← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7370

أحكام القرآن للجصاص ط العلمية

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 089 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وَفِيمَا وُصِفَ دَلِيلٌ عَلَى اقْتِضَاءِ الْآيَةِ التَّخْيِيرَ بَيْنِ تَزَوُّجِ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ لِمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَزَوَّجَ حُرَّةً; لِأَنَّ التَّخْيِيرَ لَا يَصِحُّ إلَّا فِيمَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حَالِهِ فَقَدْ حَوَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الدَّلَالَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى جَوَازِ تَزْوِيجِ الْأَمَةِ مَعَ وُجُودِ الطَّوْلِ إلَى الْحُرَّةِ, أَحَدُهُمَا: عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وَذَلِكَ شَامِلٌ لِلْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ لِوُقُوعِ اسْمِ النِّسَاءِ عَلَيْهِنَّ. وَالثَّانِي: قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الْحَرَائِرِ فِي التَّزْوِيجِ, وَقَدْ قَدَّمْنَا دَلَالَةَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَذَلِكَ عُمُومٌ شَامِلٌ لِلْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ, وَغَيْرُ جَائِزٍ تَخْصِيصُهُ إلَّا بِدَلَالَةٍ. وَأَمَّا قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنَ وَمُجَاهِدًا وَأَبَا رَزِينٍ وَالشَّعْبِيَّ وَأَبَا مَالِكٍ وَإِسْمَاعِيلَ وَعِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ قَالُوا: "يَعْنِي لَا تَمِيلُوا عَنْ الْحَقِّ". وَرَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ: "ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا: أَنْ لَا تَمِيلُوا". وَأَنْشَدَ عِكْرِمَةُ شِعْرًا لِأَبِي طَالِبٍ: بِمِيزَانِ صِدْقٍ لَا يَخِسُّ شَعِيرَةً ... وَوِزَانِ قِسْطٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ قَالَ: غَيْرُ مَائِلٍ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَصْلُ الْعَوْلِ الْمُجَاوَزَةُ لِلْحَدِّ, فَالْعَوْلُ فِي الْفَرِيضَةِ مُجَاوَزَةُ حَدِّ السِّهَامِ الْمُسَمَّاةِ, وَالْعَوْلُ الْمَيْلُ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْعَدْلِ لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ الْعَدْلِ, وَعَالَ يَعُولُ إذَا جَارَ, وَعَالَ يَعِيلُ إذَا تَبَخْتَرَ, وَعَالَ يَعِيلُ إذَا افْتَقَرَ, حَكَى لَنَا ذَلِكَ أَبُو عُمَرَ غُلَامُ ثَعْلَبٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ مَعْنَاهُ: أَنْ لَا يَكْثُرَ مَنْ تَعُولُونَ; قَالَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَى الرَّجُلِ نَفَقَةَ امْرَأَتِهِ. وَقَدْ خَطَّأَهُ النَّاسُ فِي ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ السَّلَفِ وَكُلِّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنْ لَا تَمِيلُوا وَأَنْ لَا تَجُورُوا, وَأَنَّ هَذَا الْمَيْلَ هُوَ خِلَافُ الْعَدْلِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْقَسْمِ بَيْنَ النَّاسِ. وَالثَّانِي: خَطَّأَهُ فِي اللُّغَةِ; لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي كَثْرَةِ الْعِيَالِ" عَالَ يَعُولُ" ذَكَرَهُ الْمُبَرِّدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ, وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى: أَنْ لَا تَعُولُوا, قَالَ: أَنْ لَا تَجُورُوا, يُقَالُ: عِلْت عَلَيَّ أَيْ جُرْت. وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِي الْآيَةِ ذَكَرَ الْوَاحِدَةَ أَوْ مِلْكَ الْيَمِينِ, وَالْإِمَاءُ فِي الْعِيَالِ بِمَنْزِلَةِ النِّسَاءِ, وَلَا خِلَافَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ مِنْ الْعَدَدِ مَنْ شَاءَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ, فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ كَثْرَةَ الْعِيَالِ وَأَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْجَوْرِ وَالْمَيْلِ بِتَزَوُّجِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ; إذْ لَيْسَ مَعَهَا مَنْ يَلْزَمُهُ الْقَسْمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا; إذْ لَا قَسْمَ لِلْإِمَاءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ; والله أعلم.

стр. 1017

بَابُ هِبَةِ الْمَرْأَةِ الْمَهْرَ لِزَوْجِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ . رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ قَالَا: "فَرِيضَةٌ", كَأَنَّهُمَا ذَهَبَا إلَى نِحْلَةِ الدَّيْنِ وَأَنَّ ذَلِكَ فُرِضَ فِيهِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ قَالَ: "كَانَ الرَّجُلُ إذَا زَوَّجَ مُوَلِّيَتَهُ أَخَذَ صَدَاقَهَا فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ", فَجَعَلَهُ خِطَابًا لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ لَا يَحْبِسُوا عَنْهُنَّ الْمُهُورَ إذَا قَبَضُوهَا. إلَّا أَنَّ مَعْنَى النِّحْلَةِ يَرْجِعُ إلَى مَا ذَكَرَهُ قَتَادَةُ فِي أَنَّهَا فَرِيضَةٌ, وَهَذَا عَلَى مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَقِيبَ ذِكْرِ الْمَوَارِيثِ ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ . قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّمَا سُمِّيَ الْمَهْرُ نِحْلَةً وَالنِّحْلَةُ فِي الْأَصْلِ الْعَطِيَّةُ وَالْهِبَةُ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ; لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَمْلِكُ بَدَلَهُ شَيْئًا; لِأَنَّ الْبُضْعَ فِي مِلْكِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ النِّكَاحِ هُوَ قَبْلَهُ, أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ كَانَ الْمَهْرُ لَهَا دُونَ الزَّوْجِ؟ فَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمَهْرُ نِحْلَةً; لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَضْ مِنْ قِبَلِهَا عِوَضًا يَمْلِكُهُ, فَكَانَ فِي مَعْنَى النِّحْلَةِ الَّتِي لَيْسَ بِإِزَائِهَا بَدَلٌ; وَإِنَّمَا الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الزَّوْجُ مِنْهَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ هُوَ الِاسْتِبَاحَةُ لَا الْمِلْكُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ المثنى في قوله تعالى: ﴿نِحْلَةً﴾ يَعْنِي: بِطِيبَةِ أَنْفُسِكُمْ, يَقُولُ: لَا تُعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ وَأَنْتُمْ كَارِهُونَ وَلَكِنْ آتَوْهُنَّ ذَلِكَ وَأَنْفُسُكُمْ بِهِ طَيِّبَةٌ وَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ لَهُنَّ دُونَكُمْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَجَائِزٌ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ إنَّمَا سَمَّاهُ نِحْلَةً; لِأَنَّ النِّحْلَةَ هِيَ الْعَطِيَّةُ وَلَيْسَ يَكَادُ يَفْعَلُهَا النَّاحِلُ إلَّا مُتَبَرِّعًا بِهَا طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ, فَأُمِرُوا بِإِيتَاءِ النِّسَاءِ مُهُورَهُنَّ بِطِيبَةٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَالْعَطِيَّةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا الْمُعْطِي بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ. وَيُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ فِي إيجَابِ كَمَالِ الْمَهْرِ لِلْمَخْلُوِّ بِهَا لِاقْتِضَاءِ الظَّاهِرِ لَهُ, وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ فَإِنَّهُ يَعْنِي عَنْ الْمَهْرِ, لَمَّا أَمَرَهُمْ بِإِيتَائِهِنَّ صَدُقَاتِهِنَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ جَوَازِ قَبُولِ إبْرَائِهَا وَهِبَتِهَا لَهُ لِئَلَّا يَظُنَّ أَنَّ عَلَيْهِ إيتَاءَهَا مَهْرَهَا وَإِنْ طَابَتْ نَفْسُهَا بِتَرْكِهِ. قَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: "مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهَا مِنْ غَيْرِ كُرْهٍ فَهُوَ حَلَالٌ". وَقَالَ عَلْقَمَةُ لِامْرَأَتِهِ: أَطْعِمِينِي مِنْ الْهَنِيءِ الْمَرِيءِ. فَتَضَمَّنَتْ الْآيَةُ مَعَانِيَ: مِنْهَا أَنَّ الْمَهْرَ لَهَا وَهِيَ الْمُسْتَحَقَّةُ لَهُ لَا حَقَّ لِلْوَلِيِّ فِيهِ. وَمِنْهَا أَنَّ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُعْطِيَهَا بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ. وَمِنْهَا جَوَازُ هِبَتِهَا الْمَهْرَ لِلزَّوْجِ وَالْإِبَاحَةِ لِلزَّوْجِ فِي أخذه بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ . وَمِنْهَا تَسَاوِي حَالِ قَبْضِهَا لِلْمَهْرِ وَتَرْكِ قَبْضِهَا فِي جَوَازِ هِبَتِهَا لِلْمَهْرِ; لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ, وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ هِبَتِهَا لِلْمَهْرِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا.

стр. 1018

فَإِنْ قِيلَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فِيمَا تَعَيَّنَ مِنْ الْمَهْرِ, إمَّا أَنْ يَكُونَ عَرَضًا بِعَيْنِهِ فَقَبَضَتْهُ أَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ أَوْ دَرَاهِمَ قَدْ قَبَضَتْهَا, فَأَمَّا دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ فَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى جَوَازِ هِبَتِهَا لَهُ; إذْ لَا يُقَالُ لِمَا فِي الذِّمَّةِ كُلْهُ هَنِيئًا مَرِيئًا. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ الْمُرَادُ فِي ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلَى مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْأَكْلُ دُونَ مَا لَا يَتَأَتَّى; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا فِي الْمَهْرِ إذَا كَانَ شَيْئًا مَأْكُولًا, وَقَدْ عُقِلَ مِنْ مَفْهُومِ الْخِطَابِ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى الْمَأْكُولِ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ; لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ عَامٌّ فِي الْمُهُورِ كُلِّهِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الْمَأْكُولِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ, وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الصَّدَقَاتِ الْمَأْمُورِ بِإِيتَائِهَا. فَدَلَّ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِلَفْظِ الْأَكْلِ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ الْمَقْصِدَ فِيهِ جَوَازُ اسْتِبَاحَتِهِ بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهَا; وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وَهُوَ عُمُومٌ فِي النَّهْيِ عَنْ سَائِرِ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ مِنْ الدُّيُونِ وَالْأَعْيَانِ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِ الْمَأْكُولِ, وَشَامِلٌ لِلنَّهْيِ فِي أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ إلَّا عَلَى وَجْهِ التِّجَارَةِ عَنْ تَرَاضٍ, وَلَيْسَ الْمَأْكُولُ بِأَوْلَى بِمَعْنَى الْآيَةِ مِنْ غَيْرِهِ. وَإِنَّمَا خُصَّ الْأَكْلُ بِالذِّكْرِ; لِأَنَّهُ مُعْظَمُ مَا يُبْتَغَى لَهُ الْأَمْوَالُ, إذْ بِهِ قِوَامُ بَدَنِ الْإِنْسَانِ, وَفِي ذِكْرِهِ لِلْأَكْلِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا دُونَهُ, وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فَخُصَّ الْبَيْعُ بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ مَا عَدَاهُ مِنْ سَائِرِ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ الصَّلَاةِ بِمَثَابَتِهِ فِي النَّهْيِ; لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْبَيْعِ مِنْ أَعْظَمِ أُمُورِهِمْ فِي السَّعْيِ فِي طَلَبِ مَعَايِشِهِمْ, فَعُقِلَ مِنْ ذَلِكَ إرَادَةُ مَا هُوَ دُونَهُ وَأَنَّهُ أَوْلَى بِالنَّهْيِ; إذْ قَدْ نَهَاهُمْ عَمَّا هُمْ إلَيْهِ أَحْوَجُ وَالْحَاجَةُ إلَيْهِ أَشَدُّ. وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] فَخُصَّ اللَّحْمُ بِذِكْرِ التَّحْرِيمِ وَسَائِرُ أَجْزَائِهِ مِثْلُهُ; لِأَنَّهُ مُعْظَمُ مَا يُرَادُ مِنْهُ وَيُنْتَفَعُ بِهِ, فَكَانَ فِي تَحْرِيمِهِ أَعْظَمُ مَنَافِعِهِ دَلَالَةً عَلَى مَا دُونَهُ, فَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ قَدْ اقْتَضَى جَوَازَ هِبَتِهَا لِلْمَهْرِ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ كَانَ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا قَبَضَتْهُ أَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ إذَا جَازَتْ هِبَتُهَا لِلْمَهْرِ إذَا كَانَ مَقْبُوضًا مُعَيَّنًا فَكَذَلِكَ حُكْمُهُ إذَا كَانَ دَيْنًا; لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ جَوَازُ تَصَرُّفِهَا فِي مَالِهَا, فَلَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ فِيهِ; وَلِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا. وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى جَوَازِ هِبَةِ الدَّيْنِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ كَمَا جَازَتْ هِبَةُ الْمَرْأَةِ لِلْمَهْرِ وَهُوَ دَيْنٌ, وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَنْ وَهَبَ لِإِنْسَانٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ أَنَّ الْبَرَاءَةَ قَدْ وَقَعَتْ بِنَفْسِ الْهِبَةِ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ وَأَسْقَطَهُ عَنْ ذِمَّتِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ وَهَبَ لِإِنْسَانٍ مَالًا فَقَبَضَهُ وَتَصَرَّفَ فِيهِ أَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِلِسَانِهِ قَدْ قَبِلْت; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَبَاحَ لَهُ أَكْلَ مَا وَهَبَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَبُولِ, بَلْ يَكُونُ التَّصَرُّفُ فِيهِ

стр. 1019

بِحَضْرَتِهِ حِينَ وَهَبَهُ قَبُولًا. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَوْ قَالَتْ" قَدْ طِبْت لَك نَفْسًا عَنْ مَهْرِي" وَأَرَادَتْ الْهِبَةَ وَالْبَرَاءَةَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ . وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هِبَةِ الْمَرْأَةِ مَهْرَهَا لِزَوْجِهَا, فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ وَالشَّافِعِيُّ: "إذَا بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ وَاجْتَمَعَ لَهَا عَقْلُهَا جَازَ لَهَا التَّصَرُّفُ فِي مَالِهَا بِالْهِبَةِ أَوْ غَيْرِهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا". وَقَالَ مَالِكٌ: "لَا يَجُوزُ أَمْرُ الْبِكْرِ فِي مَالِهَا وَلَا مَا وَضَعَتْ عَنْ زَوْجِهَا مِنْ الصَّدَاقِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى أَبِيهَا فِي الْعَفْوِ عَنْ زَوْجِهَا, وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَبِ مِنْ أَوْلِيَائِهَا ذَلِكَ" قَالَ: "وَبَيْعُ الْمَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ دَارَهَا وَخَادِمَهَا جَائِزٌ وَإِنْ كَرِهَ الزَّوْجُ إذَا أَصَابَتْ وَجْهَ الْبَيْعِ, فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ مُحَابَاةٌ كَانَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهَا, وَإِنْ تَصَدَّقَتْ أَوْ وَهَبَتْ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَمْ يَجُزْ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ" قَالَ مَالِكٌ: "وَالْمَرْأَةُ الْأَيِّمُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ فِي مَالِهَا كَالرَّجُلِ فِي مَالِهِ سَوَاءٌ". وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: "لَا تَجُوزُ عَطِيَّةُ الْمَرْأَةِ حَتَّى تَلِدَ وَتَكُونَ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا سَنَةً". وَقَالَ اللَّيْثُ: "لَا يَجُوزُ عِتْقُ الْمَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ وَلَا صَدَقَتُهَا إلَّا فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ لِصِلَةِ رَحِمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْآيَةُ قَاضِيَةٌ بِفَسَادِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ شَاهِدَةٌ بِصِحَّةِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا الَّذِي قَدَّمْنَا, لِقَوْلِهِ : ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ وَلَمْ يُفَرِّقْ فِيهِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ وَلَا بَيْنَ مَنْ أَقَامَتْ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا سَنَةً أَوْ لَمْ تُقِمْ, وَغَيْرُ جَائِزٍ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ فِي ذَلِكَ إلَّا بِدَلَالَةٍ تَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ حُكْمِ الْآيَةِ فِي الثَّيِّبِ دُونَ الْبِكْرِ; وَأَجَازَ مَالِكٌ هِبَةَ الْأَبِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَمَرَنَا بِإِعْطَائِهَا جَمِيعَ الصَّدَاقِ إلَّا أَنْ تَهَبْ هِيَ شَيْئًا مِنْهُ لَهُ, فَالْآيَةُ قَاضِيَةٌ بِبُطْلَانِ هِبَةِ الْأَبِ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِيتَاءِ جَمِيعِ الصَّدَاقِ إلَّا أَنْ تَطِيبَ نَفْسُهَا بِتَرْكِهِ, وَلَمْ يَشْرُطْ اللَّهُ تَعَالَى طِيبَةَ نَفْسِ الْأَبِ, فَمَنَعَ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ بِطِيبَةِ نَفْسِهَا مِنْ مَهْرِهَا وَأَجَازَ مَا حَظَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَنْعِ شَيْءٍ مِنْ مَهْرِهَا إلَّا بِطِيبَةِ نَفْسِهَا بِهِبَةِ الْأَبِ. وَهَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى الْآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ: أَحَدُهُمَا: مَنْعُهَا الْهِبَةَ مَعَ اقْتِضَاءِ ظَاهِرِ الْآيَةِ لِجَوَازِهَا. وَالثَّانِي: جَوَازُ هِبَةِ الْأَبِ مَعَ أَمْرِ اللَّهِ الزَّوْجَ بِإِعْطَائِهَا الْجَمِيعَ إلَّا أَنْ تَطِيبَ نَفْسًا بِتَرْكِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فَمُنِعَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا مِمَّا أَعْطَاهَا إلَّا بِرِضَاهَا بِالْفِدْيَةِ فَقَدْ شَرَطَ رِضَا الْمَرْأَةِ وَلَمْ يُفَرِّقْ مَعَ ذَلِكَ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلنِّسَاءِ: "تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ", وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ:

стр. 1020

أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ, وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ; وَلِأَنَّ هَذَا حَجْرٌ وَلَا يَصِحُّ الْحَجْرُ عَلَى مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1021

بَابُ دَفْعِ الْمَالِ إلَى السُّفَهَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ, فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لَا يَقْسِمُ الرَّجُلُ مَالَهُ عَلَى أَوْلَادِهِ فَيَصِيرَ عِيَالًا عَلَيْهِمْ بَعْدَ; إذْ هُمْ عِيَالٌ لَهُ, وَالْمَرْأَةُ مِنْ أَسْفَهِ السُّفَهَاءِ"; فَتَأَوَّلَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْآيَةَ عَلَى ظَاهِرِهَا وَمُقْتَضَى حَقِيقَتِهَا; لِأَنَّ قَوْله تعالى: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ يَقْتَضِي خِطَابَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالنَّهْيِ عَنْ دَفْعِ مَالِهِ إلَى السُّفَهَاءِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَضْيِيعِهِ, لِعَجْزِ هَؤُلَاءِ عَنْ الْقِيَامِ بِحِفْظِهِ وَتَثْمِيرِهِ, وَهُوَ يَعْنِي بِهِ الصِّبْيَانَ وَالنِّسَاءَ الَّذِينَ لَا يُكْمِلُونَ لِحِفْظِ الْمَالِ. وَيَدُلُّ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي حَيَاتِهِ بِمَالِهِ وَيَجْعَلَهُ فِي يَدِ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ, وَأَنْ لَا يُوصِيَ بِهِ إلَى أَمْثَالِهِمْ. وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ وَرَثَتَهُ إذَا كَانُوا صِغَارًا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ إلَّا إلَى أَمِينٍ مُضْطَلِعٍ بِحِفْظِهِ عَلَيْهِمْ. وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ تَضْيِيعِ الْمَالِ وَوُجُوبِ حِفْظِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَالْقِيَامِ بِهِ, لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ قِوَامَ أَجْسَادِنَا بِالْمَالِ, فَمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا فَعَلَيْهِ إخْرَاجُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ ثُمَّ حِفْظُ مَا بَقِيَ وَتَجَنُّبِ تَضْيِيعِهِ, وَفِي ذَلِكَ تَرْغِيبٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ فِي إصْلَاحِ الْمَعَاشِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ, مِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٦-٢٧] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ [الإسراء:٢٩] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] وَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَتَحْصِينِ الدُّيُونِ بِالشَّهَادَاتِ وَالْكِتَابِ وَالرَّهْنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ يَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَكُمْ قَوَامًا عَلَيْهَا فَلَا تَجْعَلُوهَا فِي يَدِ مَنْ يُضَيِّعُهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ التَّأْوِيلِ: مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَرَادَ: لَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَهُمْ, وَإِنَّمَا أَضَافَهَا إلَيْهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] يَعْنِي: لَا يَقْتُلُ بعضكم بَعْضًا, وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] يُرِيدُ: مَنْ يَكُونُ فِيهَا. وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ السُّفَهَاءُ مَحْجُورًا عَلَيْهِمْ فَيَكُونُونَ مَمْنُوعِينَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَى أَنْ يَزُولَ السَّفَهُ.

стр. 1022

وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى السُّفَهَاءِ هَهُنَا, فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "السَّفِيهُ مِنْ وَلَدِك وَعِيَالِك" وَقَالَ: "الْمَرْأَةُ مِنْ أَسْفَهِ السُّفَهَاءِ". وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ: "النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ". وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: "كُلُّ مَنْ يَسْتَحِقُّ صِفَةَ سَفِيهٍ فِي الْمَالِ مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَغَيْرِهِ". وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ يَدْعُونَ اللَّهَ لَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ رَجُلٌ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَلَمْ يُطَلِّقْهَا, وَرَجُلٌ أَعْطَى مَالَهُ سَفِيهًا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ وَرَجُلٌ دَايَنَ رَجُلًا فَلَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ". وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ: "أَنَّ السُّفَهَاءَ النِّسَاءُ". وَقِيلَ إنَّ أَصْلَ السَّفَهِ خِفَّةُ الْحِلْمِ, وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْفَاسِقُ سَفِيهًا; لِأَنَّهُ لَا وَزْنَ لَهُ عِنْدَ أَهْلِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ, وَيُسَمَّى النَّاقِصُ الْعَقْلِ سَفِيهًا لِخِفَّةِ عَقْلِهِ; وَلَيْسَ السَّفَهُ فِي هَؤُلَاءِ صِفَةَ ذَمٍّ وَلَا يُفِيدُ مَعْنَى الْعِصْيَانِ لِلَّهِ تَعَالَى, وَإِنَّمَا سُمُّوا سُفَهَاءَ لِخِفَّةِ عُقُولِهِمْ وَنُقْصَانِ تَمْيِيزِهِمْ عَنْ الْقِيَامِ بِحِفْظِ الْمَالِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ نَهَبَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ الْمَالَ, وَقَدْ أَرَادَ بَشِيرٌ أَنْ يَهَبَ لِابْنِهِ النُّعْمَانِ فَلَمْ يَمْنَعْهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُ إلَّا; لِأَنَّهُ لَمْ يُعْطِ سَائِرَ بَنِيهِ مِثْلَهُ, فَكَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى مَنْعِ إعْطَاءِ السُّفَهَاءِ أَمْوَالَنَا؟ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ الْمَعْنَى فِيهِ التَّمْلِيكَ وَهِبَةَ الْمَالِ, وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِيهِ أَنْ نَجْعَلَ الْأَمْوَالَ فِي أَيْدِيهِمْ وَهُمْ غَيْرُ مُضْطَلِعِينَ بِحِفْظِهَا, وَجَائِزٌ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَهَبَ الصَّغِيرَ وَالْمَرْأَةَ كَمَا يَهَبُ الْكَبِيرَ الْعَاقِلَ وَلَكِنَّهُ يَقْبِضُهُ لَهُ مَنْ يَلِي عَلَيْهِ وَيَحْفَظُ مَالَهُ وَلَا يُضَيِّعُهُ, وَإِنَّمَا مَنَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْآيَةِ أَنْ نَجْعَلَ أَمْوَالَنَا فِي أَيْدِي الصِّغَارِ وَالنِّسَاءِ الَّتِي لَا يَكْمُلْنَ بِحِفْظِهَا وَتَدْبِيرِهَا. وَقَوْلُهُ : ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ يَعْنِي وَارْزُقُوهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ; لِأَنَّ "فِي" هَهُنَا بِمَعْنَى "مِنْ" إذْ كَانَتْ حُرُوفُ الصِّفَاتِ تَتَعَاقَبُ فَيَقُومُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ, كَمَا قَالَ تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ وَهُوَ بِمَعْنَى "مَعَ" فَنَهَانَا اللَّهُ عَنْ دَفْعِ الْأَمْوَالِ إلَى السُّفَهَاءِ الَّذِينَ لَا يَقُومُونَ بِحِفْظِهَا وَأَمَرَنَا بِأَنْ نَرْزُقَهُمْ مِنْهَا وَنَكْسُوَهُمْ. فَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْآيَةِ النَّهْيَ عَنْ إعْطَائِهِمْ مَالَنَا عَلَى مَا اقْتَضَى ظَاهِرُهَا فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْأَوْلَادِ السُّفَهَاءِ وَالزَّوْجَاتِ لِأَمْرِهِ إيَّانَا بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِنَا; وَإِنْ كَانَ تَأْوِيلُهَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ مُرَادَهَا أَنْ لَا نُعْطِيَهُمْ أَمْوَالَهُمْ وَهُمْ سُفَهَاءُ, فَإِنَّمَا فِيهِ الْأَمْرُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْحَجْرِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَنْعُهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَالثَّانِي: إجَازَتُهُ تَصَرُّفَنَا عَلَيْهِمْ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ وَشِرَى أَقْوَاتِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ , قال مجاهد وابن جريج: ﴿قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ عِدَةً جَمِيلَةً بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ وَيَحْسُنُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ إجْمَالَ الْمُخَاطَبَةِ لَهُمْ وَإِلَانَةَ الْقَوْلِ فِيمَا يُخَاطَبُونَ بِهِ, كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا

стр. 1023

تَقْهَرْ﴾ [الضحى:٩] وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً﴾ [الإسراء:٢٨] وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ هَهُنَا التَّأْدِيبَ وَالتَّنْبِيهَ عَلَى الرُّشْدِ وَالصَّلَاحِ وَالْهِدَايَةِ لِلْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ, وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ: إذَا أَعْطَيْتُمُوهُمْ الرِّزْقَ وَالْكِسْوَةَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ أَنْ تُجْمِلُوا لَهُمْ الْقَوْلَ وَلَا تُؤْذُوهُمْ بِالتَّذَمُّرِ عَلَيْهِمْ وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِمْ, كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إجْمَالَ اللَّفْظِ وَتَرْكَ التَّذَمُّرِ وَالِامْتِنَانِ; وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] . وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا مُرَادَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ والله أعلم.

стр. 1024

بَابُ دَفْعِ الْمَالِ إلَى الْيَتِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: "يَعْنِي اخْتَبِرُوهُمْ فِي عُقُولِهِمْ وَدِينِهِمْ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَرَنَا بِاخْتِبَارِهِمْ قَبْلَ الْبُلُوغِ; لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّ بُلُوغَ النِّكَاحِ بَعْدَ الِابْتِلَاءِ; لِأَنَّ" حَتَّى غَايَةٌ مَذْكُورَةٌ بَعْدَ الِابْتِلَاءِ, فَدَلَّتْ الْآيَةُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى أَنَّ هَذَا الِابْتِلَاءَ قَبْلَ الْبُلُوغِ. وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِذْنِ لِلصَّغِيرِ الَّذِي يَعْقِلُ فِي التِّجَارَةِ; لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا بِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِ فِي الْعِلْمِ بِالتَّصَرُّفِ وَحِفْظِ الْمَالِ وَمَتَى أُمِرَ بِذَلِكَ كَانَ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إذْنِ الصَّبِيِّ فِي التِّجَارَةِ, فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: جَائِزٌ لِلْأَبِ أَنْ يَأْذَنَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي التِّجَارَةِ إذَا كَانَ يَعْقِلُ الشِّرَى وَالْبَيْعَ, وَكَذَلِكَ وَصِيُّ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ إذَا لَمْ يَكُنْ وَصِيُّ أَبٍ وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ". وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: "لَا أَرَى إذْنَ الْأَبِ, وَالْوَصِيَّ لِلصَّبِيِّ فِي التِّجَارَةِ جَائِزًا, وَإِنْ لَحِقَهُ فِي ذَلِكَ دَيْنٌ لَمْ يَلْزَمْ الصَّبِيَّ مِنْهُ شَيْءٌ". وَقَالَ الرَّبِيعُ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِهِ فِي الْإِقْرَارِ: وَمَا أَقَرَّ بِهِ الصَّبِيُّ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ الْآدَمِيِّ أَوْ حَقٍّ فِي مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِقْرَارُهُ سَاقِطٌ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ الصَّبِيُّ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَذِنَ لَهُ أَبُوهُ أَوْ وَلِيُّهُ مَنْ كَانَ أَوْ حَاكِمٌ, وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ, فَإِنْ فَعَلَ فَإِقْرَارُهُ سَاقِطٌ عَنْهُ, وَكَذَلِكَ شِرَاؤُهُ وَبَيْعُهُ مَفْسُوخٌ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: ظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْإِذْنِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ وَالِابْتِلَاءُ هُوَ اخْتِبَارُهُمْ فِي عُقُولِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ وَحَزْمِهِمْ فِيمَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ, فَهُوَ

стр. 1025

عَامٌّ فِي سَائِرِ هَذِهِ الْوُجُوهِ, وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتَصِرَ بِالِاخْتِبَارِ عَلَى وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فِيمَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ, وَالِاخْتِبَارُ فِي اسْتِبْرَاءِ حَالِهِ فِي الْمَعْرِفَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَى وَضَبْطُ أُمُورِهِ وَحِفْظُ مَالِهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِإِذْنٍ لَهُ فِي التِّجَارَةِ, وَمَنْ قَصَرَ الِابْتِلَاءَ عَلَى اخْتِبَارِ عَقْلِهِ بِالْكَلَامِ دُونَ التَّصَرُّفِ فِي التِّجَارَةِ وَحِفْظِ الْمَالِ فَقَدْ خَصَّ عُمُومَ اللَّفْظِ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْإِذْنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي حَالِ الصِّغَرِ قَوْله تَعَالَى فِي نَسَقِ التِّلَاوَةِ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَإِينَاسِ الرُّشْدِ, وَلَوْ جَازَ الْإِذْنُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي صِغَرِهِ لَجَازَ دَفْعُ الْمَالِ إلَيْهِ فِي حَالِ الصِّغَرِ, وَاَللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا أَمَرَ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَإِينَاسِ الرُّشْدِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ الْإِذْنُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ مِنْ دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ فِي شَيْءٍ; لِأَنَّ الْإِذْنَ هُوَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَى, وَذَلِكَ مُمْكِنٌ بِغَيْرِ مَالٍ فِي يَدِهِ كَمَا يَأْذَنُ لِلْعَبْدِ فِي التِّجَارَةِ مِنْ غَيْرِ مَالٍ يَدْفَعُهُ إلَيْهِ; فَنَقُولُ: إنَّ الْآيَةَ اقْتَضَتْ الْأَمْرَ بِابْتِلَائِهِ, وَمِنْ الِابْتِلَاءِ الْإِذْنُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ مَالًا, ثُمَّ إذَا بَلَغَ وَقَدْ أُونِسَ مِنْهُ رُشْدُهُ دُفِعَ الْمَالُ إلَيْهِ, وَلَوْ كَانَ الِابْتِلَاءُ لَا يَقْتَضِي اخْتِبَارَهُ بِالْإِذْنِ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي الشِّرَى وَالْبَيْعِ وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِبَارُ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءِ حَالٍ فِي ضَبْطِهِ وَعِلْمِهِ بِالتَّصَرُّفِ لِمَا كَانَ لِلِابْتِلَاءِ وَجْهٌ قَبْلَ الْبُلُوغِ; فَلَمَّا أَمَرَ بِذَلِكَ قَبْلَ الْبُلُوغِ عَلِمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ اخْتِبَارُ أَمْرِهِ بِالتَّصَرُّفِ, وَلِأَنَّ اخْتِبَارَ صِحَّةِ عَقْلِهِ لَا يُنَبِّئُ عَنْ ضَبْطِهِ لِأُمُورِهِ وَحِفْظِهِ لِمَالِهِ وَعِلْمِهِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَى, وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالِاحْتِيَاطِ لَهُ فِي اسْتِبْرَاءِ أَمْرِهِ فِي حِفْظِ الْمَالِ وَالْعِلْمِ بِالتَّصَرُّفِ, فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِابْتِلَاءُ الْمَأْمُورُ بِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ مَأْمُورًا بِذَلِكَ لَا لِاخْتِبَارِ صِحَّةِ عَقْلِهِ فَحَسْبُ. وَأَيْضًا فَإِنْ لَمْ يَجُزْ الْإِذْنُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ قَبْلَ الْبُلُوغِ; لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فَالِابْتِلَاءُ إذًا سَاقِطٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ, فَلَا يَخْلُو بَعْدَ الْبُلُوغِ مَتَى أَرَدْنَا التَّوَصُّلَ إلَى إينَاسِ رُشْدِهِ مِنْ أَنْ نَخْتَبِرَهُ بِالْإِذْنِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ لَا نَخْتَبِرُهُ بِذَلِكَ, فَإِنْ وَجَبَ اخْتِبَارُهُ فَقَدْ أَجَزْت لَهُ التَّصَرُّفَ وَهُوَ عِنْدَك مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ إلَى إينَاسِ الرُّشْدِ, فَإِنْ جَازَ الْإِذْنُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَهُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَقَدْ أَخْرَجْته مِنْ الْحَجْرِ وَإِنْ لَمْ يُخْرَجْ مِنْ الْحَجْرِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَهُوَ مَأْذُونٌ لَهُ, فَهَلَّا أَذِنْت لَهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ فِي التِّجَارَةِ لِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِ كَمَا يُسْتَبْرَأُ حَالُهُ بِالْإِذْنِ بَعْدَ الْبُلُوغِ مَعَ بَقَاءِ الْحَجْرِ إلَى إينَاسِ الرُّشْدِ وَإِنْ لَمْ يُسْتَبْرَأْ حَالُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ بِالْإِذْنِ فَكَيْفَ يُعْلَمُ إينَاسُ الرُّشْدِ مِنْهُ؟ فَقَوْلُ الْمُخَالِفِ لَا يَخْلُو مِنْ تَرْكِ الِابْتِلَاءِ أَوْ دَفْعِ الْمَالِ قَبْلَ إينَاسِ الرُّشْدِ. وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْإِذْنِ لِلصَّغِيرِ فِي التِّجَارَةِ مَا رُوِيَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ صَغِيرٌ بِتَزْوِيجِ أُمِّ سَلَمَةَ إيَّاهُ, وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: أَنَّهُ أَمَرَ سَلَمَةَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ بِذَلِكَ وَهُوَ صَغِيرٌ, وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِذْنِ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ الذي يملكه

стр. 1026

عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَى; أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقْتَضِي جَوَازَ تَوْكِيلِ الْأَبِ إيَّاهُ بِشِرَى عَبْدٍ لِلصَّغِيرِ أَوْ بَيْعِ عَبْدٍ لَهُ؟ هَذَا هُوَ مَعْنَى الْإِذْنِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ. وَأَمَّا تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ عَلَى اخْتِبَارِهِمْ فِي عُقُولِهِمْ وَدِينِهِمْ, فَإِنَّ اعْتِبَارَ الدِّينِ فِي دَفْعِ الْمَالِ غَيْرُ وَاجِبٍ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَجُلًا فَاسِقًا ضَابِطًا لِأُمُورِهِ عَالِمًا بِالتَّصَرُّفِ فِي وُجُوهِ التِّجَارَاتِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُمْنَعَ مَالَهُ لِأَجْلِ فِسْقِهِ, فَعَلِمْنَا أَنَّ اعْتِبَارَ الدِّينِ فِي ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ; وَإِنْ كَانَ رَجُلًا ذَا دِينٍ وَصَلَاحٍ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ ضَابِطٍ لِمَالِهِ يَغْبِنُ فِي تَصَرُّفِهِ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ مَالِهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْحَجْرِ لِقِلَّةِ الضَّبْطِ وَضَعْفِ الْعَقْلِ, فَعَلِمْنَا أَنَّ اعْتِبَارَ الدِّينِ فِي ذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ فَإِنْ ابْنَ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدًا وَالسُّدِّيَّ قَالُوا: "هُوَ الْحُلُمُ" وهو بلوغ حال النكاح من الاحتلام.

стр. 1027

مطلب في تفسير الرشد وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً﴾ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: "فَإِنْ عَلِمْتُمْ مِنْهُمْ ذَلِكَ". وَقِيلَ: إنَّ أَصْلَ الْإِينَاسِ هُوَ الْإِحْسَاسُ, حُكِيَ عَنْ الْخَلِيلِ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَاراً﴾ [طه: ١٠] يَعْنِي أَحْسَسْتهَا وَأَبْصَرْتهَا. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الرُّشْدِ هَهُنَا, فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ: "الصَّلَاحُ فِي الْعَقْلِ" وَحِفْظِ الْمَالِ". وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: "الصَّلَاحُ فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ". وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَمُجَاهِدٌ: "الْعَقْلُ". وَرَوَى سِمَاكٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً﴾ قَالَ: "إذَا أَدْرَكَ بِحُلُمٍ وَعَقْلٍ وَوَقَارٍ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إذَا كَانَ اسْمُ الرُّشْدِ يَقَعُ عَلَى الْعَقْلِ لِتَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَيْهِ, وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ رُشْدًا مَنْكُورًا وَلَمْ يَشْرُطْ سَائِرَ ضُرُوبِ الرُّشْدِ, اقْتَضَى ظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّ حُصُولَ هَذِهِ الصِّفَةِ لَهُ بِوُجُودِ الْعَقْلِ مُوجِبًا لِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ وَمَانِعًا مِنْ الْحَجْرِ عَلَيْهِ; فَهَذَا يُحْتَجُّ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي إبْطَالِ الْحَجْرِ عَلَى الْحُرِّ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ, وَهُوَ مَذْهَبُ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَأَبِي حَنِيفَةَ; وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي سُورَةِ البقرة. وقوله تعالى: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَإِينَاسِ الرُّشْدِ عَلَى مَا بَيَّنَّا, وَهُوَ نَظِيرُ قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ وَهَذِهِ الشَّرِيطَةُ مُعْتَبَرَةٌ فِيهَا أَيْضًا, وَتَقْدِيرُهُ: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ إذَا بَلَغُوا وَآنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا.

стр. 1028

مطلب في أن السرف مجاوزة حد المباح إلى المحظور من إفراط أو تقصير وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ فَإِنَّ السَّرَفَ مُجَاوَزَةُ حَدِّ الْمُبَاحِ إلَى الْمَحْظُورِ, فَتَارَةً يَكُونُ السَّرَفُ فِي التَّقْصِيرِ وَتَارَةً فِي الْإِفْرَاطِ لِمُجَاوَزَةِ حَدِّ الْجَائِزِ فِي الْحَالَيْنِ. وقَوْله تعالى: ﴿وَبِدَاراً﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: "مُبَادَرَةً" وَالْمُبَادَرَةُ الْإِسْرَاعُ فِي الشَّيْءِ, فَتَقْدِيرُهُ النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِهِمْ مُبَادَرَةً أَنْ يَكْبَرُوا فَيُطَالِبُوا بِأَمْوَالِهِمْ. وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا صَارَ فِي حَدِّ الْكِبَرِ اسْتَحَقَّ الْمَالَ إذَا كَانَ عَاقِلًا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ إينَاسِ الرُّشْدِ; لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِطَ إينَاسُ الرُّشْدِ بَعْدَ الْبُلُوغِ, وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إمْسَاكُ مَالِهِ بَعْدَمَا يَصِيرُ فِي حَدِّ الْكِبَرِ, وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ لِذِكْرِ الْكِبَرِ هَهُنَا مَعْنًى; إذْ كَانَ الْوَالِي عَلَيْهِ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِمَالِهِ قَبْلَ الْكِبَرِ وَبَعْدَهُ, فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا صَارَ فِي حَدِّ الْكِبَرِ اسْتَحَقَّ دَفْعَ الْمَالِ إلَيْهِ. وَجَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ حَدَّ الْكِبَرِ فِي ذَلِكَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً; لِأَنَّ مِثْلَهُ يَكُونُ جَدًّا, وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ جَدًّا وَلَا يَكُونُ فِي حَدِّ الْكِبَارِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1029

بَابُ أَكْلِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي تَأْوِيلِهِ, فَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إنَّ فِي حِجْرِي أَيْتَامًا لَهُمْ أَمْوَالٌ, وَهُوَ يَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يُصِيبَ مِنْهَا, فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَسْت تَهْنَأُ جَرْبَاءَهَا؟ قَالَ: بَلَى, قَالَ: أَلَسْت تَبْغِي ضَالَّتَهَا؟ قَالَ: بَلَى, قَالَ: أَلَسْت تَلُوطُ حِيَاضَهَا؟ قَالَ: بَلَى, قَالَ: أَلَسْت تَفْرُطُ عَلَيْهَا يَوْمَ وُرُودِهَا؟ قَالَ: بَلَى, قَالَ: فَاشْرَبْ مِنْ لَبَنِهَا غَيْرَ نَاهِكٍ فِي الْحَلْبِ وَلَا مُضِرٍّ بِنَسْلٍ. وَرَوَى الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "الْوَصِيُّ إذَا احْتَاجَ وَضَعَ يَدَهُ مَعَ أَيْدِيهِمْ وَلَا يَكْتَسِي عِمَامَةً". فَشَرَطَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَمَلَهُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ فِي إبَاحَةِ الْأَكْلِ, وَلَمْ يَشْرُطْ فِي حَدِيثِ عِكْرِمَةَ. وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْخَيْرِ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ أَنَّهُ سَأَلَ أُنَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فَقَالُوا: فِينَا نَزَلَتْ, إنَّ الْوَصِيَّ كَانَ إذَا عَمِلَ فِي نَخْلِ الْيَتِيمِ كَانَتْ يَدُهُ مَعَ أَيْدِيهِمْ. وَقَدْ طُعِنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ سَنَدِهِ, وَيَفْسُدُ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَوْ أُبِيحَ لَهُمْ الْأَكْلُ لِأَجْلِ عَمَلِهِمْ لَمَا

стр. 1030

اخْتَلَفَ فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ, فَعَلِمْنَا أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ سَاقِطٌ. وَأَيْضًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إبَاحَةُ الْأَكْلِ دُونَ أَنْ يَكْتَسِيَ مِنْهُ عِمَامَةً, وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَحِقًّا لِعَمَلِهِ لَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ حُكْمُ الْمَأْكُولِ وَالْمَلْبُوسِ, فَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ الَّتِي تَأَوَّلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَهُوَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْأَكْلِ فَحَسْبُ إذَا عَمِلَ لِلْيَتِيمِ. وَقَالَ آخَرُونَ: "يَأْخُذُهُ قَرْضًا ثُمَّ يَقْضِيهِ". وَرَوَى شَرِيكٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ: "إنِّي أَنْزَلْت مَالَ اللَّهِ تَعَالَى مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْيَتِيمِ, إنْ اسْتَغْنَيْت اسْتَعْفَفْت وَإِنْ افْتَقَرْت أَكَلْت بِالْمَعْرُوفِ وَقَضَيْت". وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَأَبِي وَائِلٍ وَمُجَاهِدٍ مِثْلُ ذَلِكَ, وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ قَرْضًا ثُمَّ يَقْضِيهِ إذَا وَجَدَ. وَقَوْلٌ ثَالِثٌ: قَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمَكْحُولٌ: "إنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُ مَا يَسُدُّ الْجَوْعَةَ وَيُوَارِي الْعَوْرَةَ وَلَا يَقْضِي إذَا وَجَدَ". وَقَوْلٌ رَابِعٌ: وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ يَتَنَاوَلُهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ, فَإِذَا أَيْسَرَ قَضَاهُ وَإِذَا لَمْ يُوسِرْ فَهُوَ فِي حِلٍّ. وَقَوْلٌ خَامِسٌ: وَهُوَ مَا رَوَى مِقْسَمٌ عن ابن عباس: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ قَالَ: بِغِنَاهُ ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ: فَلْيُنْفِقْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِهِ حَتَّى لَا يُصِيبَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ شَيْئًا; حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَسَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَى ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْهُ أَنَّهُ يَقْضِي. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَحَصَلَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ السَّلَفِ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ; وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا: أَحَدُهَا: أَنَّهُ إذَا عَمِلَ لِلْيَتِيمِ فِي إبِلِهِ شَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا, وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَقْضِي, وَالثَّالِثَةُ: لَا يُنْفِقُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ يَقُوتُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِهِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إلَى مَالِ الْيَتِيمِ, وَالرَّابِعَةُ: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ. وَاَلَّذِي نَعْرِفُهُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ قَرْضًا وَلَا غَيْرَهُ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا, وَلَا يُقْرِضُهُ غَيْرَهُ أَيْضًا. وَقَدْ رَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَمَّا نَحْنُ فَلَا نُحِبُّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ شَيْئًا قَرْضًا وَلَا غَيْرَهُ, وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا. وَرَوَى مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْآثَارِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "لَا يَأْكُلُ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ قَرْضًا وَلَا غَيْرَهُ", وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ; وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَأْخُذُ قَرْضًا إذَا احْتَاجَ ثُمَّ يَقْضِيهِ, كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَمَنْ تَابَعَهُ. وَرَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: "أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ إذَا كَانَ مُقِيمًا, فَإِنْ خَرَجَ لِتَقَاضِي دَيْنٍ لَهُمْ أَوْ إلَى ضِيَاعٍ لَهُمْ فَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ وَيَكْتَسِيَ وَيَرْكَبَ, فَإِذَا رَجَعَ رَدَّ الثِّيَابَ وَالدَّابَّةَ إلَى الْيَتِيمِ" قَالَ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: وقوله تعالى:

стр. 1031

﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يجوز أن يكون منسوخا بقوله تعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . قَالَ أَبُو بَكْرٍ: جَعَلَ أَبُو يُوسُفَ الْوَصِيَّ فِي هَذِهِ الْحَالِ كَالْمُضَارِبِ فِي جَوَازِ النَّفَقَةِ مِنْ مَالِهِ فِي السَّفَرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ: "وَمَنْ كَانَ لَهُ يَتِيمٌ فَخَلَطَ نَفَقَتَهُ بِمَالِهِ فَإِنْ كَانَ الَّذِي يُصِيبُ الْيَتِيمَ أَكْثَرَ مِمَّا يُصِيبُ وَلِيَّهُ مِنْ نَفَقَتِهِ فَلَا بَأْسَ, وَإِنْ كَانَ الْفَضْلُ لِلْيَتِيمِ فَلَا يَخْلِطُهُ" وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ. وَقَالَ الْمُعَافَى عَنْ الثَّوْرِيِّ: "يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يَأْكُلَ طَعَامَ الْيَتِيمِ وَيُكَافِئَهُ عَلَيْهِ"; وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ لَهُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ مِنْ مَالِهِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: "لَا يُعْجِبْنِي أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْ مَالِهِ بِشَيْءٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْيَتِيمِ فِيهِ ضَرَرٌ, نَحْوُ اللَّوْحِ يَكْتُبُ فِيهِ". وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: "يَسْتَقْرِضُ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ ثُمَّ يَقْضِيهِ, وَيَأْكُلُ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ فِيهِ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالصَّبِيِّ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٢٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وَهَذِهِ الْآيُ مُحْكَمَةٌ حَاظِرَةٌ لِمَالِ الْيَتِيمِ عَلَى وَلِيِّهِ فِي حَالِ الْغِنَى وَالْفَقْرِ, وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ مُتَشَابِهٌ مُحْتَمِلٌ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا; فَأَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِهَا حَمْلُهَا عَلَى مُوَافَقَةِ الْآيِ الْمُحْكَمَةِ, وَهُوَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ بِالْمَعْرُوفِ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى مَالِ الْيَتِيمِ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَنَا بِرَدِّ الْمُتَشَابِهِ إلَى الْمُحْكَمِ وَنَهَانَا عَنْ اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهِ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ لَهُ إلَى الْمُحْكَمِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] وَتَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ مَالِ الْيَتِيمِ قَرْضًا أَوْ غَيْرَ قَرْضٍ مُخَالِفٌ لِمَعْنَى الْمُحْكَمِ, وَمَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ رَدَّهُ إلَى الْمُحْكَمِ وَحَمَلَهُ عَلَى مَعْنَاهُ فَهُوَ أَوْلَى. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ: قَوْله تَعَالَى ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ مَنْسُوخٌ رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ عَطِيَّةَ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي تَلِيهَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ . وَرَوَى عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ. وَرَوَى عِيسَى بْنُ عُبَيْدِ الْكِنْدِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ الضَّحَّاكِ بْن مُزَاحِمٍ فِي قَوْله تعالى:

стр. 1032

﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ فَإِنْ قِيلَ: رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَيْسَ لِي مَالٌ وَلِي يَتِيمٌ؟ فَقَالَ: "كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِك غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُتَأَثِّلٍ مَالَك بِمَالِهِ" وَرَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ الْحَسَنِ الْعَوْفِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْكُلُ وَلِيُّ الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مِنْهُ مَالًا". قِيلَ لَهُ: غَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ بِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْآيِ الْمُقْتَضِيَةِ لِحَظْرِ مَالِ الْيَتِيمِ; فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ, وَهُوَ أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً فَيَأْخُذَ مِنْهُ مِقْدَارَ رِبْحِهِ, وَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَنَا, وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ نَحْوُ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنْ جَازَ أَنْ يَأْخُذَ رِبْحَ مَالِ الْيَتِيمِ إذَا عَمِلَ بِهِ مُضَارَبَةً, فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِهِ إذَا عَمِلَ فِيهِ كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ يَهْنَأُ جَرْبَاءَ الْإِبِلِ وَيَبْغِي ضَالَّتَهَا وَيَلُوطُ حِيَاضَهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ وَلَا نَاهِكٍ حَلْبًا؟ وَكَمَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ الْوَصِيَّ كَانَ إذَا عَمِلَ فِي نَخْلِ الْيَتِيمِ كَانَتْ يَدُهُ مَعَ أَيْدِيهِمْ; قِيلَ لَهُ: لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو الْوَصِيُّ إذَا أَعَانَ فِي الْإِبِلِ وَعَمِلَ فِي النَّخْلِ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَأْخُذَهُ عَلَى وَجْهِ الْأُجْرَةِ لِعَمَلِهِ, أَوْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْأُجْرَةِ وَالْعِوَضِ مِنْ الْعَمَلِ, فَإِنْ كَانَ يَأْخُذُهُ عَلَى وَجْهِ الْأُجْرَةِ فَذَلِكَ يَفْسُدُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الَّذِينَ أَبَاحُوا ذَلِكَ لَهُ إنَّمَا أَبَاحُوهُ فِي حَالِ الْفَقْرِ; إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ الْغَنِيَّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ, وَهُوَ نَصُّ الْكِتَابِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ وَاسْتِحْقَاقُ الْأُجْرَةِ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ, فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ نَفْسَهُ لِلْيَتِيمِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الَّذِينَ أَبَاحُوا ذَلِكَ لَمْ يَشْرُطُوا لَهُ شَيْئًا مَعْلُومًا, وَالْإِجَارَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ. وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ مَنْ أَبَاحَ ذَلِكَ لَهُ لَمْ يَجْعَلْهُ أُجْرَةً, فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أُجْرَةً, وَلَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ رِبْحِ الْمُضَارَبَةِ إذَا عَمِلَ بِهِ الْوَصِيُّ; لِأَنَّ الرِّبْحَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْمَالِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مَالًا لِلْيَتِيمِ, أَلَا تَرَى أَنَّ مَا يَشْرُطُهُ رَبُّ الْمَالِ لِلْمُضَارِبِ مِنْ الرِّبْحِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مِلْكًا لِرَبِّ الْمَالِ, وَلَوْ كَانَ مِلْكًا لِرَبِّ الْمَالِ مَشْرُوطًا لِلْمُضَارِبِ بَدَلًا مِنْ عَمَلِهِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ كَالْأُجْرَةِ الَّتِي هِيَ مُسْتَحَقَّةٌ مِنْ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ بَدَلًا مِنْ عَمَلِ الْأَجِيرِ هِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؟ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ الرِّبْحُ الْمَشْرُوطُ لِلْمُضَارِبِ مَضْمُونًا عَلَى رَبِّ الْمَالِ ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مِلْكًا لِرَبِّ الْمَالِ, وَأَنَّهُ إنَّمَا حَدَثَ عَلَى مِلْكِ الْمُضَارِبِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَرِيضًا لَوْ دَفَعَ مَالًا مُضَارَبَةً وَشَرَطَ لِلْمُضَارِبِ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الرِّبْحِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ رِبْحِ مِثْلِهِ, أَنَّ ذَلِكَ جائز, ولم

стр. 1033

يُحْتَسَبْ بِالْمَشْرُوطِ لِلْمُضَارِبِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الْمَرِيضِ إنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ, وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الثُّلُثِ; فَلَيْسَ إذًا فِي أَخْذِهِ رِبْحُ الْمُضَارَبَةِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ. فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا كَانَ الْوَصِيُّ فِي ذَلِكَ كَسَائِرِ الْعُمَّالِ وَالْقُضَاةِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ وَيَأْخُذُونَ أَرْزَاقَهُمْ لِأَجْلِ عَمَلِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ فَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ إذَا عَمِلَ لِلْيَتِيمِ جَازَ لَهُ أَخْذُ رِزْقِهِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ. قِيلَ لَهُ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ لِأَجْلِ عَمَلِهِ إذَا كَانَ غَنِيًّا, وَقَدْ حَظَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ نَصُّ التَّنْزِيلِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ وَلَا خِلَافَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ الْقُضَاةَ وَالْعُمَّالَ جَائِزٌ لَهُمْ أَخْذُ أَرْزَاقِهِمْ مَعَ الْغِنَى; فَلَوْ كَانَ مَا أَخَذَهُ وَلِيُّ الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ يَجْرِي مَجْرَى رِزْقِ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ فِي حَالِ الْغِنَى, فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ وَلِيَّ الْيَتِيمِ لَا يَسْتَحِقُّ رِزْقًا مِنْ مَالِهِ; وَلَا خِلَافَ أَيْضًا أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ شَيْئًا وَإِلَيْهِ الْقِيَامُ بِأَمْرِ الْأَيْتَامِ, فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ سَائِرَ النَّاسِ مِمَّنْ لَهُمْ الْوِلَايَةُ عَلَى الْأَيْتَامِ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ لَا قَرْضًا وَلَا غَيْرَهُ كَمَا لَا يَأْخُذُهُ الْقَاضِي فَقِيرًا كَانَ أَوْ غَنِيًّا. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ رِزْقِ الْقَاضِي وَالْعَامِلِ وَبَيْنَ أَخْذِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ مِقْدَارَ الْكِفَايَةِ وَبَيْنَ أَخْذِ الْأُجْرَةِ؟ قِيلَ لَهُ: إنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ بِأُجْرَةٍ لِشَيْءٍ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وَلِكُلِّ مَنْ قَامَ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ, أَلَا تَرَى أَنَّ الْفُقَهَاءَ لَهُمْ أَخْذُ الْأَرْزَاقِ وَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ؟ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُمْ بِالْفُتْيَا وَتَفْقِيهِ النَّاسِ فَرْضٌ, وَلَا جَائِزَ لِأَحَدٍ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْفُرُوضِ, وَالْمُقَاتَلَةِ وَذُرِّيَّتُهَا يَأْخُذُونَ الْأَرْزَاقَ وَلَيْسَتْ بِأُجْرَةٍ, وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ; وَقَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ سَهْمٌ مِنْ الْخُمْسِ وَالْفَيْءِ وَسَهْمٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ إذَا حَضَرَ الْقِتَالَ, وَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كَانَ يَأْخُذُ الْأَجْرَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يَقُومُ بِهِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ, وَكَيْفَ يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦] ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ بِأُجْرَةٍ. وَيَدُلُّك عَلَى هَذَا أَنَّهُ قَدْ تَجِبُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَيْتَامِ فِي بَيْتِ الْمَالِ الْحُقُوقُ وَلَا يَأْخُذُونَهَا بَدَلًا مِنْ شَيْءٍ, فَأَخْذُ الْأُجْرَةِ لِلْقَاضِي وَلِمَنْ قَامَ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ غَيْرُ جَائِزٍ, وَقَدْ مُنِعَ الْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ. وَسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] أَهْوَ الرِّشَا؟ قَالَ: "لَا, ذَاكَ كُفْرٌ إنَّمَا هُوَ هَدَايَا الْعُمَّالِ"; وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ". فَالْقَاضِي مَمْنُوعٌ مِنْ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْقَضَاءِ وَمَحْظُورٌ عَلَيْهِ قَبُولُ الْهَدَايَا; وَتَأَوَّلَهَا السَّلَفُ عَلَى أَنَّهَا السُّحْتُ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَوَلِيُّ الْيَتِيمِ لَا يَخْلُو فِيمَا

стр. 1034

يَأْخُذُهُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ مِنْ أَنْ يَأْخُذَهُ أُجْرَةً أَوْ عَلَى سَبِيلِ رِزْقِ الْقَاضِي وَالْعَامِلِ, وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأُجْرَةَ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ وَمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَأَجْرٍ مَعْلُومٍ, وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَقَدَّمَ لَهُ عَقْدُ إجَارَةٍ وَيَسْتَوِي فِيهَا الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ, وَمَنْ يُجِيزُ لَهُ أَخْذَ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ عَلَى وَجْهِ الْقَرْضِ أَوْ عَلَى جِهَةٍ غَيْرِ الْقَرْضِ فَإِنَّهُ لَا يَجْعَلُهُ أُجْرَةً كَمَا ذَكَرْنَا وَلِاخْتِلَافِ حُكْمِ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ عِنْدَهُمْ فِيهِ; فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِأُجْرَةٍ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَأْخُذُهُ الْقُضَاةُ مِنْ الْأَرْزَاقِ لِاسْتِوَاءِ حَالِ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ مِنْ الْقَضَاءِ فِيمَا يَأْخُذُونَهُ مِنْ الْأَرْزَاقِ, وَاخْتِلَافُ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ عِنْدَ مُجِيزِي أَخْذِ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَلِأَنَّ الرِّزْقَ إنَّمَا يَجِبُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لَا فِي مَالِ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ مِنْ النَّاسِ. فَالْمُشْبِهُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ فِيمَا يُجِيزُ لَهُ أَخْذَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ بِالْقَاضِي وَالْأَجِيرِ فِيمَا يَأْخُذُ أَنَّهُ مُغْفِلٌ لِلْوَاجِبِ عَلَيْهِ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَلِيَّ الْيَتِيمِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَنَائِمِ خَيْبَرَ: "لَا يَحِلُّ لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِثْلُ هَذِهِ" يَعْنِي وَبَرَةً أَخَذَهَا مِنْ بَعِيرِهِ "إلَّا الْخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ". فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا يَتَوَلَّاهُ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا ذَكَرْنَا, فَالْوَصِيُّ فِيمَا يَتَوَلَّاهُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ. وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ دُخُولُ الْوَصِيِّ فِي الْوَصِيَّةِ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ أُجْرَةً, كَانَ بِمَنْزِلِ الْمُسْتَبْضَعِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ قَرْضًا وَلَا غَيْرَهُ كَمَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمُسْتَبْضَعِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْآيَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي أَمْرِ الْأَيْتَامِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَبِيلَ الْأَيْتَامِ أَنْ يَلِيَ عَلَيْهِمْ غَيْرَهُمْ فِي حِفْظِ أَمْوَالِهِمْ وَالتَّصَرُّفِ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ وَصِيُّ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ إنْ لَمْ يَكُنْ وَصِيُّ أَبٍ, أَوْ وَصِيُّ الْجَدِّ إنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ, أَوْ أَمِينُ حَاكِمٍ عَدْلٍ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْأَمِينُ أَيْضًا عَدْلًا; وَكَذَلِكَ شَرْطُ الْأَوْصِيَاءِ وَالْجَدِّ وَالْأَبِ وَكُلِّ مَنْ يَتَصَرَّفُ عَلَى الصَّغِيرِ لَا يَسْتَحِقُّ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدْلًا مَأْمُونًا. فَأَمَّا الْفَاسِقُ وَالْمُتَّهَمُ مِنْ الْآبَاءِ وَالْمُرْتَشِي مِنْ الْحُكَّامِ وَالْأَوْصِيَاءِ وَالْأُمَنَاءِ غَيْرِ الْمَأْمُونِينَ فَإِنَّ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ التَّصَرُّفُ عَلَى الصَّغِيرِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ نَعْلَمُهُ, أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا فَسَقَ بِأَخْذِ الرِّشَا أَوْ مَيْلٍ إلَى هَوًى وَتَرَكَ الْحُكْمَ أَنَّهُ مَعْزُولٌ غَيْرُ جَائِزِ الْحُكْمِ؟ فَكَذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ فِيمَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَى أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ مِنْ قَاضٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ أَمِينٍ أَوْ حَاكِمٍ, فَغَيْرُ جَائِزٍ ثُبُوتُ وِلَايَتِهِ فِي ذَلِكَ إلَّا عَلَى شَرْطِ الْعَدَالَةِ وَصِحَّةِ الْأَمَانَةِ. وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ أَوْلِيَاءَ الْأَيْتَامِ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ بِمَا يَدْفَعُونَ إلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ; وَفِي ذَلِكَ ضُرُوبٌ مِنْ الْأَحْكَامِ: أَحَدُهَا: الِاحْتِيَاطُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْيَتِيمِ وَوَالِي مَالِهِ, فَأَمَّا الْيَتِيمُ فَلِأَنَّهُ إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِقَبْضِ الْمَالِ كَانَ أَبْعَدَ مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ مَا لَيْسَ لَهُ, وَأَمَّا الْوَصِيُّ فَلَأَنْ يبطل دعوى

стр. 1035

الْيَتِيمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهِ, كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِشْهَادِ عَلَى الْبُيُوعِ احْتِيَاطًا لِلْمُتَبَايِعِينَ. وَوَجْهٌ آخَرُ فِي الْإِشْهَادِ: وَهُوَ أَنَّهُ يُظْهِرُ أَدَاءَ أَمَانَتِهِ وَبَرَاءَةَ سَاحَتِهِ, كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُلْتَقِطَ بِالْإِشْهَادِ عَلَى اللُّقَطَةِ فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوِي عَدْلٍ وَلَا يَكْتُمْ وَلَا يُغَيِّبْ" , فَأَمَرَهُ بِالْإِشْهَادِ لِتَظْهَرَ أَمَانَتُهُ وتزول عنه التهمة; والله الموفق

стр. 1036

ذِكْرِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي تَصْدِيقِ الْوَصِيِّ عَلَى دَفْعِ الْمَالِ إلَى الْيَتِيمِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ فِي الْوَصِيِّ إذَا ادَّعَى بَعْدَ بُلُوغِ الْيَتِيمِ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ الْمَالَ إلَيْهِ: "إنَّهُ يُصَدَّقُ" وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْفَقْت عَلَيْهِ فِي صِغَرِهِ, صُدِّقَ فِي نَفَقَةِ مِثْلِهِ, وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: هَلَكَ الْمَالُ; وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ: "لَا يُصَدَّقُ الْوَصِيُّ أَنَّهُ دَفَعَ الْمَالَ إلَى الْيَتِيمِ" وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ, قَالَ: "لِأَنَّ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ غَيْرُ الَّذِي ائْتَمَنَهُ كَالْوَكِيلِ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى غَيْرِهِ لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ" وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَيْسَ فِي الْأَمْرِ بِالْإِشْهَادِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ أَمِينٍ وَلَا مُصَدَّقٍ فِيهِ; لِأَنَّ الْإِشْهَادَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فِي الْأَمَانَاتِ كَهُوَ فِي الْمَضْمُونَاتِ, أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ الْإِشْهَادُ عَلَى رَدِّ الْأَمَانَاتِ مِنْ الْوَدَائِعِ كَمَا يَصِحُّ فِي أَدَاءِ الْمَضْمُونَاتِ مِنْ الدُّيُونِ؟ فَإِذًا لَيْسَ فِي الْأَمْرِ بِالْإِشْهَادِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ فِيهِ إذَا لَمْ يُشْهِدْ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ مُصَدَّقًا فِي الرَّدِّ فَمَا مَعْنَى الْإِشْهَادِ مَعَ قَبُولِ قَوْلِهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ قِيلَ لَهُ: فِيهِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنْ ظُهُورِ أَمَانَتِهِ وَالِاحْتِيَاطِ لَهُ فِي زَوَالِ التُّهْمَةِ عَنْهُ فِي أَنْ لَا يُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ مَا قَدْ ظَهَرَ رَدُّهُ, وَفِيهِ الِاحْتِيَاطُ لِلْيَتِيمِ فِي أَنْ لَا يَدَّعِيَ مَا يَظْهَرُ كَذِبُهُ فِيهِ, وَفِيهِ أَيْضًا سُقُوطُ الْيَمِينِ عَنْ الْوَصِيِّ إذَا كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ فِي دَفْعِهِ إلَيْهِ; وَلَوْ لَمْ يُشْهِدْ وَادَّعَى الْيَتِيمُ أَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَصِيِّ مَعَ يَمِينِهِ, وَإِذَا أَشْهَدَ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ. فَهَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا مُضَمَّنَةٌ بِالْإِشْهَادِ وَإِنْ كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِيهِ بِغَيْرِ إشْهَادٍ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهِ وَإِمْسَاكِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ حَتَّى يُوصِلَهُ إلَى الْيَتِيمِ فِي وَقْتِ اسْتِحْقَاقِهِ, فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَدَائِعِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا مِنْ الْأَمَانَاتِ, فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُصَدَّقًا عَلَى الرَّدِّ كَمَا يُصَدَّقُ عَلَى رَدِّ الْوَدِيعَةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أَمَانَةٌ أَنَّ الْيَتِيمَ لَوْ صَدَّقَهُ عَلَى الْهَلَاكِ لَمْ يُضَمِّنْهُ, كَمَا أَنَّ الْمُودِعَ إذَا صَدَّقَ الْمُودَعَ فِي هَلَاكِ الْوَدِيعَةِ لَمْ يُضَمِّنْهُ. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: "إنَّهُ لَمَّا لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ الْأَيْتَامُ لَمْ يُصَدَّقُوا". فَقَوْلٌ ظَاهِرُ الِاخْتِلَالِ بَعِيدٌ مِنْ مَعَانِي الفقه منتقض

стр. 1037

فَاسِدٌ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ عِلَّةً لِنَفْيِ التَّصْدِيقِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يُصَدَّقَ الْقَاضِي إذَا قَالَ لِلْيَتِيمِ: قَدْ دَفَعْته إلَيْك; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنْهُ. وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْأَبِ إذَا قَالَ بَعْدَ بُلُوغِ الصَّغِيرِ: "قَدْ دَفَعْت إلَيْك مَالَك" أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنْهُ, وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهِمْ الضَّمَانَ إذَا تَصَادَقُوا بَعْدَ الْبُلُوغِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ; لِأَنَّهُ أَمْسَكَ مَالَهُ مِنْ غَيْرِ ائْتِمَانٍ لَهُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا تَشْبِيهُهُ إيَّاهُ بِالْوَكِيلِ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى غَيْرِهِ فَتَشْبِيهٌ بَعِيدٌ, وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي صَدَّقْنَا فِيهِ الْوَصِيُّ; لِأَنَّ الْوَكِيلَ مُصَدَّقٌ أَيْضًا فِي بَرَاءَةِ نَفْسِهِ غَيْرُ مُصَدَّقٍ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ وَدَفْعِهِ إلَى غَيْرِهِ, وَإِنَّمَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى الْمَأْمُورِ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ, فَأَمَّا فِي بَرَاءَةِ نَفْسِهِ فَهُوَ مُصَدَّقٌ كَمَا صَدَّقْنَا الْوَصِيَّ عَلَى الرَّدِّ بَعْدَ الْبُلُوغِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوَصِيَّ فِي مَعْنَى مَنْ يَتَصَرَّفُ عَلَى الْيَتِيمِ بِإِذْنِهِ, أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَى كَجَوَازِ تَصَرُّفِ أَبِيهِ؟ فَإِذَا كَانَ إمْسَاكُ الْوَصِيِّ الْمَالَ بِائْتِمَانِ الْأَبِ لَهُ عَلَيْهِ وَإِذْنِ الْأَبِ جَائِزٌ عَلَى الصَّغِيرِ صَارَ كَأَنَّهُ مُمْسِكٌ لَهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ بِإِذْنِهِ, فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُودَعِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الْآيَةَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ انْتَظَمَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عُمُومًا وَمُجْمَلًا, فَأَمَّا الْعُمُومُ فَقَوْلُهُ: "لِلرِّجَالِ وَلِلنِّسَاءِ" وقَوْله تَعَالَى: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ فَذَلِكَ عُمُومٌ فِي إيجَابِ الْمِيرَاثِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِنْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ, فَدَلَّ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ عَلَى إثْبَاتِ مَوَارِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ; لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَالْأَخْوَالَ وَأَوْلَادَ الْبَنَاتِ مِنْ الْأَقْرَبِينَ, فَوَجَبَ بِظَاهِرِ الْآيَةِ إثْبَاتُ مِيرَاثِهِمْ. إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قوله ﴿نَصِيبٌ﴾ مُجْمَلًا غَيْرَ مَذْكُورِ الْمِقْدَارِ فِي الْآيَةِ امْتَنَعَ اسْتِعْمَالُ حُكْمِهِ إلَّا بِوُرُودِ بَيَانٍ مِنْ غَيْرِهِ. إلَّا أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِظَاهِرِ الْآيَةِ فِي إثْبَاتِ مِيرَاثٍ لِذَوِي الْأَرْحَامِ سَائِغٌ, وَهَذَا مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] عَطْفًا عَلَى مَا قُدِّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ. فَهَذِهِ أَلْفَاظٌ قَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى الْعُمُومِ وَالْمُجْمَلِ, فَلَا يَمْنَعُ مَا فِيهَا مِنْ الْإِجْمَالِ مِنْ الِاحْتِجَاجِ بِعُمُومِهَا مَتَى اخْتَلَفْنَا فِيمَا انْتَظَمَهُ لَفْظُ الْعُمُومِ, وَهُوَ أَصْنَافُ الْأَمْوَالِ الْمُوجَبِ فِيهَا, وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ الِاحْتِجَاجُ بِمَا فِيهَا مِنْ الْمُجْمَلِ عِنْدَ اخْتِلَافِنَا فِي الْمِقْدَارِ الْوَاجِبِ; كَذَلِكَ مَتَى اخْتَلَفْنَا فِي الْوَرَثَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْمِيرَاثِ سَاغَ الِاحْتِجَاجُ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الْآيَةَ; وَمَتَى اخْتَلَفْنَا فِي الْمِقْدَارِ الْوَاجِبِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ احْتَجْنَا فِي إثْبَاتِهِ إلَى بَيَانٍ مِنْ غَيْرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا قَالَ: ﴿نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ وَلَمْ يَكُنْ لِذَوِي الْأَرْحَامِ نَصِيبٌ مَفْرُوضٌ

стр. 1038

عَلِمْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي مُرَادِ الْآيَةِ. قِيلَ لَهُ: مَا ذَكَرْت لَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ حُكْمِهَا وَكَوْنِهِمْ مُرَادِينَ بِهَا; لِأَنَّ الَّذِي يَجِبُ لِذَوِي الْأَرْحَامِ عِنْدَ مُوجِبِي مَوَارِيثِهِمْ هُوَ نَصِيبٌ مَفْرُوضٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ, وَهُوَ مَعْلُومٌ مُقَدَّرٌ كَأَنْصِبَاءِ ذَوِي السِّهَامِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ; وَإِنَّمَا أَبَانَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ نَصِيبًا مَفْرُوضًا غَيْرَ مَذْكُورِ الْمِقْدَارِ فِي الْآيَةِ; لِأَنَّهُ مُؤْذِنٌ بِبَيَانٍ وَتَقْدِيرٍ مَعْلُومٍ لَهُ يَرِدُ فِي التَّالِي فَكَمَا وَرَدَ الْبَيَانُ فِي نَصِيبِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَوْلَادِ وَذَوِي السِّهَامِ بَعْضُهَا بِنَصِّ التَّنْزِيلِ وَبَعْضُهَا بِنَصِّ السُّنَّةِ وَبَعْضُهَا بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَبَعْضُهَا بِالْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ; كَذَلِكَ قَدْ وَرَدَ بَيَانُ أَنْصِبَاءِ ذَوِي الْأَرْحَامِ بَعْضُهَا بِالسُّنَّةِ وَبَعْضُهَا بِدَلِيلِ الْكِتَابِ وَبَعْضُهَا بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ مِنْ حَيْثُ أَوْجَبَتْ الْآيَةُ لِذَوِي الْأَرْحَامِ أَنْصِبَاءَ, فَلَمْ يَجُزْ إسْقَاطُ عُمُومِهَا فِيهِمْ وَوَجَبَ تَوْرِيثُهُمْ بِهَا. ثُمَّ إذَا اسْتَحَقُّوا الْمِيرَاثَ بِهَا كَانَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ النَّصِيبِ الْمَفْرُوضِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَائِلُونَ بِتَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ فِيهِمْ, فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا مُخْتَلِفِينَ فِي بَعْضِهَا فَقَدْ اتَّفَقُوا فِي الْبَعْضِ, وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ لَمْ يَخْلُ مِنْ دَلِيلٍ لِلَّهِ تَعَالَى يَدُلُّ عَلَى حُكْمٍ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى سَبَبٍ, وَهُوَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُوَرِّثُونَ الذُّكُورَ دُونَ الْإِنَاثِ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ, وَقَالَ غَيْرُهُمَا: إنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَا تُوَرِّثُ إلَّا مَنْ طَاعَنَ بِالرُّمْحِ وَذَادَ عَنْ الْحَرِيمِ وَالْمَالِ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ إبْطَالًا لِحُكْمِهِمْ, فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ عُمُومِهَا فِي غَيْرِ مَا وَرَدَتْ فِيهِ. قِيلَ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي ذَكَرْت غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى الْأَوْلَادِ وَذَوِي السِّهَامِ مِنْ الْقَرَابَاتِ الَّذِينَ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَهُمْ فِي غَيْرِهَا, وَإِنَّمَا السَّبَبُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوَرِّثُونَ الذُّكُورَ دُونَ الْإِنَاثِ, وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا قَدْ كَانُوا يُوَرِّثُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنْ الرِّجَالِ دُونَ الْإِنَاثِ; فَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرْت إذًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ كَانَ تَوْرِيثَ الْأَوْلَادِ وَمَنْ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَوِي السِّهَامِ فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّهَا لَوْ نَزَلَتْ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَخْصِيصَ عُمُومِ اللَّفْظِ, بَلْ الْحُكْمُ لِلْعُمُومِ دُونَ السَّبَبِ عِنْدَنَا, فَنُزُولُهَا عَلَى سَبَبٍ وَنُزُولُهَا مُبْتَدَأَةً مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ سَوَاءٌ. وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ ذَكَرَ مَعَ الْأَوْلَادِ غَيْرَهُمْ مِنْ الْأَقْرَبِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ مِيرَاثَ الْأَوْلَادِ دُونَ سَائِرِ الْأَقْرَبِينَ. وَيُحْتَجُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي تَوْرِيثِ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مَعَ الْجَدِّ كَنَحْوِ احْتِجَاجِنَا بِهَا فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: مَعْلُومًا مُقَدَّرًا. وَيُقَالُ إنَّ أَصْلَ الْفَرْضِ الْحَزُّ فِي الْقِدَاحِ عَلَامَةً لَهَا يُمَيَّزُ بَيْنَهَا, وَالْفُرْضَةُ الْعَلَامَةُ فِي قَسْمِ الْمَاءِ يَعْرِفُ بِهَا كُلُّ ذِي حَقٍّ نَصِيبَهُ مِنْ الشُّرْبِ; فَإِذَا كَانَ أَصْلُ الْفَرْضِ هَذَا ثُمَّ نُقِلَ إلَى الْمَقَادِيرِ الْمَعْلُومَةِ

стр. 1039

فِي الشَّرْعِ أَوْ إلَى الْأُمُورِ الثَّابِتَةِ اللَّازِمَةِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ أَصْلَ الْفَرْضِ الثُّبُوتُ, وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْحَزُّ الَّذِي فِي سِيَةِ الْقَوْسِ فَرْضًا لِثُبُوتِهِ; وَالْفَرْضُ فِي الشَّرْعِ يَنْقَسِمُ إلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ, فَمَتَى أُرِيدَ بِهِ الْوُجُوبُ كَانَ الْمَفْرُوضُ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْإِيجَابِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ فِي الشَّرْعِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ, وَإِنْ كَانَ كُلُّ مَفْرُوضٍ وَاجِبًا مِنْ حَيْثُ كَانَ الْفَرْضُ يَقْتَضِي فَارِضًا وَمُوجِبًا لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَاجِبُ; لِأَنَّهُ قَدْ يَجِبُ مِنْ غَيْرِ إيجَابِ مُوجِبٍ لَهُ, أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ: إنَّ ثَوَابَ الْمُطِيعِينَ وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ فِي حِكْمَتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ؟ ; إذْ كَانَ الْفَرْضُ يَقْتَضِي فَارِضًا, وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا فِي الْحِكْمَةِ غَيْرَ مُقْتَضٍ مُوجِبًا. وَأَصْلُ الْوُجُوبِ فِي اللُّغَةِ هُوَ السُّقُوطُ, يُقَالُ: وَجَبَتْ الشَّمْسُ إذَا سَقَطَتْ, وَوَجَبَ الْحَائِطُ إذَا سَقَطَ, وَسَمِعْت وَجْبَةً يَعْنِي سَقْطَةً, وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] يَعْنِي سَقَطَتْ; فَالْفَرْضُ فِي أَصْلِ اللُّغَة أَشَدُّ تَأْثِيرًا مِنْ الْوَاجِبِ, وَكَذَلِكَ حُكْمُهُمَا فِي الشَّرْعِ; إذْ كَانَ الْحَزُّ الْوَاقِعُ ثَابِتَ الْأَثَرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوُجُوبُ. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ الْآيَةَ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو مَالِكٍ وَأَبُو صَالِحٍ: "هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالْمِيرَاثِ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُجَاهِدٌ وَالزُّهْرِيُّ: "إنَّهَا مُحْكَمَةٌ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ". وَرَوَى عَطِيَّةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: "يَعْنِي عِنْدَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ, وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْقُرْآنُ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ الْفَرَائِضَ فَأَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَجُعِلَتْ الصَّدَقَةُ فِيمَا سَمَّى الْمُتَوَفَّى". فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً عِنْدَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِالْمِيرَاثِ, وَجُعِلَتْ ذَلِكَ فِي وَصِيَّةِ الْمَيِّتِ لَهُمْ. وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنْهُ: "أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ, وَهِيَ فِي قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ تُرْضَخُ لَهُمْ, فَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ تَقْصِيرٌ اُعْتُذِرَ إلَيْهِمْ", فَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ وَرَوَى الْحَجَّاجُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْن أَبِي بَكْرٍ كَانَا يُعْطِيَانِ مَنْ حَضَرَ مِنْ هَؤُلَاءِ. وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: "هِيَ مُحْكَمَةٌ". وَرَوَى أَشْعَثُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: "وَلِيَ أَبِي مِيرَاثًا, فَأَمَرَ بِشَاةٍ فَذُبِحَتْ ثُمَّ صُنِعَتْ, وَلَمَّا قَسَّمَ ذَلِكَ الْمِيرَاثَ أَطْعَمَهُمْ ثُمَّ تَلَا: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ الْآيَةَ". وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ مِثْلَهُ, وَقَالَ: "لَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لَكَانَتْ هَذِهِ الشَّاةُ مِنْ مَالِي"١ وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ مال

стр. 1040

يتيم قد وليه. وَرَوَى هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: "هَذِهِ الْآيَةُ يَتَهَاوَنُ بِهَا النَّاسُ, وَقَالَ: هُمَا وَلِيَّانِ أَحَدُهُمَا يَرِثُ وَالْآخَرُ لَا يَرِثُ, وَاَلَّذِي يَرِثُ هُوَ الَّذِي أُمِرَ أَنْ يَرْزُقَهُمْ وَيُعْطِيَهُمْ, وَاَلَّذِي لَا يَرِثُ هُوَ الَّذِي أُمِرَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَيَقُولُ هَذَا الْمَالُ لِقَوْمٍ غُيَّبٍ أَوْ لِأَيْتَامٍ صِغَارٍ وَلَكُمْ فِيهِ حَقٌّ وَلَسْنَا نَمْلِكُ أَنْ نُعْطِيَ مِنْهُ شَيْئًا, فَهَذَا الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ; قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةِ". فَحَمَلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَوْلَهُ: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾ عَلَى أَنَّهُمْ يُعْطُونَ أَنْصِبَاءَهُمْ مِنْ الْمِيرَاثِ وَالْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ لِلْآخَرِينَ, فَكَانَتْ فَائِدَةُ الْآيَةِ عِنْدَهُ إنْ حَضَرَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ وَفِيهِمْ غَائِبٌ أَوْ صَغِيرٌ أَنَّهُ يُعْطَى الْحَاضِرُ نَصِيبَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ وَيُمْسَكُ نَصِيبُ الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ; فَإِنْ صَحَّ هَذَا التَّأْوِيلُ فَهُوَ حُجَّةٌ لَقَوْلِ مَنْ يَقُولُ فِي الْوَدِيعَةِ "إذَا كَانَتْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَغَابَ أَحَدُهُمَا أَنَّ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ وَيُمْسِكَ الْمُودَعُ نَصِيبَ الْغَائِبِ" وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُف وَمُحَمَّدٍ; وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: "لَا يُعْطَى أَحَدُ الْمُودِعَيْنِ شَيْئًا إذَا كَانَا شَرِيكَيْنِ فِيهِ حَتَّى يَحْضُرَ الْآخَرُ". وَرَوَى عَطَاءٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ قَالَ: "يَقُولُ عِدَّةٌ جَمِيلَةٌ إنْ كَانَ الْوَرَثَةُ صِغَارًا, يَقُولُ أَوْلِيَاءُ الْوَرَثَةِ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ مِنْ قَرَابَةِ الْمَيِّتِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ: إنَّ هَؤُلَاءِ الْوَرَثَةَ صِغَارٌ فَإِذَا بَلَغُوا أَمَرْنَاهُمْ أَنْ يَعْرِفُوا حَقَّكُمْ وَيَتَّبِعُوا فِيهِ وَصِيَّةَ رَبِّهِمْ". فَحَصَلَ اخْتِلَافُ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو مَالِكٍ وَأَبُو صَالِحِ: إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالْمِيرَاثِ. وَالثَّانِي: رِوَايَةُ عِكْرِمَة عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَوْلُ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيم وَمُجَاهِدٍ: أَنَّهَا ثَابِتَةُ الْحُكْمِ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ وَهِيَ فِي الْمِيرَاثِ. وَالثَّالِثُ, وَهُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا فِي وَصِيَّةِ الْمَيِّتِ لِهَؤُلَاءِ مَنْسُوخَةٌ عَنْ الْمِيرَاثِ; وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: "هَذَا شَيْءٌ أَمَرَ بِهِ الْمُوصِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُوصِي فِيهِ"; وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً﴾ قَالَ: يَقُولُ لَهُ مَنْ حَضَرَهُ: اتَّقِ اللَّهَ وَصِلْهُمْ وَبِرَّهُمْ وَأَعْطِهِمْ. وَالرَّابِعُ: قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي بِشْرٍ عَنْهُ أَنَّ قوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ هُوَ الْمِيرَاثُ نَفْسُهُ ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ لِغَيْرِ أَهْلِ الْمِيرَاثِ. فَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ عَلَى الْوُجُوبِ قَبْلَ نُزُولِ الْمِيرَاثِ, فَلَمَّا نَزَلَتْ الْمَوَارِيثُ وَجُعِلَ لِكُلِّ وَارِثٍ نَصِيبٌ مَعْلُومٌ صَارَ ذَلِكَ مَنْسُوخًا. وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا إنَّهَا ثَابِتَةُ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوْهَا نَدْبًا وَاسْتِحْبَابًا لَا حَتْمًا وَإِيجَابًا; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً مَعَ كَثْرَةِ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَنُقِلَ وُجُوبُ ذَلِكَ وَاسْتِحْقَاقُهُ لِهَؤُلَاءِ كَمَا نُقِلَتْ الْمَوَارِيثُ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ, فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ اسْتِحْبَابٌ لَيْسَ بِإِيجَابٍ; وَمَا رُوِيَ عَنْ

стр. 1041

عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعُبَيْدَةَ وَأَبِي مُوسَى فِي ذَلِكَ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْوَرَثَةُ كَانُوا كِبَارًا, فَذَبَحَ الشَّاةَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَالِ بِإِذْنِهِمْ; وَمَا رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عُبَيْدَة قَسَّمَ مِيرَاثَ أَيْتَامٍ فَذَبَحَ شَاةً, فَإِنَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَامَى فَكَبِرُوا; لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا صِغَارًا لَمْ تَصِحَّ مُقَاسَمَتُهُمْ. وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نَدْبٌ مَا رَوَى عَطَاءٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ الْوَصِيَّ يَقُولُ لِهَؤُلَاءِ الْحَاضِرِينَ مِنْ أُولِي الْقُرْبَى وَغَيْرِهِمْ: إنَّ هَؤُلَاءِ الْوَرَثَةَ صِغَارٌ, وَيَعْتَذِرُونَ إلَيْهِمْ بِمِثْلِهِ, وَلَوْ كَانُوا مُسْتَحِقِّينَ لَهُ عَلَى الْإِيجَابِ لَوَجَبَ إعْطَاؤُهُمْ صِغَارًا كَانَ الْوَرَثَةُ أَوْ كِبَارًا. وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَسَّمَ الْمَوَارِيثَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَبَيَّنَ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ وَلَمْ يَجْعَلْ فِيهَا لِهَؤُلَاءِ شَيْئًا, وَمَا كَانَ مِلْكًا لِغَيْرِهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ إزَالَتُهُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِالْوُجُوهِ الَّتِي حَكَمَ اللَّهُ بِإِزَالَتِهِ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "دِمَاؤُكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ" وَقَالَ: "لَا يَحِلّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ" ; وَهَذَا كُلُّهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ إعْطَاءُ هَؤُلَاءِ الْحَاضِرِينَ عِنْدَ الْقِسْمَةِ اسْتِحْبَابًا لَا إيجَابًا. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْمَالِ تَقْصِيرٌ اُعْتُذِرَ إلَيْهِمْ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: يُعْطَى الْمِيرَاثُ أَهْلَهُ وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَيَقُولُ لِمَنْ لَا يَرِثُ: إنَّ هَذَا الْمَالَ لِقَوْمٍ غُيَّبٍ وَلِأَيْتَامٍ صِغَارٍ وَلَكُمْ فِيهِ حَقٌّ وَلَسْنَا نَمْلِكُ أَنْ نُعْطِيَ مِنْهُ شَيْئًا". فَمَعْنَاهُ عِنْدَهُ ضَرْبٌ مِنْ الِاعْتِذَارِ إلَيْهِمْ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إذَا أَعْطَوْهُمْ عِنْدَ الْقِسْمَةِ شَيْئًا لَا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ وَلَا يَنْتَهِرُهُمْ وَلَا يُسِيءُ اللَّفْظَ فِيمَا يُخَاطِبُهُمْ بِهِ, لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً﴾ [البقرة: ٢٦٣] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:٩-١٠] . قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ الْآيَةَ. اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي تَأْوِيلِهِ, فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةً وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ قَالُوا: "هُوَ الرَّجُلُ يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ فَيَقُولُ لَهُ مَنْ يَحْضُرُهُ: اتَّقِ اللَّهَ أَعْطِهِمْ صِلْهُمْ بِرَّهُمْ, وَلَوْ كَانُوا هُمْ الَّذِينَ يُوصُونَ لَأَحَبُّوا أَنْ يُبْقُوا لِأَوْلَادِهِمْ", قَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ: فَسَأَلْت مِقْسَمًا عَنْ ذَلِكَ, فَقَالَ: لَا, وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ فَيَقُولُ لَهُ مَنْ يَحْضُرُهُ: اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْك مَالَك, وَلَوْ كَانُوا ذَوِي قَرَابَتِهِ لَأَحَبُّوا أَنْ يُوصِيَ لَهُمْ. فَتَأَوَّلَهُ الْأَوَّلُونَ عَلَى نَهْيِ الْحَاضِرِينَ عَنْ الْحَضِّ عَلَى الْوَصِيَّةِ, وَتَأَوَّلَهُ مِقْسَمٌ عَلَى نَهْيِ مَنْ يَأْمُرُهُ بِتَرْكِهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: "هُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ عِنْدَ الْمَيِّتِ فَيَقُولُ أَوْصِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ مِنْ مَالِكَ". وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى أنه قال

стр. 1042

فِي وِلَايَةِ مَالِ الْيَتِيمِ وَحِفْظِهِ: "إنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْمَلُوا فِيهِ وَيَقُولُوا بِمِثْلِ مَا يَجِبُ أَنْ يُعْمَلَ وَيُقَالَ فِي أَمْوَالِ أَيْتَامِهِمْ وَضِعَافِ ذُرِّيَّتِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ". وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي تَأَوَّلَ السَّلَفُ عَلَيْهَا الْآيَةَ مُرَادَةً بِهَا; إلَّا أَنَّ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ الْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا إذَا قَصَدَ الْمُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى الْإِضْرَارِ بِالْوَرَثَةِ أَوْ بِالْمُوصَى لَهُمْ مِمَّا لَا يَرْضَاهُ هُوَ لِنَفْسِهِ لَوْ كَانَ مَكَانَ هَؤُلَاءِ, وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْمَرِيضُ قَلِيلَ الْمَالِ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَيَأْمُرُهُ الَّذِي يَحْضُرُهُ بِاسْتِغْرَاقِ الثُّلُثِ لِلْوَصِيَّةِ, وَلَوْ كَانَ هُوَ مَكَانَهُ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ وَصِيَّةً لَهُ لِأَجْلِ وَرَثَتِهِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لَهُ إذَا كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ ضُعَفَاءُ وَهُوَ قَلِيلُ الْمَالِ أَنْ لَا يُوصِيَ بِشَيْءٍ وَيَتْرُكَهُ لَهُمْ أَوْ يُوصِيَ لَهُمْ بِأَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِسَعْدٍ حِينَ قَالَ أُوصِي بِجَمِيعِ مَالِي؟ فَقَالَ: "لَا" إلَى أَنْ رَدَّهُ إلَى الثُّلُثِ فَقَالَ: "الثُّلُثُ والثلث كثير, إنك إن تدع ورثتك أغنياء خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ" ; فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْوَرَثَةَ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ فَتَرْكُ الْوَصِيَّةِ لِيَسْتَغْنُوا بِهِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا. وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "الْأَفْضَلُ لِمَنْ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ الْوَصِيَّةُ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ, وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ أَنْ لَا يُوصِيَ مِنْهُ بِشَيْءٍ وَأَنْ يُبْقِيَهُ لِوَرَثَتِهِ وَالنَّهْيُ مُنْصَرِفٌ أَيْضًا إلَى مَنْ يَأْمُرُهُ مِنْ الْحَاضِرِينَ بِأَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ, عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "الثُّلُثُ كَثِيرٌ" وَلِنَهْيِهِ سَعْدًا عَنْ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثَ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ مِقْسَمٌ مُرَادًا بِأَنْ يَقُولَ الْحَاضِرُ: لَا تُوصِ بِشَيْءٍ وَلَوْ كَانَ مِنْ ذَوِي قَرَابَتِهِ لَأَحَبُّ أَنْ يُوصِيَ لَهُ, فَيُشِيرَ عَلَيْهِ بِمَا لَا يَرْضَاهُ لِنَفْسِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَعْنَى ذَلِكَ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يُؤْمِنُ الْعَبْدُ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنْ الْخَيْرِ". وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْعَبَّاسِ الرَّازِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَ إلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إلَيْهِ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَهَذَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ فَنَهَاهُ أَنْ يُشِيرَ عَلَى غَيْرِهِ وَيَأْمُرَهُ بِمَا لَا يَرْضَاهُ لِنَفْسِهِ وَلِأَهْلِهِ وَلِوَرَثَتِهِ, وَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ يَقُولَ الْحَاضِرُونَ قَوْلًا سَدِيدًا وَهُوَ الْعَدْلُ وَالْحَقُّ الَّذِي لَا خَلَلَ فِيهِ وَلَا فَسَادَ فِي إجْحَافٍ بِوَارِثٍ أَوْ حِرْمَانٍ لِذِي قَرَابَةٍ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ الْآيَةَ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 1043

وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ: "أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَزَلَ مَنْ كَانَ فِي حِجْرِهِ يَتِيمٌ طَعَامَهُ عَنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ عَنْ شَرَابِهِ حَتَّى فَسَدَ, حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الْخُلْطَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى الْأَكْلَ بِالذِّكْرِ, وَسَائِرُ الْأَمْوَالِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ مِنْهَا مَحْظُورٌ إتْلَافُهُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ كَحَظْرِ الْمَأْكُولِ مِنْهُ; وَلَكِنَّهُ خَصَّ الْأَكْلَ بِالذِّكْرِ; لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَا يُبْتَغَى لَهُ الْأَمْوَالُ, وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ وَنَظَائِرَهُ فِيمَا قَدْ سَلَفَ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ رُوِيَ عَنْ السُّدِّيِّ: "أَنَّ لَهَبَ النَّارِ يَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ وَمَسَامِعِهِ وَأَنْفِهِ وَعَيْنَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, يَعْرِفُهُ كُلُّ مَنْ رَآهُ أَنَّهُ أَكَلَ مَالَ الْيَتِيمِ". وَقِيلَ: "إنَّهُ كَالْمَثَلِ; لِأَنَّهُمْ يَصِيرُونَ بِهِ إلَى جَهَنَّمَ فَتَمْتَلِئُ بِالنَّارِ أَجْوَافُهُمْ". وَمِنْ جُهَّالِ الْحَشْوِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة٢٢٠] وَقَدْ أَثْبَتَهُ بَعْضُهُمْ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ; لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَزَلُوا طَعَامَ الْيَتِيمِ وَشَرَابَهُ حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة٢٢٠] . وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ قَائِلِهِ يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ بِمَعْنَى النَّسْخِ وَبِمَا يَجُوزُ نَسْخُهُ مِمَّا لَا يَجُوزُ, وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ ظُلْمًا مَحْظُورٌ وَأَنَّ الْوَعِيدَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ قَائِمٌ فِيهِ عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْهُمْ فِي إلْحَاقِ الْوَعِيدِ بِهِ فِي الْآخِرَةِ لَا مَحَالَةَ أَوْ جَوَازِ الْغُفْرَانِ, فَأَمَّا النَّسْخُ فَلَا يُجِيزُهُ عَاقِلٌ فِي مِثْلِهِ; وَجَهِلَ هَذَا الرَّجُلُ أَنَّ الظُّلْمَ لَا تَجُوزُ إبَاحَتُهُ بِحَالٍ, فَلَا يَجُوزُ نَسْخُ حَظْرِهِ, وَإِنَّمَا عَزَلَ مَنْ كَانَ فِي حِجْرِهِ يَتِيمٌ مِنْ الصَّحَابَةِ طَعَامَهُ عَنْ طَعَامِهِ; لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ فَتَلْحَقُهُ صِفَةُ الظُّلْمِ وَيَصِيرُ مِنْ أَهْلِ الْوَعِيدِ فِي الْآيَةِ وَاحْتَاطُوا بِذَلِكَ, فَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة٢٢٠] زَالَ عَنْهُمْ الْخَوْفُ فِي الْخُلْطَةِ بَعْدَ أَنْ يَقْصِدُوا الْإِصْلَاحَ بِهَا; وَلَيْسَ فِيهِ إبَاحَةٌ لِأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ ظُلْمًا حَتَّى يَكُونَ نَاسِخًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ والله أعلم.

стр. 1044

بَابُ الْفَرَائِضِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَوَارَثُونَ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا النَّسَبُ وَالْآخَرُ السَّبَبُ فَأَمَّا مَا يُسْتَحَقُّ بِالنَّسَبِ فَلَمْ يَكُونُوا يُوَرِّثُونَ الصِّغَارَ وَلَا الْإِنَاثَ وَإِنَّمَا يُوَرِّثُونَ مَنْ قَاتَلَ عَلَى الْفَرَسِ وَحَازَ الْغَنِيمَةَ, رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاس وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي آخَرِينَ مِنْهُمْ, إلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ١٢٧] وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى

стр. 1045

قَوْلَهُ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ . وَقَدْ كَانُوا مُقِرِّينَ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْمُنَاكَحَاتِ وَالطَّلَاقِ وَالْمِيرَاثِ إلَى أَنْ نُقِلُوا عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ بِالشَّرِيعَةِ, قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْت لِعَطَاءِ: أَبَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَرَّ النَّاسَ عَلَى مَا أَدْرَكَهُمْ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ مِيرَاثٍ؟ قَالَ: لَمْ يَبْلُغْنَا إلَّا ذَلِكَ. وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: "تَوَارَثَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ بِنَسَبِهِمْ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ". وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْبٍ قَالَ: مَا كَانَ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ طَلَاقٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا الرِّبَا, "فَمَا أَدْرَكَ الْإِسْلَامُ مِنْ رِبًا لَمْ يُقْبَضْ رَدَّ إلَى الْبَائِعِ رَأْسَ مَالِهِ وَطَرَحَ الرِّبَا". وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: "بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ وَالنَّاسُ عَلَى أَمْرِ جَاهِلِيَّتِهِمْ إلَى أَنْ يُؤْمَرُوا بِشَيْءٍ أَوْ يُنْهَوْا عَنْهُ, وَإِلَّا فَهُمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ جَاهِلِيَّتِهِمْ", وَهُوَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى, وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ". فَقَدْ كَانُوا مُقِرِّينَ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا لَا يَحْظُرُهُ الْعَقْلُ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ, وَقَدْ كَانَتْ الْعَرَبُ مُتَمَسِّكَةً بِبَعْضٍ شَرَائِعِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉, وَقَدْ كَانُوا أَحْدَثُوا أَشْيَاءَ مِنْهَا مَا يَحْظُرُهُ الْعَقْلُ نَحْوَ الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَدَفْنِ الْبَنَاتِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُقَبَّحَةِ فِي الْعُقُولِ, وَقَدْ كَانُوا عَلَى أَشْيَاءَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي لَا تَحْظُرُهَا الْعُقُولُ, فَبَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ دَاعِيًا إلَى التَّوْحِيدِ وَتَرْكِ مَا تَحْظُرُهُ الْعُقُولُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَدَفْنِ الْبَنَاتِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِي وَمَا كَانُوا يَتَقَرَّبُونِ بِهِ إلَى أَوْثَانِهِمْ, وَتَرَكَهُمْ فِيمَا لَمْ يَكُنْ الْعَقْلُ يَحْظُرُهُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ وَعُقُودِ الْبِيَاعَاتِ وَالْمُنَاكَحَاتِ وَالطَّلَاقِ وَالْمَوَارِيثِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ; فَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا مِنْهُمْ; إذْ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ حَظْرُهُ وَلَمْ تَقُمْ حُجَّةُ السَّمْعِ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِهِ, فَكَانَ أَمْرُ مَوَارِيثِهِمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ تَوْرِيثِ الذُّكُورِ الْمُقَاتِلَةِ مِنْهُمْ دُونَ الصِّغَارِ وَدُونَ الْإِنَاثِ إلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَ الْمَوَارِيثِ. وَكَانَ السَّبَبُ الَّذِي يَتَوَارَثُونَ بِهِ شَيْئَيْنِ, أَحَدُهُمَا: الْحِلْفُ وَالْمُعَاقَدَةُ, وَالْآخَرُ: التَّبَنِّي; ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ فَتُرِكُوا بُرْهَةً مِنْ الدَّهْرِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ ثُمَّ نُسِخَ, فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْحِلْفِ وَالْمُعَاقَدَةِ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ ثُمَّ نُسِخَ. وَقَالَ شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ١ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ: "كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ دَمِي دَمُك وهدمي هدمك٢ وترثني وأرثك

стр. 1046

وَتُطْلَبُ بِي وَأُطْلَبُ بِك" قَالَ: "فَوَرَّثُوا السُّدُسَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ جَمِيعِ الْأَمْوَالِ ثُمَّ يَأْخُذُ أَهْلُ الْمِيرَاثِ مِيرَاثَهُمْ, ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ فقال الله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] : "كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَحْلِفُ لَهُ الرَّجُلُ فَيَكُونُ تَابِعًا لَهُ, فَإِذَا مَاتَ صَارَ الْمِيرَاثُ لِأَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ وَبَقِيَ تَابِعُهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] فَكَانَ يُعْطَى مِنْ مِيرَاثِهِ". وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] : وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي الْإِسْلَامِ كَانَ يَرْغَبُ فِي خِلَّةِ الرَّجُلِ فَيُعَاقِدُهُ فَيَقُولُ: تَرِثُنِي وَأَرِثُك, وَأَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ كَانَ لِلْحَيِّ مَا اشْتَرَطَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ, فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ وَلَمْ يُذْكَرْ أَهْلُ الْعَقْدِ جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ نَزَلَتْ قِسْمَةُ الْمِيرَاثِ وَلَمْ يُذْكَرْ أَهْلُ الْعَقْدِ وَقَدْ كُنْت عَاقَدْتُ رَجُلًا فَمَاتَ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ [النساء: ٣٣] . فَأَخْبَرَ هَؤُلَاءِ السَّلَفُ أَنَّ مِيرَاثَ الْحَلِيفِ قَدْ كَانَ حُكْمُهُ ثَابِتًا فِي الْإِسْلَامِ مِنْ طَرِيقِ السَّمْعِ لَا مِنْ جِهَةِ إقْرَارِهِمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ثَابِتًا بِالسَّمْعِ مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ وَإِنَّمَا كَانُوا مُقِرِّينَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ إلَى أَنْ نَزَلَتْ آيَةُ الْمَوَارِيثِ فَأَزَالَتْ ذَلِكَ الْحُكْمَ; حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ الْوَاسِطِيُّ قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ: "كَانَ حُلَفَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأُمِرُوا أَنْ يُعْطُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْ الْمَشُورَةِ وَالْعَقْلِ وَالنَّصْرِ وَلَا مِيرَاثَ لَهُمْ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ عِيسَى بْن الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ قَالَ: "نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْعَصَبَاتِ, كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ يَقُولُ: تَرِثُنِي وَأَرِثُك, فَنَزَلَتْ: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ . قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ ترثني وأرثك, فنسختها: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى

стр. 1047

أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً﴾ [الأنفال: ٧٥] قَالَ: إلَّا أَنْ تُوصُوا لِأَوْلِيَائِهِمْ الَّذِينَ عَاقَدُوهُمْ وَصِيَّةً". فَذَكَرَ هَؤُلَاءِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ذلك في الجاهلية نسخ بقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ﴾ [الأنفال: ٧٥] وَأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْوَصِيَّةُ أَوْ الْمَشُورَةُ وَالنَّصْرُ مِنْ غَيْرِ مِيرَاثٍ; وَأَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِمَعْنَى الْآيَةِ تَثْبِيتُ التَّوَارُثِ بِالْحَلِفِ; لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] يَقْتَضِي نَصِيبًا ثَابِتًا لَهُمْ, وَالْعَقْلُ وَالْمَشُورَةُ وَالْوَصِيَّةُ لَيْسَتْ بِنَصِيبٍ ثَابِتٍ, وَهُوَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ الْمَفْهُومُ مِنْ ظَاهِرِهِ إثْبَاتُ نَصِيبٍ مِنْ الْمِيرَاثِ, كَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] قَدْ اقْتَضَى ظَاهِرُهُ إثْبَاتَ نَصِيبٍ لَهُمْ قَدْ اسْتَحَقُّوهُ بِالْمُعَاقَدَةِ; وَالْمَشُورَةُ يَسْتَوِي فِيهَا سَائِرُ النَّاسِ فَلَيْسَتْ إذًا بِنَصِيبٍ, فَالْعَقْلُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى حُلَفَائِهِ وَلَيْسَ هُوَ بِنَصِيبٍ لَهُ, وَالْوَصِيَّةُ إنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَحَقَّةً وَاجِبَةً فَلَيْسَتْ بِنَصِيبٍ; فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى النَّصِيبِ الْمُسَمَّى لَهُ فِي عَقْدِ الْمُحَالَفَةِ أَوْلَى وَأَشْبَهُ بِمَفْهُومِ الْخِطَابِ مِمَّا قَالَ الْآخَرُونَ. وَهَذَا عِنْدَنَا لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ, وَإِنَّمَا حَدَثَ وَارِثٌ آخَرُ هُوَ أَوْلَى مِنْهُمْ كَحُدُوثِ ابْنٍ لِمَنْ لَهُ أَخٌ لَمْ يَخْرُجْ الْأَخُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ, إلَّا أَنَّ الِابْنَ أَوْلَى مِنْهُ, وَكَذَلِكَ أُولُو الْأَرْحَامِ أَوْلَى مِنْ الْحَلِيفِ, فَإِذَا لَمْ يَكُنْ رَحِمٌ وَلَا عَصَبَةٌ فَالْمِيرَاثُ لِمَنْ حَالَفَهُ وَجَعَلَهُ لَهُ; وَكَذَلِكَ أَجَازَ أَصْحَابُنَا الْوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ الْمَالِ لِمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ. وَأَمَّا الْمِيرَاثُ بِالدَّعْوَةِ وَالتَّبَنِّي فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَتَبَنَّى ابْنَ غَيْرِهِ فَيُنْسَبُ إلَيْهِ دُونَ أَبِيهِ مِنْ النَّسَبِ وَيَرِثُهُ, وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا ثَابِتًا فِي الْإِسْلَامِ, وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ تَبَنَّى زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] . وَقَدْ كَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ تَبَنَّى سَالِمًا, فَكَانَ يُقَالُ لَهُ سَالِمُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ, إلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ; فَنَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى الدَّعْوَةَ بِالتَّبَنِّي وَنَسَخَ مِيرَاثَهُ. حَدَّثَنَا جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْيَمَانِ الْمُؤَدِّبِ قَالَ: حدثنا وَأَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ:

стр. 1048

"إنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَّوْنَ رِجَالًا وَيُوَرِّثُونَهُمْ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ أَنْ يُجْعَلَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ الْوَصِيَّة وَرَدَّ الْمِيرَاثَ إلَى الْمَوَالِي مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ وَالْعَصَبَةِ, وَأَبَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْمُدَّعِينَ مِيرَاثًا مِمَّنْ ادَّعَاهُمْ, وَلَكِنْ جَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا مِنْ الْوَصِيَّةِ, فَكَانَ مَا تَعَاقَدُوا عَلَيْهِ فِي الْمِيرَاثِ الَّذِي رَدَّ عَلَيْهِ أَمْرَهُمْ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] مُنْتَظِمًا لِلْحَلِفِ وَالتَّبَنِّي جَمِيعًا; إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَثْبُتُ بِالْعَقْدِ; فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا كَانَ مِنْ مَوَارِيثِ الْجَاهِلِيَّةِ وَبَقِيَ فِي الْإِسْلَامِ, بَعْضُهَا بِالْإِقْرَارِ عَلَيْهِ إلَى أَنْ نَقَلُوا عَنْهُ وَبَعْضُهُ بِنَصٍّ وَرَدَّ فِي إثْبَاتِهِ إلَى أَنْ وَرَدَ مَا أَوْجَبَ نَقْلَهُ. وَأَمَّا مَوَارِيثُ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهَا مَعْقُودَةٌ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا نَسَبٌ, وَالْآخَرُ سَبَبٌ لَيْسَ بِنَسَبٍ; فَأَمَّا الْمُسْتَحَقُّ بِالنَّسَبِ فَمَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ وَبَيَّنَ رَسُولُهُ ﷺ بَعْضَهُ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى بَعْضِهِ وَقَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى بَعْضٍ, وَأَمَّا السَّبَبُ الَّذِي وُرِّثَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ فَبَعْضُهُ ثَابِتٌ وَبَعْضُهُ مَنْسُوخُ الْحُكْمِ. فَمِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي وُرِّثَ بِهَا فِي الْإِسْلَامِ مَا ذَكَرْنَا فِي عَقْدِ الْمُحَالَفَةِ وَمِيرَاثِ الْأَدْعِيَاءِ, وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ وَنَسْخَ مَا رُوِيَ نَسْخُهُ وَأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا لَيْسَ بِنَسْخٍ وَإِنَّمَا جُعِلَ وَارِثٌ أَوْلَى مِنْ وَارِثٍ. وَكَانَ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْمِيرَاثَ الْهِجْرَةُ; حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ ابْنِ جريج وعثمان بن عطاء الخراساني عن ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] قَالَ: "كَانَ الْمُهَاجِرُ لَا يَتَوَلَّى الْأَعْرَابِيَّ وَلَا يَرِثُهُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ, وَلَا يَرِثُ الْأَعْرَابِيُّ الْمُهَاجِرَ, فنسختها: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَسَخَهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى بِهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ بَيْنَهُمْ". وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آخَى بَيْنَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَبَيْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ, فَارْتَثَّ كَعْبٌ يَوْمَ أُحُدٍ, فَجَاءَ بِهِ الزُّبَيْرُ يَقُودُهُ بِزِمَامِ رَاحِلَتِهِ, وَلَوْ مَاتَ كَعْبٌ عَنْ الضِّحِّ وَالرِّيحِ١ لَوَرِثَهُ الزُّبَيْرُ, حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ

стр. 1049

فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [لأنفال: ٧٥] . وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "كَانَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَرِثُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الَّذِي آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دُونَ أَخِيهِ, فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] نُسِخَتْ, ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] مِنْ النَّصْرِ, وَالرِّفَادَةِ". فَذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾ أُرِيدَ بِهِ مُعَاقَدَةُ الْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى بِهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ بَيْنَهُمْ. وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] إنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْهِجْرَةِ وَالْإِسْلَامِ, فَكَانَ الرَّجُلُ يُسْلِمُ وَلَا يُهَاجِرُ فَلَا يَرِثُ أَخَاهُ, فنسخ الله تعالى ذلك بقوله ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ . [لأنفال: ٧٥] وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَ الْأَعْرَابِيُّ الْمُسْلِمُ لَا يَرِثُ مِنْ الْمُهَاجِرِ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ ذَا قُرْبَى لِيَحُثَّهُمْ بِذَلِكَ عَلَى الْهِجْرَةِ, فَلَمَّا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ . [لأنفال: ٧٥] فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تِلْكَ, ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب: ٦] فَرَخَّصَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُوصِيَ لِقَرَابَتِهِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس مِنْ الثُّلُثِ وَمَا دُونَهُ, ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾ [الأحزاب: ٦] قَالَ: مَكْتُوبًا. فَجُمْلَةُ مَا حَصَلَ عَلَيْهِ التَّوَارُثُ بِالْأَسْبَابِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ التَّبَنِّي وَالْحَلِفُ وَالْهِجْرَةُ وَالْمُؤَاخَاةُ الَّتِي آخَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثم نُسِخَ الْمِيرَاثُ بِالتَّبَنِّي وَالْهِجْرَةِ وَالْمُؤَاخَاةِ; وَأَمَّا الْحَلِفُ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ جُعِلَتْ الْقَرَابَةُ أَوْلَى مِنْهُ وَلَمْ يُنْسَخْ إذَا لَمْ تَكُنْ قَرَابَةٌ, وَجَائِزٌ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ جَمِيعَ مَالِهِ أَوْ بَعْضَهُ وَمِنْ الْأَسْبَاب الَّتِي عُقِدَ بِهَا التَّوَارُثُ فِي الْإِسْلَامِ وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ وَالزَّوْجِيَّةِ وَوَلَاءُ الْمُوَالَاةِ, وَهُوَ عِنْدَنَا يَجْرِي مَجْرَى الْحَلِفِ, وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ مِنْ ذِي رَحِمٍ أَوْ عَصَبَةٍ. فَجَمِيعُ مَا انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ مَوَارِيثُ الْإِسْلَامِ السَّبَبُ وَالنَّسَبُ, وَالسَّبَبُ كَانَ عَلَى أَنْحَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ: مِنْهَا الْمُعَاقَدَةُ بِالْحَلِفِ وَالتَّبَنِّي, وَالْأُخُوَّةُ الَّتِي آخَى بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْهِجْرَةُ وَالزَّوْجِيَّةُ وَوَلَاءُ الْعَتَاقَةِ وَوَلَاءُ الْمُوَالَاةِ, فَأَمَّا إيجَابُ الْمِيرَاثِ بِالْحَلِفِ وَالتَّبَنِّي وَالْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَا فَمَنْسُوخٌ مَعَ وُجُودِ الْعَصَبَاتِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ, وَوَلَاءُ الْعَتَاقَةِ وَالْمُوَالَاةُ وَالزَّوْجِيَّةُ هِيَ أَسْبَابٌ ثَابِتَةٌ يُسْتَحَقُّ بِهَا الْمِيرَاثُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَشْرُوطِ لِذَلِكَ. وَأَمَّا النَّسَبُ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ الْمِيرَاثُ فَيَنْقَسِمُ إلَى أَنْحَاءٍ ثَلَاثَةٍ: ذَوُو السِّهَامِ وَالْعَصَبَاتُ وَذَوُو الْأَرْحَامِ, وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ. فَأَمَّا الْآيَاتُ الْمُوجِبَةُ لِمِيرَاثِ ذَوِي الْأَنْسَابِ مِنْ ذَوِي السِّهَامِ وَالْعَصَبَاتِ وَذَوِي

стр. 1050

الْأَرْحَامِ, فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ١٢٧] نُسِخَ بِهِمَا فِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي تَوْرِيثِ الرِّجَالِ الْمُقَاتِلَةِ دُونَ الذُّكُورِ الصِّغَارِ وَالْإِنَاثِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ فِيهِ بَيَانٌ لِلنَّصِيبِ الْمَفْرُوضِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ وَالنَّصِيبُ الْمَفْرُوضُ هُوَ الَّذِي بَيَّنَ مِقْدَارَهُ فِي قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] فَقَالَ: قَدْ نَسَخَ هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "كَانَ الْمِيرَاثُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ, فَنَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ, فَجَعَلَ لِلْوَلَدِ الذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ, وَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَبَوَيْنِ السُّدُسَ مَعَ الْوَلَدِ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ إذَا مَاتَ وَخَلَّفَ زَوْجَتَهُ اعْتَدَّتْ سَنَةً كَامِلَةً فِي بَيْتِهِ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ تَرِكَتِهِ, وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالرُّبُعِ أَوْ الثمن. وقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] نُسِخَ بِهِ التَّوَارُث بِالْحَلِفِ وَبِالْهِجْرَةِ وَبِالتَّبَنِّي عَلَى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنَّا; وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ هِيَ آيَةٌ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ, وَهِيَ مُوجِبَةٌ لِنَسْخِ الْمِيرَاثِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرْنَا; لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمِيرَاثَ لِلْمُسَمِّينَ فِيهَا, فَلَا يَبْقَى لِأَهْلِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ شَيْءٌ, وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِسُقُوطِ حُقُوقِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِبِنْتَيْنِ لَهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَاتَانِ بِنْتَا ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ قُتِلَ مَعَك يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا عَمُّهُمَا مَالًا إلَّا أَخَذَهُ, فَمَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاَللَّهِ لَا تُنْكَحَانِ أَبَدًا إلَّا وَلَهُمَا مَالٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ فَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الْآيَةَ, فَقَالَ ﷺ : اُدْعُ لِي الْمَرْأَةَ وَصَاحِبَهَا فَقَالَ لِعَمِّهِمَا: "أَعْطِهِمَا الثُّلُثَيْنِ وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ وَمَا بَقِيَ فَلَكَ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ حَوَى هَذَا الْخَبَرُ مَعَانٍ: مِنْهَا أَنَّ الْعَمَّ قَدْ كَانَ يَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ دُونَ الْبِنْتَيْنِ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي تَوْرِيثِ الْمُقَاتِلَةِ دُونَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ, وَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ حِينَ سَأَلَتْهُ الْمَرْأَةُ بَلْ أَقَرَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهَا: "يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ" ثُمَّ لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَةُ أَمَرَ الْعَمَّ بدفع

стр. 1051

نَصِيبِ الْبِنْتَيْنِ وَالْمَرْأَةِ إلَيْهِنَّ; وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَّ لَمْ يَأْخُذْ الْمِيرَاثَ بَدِيًّا مِنْ جِهَةِ التَّوْقِيفِ بَلْ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْمَوَارِيثِ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ إنَّمَا يُسْتَأْنَفُ فِيمَا يَحْدُث بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ وَمَا قَدْ مَضَى عَلَى حُكْمٍ مَنْصُوصٍ مُتَقَدِّمٍ لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِالنَّسْخِ, فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى حُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَنْقُلُوا عَنْهَا. وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَرِضْت فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّه ﷺ يَعُودُنِي فَأَتَانِي وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ, فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ مِنْ وُضُوئِهِ فَأَفَقْت فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَقْضِي فِي مَالِي؟ فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمَوَارِيثِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ: ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ قِصَّةَ الْمَرْأَةِ مَعَ بِنْتَيْهَا وَذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ جَابِرًا سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ, وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا قَدْ كَانَا; سَأَلَتْهُ الْمَرْأَةُ فَلَمْ يُجِبْهَا مُنْتَظِرًا لِلْوَحْيِ ثُمَّ سَأَلَهُ جَابِرٌ فِي حَالِ مَرَضِهِ, فَنَزَلَتْ الْآيَةُ وَهِيَ ثَابِتَةُ الْحُكْمِ مُثْبِتَةٌ لِلنَّصِيبِ الْمَفْرُوضِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الْآيَةَ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ أَوْلَادِ الصُّلْبِ, وَأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ غَيْرُ دَاخِلٍ مَعَ وَلَدِ الصُّلْبِ, وَأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدُ الصُّلْبِ فَالْمُرَادُ أَوْلَادُ الْبَنِينَ دُونَ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ, فَقَدْ انْتَظَمَ اللَّفْظُ أَوْلَادَ الصُّلْبِ وَأَوْلَادَ الِابْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدَ الصُّلْبِ, وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ أَنَّهُ لِوَلَدِهِ لِصُلْبِهِ, فَإِنْ, لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ فَهُوَ لِوَلَدِ ابْنِهِ. وقوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ قَدْ أَفَادَ أَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا وَأُنْثَى فَلِلذَّكَرِ سَهْمَانِ وَلِلْأُنْثَى سَهْمٌ, وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا جَمَاعَةً ذُكُورًا وَإِنَاثًا أَنَّ لِكُلِّ ذَكَرٍ سَهْمَيْنِ وَلِكُلِّ أُنْثَى سَهْمًا, وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَ الْأَوْلَادِ ذَوُو سِهَامٍ نَحْوُ الْأَبَوَيْنِ وَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ أَنَّهُمْ مَتَى أَخَذُوا سِهَامَهُمْ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ السِّهَامَ بَيْنَ الْأَوْلَادِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَذَلِكَ; لِأَنَّ قَوْله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ اسْمٌ لِلْجِنْسِ يَشْتَمِلُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْهُمْ, فَمَتَى مَا أَخَذَ ذَوُو السِّهَامِ سِهَامَهُمْ كَانَ الْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى مَا كَانُوا يَسْتَحِقُّونَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذُو سَهْمٍ. وَقَوْلُهُ : ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فَنَصَّ عَلَى نَصِيبِ مَا فَوْقَ الِابْنَتَيْنِ وَعَلَى الْوَاحِدَةِ وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى فَرْضِ الِابْنَتَيْنِ; لِأَنَّ فِي فَحَوَى الْآيَةِ دَلَالَةً عَلَى بَيَانِ فَرْضِهِمَا, وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ لِلْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ مَعَ الِابْنِ الثُّلُثَ, وَإِذَا كَانَ لَهَا مَعَ الذَّكَرِ الثُّلُثُ كَانَتْ بِأَخْذِ الثُّلُثِ مَعَ الْأُنْثَى أَوْلَى, وَقَدْ احْتَجْنَا إلَى بَيَانِ حُكْمِ مَا فَوْقَهُمَا; فَلِذَلِكَ نَصَّ عَلَى حُكْمِهِ. وَأَيْضًا لَمَّا قَالَ الله

стр. 1052

تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فَلَوْ تَرَكَ ابْنًا وَبِنْتًا كَانَ لِلِابْنِ سَهْمَانِ ثُلُثَا الْمَالِ وَهُوَ حَظُّ الْأُنْثَيَيْنِ, فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ نَصِيبَ الِابْنَتَيْنِ الثُّلُثَانِ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ نَصِيبَ الِابْنِ مِثْلَ نَصِيبِ الْبِنْتَيْنِ وَهُوَ الثُّلُثَانِ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ مَجْرَى الْبَنَاتِ وَأَجْرَى الْأُخْتَ الْوَاحِدَةَ مَجْرَى الْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ, فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] فَجَعَلَ حَظَّ الْأُخْتَيْنِ كَحَظِّ مَا فَوْقَهُمَا وَهُوَ الثُّلُثَانِ كَمَا جَعَلَ حَظَّ الْأُخْتِ كَحَظِّ الْبِنْتِ. وَأَوْجَبَ لَهُمْ إذَا كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ, فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الِابْنَتَانِ كَالْأُخْتَيْنِ فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثَيْنِ لِمُسَاوَاتِهِمَا لَهُمَا فِي إيجَابِ الْمَالِ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُمْ, كَمَا فِي مُسَاوَاةِ الْأُخْتِ لِلْبِنْتِ إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهَا فِي اسْتِحْقَاقِ النِّصْفِ بِالتَّسْمِيَةِ. وَأَيْضًا الْبِنْتَانِ أَوْلَى بِذَلِكَ; إذْ كَانَتَا أَقْرَبَ إلَى الْمَيِّتِ مِنْ الْأُخْتَيْنِ, وَإِذَا كَانَتْ الْأُخْتُ بِمَنْزِلَةِ الْبِنْتِ فَكَذَلِكَ الْبِنْتَانِ فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثَيْنِ; وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا الْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ وَالْمَرْأَةَ الثُّمُنَ وَالْعَمَّ مَا بَقِيَ. وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ إلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ. جَعَلَ لِلْبِنْتَيْنِ النِّصْفَ كَنَصِيبِ الْوَاحِدَةِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ , وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلِابْنَتَيْنِ النِّصْفَ وَإِنَّمَا فِيهِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ مَا فَوْقَ ابْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ, فَإِنْ كَانَ الْقَائِلُ بِأَنَّ لِلِابْنَتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ مُخَالِفًا لِلْآيَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لِلِابْنَةِ النِّصْفَ إذَا كَانَتْ وَحْدَهَا, وَأَنْتَ جَعَلْت لِلِابْنَتَيْنِ النِّصْفَ وَذَلِكَ خِلَافُ الْآيَةِ, فَإِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ مُخَالَفَةُ الْآيَةِ حِينَ جَعَلَ لِلِابْنَتَيْنِ النِّصْفَ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ جَعَلَ لِلْوَاحِدَةِ النِّصْفَ فَكَذَلِكَ لَا تُلْزِمُ مُخَالِفِيهِ مُخَالَفَةُ الْآيَةِ فِي جَعْلِهِمْ لِلِابْنَتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَنْفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ أَنْ يَكُونَ لِلِابْنَتَيْنِ الثُّلُثَانِ وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى حُكْمِ مَا فَوْقَهُمَا, وَقَدْ دَلَّ عَلَى حُكْمِهِمَا فِي فَحْوَى الْآيَةِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنَّا وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دَلَالَةِ حُكْمِ الْأُخْتَيْنِ عَلَى حُكْمِ الِابْنَتَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ قِيلَ إنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثنتين﴾ أَنَّ ذِكْرَ" فَوْقَ" هَهُنَا صِلَةٌ لِلْكَلَامِ, كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] . قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ﴾ يُوجِبُ ظَاهِرَهُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مَعَ الْوَلَدِ ذَكَرًا كَانَ الْوَلَدُ أَوْ أُنْثَى; لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ يَنْتَظِمُهُمَا, إلَّا أَنَّهُ لَا خِلَافَ إذَا كَانَ الْوَلَدُ بِنْتًا لَا تَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فَوَجَبَ أَنْ تُعْطَى النِّصْفَ بِحُكْمِ النَّصِّ,

стр. 1053

وَيَكُونُ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ السُّدُسُ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ, وَيَبْقَى السُّدُسُ يَسْتَحِقُّهُ الْأَبُ بِالتَّعْصِيبِ; فَاجْتَمَعَ هَهُنَا لِلْأَبِ الِاسْتِحْقَاقُ بِالتَّسْمِيَةِ وَبِالتَّعْصِيبِ جَمِيعًا; وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا فَلِلْأَبَوَيْنِ السُّدُسَانِ بِحُكْمِ النَّصِّ; وَالْبَاقِي لِلِابْنِ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ تَعْصِيبًا مِنْ الْأَبِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فَأَثْبَتَ الْمِيرَاثَ لِلْأَبَوَيْنِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ ثُمَّ فَصَلَ نَصِيبَ الْأُمِّ وَبَيَّنَ مِقْدَارَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ وَلَمْ يَذْكُرْ نَصِيبَ الْأَبِ فَاقْتَضَى ظَاهِرُ اللَّفْظِ لِلْأَبِ الثُّلُثَيْنِ; إذْ لَيْسَ هُنَاكَ مُسْتَحِقٌّ غَيْرُهُ وَقَدْ أَثْبَتَ الْمِيرَاثَ لَهُمَا بَدِيًّا وَقَدْ كَانَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ دُونَ تَفْصِيلِ نَصِيبِ الْأُمِّ, فَلَمَّا قَصَرَ نَصِيبَ الْأُمِّ عَلَى الثَّلَاثِ عُلِمَ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ لِلْأَبِ الثُّلُثَانِ. قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ قَالَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: "إذَا تَرَكَ أَخَوَيْنِ وَأَبَوَيْنِ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ وَمَا بَقِيَ فَلِأَبِيهِ" وَحَجَبُوا الْأُمَّ عَنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ كَحَجْبِهِمْ لَهَا بِثَلَاثَةِ إخْوَةٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لِلْأُمِّ الثُّلُثُ" وَكَانَ لَا يَحْجُبُهَا إلَّا بِثَلَاثَةٍ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ. وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: "إذَا تَرَكَ أَبَوَيْنِ وَثَلَاثَةَ إخْوَةٍ فَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلْإِخْوَةِ السُّدُسُ الَّذِي حَجَبُوا الْأُمَّ عَنْهُ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ". وَرُوِيَ عَنْهُ: "أَنَّهُ إنْ كَانَ الْإِخْوَةُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ فَالسُّدُسُ لَهُمْ خَاصَّةً, وَإِنْ كَانُوا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ وَكَانَ مَا بَعْدَ السُّدُسِ لِلْأَبِ". وَالْحُجَّةُ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ اسْمَ الْإِخْوَةِ قَدْ يَقَعُ عَلَى الِاثْنَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وَهُمَا قَلْبَانِ; وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص:٢١] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] فَأَطْلَقَ لَفْظَ الْجَمْعِ عَلَى اثْنَيْنِ; وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فَلَوْ كَانَ أَخًا وَأُخْتًا كَانَ حُكْمُ الْآيَةِ جَارِيًا فِيهِمَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ" , وَلِأَنَّ الِاثْنَيْنِ إلَى الثَّلَاثَةِ فِي حُكْمِ الْجَمْعِ أَقْرَبُ مِنْهُمَا إلَى الْوَاحِدِ; لِأَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ مَوْجُودٌ فِيهِمَا نَحْوُ قَوْلِكَ: "قَامَا وَقَعَدَا وَقَامُوا وَقَعَدُوا" كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ١ وَلَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي الْوَاحِدِ, فَلَمَّا كَانَ الِاثْنَانِ فِي حُكْمِ اللَّفْظِ أَقْرَبَ إلَى الثَّلَاثَةِ مِنْهُمَا إلَى الْوَاحِدِ وَجَبَ إلْحَاقُهُمَا بِالثَّلَاثَةِ دُونَ الْوَاحِدِ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ, أَنَّهُ كَانَ يَحْجُبُ الأم

стр. 1054

بِالْأَخَوَيْنِ, فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا سَعِيد إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ وَأَنْتَ تَحْجُبُهَا بِالْأَخَوَيْنِ فَقَالَ: إنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْأَخَوَيْنِ إخْوَةً. فَإِذَا كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَدْ حَكَى عَنْ الْعَرَبِ أَنَّهَا تُسَمِّي الْأَخَوَيْنِ إخْوَةً, فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ اسْمٌ لَهُمَا فَيَتَنَاوَلُهُمَا اللَّفْظُ. وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَ الْأُخْتَيْنِ حُكْمُ الثَّلَاثِ فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثَيْنِ بِنَصِّ التنزيل في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْأُخْتَيْنِ مِنْ الْأُمِّ حُكْمُ الثَّلَاثِ فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثِ دُونَ حُكْمِ الْوَاحِدَةِ, فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمَا حُكْمَ الثَّلَاثِ فِي حَجْبِ الْأُمِّ عَنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ; إذْ كَانَ حُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ حُكْمًا مُتَعَلِّقًا بِالْجَمْعِ فَاسْتَوَى فِيهِ حُكْمُ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثِ وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: "إنَّمَا يَحْجُبُ الْإِخْوَةُ الْأُمَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرِثُوا مَعَ الْأَبِ; لِأَنَّهُ يَقُومُ بِنِكَاحِهِمْ وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ دُونَ الْأُمِّ" وَهَذِهِ الْعِلَّةُ إنَّمَا هِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبِ, فَأَمَّا الْإِخْوَةُ مِنْ الْأُمِّ فَلَيْسَ إلَى الْأَبِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِمْ وَهُمْ يَحْجُبُونَ أَيْضًا كَمَا يَحْجُبُ الْإِخْوَةَ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ, وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي ثَلَاثَةِ إخْوَةٍ وَأَبَوَيْنِ أَنَّ لِلْأُمِّ السُّدُسَ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ; إلَّا شَيْئًا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عن أبيه عن ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ لِلْأُمِّ السُّدُسَ وَلِلْإِخْوَةِ السُّدُسَ الَّذِي حَجَبُوا الْأُمَّ عَنْهُ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ, وَكَانَ لَا يَحْجُبُ بِمَنْ لَا يَرِثُ, فَلَمَّا حَجَبَ الْأُمَّ بِالْإِخْوَةِ وَرِثَهُمْ". وَهُوَ قَوْلٌ شَاذّ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ خِلَافُهُ; لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ عطفا على قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ تَقْدِيرُهُ: وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ وَلَهُ إخْوَةٌ; وَذَلِكَ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لِلْإِخْوَةِ شَيْءٌ. قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ . الدَّيْنُ مُؤَخَّرٌ فِي اللَّفْظِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ بِهِ فِي الْمَعْنَى عَلَى الْوَصِيَّةِ; لِأَنَّ" أَوْ" لَا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ وَإِنَّمَا هِيَ لِأَحَدِ شَيْئَيْنِ, فَكَأَنَّهُ قِيلَ: مِنْ بَعْدِ أَحَدِ هَذَيْنِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ: "ذَكَرَ اللَّهُ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ وَهِيَ بَعْدَهُ" يَعْنِي أَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ فِي اللَّفْظِ مُؤَخَّرَةٌ فِي الْمَعْنَى. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ الْآيَةَ. هَذَا نَصٌّ مُتَّفَقٌ عَلَى تَأْوِيلِهِ كَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ, وَأَنَّ الْوَلَدَ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ يَحْجُبُ الزَّوْجَ عَنْ النِّصْفِ إلَى الرُّبْعِ وَالزَّوْجَةَ مِنْ الرُّبْعِ إلَى الثُّمُنِ إذَا كَانَ الْوَلَدُ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ. وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَيْضًا أَنَّ وَلَدَ الِابْنِ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ الصُّلْبِ فِي حَجْبِ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ عَنْ النَّصِيبِ الْأَكْثَرِ إلَى الْأَقَلِّ إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدَ الصُّلْبِ. قَوْله تَعَالَى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ قِيلَ إنَّ مَعْنَاهُ: لَا تَعْلَمُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَاَللَّهُ يَعْلَمُهُ فاقسموه على

стр. 1055

مَا بَيَّنَهُ; إذْ هُوَ عَالِمٌ بِالْمَصَالِحِ. وَقِيلَ إنَّ مَعْنَاهُ: آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ مُتَقَارِبُونَ فِي النَّفْعِ حَتَّى لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا, إذْ كُنْتُمْ تَنْتَفِعُونَ بِآبَائِكُمْ فِي حَالِ الصِّغَرِ وَتَنْتَفِعُونَ بِأَبْنَائِكُمْ عِنْدَ الْكِبَرِ, فَفَرَضَ ذَلِكَ فِي أَمْوَالِكُمْ لِلْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ عِلْمًا مِنْهُ بِمَصَالِحِ الْجَمِيعِ. وَقِيلَ: لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ أَهُوَ أَقْرَبُ وَفَاةً فَيَنْتَفِعُ وَلَدُهُ بِمَالِهِ, أَمْ الْوَلَدُ أَقْرَبُ وَفَاةً فَيَنْتَفِعُ الْأَبُ وَالْأُمُّ بِمَالِهِ, فَفَرَضَ فِي مَوَارِيثِكُمْ ما فرض علما منه وحكما. وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْحَجْبِ بِمَنْ لَا يَرِثُ, وَهُوَ أَنْ يُخَلِّفَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ أَبَوَيْنِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ وَأَخَوَيْنِ كَافِرَيْنِ أَوْ مَمْلُوكَيْنِ أَوْ قَاتِلَيْنِ, فَقَالَ عَلِيٌّ وَعُمَرُ وَزَيْدٌ: "لِلْأُمِّ الثُّلُثُ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ, وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمَةُ إذَا تَرَكَتْ زَوْجًا وَابْنًا كَافِرًا أَوْ مَمْلُوكًا أَوْ قَاتِلًا, أَوْ الرَّجُلُ تَرَكَ امْرَأَةً وَابْنًا كَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَحْجُبُونَ الزَّوْجَ وَلَا الْمَرْأَةَ عَنْ نَصِيبِهِمَا الْأَكْثَرَ إلَى الْأَقَلِّ" وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "يَحْجُبُونَ وَإِنْ لَمْ يَرِثُوا". وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: "الْمَمْلُوكُ وَالْكَافِرُ لَا يَرِثَانِ وَلَا يَحْجُبَانِ وَالْقَاتِلُ لَا يَرِثُ وَيَحْجُبُ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْأَبَ الْكَافِرَ لَا يَحْجُبُ ابْنَهُ مِنْ مِيرَاثِ جَدِّهِ وَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ, فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ حَجْبِ الْأُمِّ وَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ. وَاحْتَجَّ مَنْ حَجَبَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ. فَيُقَالُ لَهُ: فَلِمَ حَجَبْت بِهِ الْأُمَّ دُونَ الْأَبِ وَاَللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا حَجَبَهُمَا جَمِيعًا بِالْوَلَدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ؟ فَإِنْ جَازَ أَنْ لَا يَحْجُبَ الْأَبُ وَجَعَلْت قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ عَلَى وَلَدٍ يَجُوزُ الْمِيرَاثُ, فَكَذَلِكَ حُكْمُهُ فِي الْأُمِّ. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ . قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُنَّ إذَا كُنَّ أَرْبَعًا يَشْتَرِكْنَ فِي الثُّمُنِ, وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مِيرَاثِ الْأَبَوَيْنِ مَعَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ, فَقَالَ عَلِيٌّ وَعُمَرُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُثْمَانُ وَزَيْدٌ: "لِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ, وَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لِلزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ مِيرَاثُهُمَا وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ كَامِلًا وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ" وَقَالَ: "لَا أَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ثُلُثَ مَا بَقِيَ" وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ; وَرُوِيَ أَنَّهُ تَابَعَهُ فِي الْمَرْأَةِ وَالْأَبَوَيْنِ وَخَالَفَهُ فِي الزَّوْجِ وَالْأَبَوَيْنِ, لَتَفْضِيلِهِ الْأُمَّ عَلَى الْأَبِ. وَالصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ, إلَّا مَا حَكَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَظَاهِرِ الْقُرْآنِ يَدُلُّ
следующие страницы →