Полный текст (3 089 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
جَلابِيبِهِنَّ﴾ . رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "الْجِلْبَابُ الرِّدَاءُ". وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ "يَتَجَلْبَبْنَ لِيُعْلَمَ أَنَّهُنَّ حَرَائِرُ وَلَا يَعْرِضُ لَهُنَّ فَاسِقٌ". وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ قَالَ: تَقَنَّعَ عُبَيْدَةَ وَأَخْرَجَ إحْدَى عَيْنَيْهِ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: "كُنَّ إمَاءٌ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُنَّ: كَذَا وَكَذَا يَخْرُجْنَ فَيَتَعَرَّضُ لَهُنَّ السُّفَهَاءُ فَيُؤْذُوهُنَّ، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ تَخْرُجُ فَيَحْسِبُونَ أَنَّهَا أَمَةٌ فَيَتَعَرَّضُونَ لَهَا فَيُؤْذُونَهَا، فَأَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنَاتِ أَنْ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ أَنَّهُنَّ حَرَائِرُ فَلَا يُؤْذَيْنَ" وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: "تُغَطِّي الْحُرَّةُ إذَا خَرَجَتْ جَبِينَهَا وَرَأْسَهَا خِلَافَ حَالِ الْإِمَاءِ" وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَبِي خيثم عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: "لَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ خَرَجَ نِسَاءٌ مِنْ الْأَنْصَارِ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِنَّ الْغِرْبَانُ مِنْ أَكْسِيَةٍ سُودٍ يَلْبَسْنَهَا".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الشَّابَّةَ مَأْمُورَةٌ بِسَتْرِ وَجْهِهَا عَنْ الْأَجْنَبِيِّينَ وَإِظْهَارِ السِّتْرِ وَالْعَفَافِ عِنْدَ الْخُرُوجِ لِئَلَّا يَطْمَعَ أَهْلُ الرِّيَبِ فِيهِنَّ. وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ لَيْسَ عَلَيْهَا سَتْرُ وَجْهِهَا وَشَعْرِهَا; لِأَنَّ قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَرَادَ الْحَرَائِرَ، وَكَذَا رُوِيَ فِي التَّفْسِيرِ، لِئَلَّا يَكُنَّ مِثْلَ الْإِمَاءِ اللَّاتِي هُنَّ غَيْرُ مَأْمُورَاتٍ بِسَتْرِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، فَجَعَلَ السِّتْرَ فَرْقًا يُعْرَفُ بِهِ الْحَرَائِرُ مِنْ الْإِمَاءِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ الْإِمَاءَ وَيَقُولُ: اكْشِفْنَ رُءُوسَكُنَّ وَلَا تَشَبَّهْنَ بِالْحَرَائِرِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ الْآيَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: "أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ أَرَادُوا أَنْ يُظْهِرُوا نِفَاقَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أَيْ لنحرشنك" وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ: لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ لَا يُجَاوِرْنَك فِيهَا إلَّا قَلِيلًا، بِالنَّفْيِ عَنْهَا". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِرْجَافَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَالْإِشَاعَةَ بِمَا يَغُمُّهُمْ وَيُؤْذِيهِمْ يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّعْزِيرَ وَالنَّفْيَ إذَا أَصَرَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْتَهِ عَنْهُ، وَكَانَ قَوْمٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَآخَرُونَ مِمَّنْ لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي الدِّينِ وَهُمْ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَهُوَ ضَعْفُ الْيَقِينِ يُرْجِفُونَ بِاجْتِمَاعِ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ وَتَعَاضُدِهِمْ وَمَسِيرِهِمْ إلَى الْمُؤْمِنِينَ فَيُعَظِّمُونَ شَأْنَ الْكُفَّارِ بِذَلِكَ عِنْدَهُمْ وَيُخَوِّفُونَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِيهِمْ، وَأَخْبَرَ تَعَالَى بِاسْتِحْقَاقِهِمْ
стр. 2802
النَّفْيَ وَالْقَتْلَ إذَا لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ اللَّهِ وَهُوَ الطَّرِيقَةُ الْمَأْمُورُ بِلُزُومِهَا وَاتِّبَاعِهَا.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ سُنَّةِ اللَّهِ وَإِبْطَالِهَا. آخِرُ سُورَةِ الأحزاب.
стр. 2803
وَمِنْ سُورَةِ سَبَأٍ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ . رُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: تَلَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ثُمَّ قَالَ: ثَلَاثٌ مَنْ أُوتِيَهُنَّ فَقَدْ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ آلُ دَاوُد: الْعَدْلُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ وَخَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَمَلَ التَّصَاوِيرِ كَانَ مُبَاحًا، وَهُوَ مَحْظُورٌ فِي شَرِيعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ" وَقَالَ: "مَنْ صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يُحْيِيَهَا وَإِلَّا فَالنَّارُ" وَقَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ الْمُصَوِّرِينَ". وَقَدْ قِيلَ فِيهِ إنَّ الْمُرَادَ مَنْ شَبَّهَ الله تعالى بخلقه. آخر سورة سبأ.
стр. 2804
وَمِنْ سُورَةِ فَاطِرٍ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رَوَى عِكْرِمَةُ قَالَ: "ذُكِرَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ، فَقَرَأَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ فَمَا الَّذِي يَقْطَعُ هَذَا. "وَرَوَى سَالِمٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: "الْكَلِمُ الطَّيِّبُ يَرْفَعُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ الْحِلْيَةُ هَهُنَا اللُّؤْلُؤُ وَمَا يُتَحَلَّى بِهِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَرْأَةِ تَحْلِفُ أَنْ لَا تَلْبَسَ حُلِيًّا، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "اللُّؤْلُؤُ وَحْدَهُ لَيْسَ بِحُلِيٍّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ ذَهَبٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ [الرعد: ١٧] وَهَذَا فِي الذَّهَبِ دُونَ اللُّؤْلُؤِ; إذْ لا توقد عليه". وقوله ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ إنَّمَا سَمَّاهُ حِلْيَةً فِي حَالِ اللُّبْسِ، وَهُوَ لَا يُلْبَسُ وَحْدَهُ فِي الْعَادَةِ إنَّمَا يُلْبَسُ مَعَ الذَّهَبِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْحِلْيَةِ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ لَا يُوجِبُ حَمْلَ الْيَمِينِ عَلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً﴾ وَأَرَادَ بِهِ السَّمَكَ; وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَحْمًا فَأَكَلَ سَمَكًا لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾ [نوح: ١٦] وَمَنْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ فِي سِرَاجٍ وَقَعَدَ فِي الشَّمْسِ لَا يَحْنَثُ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فِيهِ الْإِبَانَةُ عَنْ فَضِيلَةِ الْعِلْمِ وَأَنَّ بِهِ يُتَوَصَّلُ إلَى خَشْيَةِ اللَّهِ وَتَقْوَاهُ; لِأَنَّ مَنْ عَرَفَ تَوْحِيدَ اللَّهِ وَعَدْلَهُ بِدَلَائِلِهِ أَوْصَلَهُ ذَلِكَ إلَى خَشْيَةِ اللَّهِ وَتَقْوَاهُ; إذْ كَانَ مَنْ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ وَلَا يَعْرِفُ عَدْلَهُ وَمَا قَصَدَ لَهُ بِخَلْقِهِ لَا يَخْشَى عِقَابَهُ وَلَا يَتَّقِيهِ; وَقَوْلُهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨] فَأَخْبَرَ أَنَّ خَيْرَ الْبَرِّيَّةِ مَنْ خَشِيَ رَبَّهُ، وَأَخْبَرَ فِي الْآيَةِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ بِاَللَّهِ هُمْ الَّذِينَ يَخْشَوْنَهُ، فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِ الْآيَتَيْنِ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ وَإِنْ كَانُوا عَلَى طَبَقَاتٍ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ وَصَفَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ الْمَوْصُوفِينَ بِالْخَشْيَةِ مِنْهُ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا
стр. 2805
رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ فَكَانَ ذَلِكَ فِي صِفَةِ الْخَاشِعِينَ لِلَّهِ الْعَامِلِينَ بِعِلْمِهِمْ; وَقَدْ ذَكَرَ فِي آيَةٍ أُخْرَى الْمُعْرِضَ عَنْ مُوجِبِ عِلْمِهِ فَقَالَ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٥, ١٧٦] إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ; فَهَذِهِ صِفَةُ الْعَالِمِ غَيْرِ الْعَامِلِ، وَالْأَوَّلُ صِفَةُ الْعَالِمِ الْمُتَّقِي لِلَّهِ. وَأَخْبَرَ عَنْ الْأَوَّلِينَ بِأَنَّهُمْ وَاثِقُونَ بِوَعْدِ اللَّهِ وَثَوَابِهِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ . رَوَى بَعْضُ السَّلَفِ قَالَ: مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ الْحُزْنُ فِي الدُّنْيَا أَلَّا تَرَاهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يَقُولُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ؟ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ" ; قِيلَ لِبَعْضِ النُّسَّاكِ: مَا بَالُ أَكْثَرِ النُّسَّاكِ مُحْتَاجِينَ إلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِهِمْ؟ قَالَ: لِأَنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَهَلْ يَأْكُلُ الْمَسْجُونُ إلَّا مِنْ يَدِ الْمُطْلَقِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ قَالَا: "مَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِ مُعَمَّرٍ آخر". وقال الشعبي: "لا ينقص من عمره" لَا يَنْقَضِي مَا يُنْقَصُ مِنْهُ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ وَسَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ"، وَالْعُمُرُ هُوَ مُدَّةُ الْأَجَلِ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ لِخَلْقِهِ فَهُوَ عَالِمٌ بِمَا يَنْقُصُ مِنْهَا بِمُضِيِّ الْأَوْقَاتِ وَالْأَزْمَانِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ . رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٍ أَنَّ الْعُمُرَ الَّذِي ذَكَّرَ اللَّهُ بِهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةٌ وَعَنْ عَلِيٍّ: "سِتُّونَ سَنَةً". وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ غِفَارٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ عَبْدًا أَحْيَاهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إلَيْهِ لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إلَيْهِ". وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي خيثم عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ إلَى ابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً". وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلُهُ مِنْ قوله.
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ النَّذِيرَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَرُوِيَ أَنَّهُ الشَّيْبُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّبِيِّ ﷺ وَسَائِرِ مَا أَقَامَ اللَّهُ مِنْ الدَّلَائِلِ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَمَا يَحْدُثُ فِي الْإِنْسَانِ مِنْ حِينِ بُلُوغِهِ إلَى آخِرِ عُمُرِهِ مِنْ التَّغَيُّرِ وَالِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ مِنْ غَيْرِ صُنْعٍ لَهُ فِيهِ وَلَا اخْتِيَارٍ مِنْهُ لَهُ، فَيَكُونُ حَدَثًا شَابًّا ثُمَّ كَهْلًا ثُمَّ شَيْخًا، وَمَا يَنْقَلِبُ فِيهِ فِيمَا بَيْنَ ذلك من
стр. 2806
مَرَضٍ وَصِحَّةٍ وَفَقْرٍ وَغِنَاءٍ وَفَرَحٍ وَحُزْنٍ، ثُمَّ مَا يَرَاهُ فِي غَيْرِهِ وَفِي سَائِرِ الْأَشْيَاءِ مِنْ حَوَادِثِ الدَّهْرِ الَّتِي لَا صُنْعَ لِلْمَخْلُوقِينَ فِيهَا; وَكُلُّ ذَلِكَ دَاعٍ لَهُ إلَى اللَّهِ وَنَذِيرٌ لَهُ إلَيْهِ كَمَا قَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [لأعراف: ١٨٥] فَأَخْبَرَ أَنَّ فِي جَمِيعِ مَا خَلَقَ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ وَرَادًّا لِلْعِبَادِ إلَيْهِ. آخِرُ سُورَةِ فَاطِرٍ.
стр. 2807
ومن سورة يس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ وَهْبِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قَالَ: "الشَّمْسُ تَطْلُعُ فَيَرَاهَا بَنُو آدَمَ حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمَ غَرَبَتْ فَتُحْبَسُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُقَالُ: اُطْلُعِي مِنْ حَيْثُ غَرَبْتِ، فَهُوَ يَوْمُ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا. الْآيَةَ". قَالَ مَعْمَرٌ: وَبَلَغَنِي عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "إذَا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي تَطْلُعُ فِيهَا الشَّمْسُ مِنْ حَيْثُ تَغْرُبُ قَامَ الْمُتَهَجِّدُونَ لِصَلَاتِهِمْ فَصَلَّوْا حَتَّى يَمَلُّوا ثُمَّ يَعُودُونَ إلَى مَضَاجِعِهِمْ، يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَاللَّيْلُ كَمَا هُوَ وَالنُّجُومُ وَاقِفَةٌ لَا تَسْرِي حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ إلَى أَخِيهِ وَيَخْرُجُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وُقُوفَهَا عَنْ السَّيْرِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلَى أَنْ تَطْلُعَ مِنْ مَغْرِبِهَا. قَالَ مَعْمَرٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّ بَيْنَ أَوَّلِ الْآيَاتِ وَآخِرِهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، قِيلَ لَهُ: وَمَا الْآيَاتُ؟ قَالَ: زَعَمَ قَتَادَةُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَالدَّجَّالَ وَالدُّخَانَ وَدَابَّةَ الْأَرْضِ وخويصة أَحَدِكُمْ وَأَمْرَ الْعَامَّةِ" ; قِيلَ لَهُ: هَلْ بَلَغَك أَيُّ الْآيَاتِ أَوَّلُ؟ قَالَ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا يَقُولُونَ: الدَّجَّالُ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ". وَرَوَى قَتَادَةُ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قَالَ: "لِوَقْتٍ وَاحِدٍ لَهَا لَا تَعْدُوهُ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَعْنِي أَنَّهَا اسْتَقَرَّتْ عَلَى سَيْرٍ وَاحِدٍ وَعَلَى مِقْدَارٍ وَاحِدٍ لَا تَخْتَلِفُ. وَقِيلَ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ لِأَبْعَدِ مَنَازِلِهَا فِي الْغُرُوبِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ عَنْ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ قَالَ: "ذَاكَ لَيْلَةُ الْهِلَالِ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تُدْرِكُهُ فَتَسْتُرُهُ بِشُعَاعِهَا حَتَّى تَمْنَعَ مِنْ رُؤْيَتِهِ; لِأَنَّهُمَا مُسَخَّرَانِ
стр. 2808
مَقْسُورَانِ عَلَى مَا رَتَّبَهُمَا اللَّهُ عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُ وَاحِدًا مِنْهُمَا أَنْ يَتَغَيَّرَ عَنْ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: "لَا يُدْرِكُ أَحَدُهُمَا ضَوْءَ الْآخَرِ" وَقِيلَ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ حَتَّى يَكُونَ نُقْصَانُ ضَوْئِهَا كَنُقْصَانِهِ وَقِيلَ: "لَا تُدْرِكُهُ فِي سُرْعَةِ السَّيْرِ". وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ عِكْرِمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ عِكْرِمَةَ قَالَ: "لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سُلْطَانٌ، لِلْقَمَرِ سُلْطَانُ اللَّيْلِ وَلِلشَّمْسِ النَّهَارُ، فَلَا يَنْبَغِي لِلشَّمْسِ أَنْ تَطْلُعَ بالليل" ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يَقُولُ: "لَا يَنْبَغِي إذَا كَانَ اللَّيْلُ أَنْ يَكُونَ لَيْلٌ آخَرُ حَتَّى يَكُونَ نَهَارًا".
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ الشَّهْرِ نَهَارٌ لَا لَيْلٌ; لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ فَإِذَا لَمْ يَسْبِقْ اللَّيْلُ النَّهَارَ وَاسْتَحَالَ اجْتِمَاعُهُمَا مَعًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ النَّهَارُ سَابِقًا لِلَّيْلِ فَيَكُونُ ابْتِدَاءً الشُّهُورِ مِنْ النَّهَارِ لَا مِنْ اللَّيْلِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ مَا ذَهَبْت إلَيْهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهَا أَحَدُ الْوُجُوهِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا عَنْ السَّلَفِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إنَّ مَعْنَاهَا أَنَّ ابْتِدَاءَ الشُّهُورِ مِنْ النَّهَارِ; فَهَذَا تَأْوِيلٌ سَاقِطٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَيْضًا فَلَمَّا كَانَتْ الشُّهُورُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ الشَّرْعِ هِيَ شُهُورُ الْأَهِلَّةِ وَالْهِلَالُ أَوَّلُ مَا يَظْهَرُ فَإِنَّمَا يَظْهَرُ لَيْلًا وَلَا يَظْهَرُ ابْتِدَاءَ النَّهَارِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ اللَّيْلِ; وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ هِيَ مِنْ رَمَضَانَ وَأَنَّ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ شَوَّالٍ هِيَ مِنْ شَوَّالٍ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ ابْتِدَاءَ الشُّهُورِ مِنْ اللَّيْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَبْتَدِءُونَ بِصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ فِيهِ الشَّيَاطِينُ"، وَجَمِيعُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ الشُّهُورِ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ. وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ شَهْرٍ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِهِ مِنْ اللَّيْلِ; لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الشُّهُورِ مِنْ اللَّيْلِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ . رُوِيَ عَنْ الضَّحَّاكِ وَقَتَادَةَ أَنَّهُ أَرَادَ سَفِينَةَ نُوحٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَنَسَبَ الذُّرِّيَّةَ إلَى الْمُخَاطَبِينَ; لِأَنَّهُمْ مِنْ جِنْسِهِمْ كَأَنَّهُ قَالَ: ذُرِّيَّةَ النَّاسِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "السُّفُنُ بَعْدَ سَفِينَةِ نُوحٍ" وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى وَعَنْ مُجَاهِدٍ: "أَنَّ الْإِبِلَ سُفُنُ الْبَرِّ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ . قَالَ قَتَادَةُ: "نُصَيِّرُهُ إلَى حَالِ الْهَرَمِ الَّتِي تُشْبِهُ حَالَ الصَّبِيِّ فِي غُرُوبِ الْعِلْمِ وَضَعْفِ الْقُوَى". وَقَالَ غَيْرُهُ: "نُصَيِّرُهُ بَعْدَ الْقُوَّةِ إلَى الضَّعْفِ وَبَعْدَ زِيَادَةِ الْجِسْمِ إلَى النُّقْصَانِ وَبَعْدَ الْحِدَةِ وَالطَّرَاوَةِ إلَى الْبِلَى". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠] وَسَمَّاهُ أَرْذَلَ الْعُمُرِ; لِأَنَّهُ لَا يُرْجَى لَهُ بَعْدَهُ عَوْدٌ مِنْ النُّقْصَانِ إلَى الزِّيَادَةِ وَمِنْ الْجَهْلِ إلَى الْعِلْمِ كَمَا يُرْجَى
стр. 2809
مَصِيرُ الصَّبِيِّ مِنْ الضَّعْفِ إلَى الْقُوَّةِ وَمِنْ الْجَهْلِ إلَى الْعِلْمِ، وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ . حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عَائِشَةَ سُئِلَتْ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَمَثَّلُ بِشَيْءٍ مِنْ الشِّعْرِ؟ فَقَالَتْ: لَا، إلَّا بِبَيْتِ أَخِي بَنِي قَيْسِ بْنِ طَرَفَةَ:
سَتُبْدِي لَك الْأَيَّامُ مَا كُنْت جَاهِلًا ... وَيَأْتِيك بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدْ
قَالَ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "يَأْتِيك مَنْ لَمْ تُزَوِّدْ بِالْأَخْبَارِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ هَكَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "إنِّي لَسْت بِشَاعِرٍ وَلَا يَنْبَغِي لِي". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يُعْطِ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ الْعِلْمَ بِإِنْشَاءِ الشِّعْرِ، لَمْ يَكُنْ قَدْ عَلَّمَهُ الشِّعْرَ; لِأَنَّهُ الَّذِي يُعْطِي فِطْنَةَ ذَلِكَ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْطَ ذَلِكَ لِئَلَّا تَدْخُلَ بِهِ الشُّبْهَةُ عَلَى قَوْمٍ فِيمَا أَتَى بِهِ مِنْ الْقُرْآنِ أَنَّهُ قَوِيٌّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا فِي طَبْعِهِ مِنْ الْفِطْنَةِ لِلشَّعْرِ; وَإِذَا كَانَ التَّأْوِيلُ أَنَّهُ لَمْ يُعْطِهِ الْفِطْنَةَ لِقَوْلِ الشِّعْرِ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يُنْشِدَ شِعْرًا لِغَيْرِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ تَمَثَّلَ بِشَعْرٍ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ:
هَلْ أَنْتَ إلَّا أُصْبُعٌ دَمَيْتَ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقَيْتَ
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْقَائِلَ لِذَلِكَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنْ أَنْشَدَ شِعْرًا لِغَيْرِهِ أَوْ قَالَ بَيْتًا أَوْ بَيْتَيْنِ لَمْ يُسَمَّ شَاعِرًا وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ الشِّعْرَ أَوْ قَدْ تَعَلَّمَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ قَدْ يُصِيبُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بِرَمْيَتِهِ وَلَا يَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ أَنْ يُسَمَّى رَامِيًا وَلَا أَنَّهُ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ؟ فَكَذَلِكَ مَنْ أَنْشَدَ شَعْرًا لِغَيْرِهِ وَأَنْشَأَ بَيْتًا وَنَحْوِهِ لَمْ يُسَمَّ شَاعِرًا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فِيهِ مِنْ أَوْضَحِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الِابْتِدَاءِ كَانَ أَقْدَرَ عَلَى الْإِعَادَةِ; إذْ كَانَ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ أَنَّ إعَادَةَ الشَّيْءِ أَيْسَرُ مِنْ ابْتِدَائِهِ، فَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْإِنْشَاءِ ابْتِدَاءً فَهُوَ عَلَى الْإِعَادَةِ أَقْدَرُ فِيمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْبَقَاءُ وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ الْقِيَاسِ وَالِاعْتِبَارِ; لِأَنَّهُ أَلْزَمَهُمْ قِيَاسَ النَّشْأَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى.
وَرُبَّمَا احْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ عَلَى أَنَّ الْعَظْمَ فِيهِ حَيَاةٌ فَيَجْعَلُهُ حَكَمَ الْمَوْتَ بِمَوْتِ الْأَصْلِ وَيَكُونُ مَيْتَةً. وَلَيْسَ كَذَلِكَ; لِأَنَّهُ إنَّمَا سَمَّاهُ حَيًّا مَجَازًا; إذْ كَانَ عُضْوًا يَحْيَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠] وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا حَيَاةَ فيها. آخر سورة يس.
стр. 2810
وَمِنْ سُورَةِ وَالصَّافَّاتِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ إلى قوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِذَبْحِهِ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ إنَّمَا تَضَمَّنَ مُعَالَجَةَ الذَّبْحِ لَا ذَبْحًا يُوجِبُ الْمَوْتَ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ حَصَلَ عَلَى شَرِيطَةِ التَّخْلِيَةِ وَالتَّمْكِينِ مِنْهُ وَعَلَى أَنْ لَا يَفْدِيَهُ بِشَيْءٍ وَأَنَّهُ إنْ فَدَى مِنْهُ بِشَيْءٍ قَائِمًا مَقَامَهُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَهُ قَدْ اقتضى الأمر قوله: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ وقوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرُهُ قَدْ اقْتَضَى الْأَمْرَ بالذبح لما قال: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ وَلَمْ يَكُنْ الذَّبْحُ فِدَاءً عَنْ ذَبْحٍ مُتَوَقَّعٍ. وَرُوِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵇ كَانَ نَذَرَ إنْ رَزَقَهُ اللَّهُ وَلَدًا ذَكَرًا أَنْ يَجْعَلَهُ ذَبِيحًا لِلَّهِ، فَأُمِرَ بِالْوَفَاءِ بِهِ. وَرُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ابْتَدَأَ بِالْأَمْرِ بِالذَّبْحِ عَلَى نَحْوِ مَا قَدَّمْنَا وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ وَرَدَ بِذَبْحِ ابْنِهِ وَذَبَحَهُ فَوَصَلَ اللَّهُ أَوْدَاجَهُ قَبْلَ خُرُوجِ الرُّوحِ وَكَانَتْ الْفِدْيَةُ لِبَقَاءِ حَيَاتِهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ تَصْرِفُ تَأْوِيلَ الْآيَةِ قَدْ تَضَمَّنَ الْأَمْرُ بِذَبْحِ الْوَلَدِ إيجَابَ شَاةٍ فِي الْعَاقِبَةِ، فَلَمَّا صَارَ مُوجِبُ هَذَا اللَّفْظِ إيجَابَ شَاةٍ فِي الْمُتَعَقِّبِ فِي شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِاتِّبَاعِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ [النحل: ١٢٣] وَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وَجَبَ عَلَى مَنْ نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ شَاةٌ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ بَعْدَهُمْ فِي ذَلِكَ فَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ: هُوَ نَحَرَ ابْنَهُ، قَالَ: "كَبْشٌ كَمَا فَدَى إبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ". وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيٍّ فِي رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ قَالَ: "يُهْدِي بَدَنَةً أَوْ دِيَتَهُ شَكَّ الرَّاوِي. وَعَنْ مَسْرُوقٍ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: "يَحُجُّ وَيُهْدِي بَدَنَةَ". وَرَوَى دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَامِرٍ فِي رَجُلٍ حَلَفَ أَنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ قَالَ: "قَالَ بَعْضُهُمْ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَبْشٌ كَمَا فُدِيَ إسحاق".
стр. 2811
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: "عَلَيْهِ ذَبْحُ شَاةٍ" وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: "لَا شَيْءَ عَلَيْهِ" وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "لَوْ نَذَرَ ذَبْحَ عَبْدِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ" وَقَالَ مُحَمَّدٌ: "عَلَيْهِ ذَبْحُ شَاةٍ". وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَبْحِ الْوَلَدِ; لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ قَدْ صَارَ عِبَارَةً عَنْ إيجَابِ شَاةٍ فِي شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ فَوَجَبَ بَقَاءُ حُكْمِهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ. وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إلَى حَدِيثِ أَبِي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ". وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَلْزَمُ الْقَائِلِينَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: "عَلَيَّ ذَبْحُ وَلَدِي" لَمَّا صَارَ عِبَارَةً عَنْ إيجَابِ ذَبْحِ شَاةٍ صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: "عَلَيَّ ذَبْحُ شَاةٍ" وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْصِيَةً، وَإِنَّمَا لَمْ يُوجِبُ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى النَّاذِرِ ذَبْحَ عَبْدِهِ شَيْئًا; لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ ظَاهِرُهُ مَعْصِيَةٌ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ ذَبْحِ شَاةٍ فَكَانَ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ. وَقَدْ قَالُوا جَمِيعًا فِيمَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَقْتُلَ وَلَدِي: إنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ; لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ ظَاهِرُهُ مَعْصِيَةٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ ذَبْحِ شَاةٍ وَقَدْ رَوَى يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: كُنْت عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إنِّي نَذَرْت أَنْ أَنْحَرَ ابْنِي قَالَ: لَا تَنْحَرِي ابْنَك وَكَفِّرِي عَنْ يَمِينِك" فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "مَهْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الظِّهَارِ مَا سَمِعْت وَأَوْجَبَ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُخَالِفٍ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إيجَابِهِ كَبْشًا; لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَذْهَبِهِ إيجَابُهُمَا جَمِيعًا إذَا أَرَادَ بِالنَّذْرِ الْيَمِينَ، كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ فِيمَنْ قَالَ" "لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ غَدًا" فَلَمْ يَفْعَلْ وَأَرَادَ الْيَمِينَ أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ وَالْقَضَاءَ جَمِيعًا. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الذَّبِيحِ مِنْ وَلَدَيْ إبْرَاهِيمَ ﵇، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَكَعْبٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ أَنَّهُ إِسْحَاقُ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ أَنَّهُ إسْمَاعِيلُ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا.
وَمَنْ قَالَ: هُوَ إسْمَاعِيلُ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ عَقِيبَ ذِكْرِ الذَّبْحِ: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً﴾ فَلَمَّا كَانَتْ الْبِشَارَةُ بَعْدَ الذَّبْحِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إسْمَاعِيلُ وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِبِشَارَةٍ بِوِلَادَتِهِ وَإِنَّمَا هِيَ بِشَارَةٌ بِنُبُوَّتِهِ; لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً﴾ .
قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ الْأَغْمَارِ فِي إيجَابِ الْقُرْعَةِ فِي الْعَبِيدِ يُعْتِقُهُمْ الْمَرِيضُ. وَذَلِكَ إغْفَالٌ مِنْهُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﵇ سَاهَمَ فِي طَرْحِهِ فِي الْبَحْرِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ كَمَا لَا تَجُوزُ الْقُرْعَةُ فِي قتل من
стр. 2812
خَرَجَتْ عَلَيْهِ وَفِي أَخْذِ مَالِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ فِيهِ ﵇ دُونَ غَيْرِهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ يَزِيدُونَ. قِيلَ: إنَّ مَعْنَى "أَوْ" هَهُنَا الْإِبْهَامُ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَرْسَلْنَاهُ إلَى أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى شَكِّ الْمُخَاطَبِينَ; إذْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى لَا يُجَوِّزُ عليك الشك. آخر سورة الصافات.
стр. 2813
وَمِنْ سُورَة ص
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِشْرَاقِ﴾ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "لَمْ يَزَلْ فِي نَفْسِي مِنْ صَلَاةِ الضُّحَى حَتَّى قَرَأْت: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِشْرَاقِ﴾ وَرَوَى الْقَاسِمُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَهْلِ قَبَا وَهُمْ يُصَلُّونَ الضُّحَى، فَقَالَ: "إنَّ صَلَاةَ الْأَوَّابِينَ إذَا رَمَضَتْ الْفِصَالُ مِنْ الضُّحَى". وَرَوَى شَرِيكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ وَنَهَانِي عَنْ ثَلَاثٍ أَوْصَانِي بِصَلَاةِ الضُّحَى وَالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَنَهَانِي عَنْ نَقْرٍ كَنَقْرِ الدِّيكِ وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ. وَرَوَى عَطِيَّةُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ: لَا يَدْعُهَا، وَيَدْعُهَا حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصَلِّيهَا. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ هَانِئٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الضُّحَى. وَعَنْ ابْنِ عُمَر: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّهَا وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: "هِيَ مِنْ أَحَبِّ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ إلَيَّ". وَرَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الضُّحَى فَقَالَ: "إنَّهَا لَفِي كِتَابِ اللَّهِ وَمَا يَغُوصُ عَلَيْهَا إلَّا غَوَّاصٌ" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور:٣٦] .
قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ﴾ قِيلَ: إنَّهُ سَخَّرَهَا مَعَهُ فَكَانَتْ تَسِيرُ مَعَهُ، وَجَعَلَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا مِنْهَا لِلَّهِ تَعَالَى; لِأَنَّ التَّسْبِيحَ لِلَّهِ هُوَ تَنْزِيهُهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ فَلَمَّا كَانَ سَيْرُهَا دَلَالَةً عَلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ جَعَلَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا مِنْهَا لَهُ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ قَالَ: "جَزَّأَ دَاوُد الدَّهْرَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ: يَوْمًا لِنِسَائِهِ، وَيَوْمًا لِقَضَائِهِ، وَيَوْمًا يَخْلُو فِيهِ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ، وَيَوْمًا لِبَنِي إسْرَائِيلَ يَسْأَلُونَهُ" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا يَدُلُّ
стр. 2814
عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَلْزَمُهُ الْجُلُوسُ لِلْقَضَاءِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَأَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى يَوْمٍ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الْكَوْنُ عِنْدَ امْرَأَتِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَأَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَقْسِمَ لَهَا يَوْمًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمِحْرَابُ صَدْرُ الْمَجْلِسِ، وَمِنْهُ مِحْرَابُ الْمَسْجِدِ، وَقِيلَ: إنَّ الْمِحْرَابَ الْغُرْفَةُ وقَوْله تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَالْخَصْمُ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ وَإِنَّمَا فَزِعَ مِنْهُمْ دَاوُد; لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِ صَلَاتِهِ عَلَى صُورَةِ الْآدَمِيِّينَ بِغَيْرِ إذْنٍ، فَقَالُوا: ﴿لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ وَمَعْنَاهُ: أَرَأَيْت إنْ جَاءَك خَصْمَانِ فَقَالَا: بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ؟ وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ هَذَا الضَّمِيرُ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُمَا كَانَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَعْضِهِمْ بَغْيٌ عَلَى بَعْضٍ وَالْمَلَائِكَةُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ الْكَذِبُ، فَعَلَمِنَا أَنَّهُمَا كَلَّمَاهُ بِالْمَعَارِيضِ الَّتِي تُخْرِجُهُمَا مِنْ الْكَذِبِ مَعَ تَقْرِيبِ الْمَعْنَى بِالْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَاهُ. وَقَوْلُهُمَا: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ هُوَ عَلَى مَعْنَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ ضَمِيرِ: أَرَأَيْت إنْ كَانَ لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً؟ وَأَرَادَ بِالنِّعَاجِ النِّسَاءَ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ دَاوُد كَانَ لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ امْرَأَةً، وَأَنَّ أُورِيَا بْنَ حَنَانٍ لَمْ تَكُنْ لَهُ امْرَأَةٌ، وَقَدْ خَطَبَ امْرَأَةً، فَخَطَبَهَا دَاوُد مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ أُورِيَا خَطَبَهَا، وَتَزَوَّجَهَا. وَكَانَ فِيهِ شَيْئَانِ مِمَّا سَبِيلُ الْأَنْبِيَاءِ التَّنَزُّهُ عَنْهُ: أَحَدُهُمَا: خِطْبَتُهُ عَلَى خِطْبَةِ غَيْرِهِ، وَالثَّانِي: إظْهَارُ الْحِرْصِ عَلَى التَّزْوِيجِ مَعَ كَثْرَةِ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ النِّسَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا وَكَانَتْ صَغِيرَةً، وَفَطِنَ حِينَ خَاطَبَهُ الْمَلَكَانِ بِأَنَّ الْأَوْلَى كَانَ بِهِ أَنْ لَا يَخْطُبَ الْمَرْأَةَ الَّتِي خَطَبَهَا غَيْرُهُ، وَقَوْلُهُ ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ يَعْنِي: خَطَبْت امْرَأَةً وَاحِدَةً قَدْ كَانَ التَّرَاضِي مِنَّا وَقَعَ بِتَزْوِيجِهَا.
وَمَا رُوِيَ فِي أَخْبَارِ الْقُصَّاصِ مِنْ أَنَّهُ نَظَرَ إلَى الْمَرْأَةِ فَرَآهَا مُتَجَرِّدَةً فَهَوِيَهَا وَقَدَّمَ زَوْجَهَا لِلْقَتْلِ، فَإِنَّهُ وَجْهٌ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ; لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَأْتُونَ الْمَعَاصِيَ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا مَعَاصٍ; إذْ لَا يَدْرُونَ لَعَلَّهَا كَبِيرَةٌ تَقْطَعُهُمْ عَنْ وِلَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلُ أنه قال: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا كَانَ بَيْنَهُمَا فِي الْخِطْبَةِ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ تَقَدَّمَ تَزْوِيجُ الْآخَرِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْخَصْمِ أَنْ يُخَاطِبَ الْحَاكِمَ بِمِثْلِهِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَ الْخَصْمَ عَنْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الْحِكَايَةِ وَالْمَثَلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَأَنَّ دَاوُد قَدْ كان
стр. 2815
عَرَفَ ذَلِكَ مِنْ فَحَوَى كَلَامِهِ، لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا حَكَمَ بِظُلْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ فَيَقَرُّ عِنْدَهُ أَوْ تَقُومُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِهِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وَهُوَ يَعْنِي الشُّرَكَاءَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَادَةَ فِي أَكْثَرِ الشُّرَكَاءِ الظُّلْمُ وَالْبَغْيُ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَقْصِدْ الْمَعْصِيَةَ بَدِيًّا وَأَنَّ كَلَامَ الْمَلَكَيْنِ أُوقَعَ لَهُ الظَّنَّ بِأَنَّهُ قَدْ أَتَى مَعْصِيَةً وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ شَدَّدَ عَلَيْهِ الْمِحْنَةَ بِهَا; لِأَنَّ الْفِتْنَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ تَشْدِيدُ التَّعَبُّدِ وَالْمِحْنَةِ، فَحِينَئِذٍ عَلِمَ أَنَّ مَا أَتَاهُ كَانَ مَعْصِيَةً وَاسْتَغْفَرَ مِنْهَا.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ رَوَى أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قالرأيت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ فِي ص وَلَيْسَتْ مِنْ الْعَزَائِمِ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي سَجْدَةِ ص: "سَجَدَهَا دَاوُد تَوْبَةً وَنَحْنُ نَسْجُدُهَا شُكْرًا". وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ رَأَى عُمَرَ سَجَدَ فِي "ص". وَرَوَى عُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ مِثْلَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ أَيْنَ أَخَذْت سَجْدَةَ "ص "؟ قَالَ: فَتَلَا عَلَيَّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَكَانَ دَاوُد سَجَدَ فِيهَا فَلِذَلِكَ سَجَدَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَرَوَى مَسْرُوقٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْجُدُ فِيهَا وَيَقُولُ: "هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ". وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهَا اقْتِدَاءً بداود لِقَوْلِهِ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَأَى فِعْلَهَا وَاجِبًا; لِأَنَّ الْأَمْرَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَهُوَ خِلَافُ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ. وَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا كَمَا سَجَدَ فِي غَيْرِهَا مِنْ مَوَاضِعِ السُّجُودِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ مَوَاضِعِ السُّجُودِ. وَأَمَّا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ "إنَّهَا لَيْسَتْ بِسَجْدَةٍ; لِأَنَّهَا تَوْبَةُ نَبِيٍّ" فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ مَوَاضِعِ السُّجُودِ إنَّمَا هُوَ حِكَايَاتٌ عَنْ قَوْمٍ مُدِحُوا بِالسُّجُودِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦] وَهُوَ مَوْضِعُ السُّجُودِ لِلنَّاسِ بِالِاتِّفَاقِ وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً﴾ [لاسراء: ١٠٧] وَنَحْوُهَا مِنْ الْآيِ الَّتِي فِيهَا حِكَايَةُ سُجُودِ قَوْمٍ فَكَانَتْ مَوَاضِعُ السُّجُودِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق:٢١] يَقْتَضِي لُزُومَ فِعْلِهِ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ فَلَوْ خَلَّيْنَا وَالظَّاهِرَ أَوْجَبْنَاهُ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ فَمَتَى اخْتَلَفْنَا فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ فَإِنَّ الظَّاهِرَ يَقْتَضِي وُجُوبَ فِعْلِهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى غَيْرِهِ وَأَجَازَ أَصْحَابُنَا الرُّكُوعَ عَنْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي تَأْوِيلِ قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾ أَنَّ مَعْنَاهُ خَرَّ سَاجِدًا فَعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنْ
стр. 2816
السُّجُودِ فَجَازَ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ; إذْ صَارَ عِبَارَةً عَنْهُ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ رَوَى أَشْعَثُ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ "الْعِلْمُ بِالْقَضَاءِ" وَعَنْ شُرَيْحٍ قَالَ "الشُّهُودُ وَالْإِيمَانُ" وَعَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلْمَيَّ قَالَ: "فَصْلُ الْخِطَابِ" قَالَ الْخُصُومُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْفَصْلُ بَيْنَ الْخُصُومِ بِالْحَقِّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ وَاجِبٌ عَلَى الْحَاكِمِ إذَا خُوصِمَ إلَيْهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ إهْمَالُ الْحُكْمِ وَهُوَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ النَّاكِلَ عَنْ الْيَمِينِ يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ; لِأَنَّ فِيهِ إهْمَالَ الْحُكْمِ وَتَرْكَ الْفَصْلِ، وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ زِيَادٍ أَنَّ فَصْلَ الْخِطَابِ" أَمَّا بَعْدُ" وَلَيْسَ زِيَادٌ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْأَقَاوِيلِ وَلَكِنَّهُ قَدْ رُوِيَ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ فَصْلٌ بَيْنَ الدُّعَاءِ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ وَبَيْنَ الْخِطَابِ الْمَقْصُودِ بِهِ الْكِتَابُ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عبيد القاسم بن سلام قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ "إنَّ اللَّهَ أخذ على الحكام ثلاثا: أن لا يتبعوا الْهَوَى وَأَنْ يَخْشَوْهُ وَلَا يَخْشَوْا النَّاسَ، وَأَنْ لَا يَشْتَرُوا بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ الْآيَةَ، وَقَرَأَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] . وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: لَمَّا اُسْتُقْضِيَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَتَاهُ الْحَسَنُ، فَبَكَى إيَاسُ فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: مَا يَبْكِيك يَا أَبَا وَائِلَةَ؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْقُضَاةَ ثَلَاثَةٌ اثْنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَهُوَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ مَالَ بِهِ الْهَوَى فَهُوَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ اجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ الْحَسَنُ: إنَّ فِيمَا قَصَّ اللَّهُ مِنْ نَبَأِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ [الأنبياء: ٧٩] فَأَثْنَى عَلَى سُلَيْمَانَ وَلَمْ يَذُمَّ دَاوُد ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ أَخَذَ عَلَى الْحُكَّامِ ثَلَاثًا، وَذَكَرَ نَحْوَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ بُيِّنَ فِي حَدِيثِ أَبِي بُرَيْدَةَ مَعْنَى مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا أَخْطَأَ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد السجستاني قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانٍ السمني قَالَ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ
стр. 2817
عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ" فَأَخْبَرَ أَنَّ الَّذِي فِي النَّارِ مِنْ الْمُخْطِئِينَ هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ عَلَى الْقَضَاءِ بِجَهْلٍ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ إلى قوله: ﴿بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ: صُفُونُ الْفَرَسِ رَفْعُ إحْدَى يَدَيْهِ حَتَّى تَكُونَ عَلَى طَرَفِ الْحَافِرِ وَذَاكَ مِنْ عَادَةِ الْخَيْلِ وَالْجِيَادُ السِّرَاعُ مِنْ الْخَيْلِ، يُقَالُ فَرَسٌ جَوَادٌ، إذَا جَادَ بِالرَّكْضِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ الَّذِي يُنَالُ بِهَذَا الْخَيْلِ فَشُغِلْت بِهِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، وَهُوَ الصَّلَاةُ الَّتِي كَانَ يَفْعَلُهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَيَحْتَمِلُ: إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ، وَهُوَ يُرِيدُ بِهِ الْخَيْلَ نَفْسَهَا فَسَمَاهَا خَيْرًا لِمَا يُنَالُ بِهَا مِنْ الْخَيْرِ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقِتَالِ أَعْدَائِهِ. وَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ مَعْنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِي لِرَبِّي وَقِيَامِي بِحَقِّهِ فِي اتِّخَاذِ هَذَا الْخَيْلِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ "حَتَّى تَوَارَتْ الشَّمْسُ بِالْحِجَابِ" قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ كَقَوْلِ لَبِيدٍ:
حَتَّى إذَا أَلْقَتْ يَدًا فِي كَافِرٍ ... وَأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلَامُهَا
وَكَقَوْلِ حَاتِمٍ:
أَمَاوِيُ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنْ الْفَتَى ... إذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ
فَأَضْمَرَ النَّفْسَ فِي قَوْلِهِ: "حَشْرَجَتْ" وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ مَسْعُودٌ: "حَتَّى تَوَارَثَ الْخَيْلُ بِالْحِجَابِ". وقَوْله تَعَالَى: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَعَلَ يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا حُبًّا لَهَا وَهَذَا كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعِيدٍ الطالقاني قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ قَالَ حَدَّثَنِي عَقِيلُ بْنُ شَبِيبٍ عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيُّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ارْتَبِطُوا الْخَيْلَ وَامْسَحُوا بِنَوَاصِيهَا وَأَعْجَازِهَا" أَوْ قَالَ "أَكْفَالِهَا وَقَلِّدُوهَا وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ". فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ سُلَيْمَانُ إنَّمَا مَسَحَ أَعْرَافَهَا وَعَرَاقِيبَهَا عَلَى نَحْوِ مَا نَدَبَ إلَيْهِ نَبِيُّنَا ﷺ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَشَفَ عَرَاقِيبَهَا وَضَرَبَ أَعْنَاقَهَا وَقَالَ "لَا تَشْغَلِينِي عَنْ عِبَادَةِ رَبِّي مَرَّةً أُخْرَى". وَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ وَالثَّانِي جَائِزٌ وَمَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى إبَاحَةِ لُحُومِ الْخَيْلِ; إذْ لَمْ يَكُنْ لِيُتْلِفَهَا بِلَا نَفْعٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ; لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمَ الْأَكْلِ وَتَعَبَّدَ اللَّهَ بِإِتْلَافِهِ، وَيَكُونُ الْمَنْفَعَةُ فِي تَنْفِيذِ الْأَمْرِ دُونَ غَيْرِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ جَائِزًا أَنْ يُمِيتَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيَمْنَعَ النَّاسَ
стр. 2818
مِنْ الِانْتِفَاعِ بِأَكْلِهِ فَكَانَ جَائِزًا أَنْ يُتَعَبَّدَ بِإِتْلَافِهِ وَيُحْظَرَ الِانْتِفَاعُ بِأَكْلِهِ بَعْدَهُ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةَ أَيُّوبَ قَالَ لَهَا إبْلِيسُ إنْ شَفَيْتُهُ تَقُولِينَ لِي أَنْتَ شَفَيْتُهُ فَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ أَيُّوبَ فَقَالَ "إنْ شَفَانِي اللَّهُ ضَرَبْتُكِ مِائَةَ سَوْطٍ فَأَخَذَ شَمَارِيخَ قَدْرَ مِائَةٍ فَضَرَبَهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً. قَالَ عَطَاءٌ وَهِيَ لِلنَّاسِ عَامَّةٌ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد بن إسحاق قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ فَأَخَذَ عُودًا فِيهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ عُودًا وَالْأَصْلُ تَمَامُ الْمِائَةِ فَضَرَبَ بِهِ امْرَأَتَهُ وَذَلِكَ أَنَّ امْرَأَتَهُ أَرَادَهَا الشَّيْطَانُ عَلَى بَعْضِ الْأَمْرِ فَقَالَ لَهَا: قَوْلِي لِزَوْجِك يَقُولُ كَذَا وَكَذَا فَقَالَتْ لَهُ قُلْ كَذَا وَكَذَا فَحَلَفَ حِينَئِذٍ أَنْ يَضْرِبَهَا فَضَرَبَهَا تَحِلَّةً لَيَمِينِهِ وَتَخْفِيفًا عَلَى امْرَأَتِهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ فَجَمَعَهَا كُلَّهَا وَضَرَبَهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً أَنَّهُ يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ إذَا أَصَابَ جَمِيعُهَا; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ وَالضِّغْثُ هُوَ مِلْءُ الْكَفِّ مِنْ الْخَشَبِ أَوْ السِّيَاطِ أَوْ الشَّمَارِيخِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ بَرَّ في يمينه; لقوله ﴿وَلا تَحْنَثْ﴾ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدٌ "إذَا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً بَعْدَ أَنْ يُصِيبَهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُ فَقَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ" وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ لَا يَبَرُّ وَهَذَا الْقَوْلُ خِلَافُ الْكِتَابِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ لَا يَحْنَثُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ هِيَ لِأَيُّوبَ خَاصَّةً وَقَالَ عَطَاءٌ لِلنَّاسِ عَامَّةٌ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ دَلَالَةُ الْآيَةِ ظَاهِرَةٌ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ يُسَمَّى ضَارِبًا لِمَا شَرَطَ مِنْ الْعَدَدِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْبِرَّ فِي يَمِينِهِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ; لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْنَثْ﴾ وَزَعَمَ بَعْضُ مِنْ يَحْتَجُّ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لِأَيُّوبَ خَاصَّةً; لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ فَلَمَّا أَسْقَطَ عَنْهُ الْحِنْثَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جُعِلَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فَأَدَّاهَا أَوْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى شَيْءٍ وَهَذَا حِجَاجٌ ظَاهِرُ السُّقُوطِ لَا يَحْتَجُّ بِمِثْلِهِ مَنْ يَعْقِلُ ذَلِكَ; لِتَنَاقُضِهِ وَاسْتِحَالَتِهِ وَمُخَالِفَتِهِ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ وَالْيَمِينُ تَتَضَمَّنْ شَيْئَيْنِ حِنْثًا أَوْ بِرًّا فَإِذَا أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فَقَدْ أَخْبَرَ بِوُجُودِ الْبِرِّ; إذْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ فَتَنَاقُضُهُ وَاسْتِحَالَتُهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا يُوجِبُ أَنَّ كُلَّ مَنْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ بِأَنْ يَفْعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جُعِلَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عَلَى قَضِيَّتِهِ لِسُقُوطِ الْحِنْثِ، وَلَوْ كَانَ لِأَيُّوبَ خَاصَّةً وَكَانَ عِبَادَةً تَعَبَّدَ بِهَا دُونَ
стр. 2819
غَيْرِهِ كَانَ لِلَّهِ أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُ الْحِنْثَ وَلَا يُلْزِمَهُ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْهَا بِالضِّغْثِ فَلَا مَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ لَضَرْبِهَا بِالضِّغْثِ; إذْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ بِرٌّ فِي الْيَمِينِ. وَزَعَمَ هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَتَعَبَّدَ بِمَا شَاءَ فِي الْأَوْقَاتِ وَفِيمَا تَعَبَّدَنَا بِهِ ضَرْبُ الزَّانِي قَالَ: وَلَوْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً بِشَمَارِيخَ لَمْ يَكُنْ حَدًّا قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا ضَرْبُ الزَّانِي بِشَمَارِيخَ فَلَا يَجُوزُ إذَا كَانَ صَحِيحًا سَلِيمًا، وَقَدْ يَجُوزُ إذَا كَانَ عَلِيلًا يُخَافُ عَلَيْهِ; لِأَنَّهُ لَوْ أَفْرَدَ كُلَّ ضَرْبَةٍ لَمْ يَجُزْ إذَا كَانَ صَحِيحًا، وَلَوْ جَمَعَ أَسْوَاطًا فَضَرَبَهُ بِهَا وَأَصَابَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا أُعِيدَ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَسْوَاطِ، وَإِنْ كَانَتْ مُجْتَمَعَةً فَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَالِ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ. وَأَمَّا فِي الْمَرَضِ فَجَائِزٌ أَنْ يَقْتَصِرَ مِنْ الضَّرْبِ عَلَى شَمَارِيخَ أَوْ دِرَّةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَهُ أَيْضًا فَيَضْرِبَهُ بِهِ ضَرْبَةً. وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الهمداني قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنَّهُ اشْتَكَى رِجْلٌ مِنْهُمْ حَتَّى أَضْنَى فَعَادَ جِلْدَةً عَلَى عَظْمٍ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ لِبَعْضِهِمْ فَهَشَّ لَهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رِجَالُ قَوْمِهِ يَعُودُونَهُ أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ وَقَالَ: اسْتَفْتُوا لِي النَّبِيَّ ﷺ فَإِنِّي قَدْ وَقَعْت عَلَى جَارِيَةٍ دَخَلَتْ عَلَيَّ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا أَحَدًا بِهِ مِنْ الضُّرِّ مِثْلَ الَّذِي هُوَ بِهِ لَوْ حَمَلْنَاهُ إلَيْك لَتَفَسَّخَتْ عِظَامُهُ مَا هُوَ إلَّا جِلْدٌ عَلَى عَظْمٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْخُذُوا لَهُ شَمَارِيخَ مِائَةَ شِمْرَاخٍ فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً. وَرَوَاهُ بُكَيْر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدٍ، وَقَالَ فِيهِ: "فَخُذُوا عثكالا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَاضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً"، فَفَعَلُوا وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عِبَادَةَ، وَقَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ هَذَا وُلِدَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَصْلٌ
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَضْرِبَ امْرَأَتَهُ تَأْدِيبًا، لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَيُّوبُ لِيَحْلِفَ عَلَيْهِ وَيَضْرِبَهَا، وَلَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِضَرْبِهَا بَعْدَ حَلِفِهِ. وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ وَأَبَاحَهُ مِنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ إذَا كَانَتْ نَاشِزًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوَزهُنً﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] وَقَدْ دَلَّتْ قِصَّةُ أَيُّوبَ عَلَى أَنَّ لَهُ ضَرْبَهَا تَأْدِيبًا لِغَيْرِ نُشُوزٍ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] فَمَا رُوِيَ مِنْ الْقِصَّةِ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ دَلَالَةِ قِصَّةِ أَيُّوبَ; لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا لَطَمَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرَادَ أَهْلُهَا الْقِصَاصَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ
стр. 2820
اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] . وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَحْلِفَ وَلَا يَسْتَثْنِيَ; لِأَنَّ أَيُّوبَ حَلَفَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ. وَنَظِيرُهُ مِنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ الْأَشْعَرِيِّينَ حِينَ اسْتَحْمَلُوهُ فَقَالَ: "وَاَللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ" وَلَمْ يَسْتَثْنِ، ثُمَّ حَمَلَهُمْ وَقَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ". وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ثُمَّ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَجِبْ كَفَّارَةٌ لَتَرَكَ أَيُّوبَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى أَنْ يَضْرِبَهَا بِالضِّغْثِ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: "لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إذَا فَعَلَ مَا هُوَ خَيْرٌ". وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا منها فليأت الذي هو خير وذلك كَفَّارَتُهُ". وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ يُجَاوَزُ بِهِ الْحَدُّ; لِأَنَّ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَهَا مِائَةً فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوَفَاءِ بِهِ. إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنْ الْمُعْتَدِينَ". وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ إذَا كَانَتْ مُطْلَقَةً فَهِيَ عَلَى الْمُهْلَةِ وَلَيْسَتْ عَلَى الْفَوْرِ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ أَيُّوبَ لَمْ يَضْرِبْ امْرَأَتَهُ فِي فَوْرِ صِحَّتِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى ضَرْبِ عَبْدِهِ أَنَّهُ لَا يَبَرُّ إلَّا أَنْ يَضْرِبَهُ بِيَدِهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾ إلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا فِيمَنْ لَا يَتَوَلَّى الضَّرْبَ بِيَدِهِ: "إنْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِضَرْبِهِ لَا يَحْنَثُ لِلْعُرْفِ". وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ; لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَرَاخِيًا عَنْهَا لَأُمِرَ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالضَّرْبِ. وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْحِيلَةِ فِي التَّوَصُّلِ إلَى مَا يَجُوزُ فِعْلُهُ وَدَفْعِ الْمَكْرُوهِ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ بِضَرْبِهَا بِالضِّغْثِ; لِيَخْرُجَ بِهِ مِنْ الْيَمِينِ وَلَا يَصِلَ إلَيْهَا كثير ضرر. آخر سورة ص.
стр. 2821
وَمِنْ سُورَةِ الزُّمَرِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَوْله تَعَالَى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ "ثُمَّ" رَاجِعَةٌ إلَى صِلَةِ الْكَلَامِ، كَأَنَّهُ قَالَ: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ أَخْبَرَكُمْ أَنَّهُ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ رُجُوعُهَا إلَى الْمَخْلُوقِينَ مِنْ الْأَوْلَادِ عَلَى مَعْنَى التَّرْتِيبِ; لِأَنَّ الْوَالِدَيْنِ قَبْلَ الْوَلَدِ. وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً﴾ [الأنعام: ١٥٤] ونحو ذلك آخر سورة الزمر.
стр. 2822
وَمِنْ سُورَةِ الْمُؤْمِنِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً﴾ رَوَى سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ فِي قوله: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً﴾ قَالَ: بُنِيَ بِالْآجُرِّ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَبْنُوا بِالْآجُرِّ وَيَجْعَلُونَهُ فِي قُبُورِهِمْ".
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ رَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ الْأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ عَنْ سَبِيعٍ الْكِنْدِيِّ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أن الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية".
وقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ قَبْلَ الْقِيَامَةِ. آخِرُ سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ.
стр. 2823
وَمِنْ سُورَةِ حم السَّجْدَةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ . فِيهِ بَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ أَحْسَنُ قَوْلٍ وَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى لُزُومِ فَرْضِ الدُّعَاءِ إلَى اللَّهِ; إذْ لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ النَّفَلُ أَحْسَنَ مِنْ الْفَرْضِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الدُّعَاءُ إلَى اللَّهِ فَرْضًا، وَقَدْ جَعَلَهُ مِنْ أَحْسَنِ قَوْلٍ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّفَلُ أَحْسَنَ مِنْ الْفَرْضِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ الْآيَةَ. قِيلَ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيَقُولُونَ لَا تَخَفْ مِمَّا أَنْتَ قَادِمٌ عَلَيْهِ فَيُذْهِبُ اللَّهُ خَوْفَهُ، وَلَا تَحْزَنْ عَلَى الدُّنْيَا، وَلَا عَلَى أَهْلِهَا فَيُذْهِبُ اللَّهُ خَوْفَهُ، وَأَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّمَا يَقُولُونَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْقِيَامِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْقَبْرِ فَيَرَى تِلْكَ الْأَهْوَالَ، فَيَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَذَا غَيْرُك، وَيَقُولُونَ لَهُ: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُك فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَلَا يُفَارِقُونَهُ تَأْنِيسًا لَهُ إلَى أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثم استقاموا﴾ قَالَ: "أَخْلَصُوا لَهُ الدِّينَ وَالْعَمَلَ وَالدَّعْوَةَ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: ذَكَرَ اللَّهُ الْعَدُوَّ فَأَخْبَرَ بِالْحِيلَةِ فِيهِ حَتَّى تَزُولَ عَدَاوَتُهُ وَيَصِيرَ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: وَأَنْتَ رُبَّمَا لَقِيتَ بَعْضَ مَنْ يَنْطَوِي لَك عَلَى عَدَاوَةٍ وَضِغْنٍ فَتَبْدَأُهُ بِالسَّلَامِ أَوْ تَبَسَّمَ فِي وَجْهِهِ فَيَلِينُ لَك قَلْبُهُ وَيُسْلِمُ لَك صَدْرَهُ. قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ الْحَاسِدَ فَعَلِمَ أَنْ لَا حِيلَةَ عِنْدَنَا فِيهِ وَلَا فِي اسْتِمْلَاكِ سَخِيمَتِهِ وَاسْتِخْرَاجِ ضَغِينَتِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥] فَأَمَرَ بِالتَّعَوُّذِ مِنْهُ حِينَ عَلِمَ أَنْ لَا حِيلَةَ عِنْدَنَا فِي رِضَاهُ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ الْآيَةَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: اُخْتُلِفَ فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وَهُمْ
стр. 2824
لا يَسْأَمُونَ﴾ وَرُوِيَ عَنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَوْلَى أَنَّهَا عِنْدَ آخِرِ الْآيَتَيْنِ; لِأَنَّهُ تَمَامُ الْكَلَامِ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّ السَّلَفَ لَمَّا اخْتَلَفُوا كَانَ فِعْلُهُ بِالْآخِرِ مِنْهُمَا أَوْلَى; لِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى جَوَازِ فِعْلِهَا بِأُخْرَاهُمَا وَاخْتِلَافِهِمْ فِي جَوَازِهَا بِأُولَاهُمَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً﴾ الْآيَةَ. يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَعَلَهُ أَعْجَمِيًّا كَانَ أَعْجَمِيًّا فَكَانَ يَكُونُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا، وَأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ عَرَبِيَّا; لِأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَقْلَهُ إلَى لُغَةِ الْعَجَمِ لَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يكون قرآنا. آخر سورة حم السجدة.
стр. 2825
ومن سورة حم عسق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى بُطْلَانِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى مَا سَبِيلُهُ أَنْ لَا يُفْعَلَ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ; لِإِخْبَارِهِ تَعَالَى بِأَنَّ مَنْ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا فَلَا حَظَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، فَيَخْرُجُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ قِرْبَةً، فَلَا يَقَعُ مَوْقِعَ الْجَوَازِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: "مَعْنَاهُ إلَّا أَنْ تَوَدُّونِي لِقَرَابَتِي مِنْكُمْ" قَالُوا: "كُلُّ قُرَيْشٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَرَابَةٌ". وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "إلَّا أَنْ تَوَدُّوا قَرَابَتِي". وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أَيْ إلَّا التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ وَالتَّوَدُّدَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلَى جَلَالَةِ مَوْقِعِ الْمَشُورَةِ لِذِكْرِهِ لَهَا مَعَ الْإِيمَانِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّا مَأْمُورُونَ بِهَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي مَعْنَى الْآيَةِ قَالَ: "كَانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُذِلُّوا أَنْفُسَهُمْ فَيَجْتَرِئُ عَلَيْهِمْ الْفُسَّاقُ". وَقَالَ السُّدِّيّ ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ مَعْنَاهُ: مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ نَدَبَنَا اللَّهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ إلَى الْعَفْوِ عَنْ حُقُوقِنَا قِبَلَ النَّاسِ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقَوْله تَعَالَى فِي شَأْنِ الْقِصَاصِ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] . وَأَحْكَامُ هَذِهِ الْآيِ ثَابِتَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى أَنَّ الِانْتِصَارَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَفْضَلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَرَنَهُ إلَى ذِكْرِ الِاسْتِجَابَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ؟ وَهُوَ
стр. 2826
مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُذِلُّوا أَنْفُسَهُمْ فَيَجْتَرِئُ الْفُسَّاقُ عَلَيْهِمْ، فَهَذَا فِيمَنْ تَعَدَّى وَبَغَى وَأَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمَوْضِعُ الْمَأْمُورُ فِيهِ بِالْعَفْوِ إذَا كَانَ الْجَانِي نَادِمًا مُقْلِعًا. وَقَدْ قَالَ عَقِيبَ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ إبَاحَةُ الِانْتِصَارِ لَا الْأَمْرُ بِهِ، وَقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغُفْرَانِ عَنْ غَيْرِ الْمُصِرِّ. فَأَمَّا الْمُصِرُّ عَلَى الْبَغْيِ وَالظُّلْمِ فَالْأَفْضَلُ الِانْتِصَارُ مِنْهُ، بِدَلَالَةِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ قَالَ: هَذَا فِيمَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ الْقِصَاصِ، فَأَمَّا لَوْ ظَلَمَك رِجْلٌ لَمْ يَحِلَّ لَك أَنْ تَظْلِمَهُ. آخِرُ سُورَةِ حم عسق.
стр. 2827
ومن سورة الزخرف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فِي التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الرُّكُوبِ
قَوْله تَعَالَى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَّهُ شَهِدَ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - حِينَ رَكِبَ، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ فَلَمَّا اسْتَوَى قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، قَالَ: ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَكَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، ثُمَّ ضَحِكَ فَقِيلَ لَهُ: مِمَّ تَضْحَكُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: "رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتُ وَقَالَ مِثْلَ الَّذِي قُلْتُ، ثُمَّ ضَحِكَ فَقِيلَ لَهُ: مِمَّ تَضْحَكُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: الْعَبْدُ، أَوْ قَالَ "عَجَبٌ لِلْعَبْدِ إذَا قَالَ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا هُوَ". وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ إذَا رَكِبَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَنُّك وَفَضْلُك عَلَيْنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّنَا ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ. وَرَوَى حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَى ذِرْوَةِ سَنَامِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانٌ فَإِذَا رَكِبْتُمُوهَا فَقُولُوا كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّهُ: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ". وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: "إذَا رَكِبَ الدَّابَّةَ فَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ رَدَفَهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُ: تَغَنَّ فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ قَالَ له: تمن".
стр. 2828
فَصْلٌ فِي إبَاحَةِ لُبْسِ الْحُلِيِّ لِلنِّسَاءٍ
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٌ "رُخِّصَ لِلنِّسَاءِ فِي الذَّهَبِ"، ثم قرأ: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي
стр. 2829
الْحِلْيَةِ﴾ وَرَوَى نَافِعٌ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حَلَالٌ لِإِنَاثِهَا". وَرَوَى شَرِيكٌ عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ رزيح عَنْ الْبَهِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ يَمُصُّ الدَّمَ عَنْ شَجَّةٍ بِوَجْهِ أُسَامَةَ وَيَمُجُّهُ: "لَوْ كَانَ أُسَامَةُ جَارِيَةً لَحَلَّيْنَاهُ، لَوْ كَانَ أُسَامَةَ جَارِيَةً لَكَسَوْنَاهُ لِتُنْفِقَهُ". وَفِي حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى امْرَأَتَيْنِ عَلَيْهِمَا أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: "أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللَّهُ بِأَسْوِرَةٍ مِنْ نَارٍ؟ " قَالَتَا: لَا قَالَ: "فَأَدِّيَا حَقَّ هَذَا! ". وَقَالَتْ عَائِشَةُ: "لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْحُلِيِّ إذَا أَعْطَى زَكَاتَهُ". وَكَتَبَ عُمَرُ إلَى أَبِي مُوسَى أَنْ مُرْ مَنْ قِبَلَك مِنْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَصَّدَّقْنَ مِنْ الْحُلِيِّ. وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ عَائِشَةَ حَلَّتْ أَخَوَاتِهَا الذَّهَبَ، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَلَّى بَنَاتَه الذَّهَبَ.، وَقَدْ رَوَى خُصَيْفٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ نَرْبِطُ الْمِسْكَ بِشَيْءٍ مِنْ الذَّهَبِ؟ قَالَ: "أَفَلَا تَرْبِطُونَهُ بِالْفِضَّةِ ثُمَّ تُلَطِّخُونَهُ بِشَيْءٍ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَيَكُونُ مِثْلَ الذَّهَبِ". وَرَوَى جَرِيرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْت قَاعِدًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "سِوَارَانِ مِنْ نَارٍ" فَقَالَتْ: قُرْطَانِ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: "قُرْطَانِ مِنْ نَارٍ"، قَالَتْ: طَوْقٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: "طَوْقٌ مِنْ نَارٍ"، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا لَمْ تَتَزَيَّنْ لِزَوْجِهَا صَلِفَتْ عِنْدَهُ، فَقَالَ: "مَا يَمْنَعُكُنَّ أَنْ تَجْعَلْنَ قُرْطَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ تُصَفِّرِينَهُ بِعَنْبَرٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ فَإِذَا هُوَ كَالذَّهَبِ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي إبَاحَتِهِ لِلنِّسَاءِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ أَظْهَرُ وَأَشْهُرُ مِنْ أَخْبَارِ الْحَظْرِ، وَدَلَالَةُ الْآيَةِ أَيْضًا ظَاهِرَةٌ فِي إبَاحَتِهِ لِلنِّسَاءِ، وَقَدْ اسْتَفَاضَ لُبْسُ الْحُلِيِّ لِلنِّسَاءِ مُنْذُ لَدُنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ إلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ أَحَدٍ عَلَيْهِنَّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِإِخْبَارِ الْآحَادِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ يَعْنِي أَنَّ الْكُفَّارَ قَالُوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا الْأَصْنَامَ وَلَا الْمَلَائِكَةَ، وَإِنَّا إنَّمَا عَبَدْنَاهُمْ; لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ شَاءَ مِنَّا ذَلِكَ فَأَكْذَبَهُمْ اللَّهُ فِي قِيلِهِمْ هَذَا وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَخْرُصُونَ وَيَكْذِبُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَشَأْ كُفْرَهُمْ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] أَخْبَرَ فِيهِ أَنَّهُمْ مُكَذِّبُونَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ بِقَوْلِهِمْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا، وَأَبَانَ بِهِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ شَاءَ أَنْ لَا يُشْرِكُوا. وَهَذَا كُلُّهُ يُبْطِلُ مَذْهَبَ الْجَبْرِ والجهمية.
قَوْله تَعَالَى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ
стр. 2830
بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى إبْطَالِ التَّقْلِيدِ لِذَمِّهِ إيَّاهُمْ عَلَى تَقْلِيدِ آبَائِهِمْ وَتَرْكِهِمْ النَّظَرَ فِيمَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يَنْتَظِمُ مَعْنَيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْحَقِّ غَيْرُ نَافِعَةٍ إلَّا مَعَ الْعِلْمِ وَأَنَّ التَّقْلِيدَ لَا يُغْنِي مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِصِحَّةِ الْمَقَالَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ شَرْطَ سَائِرِ الشَّهَادَاتِ فِي الْحُقُوقِ وَغَيْرِهَا أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ عَالِمًا بِهَا. وَنَحْوُهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا رَأَيْت مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ".
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قَالَ: "نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ عِلْمٌ لِلسَّاعَةِ"، وَنَاسٌ يَقُولُونَ: "الْقُرْآنُ عِلْمٌ لِلسَّاعَةِ". آخر سورة الزخرف.
стр. 2831
وَمِنْ سُورَةِ الْجَاثِيَةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ قَالَ: نَسَخَهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ قَالَ: "لَا يَهْوَى شَيْئًا إلَّا رَكِبَهُ، لَا يَخَافُ اللَّهَ" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ الْهَوَى إلَهٌ يُعْبَدُ، وَتَلَا قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ يَعْنِي يُطِيعُهُ كَطَاعَةِ الْإِلَهِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: "كَانُوا يَعْبُدُونَ الْعُزَّى وَهُوَ حَجَرٌ أَبْيَضُ حِينًا مِنْ الدَّهْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ طَرَحُوا الْأَوَّلَ وَعَبَدُوا الْآخَرَ" وَقَالَ الْحَسَنُ: "اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ يَعْنِي لَا يَعْرِفُ إلَهَهُ بِحُجَّةِ عَقْلِهِ، وَإِنَّمَا يَعْرِفُهُ بِهَوَاهُ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ قِيلَ هُوَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، أَيْ: نَحْيَا وَنَمُوتُ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ، وَقِيلَ: نَمُوتُ وَيَحْيَا أَوْلَادُنَا، كَمَا يُقَالُ: مَا مَاتَ مَنْ خَلَّفَ ابْنًا مِثْلَ فُلَانٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ فَإِنَّهُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ قَالَ: "قَالَ ذَلِكَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، قَالُوا: مَا يُهْلِكُنَا إلَّا الدَّهْرُ، يَقُولُونَ: إلَّا الْعُمُرُ" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا قَوْلُ زَنَادِقَةِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كَانُوا يُنْكِرُونَ الصَّانِعَ الْحَكِيمَ، وَأَنَّ الزَّمَانَ وَمُضِيَّ الْأَوْقَاتِ هُوَ الَّذِي يُحْدِثُ هَذِهِ الْحَوَادِثَ. وَالدَّهْرُ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى زَمَانِ الْعُمُرِ كَمَا قَالَ قَتَادَةُ، يُقَالُ: فُلَانٌ يَصُومُ الدَّهْرَ، يَعْنُونَ عُمْرَهُ كُلَّهُ وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّ مِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا الدَّهْرَ أَنَّهُ عَلَى عُمُرِهِ كُلِّهِ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: "وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك الْأَبَدَ" وَأَمَّا قَوْلُهُ: "لَا أُكَلِّمُك دَهْرًا" فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ،
стр. 2832
وَلَمْ يَعْرِفْ أَبُو حَنِيفَةَ مَعْنَى دَهْرًا فَلَمْ يُجِبْ فِيهِ بِشَيْءٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: "لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ"، فَتَأَوَّلَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَنْسِبُونَ الْحَوَادِثَ الْمُجْحِفَةَ وَالْبَلَايَا النَّازِلَةَ وَالْمَصَائِبَ الْمُتْلِفَةَ إلَى الدَّهْرِ، فَيَقُولُونَ فَعَلَ الدَّهْرُ بِنَا وَصَنَعَ بِنَا، وَيَسُبُّونَ الدَّهْرَ كَمَا قَدْ جَرَتْ عَادَةُ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ بِأَنْ يَقُولُوا: أَسَاءَ بِنَا الدَّهْرُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَسُبُّوا فَاعِلَ هَذِهِ الْأُمُورِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ فَاعِلُهَا وَمُحْدِثُهَا. وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَاحِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرَ بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ" قَالَ ابْنُ السَّرْحِ: عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ مَكَانَ سَعِيدٍ فَقَوْلُهُ: "وَأَنَا الدَّهْرَ" مَنْصُوبٌ بِأَنَّهُ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: أَنَا أَبَدًا بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَكَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَنَا الْيَوْمَ بِيَدِي الْأَمْرُ أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا وَلَوْ كَانَ مَرْفُوعًا كَانَ الدَّهْرُ اسْمًا لِلَّهِ - تَعَالَى - وَلَيْسَ كَذَلِكَ; لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُسَمِّي اللَّهَ بِهَذَا الِاسْمِ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرَ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا" فَهَذَانِ هُمَا أَصْلُ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ، وَالْمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنَّمَا غَلِطَ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَنَقَلَ الْمَعْنَى عِنْدَهُ فَقَالَ: "لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرَ" وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ: "يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ" فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَا يَلْحَقُهُ الْأَذَى وَلَا الْمَنَافِعُ وَالْمَضَارُّ، وَإِنَّمَا هُوَ مَجَازٌ مَعْنَاهُ: يُؤْذِي أَوْلِيَائِي; لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْفَاعِلُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْسُبُهَا الْجُهَّالُ إلَى الدَّهْرِ، فَيَتَأَذَّوْنَ بِذَلِكَ كَمَا يَتَأَذَّوْنَ بِسَمَاعِ سَائِرِ ضُرُوبِ الْجَهْلِ وَالْكُفْرِ، وَهُوَ كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وَمَعْنَاهُ: يُؤْذُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ. آخِرُ سُورَةِ حم الجاثية.
стр. 2833
وَمِنْ سُورَةِ الْأَحْقَافِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ أَمَرَ بِرَجْمِ امْرَأَةٍ قَدْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: قَالَ الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ وَقَالَ: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ سَأَلَ النَّاسَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَنَّ عُثْمَانَ رَجَعَ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ كُلَّ مَا زَادَ فِي الْحَمْلِ نَقَصَ مِنْ الرَّضَاعِ، فَإِذَا كَانَ الْحَمْلُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فَالرَّضَاعُ وَاحِدٌ وَعِشْرُونَ شَهْرًا، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ جَمِيعُ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الرَّضَاعَ حَوْلَانِ فِي جَمِيعِ النَّاسِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَنْ زَادَ حَمْلُهُ أَوْ نَقَصَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد: ٨] : مَا نَقَصَ عَنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ زَادَ عَلَيْهَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ: "أَشُدُّهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً" وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: "هُوَ بُلُوغُ الْحُلُمِ" وَقَالَ الْحَسَنُ: "أَشُدُّهُ قِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ".
وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِك فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاسْتَوَى جَالِسًا وَقَالَ: "أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا". وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الجرجاني قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ . قَالَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: "لَوْ شِئْت أَنْ أُذْهِبَ طَيِّبَاتِي فِي حَيَاتِي لَأَمَرْت بِجَدْيٍ سَمِينٍ يُطْبَخُ بِاللَّبَنِ" وَقَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ قَتَادَةُ: قَالَ عُمَرُ: "لَوْ شِئْت أَنْ أَكُونَ أَطْيَبَكُمْ طَعَامًا وَأَلْيَنَكُمْ ثِيَابًا لَفَعَلْت، وَلَكِنِّي أَسْتَبْقِي طَيِّبَاتِي" وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَقَرَّبَ إلَيْهِمْ طَعَامَهُ،
стр. 2834
فَرَآهُمْ كَأَنَّهُمْ يَتَعَذَّرُونَ فِي الْأَكْلِ، فَقَالَ: "يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ لَوْ شِئْت أَنْ يُدَهْمَقَ لِي كَمَا يُدَهْمَقُ لَكُمْ لَفَعَلْت، وَلَكِنْ نَسْتَبْقِي مِنْ دُنْيَانَا لَآخِرَتِنَا، أَمَا سَمِعْتُمْ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ أَفْضَلَ لَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ; لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَبَاحَ ذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ آكِلُهُ فَاعِلًا مَحْظُورًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [لأعراف: ٣٢] . آخر سورة الأحقاف.
стр. 2835
وَمِنْ سُورَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ اقْتَضَى ظَاهِرُهُ وُجُوبَ الْقَتْلِ لَا غَيْرُ إلَّا بَعْدَ الْإِثْخَانِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن صالح عن معاوية بن صالح عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] قَالَ: "ذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ وَالْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ، فَلَمَّا كَثُرُوا وَاشْتَدَّ سُلْطَانُهُمْ أَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - بَعْدَ هَذَا فِي الْأُسَارَى: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي الْأُسَارَى بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءُوا قَتَلُوهُمْ، وَإِنْ شَاءُوا اسْتَعْبَدُوهُمْ، وَإِنْ شَاءُوا فَادُوهُمْ شَكَّ أَبُو عُبَيْدٍ فِي "، وَإِنْ شَاءُوا اسْتَعْبَدُوهُمْ". وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَهْدِيٍّ وَحَجَّاجٌ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْت السُّدِّيَّ يَقُولُ فِي قوله: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ نَسَخَهَا قَوْلُهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] فَإِنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا ثَابِتًا غَيْرَ مَنْسُوخٍ وَذَلِكَ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِالْإِثْخَانِ بِالْقَتْلِ وَحَظَرَ عَلَيْهِ الْأَسْرَ إلَّا بَعْدَ إذْلَالِ الْمُشْرِكِينَ وَقَمْعِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ قِلَّةِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ وَكَثْرَةِ عَدَدِ عَدُوِّهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَمَتَى أُثْخِنْ الْمُشْرِكُونَ وَأُذِلُّوا بِالْقَتْلِ وَالتَّشْرِيدِ جَازَ الِاسْتِبْقَاءُ. فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا حُكْمًا ثَابِتًا إذَا وُجِدَ مِثْلُ الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَحَدَ شَيْئَيْنِ مِنْ مَنٍّ أَوْ فِدَاءٍ، وَذَلِكَ يَنْفِي جَوَازَ الْقَتْلِ.
стр. 2836
وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَرِهَ قَتَلَ الْأَسِيرِ وَقَالَ: "مُنَّ عَلَيْهِ أَوْ فَادِهِ". وَحَدَّثَنَا جَعْفَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَشْعَثُ قَالَ: سَأَلْت عَطَاءً عَنْ قَتْلِ الْأَسِيرِ، فَقَالَ: "مُنَّ عَلَيْهِ أَوْ فَادِهِ" قَالَ: وَسَأَلْت الْحَسَنَ، قَالَ: "يُصْنَعُ بِهِ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأُسَارَى بَدْرٍ، يُمَنُّ عَلَيْهِ أَوْ يُفَادَى بِهِ" وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ دُفِعَ إلَيْهِ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَاءِ إصْطَخْرَ لِيَقْتُلَهُ، فَأَبَى أَنْ يَقْتُلَهُ وَتَلَا قَوْلَهُ: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ كَرَاهَةَ قَتْلِ الْأَسِيرِ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ السُّدِّيِّ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: "هِيَ مَنْسُوخَةٌ" وَقَالَ: قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الْأَسِيرِ لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِيهِ، وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَتْلِهِ الْأَسِيرَ، مِنْهَا قَتْلُهُ عَقَبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنُّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ بَعْدَ الْأَسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَتَلَ يَوْمَ أُحُدٍ أَبَا عَزَّة الشَّاعِرَ بَعْدَمَا أُسِرَ، وَقَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ نُزُولِهِمْ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. فَحَكَمَ فِيهِمْ بِالْقَتْلِ وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ وَمَنَّ عَلَى الزُّبَيْرِ بْن بَاطَا مِنْ بَيْنِهِمْ، وَفَتَحَ خَيْبَرَ بَعْضَهَا صُلْحًا وَبَعْضَهَا عَنْوَةً، وَشَرَطَ عَلَى ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ أَنْ لَا يَكْتُمَ شَيْئًا فَلَمَّا ظَهَرَ عَلَى خِيَانَتِهِ وَكِتْمَانِهِ قَتَلَهُ، وَفَتَحَ مَكَّةَ وَأَمَرَ بِقَتْلِ هِلَالِ بْنِ خَطَلٍ وَمَقِيسِ بْنِ صَبَابَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْح وَآخَرِينَ وَقَالَ: "اُقْتُلُوهُمْ، وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ" وَمَنَّ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَلَمْ يَغْنَمْ أَمْوَالَهُمْ. وَرُوِيَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ يَقُولُ: "وَدِدْتُ أَنِّي يَوْمَ أُتِيتُ بِالْفُجَاءَةِ لَمْ أَكُنْ أَحْرَقْتُهُ وَكُنْتُ قَتَلْتُهُ صَرِيحًا أَوْ أَطْلَقْتُهُ نَجِيحًا" وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ قَتَلَ دِهْقَانَ السُّوسِ بَعْدَمَا أَعْطَاهُ الْأَمَانَ عَلَى قَوْمٍ سَمَّاهُمْ وَنَسِيَ نَفْسَهُ فَلَمْ يُدْخِلْهَا فِي الْأَمَانِ فَقَتَلَهُ فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ الصَّحَابَةِ فِي جَوَازِ قَتْلِ الْأَسِيرِ وَفِي اسْتِبْقَائِهِ وَاتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي فِدَائِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا جَمِيعًا: "يُفَادَى الْأَسِيرُ بِالْمَالِ وَلَا يُبَاعُ السَّبْيُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَيَرُدُّوا حَرْبًا" وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُفَادُونَ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا وَلَا يُرَدُّونَ حَرْبًا أَبَدًا" وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: "لَا بَأْسَ أَنْ يُفَادَى أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ بِأَسْرَى الْمُشْرِكِينَ"، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: "لَا بَأْسَ بِبَيْعِ السَّبْيِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ
стр. 2837
وَلَا يُبَاعُ الرِّجَالُ إلَّا أَنْ يُفَادَى بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ" وَقَالَ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ: "لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنَّ عَلَى الرِّجَالِ الَّذِينَ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُفَادِي بِهِمْ".
فَأَمَّا الْمُجِيزُونَ لِلْفِدَاءِ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَبِالْمَالِ فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي جَوَازَهُ بِالْمَالِ وَبِالْمُسْلِمِينَ، وَبِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَدَى أُسَارَى بَدْرٍ بِالْمَالِ, وَيَحْتَجُّونَ لِلْفِدَاءِ بِالْمُسْلِمِينَ بِمَا رَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حَصِينٍ قَالَ: أَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَسَرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَمُرَّ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُوثَقٌ، فَأَقْبَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: عَلَامَ أُحْبَسُ؟ " قَالَ: "بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِك" فَقَالَ الْأَسِيرُ: إنِّي مُسْلِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك لَأَفْلَحَتْ كُلَّ الْفَلَاحِ" ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَادَاهُ أَيْضًا، فَأَقْبَلَ فَقَالَ: إنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَذِهِ حَاجَتُك"، ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَدَاهُ بِالرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَتْ ثَقِيفٌ أَسَرَتْهُمَا. وَرَوَى ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قلابة عَنْ أبي المهلب عن عمران بن حصين: أن النَّبِيَّ ﷺ فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي عَقِيلٍ وَلَمْ يَذْكُرْ إسْلَامَ الْأَسِيرِ، وَذَكَرَهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُفَادَى الْآنَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ; لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُرَدُّ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ شَرَطَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ لِقُرَيْشٍ أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْإِقَامَةِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ وَقَالَ: "أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ" وَقَالَ: "مَنْ أَقَامَ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ". وَأَمَّا مَا فِي الْآيَةِ مِنْ ذِكْرِ الْمَنِّ أَوْ الْفِدَاءِ وَمَا رُوِيَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . وَقَدْ رَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْ السُّدِّيِّ وَابْنِ جُرَيْجٍ وقَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَتَضَمَّنَتْ الْآيَتَانِ وُجُوبَ الْقِتَالِ لِلْكُفَّارِ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ، وَالْفِدَاءُ بِالْمَالِ أَوْ بِغَيْرِهِ يُنَافِي ذَلِكَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَنَقَلَةُ الْآثَارِ أَنَّ سُورَةَ بَرَاءَةٍ بَعْدَ سُورَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِيهَا نَاسِخًا لِلْفِدَاءِ الْمَذْكُورِ فِي غَيْرِهَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ قَالَ الْحَسَنُ" "حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَلَا يُشْرَكَ بِهِ غَيْرُهُ" وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "خُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَلْقَى الذِّئْبُ الشَّاةَ فَلَا يَعْرِضُ لَهَا وَلَا تَكُونُ عَدَاوَةٌ بَيْن اثْنَيْنِ" وَقَالَ الْفَرَّاءُ: "آثَامُهَا وَشِرْكُهَا حَتَّى لَا يَكُونَ إلَّا مُسْلِمٌ أَوْ مُسَالِمٌ" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَكَأَنَّ
стр. 2838
مَعْنَى الْآيَةِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ إيجَابُ الْقِتَالِ إلَى أَنْ لَا يَبْقَى مَنْ يُقَاتِلُ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ: "لَا تَضْعُفُوا عَنْ الْقِتَالِ وَتَدْعُوا إلَى الصُّلْحِ" وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ الجرجاني قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ قَالَ: "لَا تَكُونُوا أَوَّلَ الطَّائِفَتَيْنِ ضَرَعَتْ إلَى صاحبتها" ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ قَالَ: "أَنْتُمْ أَوْلَى بِاَللَّهِ مِنْهُمْ" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى امْتِنَاعِ جَوَازِ طَلَبِ الصُّلْحِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. وَهُوَ بَيَانٌ لِمَا أَكَّدَ فَرْضَهُ مِنْ قِتَالِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ حَتَّى يُسْلِمُوا وَقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمُشْرِكِي الْعَجَمِ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، وَالصُّلْحُ عَلَى غَيْرِ إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ خَارِجٌ عَنْ مُقْتَضَى الْآيَاتِ الْمُوجِبَةِ لِمَا وَصَفْنَا، فَأَكَّدَ النَّهْيَ عَنْ الصُّلْحِ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ صُلْحًا، وَإِنَّمَا فَتَحَهَا عَنْوَةً; لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَاهُ عَنْ الصُّلْحِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمْ الْأَعْلَوْنَ الْغَالِبُونَ، وَمَتَى دخلها صُلْحًا بِرِضَاهُمْ فَهُمْ مُتَسَاوُونَ; إذْ كَانَ حُكْمُ مَا يَقَعُ بِتَرَاضِي الْفَرِيقَيْنِ فَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِيهِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأُولَى بِأَنْ يَكُونَ غَالِبًا عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ الْآخَرِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ يُحْتَجُّ بِهِ فِي أَنَّ كُلَّ مَنْ دَخَلَ فِي قُرْبَةٍ لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا قَبْلَ إتْمَامِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ عَمَلِهِ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهِ. آخِرُ سُورَةِ محمد ﷺ .
стр. 2839
وَمِنْ سُورَةِ الْفَتْحِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ رُوِيَ أَنَّهُ أَرَادَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: "قَضَيْنَا لَك قَضَاءً مُبِينًا" وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ بِالْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْإِطْلَاقُ، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ فَتْحَ مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَتَحَهَا عَنْوَةً; إذْ كَانَ الصُّلْحُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْفَتْحِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُعَبَّرُ مُقَيَّدًا; لِأَنَّ مَنْ قَالَ: "فَتَحَ بَلَدَ كَذَا عُقِلَ بِهِ الْغَلَبَةُ وَالْقَهْرُ دُونَ الصُّلْحِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي نَسَقِ التلاوة: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ . وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فَتْحُ مَكَّةَ وَأَنَّهُ دَخَلَهَا عَنْوَةً، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْمُرَادَ فَتْحُ مَكَّةَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ وقَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَذِكْرُهُ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ; لِأَنَّ الْمَعْنَى: سُكُونُ النَّفْسِ إلَى الْإِيمَانِ بِالْبَصَائِرِ الَّتِي بِهَا قَاتَلُوا عَنْ دَيْنِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحُوا مَكَّةَ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ رُوِيَ أَنَّ الْمُرَادَ فَارِسُ وَالرُّومُ، وَرُوِيَ أَنَّهُمْ بَنُو حَنِيفَةَ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ إمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃; لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ دَعَاهُمْ إلَى قِتَالِ بَنِي حَنِيفَةَ وَدَعَاهُمْ عُمَرُ إلَى قِتَالِ فَارِسَ وَالرُّومِ، وَقَدْ أَلْزَمَهُمْ اللَّهُ اتِّبَاعَ طَاعَةِ مَنْ يَدْعُوهُمْ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ فَأَوْعَدَهُمْ اللَّهُ عَلَى التَّخَلُّفِ عَمَّنْ دَعَاهُمْ إلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ إمَامَتِهِمَا، إذْ كَانَ الْمُتَوَلِّي عَنْ طَاعَتِهِمَا مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَى قَتَادَةُ أَنَّهُمْ هَوَازِنُ وَثَقِيفٌ يَوْمَ حُنَيْنٍ قِيلَ لَهُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي لَهُمْ النَّبِيَّ ﷺ ; لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً﴾ [التوبة: ٨٣] وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَدْعُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. ﵄.
стр. 2840
وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ إيمَانِ الَّذِينَ بَايَعُوا النَّبِيَّ ﷺ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَصِدْقِ بَصَائِرِهِمْ، فَهُمْ قَوْمٌ بِأَعْيَانِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "كَانُوا أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ"، وَقَالَ جَابِرٌ: "أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ"، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلِيَاءَ لِلَّهِ; إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُخْبِرَ اللَّهُ بِرِضَاهُ عَنْ قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ إلَّا وَبَاطِنُهُمْ كَظَاهِرِهِمْ فِي صِحَّةِ الْبَصِيرَةِ وَصِدْقِ الْإِيمَانِ، وَقَدْ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَلِمَ مِنْ قُلُوبِهِمْ صِحَّةَ الْبَصِيرَةِ وَصِدْقَ النِّيَّةِ، وَأَنَّ مَا أَبْطَنُوهُ مِثْلُ مَا أظهروه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي الصَّبْرَ بِصِدْقِ نِيَّاتِهِمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوْفِيقَ يَصْحَبُ صِدْقَ النِّيَّةِ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الْآيَةَ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ كَانُوا بَعَثُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا لِيُصِيبُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَأُتِيَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسْرَى فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ وَرُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي فَتْحِ مَكَّةَ حِينَ دَخَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ عَنْوَةً فَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي فَتْحِ مَكَّةَ فَدَلَالَتُهَا ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ، وَمُصَالَحَتُهُمْ لَا ظَفَرَ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فَتْحُهَا عَنْوَةً.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يُجِيزُ ذَبْحَ هَدْيِ الْإِحْصَارِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، لِإِخْبَارِهِ بِكَوْنِهِ مَحْبُوسًا عَنْ بُلُوغِ مَحِلِّهِ، وَلَوْ كَانَ قَدْ بَلَغَ الْحَرَمَ وَذَبَحَ فِيهِ لَمَا كَانَ مَحْبُوسًا عَنْ بُلُوغِ الْمَحِلِّ. وَلَيْسَ هَذَا كَمَا ظَنُّوا; لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ مَمْنُوعًا بَدِيًّا عَنْ بُلُوغِ الْمَحِلِّ ثُمَّ لَمَّا وَقَعَ الصُّلْحُ زَالَ الْمَنْعُ فَبَلَغَ مَحِلَّهُ وَذُبِحَ فِي الْحَرَمِ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا حَصَلَ الْمَنْعُ فِي أَدْنَى وَقْتٍ فَجَائِزٌ أَنْ يُقَالَ قَدْ مُنِعَ كَمَا قَالَ تَعَالَى -: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ [يوسف: ٦٣] وَإِنَّمَا مُنِعَ فِي وَقْتٍ وَأُطْلِقَ فِي وَقْتٍ آخِرَ وَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَحِلَّ هُوَ الْحَرَمُ; لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ فَلَوْ كَانَ مَحِلُّهُ غَيْرَ الْحَرَمِ لَمَا كَانَ مَعْكُوفًا عَنْ بُلُوغِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَحِلُّ في قوله: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] هُوَ الْحَرَمُ.
следующие страницы →