الموهوب له أن يكون فيه أهلية الملك لما يوهب له من تكليف، وصحة تصرف، وسيأتي أن غير المكلف يقبل له وليه، فلا تصح لحمل ولا لبهيمة.
الركن الثاني: الصيغة وهي إيجاب وقبول لفظا من الناطق، ومن صريح الإيجاب أن يقول: وهبتك ومنحتك، وملكتك بلا ثمن، ومن صريح القبول قبلت ورضيت، ولا يصح القبول إلا على الفور، وقال أبو العباس: يصح على التراخي والصحيح الأول؛ لأنه تمليك: حال الحياة فكان القبول فيه على الفور كالبيع.
ولكن يستثنى من اشتراط القبول بعض مسائل من أهمها:
١- إذا وهبت المرأة نوبتها لضرتها، فلا يشترط قبول الضرة لتلك النوبة على الصحيح.
٢- إذا خلع السلطان شيئا على الأمواء والقضاة وغيرهم، فلا يشترط فيه القبول، وبهذا قال بعض المتأخرين لجريان العادة بذلك.
٢- وإذا اشترى الولد لابنه الصغير حليا وزينه به، فإنه يكون تمليكًا له بخلاف ما لو اشترى حليا لزوجته، فإنه لا يصير ملكا لها كما قال القفال.
والفرق بينهما أن له ولاية على الصغير بخلاف الزوجة، وبهذا قال السبكي وتبعه ابن الملقن، ويرد هذا قول الشيخين وغيرهما، فإن وهب للصغير ونحوه ولي غير الأب والجد قبل له الحاكم، وإن كان أبا أو جدا تولى طرفي العقد، وهذا معناه أنه لا بد من الإيجاب والقبول.
ويتفرع على هذا أنه إذا وهب للصغير ونحوه ممن ليس أهلًا للقبول، وجب على الولي أن يقبل عنه الهبة، فإن لم يقبل انعزل الوصي، أو القيم، وأثم
стр. 247
لتركه الأحظ، فإن كان أبا أو جدا، فلا ينعزل لكمال شفقتهما، وإن كان سفيها فيقبلها لنفسه؛ لأن السفيه صحيح العقل.
أما الأخرس فيكفيه الإشارة المفهمة.
والهبة بلفظ الكناية تحتاج إلى نية الواهب، ومن الهبة بلفظ الكناية أن يقول شخص لآخر: كسوتك هذا الثوب؛ لأنه يصلح للعارية والهبة، فإن قال: لم أرد الهبة صدق؛ لأنه ليس صريحا في الهبة، ولهذا فيرجع إلى نيته، فإن نوى بها هبة حصلت وإلا فلا.
وإذا كان يشترط في الهبة الإيجاب والقبول، فإن الهدية لا يشترط فيها ذلك على الصحيح ولو في غير المطعوم، بل يكفي البعث من المهدي، والقبض من المهدي إليه، فيكون البعث والقبض كالإيجاب والقبول، وهذا ما جرى عليه الناس في الأعصار، وقد أهدى الملوك إلى رسول الله ﷺ الكسوة والدواب، والجواري، وفي الصحيحين: كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة ﵂، ولم ينقل إيجاب ولا قبول، وهذا هو الصحيح.
وقيل: يشترط في الهدية الإيجاب والقبول كما في الهبة سواء بسواء، وحمل ما جرى عليه الناس على الإباحة، ولكن يمنع من هذا القول أن الفروج لا تباح بالإباحة.
وأما الصدقة فلا تحتاج إلى الصيغة قطعا، وهذا هو الظاهر كما قال الإمام.
مسألة: لو ختن شخص ولده، واتخذ دعوة فأهدى إليه، ولم يسم أصحاب الهدايا الابن ولا الأب، ففي هذه المسألة وجهان:
стр. 248
أحدهما: أنها للابن وصححه العبادي، وصاحب الكافي، وجزم به القاضي حسين.
والثاني: أنها للأب، وهو أصح وأقوى.
الركن الثالث: الشيء الموهوب وضابطه أن كل ما جاز بيعه من الأعيان جاز هبته؛ لأنه عقد يقصد به ملك العين، فملك به ما يملك بالبيع، وما جاز بيعه جاز هبة جزء منه، ولو شائعا لما روى عمر بن سلمة الضمري عن رجل من بهز: "أنه خرج مع رسول الله ﷺ يريد مكة حتى إذا كانوا في بطن وادي الروحاء، وجد الناس حمار وحش عقيرا، فذكروه للنبي ﷺ ، فقال: "اتركوه حتى يأتي صاحبه"، فأتى البهزي وكان صاحبه، فقال: يا رسول الله شأنكم هذا الحمار، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر فقسمه في الرفاق، وهم محرمون، قال: ثم مررنا حتى إذا كنا بالبادية إذا نحن بظبي حاقف١ في ظل فيه سهم، فأمر رسول الله ﷺ رجلا أن يقف عنده حتى يخبر الناس عنه.
وروى الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حيث قتادة قال: "كنت يوما جالسا مع رجال من أصحاب النبي ﷺ في منزل في طريق مكة، ورسول الله ﷺ أمامنا، والقوم محرمون وأنا غير محرم عام الحديبية، فأبصروا حمارا وحشيا، وأنا مشغول أخصف٢ نعلي فلم يؤذنوني، وأحبوا ألو أني أبصرته، فالتفت فأبصرته، فقمت إلى الغرس فأسرجته، ثم ركبت ونسيت السوط والرمح، فقلت: لهم ناولوني السوط والرمح، فقالوا: لا والله لا نعينك عليه، فغضبت فنزلت فأخذتهما، ثم ركبت فشددت على الحمار، فعقرته ثم جئت به
стр. 249
وقد مات فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا وخبأت العضد١ معي، فأدركنا رسول الله ﷺ ، فسألناه عن ذلك، فقال: $"هل معكم منه شيء"؟ فقلت: نعم. فناولته العضد فأكلها، وهو محرم.
وفي رواية لمسلم أنه ﵊ قال لهم: هل أشار إليه إنسان أوامره بشيء؟ قالوا: لا. قال فكلوا.
وهذا الخبر صريح في صحة هبة المشاع، وبه قال مالك والشافعي، وأحمد سواء في ذلك ما أمكن قسمته أو لم يمكن.
حكم تعليق الهبة على شرط:
لما كانت الهبة تمليكا لمعين في الحياة لم يجز تعليقها على شرط كالبيع، فإن علقها على شرط كان وعدا بالهبة كقول النبي ﷺ لأم سلمة، إن رجعت هديتنا إلى النجاشي فهي لك.
فإن كان هذا الشرط منافيا لمقتضى العقد، فلا يصح هذا الشرط كأن يقول: وهبتك هذا الشيء بشرط أن لا تهبه ولا تبيعه، أو بشرط أن تهبه أو تبيعه أو بشرط أن تهب فلانا شيئا، ففي كل هذه الصور الشرط غير الصحيح، لكن هل تصح الهبة مع الشروط الفاسدة فيها وجهان.
أما إذا وقت الهبة، فقال: وهبتك هذا العقار سنة، ثم يعود إلي فلا تصح الهبة مع التأقيت؛ لأن الهبة عقد تمليك فلا يقبل التأقيت.
حالات التمليك:
التمليك إما أن يكون للعين أو للمنفعة: أو لهما معا، وإما أن يكون
стр. 250
بعوض أو بغير عوض.
فإن كان التمليك للعين بغير عوض من غير احتياج كان هبة، فإن كان عن احتياج فصدقة، وإذا كان للمنفعة بغير عوض فعارية أو بعوض فإجارة، وإن كان للعين بعوض فبيع.
وما لا يجوز بيعه كمجهول ومغصوب لمن لا يقدر على انتزاعه، وضال فلا يجوز هبته بجامع أن كلا منهما تمليك في الحياة، ولا ينافيه قوله ﷺ : زن وأرجح؛ لأن الرجحان المجهول وقع تابعا لمعلوم، والأوجه من هذا أن نقول: إن المراد من قوله ﷺ أرجح تحقق الحق حذرا من التساهل فيه.
وقد اختلفوا في ترك الدين المستقر الذي في الذمة للمدين هل يعد هبة، أو يعد إبراء فحسب، فذهب الرملي إلى أنه لا يعد هبة في الأصح؛ لأنه غير مقدور على تسليمه، فإن قلنا بصحة بيعه لغير من هو عليه قياسا على بيع الموصوف، فإنه لا يوهب والدين مثله بل أولى.
والفرق بين صحة بيعه، وعدم صحة هبته بأن بيع ما في الذمة التزام تحصيل المبيع في مقابلة الثمن الذي استحقه، والالتزام فيه صحيح بخلاف هبته، فإنه لا يتضمن الالتزام إذ لا مقابل فيها، فكانت بالوعد أشبه، فلم تصح
ويرد على ما لا يجوز بيعه من المجهول، ومع هذا تجوز هبته أمور:
١- إذا خلط متاعه بمتاع غيره، فوهب أحدهما نصيبه لصاحبه، فيصح مع جهل قدره وصفته للضرورة.
٢- لو قال شخص لآخر: أنت في حل مما تأخذ، أو تعطي أو تأكل من مالي فله الأكل فقط؛ لأنه إباحة وهي صحيحة بالمجهول بخلاف الأخذ والإعطاء قال العبادي: وأفتى القفال في: أبحث لك من ثمار بستاني ما شئت بأنه
стр. 251
إباحة، وظاهره أن له أخذ ما شاء، وما قاله العبادي أحوط.
وفي الأنوار، لو قال: أبحث لك ما في داري، أو ما في كرمي من العنب فله أكله دون بيعه وحمله، وإطعامه لغيره، وتقتصر الإباحة على الموجود في الدار أو الكرم، ولو قال: أبحث لك جميع ما في داري أكلا واستعمالا، ولم يعلم المبيح لم تحصل الإباحة.
ومتى قلنا: لا تصح الهبة في غير المقدور عليه، أو فيما لا يمكن تسليمه كالجمل الشارد والمغصوب لغير غاصبه ممن لا يقدر على أخذه، فإن عدم الصحة مردها إلى أن الهبة عقد يفتقر إلى القبض، فلم يصح في ذلك كالبيع.
متى يثبت الملك في الهبة؟
الهبة لا تملك إلا بالقبض لما روت عائشة ﵂، "أن أباها نحلها جذاذ عشرين وسقا من ماله، فلما حضرته الوفاة، قال: يا بنية. إن أحب الناس غنى بعدي لأنت، وإن أعز الناس علي فقرا بعدي لأنت، وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا من مالي، ووددت لو أنك جذذته، وحزته وإنما هو اليوم مال الوارث"١.
قال الشافعي ﵁ في الأم: بلغنا عن أبي بكر ﵁ أنه نحل عائشة أم المؤمنين جذاذ عشرين وسقا من نخل له بالعالية، فلما حضره الموت قال لعائشة: إنك لم تكوني قبضتيه، وإنما هو مال الوارث، فصار بين الورثة؛ لأنها لم تكن قبضته.
ويشترط في صحة الهبة أن يكون القبض بإذن الواهب؛ لأن الواهب بالخيار قبل القبض إن شاء أقبضها وأمضاها، وإن شاء رجع فيها ومنعها، فإن قبضها الموهوب له قبل إذنه لم تتم الهبة، ولم يصح القبض؛ ولأن
стр. 252
التسليم غير مستحق على الواهب، فلا يصح التسليم إلا بإذنه.
ويتفرع على ذلك أنه لو أذن الواهب في القبض، ثم رجع من الإذن أو رجع في الهبة صح رجوعه؛ لأن ذلك ليس بقبض، وإن رجع بعد القبض لم ينفع رجوعه؛ لأن الهبة قد تمت.
حكم الهبة بعد موت أحد المتعاقدين:
إذا مات الواهب أو الموهوب له قبل القبض، فإن قلنا بأنه عقد يؤول إلى اللزوم لم يبطل بموت أحد المتعاقدين، بل يقوم ورثته مقامه في القبض أو الفسخ، وإن قلنا بأنه من العقود الجائزة، فإنه يبطل بموت أحد المتعاقدين كالوكالة والشركة، وهو قول الإمام أحمد حيث قال في رواية أبي طالب، وأبي الحارث في رجل أهدى هدية، فلم تصل إليه حتى مات، فإنها تعود إلى صاحبها ما لم يقبضها.
ودليل على ما روي بإسناده عن أم كلثوم بنت سلمة قالت: "لما تزوج رسول الله ﷺ قال لها: "إني قد أهديت إلى النجاشي حلة، وأواقي مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودة علي، فإن ردت فهي لك قالت: فكان ما قال رسول الله ﷺ ، وردت عليه هديته، فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية من مسك، وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلة" ١.
والقول بانفساخ الهبة بالموت ضعيف، ووجه ضعفه أن المدار ليس على القبول بل على الأيلولة واللزوم، وهو جار في الهدية والصدقة، وأيضا يجري الخلاف في الجنون والإغماء، ولولي المجنون قبضها قبل الإفاقة.
وفرق الحنابلة بين المكيل والموزون وغيرهما، فقالوا: لا يصح التمليك في المكيل والموزون بغير قبض أما في غيرهما، فيصح
стр. 253
لما روي عن علي وابن مسعود ﵄ أنهما قالا: "الهبة جائزة إذا كانت معلومة قبضت أو لم تقبض".
وقال بعض الأصحاب: إنما يستغنى عن القبض إذا تحقق الإيجاب والقبول، واستقر العقد بينهما؛ ولأنه عقد تمليك فافتقر إلى الإيجاب والقبول كالنكاح.
ويتفرع على هذا القول: أنه إذا حدث نماء في الهبة قبل القبض، فهو للموهوب له، والمنصوص أن النماء لا يكون للموهوب له إلا بعد القبض.
حكم الرجوع في الهبة:
الرجوع في الهبة بعد القبض حرام إلا هبة الوالد لولده، وكذا سائر الأصول على المشهور، وهذا يشمل الهدية والصدقة على الراجح، ولا يتعين الفور بل له ذلك متى شاء.
والدليل على هذا ما رواه ابن عباس، وطاووس مرفوعا أن النبي ﷺ قال: "لا يحل للرجل أن يعطي العطية، فيرجع فيها إلا الولد فيما يعطي ولده، ومثل الرجل يعطي العطية، ثم يرجع فيها كمثل الكلب يرجع في قيئه" ١، هذا مبالغة في الزجر، فيدل على التحريم.
ومما لا رجوع فيه مطلقا الصدقة يراد بها ثواب الآخرة، قال ابن حجر: اتفقوا على أنه لا يجوز الرجوع في الصدقة بعد القبض.
وإنما جاز للوالد الرجوع في هبته لوالده لانتفاء التهمة فيه، فإن ما طبع عليه الوالد من إيثاره لولده على نفسه يقضي بأنه إنما يرجع لحاجة، أو مصلحة.
стр. 254
ولكن لا يرجع من غير عذر، فإن رجع من غير عذر كره له الرجوع، وإن كان بعذر لم يكره كأن يكون الولد عاقا، أو يصرفه في معصية.
وذهب الأوزاعي إلى عدم كراهته إن احتاج الأب لنفقة أو دين، بل ندبه حيث كان الولد غير محتاج.
ووجوبه في العاصي إن غلب على الظن تعينه طريقا إلى كله عن المعصية، ويمتنع الرجوع في صدقة واجبة كنذر وزكاة، وكفارة وكذا في لحم أضحية تطوع؛ لأنه إنما يرجع ليستقل بالتصرف، وهو ممتنع هنا.
وكذا له الرجوع لسائر الأصول، وإن علوا على المشهور.
وإنما يملك الوالد الرجوع إذا كانت الهبة باقية في ملك الابن، فإن خرجت عن ملكه لم يكن له الرجوع فيها؛ لأنه إبطال لغير ملك الابن، فإن عادت إليه بسبب جديد كبيع، أو هبة أو إرث، أو وصية لم يملك الرجوع أيضا؛ لأن ملكها لم يستفده من جهة أبيه، أما إن عادت بفسخ أو إقالة فله الرجوع على أحد الوجهين.
ويتفرع على ذلك أنه إذا تداعى رجلان نسب مولود، ووهب له كل منهما مالا، فليس لواحد منهما أن يرجع في هبته؛ لأن نسبه لم يثبت لواحد منها.
أما إذا لحق بأحدهما، ففيه وجهان.
أحدهما: يجوز الرجوع في الهبة لثبوت البنوة.
الثاني: لا يجوز؛ لأنه لم يكن ثبت له الرجوع في حالة العقد.
هل الهبة تقتضي العوض أو لا تقتضيه؟
الهبة إما أن تكون لمن هو دونه في المنزلة الاجتماعية، أو تكون لمثله أو
стр. 255
لأعلى منه رتبة، فإن كانت لمن هو دونه لم يلزم الموهوب له أن يثيبه بعوض؛ لأن القصد من هبته الصلة والرحمة، فلم تجب المكافأة فيه بعوض كالصدقة.
وإن كانت الهبة لمن هو مثله لم يلزمه أن يثيبه أيضا؛ لأن القصد من هبته اكتساب المحبة، وتأكيد الصداقة.
وإن وهب لمن هو أعلى منه، ففيه قولان:
الأول ما قاله الشافعي في المذهب القديم: يلزمه أن يثيبه عليه بعوض؛ لأن العرف في هبة الأدنى للأعلى أن يلتمس به العوض، فيصير ذلك كالمشروط.
والثاني ما قاله الشافعي في المذهب الجديد: أنه لا يجب العوض؛ لأن الهبة تمليك بغير عوض، فلا يوجب المكافأة بعوض كهبة النظير للنظير.
فإن قلنا: لا يجب فشرط في الهبة ثوابا معلوما ففيه قولان:
أحدهما: يصح هذا الشرط ويلزم العوض؛ لأنه تمليك مال بمال فجاز كالبيع، فعلى هذا يكون كبيع بلفظ الهبة في الربا والخيار، وجميع أحكامه.
والثاني: أنه شرط باطل؛ لأنه عقد لا يقتضي العوض، فبطل شرط العوض كالرهن، فعلى هذا حكمه حكم البيع الفاسد في جميع أحكامه.
فإن شرط فيه ثوابا مجهولا، بطل قولا واحد لا؛ لأنه شرط العوض بل؛ لأنه شرط عوضا مجهولا.
وإن قلنا: إنه يجب العوض ففي مقدار هذا العوض ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يلزمه أن يعطيه إلى أن يرضى لما روى ابن عباس ﵄: أن أعرابيا وهب للنبي ﷺ هبة فأثابه عليها، وقال: "أرضيت؟ قال: لا.
стр. 256
فزاده، وقال: أرضيت؟ فقال: نعم رسول الله ﷺ لقد هممت أن لا أتهب إلا من قرشي، أو أنصاري أو ثقفي" ١.
والثاني: يلزمه قدر قيمته؛ لأنه عقد يوجب العوض، فإذا لم يكن مسمى، وجب عوض المثل كالنكاح.
والثالث: يلزمه ما جرت العادة في ثواب مثله؛ لأن العوض وجب بالعرف، فوجب مقداره في العرف، فإن قلنا: إنه يجب العوض فلم يعطه ثبت له الرجوع، فإن تلفت العين رجع بقيمتها؛ لأن كل عين ثبت له الرجوع بها إذا تلفت، وجب الرجوع إلى بدلها كالبيع.
ومن الأصحاب من قال: لا يثبت له الرجوع إذا تلفت العين؛ لأن حق الواهب في العين، وقد فاتت.
الثواب على الهدية:
أما الهدية فقد ثبت أن رسول الله ﷺ أنه كان يقبلها، ويثيب عليها، فقد روى أحمد، والبخاري وأبو داود والترمذي من حيث عائشة ﵄ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها"، أي يعطي المهدي بدلها، والمراد بالثواب المجازاة، وأقله ما يساوي قيمة الهدية:
ووجه الدلالة أن الرسول ﷺ أعطى بدل الهدية، وواظب على ذلك.
وهذا دليل على وجوب المكافأة على الهدية إذا أطلق المهدي، وكانت ممن مثله يطلب الثواب كالفقير للغني بخلاف ما يهب الأعلى للأدنى.
وأيضا: فإن مما يدل على وجوب رد الهدية أن الذي أهدى يقصد أن يأخذ أكثر مما أهدى، فلا أقل من أن يعوض بنظير هديته، وهذا ما قاله
стр. 257
الشافعي في القديم.
ويجاب بأن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب، ولو وقعت المواهبة كما تقرر في الأصول.
وذهب الشافعي في الجديد إلى القول بأن الهدية للثواب باطلة؛ لأنها بيع مجهول لما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة، قال: "أهدى رجل من فزارة إلى النبي ﷺ ناقة من إبله، فعوضه منها بعض العوض فتسخطه، فسمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: إن رجالا من العرب يهدي أحدهم الهدية، فأعوضه عنها بقدر ما عندي، فيظل يسخط علي".
ويحكى أن بعض أهل العلم والفضل كان يمتنع من قبول الهدية من أحد أصلا لا من صديق، ولا من قريب ولا غيرهما، وذلك لفساد النيات في هذا الزمان.
وخلاصة القول أن الهبة إذا كانت مقيدة بنفس الثواب، فلا رجوع فيها، ومتى وهب مطلقا، فلا ثواب إن وهب لدونه، وكذا لأعلى منه في الأظهر كما لو أعاره داره إلحاقا للأعيان بالمنافع؛ ولأن العادة ليس لها قوة الشرط في المعاوضات.
والثاني: يجب الثواب إذا وهب مطلقا لإطراد العادة بذلك، وكذلك لا ثواب له، وإن نواه إن وهب لنظير على المذهب؛ لأن القصد من مثله الصلة، وتأكيد الصداقة، ومثل ذلك الهدية والصدقة، وإن اختار الأذرعي دليلا؛ لأن العادة متى اقتضت الثواب وجب الثواب، أو وجب رد الهدية.
والأوجه كما بحثه الأذرعي أيضا أن التردد إذا لم يظهر حالة الإهداء قرينة حالية، أو لفظية دالة على طلب الثواب، وإلا وجب هو أو الرد لا محالة.
стр. 258
بعض التفريعات:
١- لو قال شخص لآخر: وهبتك ببدل، فقال: بل بلا بدل، صدق المتهب بيمينه؛ لأن الأصل عدم البدل، ولو أهدى له شيئا على أن يقضي له حاجة، فلم يفعل لزمه رده إن بقي وإلا فبدله.
٢- ولو وهب له بشرط أن يدفع عوضا معلوما بأن قال: وهبتك هذا على أن تثيبني كذا فقبل، فالأظهر صحة العقد نظرا للمعنى إذ هو معاوضة مال معلوم بمال معلوم، فصح كما لو قال: بعتك.
والثاني: بطلانه نظرًا إلى اللفظ لتناقضه، فإن لفظ الهبة يقتضي التبرع، ومن ثم يكون بيعا على الصحيح، فيجري فيه عقب العقد أحكامه كالخيار والشفعة وعدم توقف الملك على القبض، وقيل: يكون هبة نظرا للفظ، فلا تلزم قبل القبض، أو بشرط ثواب مجهول، فالمذهب بطلانه لتعذر صحته بيعًا لجهالة العوض، وتعذر صحته هبة لذكر الثواب على الأصح؛ لأنها لا تقتضيه.
٣- ولو وهب شيئا في ظرف، فإن لم تجر العادة برده، فهو هدية أو هبة تحكيما للعرف المطرد، وذلك كقوصرة تمر وهي الوعاء الذي يكنز فيه من نحو خوص، ولا يسمى بذلك إلا وهو فيه، وإلا فزنبيل، وكعلبة حلوى.
وكتاب الرسالة يملكه المكتوب إليه إن لم تدل قرينة على عوده، وهذا ما قاله المتولي، وهو أوجه من قول غيره إنه باق على ملك الكاتب، ويملك المكتوب له الانتفاع به على وجه الإباحة.
فإذا اعتيد رده أو اضطربت العادة، فلا يكون هدية بل أمانة في يده كالوديعة، ويحرم استعماله؛ لأنه انتفاع بملك غيره بغير إذنه إلا في أكل
стр. 259
الهدية منه إن اقتضته العادة عملا بها، ويكون عارية حينئذ، ويسن رد الوعاء وهذا في المأكول.
أما غيره فيختلف رد ظرفه باختلاف عادة النواحي، فيتجه في كل ناحية بعرفهم، وفي كل قوم عرفهم باختلاف طبقاتهم.
٤- ولو ختن ولده، وحملت له هدايا ملكها الأب، وقضية ذلك أن ما جرت به عادة بعض أهل البلاد من وضع صينية بين يدي صاحب الفرح ليضع الناس فيها دراهم، فيرد ذلك تبعا للعرف الجاري.
وكان من عادة أهل الأسكندرية أن يكتب الناس قائمة بأسماء الواهبين، ومقدار ما دفعوه في الصينية، وهم حريصون على رد ما يأخذونه في أفراح من أعطوهم، وربما زاد بعضهم على ما أخذ.
وفي القاهرة تفشو هذه العادة إلا أن الحرص على الرد أقل من الأسكندرية.
قال الرملي: ثم ما يعطيه الناس للمزين في الأفراح، والمناسبات يجري في ذلك التفصيل، فإن قصد المزين وحده أو مع نظرائه المعاونين له عمل بالقصد، وإن أطلق كان ملكا لصاحب الفرح يعطيه لما يشاء؛ لأنه مع الإطلاق ينصرف في الغالب إليه، فيكون هو المقصود، وهذا هو عرف الشرع، فيقدم على العرف المخالف له بخلاف ما لا عرف للشرع فيه، فيحكم بالعادة فيه.
العمري والرقبي.
العمري بضم العين وسكون الميم في القصر، قال في الفتح: وحكي بضم الميم مع ضم أوله، وحكي فتح أوله مع السكون، وهي مأخوذة من العمر، وهو الحياة.
стр. 260
سميت بذلك؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يعطي الرجل الدار، ويقول له: أعمرتك إياها أي أبحتها لك مدة عمرك وحياتك، فقيل لها: عمري لذلك.
والرقبي بوزنها مأخوذة من المراقبة؛ لأن كلا منها يرقب الآخر متى يموت لترجع إليه، وكذا ورثته يقومون مقامه، وهذا أصلها في اللغة.
والعمري هو أن يقول: أعمرتك هذه الدار حياتك، أو جعلتها لك عمرك، وفيها ثلاث أحوال.
الأول: أن يقول: أعمرتك هذا الدار ويطلق، فهذا تصريح بأنها للموهوب له.
وحكم هذه الدار حكم المؤبدة لا ترجع إلى الواهب؛ لأن المطلقة حكمها حكم المؤبدة، وهذا أحد قولي الشافعي ﵁، وهو موافق لرأي الجمهور.
والقول الثاني: أنها تكون عارية ترجع بعد الموت إلى المالك لما روي عن سفيان عن ابن جريج، عن عطاء عن جابر مرفوعا: "لا تعمروا ولا ترقبوا، فمن أعمر شيئا أو أرقبه، فهو سبيل الميراث" ١. وفي رواية أحمد والنسائي عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ : "لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر شيئا، أو أرقبة فهو له حياته ... " ٢.
الحال الثاني: أن يقول: هي لك ما عشت، فإذا مت رجعت إلي، فهذه عارية مؤقتة ترجع إلى المعير عند موت المعمر، وبه قال أكثر العلماء، ورجحه جماعة من الأصحاب.
والأصح عند أكثرهم لا ترجع إلا الواهب؛ لأن هذا الشرط يعتبر شرطا فاسدا، فيلغو.
стр. 261
واحتجوا بحديث جابر، فإن النبي ﷺ حكم على الأنصاري الذي أعطى أمه الحديقة حياتها أن لا ترجع إليه، بل تكون لورثتها. ونصه:
"إن رجلا من الأنصار أعطى أمه حديقة من نخيل حياتها، فماتت فجاء إخوته فقالوا: نحن فيه شرع سواء، قال: فأبى، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقسمها بينهم ميراثًا" رواه أحمد.
الحال الثالث: أن يقول: هي لك ولعقبك من بعدك، أو يأتي بلفظ يشعر بالتأبيد، فهذه حكمها حكم الهبة، وروي عن مالك أنه يكون حكمها حكم الوقف إذا انقرض المعمر، وعقبه رجعت إلى الواهب، والأحاديث القاضية بأنها ملك الموهوب ولعقبة ترد عليه.
والخلاصة أنه إذا شرط في العمري أنها للمعمر وعقبه، فهذا تأكيد لحكمها، وتكون للمعمر وورثته، وهذا قول جميع القائلين بها، إذا أطلقها فهي للمعمر ورثته أيضا؛ لأنها تمليك للرقبة، فأشبهت الهبة، فإن شرط أن تكون له بعد موته، فقال الشافعي في القديم: يصح العقد والشرط، ومتى مات المعمر رجعت إلى المعمر، وقال في الجديد: بأنها تكون للمعمر.
إذا ثبت هذا فإن العمري تصح في العقار وغيره من الحيوانات، والثياب؛ لأنها نوع من هبة، فصحت في ذلك كسائر الهبات.
ومن ثم إذا قال: سكنى هذا الدار لك عمرك، أو اسكنها عمرك أو نحو ذلك، فليس ذلك بعقد لازم؛ لأنها في التحقيق هبة المنافع، والمنافع إنما تستوفي بمضي الزمان شيئا فشيئا، فلا تلزم إلا في قدر ما قبضه منها واستوفاه بالسكنى، وللمسكن الرجوع متى شاء، وأنه إذا مات بطلت، والله أعلم.
стр. 262
خاتمة.
وبعد، فلا يسعنا إلا أن نقدم الشكر لله جزيلا، والثناء جليلا على ما أفاض به علينا ويسره لنا في إنجاز هذا العمل الذي نرجو أن يكون خالصا لوجهه الكريم، فله الحمد والمنة، والفضل العظيم.
هذا ولقد بسطنا القول في فقه المعاملات في البيع والربا، والقراض واللقطة وإحياء الموات، والجعالةوالهبة، وحاولنا قدر المستطاع بيان أهم أحكامها مقرونة بأدلتها من الكتاب والسنة، والإجماع لتكون مورد عذبللشاربين، ومن يريد أن ينفقه في الدين..
وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 263
الفهارس
...
الفهرس:
الصفحة الموضوع
٥ مدخل لدراسة الفقه على مذهب الإمام الشافعي
٨ الفصل الأول: في البيع
١١ أركان البيع
١٢ الركن الأول
١٤ الصريح والكناية
١٥ شروط الصيغة
١٨ انعقاد البيع بالمعاطاة
١٩ حكم المأخوذ بالمعاطاة
٢١ الركن الثاني: العاقد
٢١ شروط العاقد
٢٢ الشرط الثاني
٢٣ الشرط الثالث
٢٥ استخدام الكافر للمسلم
٢٦ آراء الفقهاء في بيع المصاحف
٢٧ الشرط الرابع: عصمة المشتري إذا كان المبيع سلاحا
٢٨ شروط العقود عليه
٣٨ بيع الغائب
٤٠ وقت الرؤية
٤١ رؤية البعض ورؤية الكل
٤٣ النهي الذي يفسد البيع
٤٥ حبل الحبلة:
٤٦ ومما نهى عنه بيع الملاقيح والمضامين
٤٦ النهي عن بيع الملامسة والمنابذة
٤٧ النهي عن بيع الحصار
٤٨ ولا يصح بيع العربون
٤٩ النهي عن بيعتين في بيعة:
стр. 264
الفهرس
الصفحة الموضوع
٥٦ النهي الذي لا يفسد البيع
٥٨ السوم على سوم غيره
٦٢ حكم البيع
٦٣ تفريق الصفقة
٦٧ حكم بيع الأدخنة
٦٨ حكم بيع آلات اللهو
٦٩ الفصل الثاني: الربا: تعريفه وأقسامه
٧١ حكم ربا الفضل
٧٣ حكمه تحريم ربا الفضل
٧٤ حكم رب النسيئة
٧٥ شبهات مردودة
٧٧ الفرق بين الربا والبيع
٧٨ المبحث الأول: الأشياء التي يكون فيها محرما
٨١ المبحث الثاني: بيع الحبوب بأجناسها وبغير أجناسها
٨٣ بيع الدقيق بدقيق مثله:
٨٣ المبحث الثالث: بيع الفاكهة بجنسها وما يتعلق به
٨٥ حكم بيع العجوة
٨٥ المبحث الرابع: بيع اللحم بجنسه وما يتعلق به
٨٧ المبحث الخامس: بيع المائعات بأجناسها وبيعها بما تخرد عنه
٨٨ اعتراض وجوابه
٨٩ المبحث السادس: الصرف
٩٠ الفصل الثالث: في القراض وما يتعلق به من أحكام
٩١ حكم القراض
٩٢ أركان عقد القراض
٩٥ حكم تصرف العامل الثاني
١٠٢ حكم اختلاف العاقدين
стр. 265
الفهرس
الصفحة الموضوع
١٠٧ الفصل الرابع: اللقطة والأحكام المتعلقة بها
١٣٩ المبحث الثاني: اللقيط وأحكامه
١٣٩ حكم التقاط المنبوذ
١٥٥ الفصل الخامس: أحكام الجعالة
١٥٥ حكم الجعالة
١٦٧ الفصل السادس: إحياء الموات
٢٠٨ الفصل السابع: الوقف وما يتعلق به من أحكام
٢٢٩ أحكام الوقف اللفظية
٢٣١ الصفة والاستثناء في الوقف
٢٣٢ أحكام الوقف المعنوية
٢٣٥ النظر على الوقف وشروط الناظر ووظيفته
٢٤٠ الفصل الثامن: الهبة وأحكامها
٢٦٣ خاتمة