Полный текст (3 089 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
بَابُ الْإِشْهَادُ عَلَى الرَّجْعَةِ أَوْ الْفُرْقَةِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فَأَمَرَ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الرَّجْعَةِ وَالْفُرْقَةِ أَيَّتَهمَا اخْتَارَ الزَّوْجُ; وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَطَاوُسٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَأَبُو قلابة أَنَّهُ إذَا رَجَعَ وَلَمْ يُشْهِدْ فَالرَّجْعَةُ صَحِيحَةٌ وَيُشْهِدُ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمَّا جُعِلَ لَهُ الْإِمْسَاكُ أَوْ الْفِرَاقُ ثُمَّ عَقَبَهُ بِذِكْرِ الْإِشْهَادِ كَانَ مَعْلُومًا وُقُوعُ الرَّجْعَةِ إذَا رَجَعَ وَجَوَازُ الْإِشْهَادِ بَعْدَهَا إذْ لَمْ يَجْعَلْ الْإِشْهَادَ شَرْطًا فِي الرَّجْعَةِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِرَاقِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ تَرْكُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَأَنَّ الْفُرْقَةَ تَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ الْإِشْهَادُ عَلَيْهَا وَيُشْهِدُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْإِشْهَادَ عَقِيبَ الْفُرْقَةِ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا، كَذَلِكَ الرَّجْعَةُ وَأَيْضًا لَمَّا كَانَتْ الْفُرْقَةُ حَقًّا لَهُ وَجَازَتْ بِغَيْرِ إشْهَادٍ إذْ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى رِضَا غَيْرِهِ وَكَانَتْ الرَّجْعَةُ أَيْضًا حَقًّا لَهُ، وَجَبَ أَنْ تَجُوزَ بِغَيْرِ إشْهَادٍ وَأَيْضًا لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الْإِمْسَاكِ أَوْ الْفُرْقَةِ احْتِيَاطًا لَهُمَا وَنَفْيًا لِلتُّهْمَةِ عَنْهُمَا إذَا عُلِمَ الطَّلَاقُ وَلَمْ يُعْلَمْ الرَّجْعَةُ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ الطَّلَاقُ وَالْفِرَاقُ، فَلَا يُؤْمَنُ التجاحد بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَكُنْ مَعْنَى الِاحْتِيَاطِ فِيهِمَا مَقْصُورًا عَلَى الْإِشْهَادِ فِي حَالِ الرَّجْعَةِ أَوْ الْفُرْقَةِ بَلْ يَكُونُ الِاحْتِيَاطُ بَاقِيًا، وَإِنْ أَشْهَدَ بَعْدَهُمَا وَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ حُكْمُهُمَا إذَا أَشْهَدَ بَعْدَ الرَّجْعَةِ بِسَاعَةٍ أَوْ سَاعَتَيْنِ; وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي صِحَّةِ وُقُوعِ الرَّجْعَةِ بِغَيْرِ شُهُودٍ إلَّا شَيْئًا يُرْوَى عَنْ عَطَاءٍ، فَإِنَّ سُفْيَانَ رَوَى عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: "الطَّلَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالرَّجْعَةُ بِالْبَيِّنَةِ"، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِشْهَادِ عَلَى ذَلِكَ احْتِيَاطًا مِنْ التجاحد لَا عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَصِحُّ بِغَيْرِ شُهُودٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ ذَكَرَ الطَّلَاقَ مَعَهَا وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ عَنْ
стр. 2942
مَطَرٍ الْوَرَّاقِ عَنْ عَطَاءٍ وَالْحَكَمِ قَالَا: "إذَا غَشِيَهَا فِي الْعِدَّةِ فَغَشَيَانُهُ رَجْعَةٌ".
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ فِيهِ أَمْرٌ بِإِقَامَةِ الشَّهَادَاتِ عِنْدَ الْحُكَّامِ عَلَى الْحُقُوقِ كُلِّهَا; لِأَنَّ الشَّهَادَةَ هُنَا اسْمٌ لِلْحَبْسِ وَإِنْ كَانَ مَذْكُورًا بَعْدَ الْأَمْرِ بِإِشْهَادِ ذَوَيْ عَدْلٍ عَلَى الرَّجْعَةِ; لِأَنَّ ذِكْرَهَا بَعْدَهُ لَا يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ عَلَى عُمُومِهِ، فَانْتَظَمَ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْأَمْرُ بِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ، وَالْآخَرُ: أَنَّ إقَامَةَ الشَّهَادَةِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَفَادَ بِذَلِكَ تَأْكِيدَهُ وَالْقِيَامَ بِهِ.
стр. 2943
بَابُ عِدَّةُ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ اقْتَضَتْ الْآيَةُ إثْبَاتَ الْإِيَاسِ لِمَنْ ذُكِرَتْ فِي الْآيَةِ مِنْ النِّسَاءِ بِلَا ارْتِيَابٍ، وَقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الِارْتِيَابَ فِي الْإِيَاسِ; لِأَنَّهُ قَدْ أَثْبَتَ حُكْمَ مَنْ ثَبَتَ إيَاسُهَا فِي أَوَّلِ الْآيَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الِارْتِيَابَ فِي غَيْرِ الْإِيَاسِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الرِّيبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ، فَرَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَالِمٍ قَالَ "قَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عَدَدًا مِنْ عَدَدِ النِّسَاءِ لَمْ تُذْكَرْ فِي الْكِتَابِ الصِّغَارُ وَالْكِبَارُ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فَأَخْبَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ كَانَ ارْتِيَابَهُمْ فِي عَدَدِ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ وَأُولَاتِ الْأَحْمَالِ، وَأَنَّ ذِكْرَ الِارْتِيَابِ فِي الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ ذِكْرِ السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فَكَانَ بِمَعْنَى: وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر.
وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي الَّتِي يَرْتَفِعُ حَيْضُهَا، فَرَوَى ابْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ قَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ طَلُقَتْ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ رُفِعَتْ حَيْضَتُهَا فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ بِهَا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فَإِنْ اسْتَبَانَ بِهَا حَمْلٌ فَذَاكَ وَإِلَّا اعْتَدَّتْ بَعْدَ التِّسْعَةِ الْأَشْهُرِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ حَلَّتْ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُهَا سَنَةً قَالَ: تِلْكَ الرِّيبَةُ وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي الَّتِي تَحِيضُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً قَالَ هَذِهِ رِيبَةٌ عِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو وَعَنْ طاوس مِثْلَهُ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ عِدَّتَهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ قَالَ: وَكَانَ عِنْدَ جَدِّهِ حِبَّانَ امْرَأَتَانِ هَاشِمِيَّةٌ وَأَنْصَارِيَّةٌ فَطَلَّقَ الْأَنْصَارِيَّةَ وَهِيَ تُرْضِعُ فَمَرَّتْ بِهِ سَنَةٌ ثُمَّ هَلَكَ وَلَمْ تَحِضْ، فَقَالَتْ: أَنَا أَرِثُهُ وَلَمْ أَحِضْ،
стр. 2944
فَاخْتَصَمَا إلَى عُثْمَانَ فَقَضَى لَهَا بِالْمِيرَاثِ فَلَامَتْ الْهَاشِمِيَّةُ عُثْمَانَ، فَقَالَ هَذَا عَمَلُ ابْنِ عَمِّك هُوَ أَشَارَ عَلَيْنَا بِذَلِكَ، يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: وَبَقِيَتْ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ لَا تَحِيضُ، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ فَشَاوَرَ عُثْمَانُ عَلِيًّا وَزَيْدًا فَقَالَا: تَرِثُهُ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقَوَاعِدِ اللَّائِي قَدْ يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ وَلَا مِنْ الْأَبْكَارِ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، وَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى حَيْضَتِهَا مَا كَانَتْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِهِمَا: إن قوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ لَيْسَ عَلَى ارْتِيَابِ الْمَرْأَةِ وَلَكِنَّهُ عَلَى ارْتِيَابِ الشَّاكِّينَ فِي حُكْمِ عَدَدِهِنَّ، وَأَنَّهَا لَا تَكُونُ آيِسَةً حَتَّى تَكُونَ مِنْ الْقَوَاعِدِ اللَّاتِي لَا يُرْجَى حَيْضُهُنَّ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي الَّتِي يَرْتَفِعُ حَيْضُهَا لَا لِإِيَاسٍ مِنْهُ فِي الْمُسْتَأْنَفِ: "إنَّ عِدَّتَهَا الْحَيْضُ حَتَّى تَدْخُلَ فِي السِّنِّ الَّتِي لَا تَحِيضُ أَهْلُهَا مِنْ النِّسَاءِ فَتَسْتَأْنِفَ عِدَّةَ الْآيِسَةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ" وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ: "تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فِيهِنَّ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ الثَّلَاثَةَ أَشْهُرٍ اسْتَقْبَلَتْ الْحَيْضَ، فَإِنْ مَضَتْ بِهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ" وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: "إذَا حَاضَتْ الْمُطَلَّقَةُ ثُمَّ ارْتَابَتْ فَإِنَّمَا تَعْتَدُّ بِالتِّسْعَةِ الْأَشْهُرِ مِنْ يَوْمِ رُفِعَتْ حَيْضَتُهَا لَا مِنْ يَوْمِ طَلُقَتْ"، قَالَ مَالِكٌ فِي قوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ "مَعْنَاهُ إنْ لَمْ تَدْرُوا مَا تَصْنَعُونَ فِي أَمْرِهَا" وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ شَابَّةٌ فَارْتَفَعَتْ حَيْضَتُهَا فَلَمْ تَرَ شَيْئًا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ: "فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ سَنَةً".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَوْجَبَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عِدَّةَ الْآيِسَةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَاقْتَضَى ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْعِدَّةُ لِمَنْ قَدْ ثَبَتَ إيَاسُهَا مِنْ الْحَيْضِ مِنْ غَيْرِ ارْتِيَابٍ، كَمَا كَانَ قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ لِمَنْ ثَبَتَ أَنَّهَا لَمْ تَحِضْ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] لِمَنْ قَدْ ثَبَتَ حَمْلُهَا، فكذلك قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ لِمَنْ قَدْ ثَبَتَ إيَاسُهَا وَتُيُقِّنَ ذَلِكَ مِنْهَا دُونَ مَنْ يَشُكُّ فِي إيَاسِهَا ثُمَّ لَا يخلو قوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ مِنْ أَحَدِ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الِارْتِيَابَ فِي أَنَّهَا آيِسَةٌ وَلَيْسَتْ بِآيِسَةٍ، أَوْ الِارْتِيَابَ فِي أَنَّهَا حَامِلٌ أَوْ غَيْرُ حَامِلٍ، أَوْ ارْتِيَابَ الْمُخَاطَبِينَ فِي عِدَّةِ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ; وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الِارْتِيَابَ فِي أَنَّهَا آيِسَةٌ أَوْ غَيْرُ آيِسَةٍ; لِأَنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَثْبَتَ مَنْ جَعَلَ الشُّهُورَ عِدَّتَهَا أَنَّهَا آيِسَةٌ، وَالْمَشْكُوكُ فِيهَا لَا تَكُونُ آيِسَةً لِاسْتِحَالَةِ مُجَامَعَةِ الْيَأْسِ لِلرَّجَاءِ; إذْ هُمَا ضِدَّانِ لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمَا حَتَّى تَكُونَ آيِسَةً مِنْ الْمَحِيضِ مَرْجُوًّا ذَلِكَ مِنْهَا، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الِارْتِيَابَ فِي الْيَأْسِ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ الْمُسِنَّةَ الَّتِي قَدْ تُيُقِّنَ إيَاسُهَا مِنْ الْحَيْضِ مُرَادَةٌ بِالْآيَةِ، وَالِارْتِيَابُ الْمَذْكُورُ رَاجِعٌ إلَى جَمِيعِ الْمُخَاطَبِينَ
стр. 2945
وَهُوَ فِي الَّتِي قَدْ تُيُقِّنَ إيَاسُهَا ارْتِيَابُ الْمُخَاطَبِينَ فِي الْعِدَّةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَشْكُوكِ فِي إيَاسِهَا مِثْلُهُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي الْجَمِيعِ. وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا وَهِيَ شَابَّةٌ أَنَّهَا تَحِيضُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً فَهَذِهِ غَيْرُ مُرْتَابٍ فِي إيَاسِهَا بَلْ قَدْ تُيُقِّنَ أَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِدَّتُهَا سَنَةً مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا غَيْرُ آيِسَةٍ، وَأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ وَتَرَاخِي مَا بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ مِنْ الْمُدَّةِ لَا يُخْرِجُهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ فَالْمُوجِبُ عَلَيْهَا عِدَّةَ الشُّهُورِ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ عِدَّةَ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ الْحَيْضَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ مَنْ طَالَتْ مُدَّةُ حَيْضَتِهَا أَوْ قَصُرَتْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا الْمُرَادُ الِارْتِيَابَ فِي الْإِيَاسِ مِنْ الْحَمْلِ; لِأَنَّ الْيَأْسَ مِنْ الْحَيْضِ هُوَ الْإِيَاسُ مِنْ الْحَبَلِ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ رَدَّ الِارْتِيَابَ إلَى الْحَيْضِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ، وَهُوَ ارْتِيَابُ الْمُخَاطَبِينَ، وَعَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بْنِ كَعْبٍ حِينَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ شَكَّ فِي عِدَّةِ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ. وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الِارْتِيَابَ فِي الْإِيَاسِ لَكَانَ تَوْجِيهُ الْخِطَابِ إلَيْهِنَّ أَوْلَى مِنْ تَوْجِيهِهِ إلَى الرِّجَالِ; لِأَنَّ الْحَيْضَ إنَّمَا يُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ جِهَتِهَا وَلِذَلِكَ كَانَتْ مُصَدَّقَةً فِيهِ فَكَانَ يَقُولُ: إنْ ارْتَبْتُنَّ أَوْ ارْتَبْنَ فَلَمَّا خَاطَبَ الرِّجَالَ بِذَلِكَ دُونَهُنَّ عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ ارْتِيَابَ الْمُخَاطَبِينَ فِي الْعِدَّةِ.
وَقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ يَعْنِي: وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ عِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ; لِأَنَّهُ كَلَامٌ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ ضَمِيرٍ، وَضَمِيرُهُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُظْهَرًا وَهُوَ الْعِدَّةُ بِالشُّهُورِ.
стр. 2946
بَابُ عِدَّةُ الْحَامِلِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يَخْتَلِفْ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ بَعْدَهُمْ أَنَّ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ الْحَامِلِ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْتَدُّ الْحَامِلُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا آخِرَ الْأَجَلَيْنِ وَقَالَ عَمْرٌو وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ: عِدَّتُهَا الْحَمْلُ فَإِذَا وَضَعَتْ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رَوَى إبْرَاهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَنْ شَاءَ لَاعَنْتُهُ مَا نَزَلَتْ: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ إلَّا بَعْدَ آيَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ تَضَمَّنَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إثْبَاتُ تَارِيخِ نُزُولِ الْآيَةِ وَأَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ ذِكْرِ الشُّهُورِ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَالثَّانِي: أَنَّ الْآيَةَ مُكْتَفِيَةٌ بِنَفْسِهَا فِي إفَادَةِ الْحُكْمِ عَلَى عُمُومِهَا غَيْرُ مُضَمَّنَةٍ بِمَا قَبْلَهَا مِنْ ذِكْرِ الْمُطَلَّقَةِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الْحَمْلِ فِي الْجَمِيعِ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ
стр. 2947
وَالْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ وَأَنْ لَا يُجْعَلَ الْحُكْمُ مَقْصُورًا عَلَى الْمُطَلَّقَاتِ; لِأَنَّهُ تَخْصِيصُ عُمُومٍ بِلَا دَلَالَةٍ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا دَاخِلَةٌ فِي الْآيَةِ مُرَادَةٌ بِهَا اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ مُضِيَّ شُهُورِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا يُوجِبُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا دُونَ وَضْعِ الْحَمْلِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مُرَادَةٌ بِهَا، فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الْحَمْلِ فِيهَا دُونَ غَيْرِهِ، وَلَوْ جَازَ اعْتِبَارُ الشُّهُورِ; لِأَنَّهَا مَذْكُورَةٌ فِي آيَةٍ أُخْرَى لَجَازَ اعْتِبَارُ الْحَيْضِ مَعَ الْحَمْلِ فِي الْمُطَلَّقَةِ; لِأَنَّهَا مَذْكُورَةٌ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَفِي سُقُوطِ اعْتِبَارِ الْحَيْضِ مَعَ الْحَمْلِ دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِ اعْتِبَارِ الشُّهُورِ مَعَ الْحَمْلِ. وَقَدْ رَوَى مَنْصُورٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِي السَّنَابِلِ بْنِ بِعَكَكٍ: أَنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ، فَتَشَوَّقَتْ لِلنِّكَاحِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "إنْ تَفْعَلْ فَقَدْ خَلَا أَجَلُهَا". وَرَوَى يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: اخْتَلَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ كُرَيْبًا إلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: إنَّ سبيعة وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِأَيَّامٍ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ تَتَزَوَّجَ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ سبيعة أَنَّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهَا بِشَهْرَيْنِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَزَوَّجِي! " وَجَعَلَ أَصْحَابُنَا عِدَّةَ امْرَأَةِ الصَّغِيرِ مِنْ الْوَفَاةِ الْحَمْلَ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ امْرَأَةِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَلَا بَيْنَ مَنْ يَلْحَقُهُ بِالنَّسَبِ أَوْ لَا يَلْحَقُهُ.
стр. 2948
بَابُ السُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ الْآيَةَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: اتَّفَقَ الْجَمِيعُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ عَلَى وُجُوبِ السُّكْنَى لِلْمَبْتُوتَةِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: "لَا سُكْنَى لِلْمَبْتُوتَةِ إنَّمَا هِيَ لِلرَّجْعِيَّةِ". قَالَ أبو بكر: قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قَدْ انْتَظَمَ الرَّجْعِيَّةَ وَالْمَبْتُوتَةَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا وَاحِدَةٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا لِلْعِدَّةِ إذَا أَرَادَ طَلَاقَهَا بِالْآيَةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " يطلقها طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ أَوْ حَامِلًا قَدْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا"، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ التَّطْلِيقَةِ الْأُولَى وَبَيْنَ الثَّالِثَةِ فَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قَدْ تَضَمَّنَ الْبَائِنَ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ وَجَبَ ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ مِنْ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ.
فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا قَالَ تَعَالَى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ وَقَالَ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الرَّجْعِيَّ
стр. 2949
قِيلَ لَهُ: هَذَا أَحَدُ مَا انْتَظَمَتْهُ الْآيَةُ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ الْخِطَابِ فِي الرَّجْعِيِّ دُونَ الْبَائِنِ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَهُوَ عُمُومٌ فِي الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ. ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ خَاصٌّ فِي الرَّجْعِيِّ، وَلَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] عَامًّا فِي الْجَمِيعِ. وَاحْتَجَّ ابْنُ أَبِي لَيْلَى بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، وَسَنَتَكَلَّمُ فِيهِ عِنْدَ ذِكْرِ نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: "لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ حَامِلًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ" وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: "لَا سُكْنَى لِلْمَبْتُوتَةِ وَلَا نَفَقَةَ"، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ لَهَا السُّكْنَى وَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: "لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ حَامِلٍ" وَكَانَ يُرَى أَنَّهَا تَنْتَقِلُ إنْ شَاءَتْ، وَقَالَ مَالِكٌ: "لِلْمَبْتُوتَةِ السُّكْنَى وَلَا نَفَقَةَ لَهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا"، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ نَفَقَةَ الْحَامِلِ الْمَبْتُوتَةِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ: "لِلْمَبْتُوتَةِ السُّكْنَى وَلَا نَفَقَةَ لَهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا" قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ ; وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الدَّلَالَةَ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ السُّكْنَى لَمَّا كَانَتْ حَقًّا فِي مَالٍ وَقَدْ أَوْجَبَهَا اللَّهُ لَهَا بِنَصِّ الْكِتَابِ; إذْ كَانَتْ الْآيَةُ قَدْ تَنَاوَلَتْ الْمَبْتُوتَةَ وَالرَّجْعِيَّةَ فَقَدْ اقْتَضَى ذَلِكَ وُجُوبَ النَّفَقَةِ; إذْ كَانَتْ السُّكْنَى حَقًّا فِي مَالٍ وَهِيَ بَعْضُ النَّفَقَةِ. وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ﴾ وَالْمُضَارَّةُ تَقَعُ فِي النَّفَقَةِ كَهِيَ فِي السُّكْنَى والثالث: قوله: ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ وَالتَّضْيِيقُ قَدْ يَكُونُ فِي النَّفَقَةِ أَيْضًا، فَعَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا وَلَا يُضَيِّقَ عَلَيْهَا فِيهَا.
وَقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ قَدْ انْتَظَمَ الْمَبْتُوتَةَ وَالرَّجْعِيَّةَ; ثُمَّ لَا تَخْلُو هَذِهِ النَّفَقَةُ مِنْ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُهَا لِأَجْلِ الْحَمْلِ أَوْ; لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهَا، فَلَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ وَاجِبَةٌ لِلرَّجْعِيَّةِ بِالْآيَةِ لَا لِلْحَمْلِ بَلْ; لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ وَجَبَ أَنْ تَسْتَحِقَّ الْمَبْتُوتَةُ النَّفَقَةَ لَهَذِهِ الْعِلَّةِ; إذْ قَدْ عُلِمَ ضَمِيرُ الْآيَةِ فِي عِلِّيَّةِ اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ لِلرَّجْعِيَّةِ، فَصَارَ كقوله: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ لِعِلَّةِ أَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ; لِأَنَّ الضَّمِيرَ الَّذِي تَقُومُ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَنْطُوقِ بِهِ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ نَفَقَةَ الْحَامِلِ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَقَّةً لِلْحَمْلِ أَوْ لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ، فَلَوْ كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً لِلْحَمْلِ لَوَجَبَ أَنَّ الْحَمْلَ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ كَمَا أَنَّ نَفَقَةَ الصَّغِيرِ فِي مَالِ نَفْسِهِ، فَلَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ كَانَتْ نَفَقَةُ أمه
стр. 2950
عَلَى الزَّوْجِ لَا فِي مَالِ الْحَمْلِ دَلَّ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنِهَا مَحْبُوسَةً فِي بَيْتِهِ. وَأَيْضًا كَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ نَفَقَةُ الْحَامِلِ فِي مَالِ الْحَمْلِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ، كَمَا أَنَّ نَفَقَتَهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ مِنْ مَالٍ، فَلَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ نَفَقَتَهَا فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ لَمْ تَجِبْ فِي مَالِ الْحَمْلِ وَجَبَ مِثْلُهُ فِي الْبَائِنِ، وَكَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ نَفَقَةُ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي نَصِيبِ الْحَمْلِ مِنْ الْمِيرَاثِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا فَائِدَةُ تَخْصِيصِ الْحَامِلِ بِالذِّكْرِ فِي إيجَابِ النَّفَقَةِ؟ قِيلَ لَهُ: قَدْ دَخَلَتْ فِيهِ الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ وَلَمْ يَمْنَعْ نَفْيَ النَّفَقَةِ لِغَيْرِ الْحَامِلِ، فَكَذَلِكَ فِي الْمَبْتُوتَةِ; وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْحَمْلَ; لِأَنَّ مُدَّتَهُ قَدْ تَطُولُ وَتَقْصُرُ، فَأَرَادَ إعْلَامَنَا وُجُوبَ النَّفَقَةِ مَعَ طُولِ مُدَّةِ الْحَمْلِ الَّتِي هِيَ فِي الْعِدَّةِ أَطْوَلُ مِنْ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ النَّاشِزَةَ إذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ، لِعَدَمِ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا فِي بَيْتِ الزَّوْجِ، وَمَتَى عَادَتْ إلَى بَيْتِهِ اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي تَسْتَحِقُّ بِهِ النَّفَقَةَ هُوَ تَسْلِيمُ نَفْسِهَا فِي بَيْتِ الزَّوْجِ، فَلَمَّا اتَّفَقْنَا وَمَنْ أَوْجَبَ السُّكْنَى عَلَى وُجُوبِ السُّكْنَى وَصَارَتْ بِهَا مُسَلِّمَةً لِنَفْسِهَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَجَبَ أَنْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ وَأَيْضًا لَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي الْعِدَّةِ وَجَبَ أَنْ تَسْتَحِقَّهَا الْمَبْتُوتَةُ، وَالْمَعْنَى فِيهَا أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ طَلَاقٍ، وَإِنْ شِئْت قُلْت: إنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ عَقْدٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ شِئْت قُلْت: إنَّهَا مُسْتَحِقَّةٌ لِلسُّكْنَى، فَأَيُّ هَذِهِ الْمَعَانِي اعْتَلَلْت بِهِ صَحَّ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا. وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا طَلَاقًا بَائِنًا، فَأَتَتْ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "لَا نَفَقَةَ لَك وَلَا سُكْنَى"، قَالَ: فَأَخْبَرْت بِذَلِكَ النَّخَعِيّ فَقَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: لَسْنَا بِتَارِكِي آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَعَلَّهَا أُوهِمَتْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ" وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا حِينَ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: قَدْ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ فَقَالَ: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَلَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ: لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ فَقَدْ نَصَّ هَذَانِ الْخَبَرَانِ عَلَى إيجَابِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى، وَفِي الْأَوَّلِ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ" وَلَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ كَانَ قَوْلُهُ: "لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا" يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصًّا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي إيجَابِهِمَا.
وَاحْتَجَّ الْمُبْطِلُونَ لِلسُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ وَمَنْ نَفَى النَّفَقَةَ دُونَ السُّكْنَى بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ هَذَا، وَهَذَا حَدِيثٌ قَدْ ظَهَرَ مِنْ السَّلَفِ النَّكِيرُ عَلَى رَاوِيهِ، وَمِنْ شَرْطِ قَبُولِ أَخْبَارِ الْآحَادِ تَعَرِّيهَا مِنْ نَكِيرِ السَّلَفِ أَنْكَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي الْحَدِيثِ
стр. 2951
الْأَوَّلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ. وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ مَرْوَانَ ذَكَرَ لِعَائِشَةَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَتْ: لَا يَضُرُّك أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَقَالَتْ فِي بَعْضِهِ: مَا لِفَاطِمَةَ خَيْرٌ فِي أَنْ تَذْكُرَ هَذَا الْحَدِيثَ يَعْنِي قَوْلَهَا: "لَا سُكْنَى لَك وَلَا نَفَقَةَ" وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتْ النَّاسَ، اسْتَطَالَتْ عَلَى أَحْمَائِهَا بِلِسَانِهَا، فَأُمِرَتْ بِالِانْتِقَالِ. وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: أَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهَا مَا كَانَتْ تُحَدِّثُ بِهِ. وَرَوَى الْأَعْرَجُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: "اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ" ; قَالَ: وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ يَقُولُ: كَانَ أُسَامَةُ إذَا ذَكَرَتْ فَاطِمَةُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا رَمَاهَا بِمَا كَانَ فِي يَدِهِ; فَلَمْ يَكُنْ يُنْكِرُ عَلَيْهَا هَذَا النَّكِيرَ إلَّا وَقَدْ عَلِمَ بُطْلَانَ مَا رَوَتْهُ وَرَوَى عَمَّارُ بْنُ رزيق عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: كُنْت عِنْدَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهَا: "لَا سُكْنَى لَك وَلَا نَفَقَةَ" قَالَ: فَرَمَاهُ الْأَسْوَدُ بِحَصًى ثُمَّ قَالَ: وَيْلُك أَتُحَدِّثُ بِمِثْلِ هَذَا؟ قَدْ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ فَقَالَ: لَسْنَا بِتَارِكِي كِتَابِ رَبِّنَا وَسُنَّةِ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا تَدْرِي لَعَلَّهَا كَذَبَتْ; قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ وَرَوَى الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: "أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَفْتَتْ بِنْتَ أَخِيهَا وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا بِالِانْتِقَالِ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ مَرْوَانُ، فَأَرْسَلَ إلَى فَاطِمَةَ يَسْأَلُهَا عَلَى ذَلِكَ، فَذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفْتَاهَا بِذَلِكَ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ مَرْوَانُ وَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ قَالَتْ فَاطِمَةُ: إنَّمَا هَذَا فِي الرَّجْعِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فَقَالَ مَرْوَانُ: لَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَك وَسَآخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْت النَّاسَ عَلَيْهَا، فَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَؤُلَاءِ السَّلَفِ النَّكِيرُ عَلَى فَاطِمَةَ فِي رِوَايَتِهَا لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُنْكِرُونَ رِوَايَاتِ الْأَفْرَادِ بِالنَّظَرِ وَالْمُقَايَسَةِ، فَلَوْلَا أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا خِلَافَهُ مِنْ السُّنَّةِ وَمِنْ ظَاهِرِ الْكِتَابِ لَمَا أَنْكَرُوهُ عَلَيْهَا وَقَدْ اسْتَفَاضَ خَبَرُ فَاطِمَةَ فِي الصَّحَابَةِ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أرطاة عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا: "لَا نَفَقَةَ لَهُمَا وَتَعْتَدَّانِ حَيْثُ شَاءَتَا". فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا فِي رَدِّ خَبَرِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ مِنْ جِهَةِ ظُهُورِ النَّكِيرِ مِنْ السَّلَفِ عَلَيْهَا وَفِي رِوَايَتِهَا وَمُعَارَضَةُ حَدِيثِ عُمَرَ إيَّاهُ يُلْزِمُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ نُفَاةِ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ وَمِمَّنْ نَفَى النَّفَقَةَ وَأَثْبَتَ السُّكْنَى، وَهُوَ لِمَنْ نَفَى النَّفَقَةَ دُونَ السُّكْنَى أَلْزَمُ; لِأَنَّهُمْ قَدْ تَرَكُوا حَدِيثَهَا فِي نَفْيِ السُّكْنَى لِعِلَّةٍ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ، فَتِلْكَ الْعِلَّةُ بِعَيْنِهَا هِيَ الْمُوجِبَةُ لِتَرْكِ حَدِيثِهَا فِي نَفْيِ النَّفَقَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا لَمْ يُقْبَلْ حَدِيثُهَا فِي نَفْيِ السُّكْنَى لِمُخَالَفَتِهِ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله
стр. 2952
تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ قِيلَ لَهُ: قَدْ احْتَجَّتْ هِيَ فِي أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنْ جَازَ عَلَيْهَا الْوَهْمُ وَالْغَلَطُ فِي رِوَايَتِهَا حَدِيثًا مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ فَكَذَلِكَ سَبِيلُهَا فِي النَّفَقَةِ.
وَلِلْحَدِيثِ عِنْدَنَا وَجْهٌ صَحِيحٌ يَسْتَقِيمُ عَلَى مَذْهَبِنَا فِيمَا رَوَتْهُ مِنْ نَفْيِ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهَا اسْتَطَالَتْ بِلِسَانِهَا عَلَى أَحْمَائِهَا فَأَمَرُوهَا بِالِانْتِقَالِ وَكَانَتْ سَبَبَ النَّقْلَةِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِهِ: "أَنْ تَسْتَطِيلَ عَلَى أَهْلِهِ فَيُخْرِجُوهَا" فَلَمَّا كَانَ سَبَبُ النَّقْلَةِ مِنْ جِهَتِهَا كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ النَّاشِزَةِ، فَسَقَطَتْ نَفَقَتُهَا وَسُكْنَاهَا جَمِيعًا، فَكَانَتْ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِإِسْقَاطِ النَّفَقَةِ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِإِسْقَاطِ السُّكْنَى; وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ أَصْلِنَا الَّذِي قَدَّمْنَا فِي أَنَّ اسْتِحْقَاقَ النَّفَقَةِ مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِحْقَاقِ السُّكْنَى.
فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَتْ النَّفَقَةُ كَالسُّكْنَى; لِأَنَّ السُّكْنَى حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ تَرَاضِيهِمَا عَلَى إسْقَاطِهَا، وَالنَّفَقَةُ حَقٌّ لَهَا لَوْ رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِهَا لَسَقَطَتْ قِيلَ لَهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي وَجَبَ قِيَاسُهَا عَلَيْهَا; وَذَلِكَ لِأَنَّ السُّكْنَى فِيهَا مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ كَوْنُهَا فِي بَيْتِ الزَّوْجِ. وَالْآخَرُ: حَقٌّ لَهَا وَهُوَ مَا يَلْزَمُ فِي الْمَالِ مِنْ أُجْرَةِ الْبَيْتِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ، وَلَوْ رَضِيَتْ بِأَنْ تُعْطَى هِيَ الْأُجْرَةُ وَتُسْقِطَهَا عَنْ الزَّوْجِ جَازَ، فَمِنْ حَيْثُ هِيَ حَقٌّ فِي الْمَالِ قَدْ اسْتَوَيَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي نَفَقَةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وشريح وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ: "نَفَقَتُهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ" وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَالْحَسَنُ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ "لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي مَالِ الزَّوْجِ بَلْ هِيَ عَلَى نَفْسِهَا" وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدٌ: "لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ حَامِلًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ" وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: "نَفَقَتُهَا فِي مَالِ الزَّوْجِ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ إذَا كَانَتْ حَامِلًا" وَقَالَ مَالِكٌ: "نَفَقَتُهَا عَلَى نَفْسِهَا وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا وَلَهَا السُّكْنَى إنْ كَانَتْ الدَّارُ لِلزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالْمَرْأَةُ أَحَقُّ بِسُكْنَاهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي بَيْتٍ بِكِرَاءٍ فَأَخْرَجُوهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا سُكْنَى فِي مَالِ الزَّوْجِ"، هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: "لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي مَالِ الزَّوْجِ الْمَيِّتِ وَلَهَا السُّكْنَى إنْ كَانَ الدَّارُ لِلْمَيِّتِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَهِيَ أَحَقُّ بِالسُّكْنَى مِنْ الْغُرَمَاءِ وَتُبَاعُ لِلْغُرَمَاءِ وَيُشْتَرَطُ السُّكْنَى عَلَى الْمُشْتَرِي" وَقَالَ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ الثَّوْرِيِّ: "إذَا كَانَتْ حَامِلًا أُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ حَتَّى تَضَعَ، فَإِذَا وَضَعَتْ أُنْفِقَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ نَصِيبِهِ". وَرَوَى الْمُعَافَى عَنْهُ أَنَّ نَفَقَتَهَا مِنْ حِصَّتِهَا وَقَالَ
стр. 2953
الْأَوْزَاعِيُّ فِي الْمَرْأَةِ يَمُوتُ زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ: "فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ فَلَهَا النَّفَقَةُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ حَتَّى تَضَعَ" وَقَالَ اللَّيْثُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ إذَا كَانَتْ حَامِلًا مِنْهُ: "فَإِنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، فَإِنْ وَلَدَتْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَظِّ وَلَدِهَا، وَإِنْ لَمْ تَلِدْ كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا يُتْبَعُ بِهِ" وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: "لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا النَّفَقَةُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ" وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: "لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ". وَالْآخَرُ: "لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنْ لَا نَفَقَةَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا غَيْرِ الْحَامِلِ وَلَا سُكْنَى، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْحَامِلُ مِثْلَهَا لِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ النَّفَقَةَ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ لِلْحَمْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يُوجِبْهَا فِي نَصِيبِ الْحَمْلِ مِنْ الْمِيرَاثِ وَإِنَّمَا قَالُوا فِيهِ قَوْلَيْنِ، قَائِلٌ يَجْعَلُ نَفَقَتَهَا مِنْ نَصِيبِهَا، وَقَائِلٌ يَجْعَلُ النَّفَقَةَ مِنْ جَمِيعِ مَالِ الْمَيِّتِ، وَلَمْ يُوجِبْهَا أَحَدٌ فِي حِصَّةِ الْحَمْلِ؟ فَلَمَّا لَمْ تَجِبْ النَّفَقَةُ لِأَجْلِ الْحَمْلِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَقَّةً لِأَجْلِ كَوْنِهَا فِي الْعِدَّةِ; لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لِلْعِدَّةِ لَوَجَبَتْ لِغَيْرِ الْحَامِلِ، فَلَمْ يَبْقَ وَجْهٌ تَسْتَحِقُّ بِهِ النَّفَقَةَ وَأَيْضًا لَمَّا لَمْ تَسْتَحِقَّ السُّكْنَى فِي مَالِ الزَّوْجِ بِدَلَائِلَ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ لَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّفَقَةَ إذَا وَجَبَتْ فَإِنَّمَا تَجِبُ حَالًّا فَحَالًّا، فَلَمَّا مَاتَ الزَّوْجُ انْتَقَلَ مِيرَاثُهُ إلَى الْوَرَثَةِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَالٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَإِنَّمَا هُوَ مَالُ الْوَارِثِ، فَلَا يَجُوزُ إيجَابُهَا عَلَيْهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: تَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ، قِيلَ لَهُ: الدَّيْنُ الَّذِي يَثْبُتُ فِي مِيرَاثِ الْمُتَوَفَّى إنَّمَا يَثْبُتُ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا عَلَى الْمَيِّتِ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهُ بِسَبَبٍ كَانَ مِنْ الْمَيِّتِ قَبْلَ مَوْتِهِ مِثْلَ الْجِنَايَاتِ وَحَفْرِ الْبِئْرِ إذَا وَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ بَعْدَ مَوْتِهِ; وَالنَّفَقَةُ خَارِجَةٌ عَنْ الْوَجْهَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ إيجَابُهَا فِي مَالِهِ لِعَدَمِ السَّبَبِ الَّذِي بِهِ تَعَلُّقُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَعَدَمُ مَالِهِ بِزَوَالِهِ إلَى الْوَرَثَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ النِّكَاحَ قَدْ بَطَلَ بِالْمَوْتِ وَأَنَّ مِلْكَ الْمَيِّتِ قَدْ زَالَ إلَى الْوَرَثَةِ؟ فَلَمْ يَبْقَ لِإِيجَابِ النَّفَقَةِ وَجْهٌ; أَلَا تَرَى أَنَّ غَيْرَ الْحَامِلِ لَا نَفَقَةَ لَهَا بِهَذِهِ الْعِلَّةِ؟.
فَإِنْ قِيلَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ وَهُوَ عُمُومٌ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَالْمُطَلَّقَةِ، كَمَا كَانَ قَوْلِهِ: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ عُمُومًا فِي الصِّنْفَيْنِ; قِيلَ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ خِطَابٌ لِلْأَزْوَاجِ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ خِطَابٌ لَهُمْ، وَقَدْ زَالَ عَنْهُمْ الْخِطَابُ بِالْمَوْتِ، وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطَابًا لِغَيْرِ الْأَزْوَاجِ، فَلَمْ تَقْتَضِ الْآيَةُ إيجَابَ نَفَقَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِحَالٍ.
стр. 2954
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ قَدْ انْتَظَمَ الدَّلَالَةَ عَلَى أَحْكَامٍ: مِنْهَا أَنَّهُ إذَا رَضِيَتْ بِأَنْ تُرْضِعَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ أَنْ يَسْتَرْضِعَ غَيْرَهَا، لِأَمْرِ اللَّهِ إيَّاهُ بِإِعْطَاءِ الْأَجْرِ إذَا أَرْضَعَتْ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُمَّ أَوْلَى بِحَضَانَةِ الْوَلَدِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُجْرَةَ إنَّمَا تُسْتَحَقُّ بِالْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ وَلَا تُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ; لِأَنَّهُ أَوْجَبَهَا بَعْدَ الرَّضَاعِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ لَبَنَ الْمَرْأَةِ وَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَقَدْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْمَنَافِعِ الَّتِي تُسْتَحَقُّ بِعُقُودِ الْإِجَارَاتِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُجِزْ أَصْحَابُنَا بَيْعَ لَبَنِ الْمَرْأَةِ كَمَا لَا يَجُوزُ عَقْدُ الْبَيْعِ عَلَى الْمَنَافِعِ، وَفَارَقَ لَبَنُ الْمَرْأَةِ بِذَلِكَ لَبَنَ سَائِرِ الْحَيَوَانِ; أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ شَاةٍ لِرَضَاعِ صَبِيٍّ; لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تُسْتَحَقُّ بِعُقُودِ الْإِجَارَاتِ كَاسْتِئْجَارِ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ؟.
وقوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: لَا تَشْتَطَّ الْمَرْأَةُ عَلَى الزَّوْجِ فِيمَا تَطْلُبُهُ مِنْ الْأُجْرَةِ وَلَا يُقَصِّرْ الزَّوْجُ لَهَا عَنْ الْمِقْدَارِ الْمُسْتَحَقِّ.
وَقَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ ، قِيلَ: إنَّهُ إذَا طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهَا وَرَضِيَتْ غَيْرُهَا بِأَنْ تَأْخُذَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَسْتَرْضِعَ الْأَجْنَبِيَّةَ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْأُمِّ; لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِإِمْسَاكِهِ وَالْكَوْنِ عِنْدَهُ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ تُفْرَضُ عَلَيْهِ عَلَى قِدْرِ إمْكَانِهِ وَسَعَتِهِ، وَأَنَّ نَفَقَةَ الْمُعْسِرِ أَقَلُّ مِنْ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ.
وَقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ ، قِيلَ مَعْنَاهُ: مَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلِيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ، يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ نَفَقَةَ الْمُوسِرِ فِي هَذِهِ الْحَالِ بَلْ عَلَى قِدْرِ إمْكَانِهِ يُنْفِقُ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ ، فِيهِ بَيَانُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ أَحَدًا مَا لَا يُطِيقُ; وَهَذَا وَإِنْ كَانَ قَدْ عُلِمَ بِالْعَقْلِ; إذْ كَانَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ قَبِيحًا وَسَفَهًا فَإِنَّ اللَّهَ ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ تَأْكِيدًا لِحُكْمِهِ فِي الْعَقْلِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ مَعْنًى آخَرَ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّفَقَةِ لَمْ يُكَلِّفْهُ اللَّهُ الْإِنْفَاقَ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَإِذَا لَمْ يُكَلَّفْ الْإِنْفَاقَ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَمْ يَجُزْ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ نَفَقَتِهَا; وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْعَاجِزِ عَنْ نَفَقَةِ امْرَأَتِهِ وَبَيْنَهَا. فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ آتَاهُ الطَّلَاقَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَ قِيلَ لَهُ: قَدْ بَيَّنَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْهُ النَّفَقَةَ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَلَا يَجُوزُ إجْبَارُهُ عَلَى الطَّلَاقِ مِنْ أَجْلِهَا; لِأَنَّ فِيهِ إيجَابَ التَّفْرِيقِ بِشَيْءٍ لَمْ يَجِبْ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْهُ مِنْ الْإِنْفَاقِ إلَّا مَا آتَاهُ، وَالطَّلَاقُ لَيْسَ مِنْ الْإِنْفَاقِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي اللَّفْظِ وَأَيْضًا
стр. 2955
إنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُهُ مَا لَا يُطِيقُ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يُكَلِّفُهُ كُلَّ مَا يُطِيقُ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ مِنْ خِطَابِ الْآيَةِ.
وقوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا مِنْ أَجْلِ عَجْزِهِ عَنْ النَّفَقَةِ; لِأَنَّ الْعُسْرَ يُرْجَى له اليسر. آخر سورة الطلاق.
стр. 2956
وَمِنْ سُورَةِ التَّحْرِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَشْرَبُ وَيَأْكُلُ عِنْدَ زَيْنَبَ، فَتَوَاطَأَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ عَلَى أَنْ تَقُولَا لَهُ: نَجِدُ مِنْك رِيحَ الْمَغَافِيرِ، قَالَ: "بَلْ شَرِبْت عِنْدَهَا عَسَلًا وَلَنْ أَعُودَ لَهُ"، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ . وَقِيلَ: إنَّهُ شَرِبَ عِنْدَ حَفْصَةَ، وَقِيلَ: عِنْدَ سَوْدَةَ، وَأَنَّهُ حَرَّمَ الْعَسَلَ; وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: "وَاَللَّهِ لَا أَذُوقُهُ" وَقِيلَ: إنَّهُ أَصَابَ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، فَعَلِمَتْ بِهِ فَجَزِعَتْ مِنْهُ، فَقَالَ لَهَا: "أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أُحَرِّمَهَا فَلَا أَقْرَبُهَا؟ " قَالَتْ: بَلَى; فَحَرَّمَهَا وَقَالَ: "لَا تَذْكُرِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ"، فَذَكَرَتْهُ لِعَائِشَةَ، فَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الْآيَةَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا قَدْ كَانَا مِنْ تَحْرِيمِ مَارِيَةَ وَتَحْرِيمِ الْعَسَلِ، إلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ حَرَّمَ مَارِيَةَ وَأَنَّ الْآيَةَ فِيهَا نَزَلَتْ; لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ ، وَلَيْسَ فِي تَرْكِ شُرْبِ الْعَسَلِ رِضَا أَزْوَاجِهِ، وَفِي تَرْكِ قُرْبِ مَارِيَةَ رِضَاهُنَّ فَرُوِيَ فِي الْعَسَلِ أَنَّهُ حَرَّمَهُ، وَرُوِيَ أَنَّهُ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَهُ وَأَمَّا مَارِيَةُ فَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: حَرَّمَهَا; وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آلَى وَحَرَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: الْحَرَامُ حَلَالٌ وَأَمَّا الْيَمِينُ فَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ: "حَرَّمَ جَارِيَتَهُ"، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ حَرَّمَ وَحَلَفَ أَيْضًا، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا فِيهَا التَّحْرِيمُ فَقَطْ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُلْحَقَ بِالْآيَةِ مَا لَيْسَ فِيهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ يَمِينًا لِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا كَفَّارَةَ يَمِينٍ بِإِطْلَاقِ لَفْظِ التَّحْرِيمِ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالْيَمِينِ; لِأَنَّ الْيَمِينَ تَحْرِيمٌ للمحلوف
стр. 2957
عَلَيْهِ وَالتَّحْرِيمَ أَيْضًا يَمِينٌ; وَهَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا يَخْتَلِفُ فِي وَجْهٍ وَيَتَّفِقُ فِي وَجْهٍ آخَرَ، فَالْوَجْهُ الَّذِي يُوَافِقُ الْيَمِينُ فِيهِ التَّحْرِيمَ أَنَّ الْحِنْثَ فِيهِمَا يُوجِبُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ، وَالْوَجْهُ الَّذِي يَخْتَلِفَانِ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ هَذَا الرَّغِيفَ فَأَكَلَ بَعْضَهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ قَالَ: "قَدْ حَرَّمْت هَذَا الرَّغِيفَ عَلَى نَفْسِي" فَأَكَلَ مِنْهُ الْيَسِيرَ حَنِثَ وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ; لِأَنَّهُمْ شَبَّهُوا تَحْرِيمَهُ الرَّغِيفَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت مِنْ هَذَا الرَّغِيفِ شَيْئًا، تَشْبِيهًا لَهُ بِسَائِرِ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ مِنْ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ أَنَّهُ اقْتَضَى تَحْرِيمَ الْقَلِيلِ مِنْهُ وَالْكَثِيرِ.
وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الرَّجُلِ يُحَرِّمُ امْرَأَتَهُ، فَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ الْحَرَامَ يَمِينٌ"، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةٌ مِثْلُهُ، وَرُوِيَ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَعَنْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رِوَايَةٌ وَابْنِ عُمَرَ رِوَايَةٌ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ قَالُوا: "هِيَ ثَلَاثٌ" وَرَوَى خُصَيْفٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْحَرَامِ بِمَنْزِلَةِ الظِّهَارِ وَرَوَى مَنْصُورٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "النَّذْرُ وَالْحَرَامُ إذَا لَمْ يُسَمَّ مُغَلَّظَةٌ، فَتَكُونُ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا". وَرَوَى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: "إذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا، أَمَا لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ يَمِينٍ، وَأَنَّهُ إنْ أَرَادَ الظِّهَارَ كَانَ ظِهَارًا. وَقَالَ مَسْرُوقٌ "مَا أُبَالِي إيَّاهَا حَرَّمْت أَوْ قَصْعَةً مِنْ ثَرِيدٍ" وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: "مَا أُبَالِي حَرَّمْت امْرَأَتِي أَوْ مَاءً فُرَاتًا". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهُ يَمِينًا; لِأَنَّهُ لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمَا فِي تَحْرِيمِ الثَّرِيدِ وَالْمَاءِ أَنَّهُ يَمِينٌ، فَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَرَيَا ذَلِكَ طَلَاقًا; وَكَذَلِكَ نَقُولُ: إنَّهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ، فَلَمْ تَظْهَرْ مُخَالَفَةُ هَذَيْنِ لِمَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَاتِّفَاقَهُمْ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَيْسَ بِلَغْوٍ وَأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ يَمِينًا أَوْ طَلَاقًا أَوْ ظِهَارًا.
وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي الْحَرَامِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: "إنْ نَوَى الطَّلَاقَ فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ثَلَاثًا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا فَهُوَ يَمِينٌ وَهُوَ مُولٍ" وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ: "أَنَّهُ إنْ نَوَى ظِهَارًا لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا; لِأَنَّ الظِّهَارَ أَصْلُهُ بِحَرْفِ التَّشْبِيهِ" وَرَوَى ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَأَبِي يُوسُفَ: "أَنَّهُ إنْ نَوَى ظِهَارًا كَانَ ظِهَارًا" وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: "هِيَ ثَلَاثٌ وَلَا أَسْأَلُهُ عَنْ نِيَّتِهِ" وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَا ذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: "الْحَرَامُ لَا يَكُونُ يَمِينًا فِي شَيْءٍ إلَّا أَنْ يُحَرِّمَ امْرَأَتَهُ فَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ، وَهُوَ ثَلَاثٌ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ فَيَكُونَ عَلَى مَا نَوَى" وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: "إنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ نَوَى يَمِينًا فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فُرْقَةً وَلَا يمينا فليس
стр. 2958
بِشَيْءٍ هِيَ كِذْبَةٌ". وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: "هُوَ عَلَى مَا نَوَى، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهُوَ يَمِينٌ" وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ "هُوَ بِمَنْزِلَةِ الظِّهَارِ" وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "لَيْسَ بِطَلَاقٍ حَتَّى يَنْوِيَ فَإِذَا نَوَى فَهُوَ طَلَاقٌ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ عَدَدِهِ، وَإِنْ أَرَادَ تَحْرِيمَهَا بِلَا طَلَاقٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَيْسَ بِمُولٍ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ جَعَلَ أَصْحَابُنَا التَّحْرِيمَ يَمِينًا إذَا لَمْ تُقَارِنْهُ نِيَّةُ الطَّلَاقِ إذَا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لَهَا: "وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك" فَيَكُونُ مُولِيًا، وَأَمَّا إذَا حَرَّمَ غَيْرَ امْرَأَتِهِ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: "وَاَللَّهِ لَا آكُلُ مِنْهُ وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ مِنْهُ" وَنَحْوَ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ، فَجَعَلَ التَّحْرِيمَ يَمِينًا، فَصَارَتْ الْيَمِينُ فِي مَضْمُونِ لَفْظِ التَّحْرِيمِ وَمُقْتَضَاهُ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ، فَإِذَا أَطْلَقَ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الْيَمِينِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهَا فَيَكُونُ مَا نَوَى، فَإِذَا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ وَأَرَادَ الطَّلَاقَ كَانَ طَلَاقًا لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهُ; وَكُلُّ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ مَتَى أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ كَانَ طَلَاقًا، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِرُكَانَةَ حِينَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ: "بِاَللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً" فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ الثَّلَاثَ وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهَا فَإِنَّهُ مَتَى أَرَادَ الثَّلَاثَ كَانَ ثَلَاثًا، لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحْلِفْهُ عَلَيْهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الثَّلَاثُ بِوُجُودِ اللَّفْظِ وَجَعْلِ الْقَوْلِ قَوْلَهُ لِلِاحْتِمَالِ فِيهِ، فَصَارَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ أَنَّا لَا نَجْعَلُهُ طَلَاقًا إلَّا بِمُقَارَنَةِ الدَّلَالَةِ لِإِرَادَةِ الطَّلَاقِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْمُحْتَمِلَ لِلطَّلَاقِ يَجُوزُ إيقَاعُ الطَّلَاقُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا فِي نَفْسِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِسَوْدَةِ: "اعْتَدِّي" ثُمَّ رَاجَعَهَا فَأَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِقَوْلِهِ: "اعْتَدِّي" لَاحْتِمَالِهِ لَهُ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ مَنَعَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ، وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: هُوَ يَمِينٌ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ عِنْدَنَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةُ الطَّلَاقِ وَلَمْ تُقَارِنْهُ دَلَالَةُ الْحَالِ. وَزَعَمَ مَالِكٌ أَنَّ مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا غَيْرَ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ شَيْءٌ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَقَدْ اقْتَضَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ مِنْ كَوْنِهِ يَمِينًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إسْقَاطُ مُوجَبِ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ كَوْنِ الْحَرَامِ يَمِينًا بِرِوَايَةِ مَنْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ الْعَسَلَ، إذْ غَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ عَلَى حُكْمِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ; وَلِأَنَّ مَنْ رَوَى الْيَمِينَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا عَنَى بِهِ التَّحْرِيمَ وَحْدَهُ; إذْ كَانَ التَّحْرِيمُ يَمِينًا وَيَدُلُّ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ أَنَّ الْمُحَرِّمَ لِلشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ قَدْ اقْتَضَى لَفْظُهُ إيجَابَ الِامْتِنَاعِ مِنْهُ كَالْأَشْيَاءِ الْمُحَرَّمَةِ، وَذَلِكَ فِي مَعْنَى النَّذْرِ وَقَوْلُ الْقَائِلِ: "لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَفْعَلَ ذَلِكَ"، فَلَمَّا كَانَ النَّذْرُ يَمِينًا بِالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ الشَّيْءِ بِمَنْزِلَةِ النَّذْرِ فَتَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إذَا حَنِثَ كَمَا تَجِبُ في النذر.
стр. 2959
مطلب: يجب علينا تعليم أولادنا وأهلينا
وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ قَالَ: "عَلِّمُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ الْخَيْرَ" وَقَالَ الْحَسَنُ: "تُعَلِّمُهُمْ وَتَأْمُرُهُمْ وَتَنْهَاهُمْ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَيْنَا تَعْلِيمَ أَوْلَادِنَا وَأَهْلِينَا الدِّينَ وَالْخَيْرَ وَمَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ مِنْ الْآدَابِ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] وَنَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى لِلنَّبِيِّ ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنَّا مَزِيَّةٌ بِهِ فِي لُزُومِنَا تَعْلِيمَهُمْ وَأَمْرَهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّاعِيَ كَمَا عَلَيْهِ حِفْظُ مَنْ اُسْتُرْعِيَ وَحِمَايَتُهُ وَالْتِمَاسُ مَصَالِحِهِ فَكَذَلِكَ عَلَيْهِ تَأْدِيبُهُ وَتَعْلِيمُهُ; وَقَالَ ﵇: "فَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْأَمِيرُ رَاعٍ عَلَى رَعِيَّتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ". وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى السَّعْدِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَهْرَمَانِ آلِ الزُّبَيْرِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا خَيْرًا مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ". وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَضْرَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جُبَارَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "حَقُّ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ أَنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ وَيُحْسِنَ أَدَبَهُ". وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنُ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنْ عَطِيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إذَا بَلَغَ أَوْلَادُكُمْ سَبْعَ سِنِينَ فَعَلِّمُوهُمْ الصَّلَاةَ، وَإِذَا بَلَغُوا عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ".
وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: "أَكْثَرُ مَنْ كَانَ يُصِيبُ الْحُدُودَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الْمُنَافِقُونَ، فَأُمِرَ أَنْ يَغْلُظَ عَلَيْهِمْ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ" وَقِيلَ: جِهَادُ الْمُنَافِقِينَ بِالْقَوْلِ وَجِهَادُ الْكُفَّارِ بِالْحَرْبِ". وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ الْغِلْظَةِ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَنَهْيٌ عَنْ مُقَارَنَتِهِمْ وَمُعَاشَرَتِهِمْ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "إذَا لَمْ تَقْدِرُوا أَنْ تُنْكِرُوا عَلَى الْفَاجِرِ فَالْقَوْهُ بِوَجْهٍ مكفهر".
وقوله تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "كَانَتَا مُنَافِقَتَيْنِ مَا زَنَتْ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ"; وَكَانَتْ خِيَانَتُهُمَا أَنَّ امْرَأَةَ نُوحٍ ﵇ كَانَتْ تَقُولُ لِلنَّاسِ: إنَّهُ مَجْنُونٌ، وَكَانَتْ امْرَأَةُ لُوطٍ ﵇ تَدُلُّ على الضيف. آخر سورة التحريم.
стр. 2960
وَمِنْ سُورَةِ نُونٍ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ قِيلَ: "مَنْ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ كَاذِبًا"، وَسَمَّاهُ مَهِينًا لِاسْتِجَازَتِهِ الْكَذِبَ وَالْحَلِفَ عَلَيْهِ، وَالْحَلَّافُ اسْمٌ لِمَنْ أَكْثَرَ الْحَلِفَ بِحَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ، يَعْنِي: وَقَّاعًا فِي النَّاسِ عَائِبًا لَهُمْ بِمَا ليس فيهم وقوله: ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ يَعْنِي يَنْقُلُ الْكَلَامَ مِنْ بَعْضٍ إلَى بَعْضٍ عَلَى وَجْهِ التَّضْرِيبِ بَيْنَهُمْ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ" يَعْنِي النَّمَّامَ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ قِيلَ فِي الْعُتُلِّ: إنَّهُ الْفَظُّ الْغَلِيظُ، وَالزَّنِيمُ الدَّعِيُّ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتُرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو شَيْبَةَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ البجلي عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ جَوَّاظٌ وَلَا جعظري وَلَا عُتُلٌّ زَنِيمٌ"، قُلْت: وَمَا الْجَوَّاظُ؟ قَالَ: "كُلُّ جَمَّاعٍ"، قُلْت: وَمَا الجعظري؟ قَالَ: "الْفَظُّ الْغَلِيظُ"، قُلْت: وَمَا الْعُتُلُّ الزَّنِيمُ؟ قَالَ: "رَحْبُ الجوف". آخر سورة نون.
стр. 2961
وَمِنْ سُورَةِ سَأَلَ سَائِلٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ رَوَى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الصَّلَاةِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا دِيمَ عَلَيْهِ وَقَرَأْت: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "دَائِمُونَ عَلَى مَوَاقِيتِهَا" وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: "الَّذِي لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ".
وقَوْله تَعَالَى: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: "الَّذِي يَسْأَلُ، وَالْمَحْرُومُ الَّذِي لَا يَسْتَقِيمُ لَهُ تِجَارَةٌ" وَقَالَ أَبُو قلابة: "الْمَحْرُومُ مَنْ ذَهَبَ مَالُهُ" وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً فَغَنِمَتْ، فَجَاءَ آخَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، فنزلت: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ وَعَنْ أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ الْمَحْرُومَ مَنْ حُرِمَ وَصِيَّتَهُ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مَعْنَى الْمَحْرُومِ وَاخْتِلَافَهُمْ فِيهِ آخِرُ سُورَةِ سَأَلَ سَائِلٌ.
стр. 2962
ومن سورة المزمل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مطلب: في قيام الليل
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ رَوَى زرارة بْنُ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: قُلْت لِعَائِشَةَ: أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رسول الله ﷺ !، قَالَتْ: أَمَا تَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ؟ قُلْت: بَلَى قَالَتْ: "فَإِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ الْقِيَامَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ، وَأَمْسَكَ اللَّهُ تَعَالَى خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ أَنْزَلَ التَّخْفِيفَ فِي آخِرِ السُّورَةِ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ" وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لَمَّا نَزَلَتْ أَوَّلُ الْمُزَّمِّلِ كَانُوا يَقُومُونَ نَحْوَ قِيَامِهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى نَزَلَ آخِرُهَا، وَكَانَ بَيْنَ نُزُولِ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا نَحْوَ سَنَةٍ".
وَقَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "بَيِّنْهُ تَبْيِينًا" وَقَالَ طَاوُسٌ: "بَيِّنْهُ حَتَّى تَفْهَمَهُ" وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ قَالَ: "وَالِ بَعْضَهُ عَلَى إثْرِ بَعْضٍ عَلَى تُؤَدَةٍ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي نَسْخِ فَرْضِ قِيَامِ اللَّيْلِ وَأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ مُرَغَّبٌ فِيهِ; وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ آثَارٌ كَثِيرَةٌ فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ، رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَحَبُّ الصَّلَاةِ إلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُد كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُد كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا". وَرُوِيَ عَنْ عَلَى: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، حَتَّى إذَا انْفَجَرَ عَمُودُ الصُّبْحِ أَوْتَرَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ سَبَّحَ وَكَبَّرَ، حَتَّى إذَا انْفَجَرَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ: "إذَا نَشَأْت قَائِمًا فَهِيَ نَاشِئَةُ اللَّيْلِ كُلِّهِ" وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "اللَّيْلُ كُلُّهُ إذَا قَامَ يُصَلِّي فَهُوَ نَاشِئَةٌ وما
стр. 2963
كَانَ بَعْدَ الْعِشَاءِ فَهُوَ نَاشِئَةٌ"; وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُهُ، وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ قَالَ: "أَجَهْدُ لِلْبَدَنِ وَأَثْبَتُ فِي الْخَيْرِ" وَقَالَ مجاهد: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ قَالَ: "أَثْبَتُ قِرَاءَةً".
وَقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: "أَخْلِصْ إلَيْهِ إخْلَاصًا" وَقَالَ قَتَادَةُ: "أَخْلِصْ إلَيْهِ الدُّعَاءَ وَالْعِبَادَةَ" وَقِيلَ: "الِانْقِطَاعُ إلَى اللَّهِ وَتَأْمِيلُ الْخَيْرِ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ" وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ; لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي بَيَانِ الصَّلَاةِ، فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِافْتِتَاحِ بِسَائِرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقوله تعالى: ﴿سَبْحاً طَوِيلاً﴾ ، قَالَ قَتَادَةُ: "فَرَاغًا طَوِيلًا".
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: "هِيَ أَشَدُّ وِطَاءً" قَالَ مُجَاهِدٌ: وَاطَأَ اللِّسَانُ الْقَلْبَ مُوَاطَأَةً وَوِطَاءً" وَمَنْ قَرَأَ "وَطْئًا" قَالَ: مَعْنَاهُ هِيَ أَشَدُّ مِنْ عَمَلِ النَّهَارِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ انْتَظَمَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَانِيَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ نَسَخَ بِهِ قِيَامَ اللَّيْلِ الْمَفْرُوضَ كَانَ بَدِيًّا. وَالثَّانِي: دَلَالَتُهَا عَلَى لُزُومِ فرض القراءة في الصلاة بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ . وَالثَّالِثُ: دَلَالَتُهَا عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ بِقَلِيلِ الْقِرَاءَةِ. وَالرَّابِعُ أَنَّهُ مَنْ تَرَكَ قِرَاءَةَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَقَرَأَ غَيْرَهَا أَجْزَأَهُ; وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا نَزَلَ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ; قِيلَ لَهُ: إنَّمَا نَسَخَ فَرْضَهَا وَلَمْ يَنْسَخْ شَرَائِطَهَا وَسَائِرَ أَحْكَامِهَا وَأَيْضًا فَقَدْ أَمَرَنَا بِالْقِرَاءَةِ بَعْدَ ذِكْرِ التَّسْبِيحِ بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ .
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ فِي التَّطَوُّعِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى وُجُوبِهَا فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ; قِيلَ لَهُ: إذَا ثَبَتَ وُجُوبُهَا فِي التَّطَوُّعِ فَالْفَرْضُ مِثْلُهُ; لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا وَأَيْضًا فَإِنَّ قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَلَا مَوْضِعَ يُلْزِمُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ إلَّا فِي الصَّلَاةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَالصَّلَاةُ نَفْسُهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فَكَيْفَ يَدُلُّ عَلَى فَرْضِ الْقِرَاءَةِ؟ قِيلَ لَهُ: إنَّ صَلَاةَ التَّطَوُّعِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَرْضًا فَإِنَّ عَلَيْهِ إذَا صَلَّاهَا أَنْ لَا يُصَلِّيَهَا إلَّا بِقِرَاءَةٍ، وَمَتَى دَخَلَ فِيهَا صَارَتْ الْقِرَاءَةُ فَرْضًا، كَمَا أَنَّ عَلَيْهِ اسْتِيفَاءَ شَرَائِطِهَا مِنْ الطَّهَارَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَكَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ عَلَيْهِ عَقْدُ السَّلَمِ وَسَائِرُ
стр. 2964
عُقُودِ الْبِيَاعَاتِ وَمَتَى مَا قَصَدَ إلَى عَقْدِهَا فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَعْقِدَهَا إلَّا عَلَى مَا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ; أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ ﵇: "مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَقْدُ السَّلَمِ؟ وَلَكِنَّهُ مَتَى قَصَدَ إلَى عَقْدِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْقِدَهُ بِهَذِهِ الشَّرَائِطِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنما المراد بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ الصَّلَاةُ نَفْسُهَا، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا; قِيلَ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ; لِأَنَّ فِيهِ صَرْفَ الْكَلَامِ عَنْ حَقِيقَةِ مَعْنَاهُ إلَى الْمَجَازِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلَالَةٍ; وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ لَك مَا ادَّعَيْت كَانَتْ دَلَالَتُهُ قَائِمَةً عَلَى فَرْضِ الْقِرَاءَةِ; لِأَنَّهُ لَمْ يُعَبِّرْ عَنْ الصَّلَاةِ بِالْقِرَاءَةِ إلَّا وَهِيَ مِنْ أَرْكَانِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات:٤٨] قَالَ مُجَاهِدٌ: أَرَادَ بِهِ الصَّلَاةَ; وَقَالَ: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَالْمُرَادُ بِهِ الصَّلَاةُ، فَعَبَّرَ عَنْ الصَّلَاةِ بِالرُّكُوعِ; لأنه من أركانها. آخر سورة المزمل.
стр. 2965
ومن سورة المدثر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: "لَا تُعْطِ عَطِيَّةً لِتُعْطَى أَكْثَرَ مِنْهَا". وَقَالَ الْحَسَنُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: "لَا تَمْنُنْ حَسَنَاتِك عَلَى اللَّهِ مُسْتَكْثِرًا لَهَا فَيُنْقِصَك ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ". وَقَالَ آخَرُونَ: "لَا تَمْنُنْ بِمَا أَعْطَاك اللَّهُ مِنْ النُّبُوَّةِ وَالْقُرْآنِ مُسْتَكْثِرًا بِهِ الْأَجْرَ مِنْ النَّاسِ". وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا: "لَا تَضْعُفْ فِي عَمَلِك مُسْتَكْثِرًا لِطَاعَتِك". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هذه المعاني كلها يحتملها اللفظ، وجائز أن يَكُونَ جَمِيعُهَا مُرَادًا بِهِ، فَالْوَجْهُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي سَائِرِ وُجُوهِ الِاحْتِمَالِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَطْهِيرِ الثِّيَابِ مِنْ النَّجَاسَاتِ لِلصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ; لِأَنَّ تَطْهِيرَهَا لَا يَجِبُ إلَّا لِلصَّلَاةِ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَأَى عَمَّارًا يَغْسِلُ ثَوْبَهُ، فَقَالَ: "مِمَّ تَغْسِلُ ثَوْبَك"؟ فَقَالَ: مِنْ نُخَامَةٍ فَقَالَ: "إنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ الدَّمِ وَالْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ". وَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغَسْلِ الْمَنِيِّ مِنْ الثَّوْبِ إذَا كَانَ رَطْبًا. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: "عَمَلُك أَصْلِحْهُ". وقال إبراهيم: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ مِنْ الْإِثْمِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَمَرَهُ أَنْ لَا يَلْبَسَ ثِيَابَهُ عَلَى عَذِرَةٍ، وَهَذَا كُلُّهُ مَجَازٌ لَا يَجُوزُ صَرْفُ الْكَلَامِ إلَيْهِ إلَّا بِدَلَالَةٍ; وَاحْتَجَّ هَذَا الرَّجُلُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُؤْمَرَ بِغَسْلِ ثِيَابِهِ مِنْ الْبَوْلِ وَمَا أَشْبَهَهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا كَلَامٌ شَدِيدُ الِاخْتِلَالِ وَالْفَسَادِ وَالتَّنَاقُضِ; لِأَنَّ فِي الْآيَةِ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَجْرِ الْأَوْثَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ ﷺ كَانَ هَاجِرًا لِلْأَوْثَانِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا وَكَانَ مُجْتَنِبًا لِلْآثَامِ وَالْعَذِرَاتِ فِي الْحَالَيْنِ، فَإِذَا جَازَ خِطَابُهُ بِتَرْكِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ قَبْلَ ذَلِكَ تَارِكًا لَهَا فَتَطْهِيرُ الثِّيَابِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ مِثْلُهُ; وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا قَطُّ; فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَنَاقُضِ قَوْلِ هَذَا الرَّجُلِ وَفَسَادِهِ. وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الشَّرَائِعِ مِنْ وُضُوءٍ
стр. 2966
أَوْ صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا الطَّهَارَةُ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ وَشِرْكِهَا وَالْأَعْمَالِ الْخَبِيثَةِ، وَقَدْ نَقَضَ بِهَذَا مَا ذَكَرَهُ بَدِيًّا مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُؤْمَرَ بِتَطْهِيرِ الثِّيَابِ مِنْ النَّجَاسَةِ، أَفَتَرَاهُ ظَنَّ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُوصَى بِتَرْكِ الْأَوْثَانِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ; لِأَنَّهُ كَانَ تَارِكًا لَهَا وَقَدْ أَجَازَ أَنْ يُخَاطَبَ بِتَرْكِهَا، فَكَذَلِكَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ، فَمَا فِي ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ أَمْرَهُ بِتَطْهِيرِ الثِّيَابِ لَصَلَاةٍ يَفْرِضُهَا عَلَيْهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] . آخر سورة المدثر.
стр. 2967
وَمِنْ سُورَةِ الْقِيَامَةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ; رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "شَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ"، وَقِيلَ: "مَعْنَاهُ بَلْ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ جَوَارِحُهُ شَاهِدَةٌ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لَوْ اعْتَذَرَ وَقَبِلَ شَهَادَةَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ اعْتِذَارِهِ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمَّا احْتَمَلَ اللَّفْظُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهَا; إذْ لَا تَنَافِيَ فِي هَذَا، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ عَلَى نَفْسِهِ; إذْ جَعَلَهُ اللَّهُ حُجَّةً عَلَى نَفْسِهِ وَشَاهِدًا عَلَيْهَا، وَلَمَّا عَبَّرَ عَنْ كَوْنِهِ شَاهِدًا عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَأْكِيدِ أَمْرِ شَهَادَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَثُبُوتِهَا، فَيُوجِبُ ذَلِكَ جَوَازَ عُقُودِهِ وَإِقْرَارَهُ وَجَمِيعَ مَا اعترف بلزوم نفسه. آخر سورة القيامة.
стр. 2968
ومن سورة الإنسان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَسِيراً﴾ عَنْ أَبِي وَائِلٍ: "أَنَّهُ أَمَرَ بِأَسْرَى مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَأَمَرَ مَنْ يُطْعِمُهُمْ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الْآيَةَ وَقَالَ قَتَادَةُ: "كَانَ أَسِيرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْمُشْرِكَ، فَأَخُوك الْمُسْلِمُ أَحَقُّ أَنْ تُطْعِمَهُ". وَعَنْ الْحَسَنِ: ﴿وَأَسِيراً﴾ قَالَ: "كَانُوا مُشْرِكِينَ" وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "الْأَسِيرُ الْمَسْجُونُ" وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ قَالَا: هُمْ أَهْلُ الْقِبْلَةِ وَغَيْرُهُمْ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْأَظْهَرُ الْأَسِيرُ الْمُشْرِكُ; لِأَنَّ الْمُسْلِمَ الْمَسْجُونَ لَا يُسَمَّى أَسِيرًا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي إطْعَامِ الْأَسِيرِ قُرْبَةً، وَيَقْتَضِي ظَاهِرُهُ جَوَازَ إعْطَائِهِ مِنْ سَائِرِ الصَّدَقَاتِ; إلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا لَا يُجِيزُونَ إعْطَاءَهُ مِنْ الزَّكَوَاتِ وَصَدَقَاتِ الْمَوَاشِي وَمَا كَانَ أَخَذَهُ مِنْهَا إلَى الْإِمَامِ، وَيُجِيزُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ جَوَازَ إعْطَائِهِ مِنْ الْكَفَّارَاتِ وَنَحْوِهَا، وَأَبُو يُوسُفَ لَا يُجِيزُ دَفْعَ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ إلَّا إلَى الْمُسْلِمِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَلَفَ. آخِرُ سُورَةِ الْإِنْسَانِ.
стр. 2969
وَمِنْ سُورَةِ الْمُرْسَلَاتِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً﴾ ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: يَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَ ظَهْرَهَا لِلْأَحْيَاءِ وَبَطْنَهَا لِلْأَمْوَاتِ، وَالْكِفَاتُ الضِّمَامُ، فَأَرَادَ أَنَّهَا تَضُمُّهُمْ فِي الْحَالَيْنِ. وَرَوَى إسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي يَحْيَى عن مجاهد: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً﴾ قَالَ: "تَكْفِتُ الْمَيِّتَ فَلَا يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ"; وَأَحْيَاءً قَالَ: "الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ لَا يُرَى مِنْ عَمَلِهِ شَيْءٌ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ مُوَارَاةِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ وَدَفْنِ شَعْرِهِ وَسَائِرِ مَا يُزَايِلُهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَعْرَهُ وَشَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهِ; لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ دَفْنَهُ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ" وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ شَعْرَ غَيْرِهَا بِشَعْرِهَا، فَمَنَعَ الِانْتِفَاعَ بِهِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ﴾ فَأَقْبَرَهُ [عبس:٢١] يَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا". وَرُوِيَ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ غَيْرُ ذَلِكَ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أَنَّهُ أَخَذَ قَمْلَةً فَدَفَنَهَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الْحَصَى، ثُمَّ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً﴾ . وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ مِثْلُهُ. وَأَخَذَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ قَمْلَةً عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَطَرَحَهَا فِي الْمَسْجِدِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا التَّأْوِيلُ لَا يَنْفِي الْأَوَّلَ وَعُمُومُهُ يَقْتَضِي الْجَمِيعَ. آخِرُ سُورَةِ المرسلات.
стр. 2970
ومن سورة إذا السماء انشقت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ، قَالَ مُجَاهِدٌ: الشَّفَقُ النَّهَارُ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: "الشَّفَقُ الْبَيَاضُ" وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: "الشَّفَقُ السَّوَادُ الَّذِي يَكُونُ إذَا ذَهَبَ الْبَيَاضُ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الشَّفَقُ فِي الْأَصْلِ الرِّقَّةُ، وَمِنْهُ ثَوْبٌ شَفَقٌ إذَا كَانَ رَقِيقًا، وَمِنْهُ الشَّفَقَةُ وَهُوَ رِقَّةُ الْقَلْبِ. وَإِذَا كَانَ هَذَا أَصْلَهُ فَهُوَ بِالْبَيَاضِ أَوْلَى مِنْهُ بِالْحُمْرَةِ; لِأَنَّ أَجْزَاءَ الضِّيَاءِ رَقِيقَةٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَفِي وَقْتِ الْحُمْرَةِ أَكْثَفُ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ ، يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ لِذَمِّهِ لِتَارِكِ السُّجُودِ عِنْدَ سَمَاعِ التِّلَاوَةِ; وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي إيجَابَ السُّجُودِ عِنْدَ سَمَاعِ سَائِرِ الْقُرْآنِ، إلَّا أَنَّا خَصَصْنَا مِنْهُ مَا عَدَا مَوَاضِعَ السُّجُودِ وَاسْتَعْمَلْنَاهُ فِي مَوَاضِعِ السُّجُودِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ وَلِأَنَّا لَوْ لَمْ نَسْتَعْمِلْهُ عَلَى ذَلِكَ كُنَّا قَدْ أَلْغَيْنَا حُكْمَهُ رَأْسًا.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْخُضُوعَ; لِأَنَّ اسْمَ السُّجُودِ يَقَعُ عَلَى الْخُضُوعِ; قِيلَ لَهُ: هُوَ كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ خُضُوعٌ عَلَى وَصْفٍ، وَهُوَ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ، كَمَا أَنَّ الرُّكُوعَ وَالْقِيَامَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ وَسَائِرَ الْعِبَادَاتِ خُضُوعٌ وَلَا يُسَمَّى سُجُودًا; لِأَنَّهُ خُضُوعٌ عَلَى صِفَةٍ إذَا خَرَجَ عَنْهَا لَمْ يُسَمَّ بِهِ. آخِرُ سُورَةِ إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ.
стр. 2971
ومن سورة سبح اسم ربك الأعلى
يسم الله الرحمن الرحيم
قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ; رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ قَالَا: "أَدَّى زَكَاةَ الْفِطْرِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ". وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ" "السُّنَّةُ أَنْ تُخْرِجَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَيُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ عَلَى جَوَازِ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بِسَائِرِ الْأَذْكَارِ; لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ عَقِيبَ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ الصَّلَاةَ مُتَّصِلًا بِهِ; إذْ كَانَتْ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ بِلَا تَرَاخٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ. آخر سورة سبح.
стр. 2972
ومن سورة البلد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ; قَالَ: "أَعْتِقْ النَّسَمَةَ وَفُكَّ الرَّقَبَةَ" قَالَ: أَلَيْسَا سَوَاءً يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "لَا، عِتْقُ النَّسَمَةِ أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ اقْتَضَى ذَلِكَ جَوَازَ إعْطَاءِ الْمُكَاتَبِ مِنْ الصَّدَقَاتِ; لِأَنَّهُ مَعُونَةٌ فِي ثَمَنِهِ، وَهُوَ نَحْوَ قَوْلِهِ فِي شَأْنِ الصَّدَقَاتِ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧] . وَقوله تعالى: ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ذي مجاعة.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "الْمَتْرَبَةُ بُقْعَةُ التُّرَابِ، أَيْ هُوَ مَطْرُوحٌ فِي التُّرَابِ لَا يُوَارِيهِ عَنْ الْأَرْضِ شَيْءٌ"، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا رِوَايَةٌ: "الْمَتْرَبَةُ شِدَّةُ الْحَاجَةِ، مِنْ قَوْلِهِمْ تَرِبَ الرَّجُلُ إذَا افْتَقَرَ".
وَقَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعْنَاهُ: وَكَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا، فَصَارَتْ" ثُمَّ" ههنا بمعنى "الواو". آخر السورة.
стр. 2973
ومن سورة الضحى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ قِيلَ: لَا تَقْهَرْهُ بِظُلْمِهِ وَأَخْذِ مَالِهِ. وَخَصَّ الْيَتِيمَ; لِأَنَّهُ لَا نَاصِرَ لَهُ غَيْرُ اللَّهِ، فَغَلَّظَ فِي أَمْرِهِ لِتَغْلِيظِ الْعُقُوبَةِ عَلَى ظَالِمِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "اتَّقُوا ظُلْمَ مَنْ لَا نَاصِرَ لَهُ غَيْرُ اللَّهِ".
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ إغْلَاظِ الْقَوْلِ لَهُ; لِأَنَّ الِانْتِهَارَ هُوَ الزَّجْرُ وَإِغْلَاظُ الْقَوْلِ; وَقَدْ أَمَرَ فِي آيَةٍ أُخْرَى بِحُسْنِ الْقَوْلِ لَهُ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً﴾ [الإسراء:٢٨] وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ قَدْ أُرِيدَ بِهِ جميع المكلفين. آخر السورة.
стр. 2974
ومن سورة ألم نشرح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الْحَسَنِ فِي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَهُوَ مَسْرُورٌ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ إنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَعْنِي أَنَّ الْعُسْرَ الْمَذْكُورَ بَدِيًّا هُوَ الْمُثَنَّى بِهِ آخِرًا; لِأَنَّهُ مُعَرَّفٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَيَرْجِعُ إلَى الْعَهْدِ الْمَذْكُورِ، وَالْيُسْرُ الثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ; لِأَنَّهُ مَنْكُورٌ، وَلَوْ أَرَادَ الْأَوَّلَ لَعَرَّفَهُ بِالْأَلِفِ واللام.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "إذَا فَرَغَتْ مِنْ فَرْضِك فَانْصَبْ إلَى مَا رَغَّبَك تَعَالَى فِيهِ مِنْ الْعَمَلِ" وَقَالَ الْحَسَنُ: "فَإِذَا فَرَغْت مِنْ جِهَادِ أَعْدَائِك فَانْصَبْ إلَى رَبِّك فِي الْعِبَادَةِ" وَقَالَ قَتَادَةُ: "فَإِذَا فَرَغْت مِنْ صَلَاتِك فَانْصَبْ إلَى رَبِّك فِي الدُّعَاءِ". وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "فَإِذَا فَرَغْت مِنْ أَمْرِ دُنْيَاك فَانْصَبْ إلَى عِبَادَةِ رَبِّك". وَهَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ، وَالْوَجْهُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهَا كُلِّهَا فَيَكُونُ جَمِيعُهَا مُرَادًا، وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّ المراد به جميع المكلفين. آخر السورة.
стр. 2975
ومن سورة ليلة القدر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ . قِيلَ: إنَّمَا هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَذَلِكَ لِمَا يُقْسَمُ فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ الَّذِي لَا يَكُونُ مِثْلُهُ فِي أَلْفِ شَهْرٍ، فَكَانَتْ أَفْضَلَ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ لِهَذَا الْمَعْنَى. وَإِنَّمَا وَجْهُ تَفْضِيلِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَمَاكِنِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ لِمَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ الْجَزِيلِ وَالنَّفْعِ الْكَثِيرِ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَتَى تَكُونُ، وَاخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِيهَا، فَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَاطْلُبُوهَا فِي كُلِّ وَتْرٍ". وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْلَةُ تِسْعَ عَشَرَةَ مِنْ رَمَضَانَ وَلَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَلَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ". وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "تَحَرُّوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ". وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: "فِي سَبْعٍ وَعِشْرِينَ". حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زنجويه النَّسَائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَسْمَعُ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَقَالَ: "هِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ". وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ قَالَ: "قُلْت لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَخْبِرْنِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ فَإِنَّ صَاحِبَنَا - يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ: مَنْ يَقُمْ الْحَوْلَ يُصِبْهَا; فَقَالَ رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يَتَّكِلُوا، وَاَللَّهِ إنَّهَا فِي رَمَضَانَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ! ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذِهِ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ صَحِيحَةً، فَتَكُونُ فِي سَنَةٍ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي وَفِي سَنَةٍ أُخْرَى فِي غَيْرِهَا وَفِي سَنَةٍ أُخْرَى فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَفِي سَنَةٍ
стр. 2976
فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ وَفِي سَنَةٍ فِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ وَفِي سَنَةٍ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَقُلْ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مَنْ يَقُمْ الْحَوْلَ يُصِبْهَا" إلَّا مِنْ طَرِيقِ التَّوْقِيفِ; إذْ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِوَحْيٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إلَى نَبِيِّهِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ غَيْرُ مَخْصُوصَةٍ بِشَهْرٍ مِنْ السَّنَةِ وَأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي سَائِرِ السَّنَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: إنَّهَا لَا تَطْلُقُ حَتَّى يَمْضِيَ حَوْلٌ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ بِالشَّكِّ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِوَقْتٍ فَلَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ بِوُقُوعِ الطلاق بمضي حول. آخر السورة.
стр. 2977
ومن سورة لم يكن الذين كفروا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ ، فِيهِ أَمْرٌ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، وَهُوَ أَنْ لَا يُشْرَكَ فِيهَا غَيْرُهُ; لِأَنَّ الْإِخْلَاصَ ضِدَّ الْإِشْرَاكِ وَلَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالنِّيَّةِ لَا فِي وُجُودِهَا وَلَا فِي فَقْدِهَا فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ فِي إيجَابِ النِّيَّةِ; لِأَنَّهُ مَتَى اعْتَقَدَ الْإِيمَانَ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْإِخْلَاصُ فِي الْعِبَادَةِ ونفي الإشراك فيها. آخر السورة.
стр. 2978
ومن سورة أرأيت الذي يكذب بالدين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ; قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "يُؤَخِّرُونَهَا عَنْ وَقْتِهَا"، وَكَذَلِكَ قَالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ وَرَوَى مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: "يَسْهُونَ عَنْ مِيقَاتِهَا حَتَّى يَفُوتَ". وَرَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: هُمْ الْمُنَافِقُونَ يُؤَخِّرُونَهَا عَنْ وَقْتِهَا يُرَاءُونَ بِصَلَاتِهِمْ إذَا صَلَّوْا". وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: "هُوَ الَّذِي لَا يَدْرِي أَعْلَى شَفْعٍ انْصَرَفَ أَوْ عَلَى وَتْرٍ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَشْهَدُ لِهَذَا التَّأْوِيلِ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا غِرَارَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا تَسْلِيمَ"، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ مِنْهَا عَلَى غِرَارٍ وَهُوَ شَاكٌّ فِيهَا. وَنَظِيرُهُ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثْلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ فَالرَّكْعَةُ وَالسَّجْدَتَانِ لَهُ نَافِلَةٌ". وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿سَاهُونَ﴾ قَالَ: "لَاهُونَ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمْ يَسْهُونَ لِلَهْوِهِمْ عَنْهَا، فَإِنَّمَا اسْتَحَقُّوا اللَّوْمَ لِتَعَرُّضِهِمْ لِلسَّهْوِ لِقِلَّةِ فِكْرِهِمْ فِيهَا; إذْ كَانُوا مُرَائِينَ فِي صَلَاتِهِمْ; لِأَنَّ السَّهْوَ الَّذِي لَيْسَ مَنْ فَعَلَهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ عَلَيْهِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: "يَدْفَعُهُ عَنْ حقه".
وقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ رِوَايَةً وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ: "الْمَاعُونُ الزَّكَاةُ". وَرَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ: "الْمَاعُونُ مَنْعُ الْفَأْسِ وَالْقِدْرِ وَالدَّلْوِ"، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى: "الْعَارِيَّةُ". وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: "الْمَاعُونُ الْمَالُ". وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: "كُلُّ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَهُوَ الْمَاعُونُ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا رُوِيَ فِيهِ مُرَادًا; لِأَنَّ عَارِيَّةَ هَذِهِ الْآلَاتِ قَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً فِي حَالِ الضَّرُورَةِ إلَيْهَا وَمَانِعُهَا مَذْمُومٌ مُسْتَحَقٌّ لِلذَّمِّ، وَقَدْ يَمْنَعُهَا الْمَانِعُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَيُنْبِئُ ذَلِكَ عَنْ لُؤْمِ وَمُجَانَبَةِ أَخْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ; وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مكارم الأخلاق". آخر السورة.
стр. 2979
ومن سورة الكوثر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ; قَالَ الْحَسَنُ: "صَلَاةُ يَوْمِ النَّحْرِ وَنَحْرُ الْبُدْنِ" وَقَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ: "صَلِّ الصُّبْحَ بِجَمْعٍ وَانْحَرْ الْبُدْنَ بِمِنًى". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ يَتَضَمَّنُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إيجَابُ صَلَاةِ الْأَضْحَى، وَالثَّانِي: وُجُوبُ الْأُضْحِيَّةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا سَلَفَ. وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ عَنْ أبيه عن علي ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قَالَ: وَضْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى السَّاعِدِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ وَضْعُهُ عَلَى صَدْرِهِ". وَرَوَى أَبُو الْجَوْزَاءِ عن ابن عباس: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قَالَ: "وَضَعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ عِنْدَ النَّحْرِ فِي الصَّلَاةِ". وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ رَفَعُ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: "يُقَالُ: اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ بِنَحْرِك".
فَإِنْ قِيلَ: يُبْطِلُ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَضْحَى إلَى الْبَقِيعِ، فَبَدَأَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَقَالَ: "إنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَافَقَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ"، فَسَمَّى صَلَاةَ الْعِيدِ وَالنَّحْرَ سُنَّةً، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِمَا فِي الْكِتَابِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَمَا ظَنَنْت; لِأَنَّ مَا سَنَّهُ اللَّهُ وَفَرَضَهُ فَجَائِزٌ أَنْ نَقُولَ: هَذَا سُنَّتُنَا وَهَذَا فَرْضُنَا كَمَا نَقُولُ: هَذَا دِينُنَا، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ فَرَضَهُ عَلَيْنَا، وَتَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى حَقِيقَةِ نَحْرِ الْبُدْنَ أَوْلَى; لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وَلِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ غَيْرُهُ; لِأَنَّ مَنْ قَالَ: نَحَرَ فُلَانٌ الْيَوْمَ; عُقِلَ مِنْهُ نَحْرُ الْبُدْنَ وَلَمْ يُعْقَلْ مِنْهُ وَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ; وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلُ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضَعُ يَدَهُ عِنْدَ النَّحْرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ أَسْفَلَ السُّرَّةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. آخر السورة.
стр. 2980
ومن سورة الكافرين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ خَاصَّةً فِي بَعْضِ الْكُفَّارِ دُونَ بَعْضٍ; لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا، وَقَدْ قَالَ: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ، فَإِنَّهَا قَدْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ; لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ مَعَ اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ مُرَادُونَ بِالْآيَةِ، ثُمَّ جَعَلَ دِينَهُمْ دِينًا وَاحِدًا وَدِينَ الْإِسْلَامِ دِينًا وَاحِدًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ مَعَ اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِ ملة واحدة. آخر السورة.
следующие страницы →