
_________
واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإِضافة والتخصيص والتقييد ولا في غيره".
ويفترقان في حقيقة الصفة وكيفيتها، فللَّه صفات تليق به - سبحانه - وللمخلوق صفة تليق به، فيمتنع اشتراكهما فيما يختص به الخالق - سبحانه - ولا يشابهه مخلوق في شيء من خصائصه.
قال ابن تيمية ﵀[الرسالة التدمرية ص (٨) ] : "ولهذا سمى اللَّه نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص. ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده - عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص - اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص فضلاً عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص". وهذا التفريق بين ما تشترك وما تفترق فيه الصفات، مهم لإزالة الاشتباه، وذلك أن كثيراً من الضلال والإلحاد في أسماء اللَّه وصفاته إنما هو بسبب الاشتباه في هذا الباب، وعدم التفريق بين ما يحصل فيه الاشتراك وما لا يجوز فيه.
فمنهم من حمله ما يلاحظ من التشابه في الألفاظ والمعاني العامة على تعطيل أسماء اللَّه وصفاته، ومنهم من حمله ذلك على المبالغة في التشبيه حتى شبهوا الخالق بالمخلوق، وزعم بعضهم أن وجود المخلوقات عين وجود الخالق. "مع أنه لا شيء أبعد عن ممثالة شيء أو أن يكون إياه، أو متحداً به، أو حالاً فيه، من الخالق مع المخلوق" [نفس المرجع ص (٣٣) ] .
أما أهل العلم والذكر المستنيرون بنور الوحي، فإنهم يفرقون بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه، ويعلمون ما بينها من الجمع والفرق والتشابه والاختلاف، وهؤلاء لا يضلون بالمتشابه من الكلام، لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم الفارق الذي يبين ما بينهما من الفصل والافتراق. [نفس المرجع (٣٤) ] .
والحاصل أن تلك العبارة مجملة موهمة، والأَوْلى لو قال في تفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ : "أي لا يشبه أوصافه شيء من الأشياء في حقائقها" أو أن يستخدم اللفظ الشرعي، وهو نفي التمثيل، فيقول: "أي لا يماثل أوصافه شيء من الأشياء" - واللَّه أعلم-.
стр. 43
بمعنى الوصف.
وبهذا ينحل الإشكال الذي ألجأ العلماء إلى تأويل اجتماع كلمتي تشبيه: هما "الكاف" و "مثل" وهل الكاف زائدة، أو للتأكيد، أو أن المراد نفي مثل المثل، فنفي المثل من باب أولى، إلى غير ذلك من كلام طويل حول هذا التعبير.
ونظيره ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ ١ و ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ ٢ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ ٣ ﴿مَثَلُ الّذِينَ اتّخَذُواْ مِن دُونِ اللهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ العَنكَبُوتِ﴾ ٤.
стр. 44
والمعنى: ووصف من أخلد إلى الأرض واتبع هواه.. يشبه وصف الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ...
ووصف الذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن باللَّه واليوم الآخر يشبه وصف من يزرع زرعه في تراب رقيق على حجر صلد أملس....
ووصف المنافقين الذين مردوا على النفاق يشبه وصف الذي استوقد ناراً..
ووصف الذين اتخذوا من دون اللَّه أولياء يلجؤون إليهم ويعتمدون عليهم، يشبه وصف العنكبوت التي اتخذت لنفسها بيتاً واهياً..
وعلى هذا الأساس نستطيع أن نفهم نصوصاً قرآنية كثيرة.
وبتفسير كلمة "مَثَل" أو "مِثْل" بمعنى الوصف تنحل إشكالات لفظية كثيرة يتعب كثير من المفسرين في تخريجها وتوجيهها، مع أن المفسرين قد ذكروا أن كلمة "مَثَل" قد جاءت بمعنى الوصف في عدة آيات منها ﴿مّثَلُ الجَنّةِ الّتِي وُعِدَ المُتّقُونَ﴾ ١ قالوا: وصف الجنة.."٢.
وهذا المعنى المستخلص من الكلام المتقدم من تفسير لفظ "مَثَل"
стр. 45
و"مِثْل" بمعنى "وصف" إذا التقيا مع كاف التشبيه، واضطراد ذلك في كل نظير في القرآن الكريم، لم يتبين لي ما يعكره، وهو لا يتعارض مع المعاني المأثورة عن السلف في تفاسير تلك الآيات، بل يتفق مع كثير منها.
ويؤيد هذا وجود تداخل كبير بين معنى "المثَل" ومعنى "الوصف" وذلك أن التمثيل إِنما يورد لبيان أوصاف الممثَّل له بمقايستها بأوصاف الممثَّل به، والذي يسوق المثل أو التشبيه إنما يريد وصف المشبَّه أو الممثَّل له.
فمن أراد - مثلاً - وصف شخص بالشجاعة، فهو مخير بين أن يعبر عن ذلك بخبر، فيقول: فلان شجاع.
أو بمثال أو تشبيه، فيقول:
فلان مثل الأسد. أو: هو كمثل الأسد.
فالقصد الأساس من التشبيه أو التمثيل هو الوصف، ولذلك كان من أركان القياس والتشبيه - ومنها الأمثال القياسية - الوصف المشترك الذي هو العلة الجامعة بين الفرع والأصل١، وكان من الاجتهاد تنقيح المناط٢ باستخراج الأوصاف غير المؤثرة في الحكم والقياس، وتخريج
стр. 46
المناط١ في التعرف على الوصف المؤثر في تسرية الأحكام.
ويظهر هذا التداخل بين معنى الوصف والمثل جلياً في بعض الآيات، نحو قوله تعالى:
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىَ إِذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إِن تَتّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مّسْحُوراً انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمْثَالَ فَضَلّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً﴾ ٢.
قال ابن جرير ﵀ في قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمْثَالَ﴾ :
"يقول تعالى ذكره: انظر يا محمد بعين قلبك فاعتبر كيف مثلوا لك الأمثال، وشبهوا لك الأشباه بقولهم: هو مسحور، وهو شاعر، وهو مجنون"٣.
стр. 47
وإنما سمى اللَّه تعالى تلك الأوصاف التي وصفوا بها النبي ﷺ أمثالاً باعتبار أنهم مثَّلوه في أنفسهم، ثم وصفه كل منهم بما يوافق ما مثّله به.
فالذي وصفه بأنه شاعر، اشتبه عليه حاله وما يأتي به من الوحي المطهر الفصيح المؤثر بحال الشاعر، فتماثل حاله مع حال الشاعر عنده، فوصفه بأنه شاعر، فالدافع إلى الوصف في الأصل هو اشتباه التماثل، وكذلك مَن وصفه بأنه ساحر أو مجنون، اشتبه عنده حاله بحال أولئك فمثَّله بهم، ثم وصفه بتلك الأوصاف.
فالتعبير بلفظ "الأمثال" لما وصف به النبي ﷺ يُشير إلى أصل الوصف، وهو التمثيل والمشابهة التي قامت في قلوبهم قبل أن يصفوه.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية١ ﵀: "ولك أن تقول: إخبار بمثل صورة المخُبَر في النفس، فهو ضرب مثل لأن المتكلم جمع مثلاً في نفسه ونفس المستمع بالخبر المطابق للمخبَر، فيكون المثل هو القول، وهو الوصف، كقوله تعالى:
стр. 48
﴿مَثَلُ الجَنّةِ الّتِي وُعِدَ المُتّقُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ ٢ ... "٣.
وكذلك يلاحظ التداخل بين معنى الوصف والمثل في قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ ٤.
فاللؤلؤ المكنون مثل واحد، وإنما جمعت كلمة "أمثال" لمراعاة أوصاف اللؤلؤ المكنون المتعددة، فيكون المراد تشبيه الحور العين بأوصاف اللؤلؤ المكنون، من صفاء اللون، وجماله، ونعومة ملمسه، ونحوها، وليس المراد تشبيه حال الحور بحال اللؤلؤ في كونه مكنوناً، بل بأوصافه التي تكون أحسن ما تكون حال كونه مكنوناً، واللَّه أعلم.
وعلى هذا، فلو قيل: إن تفسير لفظ "مثل" بمعنى الوصف هو الأصل، لم يكن ذلك بعيداً على اعتبار ما تقدم من أن التمثيل إنما يراد به وصف الممثَّل له بمقايسته بأوصاف الممثَّل به.
стр. 49
ورود هذا المعنى للمثل في السنة المطهرة:
لم أقف على من تتبع هذا المعنى في أمثال النبي ﷺ ، وربما كان ذلك لندرتها.
ومن الأحاديث التي ورد فيها لفظ "مثل" بمعنى "وصف" قوله ﷺ : "مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآن وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ"١.
قال ابن حجر٢ ﵀: "قوله "مَثَل" بفتحتين أي: صفته، وهو كقوله: ﴿مَثَلُ اْلجنَّةِ﴾ ". ٣
أما الأمثال التي يفسر فيها لفظ "مثل" بـ "وصف" عند اقترانه بكاف التشبيه فهي كثيرة في أمثال النبي ﷺ منها قوله: "مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ
стр. 50
ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا. فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلاَ يُنْفِقُ إِلاَّ سَبَغَتْ أَوْ وَفَرَتْ عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ. وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلاَ يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلاَّ لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلاَ تَتَّسِعُ"١.
وخلاصة هذا المطلب:
أن كلمة "مَثَل" و "مِثْل" ترد في اللغة بمعنى وصف، وأن الوصف هو الأصل في قصد التمثيل، وقد وردت بهذا المعنى في القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وأن الأقرب تفسيرها به إذا اقترنت بكاف التشبيه.
стр. 51
المطلب الثالث: في المعنى الثالث للفظ (مثل) .
يطلق لفظ (مَثَل) بمعنى (المِثْل) وهو النظير.
ورد في بعض المعاجم وكتب التفسير واللغة: أصل المثل في كلام العرب المِثْل وهو النظير، ويقال: مَثَل، ومِثْل، ومثيل: كَشَبه، وشِبْه، وشبيه.١
وهو مأخوذ من المماثلة، أي: المشابهة.
والأصل في هذا النوع من الأمثال قائم على تشبيه شيء بشيء، لوجود عنصر تشابه أو تماثل بينهما، أو لوجود أكثر من عنصر تشابه، وقد يعبر به عن المماثلة التامة.
قال الراغب: "والمَثَل يقال على وجهين: أحدهما: بمعنى المِثْل، نحو شِبْه وشَبَه ... والثاني: عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني"٢.
ومن شواهد هذا النوع في لغة العرب:
قول بعضهم:
стр. 52
أعاقرٌ مِثْلُ ذات رِحْمٍ؟
أو غانمٌ مِثْلُ من يخيب؟ ١
وقول بعضهم:
أبقى لها طول السفار مقرمداً
سنداً ومثلَ دعائم المتخيم٢
وقول الآخر:
وثدياً مثل حقِّ العاج رخصاً
حصاناً من أَكف اللامسينا٣
وأكثر ما تأتي أمثال هذا النوع عن طريق أسلوب التشبيه، دون أن يرد فيها لفظ (مثل) ، لكن بأدوات التشبيه.
كقول حسان بن ثابت٤ ﵁:
стр. 53
عرفت ديار زينب بالكثيب
كخط الوحي في الورق القشيب١
وقد يكون التمثيل بدون أداة التشبيه، كما في قول القائل:
هزجاً يحك ذراعه بذراعه
قدح المكب على الزناد الأجذم٢
وربما كان التشبيه على سبيل الاستعارة التمثيلية: كما في قولهم:
وما ذرفت عينك إلا لتضربي
بسهميك في أعشار قلب مقتل٣
وقول الآخر: [ملفات الجداول]
وإذا المنية أنشبت أظفارها
ألفيت كل تميمة لا تنفع٤
وهذا النوع من الأمثال التشبيهية يقوم على القياس، حيث يجرى فيه بيان المشبه بمقايسته بالمشبه به، وسوف يأتي الكلام على التشبيه والقياس في المبحث القادم "مقومات القياس" - إِن شاء اللَّه -.
стр. 54
ورود هذا النوع في القرآن الكريم:
لقد ورد هذا النوع من الأمثال كثيراً في القرآن الكريم، وقد صرفها اللَّه للناس بمختلف تصاريف القول، فمنها ما يكون بلفظ "مثل" وبدون أداة التشبيه كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأعْمَى وَالأصَمّ وَالْبَصِيرِ وَالسّمِيعِ﴾ ١.
وأكثر ما يجيء هذا النوع في القرآن بلفظ "مثل" مقروناً بكاف التشبيه، نحو: قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ ٢.
وقوله: ﴿مَثَلُ الّذِينَ حُمّلُواْ التّوْرَاةَ ثُمّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ ٣.
وقد ورد التمثيل القياسي التشبيهي بأداة من أدوات التشبيه ودون لفظ "مثل" كقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنّمَا خَرّ مِنَ السّمَآءِ﴾ ٤.
وقوله: ﴿كَأَنّهُمْ حُمُرٌ مّسْتَنفِرَةٌ فَرّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ ٥.
стр. 55
كما ورد بدون لفظ "مثل" وبدون أداة من أدوات التشبيه كقوله تعالى: ﴿أَيَوَدّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنّةٌ مّن نّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرّيّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلّكُمْ تَتَفَكّرُونَ﴾ ١.
وهذه الآية مثل ضربه اللَّه لعمل عامل، كما ورد عن ابن عباس ﵄.٢
والمراد أن هذه الآية تضمنت مثلاً ضرب بدون لفظ "مثل" أو أداة من أدوات التشبيه.
ونحوه قول اللَّه : ﴿أَنَزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَداً رّابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقّ وَالْبَاطِلَ فَأَمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلِكَ
стр. 56
يَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ﴾ ١.
وأحياناً تأتي أمثال هذا النوع بأسلوب الاستعارة التمثيلية كما في قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢ وقوله: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرّقُواْ﴾ ٣.
ورود هذا النوع في السنة المطهرة:
هذا النوع من الأمثال - أعني المثل التشبيهي - له تأثير متميز في إيضاح المراد، فيحتاج إليه كل داعية لبيان ما يدعو إليه، والإقناع به، وقد استخدم النبي ﷺ التشبيه عن طريق ضرب المثل ببراعة فائقة، تدل على عظم ما أعطاه اللَّه من الفصاحة، وهيأه به من البلاغة.
ومن تلك الأمثال التشبيهية النبوية:
قوله ﷺ : "مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السُّوءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ لاَ يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ
وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَالأَرْزَةِ لاَ تَزَالُ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا١ مَرَّةً وَاحِدَةً"٢.
وهذا النوع من الأمثال كثير في السنة المطهرة٣.
وخلاصة هذا المطلب:
أن لفظ "مَثَل" و "مِثْل" بمعنى: شَبَه، وشِبْه أي النظير المشابه يأتي كثيراً في اللغة، وقد ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة بكثرة.
كما أن الأمثال التشبيهية قد تأتي بغير لفظ "مثل" فقد تصاغ بأداة من أدوات التشبيه أو بدونها.
стр. 59
المطلب الرابع: في المعنى الرابع للفظ "مثل ":
يطلق لفظ "مَثَل" بمعنى المثال.
وعبر عنه بعضهم بقوله: "إطلاق كلمة المثل بمعنى النموذج من ذي أفراد متعددة"١.
وهو مأخوذ من المثول والانتصاب، ورد في لسان العرب: "ومَثُل الشيء يمثل مثولاً: قام منتصباً، ومَثُل بين يديه مثولاً أي انتصب قائماً، ومنه قيل لمنارة المسرجة ماثلة"٢.
وقال أَيْضاً:
"والمِثْل ما جعل مثالاً أي مقداراً يحذى عليه، والجمع: المُثُل، وثلاثة أمثلة"٣.
أما حدُّه فقد بينه الراغب الأصفهاني بقوله:
"والمثال: بمعنى مقابلة الشيء بشيء هو نظيره، أو وضع شيء ما ليحتذى به فيما يفعل"٤.
قوله: "مقابلة الشيء بشيء هو نظيره": يقصد المعنى السابق الذي
стр. 60
تم ذكره في المطلب السابق، وهي الأمثال التشبيهية.
وقوله: "أو وضع شيء ما ليُحتذى به فيما يُفْعَل": يقصد الأمثال أي النماذج أو الشواهد أو الحجج التي تنصب أمام عقل السامع ليقيس عليها ويعتبر بها.
قوله: "ليُحتذَى به فيما يُفعل": ذكر فرداً من نتائج الاعتبار وهو الاقتداء والمحاكاة لمن جُعل مثالاً وأنموذجاً يُقْتدى به. وقد تكون نتيجة الاعتبار هي القبول للحجة أو الشاهد أو النفور من الأنموذج السيئ ونحو ذلك.
ولهذا النوع من الأمثال استخدامات واسعة في اللغة، من أهمها:
أولاً: الأنموذج الجامع لحقائق الشيء وصفاته، ومن ذلك: أن تجعل سيرة أو قصة شخص ما أو جماعة ترتضي طريقتهم مثلاً يُقتدى به، أو ضدهم ليحذر من طريقتهم وسلوكهم. مثال ذلك لو قيل: "مثلك في الحزم عمر".
أو قيل: "أيوب ﵇ مَثَل في الصبر على الابتلاء".
ومن ذلك إذا جعل شيء مثلا لشيء باعتبار أنه استجمع صفاته وحقائقه. كأن يقال: "الإسلام هو المثل في العدل".
باعتبار أن الإسلام يحقق العدل في مجالات الحياة. فكل تعاليمه وأحكامه عادلة. فأصبح مثلا للعدل جامعا لكل خصاله وصفاته وحقائقه.
стр. 61
وكقولنا: "فرعون مثل للطغيان والاستكبار".
وذلك باعتبار أن فرعون قد جمع كل صفات وأحوال الطغاة، وجرى منه أشمل ما يجري من الطغيان. فأصبح بذلك مثلا للطغيان والطغاة جامعا لصفاتهم وأحوالهم. وبالمقارنة بها يستدل عليهم.
ولذلك جعله الله وقومه مثلا - في الطغيان والاستكبار - لمن بعدهم من الناس، وجعل ما حل بهم عبرة، قَال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ﴾ ١.
ومن ذلك إذا قيل: "النار مثل السوء"، باعتبار أنها جمعت صفات وحقائق السوء. فكل أنواع السوء وأعظمه هو ما يكون فيها. فأصبحت لذلك مثلا له.
وهذا الاعتبار يبين - والله أعلم - مراد ابن عباس ﵄ حيث فسر "مثل السوء" في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ ٢: بالنار.
وقد استشكل بعض المفسرين هذا التفسير، وبعضهم شكك في
стр. 62
نسبته إليه.١
والحق أن هذا التفسير له وجه في اللغة كما تقدم من أنه أراد أنها جامعة لحقائق السوء، وأعظمه وأشمله. وإن كان في تفسير الآية به نظر.٢
فيطلق لفظ "مثل" على ما كان جامعا لحقائق وصفات وأحوال معينة متجانسة، باعتباره أصبح أنموذجا دالا عليها. فيقال: كذا مثل لكذا بهذا الاعتبار. ومن هذا النوع ذكر القصص التي يراد منها إيصال حكمة أو تجربة أو حيلة لينتفع منها السامع أو القارئ في أمر أو موقف أو حال يكون فيها.
وقد كثر هذا النوع من الأمثال القصصية في كتاب: "كليلة ودمنه"٣ ونحوه - حيث تكثر الأمثال التعليمية المضروبة
стр. 63
بواسطة القصص.
ورود هذا النوع من الأمثال في القرآن:
لقد كثر ورود هذا النوع من الأمثال في القرآن الكريم١، وذلك أن اللَّه سبحانه يضرب للمؤمنين المطيعين أمثالهم من الأمم السالفة ليقتدوا بهم في استقامتهم على نهج ربهم، وصبرهم وثباتهم عليه، كما يضرب للكافرين والمنافقين وغيرهم من الضلال أمثالهم ليعظهم وينذرهم ويحذر من طريقتهم.
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ ٢.
وقال سبحانه بعد أن ذكر ما كان من فرعون في إضلاله لقومه وصرفهم عن اتباع رسوله موسى ﵇ وما نزل بفرعون وقومه من الانتقام حيث أغرقهم أجمعين، فقال سبحانه بعد ذلك: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا
стр. 64
وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ﴾ ١.
وقال عز من قائل مبيناً أن ما قصه في كتابه من أخبار المؤمنين وأخبار الكافرين إنما هي أمثال ضربت للآخرين ليعتبروا بها.
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مّبَيّنَاتٍ وَمَثَلاً مّنَ الّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لّلْمُتّقِينَ﴾ ٢.
وبين سبحانه أن من حجته البالغة على من ظلم بتكذيب الرسل والإفساد في الأرض ومات على ذلك، ضرب الأمثال بما جرى على الأمم الظالمة التي تقدمته فقال سبحانه: ﴿وَأَنذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ رَبّنَآ أَخّرْنَآ إِلَىَ أَجَلٍ قَرِيبٍ نّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتّبِعِ الرّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوَاْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ﴾ ٣.
فالقصص في القرآن الكريم كلها أمثال ضربت للناس ليتأملوها ويستخلصوا منها العبر.
стр. 65
قال ابن تيمية ﵀:
"ونظير ذلك ذكر القصص فإنها كلها أمثال هي أصول قياس واعتبار"١.
ومن شواهد هذا النوع في القرآن الكريم ما ورد في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لّلّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ ٢.
﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لّلّذِينَ آمَنُواْ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنّةِ وَنَجّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ٣.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لهُمْ مّثَلاً رّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾ ٤.
ولا يلزم في كون القصة مثلاً أن تصدر بالأمر بضربها مثلاً، وإنما
стр. 66
كل القصص الواردة في القرآن الكريم هي أمثال كما تقدم تقرير ذلك.
ورود هذا الاستخدام لهذا النوع في السنة المطهرة:
لم يرد استخدام هذا النوع من معاني المثل كثيراً في السنة المطهرة، ومن الأحاديث القليلة التي ورد فيها المثل بمعناه الأنموذجي قوله ﷺ :
"إِنَّ مَطْعَمَ ابْنِ آدَمَ جُعِلَ مَثَلاً لِلدُّنْيَا وَإِنْ قَزَّحَهُ وَمَلَّحَهُ١ فَانْظُرُوا إِلَى مَا يَصِيرُ"٢.
ففي هذا المثال لا يوجد تشبيه من حيث الأسلوب، وإنما أبرز طعام ابن آدم مثالاً ليقاس عليه حال الدنيا ومتعها وما تنتهي إليه.
стр. 67
ثانياً: يستخدم لفظ "مثل" بمعنى "المثال" في ضرب المثل لإيضاح القاعدة أو القضية أو الفكرة والاستشهاد لها.
ومن ذلك الشواهد اللغوية١ كقولنا: الكلام هو اللفظ المفيد، مِثْل: محمد رسول اللَّه. أو: مَثَل ذلك: محمد رسول اللَّه. أَو: مِثال ذلك: محمد رسول اللَّه. ومن ذلك الشواهد أو الحجج التي تقام وتضرب لتكون أدلة على صدق الدعوى أو بطلان قول المخالف. كأن يقال: أدلة إثبات ربوبية اللَّه كثيرة، مِثْل: اختلاف الليل والنهار، وخلق السموات والأرض.
أو أن يقال: حيرة الماديين الملحدين وتناقضهم ظاهر في أقوالهم المنكرة مثل: إنكارهم شهود الحكمة في الخلق والقول بالصدفة.
وقد يبرز الدليل والحجة باستخدام لفظ "مثل" بطريقة أخرى كأن يقال: ضُرِب ما يشاهد من الملاءمة الوظيفية في أعضاء المخلوقات والتكامل بينها مَثَلاً على حكمة الخالق .
والمراد أنه نُصب للعقول وجُعل مثلاً: أي شاهداً وحجة على ثبوت الحكمة في الخلق مما يدل على وجود الصانع الحكيم.
стр. 68
ورود هذا الاستخدام في القرآن العظيم:
قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْنَاكَ بِالْحَقّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ ١.
المثل هنا المراد به: الشاهد والحجة التي تورد وتنصب للعقول لتدل على صحة الدعوى، وهي باعتبار مُورِدها شاهد وحجة، أما في واقع الحال وحقيقة الأمر فقد تكون حجة صحيحة وقد تكون شبهة.
قال ابن كثير٢ ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ قال: "أي بحجة وشبهة ﴿إِلاّ جِئْنَاكَ بِالْحَقّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ أي ولا يقولون قولاً يعارضون به الحق إلا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم"٣.
والمراد أنهم كلما جاؤوا بقول يجعلونه شاهداً وحجة على صحة ما يقولون، فإِن اللَّه ينزل على رسوله شواهد الحق الواضحة البينة التي تدفع ما جاؤوا به.
стр. 69
وقال تعالى: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدّونَ وَقَالُوَاْ أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ١.
الذي ضرب المثل - واللَّه أعلم - هم كفار قريش، بدليل قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً﴾ أي ذكروه ونصبوه في معرض المجادلة ليكون شاهداً وحجة على صحة ما هم عليه من الباطل من عبادة الأوثان، وليبطلوا به ما قرره النبي ﷺ من بطلان عبادتها وأنها مع مَن عبدها في نار جهنم.
كما ورد لفظ "مثل" بمعنى الحجة والشاهد على الحق في الآية التي بعدها في قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لّبَنِيَ إِسْرَائِيلَ﴾ ، قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ : "أي دلالة وحجة وبرهاناً على قدرتنا على ما نشاء"٢.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرّفْنَا لِلنّاسِ فِي هََذَا الْقُرْآنِ مِن كُلّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ ٣ وقال: ﴿وَلَقَدْ صَرّفْنَا فِي هََذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلّ مَثَلٍ وَكَانَ
стр. 70
الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ ١. المراد بالمثل في الآيتين: الحجة والشاهد والدليل على الحق.
يدل على ذلك أن الآية الأولى وردت بعد أدلة التوحيد والنبوة والتحدي بالقرآن٢.
وعلق ابن تيمية ﵀ على الآية الثانية بقوله: "ينبه على أنها براهين وحجج تفيد تصوراً أو تصديقاً"٣.
أي أن قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرّفْنَا فِي هََذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلّ مَثَلٍ﴾ يدل على أن اللَّه تعالى ذكر في كتابه أنواع الحجج والبراهين الشاهدة على الحق المبينة له.
وهذا المعنى هو المراد - واللَّه أعلم - بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ ٤.
أي ذُكِر دليل وحجة وشاهد ونصب وأشخص ليكون ماثلاً أمام عقولكم أيها الناس، فاستعموا له استماع تدبر وتعقل، ليتبين لكم عجز هذه الآلهة التي تُعبد من دون اللَّه وعدم أهليتها للألوهية وما يُصرف إليها
стр. 71
من العبادة.
وخلاصة معنى الآية: يا أيها الناس أقيمت حجة وأشخص شاهد فاستمعوا له وتدبروه، ثم ذكر تلك الحجة بقوله تعالى: ﴿إِنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ..﴾ الآية.
وهذا المعنى للمثل جدير بالعناية والاهتمام لخفائه على كثير من المفسرين والباحثين في الأمثال، والذين يفسرون المثل في كل موضع بالشبه، فيجدون صعوبة في فهم الأمثال الأنموذجية، أو المنصوبة لتكون حجة وشاهداً على أمر معين.
هذا ما تبين لي فيما يتعلق بهذا المعنى، والفرق بينه وبين المعاني الأخرى.
وأرجو أن أكون قد وفقت في ذلك، فالأمر لا يخلو من إشكال.
قال ابن تيمية ﵀:
"وهذه التي أشكل تسميتها أمثالاً، كما أشكل تسميتها قياساً، حتى اعترض بعضهم قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ ١، فقال: أين المثل المضروب؟
وكذلك إذا سمعوا قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرّفْنَا لِلنّاسِ فِي هََذَا الْقُرْآنِ مِن كُلّ
стр. 72
مَثَلٍ﴾ ١، يبقون حيارى لا يدرون ما هذه الأمثال"٢.
أما عن ورود هذا المعنى في السنة المطهرة:
فلم يتبين لي فيما اطلعت عليه من أمثال النبي ﷺ أنه استخدم لفظ "مثل" بمعنى الشاهد والحجة. واللَّه أعلم.
اشتمال هذا النوع من الأمثال على القياس:
إن هذا النوع من الأمثال - الأمثال الأنموذجية أو الشواهد والحجج المنصوبة - لا تتضمن تشبيهاً من حيث الأسلوب لكنها قائمة على القياس وتستلزم التدبر والاعتبار.
وذلك أن هذا النوع من الأمثال ينصب فيه المثل - سواء كان شخصاً، أو قصة، أو شاهداً كلامياً، أو حجة أو غيره - أمام عقل السامع ليقيس عليه ما يناسبه ويعتبر به.
والقياس هنا يستند إلى مبدإ شمول الأحكام للمتماثلات الذي تقضي به أصول الحقائق، أو تقضي به حكمة الخالق في خلقه، وفي تصاريف عدله، وفي ثبات سنته، فينتج أحكاماً عامة تشمل سائر الأفراد المماثلة لما جاء في المثل.٣
стр. 73
وهذا النوع يسمى قياس الشمول١ وهو يختلف عن قياس التمثيل الذي يمثل فيه الشيء المعين بشيء معين، وهو القياس الذي تقوم عليه الأمثال التشبيهية التي سبق بيانها في المطلب السابق.
وخلاصة هذا المطلب:
تبين مما تقدم أن من معاني "المثل" معنى الأنموذج والشاهد والحجة. وأن هذه المعاني تستخدم كثيراً، وخاصة في مجال التربية والتعليم والمجادلة والمحاجة، وهذا النوع من الأمثال مع الأمثال التشبيهية هي المقصودة - واللَّه أعلم- بقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ صَرّفْنَا فِي هََذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ ٢.
وهذا النوع من الأمثال مع أهميته وانتشاره في تصاريف الكلام لم يلْق ما يناسبه من العناية في المؤلفات اللغوية القديمة والحديثة. ولم أقف على من أفرد لما ورد من هذا النوع من الأمثال في اللغة بمؤلف مستقل.
أما ما ورد من هذا النوع من الأمثال في القرآن الكريم، فإنه يرد ضمن الكتب التي تبحث في أمثال القرآن عامة، وهناك بعض الكتب
стр. 74
التي تبحث في الأمثال التي تُعنى بالتربية والقدوة١، أما جانب الأمثال التي تبرز الشواهد والحجج فلم أقف على من أفردها بمؤلف مستقل -واللَّه أعلم-.
стр. 75
المطلب الخامس: أي أنواع المثل هو المقصود بهذه الدراسة:
بعد استعراض أهم المعاني للفظ "مثل" يجدر أن نحدد أي هذه المعاني هو المقصود والذي سيجري الكلام عليه في هذا البحث.
إن هذا البحث متخصص في دراسة المثل القياسي، وهو على هذا يشمل نوعين من أنواع المثل المتقدم ذكرها وهما:
١- المثل بمعنى المثال، وهو الأنموذج الذي يُحتذى ويقاس عليه.
٢- المثل بمعنى الشَبَه، وهو ما يجري فيه القياس بتشبيه شيء بشيء.
فما ضرب من هذين النوعين في القرآن الكريم، وكان يدور حول قضية من قضايا الإِيمان باللَّه - الركن الأول من أركان الإِيمان الستة المذكورة في حديث جبريل ﵇، أصل الإيمان القلبي - فهي التي سيجري تناولها في هذا البحث.
أسأل اللَّه العون والتوفيق إلى حصرها، وإيضاح المراد منها.