← Фикх общий

Фикх общий · id 7377

فقه المعاملات

عبد العزيز محمد عزام

Полный текст (265 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمات: مقدمة المؤلف: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونتوب إليه ونستغره ونسأله الهداية والتوفيق، نصلي ونسلم على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذه لمحات من فقه المعاملات، تناولنا فيها هذه الأحام بأسلوب سهل، وعبارة واضحة منتقاه، وترتيب دقيق حتى يسهل علي كل مطلع أن يعرف هذه الأحكام بسهولة ويسر، ويقف على دقة هذا الفقه، ومدى سعته، وشموله وتنظيمه لعلاقة الفرد بخالقه، وعلاقته بالمجتمع الإنساني بأسره.. ولا غرو فإن الفقه الإسلامي يشتمل على الكثير من النظم، والنظريات الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية مما لا نجده في أي تشريع أخر. وسوف نقتصر في بيان هذه الأحكام على مذهب الإمام الشافعي ﵁، مع الإشارة إلى المذاهب الأخرى في المسائل الخلافية تتميما للفائدة، وحتى يجد فيها القارئ الكريم بغيته وغايته. والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم. إنه نعم المولى ونعم النصير. المؤلف.

стр. 2

مقدمة الكتاب: مدخل لدراسة الفقه على مذهب الإمام الشافعي: كثيرا ما يقع خلاف بين الأئمة فقهاء المذهب بل وفقهاء المذهب الواحد، إذ تختلف آراؤهم في المسألة الواحد تبعا لقوة الدليل الذي يؤيد هذا الرأي، أو ذاك.. وهذا أمر واضح يدركه كل من يتصدى لدراسة الفقه، أو يحاول أن يعالج بعض قضاياه من ينابيعها الأولى، ولهذا الاختلاف أسباب كثيرة من أبرزها، وأهمها تفاوت الفقهاء في فهم النصوص التي تستنبط منها الأحكام، أو أن بعضهم كان يفتي بحكم، ولا يعلم النص الذي يعارض ما ذهب إليه في حين أن غيره قد أخذ بهذا النص -وأفتى بمقتضاه، ومن هنا جاء الاختلاف. ولذلك رأينا بعض الأئمة المجتهدين كالإمام الشافعي، حين قدم من العراق إلى مصر قد رجع عن كثير من آرائه التي دونها في العراق، وما ذلك إلا؛ لأنه قد ظهر له من الأدلة: ما كان خافيا عليه. وإذا كان الخلاف يطول، ويترد في معظم مسائل الفقه وفروعه، فلا بد لدراس الفقه "في المذاهب عامة، وفي دراسة مذهبه بصفة خاصة" أن يعرف أوجه الخلاف ومراتبها، واتجاهاتها وذلك بفهم المصطلحات الفقهية، فإن معرفتها أمر له وجاهته، وأهميته في معرفة توجيه الخلاف، ونسبة الآراء إلى أصحابها، وبذلك تتضح السبل، وتتحدد المعالم، ويسير الدارس في دراسته على بصيرة من أمره، فلا يجهد ولا يتعب ولا يضل، ولا يشقى، والإمام النووي في كتابه المنهاج، وهو يحكي الخلاف في المذهب يعبر عنها تارة بالأظهر أو المشهور، وتارة أخرى بالأصح أو الصحيح، وطورا بالمذهب أو النص، وأزيد المسألة وضوحا فأقول:

стр. 3

إن الخلاف في المذهب إما أن يكون في الأقوال، أو الأوجه، أو الطريق وهو إما أن يكون قويا أو ضعيفا، وقوة الخلاف تتبع قوة الدليل، وضعف الخلاف ناتج عن ضعف الدليل أيضًا. فالأقوال للإمام الشافعي والأوجه والطرق للأصحاب، وهم تلاميذ الإمام الذين أخذوا عنه قواعد المذهب، وتعمقوا في فهمه، وأصبحت لهم اجتهادات، يتفقون فيها مع إمامهم، وقد يختلفون. فإن كان الخلاف في الأقوال قويا عبر عنه بالأظهر، وهنا يوحي بأن المسألة فيها رأيان: أظهر وظاهر، والأظهر أقوى من الظاهر، فإن ضعف الخلاف عبر عنه بالمشهور، ويقابله رأي غريب لغرابة الدليل الذي يؤيده. وأما الأوجه: فهي مسائل استنبطها الأصحاب من كلام الإمام أي أنها أقوال مخرجة للأصحاب، فهي أشبه بمسائل قياسية، وأما الطرق: فهي عبارة عن اختلاف الأصحاب في نقل آراء المذهب التي خلفها المتقدمون، وذلك بأن يحكي أحدهم في المسألة: قولين أو وجهين، أو أكثر فيقطع أخر بواحد، فالاختلاف في الطرق إنما هو في حكاية الآراء. فإن كان الخلاف في الأوجه عبر عنه بالأصح أو الصحيح، والأصح أقوى من الصحيح، وإن كان طرقا عبر عنه بالمذهب، ومعناه الرأي الراجح في الأوجه، أو الأقوال المحكية عن الخلاف. وقد اختار المصنف التعبير بالأظهر، أو المشهور في جانب الإمام دون الأصح، أو الصحيح تأدبا مع الإمام، وذلك؛ لأن التعبير بالأصح أو الصحيح مشعر بفساد ما يقابله، وليس من الأدب أن توصف أقوال الإمام بالفساد، فالمسألة: مجرد إصلاح لا فرق بينهما من حيث المعنى.

стр. 4

وأما النص فهو نص الشافعي، والمراد به الرأي الراجح عنده، ويقابله وجه ضعيف أو قول مخرج من نص له نظير المسألة لا يعمل به، وإذا قال: وقيل كذا فهو وجه ضعيف والأصح أو الصحيح خلافه، وإن قال: وفي قول كذا فالراجح خلافه، وإذا أطلق لفظ الإمام فالمراد به الإمام النووي، وإذا قال: في الجديد فالقديم بخلافه، أو قال في القديم فالجديد بخلافه، والمذهب المعمول به إلا أن ينص في مسألة: فيعمل بها في المذهب القديم، وذلك كامتداد مغيب الشفق الأحمر. والمشور من رواة المذهب القديم أربعة: الكرابيس، والزعفراني، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل، ﵃. والمشهور منهم بمصر: المزني، والبويطي، والربيع المرادي، والربيع الجيزي.

стр. 5

في البيع مدخل ... الفصل الأول: في البيع. تعريفه: البيع لغة: نقل الملك في العين بعقد المعاوضة، يقال: باع الشيء إذا أخرجه من ملكه، وباعه إذا اشتراه وأدخله في ملكه، وهو من أسماء الأضداد التي تطلق على الشيء، ونقيضه كالقرء، فإنه يطلق على الحيض وعلى الطهر، وكذا شرى إذا أخذ وشرى إذا باع. قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي باعوه، وذلك؛ لأن كل واحد من المتبايعين يأخذ عوضا، ويعطي عوضا، فهو بائع لما أعطى ومشتر لما أخذ، فصلح الأسمان لهما جميعا١، قال ابن قتيبة وغيره: يقال: بعت الشيء بمعنى بعته وشريته، والشيء مبيع ومبيوع مثل مخيط ومخيوط. ويقال للبائع والمشتري بيعان -بتشديد الياء، وأباع الشيء عرضه للبيع والابتياع: الاشتراء٢. وأما معناه شرعا، فيعرف بتعريفات متعددة، من أحسنها ما ذكره الشيخ قليوبي في حاشيته بأنه عقد معاوضة مالية تفيد ملك عين، أو منفعة على التأبيد لا على وجه القربة، فخرج بالمعاوضة الهبة، ونحوها إذ لا معاوضة فيها، وبالمالية، عقد النكاح؛ لأنه وإن كان فيه معاوضة إلا أنها ليس معاوضة مالية، وإنما هي حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر، وخرج بملك العين،

стр. 6

ومنفعته على التأبيد الإجارة؛ لأن الملك في الإجارة ينصب على المنفعة دون العين، فالمستأجر لعين من الأعيان كالسيارة، أو المنزل مثلا لا يملك تملك عينها، وإنما الانتفاع بالعين في مقابلة دفع الأجرة، كما أن المنفعة في الإجارة مؤقتة؛ لأن من شروطها التأقيت، والمراد بالمنفعة المؤبدة في التعريف: بيع حق الممر للماء إذا كان الماء لا يصل إلى محله إلا بواسطة ملك غيره١، وخرج بقوله: لا على وجه القربة: الوقف. فإنه تمليك منفعة مباحة على التأبيد للموقوف عليه، ولكن على وجه القربة. وقد يعرف البيع بأنه تمليك عين مالية، أو منفعة على التأبيد بثمن مالي، وهذا التعريف للبيع الذي هو قسيم الشراء، وقسيم الشيء ما كان مباينا له، واندرج معه تحت أصل كلي، فيكون العقد مكونا من شقين أحدهما البيع الذي يسمى من يأتي به بائعا، ويعرف بأنه تمليك بعوض على وجه مخصوص، ويقابله الشراء الذي هو الشق الآخر الذي يسمى من يأتي به مشتريا، ويعرف بأنه تملك بعوض كذلك، والتعبير بالتمليك والتملك بالنظر للمعنى الشرعي، فإن الربا لا يقبل التمليك والتملك؛ لأنه محظور التعامل فيه شرعا، والتمليك دخول الملك في يد المشتري، وهو لا يحصل بمجرد الإيجاب من البائع بل بقبول المشتري، فلعل المراد بالتمليك ما يحصل به النقل من جانب البائع، وأما قول بعضهم البيع مقابلة مال بمال على وجه مخصوص، ففيه مسامحة تجعل البيع هو المقابلة إذ العقد ليس هو المقابلة، لكنه مستلزمها إلا أن يقال: عقد ذو مقابلة أي يستلزم المقابلة. ولذلك عبر بعضهم عنه بقوله، وشرعا عقد يتضمن مقابلة مال بمال على وجه مخصوص.

стр. 7

وقد يجاب عن هذا الاعتاراض بأنه عقد ذو مقابلة، فهو على حذف مضاف. وقد يطلق العقد على الانعقاد، أو الملك الناشيء عن العقد، كما في قوله فسخت البيع: إذا العقد الواقع لا يمكن فسخه، وإنما المراد فسخ ما ترتب عليه، ويستفاد من كلام الشارح أن للبيع إطلاقات ثلاثة، فهو يطلق على التمليك ويطلق على العقد، وعلى مطلق مقابلة شيء بشيء، وأخيرًا يطلق على الشراء الذي هو التملك. دليل المشروعية: وقد شرع البيع بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة. أما من الكتاب والسنة، فقوله تعالى: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ١، فالربا حرام، والبيع حلال وليس كل بيع حلال، كما يتوهم من عموم هذه الآية. فإن الألف واللام فيها للجنس لا للعهد، إذ لم يتقدم بيع مذكور يرجع إليه، وإذا ثبت أن البيع عام، فهو مخصوص بما ذكرناه من الربا، وغير ذلك مما نهى عنه ومنع العقد عليه، كالخمر والميتة وغير ذلك مما هو ثابت في السنة، وإجماع الأمة النهي عنه٢. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ٣، فقد حرم الله أكل أموال الناس بالباطل أي بغير

стр. 8

عوض، ولا هبة فذلك باطل بإجماع الأمة، ويدخل ضمن ذلك سائر العقود الفاسدة التي لا تجوز شرعا من ربا أو جهالة، أو تقدير عوض فاسد كالخمر والخنزير، وغير ذلك فإن كانت الأموال أموال تجارة فذلك جائز، فالاستثناء في الآية منقطع؛ لأن أموال التجارة ليست من جنس الباطل، وقيل: الاستثناء بمعنى لكن أي ولكن كلوا بالتجارة، والتجارة هي البيع والشراء. وأما السنة، فقد روى عنه ﷺ قوله: "إنما البيع عن تراض" وخبر سئل رسول الله ﷺ : أي أنواع الكسب أطيب. قال: "عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور". والمبيع المبرور، هو الذي لا غش فيه ولا خيانة، والغش تدليس يرجع إلى ذات المبيع، والتدليس كتمان عيب السلعة عن المشتري. أما الخيانة: فأعم من ذلك؛ لأنها تدليس في ذات المبيع، أو في صفته، أو في أمر خارج، كأن يصفه بصفات غير صحيحة، أو يذكر له ثمنا كاذبًا١.

стр. 9

أركان البيع مدخل ... أركان البيع: والأركان مع ركن، وركن الشيء جانبه الأقوى، والأركان هي الأمور التي لا بد منها لوجود العقد في الخارج. وهي ثلاثة: العاقدان والمعقود عليه والصيغة. ولذلك قيل: إن تسمية العاقد ركنا ليست على سبيل الحقيقة، بل هو أمر اصطلاحي؛ لأنه ليس جزءا من ماهية البيع التي توجد في الخارج؛ لأن العقد إنما يتحقق في الخارج بأمرين: الأول الصيغة التي هي الإيجاب والقبول. والثاني: اللفظ الدال على العقود عليه، فالكاف في قول البائع بعتك تدل على المعقود عليه، فيكون ركنا حقيقيا. والحقيقة أنه لا فرق بين العاقد والمعقود عليه، فإن تاء المتكلم في بعت تدل على البائع، كما أن الكاف تدل على المشتري، وإذا فلا فرق بينهما على الإطلاق. وقد عبر المصنف عن هذه الأركان بقوله: وشرط البيع الإيجاب كبعتك وملكتك، والقبول كاشتريت، وتملكت وقبلت، وتعبيره عنها بالشرط هنا خلاف تعبيره في شرح المهذب عن الثلاثة بالأركان، ولعل مراده بالشرط ما لا بد منه، ليوافق ما في شرح المهذب من جعلها ركنًا١. وقد بدأ بالصيغة؛ لأنها الركن الأهم. قال العلامة النووي: والمحلي؛ لأن العاقد، والمعقود عليه لا يتحققان بهذه الصفة أي بصفة كون أحدهما عاقدا، والثاني معقودا عليه، إلا بالصيغة، أما ذاتهما فهي ولاشك متقدمة في الوجود على ذلك؛ لأن ذات العاقدان والمعقود عليه سابقة في الوجود على الصيغة.

стр. 10

الركن الأول مدخل ... الركن الأول الصيغة: والصيغة هي الإيجاب القبول، والإيجاب كما عرفت فيما سبق مأخوذ من أوجب بمعنى أوقع، ويكون من البائع الذي منه التمليك، والقبول وهو ممن يصير له الملك، فإذا قال البائع، بعتك هذا الكتاب بكذا فهذا هو الإيجاب، وإذا قال الطرف الآخر قبلت فهو القبول، وإذا قال المشتري بعني هذا الكتاب بكذا، فقال البائع: بعتك، فالأول القبول، والثاني والإيجاب، فالبائع في عقد البيع هو الموجب دائمًا، والمشتري هو القابل تقدم لفظه أو تأخر١. فروع: ١- يجوز أن يتقدم لفظ المشتري على لفظ البائع، كما لو قال: بعني هذا العقار بكذا، فإذا كان بلفظ قبلت، فلا يصح؛ لأنه يستدعي شيئا قبله، فلم ينتظم الابتداء به، وبهذا صرح الإمام والأوجه الصحة في لفظ قبلت، كما جزم به الشيخان في النكاح٢ والبيع مثله، وهذا ناظر إلى المعنى والأول ناظر إلى اللفظ. ٢- ولو قال: بعني، فقال: بعتك، انعقد البيع في الأظهر، لدلالة بعني على الرضا، والثاني: لا ينعقد، لاحتمال أن يكون لفظ بعني مرادًا به استبانة الرغبة. والمذهب في النكاح القطع بالصحة، والفرق أن النكاح غالبًا يسبقه خطبة، فيتخلف فيه توجيه مقابل الأظهر٣. وأشار المصنف بكاف الخطاب في صيغ الإيجاب إلى اعتبار الخطاب فيه، وإسناده لجملة المخاطب، فلا يكفي إسناده إلى بعضه، ولو كان لا يبقى بدونه حتى، ولو أراد التعبير بالجزء عن الجملة مجازًا، بأن قال مثلا: بعت يدك وهذا ما ذهب إليه الأسنوي. أما لو قال: بعت نفسك وأراد الذات صح. والمعتمد أنه يصح إضافته للجزء، إذا أراد به الكل، ولو كان يعيش بدونه٤

стр. 11

فلو قال: بعت يدك، وأراد بها كله صح البيع، وكذلك إذا قال: بعت عينك وما شاكل ذلك. فلا بد إذن من أن يسند البيع إلى المخاطب، ولو كان نائبا عن غيره، وهو كذلك، فإن لم يسنده أو أسنده إلى موكله، فإنه لا يصح، ومثال ذلك ما إذا قال المشتري للبائع: بعت هذا بعشرة جنيهات مثلا، فيقول البائع: بعت أو قال: بعت موكلك، فقبل فالعقد غير صحيح بخلاف النكاح فإنه يصح، بل لا يصح النكاح إلا به، كما هو مبسوط في الوكالة. ويستثنى من اعتبار الخطاب بيع متولى الطرفين، وكذا قوله: نعم في صورة ما إذا قال المشتري للبائع: بعني هذا الثوب بعشرة جنيهات، فقال البائع: نعم.

стр. 12

الصريح والكناية: وكما ينعقد البيع بصريح اللفظ كبعتك، وملكتك، واشتر مني ينعقد كذلك بالكناية في الأصح، ويكون لفظ البيع كناية إذا احتمل البيع وغيره، ومن ألفاظه جعلته لك بكذا، أو خذه بكذا أو بارك الله لك فيه ناويا البيع، فهذه الألفاظ كما تحتمل البيع تحتمل غيره، ومن ثم فلا ينعقد بها البيع إلا بالنية، ولو في جزء من الصيغة؛ لأنه لا يشترط اقترانها بكل اللفظ خلافا لمن قال بذلك. والثاني: أنه لا ينعقد بلفظ الكناية؛ لأن المخاطب لا يدري أخوطب ببيع أم بغيره، وهذا الرأي مردود عليه بأن ذكر العوض ظاهر في البيع، فوجوده قرينة عليه، وإذا توافرت القرائن الدالة على إرادة البيع، وجب القطع بصحته كما قال الإمام١. وما دام البيع بلفظ الكناية لا ينعقد إلا بالنية، فإنه لو شرط الموكل على الوكيل أن يبيع، ويشهد على البيع، فلا ينعقد جزما؛ لأن الشهود لا يطلعون علي النية. نعم إن توافرت القرائن على إرادة البيع قال الغزالي: الظاهر انعقاده، وأقره عليه في أصل الروضة، وصورة الشرط أن يقول: بع على أن تشهد، فلو قال: بع وأشهد لم يكن الإشهاد شرطًا، صرح بذلك المرعشي، واقتضاه كلام غيره٢. والأولى التعليل بالاحتياط؛ لأن ذكر العوض قرينة على النية، فيطلع عليها الشهود٣.

стр. 13

شروط الصيغة: ولكن ينتج الإيجاب والقبول أثرهما، ويكون للعقد وجود معتبر شرعًا، يجب أن يتوافر فيه الشروط الآتية: ١- أن يكون القبول على وفق الإيجاب بمعنى أني يكون مساويًا له من حيث النوع والصفة، والقدر والحلول، والتأجيل، فإن كان كذلك دل على توافق الإرادتين، وتلاقي الرغبتين، فإذا لم يوافق القبول، والإيجاب كأن ورد الإيجاب على شيء، والقبول على شيء آخر مثل أن يقول أحدهما: بعتك عقاري هذا بكذا، فيقول الآخر: اشتريت سيارتك بكذا، أو يرد الإيجاب على شيء مفيد بوصف، ويدر القبول على ذلك الشيء مقيدا بوصف آخر مثل أن يقول أحدهما: بعتك داري هذه بألف، فيقول الآخر اشتريتها بخمسائة، أو قال أوجبتك بألف مكسرة، فقبل بألف صحيحة لم يصح العقد، ومحل عدم الصحة ما لم تساو قيمة الصحاح المكسرة، أما إذا تساويا فإنه يصح، كذا قيل، لكن ذكر البرماوي عدم الجواز أيضا، وإن تساوت. وهذه الموافقة قد تكون موافقة حقيقية، وقد تكون ضمنية، فإذا قال: بعتك هذا العقار بألف جنية، فقال: قبلت بهذا، فتلك هي الموافقة الحقيقية، أما إذا قال: بعتك هذه السيارة بألف، فقال: قبلت بألفين، فالبيع في هذه الصورة ينعقد مع وجود هذه المخالفة الصورية؛ لأنها في الواقع موافقة، ذلك أن البائع إذا قبل بألف، فإن موافقته بألفين تكون من باب أولى.

стр. 14

٢- أن لا يتخللها كلام أجنبي عن العقد، والكلام الأجنبي هو ما ليس من مقتضيات العقد، كقبض ورد بعيب، ولا من مصالحه كشرط خيار، وإشهاد ورهن، ولا من مستحباته كخطبة، فلو قال المشتري بعد تقدم الإيجاب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، قبلت: صح. وهذا على رأي الرافعي، أما المصنف فقد صحح في باب النكاح عدم استحباب الخطبة بين الإيجاب والقبول، لكنه قال: إن ذلك غير مضر كما في النكاح. فإذا تكلم المشتري بكلام أجنبي عن العقد، ولو يسيرا وكان مقارنا لإيجاب البائع بطل العقد، والكلام اليسير يصدق بحرف واحد بشرط الإفهام، وذلك قياسا على الصلاة، ويؤخذ من هذا القياس أنه لا يضر تخلل

стр. 15

اليسير سهوًا أو جهلا إن عذر، والمراد بالعذر، أن يكون ممن يخفى عليه ذلك، وإن لم يكن قريب عهد بالإسلام، ولا نشأ بعيدا عن العلماء؛ لأن هذا من الدقائق التي تخفى١. ولو قارن الكلام الأجنبي صيغة المتأخر منهما، فالذي رجحه العلامة ابن قاسم أنه يضر أخذا من التعليل بالإعراض، ويؤخذ منه البطلان بمقارنة صيغة المتقدم أيضا، واغتفر الكلام اليسير العمد في الخلع، وإن قصد به القطع، والفرق أن ما هنا معاوضة محضة٢، أما في الخلف والجعالة، فكل منهما محتمل لجهالة العوض، وإذا كان كذلك، فيغتفر فيه التخلل بالكلام اليسير، ولو عمدًا. ٣- ويشترط: أن لا يطول الفصل بينهما بسكوت طويل، وهو ما أشعر بإعراضه عن القبول، فإن طال الفصل بينهما، ولو جهلا أو سهوا، فإنه يضر كما في الفاتحة على المعتمد، بخلاف اليسير، فإنه لا يضر إلا إذا قصد به القطع. ٤- ويشترط أن يصر الباديء على ما أتى به من الإيجاب والقبول، وأن يتلفظ كل منهما بحيث يسمعه من بقربه.. وإشارة الأخرس، وكتابته في العقود والدعاوي، والأقارير ونحوها كالنطق بها من غيره، فتصح بها للحاجة٣.

стр. 16

انعقاد البيع بالمعاطاة . والمعاطاة المناولة من عطى يعطي إذا تناول مفاعلة من العطاء، وهو أن يتفاوضا من غير عقد، أي بتسليم وتسلم، ولا يوجد لفظ، أو يوجد لفظ من أحدهما دون الآخر لكن استعملها الفقهاء في مناولة خاصة١. والمشهور من مذهبنا أنه لا تصح المعاطاة في البيع لا في قليل ولا كثير، وبهذا قطع المصنف والجمهور، وهناك وجه مشهور عن ابن شريح أنه يصح البيع بالمعاطاة فيما يعده الناس بيعا؛ لأن الله تعالى أحل البيع، ولم يثبت في الشرع لفظ له، فوجب الرجوع إلى العرف، ولفظة البيع مشهورة، وقد اشتهرت الأحاديث بالبيع عن النبي ﷺ ، وأصحابه ﵃ في زمنه وبعده، ولم يثبت في شيء منها مع كثرتها اشتراط الإيجاب والقبول٢. وقد جرت العادة بين الناس بصحة بيع المحقرات، وأما النفيس فلا بد فيه من الإيجاب والقبول، ومعرفة المحقر والنفيس من الأشياء مرجعه العرف الجاري، فما عده من الحقرات صح فيه البيع، وإلا فلا. وهذا هو المشهور تفريعًا على صحة المعاطاة. وحكى الرافعي وجهًا، أن المحقر دون نصاب السرقة، وهذا شاذ ضعيف، بل الصواب أنه لا يختص بذلك، بل يتجاوز إلى ما بعده أهل العرف بيعًا٣. قال شارح المنهاج: وقيل ينعقد بها في المحقر، أي ينعقد البيع بالمعاطاة في الأشياء التي تكون قيمتها زهيدة لا يأبه بها كرغيف خبز، وحزمة بقل،

стр. 17

والبقل كل نبات اخضرت له الأرض، وقيل: في كل ما يعد فيه بيعا بخلاف غيره كالدواب والعقار، واختاره المصنف في الروضة وغيرها. ويتحصل من ذلك أن بيع المعاطاة فيه ثلاثة آراء: الأول: أنه غير صحيح لحديث ابن ماجه، وغيره: "إنما البيع عن تراض"، والرضا خفي، فاعتبر ما يدل عليه من اللفظ، ومثل اللفظ الكتابة والإشارة، فلا ينعقد البيع من غير إيجاب، وقبول لا فرق في ذلك بين المحقرات كالخبز، واللحم وقليل الفواكه وغيرها كالعقارات والسيارات، والدواب؛ لأن البيع اسم للإيجاب والقبول، لا مجرد فعل بتسليم وتسلم. الثاني: ينعقد في المحقرات مثل الخبز والبقل واللبن، والفاكهة وسائر الاحتياجات اليومية المتكررة. الثالث: ينعقد في كل ما يعد فيه بيعا أي أن كل ما اعتاده الناس، وتعاملوا فيه وصححوا بيعه من غير إيجاب، وقبول فهو صحيح؛ لأن العرف أصل من أصول الشرع. حكم المأخوذ بالمعاطاة: وعلى القول المشهور بعدم صحة بين المعاطاة مطلقًا، فإن المأخوذ بها فيه ثلاثة أوجه: الوجه الأول: وهو أصحها، أنه يأخذ حكم المقبوض ببيع فاسد، فيطالب كل واحد منهما الآخر برد ما أخذه إن كان باقيًا، أو بدله إن كان تالفا، فإن كان الثمن الذي قبضه البائع مثل القيمة، فالغزالي في الإحياء يقول: هذا مستحق ظفر بمثل حقه، والمالك راض فله تملكه لا محالة، وظاهر كلام المتولى، وغيره أنه يجب رده مطلقا.

стр. 18

الوجه الثاني: أن هذا إباحة لازمة لا يجوز الرجوع فيها، وهو وجه ضعيف؛ لأنه لو كان إباحة لكان له الرجوع، كما لو أباح كل واحد منهما لصاحبه طعامه، وأكل ِأحدهما ولم يأكل الآخر، فإن للآكل أن يرجع عن الإباحة، ويسترد طعامه بلا خلاف. أما هنا فلو أتلف أحدهما ما آخذه، وبقي مع الآخر ما أخذه لم يكن لمن تلف في يده أن يسترد الباقي في يد صاحبه من غير أن يغرم له مذل ما تلف عنده، وهذا معناه أنه ليس من الإباحة في شيء. الوجه الثالث: أن العوضين يستردان، فإن تلفا فلا مطالبة لأحدهما، ويسقط عنهما الضمان، ويتراد منهما بالتراضي، وهذا القول مردود على صاحبه؛ لأنه لا يرى ذلك في سائر العقود الفاسدة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن إسقاط الحقوق طريقة اللفظ، كالعفو عن القصاص والإبراء من عن الديون، فإن أقمنا التراضي مقام اللفظ في الإسقاط، وجب أن نقيمه في انعقاد العقد. وهذا الخلاف المذكور في المعاطاة في البيع يجري في الإجارة، والرهن، والهبة ونحوها، أما صدقة التطوع والهدية، فعلى القول بصحة بيع المعاطاة، فهما أولى بذلك من البيع، وعلى القول بعدم الصحة، فالأصح عند جمهور فقهاء المذهب أنه لا يشترط فيهما الفظ، وحجتهم في ذلك، أن الهدايا كانت تحمل إلى رسول الله ﷺ فيأخذها، ولا لفظ هناك، وعلى هذا جرى الناس في جميع الأمصار، فقد كانوا يبعثون الهدايا على أيدي الصبيان الذين لا عبارة لهم. اعتراض وجوابه: فإن قيل بأن هذا من قبيل الإباحة، ولا يسمى هدية، ولا تمليكا أجيب عن ذلك بأنه لو كان باحة ما تصرفوا فيه تصرف الملاك، ومعلوم أن ما قبله النبي صلى الله وعليه وسلم من الهدايا، كان يتصرف فيه، ويملكه غيره. ويمكن أن يحمل كلام من اعتبر الإيجاب، والقبول على الأمر المشعر بالرضا دون اللفظ، والإشعار بالرضا يكون لفظا ويكون فعلا، فالعبرة بالرضا في كل ما تقدم، والتسليم والتسلم دليل على الرضا، وقد قالوا: العبرة في العقود بالمعاني لا بالألفاظ.

стр. 19

الركن الثاني: العاقد: وإذا أطلق العاقد انصرف إلى البائع والمشتري؛ لأن كلا منهما له دخل في تحصيل التمليك بالثمن، والشروط التي ذكرها المصنف أربعة: الأول والثاني منهما عام يصدق على البائع والمشتري، والثالث والرابع خاصان بالمشتري، وفيما يلي نتكلم عن شروط العاقد، ثم شروط المعقود عليه١. شروط العاقد: والعاقد كما قال البجيرمي في حاشيته هو من له دخل في تحصيل التمليك بالثمن، وهو صادق بكل من البائع، والمشتري أو غيرهما. وشرطه الأول: إطلاق تصرف، والمراد بالمطلق التصرف من أذن له الشارع في التصرف، فيدخل فيه الولي في مال موليه، وكونه لا يتصرف إلا بالمصلحة قدر زائد على إطلاق التصرف، وعبارة الشوبري إطلاق التصرف صحته ولو بالبيع، فلا يصح عقد الصبي والمجنون، ولو أذن له الولي في التصرف لقوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يكبر، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يعقل، أو يفيق"، ومن حجر عليه بسفه أو فلس لا يصح تصرفه بالنسبة لبيع عين ماله، أما شراؤه بثمن في

стр. 20

الذمة فيصح، من بلغ غير مصلح لدينه وماله، لا يصح تصرفه، قال البغوي: الصلاح في الدين أن يكون مجتنبا للفواحش، والمعاصي المسقطة للعدالة. الشرط الثاني: عدم إكراه بغير حق، فلا يصح عقد مكره في ماله بغير حق لعدم رضاه قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ، ومحله إن لم يقصد إيقاع البيع، وإلا صح كما بحثه الزركشي أخذا من قولهم لو أكره على إيقاع الطلاق، فقصد إيقاعه صح القصد، فالصريح في حق المكره كناية، كما ذكروه في الطلاق١. فإن كان الإكراه بحق صح عقده، وذلك كان توجه عليه بيع ما له لو فاء دين أو شراء مال أسلم إليه فيه، ومن الإكراه بحق أن يكون عنده طعام يحتاج إليه الناس، فيكرهه الحاكم على بيع الزائد على كفاية سنة، ويفهم من ذلك أنه لا يصح لو باعه، أو اشتراه بإكراه غير الحاكم، ولو كان المكره مستحق الدين، وهو ظاهر؛ لأنه لا ولاية له، نعم إن تعذر الحاكم، فتتجه الصحة بإكراه المستحق أو غيره ممن له قدرة عليه؛ لأن المراد إيصال الحق لمستحقه، ولصاحب الحق أن يأخذ ماله، ويتصرف فيه بالبيع، وإن لم يكن من جنس حقه، ويحصل حقه به، وأن يتملكه إن كان من جنس حقه؛ لأنه ظافر، ومنه ما يقع في مصر من أن بعض الملتزمين في البلد يأخذ غلال الفلاحين لامتناعهم من أداء المال الواجب عليهم، فيصح البيع٢. ويصح عقد مكره في مال غيره بإكراهه؛ لأنه أبلغ في الإذن٣.

стр. 21

الشرط الثالث: إسلام من يشتري له مصحفا، أو كتب حديث، أو علم فيها آثار السلف، والمراد بالمصحف هنا ما فيه قرآن مقصود، ولو قليلًا كرسالة أو تميمة، وأجاز ابن عبد الحق التميمة، والرسالة اقتداء بفعله صلوات الله عليه، وخرج بالمقصود ما كان على جدار أو سقف، وثوب أو نحوهما١، فلا يصح لكافر أن يتملك شيئا من ذلك بالبيع، أو بغيره ولو بوكالة مسلم عنه؛ لأن الملك يقع له، لما في امتلاكه للقرآن، وكتب الحديث، وآثار السلف من الإهانة، وكذلك لا يصح للكافر أن يستخدم مسلما لما في استخدامه للمسلم من الإذلال، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ . وعبر بالإذلال في جانب المسلم، وبالإهانة في جانب المصحف؛ لأنه يعتبر في حقيقة الإذلال أن يكون للمذلول شعور يميز به بين الحسن والقبيح، والمرتد له حكم المسلم فيما تقدم، لبقاء علقة الإسلام فيه، وعلقة الإسلام كما قال البرماوي: وجوب مطالبته بما مضي حال ردته من الصلاة، والصوم ونحو ذلك، ولا مانع من مطالبته بالإسلام، فإذا طولب به وأسلم، فلا يبقى تحت يد الكافر٢. وخرج بملك المصحف وما بعده، إجارتها أو إعارتها ورهنها، فتقع صحيحة لكن من الكراهة في العقد على العين على كل لا تسلم العين إليه، بل يقبضها عن الحاكم، ثم يأمره وجوبا بإزالة ملكه عنها في إجارة العين، ويمنعه من استخدام المسلم لما فيه من الإذلال له كما قدمنا. ويشترط: عدم حرابة من يشتري له عدة حرب كسيف، ورمح ونشاب،

стр. 22

وترس ودرع وخيل، ومثل الخيل السفن إذا كانوا يقاتلون عليها في البحر، فلا يصح شراء شيء من ذلك لحربي؛ لأنه يستعين به على قتالنا، فالمنع منه لأمر لازم لذاته، وهو الاستعانة على قتالنا بخلاف الذهني، وقاطع الطريق؛ لأنهما في قبضتنا، ولسهولة تدارك أمرهما، وليست الحرابة متأصلة في الذمي، ما لم يعلم أنه يدسه لأهل الحرب، فإن علم منه ذلك لم يصح شراؤه خلافا لمن قال بحرمة الشراء مع الصحة، وبخلاف غير عدة الحرب، ولو بما تصنع منه كالحديد، إذ لا يتعين جعله عدة حرب، لكن لو أخبر معصوم أنهم سيجعلونه عدة حرب، فيكون بيعه لهم غير صحيح، وهو محتمل وشراء البعض من ذلك كشراء الكل، وسائر التملكات كالشراء، ويكره للمسلم بيع المصحف؛ لأن في ذلك نوع امتهان، حيث جعل المصحف كالسلع التي تعرض للبيع والشراء، والمراد بالصحف هنا خالص القرآن، فخرج به المشتمل على تفسيره، وإن كان التفسيره أقل من القرآن أو أكثر، وكتب العلم والحديث، ولو قدسيا فلا يكره بيع شيء من ذلك، وكما يكره بيع المصحف يكره كذلك شراؤه، قيل: وثمنه مقابل لدفتيه، وقيل: بدل أجرة نسخة، وقيل: يكره البيع دون الشراء، وهو المعتمد لما في الأول من الإعراض، وإزالة الملك، ولما في الثاني من الرغبة والتحصيل، وشتان ما بين القصدين. وقد أجاز ابن عبد الحق بيع الرسالة، والتميمة لكافر اقتداء بفعله صلوات الله عليه، فقد ثبت أنه ﷺ أرسل الكتب إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام، ولا شك أنها كانت مشتملة على بعض القرآن، فصح البيع لذلك، وإذا نقش قرآن على جدار، أو سقف أو ثوب وبيع معها، فلا شك أنه غير مقصود، وفي هذه الحالة لا مانع من أن يكون المشتري غير مسلم.

стр. 23

استخدام الكافر للمسلم. وإذا كنا قد منعنا بيع القرآن لغير المسلم لما ذكرنا، فهل يصح للكافر أن يستخدم مسلمًا؟، وأحب في هذا المقام أن أبين أن كلام الفقهاء في هذه المسألة انصب على شراء الكافر للمسلم، فهو قد منعوا لما في امتلاكه له من الإذلال، والله يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ . فهذا لا يصح، ولا يجب أن يكون، اللهم إلا إذا كان الكافر أبا أو ابنا، فيصح له أن يشتري المسلم ليعتقه، فإذا اشتراه ليعتقه، فلا ضير على المسلم في ذلك لانتقاء الإذلال حينئذ، وإن كان هناك رأي آخر يمنع من شرائه له في هذه الحالة؛ لأنه في رأية لا يخلو من الإذلال١. والمرتد له حكم المسلم فيما تقدم لبقاء علقة الإسلام فيه، وعلقمة الإسلام تظهر في وجوب مطالبته بالإسلام حال ردته، فإذا طولب وأسلم، فلا يبقى تحت يد الكافر٢. ولنا الآن أن نتسأل هل هذا الحكم يسري على استخدام الكافر للمسلم؟ وللإجابة عن هذا السؤال نقول: إنه ينبغي أن نفرق بين أمرين: الأول: إذا كان الغرض خدمة المسلم للكافر في شئونه الخاصة في المنزل، أو في خارج المنزل، فلا شك أن الإذلال قد تحقق، فالمسلم خادم والكافر مخدوم أي عبد، والكافر سيد له الأمر والنهي، وفي ذلك ما فيه من ضعف العزة والسيادة في الأرض ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .

стр. 24

الأمر الثاني: أن المسلم إذا كان يحترف عملا شريفا، ويتقن صنعة لها قيمة في حياة الناس، فلا ضير عليه أن يعمل عند الكافر؛ لأنه لا يعيش عالة، وإنما يأكل من كد يمينه، وعرق جبينه، وفي هذه الحالة لا ينال من الكافر لا في خلقه ولا دينه، وقد صرح بعض الفقهاء بالمنع، ولعله قصد الحالة الأولى حالة استئجار الكافر للمسلم، أو للمصحف وما في حكمه، فإن الإجارة تقع صحيحة لكن مع الكراهة، فإذا أراد أن يتسلم العين، فلا تسلم له بل يقبضها الحاكم عنه، ثم يأمره، وجوبا بإزالة ملكه عنها في إجارة العين، ويمنعه من استخدام المسلم لما فيه من الإذلال١. آراء الفقهاء في بيع المصاحف: للفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أراء: الأول: رخص في شرائها وكره بيعها، وقد كان أصحاب رسول الله، يكرهون بيع المصاحف، وفي ذلك روى البيهقي بإسناده عن ابن عباس، ومروان بن الحكم أنهما سئلا عن بيع المصاحف للتجارة، فقالا: لا نرى أن تجعله متجرًا، ولكن ما عملت بيديك فلا بأس به، وروى أيضا بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير: "اشتره ولا تبعه"، وهذا إن صح، فإنه يدل على جواز بيعه مع الكراهة، والكراهة هنا للتنزيه تعظيما للمصحف عن أن يبذل بالبيع، أو يجعل متجرا. والثاني: كره البيع والشراء، وبه قال ابن مسعود. والثالث: يرى صحة بيع المصحف، وشرائه وإجارته، ونسخه بالأجرة.

стр. 25

لما روي عن ابن عباس ﵁، أنه سئل عن بيع المصاحف، فقال: لا بأس يأخذون أجور أيديهم؛ ولأنه طاهر منتفع به، فهو كسائر الأموال. والصحيح من المذهب: أن بيعه مكروه دون الشراء، وهو نص الشافعي في كتاب اختلاف علي، وابن مسعود، وبه قطع البيهقي، لما في بيعه من الإعراض وإزالة الملك، ولما في الشراء من الرغبة في تحصيل منافعه العظيمة، وآثاره الطيبة وشتان ما بينهما١. ومع هذا فالحاجة تدعو إلى شرائه وبيعه، وإذن فلا بأس في بيعه، والله أعلم. الشرط الرابع: عصمة المشتري إذا كان المبيع سلاحًا: فالمعدات الحربية التي تستخدم في ميدان القتال برا وبحرا، وجوا حتى البدائية منها كالسيف والدرع والرمح، والنشاب وغيرها وكذلك الخيل، فهذه المعدات محذور بيعها لحربي، فإن الحربي ليس بيننا وبينه عهد، ولا ذمة تمنعه من قتالنا، فإذا أجزنا له شراء مثل هذه الأسلحة، فإنه يستعين بها على قتالنا. أما الذمي وقاطع الطريق، فإن حكمهما يختلف، فيصح البيع لهما؛ لأنهما في قبضتنا، فيسهل تدارك الأمر إذا سولت لهما أنفسهما قتالنا؛ ولأن الذمي ليس الحرابة متأصلة فيه، وهذا حكمه ما لم يخن العهد والذمة، فإن خانهما، وعلمنا أنه يدسه لأهل الحرب، فإنه يأخذ حكم الكافر الحربي. أما ما تصنع منه أدوات الحرب كالحديد، أو ما يستخدم وقود للسيارات والطائرات، فإن حكمه يختلف، فإن أخبر معصوم أنهم سيجعلونه عدة حرب لقتالنا، فيكون حمكه حكم بيع آلات الحرب وإلا فلا.

стр. 26

الركن الثالث: المعقود عليه: وهو المال المقصود نقله من أحد العاقدين إلى الآخر، ثمنا كان أو مثمنا، واعلم أن النقد يكون ثمنا دائما والمبيع مقابلة، وإن دخلت عليه الباء، فإذا قلت: بعتك هذا الدينار بعشرة أقلام، فالدينار هو الثمن والعشرة أقلام مقابل الثمن، أما إذا كان الثمن والمثمن نقدين، أو عرضين فالثمن ما دخلت عليه الباء، والمبيع مقابله، ومثال ذلك ما إذا قلت: بعتك هذا الثوب بحقيبة، فالحقيبة هي الثمن والثوب في مقابله١. شروط المعقود عليه: والمعقود عليه هو المثمن والمثمن، وله شروط خمسة: أن يكون طاهرًا، وأن يكون منتفعا به، وأن يكون للعاقد عليه ولاية، وأن يكون قادرًا على تسلميه، وأن يكون معلوما للعاقدين عينا، وقدرا وصفة، وقد ذكر السبكي أن هذه الخمسة ترجع إلى شرطين فقط، وهما كونه مملوكا منتفعا به؛ لأن القدرة على التسليم والعلم به، وكون الملك لمن له العقد هي في الحقيقة شروط في العاقد، وشرط الطهارة ستغني عنه بالملك؛ لأن النجس غير مملوك، وأجيب عن ذلك بأن هذه أمور اعتبارية تارة تعتبر مضافة للعاقد، وتارة تعتبر مضافة للمعقود عليه٢، وفيما يلي نتناول هذه الشروط بالبيان والإيضاح: الشرط الأول: أن يكون المعقود عليه طاهرا: والأعيان الطاهرة ضربان: ضرب لا منفعة فيه، وضرب فيه منفعة،

стр. 27

فأما الذي لا منفعة فيه، فهو كالحشرات والسباع التي لا تصلح للاصطياد، والطيور التي لا تؤكل، ولا تصطاد كالرخصة، والحدأة، وما لا يؤكل من الغراب، فلا يجوز بيعه؛ لأن ما لا منفعة فيه لا قيمة له، فأخذ العوض عنه من أكل المال بالباطل، وبذل العوض فيه من السفه. وأما ما فيه منفعه، فلا يجوز بيع الحر منه لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: "قال ربكم: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمة خصمته "أي خلجته١ وغلبته" رجل أعطى بي، ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، رجل استأجر أجيرا فاستوفى منه، ولم يوفه أجره". وما عدا ذلك من الأعيان الطاهرة المنتفع بها في المأكل والمشرب، والملبس والأراضي والعقارات، فيجوز بيعها، لاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على بيعها من غير إنكار٢ على صحة بيع كل ما كان طاهرا، أو أمكن تطهيره بغسله، فلا يصح بيع النجس. والنجس إما أن يكون نجس العين، أو نجس بملاقاة نجاسة، فأما نجس العين فلا يجوز بيعه، وذلك مثل الكلب والخنزير، والخمر والسرجين٣، وما أشبه ذلك من النجاسات، والأصل فيه ما روى جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى حرم بيع الخمر والميتة، والخنزير، والأصنام". وروى ابن مسعود وأبو هريرة أن رسول الله ﷺ : "نهى عن ثمن الكلب"، فنص على

стр. 28

الكلب والخنزير والخمر والميتة، ويقاس عليها سائر الأعيان النجسة. وأما اقتناؤها فينظر فيه، فإن لم يكن فيها منفعة مباحة كالخمر، والخنزير والميتة والعذرة لم يجز اقتناؤها لما روى أنس، قال: سأل رجل النبي ﷺ عن الخمر تصنع خلا فكرهه، وقال: "اهرقها"؛ ولأن اقتناء ما لا منفعة فيها سفه فلم يجز، فإن كان فيه منفعة مباحة كالكلب جاز اقتناؤه للصيد والماشية، والزرع لما روى سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتنى كلبا إلا كلب صيد، أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان"، وفي حديث أبي هريرة إلا كلب صيد، أو ماشية أو زرع؛ لأن الحاجة تدعو إلى الكلب في هذه المواضع فجاز اقتناؤه، وهل يجوز اقتناؤه لحفظ الدواب؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز للخبز. والثاني: لا يجوز؛ لأنه لا حاجة به إليه، وهل يجوز اقتناء الجرو للصيد، والزرع والماشية فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه ليس فيه منفعة يحتاج إليها. والثاني: يجوز؛ لأنه إذا جاز اقتناؤه للصيد جاز اقتناؤه لتعليم ذلك، وأما السرءجين فإنه يكره اقتناؤه، وتربية الزرع به لما فيه من مباشرة النجاسة. وأما النجس بملاقاة النجاسة: فهو الأعيان الطاهرة إذا أصابتها نجاسة، فينظر فيها، فإن كان جامدًا كالثوب وغيره جاز بيعه؛ لأن البيع يتناول الثوب، وهو طاهر، وإنما جاورته النجاسة، وإن كان مائعا نظرت، فإن كان مما لا يطهر كالخل لم يجز بيعه؛ لأنه نجس لا يطهر بالغسل، فلم يجز بيعه كالخمر، والثاني: يجوز بيعه؛ لأنه يطهر بالماء فأشبه الثوب، فإن كان دهنا فهل يطهر بالغسل فيه وجهان: أحدهما: لا يطهر؛ لأنه لا يمكن عصره من النجاسة، فلم يطهر كالخل وهو الأصح، والثاني: يطهر؛ لأنه يمكن

стр. 29

غسله١ بأن يصب عليه في إناء ماء يغليه، ويحرك بخشبة حتى يصل إلى جميع أجزائه، وهو مردود بحديث الفأرة: فقد سئل رسول الله ﷺ : عن الفأرة تموت في السمن. فقال: "إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فأريقوه"، فلو أمكن تطهيره شرعا لم يقل فيه ذلك، وعلى إمكان تطهيره قيل: يصح بيعه قياسا على الثوب المتنجس، والأصح المنع عملا بالحديث الذي سبق ذكره، ويجري الخلاف في بيع الماء النجس؛ لأن تطهيره ممكن بالمكاثرة، وجزم بعضهم بالمنع، وقال: إنه ليس بتطهير بل يستحيل ببلوغه قتلين من صفة النجاسة إلى الطهارة٢، كطهارة الخمر بالتخلل، وجلد الميتة بالدباغ، وقد يقال: هذا قياس مع الفارق؛ لأن الماء من جنس الطاهر بخلاف الخمر٣. والحاصل أن فيه: قولين ضعيفين: القول بإمكان طهره، والقول بصحة بيعه، والثاني: مبني على الأول. الشرط الثاني: أن يكون منتفعًا به انتفاعا شرعيا، ولو في المستقبل كالجحش الصغير، فلا يصح بيع ما لا ينتفع به بمجرده وإن تأتي النفع به بضمه إلى غيره كحبتي حنطة، إذ عدم النفع إما للقلة مثل حبتي الحنطة ففيها منفعة، ولكن لا يعتد بها شرعا، ولذا فإنه لا أثر لوضعها في فخ للاصطياد، وإما أن يكون عدم النفع راجع إلى الخسة كالحشرات الضارة، وهي دواب الأرض كالحية والعقرب والفأرة، إذ لا نفع فيها يقابل بمال أي لا

стр. 30

نفع يعتبر ويقصد شرعا بحيث يقابل بمال. فالمدار أن يكون فيه منفعة مقصودة معتد بها شرعا بحيث يقابل بالمال، وقد علل الرافعي عدم صحة بيع ما لا منفعة فيه، بأن أخذ المال في مقابلته قريب من أكل المال بالباطل، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ١. فلا يجوز بيع سباع لا تنفع كأسد وذئب ونمر، وما في اقتناء الملوك لها من الهيبة، والسياسة ليس من المنافع المعتبرة بخلاف ما ينفع منها كضبع للأكل، وفهد للصيد، وفيل للقتال. والسبع هو كل حيوان مفترس، وهو لا نفع فيه؛ لأنه لا يؤكل ولا يصطاد ولا يقاتل عليه، ولا يتعلم ولا يصلح للحمل، وأما السياسة: فهي إصلاح أمور الرعية، وتدبير مصالحهم، قال في المختار: يقال ساس الناس أصلح أمورهم. فروع: لا يصح بين ألات اللهو والمحرم كالطنبور والمزمار، إذ لا نفع بها شرعا، وإن تمول رضاخها٢، وقيل: يصح بين آلات اللهو، إن عد رضاخها مالا؛ لأن فيه نفعا متوقعا، ورد بأنها على هيئتها لا يقصد منها غير المعصية، ومثلها في عدم الصحة الصور والصلبان، ولو من ذهب أو فضة أو حلوى، لكن قال شيخنا بصح بيع صور الحلاوة؛ لأن المقصود منها الرواج. وقال الرافعي: الوجهان فيها يجريان كما في الصلبان والصور، ثم الحكم ثابت ولو كانت من الجواهر النقية، ثم لا يخفى أن من الصور ما يجعل من الحلوى بمصر

стр. 31

على صور الحيوان، وقد عمت به البلوى ببيع ذلك وهو باطل، قال في شرح المهذب، وكذب الكفر والسحر والفلسفة١. وصح بيع الماء على الشط أي جانب النهر، والتراب بالصحراء، ولكن بشرط أن يجوز الماء في قربة مثلا، ويكوم التراب كما قيد بذلك المحلى، فإذا باع قربة ماء مثلا على شط البحر، أو عربة رملي من الصحراء جاز ذلك على الأصح لظهور المنفعة فيهما، ولا يقدح في ذلك ما يقال من إمكان تحصيل مثلهما بلا تعب، ولا مؤنة وبحث بعضهم تخصيص الخلاف بما إذا لم يتميز للبيع بوصف زائد كبرودة الماء، ونعومة التراب وإلا فيصح بلا خلاف، وهذا يفيد أنه لو برد الماء، أو غربل التراب مثلا صح بيعه مطلقًا. الشرط الثالث: القدرة على تسليم المبيع: فلا يجوز بيع ما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء, والسمك في الماء، والجمل الشارد والفرس العائر، والمال المغصوب في يد الغاصب لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : "نهى عن بيع الغرر" وهذا غرر، ولهذا قال ابن مسعود: لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر؛ ولأن القصد بالبيع تمليك التصرف، وذلك لا يمكن فيها لا يقدر على تسليمه٢ نظرا الحيلولة المنفعة فيه، نعم يصح بيع المغصوب لمن يقدر على انتزاعه بلا مؤنة، فمتى كان البائع قادرًا على التسليم، والمشتري على التسلم صح البيع جزما، وإن كان عاجزا عنه، وكان المشتري قادرا على التسلم صح على الصحيح نظر إلى وصول المشتري إلى المبيع الثاني: لا يصح نظرا إلى عجز البائع بنفسه، ويستثنى من عدم

стр. 32

صحة بيع الطير الطائر النحل الموثوقة أمه بأن تكون في الكوارة١، فيصح بيعه وفارق بقية الطيور بأنه لا يقصد بالجوارح، وبأنه لا يأكل عادة إلا مما يرعاه٢. والعجز عن تسليم المبيع، إما أن يكون حسا أو شرعا، ويتحقق العجز الحسي في بيع ما لا يقدر على تسليمه فعلا، كالمغصوب والضال، وما لم يستقر ملكه عليه كبيع الأعيان المملوكة، وغيرها من المعاوضات قبل القبض لما روي أن حكيم بن حزام قال: يا رسول الله إني أبيع بيوعا كثيرة، فما يحل لي منها وما يحرم؟ قال: "لا تبع ما لا تقبضه"؛ ولأن ملكه عليه غير مستقر؛ لأنه ربما هلك فانفسخ العقد، وذلك غرر من غير حاجة، ويتحقق العجز عن التسليم شرعا. في بيع جزء معين من شيء نفيس ينقص قيمته، أو قيمة الباقي بقطعه كجزء ثوب نفيس ينقص بقطعه، وما ذكر للعجز عن التسليم شرعا؛ لأنه لا يمكن التسليم إلا بالقطع، وفيه نقص وتضييع للمال، ويستثنى من ذلك إناء النقد فيصح بيع جزء معين منه لحرمة اقتنائه، ووجوب كسره، فالنقص الحاصل فيه موافق للمطلوب فيه فلا يضر٣. ويصح في الثوب الذي لا ينقص بقطعه في الأصح، وذلك كغليظ الكرباس، وهو الثوب المنسوج من القطن، ففي حديث عمر، وعليه قميص من كرابيس٤، ومنه أيضا الفل بفتح الفاء، وهو نوع من القماش الغليظ والخيش، والثاني: قال قطعة لا يخلو عن تغيير لعين المبيع، قال الرافعي: والقياس طرده في السيف والإناء،

стр. 33

لكن اعتراضه الأسنوي بأن الثوب ينسج ليقطع بخلاف الإناء والسيف، وهو اعتراض له وجاهته، ولا يصح بين المرهون بغير إذن مرتهنة للعجز عن تسليمه شرعا، واختلف أصحابنا في بيع النحل في الكوارة أي الخلاية، فجوزه أبو العباس؛ لأنه يعرف مقداره حال دخوله وخروجه، وقال بعضهم: لا يجوز وهو قول أبو حامد الإسفراييني؛ لأنه قد يكون في الكوارة من لا يخرج، وإن اجتمع فرخه في موقع وشوهد جميعه جاز بيعه؛ لأنه معلوم مقدور على تسليمه، فجاز بيعه. الشرط الرابع: أن تكون له على المبيع ولاية بملك، أو وكالة أو إذن من الشارع كولاية الأب والجد والقاضي، والظافر بغير جنس حقه، والملتقط لما يخاف فساده والمراد: ولاية تامة، ليخرج المبيع قبل قبضه، فلا يصح عقد الفضولي لغيره، وإن أجازه الملك لعدم ولايته على المعقود عليه، والفضولي من ليس مالكا ولا وكيلا ولا وليا, وفي القديم أن عقده موقوف على رضا المالك، وإن أجازه نفذ وإلا فلا، والمعتبر أجازة من يملك التصرف عند العقد، فلو باع مال الطفل فبلغ، وأجاز لم ينفذ ومحل الخلاف ما لم يحضر المالك، فلو باع مال غيره بحضرته، وهو ساكت لم يصح قطعا كما في المجموع١. ويجري القولان، فيما لو اشترى لغيره بلا إذن بعين ماله أو في ذمته، وفيما لو زوج ابنة غيره أو أطلق منكوحته، وأجر عقاره بغير إذنه، واحتج لذلك بما روى شبيب بن غرقدة التابعي عن عروة البارقي حديث توكله في شراء شاة، فاشترى شاتين، ثم باع إحداهما بدينار، وأخضر الأخرى مع الدينار، فدعا له النبي ﷺ والحديث رواه شبيب، عن عروة فذكره، قيل: لجهالة فيه لم يحتج به الشافعي في هذا، ولكنه احتج به في أن من وكل في شراء شاة بدينار، له أن

стр. 34

يشتري به شاتين؛ لأن المرسل يحتج به إذا وافق القياس، وبيع الفضولي مخالف للقياس، ولو باع مال مورثه ظانا حياته، وكان ميتا صح في الأظهر لصدوره من المالك. والثاني: لا يصح لظنه أنه ليس ملكه. الشرط الخامس من شروط المبيع: العلم به عينًا وقدرًا وصفة، حذرا من الغرر وهو منهي عنه، وبيعه باطل، لما ورى مسلم أنه ﷺ : "نهى عن بيع الغرر"، والغرر ما انطوت عناها عاقبته، أو تردد بين أمرين أغلبهما أخو فهما، ومن ذلك ما إذا قال له: بعتك أحد الثوبين وإن تساوت قيمتهما للجهل بعين المبيع، ولا يقال: أي غرر في هذا عند استواء القيمة؛ لأنا نقول: لا بد للعقد من مورد يتأثر به على أنه لا يخلو من الغرر لتفاوت الأغراض في مثل ذلك للمتعاقدين، فلا يكفي أحدهما بل لا بد من تعيين المعقود عليه١. ويصح بيع صاع من صبرة، وإن جهلت صيعانها، فإن كانت معلومة القدر كعشرة صيعان مثلا صح ذلك جزما، والمبيع عشرها فلو تلف بعضها تلف بقدره من كل المبيع، وقيل: المبيع أي صاع كان فيبقى المبيع ما بقي صاع، وإن كانت مجهولة يصح البيع في الأصح المنصوص، والمبيع أي صاع كان، وللبائع تسليمه من أسفلها، وأن لم يكن مرئيا؛ لأن رؤية ظاهر الصبرة كرؤية كلها، والثاني لا يصح كما لو فرق صيعانها، وقال: بعتك صاعا منها؛ لأنه ربما تتفاوت بالكيل فيختلف الغرض، فإن بقي منها صاح واحد دون غيره تعين، وكذلك يصح بيع صبرة مجهولة الصيعان كل صاع بدرهم، ولا يضر في مجهولة الصيعان الجهل بجملة الثمن؛ لأنه معلوم بالتفصيل، وهذا يكفي، لأن يدفع به الغرر.

стр. 35

ولا يصح البيع بزنة هذه الحصاة ذهبا، أو بملء ذا البيت برا، للجهل بقدر الثمن في كل؛ لأن الثمن والمثمن إذا كانا في الذمة، فلا بد من معرفة قدره يقينا أعني كيلا أو وزنا أو ذرعا، فلو كان الثمن معينا كأن قال بملء ذا البيت من هذه الحنطة -صح لإمكان الأخذ قبل تلف البيت، ذكره الرافعي في جانب المبيع، والثمن مثله بالأولى بدليل جواز الاستبدال في الثمن دون المثمن، ولو كانا يعلمان مقدار ما يحويه البيع صح، فإذا قال: بعتك ملء ذا البيت من ذا البركان البيع صحيحا، والفرق بين هذه الصورة والصورة المتقدمة الباطلة أن البائع هنا عين البر، وهناك أبهمه؛ لأنه يمكن أن يحيطا بجوانب البيت، ويعرفا تخمينا يأخذ كذا، ويملأ البيت من البر المعين حالا قبل تلف البيت، أما في في هذه الصورة، فالمبيع معين والمعين لا يشترط فيه معرفة القدر تحقيقا، بل يكفي فيه التخمين١. ولو باع بنقد يتعامل به في بلد المبيع، ولو مغشوشا أو عروضا مثلية، فهو المتعين، ومتى تعدد من جنسين أو من جنس، وغلب أحدهما تعين الغالب لظهور أن المتعاقدين أراداه، وإن لم يغلب أحدهما اشترط التعيين لأحدهما في العقد حتى يكون معلوما لطرفي العقد، هذا إذا كان هناك تفاوت بينهما، فإن استوت قيمتهما صح البيع بدون تعيين، وهذا هو المعتمد، ويبدو واضحا أن العقد يكون صحيحا، وإن لم يعلما بتساويهما في القيمة، وإذا اختلفا في الغلبة، وغيرها قدم مدعى الصحة.

стр. 36

ولا يجوز بيع مجهول القدر، فإن قال: بعتك بعض هذه الصبرة لم يصح البيع لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي: "نهى عن بيع الغرر"، وفي بيع البعض غرر؛ لأنه يقع على القليل والكثير؛ ولأنه نوع بيع فلم يصح مع الجهل بقدر المبيع كالسلم، وإن قال: بعتك هذه الصبرة جاز، وإن لم يعرف مقدارها؛ لأن غرر الجهالة ينتفي عنهما بالمشاهدة، قال الشافعي: وأكره بيع الصبرة جزافا؛ لأنه يجهل قدرها على الحقيقة، وإن قال: بعتك ثلثها أو ربعها، أو بعتك إلا ثلثها أو ربعها جاز؛ لأن من عرف الشيء عرف ثلثه وربعه، وما يبقى بعدهما. بيع الغائب: والأظهر أنه لا يصح بيع الغائب، وهو ما لم يره المتعاقدان أو أحدهما خلافا للأئمة الثلاثة، وإن وصف بصفة السلم للغرر؛ ولأن الخبر ليس كالعيان، وهذا وإذا كان يجهل جنس المعقود عليه أو نوعه، فإن علم الجنس والنوع بأن قال: بعتك الثوب اليمني الذي في داري، أو بعتك الفرس الأدهم الذي في اصطبلي ففيه قولان: قال في القديم: يصح ويثبت له الخيار إذا رآه لما روى ابن أبي مليكة، أن عثمان ﵁ ابتاع طلحة أرضا بالمدينة نافلة بأرض له بالكوفة، فقال عثمان: بعتك ما لم أره، فقال طلحة: إنما النظر لي؛ لأني ابتعت مغيبًا، وأنت قد رأيت ما ابتعت فتحاكما إلى جبير بن مطعم، فقضى على عثمان أن البيع جائز، وأن النظر لطلحة؛ لأنه ابتاع مغيبا؛ ولأنه عقد على عين، فجاز مع الجهل بصفته كالنكاح. وقال في الجديد: لا يصح لحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ : "نهى عن بيع الغرر"، وفي هذا البيع غرر؛ ولأنه نوع بيع فلم يصح مع الجهل بصفة المبيع كالسلم، فإذا قلنا بقوله القديم فهل تغتفر صحة البيع إلى ذكر الصفات أو لا. فيه ثلاثة أوجه:

стр. 37

أحدهما: أنه لا يصح حتى تذكر جميع الصفات كالمسلم فيه. والثاني: لا يصح حتى تذكر الصفات المقصودة. والثالث: أنه لا يفتقر إلى ذكر شيء من الصفات، وهو المنصوص عليه؛ لأن الاعتماد على الرؤية، ويثبت له الخيار إذا رأه، فلا يحتاج إلى ذكر الصفات، فإن وصفه ثم وجده على خلاف ما وصف ثبت له الخيار، وإن وجده على ما وصف، أو أعلى ففيه وجهان: أحدهما: لا خيار له؛ لأنه وجده على ما وصف؛ فلم يكن له خيار كالمسلم فيه. والثاني: له الخيار؛ لأنه يعرف ببيع خيار الرؤية، فلا يجوز أن يخلو من الخيار، وإذا ثبت له الخيار، فهل هو على الفور؟ قال أبو هريرة: هو على الفور؛ لأنه خيار تعلق بالرؤية، فكان على الفور كخيار الرد بالغيب. وقال أبو إسحاق: يتقدر الخيار بالمجلس؛ لأن العقد إنما يتم بالرؤية، فيصبر كأنه عقد عند الرؤية، فيثبت له خيار كخيار المجلس، فيمتد الخيار بامتداد المجلس وهو الأصح، ولا خيار للبائع، وقيل: له الخيار إن لم يكن قد رأى المبيع. وإذا كنا قد اشترطنا في المعقود عليه أن يكون معلوما عنيا، وقدرا وصفة إلا أنه يمكن أن يكتفي عن ذلك بمشاهدة المعقود عليه، فإذا كان معينا كفت معاينته عن العلم بقدره، وذلك اعتمادًا على التخمين، فلو قال: بعتك هذه الحقيبة بهذه الصبرة، والفرض أنها مجهولة المقدار صح البيع، فإذا كانت الصبرة في موضع فيه ارتفاع، وانخفاض وعلم المشترى أو البائع بذلك بطل البيع لمنعه من التخمين؛ لأنه إذ ذاك يلتحق بغير المرئي، فإن ظن استواء ما تحتها صح البيع وثبت له الخيار، ولو كان تحتها حفرة فالبيع صحيح وما فيها للبائع، ولو باع الصبرة إلا صاعا، فإن كانت معلومة الصيعان صح البيع وإلا فلا، فإن قيل: كيف تحكم بالبطلان، وقد سبق أن جوزت بيع الصبرة

стр. 38

المجهولة المقدار جزافًا، وبطريق التخمين؟ قلنا بأن التخمين مع الاستثناء لا يوثق به١. ويستفاد من ثبوت الخيار للمتعاقدين أن شراء الأعمى لا يصح، حيث جوزنا بيع الغائب بالوصف، لتعذر ثبوت الخيار له؛ لأنه لا يمكن أن تتأتى منه الرؤية المترتب الخيار عليها، وقيل: يصح ويقام وصف غيره له مقام رؤيته، أما في السلم، فإنه يصح سلمه إذا كان رأس مال السلم في الذمة، إذ المعين لا يصح منه كالبيع به، والفرق بين السلم، وبين غيره أن السلم يعتمد على الوصف أما البيع والإجارة، والرهن، فتعتمد على الرؤية، وسبيله أن يوكل فيها. وقيل: إن عمي قبل تمييزه بين الأشياء، أو خلق أعمى، فلا يصح سلمه لانتفاء معرفته بالأشياء، ولكن يرد على ذلك بأنه يمكن له أن يعرفها بالسماع، ويتخيل فرقًا بينها. وقت الرؤية: وتكفي الروية قبل العقد فيما لا يتغير غالبا إلى وقت العقد؛ لأن العلم بالمعقود عليه يتحقق، فإذا كان مما يغلب عدم تغيره كأرض، وإناء وحديد، أو كان يحتمل التغير، وعدمه كحيوان صح البيع نظرا للغالب في الأول، والأصل بقاء المرئي بحاله في الثانية، فإسن وجده المشتري متغيرًا عما رأه عليه تخير، فلو اختلفا في تغيره، فالقول قول المشتري بيمينه؛ لأن البائع يدعي عليه أنه رآه بهذه الصفة الموجودة الآن ورضي به، والأصل عدم ذلك بخلاف ما يغلب تغيره كالأطعمة التي يسرع فسادها، فإن رآها من يوم مثلا، فلا تكفي رؤيتها قبل العقد إذ مضت عليها مدة يغلب فيها الفساد، وإن لم تتغير بالفعل نظرا للغالب.

стр. 39

رؤية البعض ورؤية الكل: وإذا كانت رؤية بعض المعقود عليه تدل عليه على باقية كانت رؤية ذلك البعض عن الكل، وذلك في الأشياء التي لا تختلف أجزاؤها، مثل الحنطة والشعير والجوز، واللوز، ولا خيار له إذا رأى الباطن إلا إذا خالف الظاهر، وقد سئل الشهاب عن بيع السكر في قدوره هل يصح، وتكفي رؤية أعلاه من رءوس القدور؟ فأجاب بأنه إن كان بقاؤه في القدور من مصالحه صح، ولعل وجه ذلك أن رؤية أعلاه١ لا تدل على باقية، لكنه اكتفى به إذا كان بقاؤه في القدور من مصالحه للضرورة، ومثل ذلك المائعات في ظروفها كالسمن، ولو جامدا والزيت والعسل الأسود، أو من النحل، وخلا عن الشمع، وكذلك القطن في عدله أو في جوزه بعد تفتحه، فهذه كلها تكفي رؤية بعضها، وإن لم ير الكل بخلاف الأشياء التي تختلف، وحداتها اختلافا بينها كالبطيخ والرمان والخوخ والعنب، فإن الاكتفاء برؤية الظاهر غير صحيح، فلا بد فيها من رؤية كل واحد منها على حدة، فإنا لم ير أحد جانبي البطيخة فالبيع باطل؛ لأنه كبيع الغائب. ومما تكفي فيه رؤية بعضه ما كان أنموذجا لمتساوي الأجزاء كالحبوب، الأنموذج هو المسمى عند الفقهاء بالعينة بأن يأخذ البائع قدرا من البر، ويريه للمشتري، وهذه العينة لا بد من إدخالها في البيع بحيث تشمل صيغة البيع الجميع، وإن لم يخلطه بالباقي، فيقول: بعتك البر الذي عندي مع الأنموذج، فلو أعطى له الأنموذج من غير بيع، وباعه ما عنده لم يصح؛ لأنه صدق عليه أنه لم ير من المبيع شيئا، وكذلك لا يصح إذا عقد عليه مستقلا، وعلى ما

стр. 40

عنده عقدًا مستقلًّا. وكذلك إذا لم يدل البعض على باقية بل كان صوانًا للباقي كقشير الرمان، وقشر القصب الأعلى الذي لا يمص معه، وجوز القطن بعد تفتحه؛ لأنه قبله لم يبد صلاحه، فلا يكفي رؤية قشره، ومثل ذلك البيض والقشرة السفلى للجوز واللوز، ففي هذه الأمثلة تكفي رؤية القشر المذكور؛ لأن صلاح باطنه في بقائه فيه، وإن لم يدل هو عليه. وتعتبر رؤية كل شيء على ما يليق به، فيعتبر في الدار رؤية البيوت، والسقوف والسطوح والجدران، والمستحم والبالوعة، وفي البستان رؤية الأشجار والجدران، ومسايل الماء، وفي الدابة رؤية مقدمها ومؤخرها، وقوائمها وظهرها، وفي الثوب الديباج المنقوش رؤية وجهه، وقيل: رؤيتهما وفي الكتب الورق والبياض١. وجاء في المهذب: إذا رأى بعض المبيع دون بعض، نظرت فإن كان مما لا يختف أجزاؤه كالصبرة من الطعام، والجرة من الدبس٢ جاز بيعه؛ لأن برؤية البعض يزول غرر الجهالة؛ لأن الظاهر أن الباطن كالظاهر، وإن كان مما يختلف نظرت، فإن كان مما يشق رؤية باقية كالجوز في القشر الأسفل جاز بيعه؛ لأن رؤية الباطن تشق، فسقط اعتبارها كرؤية أساس الحيطان، وإن لم تشق رؤية الباقي كالثوب المطوى، ففيه طريقان: من أصحابنا من قال فيه قولان كبيع ما لم ير شيئا، ومنهم من قال: يبطل البيع قولا واحدا؛ لأن ما رآه
следующие страницы →