← Фикх общий

Фикх общий · id 7377

فقه المعاملات

عبد العزيز محمد عزام

Полный текст (265 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وفارق اللقطة حيث لا يجب التقاطها بأن المغلب عليها الاكتساب، والنفس تميل إليه، فاستغنى بذلك عن الواجب. والدليل على وجوب أخذ اللقيط قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ١؛ ولأن فيه إحياء نفس، فكان واجبا كإطعام المضطر وإنجائه من الغرق، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣. أركان اللقيط ثلاثة: ١- التقاط وهو أخذ المنبوذ. ٢- لقيط وهو الصغير المنبوذ. ٣- ملتقط، وهو من تثبت له ولاية الالتقاط. حكم الإشهاد على اللقيط وحكمته: إذا أخذ الملتقط اللقيط وجب الإشهاد عليه، وإن كان من أخذه ظاهر العدالة خوفا من أن يسترقه، ويضيع نسبه المبني على الاحتياط له أكثر من المال، ويجب كذلك الإشهاد على مال المنبوذ بطريق التبعية، فإن ترك الإشهاد، فلا يثبت له عليه ولاية الحضانة، وذلك؛ لأن ترك الإشهاد يعد فسقا. ومحل وجوبه ما لم يسلمه له الحاكم، فإن سلمه له سن الإشهاد في هذه الحالة، وذلك؛ لأن تسليم الحاكم فيه معنى الإشهاد.

стр. 142

أسباب نبذ اللقيط: ترجع أسباب نبذ اللقيط في الغالب لواحد من أمرين إما لكونه من فاحشة خوفا من العار، أو للعجز عن مؤنته، فإن فقد النبذ رد إلى القاضي لقيامه مقام كافله، فيسلمه إلى من يقوم به، كما يقوم بحفظ مال الغائبين، أو وجد له كافل ولو ملتقطا رد إليه. شروط الملتقط: قلنا: إن الملتقط هو من تثبت له ولاية الالتقاط، وولاية الالتقاط هي حضانة اللقيط، وإنما تثبت هذه الولاية، لمكلف، غني أو فقير ذكر أو أنثى، مسلم، إن كان اللقيط محكوما بإسلامه، وإلا فللكافر التقاط غير المسلم؛ لأنه من أهل الولاية عليه، فيجوز التقاط اليهودي للنصراني، وعكسه كالتوراث، خلافا للأذرعي، عدل؛ لأنها ولاية على الغير، فاعتبر فيها الأوصاف المذكورة كولاية القضاء، فإن كان مستور العدالة نصب الحاكم عليه من يراقبه خفية؛ لئلا يتأذى الملتقط بمراقبته من قبل الحاكم، فإذا وثق به صار كمعلوم العدالة، وأن يكون رشيدا بصيرا خاليا من نحو برص إذا كان الملتقط يتعاهده بنفسه كما في الحضانة. فإن التقطه إثنان وكان أحدهما عدلا، والآخر مستور العدالة، فإنه يقدم العدل على مستور الحال، ولا تفتقر ولاية الالتقاط إلى إذن الحاكم لكن يستحب دفعه إليه نعم لو وجده، فأعطاه غيره لم يجز حتى يدفعه إلى الحاكم. وعلى ذلك، فيشترط في الملتقط أن يكون مسلما رشيدا عدلا بصيرا خاليا من برص، ونحوه.

стр. 143

محترزات الشروط السابقة: فخرج بالمكلف الصبي والمجنون لعدم أهلية الصبي والمجنون، وبالعدل الفاسق، وبالرشيد المحجور عليه بسفه، وبالمسلم الكافر لعدم ولاية الكافر على المسلم؛ ولأنه لا يؤمن أن يفتنه عن دينه، ولا بد أن يكون أهلا للترك في يده، فإن كان ليس أهلا انتزع الحاكم للقيط ممن ليس أهلا للولاية. من يكون أحق باللقيط عند التنازع: إذا تنازع اثنان على أخذ اللقيط بأن كان كل منهما يريد أخذه، وهما من أهل الكفالة، فالحاكم هو الذي يتولى تدبير أمره، فله أن يعطيه لواحد منهما، أو يجعله عند غيرهما بما يرى فيه المصلحة إذ لا حق لهما قبل أخذه، فلزمه رعاية الأحظ له. وإن سبق إليه واحد، فالتقطه منع الآخر من مزاحمته لخبر: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه، فهو أحق به". أما إذا لم يلتقطه، فلا أحقية له فيه، وإن وقف عند رأسه. وإن التقطاه معا في زمن واحد، وهما أهل لالتقاطه وتشاحا أقرع بينهما عند التساوي، فمن خرجت عليه القرعة أقر في يده. وقيل: لا نقرع بينهما، بل يجتهد الحاكم، فيقره في يد من هو أحظ له، والمنصوص الأول لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ ١؛ ولأنه لا يمكن أن يجعل بينهما مهايأة؛ لأنه تختلف عليه الأخلاق والأغذية، فيتضرر ولا يمكن أن يقدم أحدها؛ لأنهما متساويان في سبب استحقاق، ولا يمكن أن يسلم لغيرهما؛ لأنه قد ثبت لهما حق الالتقاط، فلا

стр. 144

يجوز إخراجه عنهما، فأقرع بينهما لذلك. ولا يخير المميز في اختيار أحدهما لعدم ميله إليهما طبعًا، كما يخير بين أبويه؛ لأنه إنما يخبر بين أبويه اعتمادا على الميل الناشيء عن الولادة، وهو ينعدم هنا. ووضح أنه إن كان أحدهما غنيا، فهو أولى به؛ لأنه قد يواسيه بماله، ولو تفاوتا في الغنى لم يقدم أغناهما نعم لو كان أحدهما بخيلا، والآخر جوادا، فالقياس تقديم الغني الجواد؛ لأن حظ اللقيط عنده أكثر، وظاهر أنه يقدم الغني البخيل على الفقير، وفي قول الغني والفقير يستويان؛ لأن نفقة اللقيط لا تجب على ملتقطه. ويقدم عدل باطنا بكونه مزكى عند حاكم على عدل ظاهرا بأن لم يعلم فسقه، ولم يعلم تزكيته عند حاكم، وهذا هو الذي يطلق عليه مستور الحال احتياطا للقيط. ولا يقدم مسلم على كافر إذا كان اللقيط محكومًا عليه بالكفر، وكذلك المرأة لا تقدم على الرجل، وإن كانت أصبر على التربية منه، وهي لذلك مقدمة في الحضانة إلا إذا كانت مرضعة، واللقيط رضيع، وإلا إذا كانت خالية لا زوج لها، فإنها تقدم على المتزوجة. ويقدم البصير على الأعمى، والسليم على من به مرض مثل الجزام والبرص. حكم نقل اللقيط: اللقيط إما أن يكون ملتقطًا من الحضر أو البادية، فإن كان التقاطه من الحضر، فأراد أن ينقله إلى البادية لم يقر في يده لوجهين:

стр. 145

أحدهما: أن مقامه في الحضر أصلح له في دينه، ودنياه، وأرفه له. الثاني: أنه إذا وجد في الحضر، فالظاهر أنه ولد فيه، فبقاؤه فيه أرجى لكشف نسبه، وظهور أهله واعترافهم به، فإن أراد النقلة به إلى بلد الحضر، ففيه وجهان: الأول: أنه يقر في يده؛ لأن ولايته ثابتة، والبلد الثاني كالبلد الأول في الرفاهية، فيقر في يده كما لو انتقل من أحد أقسام البلد إلى قسم آخر، وفارق المنتقل به من البادية؛ لأنه يضر به. الثاني: لا يقر في يده؛ لأن بقاءه في بلده أرجى لكشف نسبه، فلم يقر في يد المنتقل عنه قياسا على المنتقل إلى البادية. وإن التقطه من البادية، فله النقلة به إلى الحضر؛ لأنه ينقله من أرض البؤس والشقاء إلى الرفاهية، والدعة، والدين. وخلاصة القول أنه يجوز للملتقط نقل اللقيط من بلد إلى آخر، سواء كانت وطن الملتقط، أو لا سافر إليها لنقله، أو لا بشرط انتفاء المحذور الذي سبق ذكره، وهو ضياع علم، وصنعة، ودين ولا فرق بين مسافة القصر، أو دونها لكن يشترط تواصل الأخبار، وأمن الطريق وإلا امتنع، ولو لدون مسافة القصر. وإن التقطه غريب، فالأصح أن له نقله إلى بلده إذا أمن الطريق، وتواصلت الأخبار. وقيل: بالمنع لضياع النسب، وهذا في غريب مختبر عرفت أمانته، فإن التقطه غريب مجهول الحال لم يقر على انتقاله قطعا، وحيث منع من

стр. 146

السفر به، ونقله إلى مكان آخر نزع من يده؛ لئلا يسافر به بغتة. وإن وجده البدوي في بادية أقر بيده، وإن كان أهل حلته ينتقلون؛ لأنها في حقه كبلدة، أو قرية. وإن كانوا ينتقلون للنجعة والانتقال في طلب المرعى لم يقر؛ لأن فيه تضييعا لنسبه، والأصح أنه يقر على التقاطه؛ لأن أطراف البادية من البلدة، ويعلم من ذلك أن نقله من بلدة أو قرية، أو بادية لمثلها، ولأعلى منها يجوز لا لدونها. وإن جواز النقل من مكان إلى آخر مشروط بأمن الطريق والمقصد، وتواصل الأخبار، واختبار أمانة الملتقط. نفقة اللقيط: أما نفقة اللقيط، ومؤنة حضانته، فليست على الملتقط بل يصرف عليه من المال العام المخصص للوقف على اللقطاء، أو من المال الموصى به لهم، أو يصرف عليه من ماله الخاص الذي اختص به كثياب ملفوفة عليه، أو ملبوسة أو مفروضة تحته، أو مغطى بها أو دابة مشدودة في وسطه، أو عنانها بيده أو راكبا عليها، وما في جيبه من دراهم وغيرها كذهب، وحلي في مهده١ الذي هو فيه، ودنانير منثورة فوقه أو منثورة تحته؛ لأن له يدا واختصاصا كالبالغ، والأصل الحرية ولم يعرف غيرها. والخلاصة في الإنفاق على اللقيط أن الإنفاق عليه يكون من المال العام، أو الخاص، والأوجه عند بعض المتأخرين تقديم المال الخاص على العام، فلا

стр. 147

ينفق من المال العام إلا عند فقد الخاص. حكم ملكية اللقيط للمكان الذي وجد فيه: فإن وجد اللقيط في دار أو حانوت١، ولا يعلم لهامستحق، وليس فيها غيره، فهذه الدار، أو هذا الحانوت له لليد، ولا مزاحم وإن وجد فيها غيره كلقيطين فهي لهما كما لو كانا على دابة أما لو ركبها أحدهما، ومسك الآخر زمامها، فهي للراكب فقط لتمام الاستيلاء. وقيل: تكون الدابة بينهما، فتكون ملكا لهما، والمذهب الصحيح أن اليد للراكب. ولو كان اللقيط على الأرض، وزمام الدابة بيده أو مربوطة به فيه له، وكل ما على الدابة التي حكم له بها، فهو له أيضا. وجود اللقيط في بستان: إذا وجد اللقيط ببستان، فلا يحكم له به كما رجحه بعض المتأخرين بخلاف الدار؛ لأن سكناها تصرف والحصول في البستان ليس تصرفا، ولا سكنى ويفهم من هذا التعليل أن البستان إذا كان يسكن عادة، يكون الدار لكن المراد بالبستان المزرعة التي لم تجر العادة بسكناها. ويكون ما ذكره مملوكا للقيط إذا كان اللقيط له صلاحية التصرف فيه، ودفع المنازع له، ويتردد النظر فيما لو وجد على عتبة الدار؛ لأنه لا يسمى فيها إن كان بابها مقفولا، بخلاف وجوده بسطحها الذي لا مصعد له منها

стр. 148

فلا يملكها؛ لأنه لا يسمى فيها عرفا. ولا يحكم للقيط بمال مدفون في الأرض التي وجد فيها، ولو كان تحته ذلك الدفين؛ لأن الكبير العاقل لو كان جالسا على أرض تحتها دفين لم يحكم له به، وحكم هذا المال إن كان من دفين الجاهلية فهو ركاز، وإلا فلقطة ولكن إذا حكم بأن المكان له، فيكون الدفين في هذه الحالة له مع المكان، ولو وجد خيط متصل به بأن يكون مربوطا بعض بدنه، أو ثيابه وجب الجزم بأنه يقضى به، وأيضا إذا وجد بالقرب منه ثياب، وأمتعة أو دابة فتكون له إلا أن يده لا تثبت لا على ما اتصل به بخلاف الموجود بقرب المكان، فإنه يحكم له بملكيته له؛ لأن له رعاية. وإذا لم يعرف للقيط مال عام ولا خاص، فالأظهر أنه ينفق عليه من بيت المال من سهم المصالح بلا رجوع؛ لأن عمر رضي الله تعالى عنه استشار الصحابة ﵃ في ذلك، فأجمعوا على أنها في بيت المال. ومقابل الأظهر القول بالمنع من الصرف عليه من بيت المال، بل نقترض عليه من بيت المال، أو غيره لجواز أن يظهر له المال، فإذا لم يكن في بيت الماء شيء، أو كان ثم ما هو أهم منه، أو منع من كان متوليا على بيت المال ظلما أن يأخذ منه للإنفاق على اللقيط اقترض الحاكم عليه إن رآه، وإلا قام مياسير المسلمين بكفايته وجوبا على جهة القرض، وفي قول تجب عليهم نفقته لعجزه. فإن منعوا كلهم قاتلهم الإمام. والفرق بين كونها على المياسير قرضا، أو في بيت المال مجانا بأن بيت المال وضع للإنفاق على المحتاجين، فلهم فيه حق مؤكد دون مال المياسير، وفي حالة إلزام المياسير بالنفقة على اللقيط، فيجب على الإمام أن يلزم بها

стр. 149

مياسير بلده، فإن شق ذلك عليه، فعلى من يراه منهم، فإن استووا في نظره تخير، وهذا كله إذا لم يبلغ اللقيط، فإن بلغ الحلم فتكون النفقة عليه من سهم الفقراء، أو المساكين أو الغارمين المنوط به حفظ مال اللقيط. والأصح أن الملتقط له أن يستقل بحفظ مال اللقيط؛ لأنه مستقل بحفظ المالك لهذا المال، وهو اللقيط فيكون له حفظ مال اللقيط من باب أولى، وقيده الأذرعي بما إذا كان الملتقط لهذا الغلام عدلا يجوز إيداع مال اليتيم عنده. والثاني: يحتاج الملتقط للاستقلال بحفظ مال اللقيط إلى إذن القاضي. وعلى القول الأول الذي يحوز للملتقط الاستقلال بحفظ مال اللقيط، فإنه إذا نازعه فيه منازع، فليس له مخاصمته إلا بولاية من الحاكم، وأيضا يجوز للقاضي نزعة منه، وتسليمه لأمين غيره يباشر الإنفاق عليه بالمعروف اللائق به، أو يسلمه للملتقط يوما بيوم. وسواء قلنا بجواز أن يستقل الملتقط بحفظ المال، أو قلنا: لا يحفظ إلا بإذن القاضي، فإنه لا يجوز له الإنفاق عليه إلا بإذن القاضي؛ لأن ولاية التصرف في المال لا تثبت إلا لأصل، أو وصي أو حاكم أو أمينه. فإن أنفق بغير إذنه كان ضامنا إن أمكن له مراجعة الحاكم أو القاضي، فإن لم يمكن له ذلك أنفق وأشهد وجوبا، وليس الإشهاد في كل مرة لما فيه الحرج، والمشقة الظاهرة فكان الأوجه عدم تكليفه بذلك في كل مرة، بل يشهد فقط عند الانفاق في أول الأمر، وعلى ذلك فلا يكون عليه الضمان. الحكم على اللقيط بالإسلام أو الكفر: يكون الحكم بإسلام اللقيط، أو بكفره مرتبطا بتبعيته للدار، فإذا وجد

стр. 150

بدار الإسلام، أو بدار علم كونها مسكنا للمسلمين، أو كان في دار الإسلام أهل ذمة، أو معاهدون أو وجد اللقيط بدار فتحها المسلمون، وأقروها بيد كفار صلحا قبل ملكها أو وجد بدار ملكها المسلمون من الكفار عنوة، وأقروها بيدهم في مقابل دفعهم الجزية للمسلمين، أو وجد بدار فيها مسلم يمكن أن يولد له هذا اللقيط، ففي هذه الصور كلها يحكم على هذا اللقيط بالإسلام لما ورد في مسند الإمام أحمد، والدارقطني: "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه". أما إذا لم يكن ثم مسلم يمكن كونه منه فهو كافر، واكتفي هنا بالمجتاز تغليا لحرمة دارنا، وإن وجد بدار الإسلام، ولا مشرك فيا كالحرم، فهو مسلم ظاهرا وباطنا. وإن وجد اللقيط بدار الكفر، وهي دار الحرب، فكافر إن لم يسكنها مسلم إذ لا مسلم يحتمل إلحاقه به، فإن كانت البقعة التي وجد فيها اللقيط بها طوائف متنوعة، أو مللا مختلفة حكم بانتسابه إلى الملة التي هي أقرب إلى الإسلام. وإن سكنها مسلم كأسير منتشر في البلد أي غير محبوس في مكان مطمور، أو سكنها تاجر، فاللقيط مسلم تغليبا للإسلام، فإن أنكره ذلك المسلم، فإنكاره مقبول في نفي النسب دون إسلامه، وقيل: يكون اللقيط كافرا تغليبا لدار الكفر، فإن كان الأسير محبوسا في مكان مطمور، فلا أثر له ولا يحكم بإسلام اللقيط إذا لم يكن في المحبوسين امرأة. وحاصل ذلك أنه يحكم بإسلام اللقيط، حيث أمكن كونه من المسلم بأن يكون المسلم المجتاز، أو التاجر قد وجد بدار الكفر وقت العلوق بهذا اللقيط أما لو طرقها مسلم، ثم بعد شهر مثلا وجد بها منبوذ لا يحكم بإسلامه لاستحالة كونه منه.

стр. 151

وإذا وجد اللقيط ببرية، فهو مسلم إذا كانت البرية تابعة لدارنا، أو لا يد لأحد عليها، أما برية دار الحرب التي لا يطرقها مسلم، فهو غير مسلم. وولد الذمية من الزنا بمسلم يكون مسلما؛ لأن هذا مقطوع النسب عنه. إذا حكم بإسلام اللقيط تبعا للدار، ثم ادعى نسبه ذمي ومن في حكمه: ذكر العلماء أن من حكم بإسلامه بالدار من اللقطاء، فهو مسلم تبعا للدار، ولكنها تبعية ضعيفة بمعنى أنه لو ادعاه ذمي، وأقام بينة على دعواه بنسبه لحقه، ومثله في ذلك المعاهد والمستأمن؛ لأنه كالمسلم في النسب، فيكون تابعا له في الكفر، وارتفع ما ظنناه من إسلامه؛ لأن الدار حكم باليد، والبينة أقوى من اليد المجردة، وتصور علوقه من مسلم بوطء شبهة أمر نادر لا يعول عليه مع البينة. ولكن ما هي البينة؟ البينة هي أن يشهد عدلان بلحوق نسبه بالذمي، أو يلحقه القائف به؛ لأن إلحاق القائف حكم، وهو كالبينة بل أقوى، فإن كانت البينة أربع من النسوة، فالحكم في هذه الصورة أن يقال: إنه إن ثبت بهن النسب تبعه في الكفر، وإلا فلا. فإن اقتصر على الدعوى بأن اللقيط ابنه، فالمذهب أنه لا يتبعه في الكفر، وإن لحقه في النسب؛ لأنا حكمنا بإسلامه، فلا نغيره بمجرد دعوى كافر، ويجوز كونه ولده من مسلمة بوطء شبهة. والطريق الثاني: فيه قولان: ثانيهما يتبعه في الكفر كالنسب. ومحل الخلاف ما إذا استلحقه قبل أن يصدر منه صلاة، أو صوم، فإن

стр. 152

صدر منه ذلك لم يغير عن حكم الإسلام قطعا، وسواء قلنا بتبعيته في الكفر، أو لا فإنه يحال بينهما كما يحال بين أبوي مميز، وصف الإسلام ولدهما المسلم، وتكون الحيولة بينهما واجبة، إن قلنا بعدم تبعيته لهما في الكفر، لكن يستحب تسليمه لمسلم، فإذا بلغ ووصف الكفر، فإن قلنا بالتبعية، فإنه يقر على ما هو عليه لكنه يهدد لعله يسلم، وإلا ففي تقريره ما سبق من الخلاف. وهناك غير تبعية الدار جهتان يحكم بإسلام الصبي بوجود واحدة منهما. إحداهما: الولادة: فإذا كان أحد أبويه مسلما وقت العلوق، فهو مسلم ذكرا كان أو أنثى أو خنثى، وهذا بالإجماع تغليبا للإسلام فلو ارتد أحدهما بعد العلوق فلا يضر. فإن بلغ الصبي المسلم بالتبعية، ووصف كفرا بأن أعرب به عن نفسه، فمرتد؛ لأنه مسلم ظاهرا أو باطنا، وهذا إن كانت التبعية لأحد أبويه. ولو علق بين كافرين، ثم أسلم أحدهما قبل بلوغه حكم بإسلامه حالا سواء أسلم أحدهما قبل وضعه، أو بعده وسواء قبل تمييزه أو بعده، وقبل البلوغ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ١. وفي معنى الأبوين الأجداد والجداد، وإن لم يكونوا وارثين وكان الأقرب حيا، وليس معنى هذا أن يحكم بإسلام جميع الأطفال بإسلام أبيهم آدم ﵊، لأن مرادنا في وجد يعرف النسب إليه بحيث يحصل بينهما التوارث. ولو سباه ذمي أو مستأمن، وحمله إلى دار الإسلام لم يحكم بإسلامه في

стр. 153

الأصح؛ لأن كونه من أهل دار الإسلام لم يؤثر فيه، ولا في أولاده فكيف يؤثر في سبيه؛ ولأن تبعية الدار إنما تؤثر في حق من لا يعرف حاله، ولا نسبه، فيكون على دين سابيه. والثاني: يحكم بإسلامه تبعا للدار. ولو سباه مسلم، وذمي حكم بإسلامه تغليبا لحكم الإسلام، ولو سباه ذمي وباعه لمسلم، أو المسلم الذي سباه مع أحد أبويه في جيش واحد، ولو دون أبويه من مسلم لم يتبع المشتري لفوات وقت التبعية؛ لأنهما إنما تثبت ابتداء. هل يصح إسلام الصبي المميز؟ إذا أسلم الصبي المميز المستقل عن أبويه، ولم يدخل في سبي مسلم، فهل يصح إسلامه في ذلك الحكم خلاف: الأول: وهو الصحيح المنصوص في القديم والجديد أنه لا يصح؛ لأنه غير مكلف، فأشبه غير المميز والمجنون، وهما لا يصح إسلامها اتفاقا؛ ولأن نطقه بالشهادتين إما خبر وإما إنشاء، فإن كان خبرا فخبره غير مقبول، وإن كان إنشاء فهو كعقوده وهي باطلة. والثاني: يصح إسلامه حتى يرث من قريبة المسلم؛ لأنه ﷺ دعا عليا رضي الله تعالى عنه إلى الإسلام قبل بلوغه فأجابه؛ ولأنه لا يلزم من كونه غير مكلف به أنه لا يصح منه كالصلاة، والصوم، وسائر العبادات. وأجاب الأول عن قصة علي ﵁ بأنه كان بالغًا عند إسلامه، كما نقله القاضي أبو الطيب، عن الإمام أحمد ﵁، فعلى تقدير ثبوته فلا كلام، وعلى عدم تقديره فقد ذكر البيهقي في المعرفة أن الأحكام إنما

стр. 154

صارت معلقة بالبلوغ بعد الهجرة، وهو صحيح؛ لأن الأحكام إنما أنيطت بخمس عشرة سنة في عام الخندق، فقد تكون منوطة قبل ذلك سن التمييز والقياس على الصلاة، ونحوها لا يصح؛ لأن الإسلام لا يتنفل به، وعلى هذا يحال بينه، وبين أبويه الكافرين؛ لئلا يفتنوه وهذه الحيلولة مستحبة على الصحيح، فيتلطف بوالديه ليأخذ منهما، فإن أبيا فلا حيلولة. وقيل: إنها واجبة احتياطا للإسلام، ولا نمنعه من الصلاة والصوم، وغيرهما من العبادات كما قال الزركشي أخذا من كلام الشافعي: ويدخل بإسلامه الجنة إذا أمره على قلبه، كما لو أظهره، ويعبر عنه بصحة إسلامه باطنا لا ظاهرًا. فإن بلغ ثم وصف الكفر هدده وطولب بالإسلام، فإن أصبر رد إليهما، واحترز بالمميز عن غيره من صبي ومجنون، فلا يصح إسلامهما قطعا، وأنه يصح إسلام المكلف بالنطق من القادر عليه، والإشارة من العاجز عن النطق قطعا، وكالمكلف المتعدي بكفره. إذا مات أطفال الكفار، ولم يتلفظوا بالإسلام فهل يدخلون الجنة: في دخولهم الجنة خلاف والأصح أنهم يدخلون الجنة؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة، فحكمهم حكم الكفار في الدنيا، فلا يصلى عليهم ولا يدفنون في مقابر المسلمين، وحكمهم حكم المسلمين في الآخرة. حكم استلحاق اللقيط: إذا استلحق شخص لقيطا حكم بإسلامه، فإن كان ذلك الشخص الذي استلحقه مسلما لحقه بالشروط المذكورة في الإقرار؛ لأنه أقر له بحق لا ضرر فيه على غيره، فأشبه ما لو أقر له بمال، ويسن للقاضي أن يقول للملتقط من

стр. 155

أين هو ولدك من زوجتك، أو شبهة، فإنه قد يتوهم أن الالتقاط يفيد النسب بل ينبغي وجوبه، إذا كان المستلحق ممن يجهل ذلك احتياطا للنسب. واشتراط الإسلام المستلحق، إنما يكون في لقيط محكوم بإسلامه، فإن استلحقه كافر لحقه، ولكن لا يتبعه في الكفر.

стр. 156

الفصل الخامس: أحكام الجعالة . تعريف الجعالة: الجعالة بفتح الجيم، وكسرها اسم لما يجلعه الإنسان لغيره على شيء يفعله، وكذا الجعل والجعيلة، وأما تعريفها شرعا، فهو التزام مطلق التصرف عوضا معلوما على عمل معين، أو مجهول لمعين أو غيره١. وعرفها بعضهم بقوله الجعالة: التزام عوض معلوم على عمل فيه كلفة، ولو غير معين. حكم الجعالة: الجعالة جائزة والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ٢، أي ضمين وكفيل، واعتبر الرملي أن سوق هذه الآية استئناسا وليس استدلالا، وعلل ذلك الشبراملسي في حاشية على النهاية قائلًا: إن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا، وإن ورد في شرعنا ما يقرره، وأما الدليل المعتمد لجواز الجعالة فهو قوله ﷺ : فيما رواه أبو سعيد الخدري أنا ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ ، أتو حيا من أحياء العرب، فلم يقروهم أي لم يضيفوهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل فيكم راق، فقالوا: لم تقرونا فلا نفعل أو تجعلوا لنا جعلا، فجعلوا لهم قطيع شاة من الغنم، فجعل رجل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه٣، ويتفل فبرأ الرجل، فأتوهم بقطيع الشاة، فقالوا: لا

стр. 157

نأخذه حتى نسأل رسول الله ﷺ ، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فضحك وقال: "ما أدراك أنها رقية؟ خذوه واضربوا لي فيه بسهم" ١. وفي رواية أن أبا سعيد الخدري ﵁ رقى ملدوغا بعقرب بالفاتحة على ثلاثين رأسا من الغنم، وأقره ﷺ على ذلك. والإجماع منعقد على جواز الجعالة لما تدعو إليه الحاجة من رد ضالة، أو عمل لا يقدر عليه، ولا يوجد من يتطوع به، ولا تصح الإجارة عليه لجهالة، فجاز أن يجعل له جعلا كالإجارة والقراض. الفرق بين الجعالة، والإجارة: والجعالة كالإجارة، إلا أنها تختلف عنها في الأمور الآتية: ١- جوازها وصحتها مع غير معين. ٢- صحتها على عمل مجهول. ٣- توقف استحقاق العوض فيها على فراع العمل. ٤- صحتها مع عدم قبول العامل. ٥- صحتها مع جهل العوض. ٦- سقوط كل العوض بفسخ العامل، ومن ثم فقد ذكرها بعضهم عقب الإجارة، واختار المصنف ذكرها عقب اللقيط؛ لأن فيها طلب ضائع كاللقيط واللقطة. أركان الجعالة: أما أركان الجعالة فهي أربعة: عاقدان، وعوض، وعمل، وصيغة وعدها بعضهم خمسة وهي عاجل، ومجعول له يسمى العامل، وعوض، وعمل،

стр. 158

وصيغة وسوف نتكلم عن كل ركن من هذه الأركان الخمسة على هذا الترتيب. الركن الأول: الجاعل ويشترط فيه شرطان: الأول: أن يكون مطلق التصرف بأن يكون تصرفه صحيحا، فيما يجعله عوضا سواء كان مالكا أو غير مالك، فدخل بذلك الولي وخرج الصبي، والمجنون والسفيه. الثاني: أن يكون مختارًا، إن كان مكروها فلا يصح جعله. الركن الثاني: العامل ويشترط فيه شروط هي: الأول: أن يكون العامل مأذونًا له بالعمل من صاحب المال، فإذا عمل من غير إذنه بأن كان له مال ضائع فجاء به، أو ضالة فردها إليه لم يستحق الجعل؛ لأنه بذل منفعته من غير عوض، فلم يستحق العوض، أما إذا أذن له وشرط له الجعل، فعمل استحق الجعل؛ لأنه استهلك منفعته بعوض، فاستحق العوض كالأجير. ويدخل تحت هذا الشرط صور من أهمها: أ- إذا أذن الجاعل لشخص فعمل غيره، فلا شيء للعامل وإن كان معروفا بذلك العمل، خلافا لأبي حنيفة. ب- إذا نادى، فقال: من رد علي ناقتي أو سيارتي، فله دينار فردها من لم يسمع النداء لم يستحق الجعل؛ لأنه متطوع بالرد من غير بدل. الثاني: أن يكون العامل أهلا للعمل إذا كان معينا، فيصح ممن هو أهل له، ولو صبيا أو مجنونا، أو محجورا عليه بسفه بخلاف صغير لا يقدر

стр. 159

على العمل؛ لأن منفعته معدومة فالجعالة معه كاستئجار أعمى للحفظ. ويجوز أني يكون العامل غير معين كقوله: من رد على ضالتي فله كذا، فإذا ردها استحق الجعل، وهو الأجرة لم يسمع الراد ذلك من الجاعل، بل سمعه ممن يثق بخبره. الثالث: أن العامل لا يستحق العوض إلا بالفراغ من العمل، فإن شرط له جعلًا على رد البعير الشارد، فرده إلى باب الدار ففر منه، أو مات قبل أن يسلمه لم يستحق شيئا من الجعل؛ لأن المقصود هو الرد، والجعل في مقابلته ولم يوجد منه شيء. الركن الثالث: العوض ويشترط فيه: ١- أن يكون مالًا مقصودًا، محترما أو مختصا فإن كان غير مقصود كالدم ونحوه، فلا يجوز. ٢- أن يكون معلوما؛ لأنه عوض فلا بد من العلم به كالأجرة في الإجارة، فلو كان مجهولا كقوله: من رد مالي أو ضالتي، فله ثوب أو أعطيه شيئا، فلا يجوز؛ لأن الجعالة عقد معاوضة، فلا تجوز بعوض مجهول كالنكاح. فإن شرط له جعلا مجهولا فعمل، استحق أجرة المثل؛ لأن كل عقد وجب المسمى في صحيحه وجب المثل في فاسده، كالبيع والنكاح؛ ولأنه عقد جوز للحاجة، ولا حاجة لجهالة العوض بخلاف العمل؛ ولأن جهالة العوض تفوت مقصود العقد، أو لا يرغب أحد في العمل مع جهالة العوض. ويحصل العلم بالمشاهدة إن كان معينًا، وبالوصف إن كان في الذمة، فلو قال: من رد ضالتي فله ما تحمله، وكان ما تحمله معروفا كسرجها

стр. 160

ولجامها أو شيئا آخر تنقله ضلت به، وكان معروفا للعامل، صح العوض وإلا فلا. وخلاصة القول أنه يشترط في العوض ما يشترط الثمن، فما لا يصح ثمنا لكونه مجهولا أو نجسا لا يصح أن يكون جعلًا، ويستحق العامل أجرة المثل في المجهول والنجس المقصود كخمر وجلد ميتة، فإن لم يكن مقصودا كدم، فلا شيء للعامل. الركن الرابع: العمل ويشترط فيه: أولا: أن يكون فيه كلفة، فلا عوض فيما لا كلفة فيه، كقوله من دلني على مالي، فله كذا فدله عليه وهو بيد غيره؛ لأن ما كلفه به لا يقابل بالعوض. ثانيا: أن يكون هذا العمل ليس متعينا عليه شرعا، فإن كان قد تعين عليه رده، فلا يستحق شيئا من العوض، فإن قال: من رد مالي فله كذا فرده من تعين عليه لغصب ونحوه، فلا يستحق العوض المشروط؛ لأن ما تعين عليه شرعا لا عوض له عليه. الثالث: أن يقوم العامل بتسليم المردود إلى صاحبه، فلو تلف منه قبل تسليمه، ولو بعد دخول دار المالك لكن قبل تسليمه، فلا عوض له. ولا فرق في العمل بين كونه معلوما، وكونه مجهولا عسر علمه للحاجة كما في القراض بل أولى، فإن لم يعسر علمه اشترط ضبطه، ففي بناء حائط يذكر موضعه وطوله، وعرضه وارتفاعه، وما يبنى به، وفي الخياطة يعتبر وصفها ووصف الثوب كالإجارة. أما صحتها على المعلوم فأولى، ومثال ذلك قوله: من رد علي ضالتي من مكان كذا فله كذا، وهذا هو الأصح.

стр. 161

وقيل: إن كان العمل معلوما ومضبوطا، فالجعالة ممنوعة للاستغناء عنها بالإجارة. الركن الخامس: الصيغة: وهي من طرف الجاعل أما العامل، فلا يشترط له صيغة، ومن ثم فلا يشرط فيها قبول العامل باللفظ، ولو كان معينا؛ لأن المعتبر فعله كما في الوكالة، ولا تبطل برده نعم لو قال له العامل: أرد لك دابتك أو سيارتك، ولي دينار، فقال له: نعم أو رده كفى. وإنما كانت الصيغة ركنا؛ لأن الجعالة معاوضة وشرط الصيغة عدم التأقيت؛ لأن التأقيت قد يفوت الغرض منها، فلو قال: من رد علي ضالتي إلى شهر كذا، فله كذا لم يصح كما في القراض؛ لأن تقدير المدة مخل بمقصود العقد، فقد لا يظفر به فيها، فيضيع سعيه ولا يحصل الغرض. ويتفرع على ذلك فروع نذكرها فيما يلي: الفرع الأول: لا فرق في الجاعل بين أن يكون جاعلا على نفسه، وأن يكون مخبرا عن غيره إن كان صادقا، وكان ثقة، فإن كان كاذبا فلا شيء له لعدم الالتزام، وكذا إن كان غير ثقة كما لو رد مال زيد غير عالم بإذنه، ولا التزامه إلا أن يعتقد الراد صدقه كما استظهره ابن قاسم. الفرع الثاني: لو قال شخص: من يدلني على مالي فله كذا فدله غير من هو بيده استحق العوض؛ لأن الغالب أنه تلحقه مشقة، بشرط أن يكون هذا الشخص قد وجد منه بحث عن هذا المال بعد حصول الجعل من المالك، أما البحث السابق والمشقة السابقة قبل الجعل، فلا عبرة بهما.

стр. 162

أما إذا دله من كان المال في يده، فلا يستحق شيئا؛ لأن ذلك واجب عليه شرعا، فلا يأخذ عليه عوضا، ومعنى ذلك أنه متى كان الدال، أو الراد غير مكلف استحق العوض المشروط أو المجعول. وقد أفتى الإمام النووي فيمن حبس ظلما، فبذل مالا لمن يتكلم في خلاصة بجاهه وغيره بأن المال جعالة مباحة، وأخذ العوض في ذلك حلال..، ونقله عن جماعة "ثم قال: وفي ذلك كلفة تقابل بأجرة عرفا". والصحيح الذي نعلمه أن ذلك رشوة، فيكون تخليص المظلوم عند السلطان، وأخذ العوض عنه ليس جعالة، ولا يستحق عليه أجرا وذلك؛ لأنه إذا كان صاحب جاه يستطيع أن يرفع ظلما وقع على إنسان بجاهه، وجب عليه العمل على رفعه، وهذا من شأنه أن يبطل الجعالة؛ لأنها لا تكون إلا عوضا عما لا يجب على العامل، ومقتضى النصحية، والعمل لإحقاق الحق الذي يلزم كل مسلم يمنع هذه الصورة التي أفتى بها النووي رحمه الله تعالى. ولأنهم قالوا: إن السعي والعمل، وبذل المجهود مع حصول المقصود توجب الجعالة، وجعلوا إخبار الطبيب للمريض بدوائه عملا تافها لا جهد فيه، ولا سعي، فلا يستحق عليه جعلا، فكيف بمن له جاه يمكن أن يؤثر به في رفع ظلم، أو قضاء مصلحة بدون مشقة أو جهد، أو سعي إلا أن يتفوه بكلمة، فهل يحل له أن يأخذ جعالة؟ إن قياس المذهب والبناء على أصله يمنع ذلك، ولا أعلم في ذلك خلافا في الأصل الذي بنينا عليه؛ لأنه يستمد قوته من قوله ﷺ : "الحلال بين والحرام بين".أما مسألة الطبيب التي أشار إليها، فمراده أن الطبيب لا يستحق أجرا إذا

стр. 163

وصف الدواء للمريض بكلمة؛ لأن الكلمة لا تكلفه جهدا يستحق عليه أجرا أما إذا قام بفحص المريض، ووصف الدواء اللازم، فلا شك أن هذا جهد يستحق الأجر عليه. الفرع الثالث: إذا قال: من رد علي ضالتي من بلد كذا فرجه من جهة ذلك البلد لكن من أبعد منه، فلا زيادة له لتبرعه بها، أما إذا قال: من رده من بلد كذا، فرده من مكان أقرب منه، فلا يستحق إلا قسطه من الجعل؛ لأنه جعل كل الجعل في مقابلة العمل، فبعضه في مقابلة بعضه، فإن رده من نصف الطريق استحق نصف الجعل، فإن كانت الطريق غير متساوية في المرونة، والسهولة بأن كان النصف الذي قطعه يمكن أن تكون أجرته ضعف أجرة النصف الآخر استحق الثلثين من الجعل، فإن كان من البلد أو من مسألة مثل مسافته، ولو من جهة أخرى استحق المسمى، ولو رد من البلد المعين، ورأى المالك في نصف الطريق، فدفعه إليه استحق نصف الجعل. الفرع الرابع: تصح الجعالة على عمل مجهول؛ لأن الجهالة احتملت في القراض لحصول زيادة، فاحتمالها في رد الحاصل أولى، وهو مقيد بما عسر ضبطه، فإن كان يمكن ضبطه كبناء حائط، فيذكر محله وطوله وسمكه وارتفاعه وما يبنى به، وخياطة ثوب فيصفه كالإجارة، وإذا صحت الجعالة على المجهول، فصحتها على المعلوم من باب أولى، ومثال ذلك قوله: "من رد علي ضالتي من مكان كذا فله كذا وهذا هو الأصح، وقيل: إن الجعالة على المعلوم ممنوعة للاستغناء بالإجارة عنها".

стр. 164

أسباب فسخ عقد الجعالة: فائدة: ينقسم العقد باعتبار لزومه، وجوازه إلى ثلاثة أقسام: أحدهما: لازم من الطرفين قطعا كالبيع والإجارة، والسلم والصلح والحوالة والمساقاة، والهبة لغير الفروع بعد القبض، والخلع. ولازم من أحدهما قطعا، ومن الآخر على الأصح وهو النكاح، فإنه لازم من جهة المرأة قطعا، ومن جهة الزوج على الأصح، وقدرته، على الطلاق ليست فسخًا. ثانيا: لازم من أحد الطرفين جائز من الآخر قطعا كالرهن، وهبة الأصول وللفروع بعد القبض، والضمان والكفالة. ثالثها: جائز من الطرفين كالشركة والوكالة والعارية والوديعة، والجعالة قبل فراغ العمل. ومن ثم فيجوز لأي منهماخ الفسخ قبل تمام العمل؛ لأن عقدها جائز من الطرفين، أما من جهة الجعل فمن حيث إنها تعلق استحقاق بشرط، فأشبهت الوصية. وأما من جهة العامل؛ فلأن العمل فيه مجهول، وما كان كذلك لا يتصف باللزوم كالقراض، وإنما يتصور الفسخ من العامل في الابتداء إذا كان معينا بخلاف غيره، فلا يتصور فسخه إلا بعد شروعه في العمل. والمراد بالفسخ رفع العقد ورده من أحد المتعاقدين، أو منهما معا وبذلك ينتهي ما اتفقا عليه: أما إذا كان الفسخ بعد العمل، فإنه لا أثر للفسخ؛ لأن الجعل قد لزم واستقر.

стр. 165

وكما تنفسخ الجعالة بفسخ أحد المتعاقدين كما سبق بيانه تنفسخ أيضا بموت أحد المتعاقدين، أو جنونه أو إغمائه، فلو مات المالك بعد الشروع في العمل، فرده إلى وارثه استحق قسط ما عمله في الحياة من العوض المسمى. وإن مات العامل فرده وارثه استحق القسط منه أيضا. فإن فسخ قبل الشروع أو فسخه العامل بعد الشروع فلا شيء له؛ لأنه لم يعمل شيئا في الأولى؛ ولأن الجعل إنما يستحق في الثانية بتمامه، وقد فوته باختياره. وإن فسخ المالك بعد الشروع في العمل، فعليه أجرة المثل لما مضى؛ لأن جوازه يقتضي التسلط على رفعه، وإذا ارتفع لم يجب المسمى كسائر الفسوخ لكن عمل العامل وقع محترما، فلا يحبط بفسخ غيره فرجع إلى بلده، وهو أجرة المثل كالإجارة إذا فسخت بعيب، وهذا هو الأصح. وقيل: لا شيء للعامل كما لو فسخ بنفسه، ولا فرق على هذا القول بين أن يكون ما صدر من العامل لا يحصل به مقصود أصلًا كرد الضال إلى بعض الطريق، أو يحصل به بعضه كما لو قال شخص لآخر: إن علمت ابني القرآن فلك كذا، ثم منعه من تعليمه، ولا يتنافى ذلك مع ما سبق ذكره، حيث قلنا: إذا مات العامل أو المالك في أثناء العمل، فإنه ينفسخ العقد، ويجب القسط من المسمى؛ لأن الجاعل أسقط حكم المسمى هنا بفسخه بخلافه هناك. ولكن هل للمالك أن يزيد أو ينقص في الجعل الذي شرطه للعامل؟ نعم يجوز له ذلك قبل الفراغ من العمل سواء أكان قبل الشروع في العمل، أم بعده كما يجوز في البيع في زمن الخيار، بل إن هذا أولى كأن يقول مثلا

стр. 166

من رد علي ضالتي، فله عشرة من الجنيهات المصرية، ثم يقول: فله خمسة أو عكسه، فيكون الاعتبار بالأخير من قوليه، وهذا إذا سمعه العامل أما إذا لم يسمعه، أو كان بعد الشروع في العمل، فيجب أجرة المثل للعامل على المالك؛ لأن النداء الأخير فسخ للأول، والفسخ من المالك أثناء العمل يقتضي الرجوع إلى أجرة المثل، وهو الراجح عند الغزالي، وقال الماوردي، والروياني يستحق الجعل الأول وأقره السبكي، والبلقيني وغيره. واستحقاق العامل أجرة المثل إذا لم يسمعه بعد الشروع لا ينافيه أنه لو عمل شيئا بعد الفسخ لا شيء له؛ لأن ذلك فيما فسخ بلا بدل بخلاف هذا. أما التغيير بعد الفراغ فلا يؤثر؛ لأن المال قد لزم، ويتوقف لزوم الجعل على تمام العمل، ولهذا قال النووي: ولو مات الحيوان الضال١ في بعض الطريق، أو هرب فلا شيء للعامل ولو في دار المالك قبل تسليمه له؛ لأنه لم يرده. ويستثنى من ذلك لو أكترى من يحج عنه، فأتى ببعض الأعمال، ومات فإنه يستحق من الأجرة بقدر ما عمل. والفرق بينهما أن المقصود من الحج الثواب، وقد حصل ببعض العمل، وهنا لم يحصل شيء من المقصود، وهذا هو الفرق الأول. والفرق الثاني: أن الإجارة لازمة تجب الأجرة فيها بالعقد شيئًا فشيئًا، والجعالة جائزة لا يثبت فيها شيء إلا بالشروط، ولم يوجد. وإذا رد العامل المال الضائع، ولم يجد المالك فله أن يسلم المال المردود إلى الحاكم ويستحق الجعل، فإذا لم يكن حاكم أشهد على المال المردود واستحقه.

стр. 167

وإذا أنكر المالك الجعل، وقال العامل شرط جعلا، أو أنكر المالك سعى العامل في رد ماله بأن قال: لم يرده، وإنما رجع بنفسه بأن كان المال بهيمة، فالقول قول المالك؛ لأن الأصل عدم الشرط والرد. أما إذا اختلف المالك، والعامل في مقدار الجعل بعد الفراغ من العمل، أو بعد الشروع، وقلنا للعامل: قسط ما عمله، فيحلف كل منهما ويفسخ العقد، وفي هذه الحالة يكون للعامل أجرة المثل كما في الإجارة، أما قبل الشروع فلا استحقاق له فلا تحالف، ومثله الاختلاف في قدر العمل كقوله: شرطت مائة على رد النقود والتجارة، فقال العامل: على رد التجارة وحدها، أو المال وحده فإن كان بعد الفراغ من العمل، فيحلف كل منهما ويكون للعامل أجرة المثل أما قبل الشروع، فلا استحقاق ولا تحالف، وينفسخ العقد. ولكن هل يضمن العامل إذا ضاع المال من يده قبل رده؟ إن كان بتفريط، فإنه يضمن وإن لم يكن ذلك بتفريط منه فلا يضمن؛ لأن يده على ما يقع في يده يد أمانة، والله أعلم.

стр. 168

الفصل السادس: إحياء الموات . بيان المراد من إحياء الموات: أما إحياء الموات، فالمراد به عمارة الأرض الخربة شبهت عمارتها بإحياء الموتى، وهو إدخال الروح في جسد خال منها بجامع النفع في كل منهما، أو نقول: شبهت الأرض الميتة الخربة بالميت بجامع عدم النفع في كل منهما. تعريف الموات لغة وشرعًا: أما الموات لغة فهو الأرض الخربة الدارسة، وتسمى ميتة ومواتا وأما الموتان، فهو بضم الميم، وسكون الواو الموت الذريع تقول: رجل موتان القلب بفتح وسكون الواو أي لا بصيرة له ولا فهم، وهو في اصطلاح الفقهاء: الأرض التي لا مالك لها، ولا ينتفع بها أحد كما قال الرافعي. شرح التعريف: فقوله: "لا مالك لها" يحتمل أن يكون المراد منه لا مالك لها معلوم، فيكون من الموات ما ظهر فيه أثر ملك كغراس شجر، وأساس جدران ونحو أوتاد، وعلى هذا يكون الموات شاملا للأرض التي لا مالك لها أصلا، ولم تعمر قط أو عمرت من قبل، وظهر فيها أثر ملك ولها مالك، ولكنه ليس معلومًا، ويحتمل أن يكون المراد بالأرض الموات التي لا مالك لها أصلا، فلا يشمل الموات إلا شيئا واحدا، وهو الأرض التي لم تعمر قط، وأما الأرض التي ظهر فيها أثر ملك، فلا يكون من الموات على هذا المعنى، فيكون الموات على الأول أعم من الثاني؛ لأن الأول يكون الموات شاملا لأمرين الأول: الأرض التي لم تعمر مطلقا، والثاني: الأرض التي عمرت، ولكنها تخربت ولم يبق منها إلا آثار

стр. 169

العمارة السابقة كغراس شجر، ودق الأوتاد ونحو ذلك. وقوله: "ولا ينتفع بها أحد" قيد في التعريف لا بد منه ليخرج الأرض التي لا مالك لها، ولكن ينتفع بها الناس كحريم المعمور، وهو ما يحتاج إليه لمصلحة العامر من المرافق كفناء الدار ومسيل الماء، فلا يجوز إحياؤه؛ لأنه تابع للعامر ولا يملك بالإحياء؛ لأننا لو جوزنا إحياءه لأبطلنا الملك في العامر على أهله، كما لا يجوز إحياء ما بين العامر من الرحاب والشوارع، ومقاعد الأسواق؛ لأن هذا من جملة العامر؛ ولأنا لو جوزنا إحياءه ضيقنا على الناس في أملاكهم، وطرقهم وهذا لا يجوز شرعا؛ لأن الشرع ورد بإحياء الموات، وهذا ليس من الموات، بل هو تابع للعامر كما بينا. أقسام إحياء الموات: ويمكن على ضوء ما سبق أن نقسم الموات إلى قسمين: الأول: موات أصلي، وهو الذي لم يعمر قط. الثاني: موات طارئ وهو ما عمر، ثم خرب بعد عمارته، وأصبح الآن غير عامر. وهذا التقسيم لا يتأتى إلا على الاحتمال الأول، وهو أن المراد بالموات الأرض التي لا مالك لها معلوم. وعرف الماوردي والروياني، والموات بأنه، ما لم يكن عامرا ولا حريما لعامر قرب العامر أو بعد، وهذا التعريف قريب من الأول. فقوله: "ما لم يكن عامرا" أي لم يكن عامرا في الإسلام إذ لا عبرة بعمارة الأرض في الجاهلية.

стр. 170

مشروعية إحياء الموات: إحياء الموات مشروع، والأصل في مشروعيته قبل الإجماع أخبار كثيرة منها ما روي عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: "من عمر أرضا ليست لأحد، فهو أحق بها، وما أكله العواقي، فهو له صدقة" ١، فقوله ﷺ فهو أحق بها أي مستحق لها يملكها، وفي رواية: "فهي له" ٢، وهذه الرواية قاطعة في ثبوت الملك بالإحياء، ولكونه أحق بها لم يحتج في الملك بالإحياء إلى لفظ يدل على أنه اختار ملكية ما أحياه من الأرض بأن يقول مثلا: تملكت أو أدخلتها في ملكي، وأما قوله: "فهو له صدقة" أي بسبب إحيائها، فالفاء للسببية كما في قوله في حديث آخر: "دخلت امرأة النار في هرة حبستها"، أي بسبب هرة، وقوله: "وما أكله العوافي" أي طلاب الرزق من بنائين، وفعله وكذا طير أو بهيمة، فهو له صدقة الإحياء؛ لأنه مصدر نفع وخير للإنسان، والحيوان على السواء أما الإنسان فباكتساب الرزق بالعمل في البناء، واستصلاح الأرض البور، وأما الحيوان؛ فلأنه يأكل مما ينبت من الزرع فكان الإحياء سببا في الأجر. وقد يقال: إن الحديث دليل على أن الإحياء خاص بالمسلم دون الكافر؛ لأن الأجر لا يكون إلا لمسلم والصحيح خلافه. فإن ثبوت الأجر والصدقة الواردين في الحديث لا يؤخذ منهما تخصيص الإحياء بالمسلم؛ لأن الكافر له الصدقة، ويثاب عليها في الدنيا بكثرة

стр. 171

المال والولد وفي الآخرة بتخفيف العذاب، وذلك أعمال الخير التي لا تتوقف صحتها على نية كالصدقة، وإحياء الموات. ويؤيد ذلك أن اللغة تقضي أن الثواب والأجر يستوي فيه المسلم، والكافر فقد جاء في المصباح، أجره الله أجرا، وأجره إذا أثابه فلم يقيد ما يسمى ثوابا بجزاء المسلم، فاقتضى إن كل ما يقع جزاء يسمى ثوابا، وأجر سواء كان الفاعل مسلما أو كافرا. ولهذا يصح إحياء الكافر للأرض الموات إذا كانت ببلاد الكفار أما بلاد المسلمين، فلا يجوز إحياء الكفار بها حتى، ولو كان بإذن من الحاكم؛ لأن الإحياء استعلاء، والكافر ممنوع من الاستعلاء في بلاد المسلمين. حكم إحياء الموات: الأرض المعمورة الميتة إما أن تكون ببلاد، أو بلاد الكفر، فإن كانت ببلاد الإسلام، فيجوز فيها الإحياء بشرطين: الشرط الأول: أن يكون المحيى مسلمًا، مكلفا أو غير مكلف، فلو كان غير مسلم فلا يجوز له الإحياء، ولو أذن فيه الإمام؛ لأن الإحياء من الكافر كالاستعلاء، وهو ممتنع عليه بدارنا، وإذا أحيا غير المسلم أرضا بلاد الإسلام، فللمسلم أن يأخذها منه، فإن كان فيها شيء له كزرع رده المسلم إليه، فإن أخذه فبها، وإن أعرض عنه فهو لبيت المال، ويصرفه الإمام في المصالح العامة. ولكن يجوز للذمي والمستأمن والمعاهد، والاحتطاب والاحتشاش والاصطياد بدار الإسلام؛ لأن ذلك مما يخلف، ولا يتضرر به المسلمون، فكان ذلك مما يجوز لهما، ويجوز لهما أيضا نقل التراب من موات دار الإسلام إذا لم يتضرر به المسلمون، أما الحربي فإنه ممنوع من جميع ذلك حتى من الاحتطاب إلا أنه إذا أخذ شيئا منه ملكه.

стр. 172

الشرط الثاني: أن تكون الأرض التي يراد ملكها بالإحياء حرة لم يجر عليها ملك لمسلم ولا لغيره، فإن جرى عليها ملك لمسلم، أو لغيره بأن كان ذميا، أو مستأمنًا أو معاهدًا فهي لمالكه، أما إذا كانت الأرض مملوكة لحربي جاز إحياؤها وأخذها؛ لأن مال الحربي إذا ظفرنا به أخذناه غنيمة. فإن جهل مالكه والعمارة إسلامية بأن كانت بعد الإسلام، فهو مال ضائع؛ لأنه مال لمسلم أو ذمي أو نحوه، فيكون أمره مفوض إلى الإمام، فإما أن يحفظه بعينه، أو يبيعه ويحفظ ثمنه، أو يقرضه لبيت المال إلى أن يظهر مالكه إن كان يرجى ظهوره، فإن لم يرج ظهوره، فهو ملك لبيت المال يتصرف فيه الإمام كيفما شاء. وإن كانت العمارة جاهلية، فيملك بالإحياء في الأظهر إذ لا حرمة لملك الجاهلية؛ ولأنه كالموات والركاز. والثاني: المنع من الإحياء؛ لأنها ليست بموات. وإن كانت بلاد الكفار، فللكافر أحياؤها؛ لأنه من حقوق داره عليه، ولا ضرر علينا فيه فيملكه بالإحياء كالصيد، ويجوز للمسلم أحياؤها أيضًا إذا لم يدفعوا المسلمين عنها، فيمنعوهم من أحيائها، فإن منعوهم عنها كان الصلح بيننا، وبينهم على أن البلد لنا، وهم يسكنون بجزية، فالمعمور منها فيء ومواتها الذي كانوا يدافعون عنه يتيحتجر حتجر، ليكون فيئا لأهل الفيء، ولا يكون فيئا في الحال بل في المستقبل، ويفهم من هذا إن الإحياء جائز للمسلم في الحل والحرم على السوء، ولكن يستثنى من ذلك أمور. الأول: إحياء المسلم للأرض الموات بعرفة، ومزدلفة ومنى لتعلق حق وقوف الحجيج بعرفة، والمبيت بمنى ومزدلفة؛ لأن ذلك من مناسك الحج. وأما المحصب١، وهو الموضع الذي أهلك الله فيه أصحاب الفيل بين

стр. 173

مزدلفة ومنى، فيجوز إلحاقة بذلك؛ لأنه يسن للحجيج المبيت به عند الضرورة، وهذا ما قاله الزركشي لكن قال الوالي العراقي: ليس ذلك من مناسك الحج، فمن أحيا شيئا منه ملكه، وهذا هو المعتمد. الثاني: المرافق العامة، وما في حكمها: فلا يجوز إحياء المرافق العامة من الطرق كمصلى العيد في الصحراء، وموارد الماء فمن أحيا شيئًا من الموات على شاطئ النيل أو الخلجان، فيجب علي ولي الأمر، ومن له قدرة أن يمنعه من ذلك الإحياء. الثالث: الأرض التي حماها السلطان، فلا يجوز لأحد: أن يحيى أرضا منع السلطان عامة الناس من الرعي فيها، وخصصها لمواشي الجزية والصدقة، والفيء، أو لمواشي رجل ضعيف لا يقدر على الارتحال بدوابه إلى الأرض البعيدة طلبا للرعي، فإذا حمي له الإمام قطعة قريبة من داره لترعى فيها بهائمه، وتكون مملوكة له فلا يجوز لأحد غيره أن يرعى فيها؛ لأنه ملكها بهذا الإذن، ومن ثم فلا يملكها إلا بإذن الإمام، أو إذن نائبه. الرابع: حريم المعمور: حريم المعمور هو ما تمس الحاجة إليه للانتفاع بالمعمور، وإن حصل أصل -الانتفاع بدونه، ومعنى ذلك أن المعمور لا ينتفع به على الوجه الأكمل إلا به، وحريم المعمور هذا لا يجوز فيه الإحياء، وإذا أحياه شخص فلا يمكله؛ لأنه مملوك لمالك العامر، وهو في حاجة ماسة إليه لتمام الانتفاع بالمعمور، ولكن إذا اتسع الحريم بحيث كان يزيد على ما يحتاج إليه العامر، ثم احتيج إلى عمارة ما زاد عن ذلك، فيتجوز عمارته لعدم تفويت حاجة العامر إليه، ولا يخفى أنه لو أريد عمارة ذلك الموضع بتمامه، فلا يجوز بغير رضا صاحب العامر، فمثلًا إذا اعتاد الناس في القرى طرح الرماد في موضع، فلا يجوز عمارة هذا المكان؛ لأنه حريم العامر وهي القرية، فإن كان يزيد عن حاجتهم، فيجوز عمارة ما زاد سواء كان ذلك بإذن، أو بغير إذن أما عمارته

стр. 174

بتمامه وتكليفهم طرح الرماد في غيره، ولو قريبا منه لا يجوز؛ لأنه باعتيادهم الرمي فيه صار من الحقوق المشتركة بينهم، ومن ثم فلا يجوز إحياؤه إلا برضاهم. وسمي حريما لحرمة التصرف فيه بمعنى أن لمالك العامر أن يمنع غيره من إحيائه بجعله دارا، وليس له منعه من المرور فيه، ولا من رعى كلا فيه، ولا من استقاء من ماء فيه ونحو ذلك. وكما جاز إحياء ما زاد على حريم المعمور، فإنه يجوز أيضًا الغراس فيما لا يمنع من انتفاع الناس بالحريم كأن يكون قد غرس في مواضع يسيرة بحيث لا يفوت منافعهم المقصودة من الحريم. وخلاصة القول: أنه لا يجوز إحياء ما تمس حاجة المعمور إليه من الحريم، ولا يثبت الملك فيه بالإحياء؛ لأنه مملوك لمالك العامر، ومن ناحية أخرى، فإنه تابع للمعمور والإحياء لا يجوز إلا في الأرض الموات، فإن زاد الحريم عما يحتاج إليه المعمور، فلا مانع من إحياء الزائد عن حاجة المعمور أما ما يحتاج إليه المعمور من الحريم، فلا يجوز فيه الإحياء إلا بإذن من له حق الانتفاع بالمعمور، والله أعلم. حريم القرية والبذر، والدار، والنهر: وإذا كان الحريم يختلف في كل شيء بحسبه، فإن حريم القرية يختلف عن حريم البئر والنهر، والدار لاختلاف كل واحد منها بحسب الغرض الذي أعد من أجله. فحريم القرية المحياة يتناول كل ما تمس حاجة القرية إليه، ويشمل ذلك ما يلي: ١- النادي، وهو المكان الذي يجتمع فيه أهل القرية يندون أي يتحدثون

стр. 175

ويسمرون، ويطلق النادي على أهل المجلس، فلا يسمى ناديا إلا والقوم فيه، وأما إذا لم يكونوا فيه، فيسمى مجتمع الناس. ٢- مرتكض الخيل بفتح الكاف، وهو مكان سوق الخيل لسباقها سواء أكانوا خيالة أم لا؛ لأنه قد تحدث لهم الخيل، أو يسكن القرية بعدهم من له رغبة في الخيل، وهذا هو الأصح خلافا للإمام، ومن تبعه حيث اعتبر مرتكض الخيل إذا كان أهل القرية خيالة، وإلا فلا. ٣- مناخ الإبل بضم الميم، ومثله موضع وقوف السيارات في المدن، وهو الموضوع الذي تناخ فيه إذا كانوا أهل إبل، ويفهم منه أنه إذا لم يكونوا أهل إبل، فلا يكون مناخ الإبل من حريم القرية، وفارق ذلك مرتكض الخيل حيث كان المرتكض من لوازم القرية، ولو لم يكونوا أهل خيل؛ لأن الخيل لازمة للجهاد، وقد حث الشرع على اقتنائها، والتدريب على ركوبها ولا تخلو منها قرية من قرى المسلمين، وقد ورد الأمر بتعلم ركوبها في قوله ﷺ : "تعلموا السباحة والرماية، وركوب الخيل". ٤- مطرح رماد وسرجين، وقمامة، وهي الزبالة. ٥- ومن حريم القرية الجرين المعد لدياسة الحب، فيمتنع التصرف فيه بما يعطل منفعته على أهل القرية، أو ينقصها، ومن ثم فلا يجوز زرعه في وقت الاحتياج إليه، فإن زرع وحدث خلل في الأرض من أثر زرعه، وامتنع بسبب ذلك كمال الانتفاع المعتاد، فيلزم من زرعه تعويض الضرر الذي ترتب على ذلك. ٦- ومن الحريم مراح الغنم، وملعب الصبيان ومسيل الماء وطرق القرية؛ لأن العرف مطرد بذلك، وعليه العمل خلفا من سلف. ومنه مرعى البهائم إن قرب عرفا من القرية، واستقل كما قاله الأوزعي

стр. 176

ومست حاجتهم له، ولو في بعض السنة فيما يظهر ومثله المحتطب. وهذه المنافع وإن كانت خاصة بأهل القرية، إلا أنه لا يجوز لأهل القرية أن يمنعوا المارة من رعي مواشيهم في مراعيها المباحة. وأما البئر فنوعان: الأول: بئر استقاء. الثاني: بئر قناة محياة. بئر الاستقاء وحريمها: أما بئر الاستقاء فهي ما كانت مطوية، وينبع منها املاء وحريمها، ويشتمل على الأمور الآتية: ١- موقف النازح من جانب واحد، أو أكثر حسب ما يستقى به من شخص أو دابة، فإن كان النازح شخصًا فالحريم موقف النازح من جانب واحد، وإن كان دابة فحريمها قدره من سائر الجوانب، وهو المسمى بالمدار، والذي يتجه اعتبار العرف والعادة. ٢- موضع الدولاب إن كان الاستقاء به، والدولاب بضم أوله أشهر من فتحه فارسي معرب، ويكون على شكل الناعورة، ويطلق على ما يستقي به النازح، ويسمى الشادوف، وما تستقي به الدابة، ويسمى الساقية. ٣- والحوض، وهو يطلق عرفا على مصب الماء الذي يذهب منه إلى مجتمعه، ويطلق على مجتمع الماء. بئر القناة وحريمها: وأما بئر القناة، فهي المحفورة من غير طي، وينبع منها الماء، أو هي حفرة

стр. 177

في الأرض ينبع منها عين، وتسيل في القناة بأن كان الماء يأتي في تلك القناة إلى تلك البئر، فيجتمع فيها ثم يعلو ويطلع، وهذا النوع من الآبار لا يعرف له وجود إلا في الفيوم. وحريمها ما لو حفر فيه نقص ماؤها، أو خيف انهيارها أي سقوط حافتيها، ويختلف ذلك بحسب صلابة الأرض، ورخاوتها وإنما لم يعتبر في هذه البئر ما مر في بئر الاستقاء؛ لأن المدار في حفظها على حفظ مائها لا غير، ولهذا بحث الزركشي جواز البناء في حريمها بخلاف حفر البئر فيه، فإنه لا يجوز. وأما حريم النهر كالنيل، فهو ما تمس الحاجة إليه في الانتفاع به، فيدخل في حريم النهر ما يحتاج إليه لإلقاء الأمتعة، وما يخرج منه عند حفره، أو تنظيفه وحكم هذا أنه يمتنع البناء فيه، فلو بنى فيه شيئا، وجبت إزالته ولو كان الشيء الذي بناه في الحريم مسجدا، ونقل إجماع الأئمة الأربعة على ذلك. ويعتبر ما ذكر من الحريم حتى ولو بعد الماء بحيث لم يصر من حريمه لاحتمال عود الماء إليه، فإن أيس من عوده جاز وهو الظاهر، ويؤخذ من ذلك أن ما كان حريما لا يزول عنه وصف الحريم بزوال متبوعه ما دام عوده محتملا، وهذا هو المعتمد. حكم الانتفاع بحريم الأنهار: أما الانتفاع بحريم الأنهار، فإن فيه اتجاهين: الاتجاه الأول: إذا كان الانتفاع بحريم الأنهار كحافاتها بوضع الأحمال والأثقال، أو تحويط مكان فيه بقصب ونحوه لحفظ الأمتعة فيه، فهذا ينبغي أن يقال: إن فعله بقصد الانتفاع به، وكان ذلك لا يضر بانتفاع غيره، ولم يضيق

стр. 178

على الماء ونحوهم ولا عطل أو نقص منفعة النهر كان جائزًا. وحيث كان ما فعله جائزا، فلا أجرة عليه في مقابل الانتفاع، وإن كان ما فعله غير جائز، فيكون حراما وإذا حرم لزمته الأجرة لمصالح المسلمين. الاتجاه الثاني: الانتفاع بما يحدث في خلال النهر من الجزر، والوجه الذي لا يصلح غيره امتناع إحيائها؛ لأنها من النهر أو حريمه لاحتياج راكب البحر والمار به إلى الانتفاع بها لوضع الأحمال، والاستراحة والمرور ونحو ذلك، بل هي أولى بمنع إحيائها من الحريم الذي يتباعد عنه الماء. ولكن هل يتوقف الانتفاع بهذه الجزر على إذن الإمام؟ أقول: إن القول بأن الانتفاع بها يتوقف على إذن الإمام فيه نظر، والأقرب إلى الصواب هو القول بعدم توقف ذلك الانتفاع على إذن الإمام، ولا يكون آثما بذلك، ولكن يلزمه الأجرة مقابل هذا الانتفاع، وذلك على القول بجواز الانتفاع بهذه الجزر. وأما حريم الدار العامرة، فهو إما أن يكون حريمًا مستقلا بها، أو مشتركا بينها، وبين غيرها من الدور الأخرى. الحريم المشترك: يكون الحريم مشتركا إذا كانت الدار محفوفة بدور، وحينئذ فليس لها في هذه الحالة حريم مختص بها، وإنما لها حريم مشترك بينها وبين جميع الدور، وذلك بشروط: الأول: أن تكون الدور متلاصقة، أو تكون بطريق نافذ كما قاله الرافعي. الثاني: أن تكون هذه الدور تم إحياؤها في وقت واحد، وذلك؛ لأنها إذا

стр. 179

أحييت معا أو جهل حالها، فلا حريم لها لانتفاء المرجح لها على غيرها، وذلك؛ لأن ما يجعل حريما لها ليس بأولى من جعله حريما لغيرها. الثالث: أن تكون الدار بطريق نافذ فلا حريم لها؛ لأنه العامة المسلمين بخلاف ماذا كانت في طريق غير نافذ، فهذه لها حريم خاص بها كالدار المبنية في موات. الحريم المختص: أما إذا كانت الدار أحييت في موات، فحريمها يكون مختصًّا بها، ويتكون الحريم مما يأتي: أولا: ممر الدار وهو يكون عادة في صوب الباب أي في مواجهته، ويكون بمقدار الحاجة، وما قيل من أن تقديره سبعة أذرع، فمحول على عرف المدينة الشريفة، وهي المدينة المنورة عليها وعلى ساكنها أفضل الصلاة، وأزكى السلام. ثانيًا: فناء جدران الدار بكسر الفاء والمد، وهو ما حواليها من الخلاء المتصل بها، ونقل ابن الرفعة في أصح الوجهين أن فناء الدار ليس حريما، ونقل ذلك الزركشي عن الأكثرين، ولكن يمنع الغير من حفر بئر بقربها، ومن سائر ما يضر بها كإلصاق جداره بها؛ لأنه يضر ملك غيره. ثالثا: يدخل في حريم الدار مطرح رماد، وكناسة بالضم ما يكنس، وهي الزبالة للحاجة إلى ذلك. إذا تصرف المالك في ملكه، فمتى يكون ضامنا لما يترتب على هذا التصرف؟ لكل واحد من الملاك أن يتصرف في ملكه، فإن كان بما جرت به العادة

стр. 180

فلا ضمان عليه، وإن أدى إلى ضرر جاره، أو إتلاف ماله فمن حفر بئر ماء، أو حش١، فاختل به جدار جاره فلا ضمان عليه؛ لأن منعه من هذا التصرف يضر به ضررا لا جابر له، ويكفي في جريان العادة أن يكون جنسه يفعل بين الأبنية، ومنه حداد بين بزازين. ويتحصل من ذلك أن الشخص يكون له أن يتصرف في ملكه بما وافق العادة، وإن أضر الملك والمالك، وله أيضًا فعل ما خالفها إن لم يضر المالك، فإن كان لا يضر المالك، فلا يمنع وإن ضر المالك، أو ضر الأجنبي. ومن ثم فيجوز للشخص في أصح القولين في المذهب أن يتخذ داره المحفوفة بالمساكن حماما، أو مدبغة أو فرنا، أو اصطبلًا بها، وله أيضا أن يتخذ حانوته في البزازين٢ حانوت حداد، وقصار ولا يمنع من ذلك بشرط أن يحكم الجدران أحكاما يليق بمقصوده؛ لأنه يتصرف في خالص ملكه، وفي منعه إضرار به، ثم إن تصرفه هذا لا يضر المالك، وإن ضر المالك بنحو رائحة كريهة. فإن تجاوز العامة فيما ذكر ضمن الضرر الذي يلحق الجار، كأن دق دقا عنيفا أزعج الأبنية، أو حبس الماء في ملكه، فانتشرت النداوة إلى جدار جاره. ومعنى ذلك أنه لا يمنع من التصرف في ملكه إلا إذا أضر الملك، وكان التصرف الذي صدر منه لم تجر العادة به، أما إذا جرت العادة به فلا منع ولا ضمان مطلقا. وخلاصة القول في هذا الرأي أن الشخص يجوز له أن يتصرف في ملكه بما وافق العادة، وإن أضر الملك والمالك، وله فعل ما خالف العادة، وإن
следующие страницы →