الطعام ثمنا كان إذا اشترى خمسة جنيهات بخمسة أرادب من القمح يدفعها في وقت كذا، وهذا هو السلم١.
حكمه تحريم ربا الفضل:
وبما أن ربا الفضل فيه شبح من الربا، وعنصر من عناصره، فإن مما لا شك فيه أن هناك فروق أساسية في تبادل الشيئين المتماثلين، هي التي تقتضي الزيادة. وذلك واضح في حادثة بلال حين أعطى صاعين من تمره الردي، وأخذ صعا من التمر الجيد.. ولكن؛ لأن تماثل النوعين في الجنس يخلق شبهة أن هناك عملية ربوية، إذ يلد التمر التمر! فقد وصفه ﷺ بالربا، ونهى عنه. وأمر ببيع الصنف المراد استبداله بالنقد، ثم شراء الصنف بالمطلوب بالنقد أيضًا إبعادًا لشبح الربا من العملية تمامًا!.
هذا من جهة ومن جهة أخرى، فقد يستغل الدهاة، والمخادعين ضعاف العقول، ويلبسوا عليهم أن هذا الإردب من القميح يساوي ثلاثة لجودته، وهذه القطعة المنقوشة نقشا بديعا من الذهب تساوي زنتها مرتين، وفي ذلك من الغبن بالناس، والإضرار بهم ما لا يخفى٢.
٢- ربا اليد: وهو البيع مع تأخير قبضهما، أو قبض أحدهما من غير ذكر أجل.
٣- ربا النسيئة: وهو البيع لأجل، وهو الذي كان مشهورًا في الجاهلية، فقد كان الواحد منهم يدفع ماله لغيره إلى أجل على أن يأخذ منه كل شهر قدرا معينا، ورأس المال باق بحاله فإذا حل طالبه برأس ماله، فإن
стр. 72
تعذر عليه الأداء زاده في الحق والأجل.
فالربا ظاهر في هذا النوع، ولا يحتاج إلى بيان إذ تتوافر فيه العناصر الأساسية لكل عملية ربوية: وهي: الزيادة على أصل المال، والأجل الذي من أجله تؤدى هذه الزيادة، وكون هذه الفائدة شرطا مضمونا في التعاقد، أي ولادة المال للمال بسبب المدة ليس إلا..
حكم ربا النسيئة:
وقد جاء تحريم ربا النسيئة تحريما قاطعا بكتاب الله، وسنة رسوله وإجماع المسلمين.
أما الكتاب، فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ١.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ ٢.
وفي هذا السياق يكشف الحق ﵎ عما في عملية الربا من قبح وشناعة، ومن جفاف في القلب وشر في المجتمع، وفساد في الأرض وهلاك للعباد، ولهذا فإن الإسلام لم يبلغ من تفظيع أمر أراد إبطاله من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الربا.. ولا بلغ من التهديد في اللفظ والمعنى ما بلغ التهديد في أمر الربا في هذه الآيات، وفي غيرها من مواضع أخرى.. وإن
стр. 73
من يتدبر حكمه الله وعظمة هذا الدين، وكمال هذا المنهج، ودقة هذا النظام يدرك اليوم من هذا كله ما لم يكن يدركه الذين واجهوا هذه النصوص أول مرة، وأمامه اليوم من واقع العالم ما يصدق كل كلمة تصديقا حيا مباشرا واقعا، فإن البشرية الضالة التي تأكل الربا، وتوكله تنصب عليها البلايا الماحقة الساحقة من جراء هذا النظام الربوي، في أخلاقها ودينها وصحتها، واقتصادها.. وتتلقى -حقا- حربا من الله تسب عليها النقمة والعذاب، أفرادا وجماعات، وأمما وشعوبا، وهي لا تعتبر ولا تفيق.
وأما تحريم الربا من السنة، فقد وردت فيه روايات كثيرة منها ما رواه مسلم: "لعن رسول الله ﷺ أكل الربا، وموكله وكاتبه، وشاهديه" ١، ومنها ما رواه ابن ماجه والبيهقي، عن عبد الله بن مسعود ﵁: "الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وأن أربى الربا عرض الرجل المسلم".
وأجمعت الأمة على أن الربا من الكبائر، حتى قيل: إنه لم يحل في شريعة من الشرائع السابقة، كقوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ ٢، يعني الأمم السابقة.
شبهات مردودة:
الشبهة الأولى: أن المنهزمين من المسلمين يزعمون أن الربا المحرم هو الذي يكون أضعافا مضاعفة، استنادا إلى قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ٣، وهذا زعم باطل، وخطأ صريح؛ لأن
стр. 74
الغرض من الآية الكريمة، إنما هو التنفير في أكل الربا، ولفت نظر المرابين لما عساه أن يئول إليه أمر الربا من التضعيف، الذي قد يستغرق مال المدين، فيصبح لمرور الزمن، وتراكم فوائد الربا فقيرا بائسا عاطلا في هذه الحياة بسبب هذا النوع الفاسد من المعاملة، وفي ذلك من الضرر على نظام العمران ما لا يخفى، ولا يكاد يتصور عاقل أن الله تعالى ينهى عن ثلاثة أضعاف، ولا ينهى عن الضعفين أو الضعف، على أنه لا يمكن لعاقل أن يفهم هذا المعنى بعد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ١.
الشبهة الثانية: وهي أن القرض بفائدة ليس من باب الربا؛ لأن الربا عقد بيع لا بد له من صيغة، أو ما يقوم مقامها، وما يتعامل به الناس الآن من أخذ مال قرضا بفائدة ليس ببيع إذ لا عقد هناك، وهذا صحيح؛ لأن الشافعية هم القائلون بذلك، ولكن غير صحيح أنهم لا يحرمون هذه العملية، فهم وإن قالوا: إن مثل ذلك ليس بعقد أيضا: إنه من باب أكل أموال الناس بالباطل، أو أن مضار الربا الذي حرم من أجلها متحققة فيه، فحرمته كحرمة الربا وإثمه كإثمه. فتحريم القرض بفائدة ثابت على أي وجه من الوجوه.
الشبهة الثالثة: أن العرب ما كانت تفرق بين البيع والربا، فكانت تحسبهما من نوع واحد، فجاء الإسلام ليبين لهم أن الزيادة التي تؤخذ على رأس المال بالبيع مختلفة عن التي تؤخذ على رأس المال في نظير الأجل، وأن الأولى مشروعة، والثانية غير مشروعة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٢، وهذه الشبهة لا زالت قائمة إلى اليوم، فإن
стр. 75
كثير من الناس في زماننا هذا يستحلون الفائدة التي تدفعها المصارف، والبنوك لأصحاب الأمول الذين يودعون أموالهم فيها.
وكانت شبهة العرب التي ركنوا إليها، هي أن البيع يحقق فائدة وربحا، كما أن الربا يحقق فائدة وربحا.. وهي شبة واهية، فالعمليات التجارية قابلة للربح وللخسارة، والمهارة الشخصية والجهد الشخصي، والظروف الطبيعية الجارية في الحياة هي التي تتحكم في الربح والخسارة، أما العمليات الربوية فيه محددة الربح في كل حالة، وهذا هو الفارق الرئيسي، وهذا هو مناط التحريم والتحليل.
إن كل عملية يضمن فيها الربح على أي وضع، هي عملية ربوية محرمة بسبب ضمان الربح وتحديده.. ولا مجال للمماطلة في هذا، ولا للمداورة١.
الفرق بين الربا والبيع:
وإذا كان الله قد أحل البيع وحرم الربا، فذلك من وجوه:
أولا: أن البيع فيه عوض يقابل عوضًا، والربا زيادة لا مقابل لها، ذلك أن البيع يلاحظ فيه دائما انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعا حقيقيا؛ لأن المشتري إذا اشترى قمحا مثلا، فإنما يشتريه ليأكله، أو ليبزره أو ليبيعه، وهو في كل ذلك ينتفع به انتفاعا حقيقيا، هذا بالإضافة إلى أن الثمن مقابل للمبيع مقابلة مرضية للطرفين البائع والمشتري، فكل منهما أقدم على ذلك عن طواعية، ورضا واختيار، وأما الربا في إعطاء الدراهم والمثليات، وأخذها مضاعفة في وقت آخر، فما يؤخذ منه زيادة عن رأس المال لا يقابل له من عين عمل، وهي لا تعطى بالرضا والاختيار، بل بالكره والاضطرار.
стр. 76
ثانيًا: إن الله حرم الربا في النقدين؛ لأنهما وضعا أساسا ليكونا ميزانا لتقديم قيم الأشياء التي ينتفع بها بالناس في معايشهم، فإذا تحول هذا، وصار النقد مقصودًا بالاستغلال، فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الثورة من أيد أكثر الناس، وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استغلال المال بالمال، فينمو المال ويربوا عندهم في المصارف، والبنوك، ويبخس العاملون قيم أعمالهم؛ لأن الربح يكون معظمه من المال نفسه، وبذلك يهلك الفقراء.
ثالثا: أنه لا يصح أن يكون الإنسان ماديا بحتا ليس فيه عاطفة خير لأخيه، فيستغل فرصة احتياجه، ويوقعه في شرك الربا، فيقضي على ما بقي فيه من حياة من أن الله تعالى قد أوصى الأغنياء بالفقراء، وجعل لهم حقًّا معلومًا في أموالهم، وشرع القرض لإغاثة الملهوفين، وإغاثة المضطرين حتى لا يكون الناس في تعاملهم كالذئاب لا يعرفون الرحمة، والتعاون عند الشدائد والأزمات، لهذا وغيره حرم الله الربا.
стр. 77
الأشاء التي يكون فيها الربا محرمًا
...
المبحث الأول: الأشياء التي يكون الربا فيها محرما:
وهي الذهب والفضة والبر، والشعير والتمر والملح، وذلك لما روى عن عبادة بن الصامت ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر والشعير بالشعير، والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شيئتم إذا كان يدا بيد" ١.
стр. 78
فأما الذهب والفضة، فإنه يحرم فيهما الربا لعلة واحدة، وهي أنهما من جنس الأثمان، فيحرم الربا فيهما، ولا يحرم فيما سواهما من الأموال كالحديد والنحاس والرصاص، والفلوس إذا راجت رواج النقود، ولا ربا كذلك في المواد التجارية كلها من قطن، وكتان وصوف وغزل وغيرها، فيجوز بيع بعضها ببعض متفاضلا، ومؤجلا ولا خلاف في شيء من ذلك إلا وجها حكاه المتولى والرافعي، ولا فرق في النقدين أن يكون مضروبا أو غير مضروب، فلا يصح أن يشتري جنيهين بثلاثة لأجل، أو مقابضة كما لا يصح أن يشتري قطعة مصنوعة من الذهب، زنتها عشرة مثاقيل بقطعة زنتها ثلاثة عشر؛ لأن مبادلة الجنس بمثله يشترط فيه ثلاثة شروط: التماثل والحلول، والتقابض قبل التفرق، فإن اختلفت الأجناس جاء التفاضل، واشترط الحلول والتقابض، وأما الأعيان الأربعة الباقية ففيها قولان: قال في الجديد: العلة فيها أنها مطعومة. والطعام اسم لكل ما يطعم، فعلى هذا يحرم الربا في كل ما يطعم، وهو يشمل ثلاثة أمور:
أحدهما: أن يكون للقوت كالبر والشعير والمقصود منهما التقوت، والحق بهما ما يشاركهما في ذلك كالأرز والذرة، وغير ذلك مما جرت عادة الناس بتحصيلة لأكل الآدميين بشراء أو زراعة، أو إدخار أو غير ذلك، واختلف في الماء العذب، فقيل: إنه يلحق بالقوت؛ لأنه ضروري للبدن، وقد أطلق الله عليه أنه طعام قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ ١، وقيل: إنه مصلح للبدن، فهو ملحق بالتداوي.
والثاني: التفكه والتأدم، والتفكه هي الفاكهة، والحلاوات، والتأدم
стр. 79
الغموس فالحق بهما كل ما في معناهما كالتين، والزيت وغيرهما.
والثالث: أن يكون لإصلاح الطعام أو لإصلاح البدن، وقد نص الحديث على الملح، فيلحق به كل ما في معناه مما يصلح الغذاء، أو يصلح البدن فإن الغذاء يحفظ الصحة، والأدوية ترد الصحة، فلا ربا فيما يختص به الجن كالعظم، أو البهائم كالتين والحشيش والنووي، أو غلب تناولها له، وإن قصده الآدميون كما قال الماوردي، وجرى عليه الشارح، وخالف في ذلك بعض المتأخرين، أما إن كانا على حد سواء، فالأصح ثبوت الربا فيه، ولا ربا في الحيوان مطلقا سواء أجاز بلعه كصغار السمك أم لا؛ لأنه لا يعد للأكل على هيئته، والدليل على أن الحيوان لا يدخله الربا أن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: أمرني رسول الله ﷺ ، أن أجهز جيشا، فنفدت الإبل فأمرني أن آخذ على قلاص١ الصدقة، فكنت آخذ البعير بالبعيرين"، وباع ابن عباس ﵁ بعيرا بأربعة أبعرة، ولا ربا في الجلود التي لم تؤكل غالبا؛ لأنها لم تخلق لذلك.
وقال في القديم: العلة فيها أنها مطعومة مكيلة، أو مطعومة موزونة، فعلى هذا لا يحرم الربا فيما لا يكال، ولا يوزن من الأطعمة كالرومان، والسفر جل والقثاء والبطيخ، وما أشبهها.
стр. 80
المبحث الثاني: بيع الحبوب بأجناسها، وبغير أجناسها:
ومن الأموال الربوية المذكورة في الحديث: البر بالبر والشعير بالشعير، وليس الربا قاصرا على القمح والشعير، وإنما يدخل معه بطريق القياس جميع الأجناس التي تتحد معهما في العلة، وهي الطعمية فكل ما يتقوت به الإنسان، ويطعمه وعليها تقوم بنيته، فإنه من الأموال الربوية، فإذا بيع بجنسه فلا يصح إلا بثلاثة شروط:
الأول: المماثلة فيما يكال كيلا، وإن تفاوت في الوزن، وفيما يوزن وزنا وإن تفاوت في الكيل والعبرة، فيما يكال ويوزن بكيل الحجاز، ووزنه لما روي أن النبي ﷺ قال: "المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة" ١. وإن كان مما لا أصل له بالحجاز ألحق بأشبه الأشياء به في الحجاز، فيأخذ حكمه، وقيل: يعتبر بالبلد الذي فيه البيع؛ لأنه أقرب إليه، وقد ذكر الشيخ الشربيني الخطيب في ذلك قوله: والمعتبر في كون الشيء مكيلا، أو موزونا غالب عادة أهل الحجاز في عهد رسول الله ﷺ ، لظهور أنه اطلع على ذلك وأقره، وإن لم يكن في عهده، أو كان، وجهل حاله فيراعى فيه عادة بلد المبيع والمماثلة تكون في الحبوب حال كمالها، وهو وقت الجفاف، وتنقيتها شرط للمماثلة لا للكمال.
الثاني: أن يكون نقدا أي حالا دون تأخير في أحد العوضين؛ لئلا يدخل في بيع الكالئ بالكالئ أي بيع النسيئة بالنسيئة، كما قال أبو عبيدة، والنسيئة: التأخير في الدفع.
стр. 81
الثالث: التقابض قبل التفرق، وقبض كل شيء بحسبه فالمنقول: يكون قبضه بالتسليم والتسلم، وقبض غير المنقول من أرض وشجر، ونحوه بالتخلية بينه وبين المشتري بأن يمكنه من البائع، ويسلمه المفتاح، ويفرغه من متاع غير المشتري اتباعا للعرف، وهذا هو القبض الحقيقي، فلا تكفي الحوالة، وإن حصل القبض بها في المجلس، أما قبض الوكيل، فيكفي عن العاقدين، أو أحدهما ما دام القبض قد تم في المجلس، فإذا تفرقا قبل القبض بطل العقد، فإن كان التفرق بإكراه، فلا يبطل؛ لأن تفرقهما حينئذ كلا تفرق، وهذا هو المعتمد.
وإذا قال أحدهما لصاحبه: اختر لزوم العقد فاختار لزومه، فإن كان قبل القبض بطل العقد حتى ولو تقابضا بعد ذلك في المجلس؛ لأن التخاير كالتفرق سواء بسواء، فإذا لم يتم التقايض قبله بطل العقد.
وخلاصة ما تقدم: أن بيع الربا بجنسه كقمح بقمح وشعير بشعير، وذهب بذهب إلخ يحرم فيه التفاضل، والنساء، والتفرق قبل القبض لما روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة والتمر بالتمر، والبر بالبر والشعير بالشعير، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيدا". ومعنى يدا بيد أن يعطيه البائع المبيع بيد، ويتناول الثمن باليد الأخرى، أو أن يقبضه في المجلس قبل التفرق، فإن باعه بغير جنسه، فإن كان مما يحرم فيه الربا بعلة واحدة كذهب بفضة، أو قمح بشعير جاز فيه التفاضل، وحرم فيه النساء، والتفرق قبل القبض، لقوله ﷺ : "فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد". أما إن كان مما يحرم فيهما الربا بعلتين: كبيع الحنطة بالذهب، والشعير بالفضة حل فيه التفاضل، والنساء، والتفريق قبل التقابض لإجماع الأمة على جواز إسلام الذهب، والفضلة في المكيلات المطعومة١.
стр. 82
بيع الدقيق بدقيق مثله:
وإذا كانت الماثلة اليقينية شطر لازم لصحة المبادلة، فإن بيع الدقيق بدقيق مثله لا يصح لانتفاء المماثلة، فإن الدقيق يتفاوت في النعومة، فأشبه بيع بالصبرة بالصبرة جزافا١، ولا يجوز بيع الدقيق بالخبز؛ لأنه دخله النار وخالطه الملح والماء وذلك يمنع التماثل، وكذلك لا يجوز بيع الخبز المأخوذ من جنس ببعضه كخبز القمح بخبز القمح مثلا لانتفاء المماثلة اليقينية، بما أحدثته النار في كل منهما.
والحبوب الجافة التي لا دهن فيها تتحقق المماثلة بالجفاف، فتكون مبادلة بعضها ببعض في الحبوب حبا، أما إن كان فيها دهن كحب السمسم، فيجوز بيع السمسم بمثله، أو الشبرج بمثله.
ويصح بيع دقيق القمح بدقيق الذرة، وغيره لاختلاف الجنس لعدم اشتراط المماثلة فيه.
"مسألة" لو قال: بعتك هذه الصبرة بتلك الصبرة مكايلة، أي كيلا بكيل، أو هذه الدراهم بتلك موازنة، فإن كالا أو وزنا، وخرجتا سواء، فالبيع صحيح وإلا لم يصح على الأظهر. "والثاني" يصح في الكبيرة بقدر ما يقابل الصغيرة، ويكون الخيار لمشتري الكبيرة.
стр. 83
المبحث الثالث: بيع الفاكهة بجنسها، وما يتعلق به.
الفواكه والثمار من الأموال الربوية، وذلك بنص الحديث المتقدم؛ ولأنها من المطعومات، فلا يباع جنس الفاكهة بجنسه كتمر بتمر، وزبيب بزبيب إلا مثلا بمثل يدا بيد، وتعتبر المماثلة في الثمار وقت الجفاف هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإنه يشترط مع جفافها أن تكون صالحة للإدخار على هيئة تمنعها من الفساد، فالتمر مثلا إذا نزع منه النوى بعد الجفاف، فإنه ولا شك يبطل كما له الفساد يتسارع إليه، فإن كان كما له لا يبطل بنزع نواه كالمشمش والخوخ، فلا يبطل بذلك؛ لأنه لا يجف غالبا إلا بنزع النوى.
وما دامت المماثلة شرطا لصحة البيع، فلا يجوز بيع الرطب بالتمر لما روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ ، "سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: "أينقص الرطب إذا يبس؟ فقيل له: نعم قال: فلا إذا" ١ فنهى عن بيع الرطب بالتمر، وجعل العلة فيه أنه ينقص عن يابسه، فدل على أن كل رطب لا يجوز بيعه بياسه إلا في بيع العرايا، وهو بيع الرطب على النخل بالتمر على الأرض خرصا٢.
وأما بيع الرطب بالرطب، فإن كان من نوع لا يدخر إلا يابسا مثل الرطب والعنب، فلا يجوز للجهل بالتماثل حال الكمال والادخار، وإن كان مما لا يدخر يابسه كسائر الفواكه، ففيه قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه جنس فيه ربا فلم يجز بيع رطبه برطبه مثل في ذلك مثل الرطب والعنب.
والثاني: يجوز؛ لأن معظم منافعه في حال رطوبته قياسا على جواز بيع اللبن باللبن٣، والرطب الذي لا يتثمر، والعنب الذي لا يكون زبيبا لا يصح بيع بعضه ببعض أصلا قياسا على الرطب بالرطب، ويستثنى الزيتون فإنه لا جفاف له، فيجوز بيع بعضه ببعض كما جزم به الغزالي وغيره.
стр. 84
حكم بيع العجوة:
وإذا كنا قد عرفنا فيما سبق أنه يشترط عدم نزع نوى التمر منه حتى لا يتسارع إليه الفساد، فهل العجوة ينطبق عليها مثل هذا الشرط، فلا يجوز بيع بعضها ببعض، أو أن بيعها جائز؛ لأنها تدخر عادة، ولا يسرع إليها الفساد؟
في هذه المسألة نظر، والذي نرجحه أنه لا يجوز بيع بعضها ببعض؛ لأن نزع النوى من شأنه أن يعرضها للفساد، وأيضا فإن العجوة لا تخرج عن أن تكون أما رطبا نزع نواه أو تمرا، فإن كانت تمرا، فعدم الصحة مستفاد من أنها تمر منزوع النوى، وإن كانت رطبا فعد الصحة مستفاد من قولهم: لا يباع رطب برطب ولا جاف، وإذا كان التمر المنزوع النوى لا يصلح للإدخار؛ لأنه يفسد، ومن ثم فلا يجوز بيعه، فلو فرض أن الله تعالى خلق تمرا، أو زبيبا لا نوى له، فإنه يصح بيعه بمثله لكماله، وصلاحيته للادخار.
стр. 85
المبحث الرابع: بيع اللحم بجنسه، وما يتعلق به:
ومن الأموال التي يدخلها الربا، اللحم، وهو أجناس مختلفة في الأظهر، وقيل: هو جنس لا شتراكها في الاسم الذي لا يقع التمييز بعده إلا بالإضافة، فعلى أنه أجناس فإن البقر والجاموس جنس، والضأن والمعز جنس، والإبل جنس. وثمرة هذا الخلاف تظهر، فإنه يصح بيع لحم البقر بلحم الضأن متفاضلا إذا جرينا على أنه أجناس مختلفة، وعلى القول بأنه جنس، فلا يصح بيع شيء من اللحم ببعضه إلا مثلا بمثل يدا بيد، ويستوي في ذلك الوحشي والأهلي، والبري والبحري على الأصح في الروضة، وتعتبر مماثلة اللحم وقت جفافه إذا طاب، ونضج وصار مقددا.
стр. 86
ولا يصح بيع اللحم بحيوان حي في الأظهر؛ لأنه ﷺ : "نهى عن بيع اللحم بالحيوان"١. وروى ابن عباس ﵁ أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر ﵁، فجاء رجل بعناق، فقال: أعطوني بها لحما فقال أبو بكر: لا يصلح هذا. وسبب المنبع أنه جنس فيه الربا بيع بأصله الذي فيه مثله، فلم يجز كبيع الشيرج بالسمسم.
وهل يدخل لحم السمك في ذلك، فيه وجهان: قال أبو إسحاق يدخل فيها، فلا يجوز بيعه بلحم شيء من الحيوان متفاضلا؛ لأن اسم اللحم يقع عليه، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ ٢، ومن أصحابنا من قال: لا يدخل فيه لحم السمك وهو المذهب؛ لأنه لا يدخل في إطلاق اسم اللحم، ولهذا لو حلف لا يأكل اللحم لم يحنث بأكل لحم السمك.
وأما الطيور فالعصافير على اختلاف أنواعها جنس، والبطوط جنس، وكذا أنواع الحمام على الأصح، وبعض الطيور أجناس، والكبد والطحال، والقلب والكرش والرئة، والمخ أجناس وإن كانت من حيوان واحد لاختلاف أسمائها وصفاتها، وشحم الظهر والبطن واللسان، والرأس والأكارع أجناس، وأما حيوانات البحر فما كان منها على هيئة السمك المعروف كالحوت، واللبيس والمرجان، والبلطي والبوري، ونحو ذلك فقيل: كلها جنس واحد، وقيل: أجناس مختلفة، وأما بقية دوابة فإنها أجناس مختلفة باتفاق، على أن الجنس الواحد يختلف باختلاف كونه وحشيا أو أهليا، فبقر الوحش جنس يغاير البقر الأهلي، والمتولد من الجنسيين جنس ثالث٣.
стр. 87
المبحث الخامس: بيع المائعات بأجناسها وبيعها بما تخرج عنه:
والمائعات مثل اللبن والخل وعضير الفواكه والدهون كالزيت، والشيرج والسمن أجناس مختلفة؛ لأنها فروع لأصول مختلفة، فيجوز بيع الجنس بمثله كخل، ولبن بلبن متماثلا، فإن كانا جنسين صح بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا.
وتعتبر المماثلة في اللبن إذا كان خالصًا غير مشوب بماء، أو ملح وغير مغلي بالنار، فإن كان مشوبا بماء أو نحوه، فلا يجوز بيعه بمثله، ولا بخالص للجهل بالمماثلة، ويدخل في المشوب ما لو خلط بالسمن غيره مما لا يقصد للبيع من السمن كالدقيق، فلا يصح بيع المخلوط بمثله؛ لأن الخلط يمنع من العلم بالمقصود١.
وإن باع الجبن والأقط، أو المصل أو اللبأ بعضه ببعض لم يجز؛ لأن أجزاءها منعقدة ويختلف انعقادها؛ ولأن فيها ما يخالطه الملح والإنفحة، وذلك يمنع التماثل، وأما بيع نوع منه بنوع آخر، فإنه ينظر فيه فإن باع الزبد بالسمن لم يجز؛ لأن السمن مستخرج من الزبد، فلا يجوز بيعه بما استخرج منه كالشيرج بالسمسم، وإن باع المخيض بالسمن، فالمنصوص أنه يجوز؛ لأنه ليس في أحدهما شيء من الآخر قال القاضي أبو الطيب الطبري: هما كالجنسين فيجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا بلا خلاف، وإن باع الزبد بالمخيض فالمنصوص أنه يجوز، وقال أبو إسحاق: لا يجوز؛ لأن في الزبد شيئا من المخيض، فيكون بيع زبد ومخيض بمخيض، وهذا لا يصح؛ لأن الذي فيه
стр. 88
من المخيض لا يظهر إلا بالتصفية والنار، فلم يكن له حكم، وما سوى ذلك لا يجوز بيع نوع منه بنوع آخر؛ لأنه يؤدي إلى التفاضل١.
والسمن إذا كان خالصا مصنعا بشمس، أو نار يجوز بيتع بعضه ببعض؛ لأنه لا يتأثر بالنار تأثر انعقاد ونقصان، فيكال إن كان مائعا ويوزن إن كان جامدا، ويباع زبد بزبد من جنسه في الأصح؛ لأن ما فيهما من اللبن يمنع المماثلة.
اعتراض وجوابه:
فإن قيل: إنه قد صح بيع اللبن ببعضه، وفي كل منهما زبد، فكيف صححته هناك، ومنعته هنا؟ أجيب عن ذلك بأن الصفة ممتزجة، فلا عبرة بها.
واعلم أن كل خلين لا ماء فيهما، واتحد جنسهما اشترط فيها التماثل، وإلا فلا وكل خلين فيهما ماء لا يباع أحدهما بالآخر إن كانا من جنس واحد، وإن كانا من جنسين، وقلنا: الماء العذب ربوي، وهو الأصح لم يجز، وإلا جاز وإن كان الماء في أحدهما، وهنا جنسان كخل عنب بخل تمر، وخل رطب بخل زبيب جاز؛ لأن الماء في أحد الطرفين، والمماثلة بين الخلين المذكورين غير معتبرة.
والكسب، وهو عصارة الدهن يجوز بيع الجنس بمثله، هذا إن كان مما يأكله الآدميون، وذلك مثل كسب السمسم، واللو أما الذي لا يأكله إلا البهائم مثل كسب القرطم، أو كان أكل البهائم له أكثر، فليس بربوي، وليس للطحينة قبل استخراج الدهن حالة كمال، فلا يجوز بيع بعضها ببعض، ولا بيع السمسم بالشيرج، لأنه في معنى بيع كسب، ودهن بدهن.
والأدهان المطيبة كدهن الورد، والبنفسج واللينوفر كلها مستخرجة من
стр. 89
السمسم، فيباع بعضها ببعض إن ربي بالطيب سمسم الدهن بأن طرح في الطيب، ثم استخرج دهنه، فإن استخرج دهنه ثم طرح فيه أوراقها، فلا يباع بعضها ببعض؛ لأن اختلاطها بها يمنع معرفة التماثل١.
وحاصل مسألة السمسم، وما اتخذ منه أن السمسم والشيرج، والكسب الخالص يباع كل منهما بمثلة، وكذا الشيرج بالكسب الخاللص من الدهن، ولو من التفاضل في الأخيرة، ويمتنع بين السمسم بالشيرج، وبالطحينة وبالكسب؛ لأن الشيء لا يباع بما اتخذ منه.
стр. 90
المبحث السادس: الصرف:
والصرف بيع النقد بالنقد من جنسه وغيره، والمراد به الذهب والفضة مضروبا كان أو غير مضروب، فإن بيع بجنسه كالذهب بذهب اشترط المماثلة، والحلول والتقايض قبل التفرق والتخاير، وإن بيع بغير جنسه كذهب بفضة جاز التفاضل واشترط الحلول، والتقابض قبل التفرق والتخاير، وعلة الربا في الذهب والفضة جنسية الأثمان غالبا كما صححه في المجموع، ويعبر عنها أيضا بجوهرية الأثمان غالبا، وهي منتفية عن الفلوس وغيرها من سائر العروض؛ لأنها قيم الأشياء كما جرى عليه صاحب التنبيه؛ لأن الأواني والتبر والحلي يجري فيها الربا، وهي ليست مما يقوم بها، واحتز بقوله غالبا عن الفلوس: إذا راجت فإنه لا ربا فيها، ولا أثر لقيمة الصنعة في ذلك حتى لو اشترى بدينار ذهبا مصوغا قيمته أضعاف الدنانير اعتبرت المماثلة، ولا نظر إلى القيمة٢.
стр. 91
الفصل الثالث: في القراض وما يتعلق به من أحكام:
تعريفه لغة وشرعًا:
القراض لغة مشتق من القرض وهو القطع؛ لأن المالك يقطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها، وقطعة من الربح، ومنه المقراض آلة للقطع، ويسمى أيضا مضاربة لاشتماله غالبا على الضرب في الأرض الذي هو السفر قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ ١، أي سافرتم لاشتماله عليه غالبا، والقراض والمقارضة لغة أهل الحجاز.. والمضاربة لغة أهل العراق.
وشرعا: عقد يقتضي دفع المالك مالا للعامل ليعمل فيه، والربح بينهما، ويفهم من هذا التعريف أن القراض لا يكون إلا على مال، فلا يصح أن يكون على منفعة كسكنى الدار، كما لا يصح أيضا علي دين سواء أكان العامل هو المدين أم غيره، والعامل بمقتضى عقد القراض يكون شريكا لرب المال في الربح، فخرج بذلك الوكيل؛ لأن الوكيل يتصرف نيابة عن الموكل، ولا يستحق عن هذا العمل شيئا في الغالب.
دليل المشروعية:
والدليل على مشروعية القراض الإجماع، والقياس على المساقاة بجامع أن في كل العمل في شيء ببعض نمائه مع جهالة العوض؛ ولأن المساقاة والقراض كل منهما جوز للحاجة من حيث أن مالك النخيل قد لا يحسن تعهدها، ولا يتفرغ له، ومن يحسن العمل قد لا يملك ما يعمل فيه، وهذا المعنى موجود في القراض؛ لأن صاحب المال قد لا يحسن التصرف، ومن مال له يحسنه، فيحتاج الأول إلى الاستعمال، والثاني إلى العمل
стр. 92
وقد استدل الماوردي على صحة القراض بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ١، واستدل عليه أيضا بأن رسول الله، ضارب لخديجة بمالها إلى الشام، وهو بعيد فليس ذلك نصا في القراض، لاحتمال أن المراد بالفضل المشار إليه في الآية هو الرزق من غير عمل، وأنه ﷺ لم يكن مقارضا؛ لأن خديجة لم تدفع له مالا يشتري به، وإنما كان مأذونا له في التصرف عنها يبيع أمتعتها على سبيل الوكالة، فهو صلوات الله عليه كان وكيلا بأجر.
حكم القراض:
وأما حكمه فهو عقد جائز بين الطرفين، لكل منهما فسخه متى شاء، وإذا كان الفسخ من جهة العامل كان عليه أن يوفي الديون، ويدفع رأس المال بعد أن يصبره دراهم ودنانير، والدليل على ذلك ما رواه -زيد بن أسلم عن أبيه أن عبد الله، وعبيد الله بني عمر بن الخطاب ﵃ خرجا في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرا على عامل لعمر بن الخطاب ﵁، فرحب بهما.. وقال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى. ههنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكما إياه فتبتاعان به متاعا من متاع العراق، ثم تبيعانه في المدينة، وتوفران رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون لكما ربحه، فقالا: وددنا ذلك ففعل، وفكتب إلى عمر يأخذ منهما المال، فلما قدما وباعا ربحا، فقال عمر: أكل الجيش قد أسلف كما أسلفكما، فقالا: لا فقال عمر: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما، أديا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: يا أمير المؤمنين لو هلك المال
стр. 93
ضمناه، فقال: أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف ربح المال؛ ولأن الأثمان لا يتوصل إلى نمائها المقصود إلا بالعمل، فجاز المعاملة عليها ببعض الخارج منها كالنخل في المساقاة.
أركان عقد القراض:
وهذه الأركان هي: صيغة، وعاقدان ومال، وعمل، وربح، وإذا كان الفقهاء اعتبروا العمل والربح من الأركان، وهما لا يوجدان عادة إلا بعد عقد القراض، فما ذلك إلا؛ لأنه لا بد من ذكرهما لتوجد ماهية القراض، وإلا فقد يقارض ولا يوجد عمل من العامل، أو يعمل، ولا يوجد ربح.
الركن الأول: الصيغة: وهي إيجاب وقبول، بأي لفظ يتأدى به معنى القراض أو المضاربة؛ لأن المقصود هو المعنى، فجاز بما يدل عليه كالبيع بلفظ التمليك، فإن فإن كانت الصيغة بلفظ يفيد العقد كقارضتك، أو عاملتك أي بلفظ الماضي، فإن القبول يكون باللفظ، فيقول: قبلت فلا يكفي القبول بالفعل بأن يأخذ الدراهم، فعلا بعد قوله له: قارضتك في كذا علي أن يكون الربح بيننا، بل لا بد أن يسبق هذا الفعل اللفظ، فإن كان الإيجاب بلفظ من ألفاظ الأمر كخذ مثلا، فقد قيل: يكفي أخذ الدراهم، والأصح أنه لا يكفي مطلقا أي سواء كان بلفظ الأمر أو بما يفيد العقد، لأنه عقد معاوضة يختص بمعين، فلا يشبه الوكالة؛ لأنها مجرد إذن، ولا الجعالة؛ لأنها لا تختص بمعين.
وهذا العقد لا يقبل التعليق؛ لأنه يبطل بالجهالة كالبيع والإجارة، ولا يقبل شرط المدة فيه؛ لأنه عقد معاوضة مطلقا، فيبطل بالتأقيت كالبيع، والنكاح
стр. 94
فإذا شرط عليه المنع من البيع بعد مدة معينة كشهر مثلا بطل العقد؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد، فإن العامل يستحق البيع لأجل الربح، وهذا شرط ينافيه ومن ثم فإنه يصح، وذلك بخلاف ما إذا شرط عليه ألا يشتري بعد مدة كذا، فهذا شرط صحيح؛ لأن رب المال يملك المنع من الشراء إذا شاء، فإذا شرط المنع منه، فقد شرط ما يملكه بمقتضى العقد، فلم يمنع من صحته.
الركن الثاني: العاقدان: وهما المالك والعامل، ولهما شروط:
فيشترط أولا: في المالك ما شرط في الموكل، وفي العامل ما شرط في الوكيل؛ لأن القراض توكيل وتوكل، فلا يجوز أن يكون أحدهما سفيها، ولا صبيا ولا مجنونا، أما الأعمى فإنه يجوز أن يكون مالكا، ولا يجوز أن يكون عاملا، ولولي المجنون والصبي، والسفيه أن يقارض لهم من هو أهل لإيداع المال عنده، ولو كان بأكثر من أجرة المثل ما دام لم يجد غيره؛ لأن في ذلك منفعة لهم، وأما المحجور عليه بفلس، فلا يصح أن يقارض، ويصح أن يكون عاملا؛ لأن الحجر عليه يمنعه من التصرف في أمواله تصرفا قد يضر بالغرماء، ويصح القراض من المريض، ولا يحسب ما زاد على أجرة المثل من الثلث؛ لأن المحسوب منه ما يفوته من ماله، والربع ليس بحاصل حتى يفوته، وإنما هو شيء يتوقع حصوله، وإذا حصل حصل بتصرف العامل.
ويشترط ثانيا: أن يكون الإذن مطلقًا، فلا يجوز للمالك أن يضيق التصرف على العامل، فإذا قال له مثلا لا تشتر شيئا حتى تشاورني، أو لا تشتر إلا الحنطة البيضاء، أو لا تتعامل إلا مع زيد من الناس، فلا تشتر إلا منه، ولا تبع إلا له فهذا من شأنه أن يضيق عليه الخناق، فلا يحقق الغرض المقصود؛ لأن المقصود من القراض حصول الربح، وقد لا يحصل فيما يعينه
стр. 95
من الأصناف أو الأشخاص، ومثل هذا أن يشترط عليه التصرف في شيء يندر وجوده كالياقوت الأحمر، أو الخيل البلق، وهي الخيل الذي اختلط سوادها ببياضها، فهذا لا يجوز؛ لأنه لم يحصل منه الربح غالبا، فإن كان في شيء يعم وجوده غالبا كالثياب، والطعام والفاكهة في وقتها صح.
ويشترط ثالثا: أن يستقل العامل بالعمل، ليتمكن من العمل متى شاء، والمحظور في هذا هو اشترك المالك مع العامل في العمل؛ لأنه يصح أن يقارض المالك الواحد أكثر من عامل في وقت واحد، كما يجوز له أن يفرض لأحدهما النصف، وللآخر الربع أو الثلث، وقد أجاز فقهاء المذهب شرط إعانة مملوك المالك للعامل كبهيمته، أو رجل أجير عنده؛ لأنه مال، فجعل تبعا للمال؛ ولأن ذلك لا يمنع استقلال العامل بالعمل.
وإذا كنا قد جوزنا للمالك أن يقارض أكثر من عامل، فإن للعامل أيضا أن يقارض أكثر من مالك، ولكن هل له أن يشرك غيره معه في العمل؟ وللإجابة عن هذا التساؤل، نقول: إنه إذا فعل ذلك، فإما أن يكون بإذن المالك، أو بغير إذنه، فإن كان بغير إذنه فسد العقد مطلقا سواء قصد أن يشاركه في العمل والربح، أو يشاركه في الربح فقط، أو قصد أن يحل محله، وينسلخ هو من العمل؛ لأن المالك لم يأذن فيه، ولم يأتمن غيره، وإن كان بإذن المالك، فإن أذن له بالمشاركة في الربح، والعمل، فلا يجوز ذلك في الأصح؛ لأن القراض شرع على خلاف القياس رفقا بالناس من أجل المصلحة، وموضوعه أن يكون بين عاقدين أحدهما مالك لا عامل، والآخر عامل ولو متعددا، فلا يصح أن يعقده عاملان من استمرارهما عاملين، فإن قارضه العامل بالإذن لينفرد بالربح، والعمل صح كما لو قارضه المالك بنفسه، والربح بين المالك، والعامل الثاني، وينعزل الأول بمجرد الإذن له إن ابتدأه المالك، كذا قيل والمعتمد أنه لا
стр. 96
ينعزل إلا بالعقد مطلقا؛ لأنه لا قراض إلا بعقد١، هذا إذا كان المال مما يجوز عليه القراض، فلو وقع بعد تصرف الأول وصيروته عروضا لم يجز؛ لأنه لا بد أن يكون مما يصح القراض عليه ابتداء بأن يكون نقدًا.
حكم تصرف العامل الثاني:
وإذا تصرف العامل الثاني بغير الثاني بغير إذن المالك، فتصرفه تصرف غاصب فيضمن ما تصرف فيه، فإن اشترى بعين مال القراض لم يصح شراؤه؛ لأنه فضولي أو تصرف في الذمة له، فإن ربح فالربح للأول؛ لأنه وكيل عنه أما هو فليس له إلا الأجرة إذا لم يرض أن يعمل مجانا، فإن عمل مجانا كأنه قال له الأول، وكل الربح لي فلا أجرة له، وقد جاء في المهذب: فإن كان رب المال قد قارض العامل على النصف، وقارض العامل آخر، واشترى الثاني في الذمة، ونقد الثمن من مال القراض وربح، فعلى المذهب القديم قال المزني: إن لرب المال نصف الربح، والنصف الآخر بين العاملين لكل منهما نصفه، وقد وافق أبو إسحاق على ما ذهب إليه المزني، وقال: هذا صحيح؛ لأن رب المال رضي أن يأخذ نصف الربح، والنصف الثاني بين العاملين؛ لأنهما رضيا أن ما رزق الله بينهما، والذي رزق الله تعالى هو النصف، فإن النصف الآخر أخذه رب المال فصار كالمستهلك، وخالف في ذلك بعض الأصحاب، فقالوا برجوع العامل الثاني على العامل الأول بنصف أجرة مثله؛ لأنه دخل علي أن يأخذ نصف ربح المال، ولم يسلم له ذلك إذ أن الربح كله للمالك لا للغاصب، إذ لو جعلناه للغاصب لاتخذ ذريعة إلى الغصب من العاملين، واختاره السبكي؛ لأنه لم يتصرف بإذن المالك، فأشبه الغاصب.
стр. 97
وعلى المذهب الجديد: الربح كله للعامل الأول، وللعامل الثاني أجرة مثله، ومن الأصحاب من وافق المزني في رأيه الذي ذهب فيه إلى أن الربح للأول؛ لأن العامل الثاني لم يشتر لنفسه وإنما اشتراه للأول، فكان الربح له بخلاف الغاصب في غير القرض، فإنه اشتراه لنفسه فيكون الريح له، ومنهم من قال: هذا غلط؛ لأن الربح للعامل الثاني؛ لأنه المتصرف فصار كالغاصب في غير القراض، هذا إذا كان العامل الثاني قد اشترى للأول بمال في ذمته.. فإن اشترى بعين مال القراض، فباطل على الجديد القائل ببطلان شراء الفضولي، وحينئذ فيكون الأول باق على صحته، وله أن ينزع المال من الثاني، ويتصرف فيه، وأما المذهب القديم للقابل له، فقائل بالوقف أي أن تصرف العامل الثاني صحيح موقوف على الإجازة، هذا كله إن بقي المال، فإن تلف في يد العامل الثاني، وعلم بالحال فغاصب وعليه الضمان، وإن جهل فعلى العامل الأول.
الركن الثالث: المال وله شروط:
الأول: أن يكون نقدًا، والنقد هو المضروب من الذهب والفضة دراهم، ودنانير خالصة، فلا يجوز على تبر، والتبر هو الذهب والفضة قبل ضربهما، ولا على حلى، وهو ما يتحلى به النساء من المصوغات الذهبية أو الفضية، ولا على المغشوش من الدراهم، أو الدنانير وإن راجت وعلم قدر غشها؛ لأن الغش الذي فيها عرض، ولا يجوز القراض على العروض، وخالف في ذلك السبكي، وقال: يقوى عندي أن أفتي بالجواز، وأن أحكم به إن شاء الله، ولا على عروض مثلية أو متقومة؛ لأن القراض عقد غرر من حيث أن العمل فيه غير مضبوط والربح غير موثوق به، ولولا الحاجة لما صح، ومن ثم فإنه يختص بما يروج غالبا، ويسهل التجارة به، وهو الأثمان من الذهب والفضة أو هما معا.
стр. 98
الثاني: أن يكون رأس المال معلوم القدر والجنس والصفة، فلا يجوز على مجهول القدر دفعا لجهالة الربح، فاشترط العلم بقدر المال ليعلم العامل ما يخصه من الربح بخلاف الشركة، فيكفي العلم بما يخص كلا منهما عند القسمة، ولا على مجهول الصفة، ومن ذلك ما عمت به البلوى من التعامل بالفضة المقصوصة، فلا يصح القراض عليها؛ لأن صفة القص، وإن علمت إلا أن مقدار القص مختلف فيه، فلا يمكن ضبط مثله عند التفاضل حتى لو قارضه على قدر منها معلوم القدر وزنا، فالظاهر عدم الصحة؛ لأنه حين الرد، وإن أحضر قدره وزنا لكن القرض يختلف بتفاوت القص قلة وكثرة.
قال السبكي: ويصح القراض على غير المرئي؛ لأنه توكيل.
الثالث: أن يكون معينا عند المالك، فلو كان غير معين بأن كان القراض على ما في الذمة، ذمة العامل أو ذمة الأجنبي، فلا يصح وإن عين في المجلس لفساد العقد، فإن المالك لا يقدر على تعيين ما في ذمة غيره، نعم إن كان على ما في ذمة المالك بشرط ألا يكون دينا، فإن قارضه على ألف في ذمته أي غير معينة، ثم عينه في المجلس صح القراض خلافا للبغوي.
ويفهم من هذا أنه كان في ذمة غير المالك، فلا يجوز سواء عين في المجلس، وقبضه المالك فيه أو لا، ويؤخذ من كلامه أنه إذا قارضه على دين في ذمة العامل، فإن عينه وقبضه المالك في المجلس صح، وعليه بعد القبض أن يرده للعامل بلا تجديد عقد، وإن قارضه على دين في ذمة أجنبي لم يصح، وإن عينه وقبضه في المجلس، إلا بعقد جديد بعد تعينه وقبضه، والفرق بين العامل والأجنبي، وأن ما في ذمة غير العامل معجوز عنه حال العقد بخلاف ما في ذمة العامل، فإنه قادر على تحصيله فصح العقد.
стр. 99
الشرط الرابع: أن يسلم المال إلى العامل، ويستقل باليد عليه والتصرف فيه، وكل شرط ينافي ذلك لا يصح، فلو شرط المالك أن يكون المال في يده أو في يد غيره، فهذا الشرط يقتضي بطلان عقد القراض؛ لأنه قد لا يجده عند الحاجة وغير صحيح أيضا ما لو شرط عليه مراجعته في التصرف، أو شرط عليه أن يعمل معه؛ لأن انقسام اليد يقتضي انقسام التصرف، ولكن يصح كما سبق أن ذكرنا شرط إعانة مملوك المالك للعامل؛ لأن ذلك لا يمنع استقلال العامل بالمال، ومملوك المالك مال، فجعل عمله تبعا للمال، ولكي يكون هذا الشرط صحيحا، فلا بد وأن يكون المملوك معلوما برؤية أو وصف، والحكمة في اشتراط كون رأس المال نقدًا، أن المقصود من القراض رد رأس المال، واقتسام المالك والعامل الربح بينهما بالنسبة المتفق عليها، فإذا كان رأس المال عروضا تجارية أو نقدا مغشوشا، فإنه يصعب رد رأس المال بقيمته التي كان عليها أثناء التعاقد؛ لأنه يزيد وينقص حسب قانون العرض والطلب، فإذا زادت هذه الأشياء في الثمن احتاج العامل أن يصرف جميع ما اكتسبه لرد مثل رأس المال إن كان مثليا، أو قيعيا إن لم يكن له مثل، وفي ذلك إضرار بالعامل، وإذا نقص عن قيمته فإنه يصرف جزءا يسيرا من الربح في رد مثله، أو قيمته ثم يشارك رب المال في الباقي، وفي كلتا الحالتين لا تتحقق العدالة بين المالك والعامل، وإنما تتحققق إذا كان رأس المال نقدا خالصا من الذهب والفضة؛ لأن قيمتهما ثابتة لا تتغير غالبا.
الركن الرابع: العمل ويشترط فيه أن يكون في تجارة، فليس كل عمل يصلح للقراض، وإنما العمل الذي يحقق الربح بالتجارة، فإن كان الربح باحتراف صنعه كطحن، وعجن وخبز أو غزل، وما شاكل ذلك فلا يصح؛ لأن هذه الأعمال لا يسمى فاعلها تاجرا بل محترفا، فالقراض عليها فاسد؛ لأنها
стр. 100
أعمال مضبوطة، ويمكن الاستئجار عليها، فلا يحتاج إلى القراض عليها؛ لأنه جوز للحاجة، فلو فعل ذلك العامل من غير شرط لم يفسد القراض، وأجرته على المالك إن أذن له، ولو شرط على العامل استئجار ذلك من مال القراض جاز وفيه نظر؛ لأن الربح لم ينشأ عن تصرف العامل، وهذا أوجه وإذًا: فشرط العمل أن يكون تجارة؛ لأن الحرفة يمكن الاستئجار عليها، وألا يضيق العمل على العامل بأن يشترط عليه شراء متاع معين كقوله: ولا تشتر إلا هذه السلعة، وهو ظاهر بل لو قال: على أن تشتري حنطة، وتبيعها في الحال لم يصح لتضييقه عليه بطلب الفورية في الشراء والبيع، وعليه لو حذف قوله: في الحال كان قراضا صحيحا، ولو قارضه على أن يشتري الحنطة، ويخزنها مدة فإذا ارتفع سعرها باعها لم يصح، وظاهر أنه إذا لم يشرط عليه الخزن، فاشترى هو وخزن باختياره إلى ارتفاع السعر لم يضر؛ لأنه إذا شرط لم يجعل التصرف إلى رأي العامل.
ولا يشرط عليه المالك شراء نوع نادر الوجود كخيل بلق، أو معاملة شخص معين كقوله: لا تبع إلا لزيد أو لا تشتر إلا منه، ولا أن يوقت له مدة كسنة؛ لأن المتاع والمدة المعينين قد لا يربح فيهما، والنادر قد لا يجده، والشخص المعين قد لا يتأتى من جهته ربح في بيع أو شراء.
نوع العمل الذي يؤديه العامل:
والعمل الذي يجب على العامل أن يؤديه هو ما جرت العادة به كنشر الثياب وطيها، والإيجاب والقبول، وقبض الثمن ووزن ما خف كالعود والمسك؛ لأن إطلاقه الإذن يحمل على العرف، وقد جرى العرف أن يتولى العامل هذه الأشياء بنفسه، فإن لم يفعل واستأجر عليها لزمه دفع الأجرة من ماله الخاص، بخلاف ما يثقل حمله، فلا يلزمه أن يتولاه بنفسه بل
стр. 101
يستأجر من يقوم به من مال القراض، فإن قام بذلك هو لم يستحق الأجرة؛ لأنه تبرع به.
القيود الواردة على حرية العامل في العمل:
وليس للعامل أن يتصرف إلا فيما أذن فيه المالك، فإن أذن له في التجارة لم يملك الإجارة؛ لأن تصرفه بالإذن فلا يملك إلا ما دخل فيه، ولا يبيع إلا بثمن المثل ولا بثمن مؤجل؛ لأنه يتصرف في حق غيره، فلا يملك إلا ما فيه النظر والاحتياط، وليس فيما ذكرناه نظر ولا احتياط.
ووجه منع الشراء نسيئة إلا بإذن المالك أنه كما قال الرافعي: قد يتلف رأس المال، فتبقى العهدة متعلقة بالمالك، ولكل من المالك والعامل رد بعيب؛ لأن لكل منهما حقا في المال هذا إن فقدت مصلحة الإبقاء بحيث لو أبقي لا يربح، ولو فقد مصلحة الرد بأن استويا بأن كان الرد يحتاج إلى مؤنة كأجرة حمله إلى مكان البائع، أو كان البائع مماطلا بالثمن امتنع الرد، وإذا كان الرد ممتنعا، فلا يجوز ولا ينفذ شرعًا.
ولا يعامل العامل المالك كأن يبيعه شيئا من مال القراض؛ لأن المال له، ويأخذ حكم المالك في ذلك وكيله ومأذونه، وكذا امتناع معاملة أحد العاملين للآخر في ماله، وإن أثبت لكل منهما الاستقلال، وخرج بمال المالك مال غيره كأن كان وكيلا عن غيره، فتجوز معاملته، ولا يشتري بأكثر من مال القراض، وصورة الشراء بأكثر من مال القراض أن يقع الشراء في عقدين بأن كان مال القراض مائة، واشترى سلعة بمائة إما بعين تلك المائة، أو في الذمة ولم ينقدها فيهما، ثم يشتري بخمسين من تلك أو بها، فإن الشراء الثاني باطل لتعين المائة للعقد الأول.
стр. 102
الركن الخامس: الربح:
فإذا كان هناك ربح، فإن هذا الربح يختص به المالك والعامل، فلا يجوز شرط شيء منه لثالث؛ لأن المالك يأخذ بملكه والعامل بعمله، فإن قارضه على أن لزوجته أو لابنه، أو لأجنبي ثلث الربح، فالقراض باطل؛ لأنه جعل لغيرهما منه شيئا مع عدم العمل، فإن شرط عليه العمل، فهو قراض لاثنين، فإن شرط جزء الربح للمالك وجزءا للعامل، وجزء للمال أو الدابة التي يدفعها المالك للعامل؛ ليحمل عليها مال القراض مثلا، فالظاهر الصحة، وكأن المالك شرط لنفسه جزئين، وللعامل جزءا وهو صحيح١.
ويشترط مع هذا أن يكون الربح معلوما لهما بجزئية كنصف، وثلث فلو قال: قارضتك على أن يكون لك في الربح حصة، أو نصيبا أو جزءا أو شيئا منه، فلا يصح للجهل بحصة العامل، ولا يصح على أن لأحدهما عشرة، أو ربح صنف لعدم العلم بالجزئية؛ ولأنه قد لا يربح غير العشرة، أو غير ربح ذلك المصنف، فيفوز أحدهما بجميع الربح.
ويتضح من هنا أن الربح له ثلاثة شروط: كونه للمالك والعامل، وكونه معلومًا، وكون العلم بالجزئية كما سبق أن ذكرنا.
ويتفرع على ذلك صورة مختلفة:
الأولى: لو قارض المالك العامل على أن كل الربح للعامل، فقراض فاسد في الأصح نظرا للفظ؛ لأن القراض يقتضي المشاركة في الربح، ولا توجد هذه المشاركة فكان فاسدا. وقيل: قراض صحيح نظرا للمعنى؛ لأن أحدهما إذا انفرد به يصدق عليه اختصاصهما به إذ لم يشرط فيه شيء لثالث، وإن
стр. 103
قال المالك: وكل الربح لي فقراض فاسد في الأصح لما مر، فيستحق العامل على المالك في الأولى أجرة عمله دون الثانية، وقيل: هو إبضاع أي توكيل بلا أجر، والإبضاع بعث المال مع من يتجر فيه متبرعًا.
الثانية: إذا قال المالك خذه وتصرف فيه والربح كله لك، فقرض صحيح أو كله لي فإبضاع، وفارقت هذه الصورة الصورة المتقدمة بأن للفظ فيها صريح في عقد آخر.
الثالثة: إذا قال: قارضتك على أن الربح بيننا، فالأصح الصحة، ويكون نصفين كما لو قال: هذه الدار بيني وبين فلان، فإنها تجعل بينهما نصفين.
والثاني: لا يصح لاحتمال اللفظ لغير المناصفة، فلا يكون الجزء معلوما كما لو قال: بعتك هذه الدار بألف دراهم ودنانير، ولو قال: قارضتك على أن يكون الربح بيننا أثلاثا لم يصح للجهل بمن له الثلث، ومن له الثلثان.
الرابعة: لو قال: قارضتك ولم يتعرض للربح فسد القراض؛ لأنه خلاف وضعه.
حكم اختلاف العاقدين:
وإذا حدث اختلاف بين العامل ورب المال في قدر الربح، فادعى العامل أنه النصف، وادعى رب المال أنه الثلث تحالفا؛ لأنهما اختلفا في عوض مشروط في العقد، فيتحالفا كالمتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن، فإن حلفا صار الربح كله لرب المال، ويرجع العامل بأجرة المثل؛ لأنه لم يسلم له المسمى، فرجع ببدل عمله.
стр. 104
أما إن اختلفا في قدر رأس المال، فقال رب المال: ألفا، وقال العامل: خمسمائة، فإن لم يكن في المال ربح، فالقول قول العامل؛ لأن الأصل عدم القبض، فلا يلزمه إلا ما أقر به، وإن كان في المال ربح، ففيه وجهان:
أحدهما: أن القول قول العامل لما ذكرناه.
الثاني: أنهما يتحالفان؛ لأنهما اختلفا فيما يستحقان من الربح كما لو اختلفا في قدر الربح المشروط، والصحيح الأول؛ لأن الاختلاف في الربح المشروط اختلاف في صفة العقد، فيتحالفان كالمتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن، وهذا اختلاف فيما قبض، فكان الظاهر مع الذي ينكر كالمتبايعين إذا اختفا في قبض الثمن، فإن القول قول البائع.
متى يضمن العامل مال القراض؟
والعامل أمين فيما في يده من مال القراض، فلا يضمن إلا بتفريط، فإن تلف المال في يده من غير تفريط لم يضمن؛ لأنه نائب عن رب المال في التصرف، فلم يضمن من غير تفريط، فإن كان القراض ألفا فاشترى بضاعة في الذمة، ثم تلف الألف قبل أن ينقد المثن انفسخ عقد القراض لتلف رأس المال بعينه، وعلى رب المال أن يدفع الثمن؛ لأن العامل اشتراه له، فكان الثمن عليه كما لو تلف الثمن في يد الوكيل قبل أن ينقده، وقيل: على العامل؛ لأن رب المال لم يأذن له في التجارة فيما زاد على رأس المال، فإن تلف رأس المال بتفريط العامل، فعليه الضمان كما إذا سافر في بر أو بحر بغير إذن المالك لما في ذلك في تعريض المال للخطر، ومن ذلك أيضا ما لو قارض العامل رجلين على مالين، واشترى لكل منهما حضانا، ثم أشكل عليه الأمر، فلم يعرف ما يخص كلا منهما، في هذه الحالة قيل: يباع الحصانان، فإن
стр. 105
لم يكن فيهما ربح، قسم المال بينهما ولا شيء للعامل، وإن ربح شاركهما فيه، وإن خسر فيهما ضمن العامل ما نقص؛ لأنه إنما حصل بتفريطه.
وقيل: إن الحصانين للعامل، ويلزمه قيمتهما؛ لأنه تعذر ردهما بتفريطه، فلزمه ضمانهما كما لو أتلفهما.
هل ينفذ تصرف العامل في القراض الفاسد؟
لا فرق عندنا بين العقد الفاسد والعقد الباطل، فهما بمعنى واحد، والعقد يبطل أو يفسد ركن من أركانه، أو شرط من شروطه السابقة بأن يكون رأس مال القراض ليس نقدا، أو يكون الربح غير معلوم، أو يكون العاقدان قد شرطا خلاف ما يقتضيه العقد، وهو أن يكون الربح لأحدهما، وإذا فسد العقد نفذ تصرف العامل؛ لأن العقد إذا بطل فقد بقي الإذن فيملك به التصرف، فإن حصل ربح في المال سقط حق العامل في الربح لبطلان العقد، ولا يكون له إلا أجر المثل إن كان لا يرضى أن يعمل إلا بعوض، فإن رضي بذلك كأن يكون قارضه على أن الربح كله لرب المال، فلا يستحق شيئا؛ لأنه رضي أن يعمل من غير عوض، فصار كالمتطوع بالعمل من غير قراض، وهذا هو قول المزني. وخالف في ذلك أبو العباس، فقال باستحقاقه أجر المثل؛ لأن العمل في القراض يقتضي العوض، فلا يسقط كالوطء في النكاح.
وإن ظهر في المال ربح، فمتى يملك العامل حصته منه؟ في هذه المسألة ثلاثة آراء: الأول: قبل الظهور كرب المال. والثاني: بالقسمة؛ لأنه لو ملكه بالظهور لكان شريكا لرب المال، وإذا هلك شيء كان هالكا من المالين وليس كذلك، ومع أنه يملكه بالقسمة، فإنه لا يستقر ملكه إلا إذا وقعت بعد الفسخ
стр. 106
ونضوض رأس المال أي صار نقدًا، حتى لو حصل بعد القسمة نقص جبر بالربح المقسوم.
ويملك العامل حصته من الربح بقسمته؛ لأنه لو ملكها بالظهور، وقبل القسمة لكان شريكا في المال، فيكون النقص الحادث بعد ذلك محسوبا عليهما، وليس كذلك لكنه إنما يستقر ملكه بالقسمة إن نض رأس المال، وفسخ العقد حتى إذا حصل بعد القسمة نقص جبر بالريح المقسموم، ويستقر في ملكه أيضًا بنضوض المال، والفسخ بلا قسمة، ومعنى هذا أن ملكيته للربح لا تكون ثابتة، ومستقرة ونهائية إلا بنضوض رأس المال، وفسخ العقد سواء تمت القسمة أو لا، أما مجرد ظهور الربح فلا يملك به الربح، لكن يثبت له فيه حق مؤكد، فإن مات يورث عنه، ويقدم به على الغرماء، وعلى مؤن تجهيز المالك لتعلقه، بعين المال، ولا يدخل في الربح كل زيادة ناشئة من عين المال من غير تصرف العامل؛ لأنه ليس من فوائد التجارة كثمر ونتاج، وغيرها من سائر الزوائد العينية الحاصلة بغير عمل، ولو اشترى حيوانا حاملا، أو شجرا عليه ثمر غير مؤبر، فالأوجه إن الولد والثمر من مال القراض، فلا يختص بالمالك وحده، بل يكون بينهما١.
وقيل: إن العامل يملك حصته من الربح؛ لأنه أحد المتقارضين، فملك حصته من الربح بالظهور كرب المال.
حكم طلب أحد المتعاقدين فسخ العقد:
عرفنا مما سبق أن القراض عقد جائز لكل واحد من المتعاقدين أن يفسخ العقد متى شاء؛ لأنه تصرف في مال الغير بإذنه، فملك كل منهما
стр. 107
فسخه كالوديعة والوكالة، فإن فسخ العقد، وكان المال من غير جنس رأس المال وتقاسماه جاز، وإن باعاه جاز؛ لأن الحق لهما، وإن طلب العامل البيع وامتنع رب المال أجبر؛ لأن حق العامل في الربح لا يحصل إلا بالبيع، فإن قال رب المال: أنا أعطيك مالك فيه من الربح وامتنع العامل، فإن قلنا: إنه ملك حصته من الربح بالظهور لم يجبر على أخذه، كما لو كان بينهما مال مشترك، وبذل أحدهما للآخر عوضًا، وإن قلنا: إنه لا يملك حصته بالظهور، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجبر على بيعه؛ لأن البيع لحقه وقد بذل له حقه، والثاني: أنه يجبر؛ لأنه ربما زاد في القيمة.
وأن طلب رب المال البيع، وامتنع العامل أجبر على بيعه؛ لأن حق رب المال في رأس المال، ولا يحصل ذلك إلا بالبيع، فإن قال العامل: أنا أترك حقي ولا أبيع، فإن قلنا: إن العامل يملك حصته بالظهور لم يقبل منه؛ لأنه يريد أن يهب حقه وقبول الهبات لا يجب، وإن قلنا: إنه لا يملكه بالظهور، ففيه وجهان أحدهما لا يجبر على بيعه؛ لأن البيع لحقه، وقد تركه فسقط، والثاني: يجب؛ لأنه البيع لحقه ولحق رب المال في رأس ماله، فإذا رضي بترك حقه لم يرض رب المال بترك رأس ماله.
стр. 108
اللقطة والأحكام المتعلقة بها
مدخل
...
الفصل الرابع: اللقطة والأحكام المتعلقة بها:
تعريف اللقطة لغة:
جاءت اللقطة في اللغة: بفتح القاف اسم للمتلقط، قال الخليل بن أحمد: لأن ما جاء على فعله فهو اسم للفاعل، كقولهم: همزة ولمزة وضحكة وهزأة، واللقطة بسكون القاف: المال الملقوط مثل الضحكة بالسكون بمعنى المضحوك عليه كثيرا، وقال الأصمعي وابن الأعرابي والفراء: هو بفتح القاف اسم للمال الملقوط أيضًا، ومعناها في اللغة ما وجد على تطلب، قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ : قال ابن عرفة: الالتقاط وجود الشيء من غير طلب.
تعريف اللقطة شرعًا:
أما تعريفها شرعا فلها تعريفات كثيرة: قال بعضهم: اللقطة هي المال الضائع من ربه يلتقطه غيره، وعرفها صاحب كفاية الأخيار بقوله: الالتقاط في الشرع، أخذ مال متحرم من مضيعة ليحفظه، أو ليتملكه بعد التعريف.
وفي هذين التعريفين نظر؛ لأن كلا منهما غير جامع؛ لأنه يخرج منه الكلب العلم، فإن الكلب المعلم لا شك في جواز التقاطه للحفظ، وهو ليس بمال محترم، وإنما هو اختصاص؛ لأنه جنس.
ولهذا قال صاحب المناهج في تعريف اللقطة: ما ضاع من مالكه بسقوط أو غفلة أو نحوهما، فقوله: ما ضاع من مالكه معناه أي شيء ضاع، فيشمل المال والاختصاص كالسرجين وجلد الميتة؛ لأن ما للعموم، وقوله: من مالكه ليس بقيد في التعريف، فيشمل المال الضائع من المستعبر والمستأجر والغاصب، فالتعبير بالمالك جرى على الغالب، فيكون المراد من المالك من له
стр. 109
اليد على الشيء، وقوله: بسقوط أو غفلة أن يكون ذلك المال سقط من صاحبه أو غفل عنه فضاع، وقوله: ونحوهما أي أن المال الذي ضاع بنوم، أو هرب أو إعياء بعير فتركه صاحبه، أو ضاع بسبب عجزه عن حمل ثقيل، فألقاه فيكون لقطة لمن وجده.
وقال الشيخ عميرة في تعريف المال الملقوط: وشرعا: ما وجد من مال أو مختص ضائع لغير حربي ليس بمحرز، ولا ممتنع بقوته، ولا يعرف الواجد مالكه.
فقوله: لغير حربي، خرج به مال الحربي إذا دخل دارنا بغير أمان، فإن المأخوذ منه غنيمة لا لقطة، فإن كان بأمان ودخل دارنا للتجارة، فالمأخوذ لقطة، وإن كان غير محترم.
وخرج بغير المحرز المال المحرز، وهو الموجود في المكان المملوك، فلا يكون لقطة بل هو لمالكه إن ادعاه، وإلا فلمن تلقى الملك عنه، وهكذا حتى ينتهي الأمر إلى المحيى، فيكون له وإن نفاه؛ لأنه ملك الأرض وما فيها بالإحياء، ولم يخرج عن ملكه ببيع الأرض؛ لأنه لا يتبع الأرض في البيع، وهذا هو المعتمد.
وقيل: هو له إن ادعاه، فإن لم يدعه فهو لقطة كما قال المتولى، وأقره في الروضة، ليس له إلا أن يحفظه بعينه، وخرج به أيضًا: ما ألقته الربح في ملك إنسان أو ألقاه هارب في حجره، ولم يعلم مالكه أو ألقته البحار على السواحل من أموال الغرقى، أو وجده عند مورثه من الودائع المجهولة، ولم تعرف ملاكها، فأمرت لبيت المال يتصرف في الإمام، فإن كان جائزا فأمره لمن هو في يده، فإن عرف المالك لشيء من ذلك، ولو بعد زمان طويل، فهو باق على ملكه، ولا رجوع لآخذه على مالكه بما أنفقه عليه، ولو حيوانا ومنه جمل أعيى، وأثقله الحمل فتركه صاحبه في البرية، فلا يكون لقطة ولا يملكه الأخذ له، وعند الإمام أحمد، والليث يملكه من أخذه، وعند الإمام مالك لا يملكه، ولكن يرجع على مالكه بما صرفه عليه، وخرج بقوله: ولا ممتنع بقوته مما كان ممتنعا بقوته كالإبل فلا يجوز، التقاطها وخرج بقوله: ولا يعرف الواجد مالكه ما إذا كان يعرف مالك المال الضائع، فليس يلقطه بل يرده على مالكه.
стр. 110
حكم اللقطة:
اللقطة مشروعة والأصل في مشروعيتها الآيات الآمرة بالبر والإحسان إذ في التقاطها، وأخذها للحفظ، والرد على مالكها إحسان وبر، ومنها قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ١.
وأما دليل مشروعيتها من السنة، فمنها ما رواه زيد بن خالد الجهني ﵁ أن النبي ﷺ ، سئل عن لقطة الذهب والورق، فقال: "اعرف وكاءها وعفاصها وعرفها ستة، فإن لم تعرفها فاستبقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه، وسأله عن ضالة الإبل، فقال: مالك ولها؟ دعها فإن معها حذاءها، وساءقها ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها، وسأله عن الشاة، فقال: خذها فإنما هي لك أو لأخيك، أو للذئب٢. رواه الشيخان وله طرق وألفاظ، والوكاء هو الذي تشد به اللقطة، والعفاص: هو الوعاء الذي تكون فيه. وأجمع المسلمون على جواز الالتقاط في الجملة.
.