← Сияса и кади

Сияса и кади · id 73

قواعد وفوائد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (59 стр.). Показаны 36–59 · переход к 41.

стр. 36

وفريق عندهم خوف من الله تعالى، ودين يمنعهم عما يعتقدونه قبيحا من ظلم الخلق، وفعل المحارم، فهذا حسن واجب؛ ولكن قد يعتقدون مع ذلك: أن السياسة لا تتم إلا بما يفعله أولئك من الحرام، فيمتنعون عنها مطلقا، وربما كان في نفوسهم جبن أو بخل، أو ضيق خلق ينضم إلى ما معهم من الدين، فيقعون أحيانا في ترك واجب، يكون تركه أضر عليهم من بعض المحرمات، أو يقعون في النهي عن واجب، يكون النهي عنه من الصد عن سبيل الله، وقد يكونون متأولين. وربما اعتقدوا أن إنكار ذلك واجب ولا يتم إلا بالقتال، فيقاتلون المسلمين كما فعلت الخوارج، وهؤلاء لا تصلح بهم الدنيا ولا الدين الكامل؛ لكن قد يصلح بهم كثير من أنواع الدين وبعض أمور الدنيا، وقد يعفى عنهم فيما اجتهدوا فيه فأخطأوا، ويغفر لهم قصورهم، وقد يكونون من الأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وهذه طريقة من لا يأخذ لنفسه، ولا يعطي غيره، ولا يرى أنه يتألف الناس من الكفار والفجار؛ لا بمال ولا بنفع، ويرى أن إعطاء المؤلفة قلوبهم من نوع الجور والعطاء المحرم. الفريق الثالث: الأمة الوسط، وهم أهل دين محمد ﷺ وخلفاؤه على عامة الناس وخاصتهم إلى يوم القيامة، وهو إنفاق المال والمنافع للناس -وإن كانوا رؤساء- بحسب الحاجة إلى صلاح الأحوال، ولإقامة الدين والدنيا التي يحتاج إليها الدين، وعفته في نفسه، فلا يأخذ ما لا يستحقه فيجمعون بين التقوى والإحسان ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون﴾، ولا تتم السياسة الدينية إلا بهذا، ولا يصلح الدين والدنيا إلا بهذه الطريقة" (١). - حسم مادة الشر: قال ﵀: " وكذلك شرع في الشر والمعصية حسم مادته، وسد ذريعته، ودفع ما يفضي إليه، إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة. مثال ذلك: ما نهى عنه النبي ﷺ فقال: «لا يخلون رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان» " (٢).

стр. 37

- المنافع التي يجب بذلها للناس نوعان: قال ﵀: " والمنافع التي يجب بذلها نوعان: منها ما هو حق المال، كما ذكره في الخيل والإبل وعارية الحلي، ومنها ما يجب لحاجة الناس. وأيضا فإن بذل منافع البدن يجب عند الحاجة كما يجب تعليم العلم، وإفتاء الناس، وأداء الشهادة، والحكم بينهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وغير ذلك من منافع الأبدان، فلا يمنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج، وقد قال تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُوا﴾، وقال: ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ﴾ " (١). - تحريم الخبائث يندرج في معنى النهي عن المنكر، وإحلال الطيبات يندرج في معنى الأمر بالمعروف: قال ﵀: " وتحريم الخبائث يندرج في معنى النهي عن المنكر، كما أن إحلال الطيبات يندرج في معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن تحريم الطيبات هو مما نهى الله عنه، وكذلك الأمر بجميع المعروف والنهي عن كل منكر مما لم يتم إلا للرسول الذي تمم الله به مكارم الأخلاق المندرجة في المعرفة" (٢). الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - القصد من إقامة الحدود: قال ﵀: " فينبغي أن يعرف أن إقامة الحدود رحمة من الله بعباده: فيكون الوالي شديدا في إقامة الحد، لا تأخذه رأفة في دين الله فيعطله، ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات؛ لا شفاء غيظه، وإرادة العلو على الخلق: بمنزلة الوالد إذا أدب ولده؛ فإنه لو كف عن تأديب ولده -كما تشير به الأم رقة ورأفة- لفسد الولد، وإنما يؤدبه رحمة به، وإصلاحا لحاله؛ مع أنه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب، وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه، وبمنزلة قطع العضو المتآكل، والحجم، وقطع العروق بالفساد، ونحو ذلك؛ بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه، وما يدخله على نفسه من المشقة لينال به الراحة" (٣).

стр. 38

- إقامة الحدود سبب لظهور طاعة الله: قال ﵀: " وهذا لأن المعاصي سبب لنقص الرزق والخوف من العدو، كما يدل عليه الكتاب والسنة، فإذا أقيمت الحدود، ظهرت طاعة الله، ونقصت معصية الله تعالى، فحصل الرزق والنصر" (١). - الحدود والحقوق تنقسم إلى قسمين: قال ﵀: " فالقسم الأول: الحدود والحقوق التي ليست لقوم معينين؛ بل منفعتها لمطلق المسلمين، أو نوع منهم، وكلهم محتاج إليها. وتسمى حدود الله. وحقوق الله: مثل حد قطاع الطريق، والسراق، والزناة ونحوهم، ومثل الحكم في الأموال السلطانية، والوقوف والوصايا التي ليست لمعين، فهذه من أهم أمور الولايات. وهذا القسم يجب على الولاة البحث عنه وإقامته من غير دعوى به، وكذلك تقام الشهادة فيه من غير دعوى أحد به. ويجب إقامته على الشريف والوضيع، والقوي والضعيف، ولا يحل تعطيله لا بشفاعة ولا بهدية ولا بغيرهما، ولا تحل الشفاعة فيه. القسم الثاني: وأما الحدود والحقوق التي لآدمي معين فمنها النفوس - ثم ذكر الشيخ: الأعراض والأموال- ... " (٢). - يجب جهاد كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام: قال ﵀: " فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادها حتى يكون الدين كله لله باتفاق العلماء" (٣).

стр. 39

- وجوب رد الظالم ونصرة المظلوم: قال ﵀: " وإنما الواجب على من استجار به مستجير- إن كان مظلوما ينصره، ولا يثبت أنه مظلوم بمجرد دعواه؛ فطالما اشتكى الرجل وهو ظالم؛ بل يكشف خبره من خصمه وغيره، فإن كان ظالما رده عن الظلم بالرفق إن أمكن؛ إما من صلح أو حكم بالقسط، وإلا فبالقوة. وإن كان كل منهما ظالما مظلوما كأهل الأهواء، من قيس ويمن ونحوهم، وأكثر المتداعين من أهل الأمصار والبوادي، أو كان جميعا غير ظالمين؛ لشبهة أو تأويل، أو غلط وقع فيما بينهما: سعى بينهما بالإصلاح، أو الحكم، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ " (١). - الواجب على السلطان والرعية: قال ﵀: " أن يؤدي إلى الآخر ما يجب أداؤه إليه، فعلى ذي السلطان ونوابه في العطاء أن يؤتوا كل ذي حق حقه، وعلى جباة الأموال كأهل الديوان أن يؤدوا إلى ذي السلطان ما يجب إيتاؤه إليه، وكذلك على الرعية الذين يجب عليهم الحقوق، وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقونه ... ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه من الحقوق؛ وإن كان ظالما" (٢). - وقوع الظلم من الراعي والرعية: قال ﵀: " وكثيرا ما يقع الظلم من الولاة والرعية: هؤلاء يأخذون ما لا يحل وهؤلاء يمنعون ما يجب" (٣).

стр. 40

- من امتنع من أداء الواجب الذي عليه من قول أو فعل فإنه يستحق العقوبة: قال ﵀: " وهذا مطرد فيما تتولاه الولاة والقضاة وغيرهم، في كل من امتنع من واجب، من قول أو فعل، وليس هذا بمطالبة للرجل بحق وجب على غيره، ولا عقوبة على جناية غيره، حتى يدخل في قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ﴾، وفي قول النبي ﷺ : «ألا لا يجني جان إلا على نفسه». وإنما ذلك مثل أن يطلب بمال قد وجب على غيره، وهو ليس وكيلا ولا ضامنا ولا له عنده مال، أو يعاقب الرجل بجريرة قريبه أو جاره، من غير أن يكون هو قد أذنب، لا بترك واجب، ولا بفعل محرم، فهذا الذي لا يحل. فأما هذا فإنما يعاقب على ذنب نفسه، وهو أن يكون قد علم مكان الظالم، الذي يطلب حضوره لاستيفاء الحق، أو يعلم مكان المال الذي قد تعلق به حقوق المستحقين، فيمتنع من الإعانة والنصرة الواجبة عليه في الكتاب والسنة والإجماع، إما محاباة أو حمية لذلك الظالم، كما قد يفعل أهل العصبية بعضهم ببعض، وإما معاداة أو بغضا للمظلوم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. وإما إعراضا -عن القيام لله والقيام بالقسط الذي أوجبه الله أوجبنا وفشلا وخذلانا لدينه، كما يفعل التاركون لنصر الله ورسوله ودينه وكتابه، الذين إذا قيل لهم انفروا في سبيل الله اثاقلوا إلى الأرض، وعلى كل تقدير فهذا الضرب، يستحق العقوبة باتفاق العلماء" (١). - لا يحل أخذ المال لتعطيل الحدود: قال ﵀: " ولا يجوز أن يؤخذ من الزاني أو السارق أو الشارب أو قاطع الطريق ونحوهم مال تعطل به الحدود؛ لا لبيت المال ولا لغيره. وهذا المال المأخوذ لتعطيل الحد سحت خبيث، وإذا فعل ولي الأمر ذلك فقد جمع فسادين عظيمين: أحدهما: تعطيل الحد، والثاني: أكل السحت. فترك الواجب وفعل المحرم" (٢).

стр. 41

- الطائفة الواحدة الممتنعة ببعضها ببعض كالشخص الواحد: قال ﵀: " فأعوان الطائفة الممتنعة، وأنصارها منها، فيما لهم وعليهم. وهكذا المقتتلون على باطل لا تأويل فيه؛ مثل المقتتلين على عصبية، ودعوى جاهلية؛ كقيس ويمن ونحوهما؛ هما ظالمتان. كما قال النبي ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه». أخرجاه في الصحيحين. ولضمن كل طائفة ما أتلفته للأخرى من نفس ومال. وإن لم يعرف عين القاتل؛ لأن الطائفة الواحدة الممتنع بعضها ببعض كالشخص الواحد" (١). - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية: قال ﵀: " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية، فإن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن، وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور، وذلك يحصل بالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات، فمنها عقوبات مقدرة، مثل: جلد المفتري ثمانين، وقطع يد السارق، ومنها عقوبات غير مقدرة قد تسمى: التعزير. وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها، وبحسب حال المذنب، وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته. والتعزير أجناس: فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن. ومنه ما يكون بالضرب" (٢). - التنكيل والعقوبة يختلفان باختلاف كثرة الذنب وقلته، وبحال المذنب، وبحسب الذنب: قال ﵀: " فهؤلاء يعاقبون تعزيرا وتنكيلا وتأديبا، بقدر ما يراه الوالي، على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته. فإذا كان كثيرا زاد في العقوبة؛ بخلاف ما إذا كان قليلا. وعلى حسب حال المذنب؛ فإذا كان من المدمنين على الفجور زيد في عقوبته؛ بخلاف المقل من ذلك. وعلى حسب كبر الذنب وصغره؛ فيعاقب من يتعرض لنساء الناس وأولادهم، بما لا يعاقب من لم يتعرض إلا لمرأة واحدة، أو صبي واحد" (٣).

стр. 42

- الطاعة إنما تكون في المعروف: قال ﵀: " قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾، قال العلماء نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ " (١). - الأمر بالعدل في الجهاد وترك العدوان: قال ﵀: " وقال في الغلبة والمصائب والفرح: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته»، وقال: «إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان». وقال: «لا تمثلوا ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليداً»، إلى غير ذلك مما أمر به في الجهاد من العدل وترك العدوان اتباعا لقوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبِّ الْمُعْتَدِين﴾ " (٢).

стр. 43

- وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الكفاية: قال ﵀: " وكذلك وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب على كل أحد بعينه؛ بل هو على الكفاية كما دل عليه القرآن (١)، ولما كان الجهاد من تمام ذلك كان الجهاد أيضا كذلك فإذا لم يقم به من يقوم بواجبه أثم كل قادر بحسب قدرته؛ إذ هو واجب على كل إنسان بحسب قدرته؛ كما قال النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الإيمان» " (٢). - متى يكون العمل فرض عين: قال ﵀: " والمقصود هنا: أن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه، لا سيما إن كان غيره عاجزًا عنها، فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجبًا يجبرهم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل، ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل، ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم" (٣). - لا يشترط أن يصل أمر الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إلى كل مكلف، بل يشترط أن يتمكن المكلف من وصل ذلك إليهم: قال ﵀: " وإذا أخبر بوقوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منها لم يكن من شرط ذلك أن يصل أمر الآمر ونهي الناهي منها إلى كل مكلف في العالم؛ إذ ليس هذا من شرط تبليغ الرسالة، فكيف يشترط فيما هو من توابعها! بل الشرط أن يتمكن المكلفون من وصول ذلك إليهم، ثم إذا فرطوا فلم يسعوا في وصوله إليهم مع قيام فاعله بما يجب عليه كان التفريط منهم لا منه" (٤).

стр. 44

- لا بد من تغيير المنكر وبيانه، ومنع وصول الضرر إلى الناس: قال ﵀: " وإذا لم ير ولي الأمر عقوبة الغاش بالصدقة أو الإتلاف فلا بد أن يمنع وصول الضرر إلى الناس بذلك الغش، إما بإزالة الغش، وأما ببيع المغشوش ممن يعلم أنه مغشوش ولا يغشه على غيره" (١). - مراتب إنكار المنكر، والأجر المترتب على ذلك: قال ﵀: " فأما القلب فيجب بكل حال إذا لا ضرر في فعله، ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن، كما قال النبي ﷺ : «وذلك أدنى أو أضعف الإيمان»، وقال: «ليس وراء ذلك من الإيمان حبه خردل»، وقيل لابن مسعود ﵁: "من ميت الأحياء؟ فقال: الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا"، وهذا هو المفتون الموصوف بأن قلبه كالكوز مجخيا في حديث حذيفة بن اليمان ﵁ في الصحيحين: «تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير» الحديث" (٢). وقال أيضا- ﵀: " وأصل هذا أن تكون محبة الإنسان للمعروف وبغضه للمنكر، وإرادته لهذا وكراهته لهذا موافقا لحب الله وبغضه وإرادته وكراهته الشرعيتين، وأن يكون فعله للمحبوب ودفعه للمكروه بحسب قوته وقدرته؛ فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وقد قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فأما حب القلب وبغضه وإرادته وكراهته فينبغي أن تكون كاملة جازمة لا يوجب نقص ذلك إلا نقص الإيمان، وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته، ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل" (٣).

стр. 45

- المبادرة بإنكار المنكرات: قال ﵀: " وعلى ولي الأمر أن يتقدم بالنهي عن المعاملات المحرمة وعقوبة فاعليها مثل الغش، فقد روى مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ : «مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني»، وفي رواية: «من غشنا فليس منا». والغش: اسم جامع لكل من أظهر من المبيع خلاف باطنه ... هذه الأشياء هي من الحقوق العامة التي يجب القيام بها ابتداء، كأمر حقوق الله ليست حقوقا لآدمي معين، لكن كثيرا ما يقع الشكوى فيها من المعينين، فهي داخلة في الحكم بين الناس في الأموال والقضاء، والحكم فيها كأمثالها، والله أعلم" (١). - متى يعمل بالظن، وماذا يترتب على ذلك ؟ : قال ﵀: " وأما الحذر من الرجل في شهادته وأمانته ونحو ذلك فتكون بالمظنة ... والاستفاضة كافية في ذلك، وما هو دون الاستفاضة، حتى إنه يستدل عليه بأقرانه، كما قال ابن مسعود: " اعتبروا الناس بأخدانهم". فهذا لدفع شره، مثل الاحتراز من العدو، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: " احترسوا من الناس بسوء الظن"، فهذا أمر عمر، مع أنه لا تجوز عقوبة المسلم بسوء الظن" (٢). وقال أيضا- ﵀: " وكذلك من ظهر منه الفجور يمنع من تملك الغلمان المردان الصباح ويفرق بينهما؛ فإن الفقهاء متفقون على أنه لو شهد شاهد عند الحاكم، وكان قد استفاض عنه نوع من أنواع الفسوق القادحة في الشهادة، فإنه لا يجوز قبول شهادته، ويجوز للرجل أن يجرحه بذلك وإن لم يره" (٣).

стр. 46

وقال أيضا- ﵀: " فمن ظهر منه شيء من هذه المنكرات وجب منعه من ذلك، وعقوبته عليها، إذ لم يتب حتى قدر عليه، بحسب ما جاءت به الشريعة من قتل، أو جلد أو غير ذلك. وأما المحتسب فعليه أن يعزر من أظهر ذلك قولًا أو فعلًا، ويمنع من الاجتماع في مظان التهم، فالعقوبة لا تكون إلا على ذنب ثابت، وأما المنع والاحتراز فيكون مع التهمة، كما منع عمر بن الخطاب ﵁ أن يجتمع الصبيان بمن كان يتهم بالفاحشة، وهذا مثل الاحتراز عن قبول شهادة المتهم بالكذب وائتمان المتهم بالخيانة، ومعاملة المتهم بالمطل" (١). - الظالم يستحق العقوبة والتعزير: قال ﵀: " والظالم يستحق العقوبة والتعزير، وهذا أصل متفق عليه: أن كل من فعل محرما أو ترك واجبا استحق العقوبة؛ فإن لم تكن مقدرة بالشرع كان تعزيرا يجتهد فيه ولي الأمر، فيعاقب الغني المماطل بالحبس، فإن أصر عوقب بالضرب حتى يؤدي الواجب، وقد نص على ذلك الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ﵃، ولا أعلم فيه خلافا" (٢). - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية: قال ﵀: " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية، فإن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن، وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور، وذلك يحصل بالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات، فمنها عقوبات مقدرة، مثل: جلد المفتري ثمانين، وقطع يد السارق، ومنها عقوبات غير مقدرة قد تسمى: التعزير. وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها، وبحسب حال المذنب، وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته. والتعزير أجناس: فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب" (٣).

стр. 47

- هل من صلاحيات المحتسب القتل والقطع: قال ﵀: " فإن المحتسب ليس له القتل والقطع" (١). آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - الإحسان مع الناس يكون بفعل ما ينفعهم في الدين والدنيا، لا فيما يهوونه، وما ينبغي لولي الأمر في قسمه وتركه: قال ﵀: " فليس حسن النية بالرعية والإحسان إليهم أن يفعل ما يهوونه ويترك ما يكرهونه، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾، وقال تعالى للصحابة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، وإنما الإحسان إليهم فعل ما ينفعهم في الدين والدنيا، ولو كرهه من كرهه؛ لكن ينبغي له أن يرفق بهم فيما يكرهونه، ففي الصحيحين، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه». وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ يقول: "والله إني لأريد أن أخرج لهم المرة من الحق، فأخاف أن ينفروا عنها، فأصبر حتى تجيء الحلوة من الدنيا، فأخرجها معها، فإذا نفروا لهذه، سكنوا لهذه". وهكذا كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول ... فهكذا ينبغي لولي الأمر في قسمه وحكمه، فإن الناس دائما يسألون ولي الأمر ما لا يصلح بنقله من الولايات، والأموال والمنافع والأجور، والشفاعة في الحدود وغير ذلك، فيعوضهم من جهة أخرى إن أمكن، أو يردهم بميسور من القول، ما لم يحتج إلى الإغلاظ؛ فإن رد السائل يؤلمه، خصوصا من يحتاج إلى تأليفه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَر﴾ ...

стр. 48

وإذا حكم على شخص فإنه قد يتأذى، فإذا طيب نفسه بما يصلح من القول والعمل كان ذلك تمام السياسة، وهو نظير ما يعطيه الطبيب للمريض، من الطب الذي يسوغ الدواء الكريه، وقد قال الله لموسى ﵇ لما أرسله إلى فرعون -: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، وقال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري ﵄ لما بعثهما إلى اليمن-: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا» " (١). - من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "الإحسان والصبر "، - والنفوس لا تصبر على المر إلا بنوع من الحلو، - ولا تقوم مصالح الناس في دينهم ودنياهم إلا بالسماحة والصبر: قال ﵀: " وكذلك إذا أمر غيره بحسن أو أحب موافقته له على ذلك أو نهى غيره عن شيء فيحتاج أن يحسن إلى ذلك الغير إحسانا يحصل به مقصوده من حصول المحبوب واندفاع المكروه؛ فإن النفوس لا تصبر على المر إلا بنوع من الحلو؛ لا يمكن غير ذلك، ولهذا أمر الله تعالى بتأليف القلوب حتى جعل للمؤلفة قلوبهم نصيبا في الصدقات، وقال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾، وقال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَة﴾، فلا بد أن يصبر وأن يرحم، وهذا هو الشجاعة والكرم، ولهذا يقرن الله تعالى بين الصلاة والزكاة تارة -وهي الإحسان إلى الخلق-، وبينها وبين الصبر تارة، ولا بد من الثلاثة الصلاة والزكاة والصبر، لا تقوم مصلحة المؤمنين إلا بذلك في صلاح نفوسهم وإصلاح غيرهم، لا سيما كلما قويت الفتنة والمحنة فإن الحاجة إلى ذلك تكون أشد، فالحاجة إلى السماحة والصبر عامة لجميع بنى آدم لا تقوم مصلحة دينهم ولا ديناهم إلا بهما" (٢). - النفوس لا تقبل الحق إلا بما تستعين به من حظوظها التي هي محتاجة إليها:

стр. 49

قال ﵀: " فإن النفوس لا تقبل الحق إلا بما تستعين به من حظوظها التي هي محتاجة إليها، فتكون تلك الحظوظ عبادة لله وطاعة له مع النية الصالحة. ألا ترى أن الأكل والشرب واللباس واجب على الإنسان؛ حتى لو اضطر إلى الميتة وجب عليه الأكل عند عامة العلماء، فإن لم يأكل حتى مات دخل النار؛ لأن العبادات لا تؤدى إلا بهذا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" (١). - لا بد من اللذات المباحة التي تعين على الطاعة: قال ﵀: " وقد روى أبو حاتم البستي في صحيحه حديث أبي ذر ﵁ الطويل عن النبي ﷺ الذي فيه من أنواع العلم والحكمة -، وفيه «أنه كان في حكمة آل داود ﵇: حق على العاقل أن تكون له أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بأصحابه الذين يخبرونه بعيوبه ويحدثونه عن ذات نفسه، وساعة يخلو فيها بلذته فيما يحل ويجمل؛ فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات». فبين أنه لا بد من اللذات المباحة الجميلة؛ فإنها تعين على تلك الأمور. ولهذا ذكر الفقهاء: أن العدالة هي الصلاح في الدين والمروءة؛ باستعمال ما يجمله ويزينه وتجنب ما يدنسه ويشينه. وكان أبو الدرداء ﵁ يقول: "إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل لأستعين به على الحق". والله سبحانه إنما خلق اللذات والشهوات في الأصل لتمام مصلحة الخلق؛ فإنه بذلك يجتلبون ما ينفعهم كما خلق الغضب ليدفعوا به ما يضرهم وحرم من الشهوات ما يضر تناوله وذم من اقتصر عليها. فأما من استعان بالمباح الجميل على الحق؛ فهذا من الأعمال الصالحة؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «في بضع أحدكم صدقة. قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أما يكون عليه وزر؟ قالوا: بلى. قال: فلم تحتسبون بالحرام ولا تحتسبون بالحلال»، وفي الصحيحين، عن سعد بن أبي وقاص ﵁، أن النبي ﷺ قال له: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها في في امرأتك». والآثار في هذا كثيرة. فالمؤمن إذا كانت له نية أتت على عامة أفعاله وكانت المباحات من صالح أعماله لصلاح قلبه ونيته، والمنافق - لفساد قلبه ونيته - يعاقب على ما يظهره من العبادات رياء؛ فإن في الصحيح، أن النبي ﷺ قال: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب». وكما أن العقوبات

стр. 50

شرعت داعية إلى فعل الواجبات وترك المحرمات فقد شرع أيضا كل ما يعين على ذلك. فينبغي تيسير طريق الخير والطاعة والإعانة عليه والترغيب فيه بكل ممكن؛ مثل أن يبذل لولده وأهله أو رعيته ما يرغبهم في العمل الصالح: من مال أو ثناء أو غيره" (١). - من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "الرفق ": قال ﵀: " والرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر" (٢). وقال أيضا- ﵀: " ولا بد في ذلك من الرفق كما قال النبي ﷺ : «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه»، وقال ﷺ : «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله»، وقال: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف» " (٣). - من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "الحلم والصبر"، وما يترتب على تركهما: قال ﵀: " ولا بد أيضا أن يكون حليما صبورا على الأذى، فلا بد أن يحصل له أذى؛ فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح، كما قال لقمأن لابنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور﴾، ولهذا أمر الله الرسل وهم أئمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصبر، كقوله لخاتم الرسل ﵇؛ بل ذلك مقرون بتبليغ الرسالة؛ فإنه أول ما أرسل أنزلت عليه سورة يا أيها المدثر بعد أن أنزلت عليه سورة إقراء التي بها نبئ فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر * قُمْ فَأَنذِر * وَرَبَّكَ فَكَبِّر * وَثِيَابَكَ فَطَهِّر * وَالرُّجْزَ فَاهْجُر * وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِر * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِر﴾، فافتتح آيات الإرسال إلى الخلق بالأمر بالإنذار، وختمها بالأمر بالصبر، ونفس الإنذار أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، فعلم أنه يجب بعد ذلك الصبر، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، وقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، وقال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً﴾، وقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَاّ بِاللهِ﴾، وقال: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين﴾ " (٤).

стр. 51

وقال أيضا- ﵀: " وهذه الأمور الثلاثة (١) مع الصبر عن الاعتداء في الشهوة هي جوامع هذا الباب - باب الصبر-؛ وذلك أن الإنسان بين ما يحبه ويشتهيه وبين ما يبغضه ويكرهه، فهو يطلب الأول بمحبته وشهوته، ويدفع الثاني ببغضه ونفرته، وإذا حصل الأول أو اندفع الثاني أوجب له فرحا وسرورا، وإن حصل الثاني أو اندفع الأول حصل له حزن، فهو محتاج عند المحبة والشهوة أن يصبر عن عدوانهما، وعند الغضب والنفرة أن يصبر على عدوانهما، وعند الفرح أن يصبر عن عدوانه، وعند المصيبة أن يصبر عن الجزع منها" (٢). - أقسام الناس في الصبر والغضب: قال ﵀: " الناس ثلاثة أقسام: قسم يغضبون لنفوسهم ولربهم، وقسم لا يغضبون لنفوسهم ولا لربهم، والثالث -هو الوسط- الذي يغضب لربه لا لنفسه، كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: «ما ضرب رسول الله ﷺ بيده: خادما له، ولا امرأة، ولا دابة، ولا شيئا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء فانتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمات الله، فإذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله». فأما من يغضب لنفسه لا لربه، أو يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره، فهذا القسم الرابع، شر الخلق؛ لا يصلح بهم دين ولا دنيا. كما أن الصالحين أرباب السياسة الكاملة، هم الذين قاموا بالواجبات وتركوا المحرمات، وهم الذين يعطون ما يصلح الدين بعطائه، ولا يأخذون إلا ما أبيح لهم، ويغضبون لربهم إذا انتهكت محارمه، ويعفون عن حقوقهم، وهذه أخلاق رسول الله ﷺ في بذله ودفعه، وهي أكمل الأمور" (٣). -

стр. 52

الناس أربعة أصناف في الشجاعة والسماحة: قال ﵀: " ولهذا كان الناس أربعة أصناف: من يعمل لله بشجاعة وبسماحة فهؤلاء هم المؤمنون المستحقون للجنة، ومن يعمل لغير الله بشجاعة وسماحة فهذا ينتفع بذلك في الدنيا وليس له في الآخرة من خلاق، ومن يعمل لله لكن بلا شجاعة ولا سماحة فهذا فيه من النفاق ونقص الإيمان بقدر ذلك، ومن لا يعمل لله ولا فيه شجاعة ولا سماحة فهذا ليس له دنيا ولا آخرة، فهذه الأخلاق والأفعال يحتاج إليها المؤمن عموما وخصوصا في أوقات المحن والفتن الشديدة؛ فإنهم يحتاجون إلى صلاح نفوسهم ودفع الذنوب عن نفوسهم عند المقتضي للفتنة عندهم، ويحتاجون أيضا إلى أمر غيرهم ونهيه بحسب قدرتهم، وكل من هذين الأمرين فيه من الصعوبة ما فيه؛ وإن كان يسيرا على من يسره الله عليه، وهذا لأن الله أمر المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح، وأمرهم بدعوة الناس وجهادهم على الإيمان والعمل الصالح، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور﴾، وكما قال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد﴾، وكما قال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز﴾، وكما قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون﴾ " (١). - من هو الشجاع الشديد ؟ : قال ﵀: " أصل ذلك هو الصبر على المؤلم، وهذا هو الشجاع الشديد الذي يصبر على المؤلم، والمؤلم إن كان مما يمكن دفعه أثار الغضب، وإن كان مما لا يمكن دفعه أثار الحزن، ولهذا يحمر الوجه عند الغضب لثوران الدم عند استشعار القدرة، ويصفر عند الحزن لغور الدم عند استشعار العجز، ولهذا جمع النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «ما تعدون الرقوب فيكم؟ قالوا: الرقوب الذي لا يولد له، قال: ليس ذاك بالرقوب! ولكن الرقوب: الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا، ثم قال: ما تعدون الصرعة فيكم؟ قلنا: الذي لا يصرعه الرجال، فقال ليس بذلك؛ ولكن الصرعة: الذي يملك نفسه عند الغضب»، فذكر ما يتضمن الصبر عند المصيبة، والصبر عند الغضب" (٢).

стр. 53

وقال أيضا ﵀: " والشجاعة ليست هي قوة البدن فقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف القلب وإنما هي قوة القلب وثباته؛ فإن القتال مداره على قوة البدن وصنعته للقتال وعلى قوة القلب وخبرته به، والمحمود منهما ما كان بعلم ومعرفة دون التهور الذي لا يفكر صاحبه ولا يميز بين المحمود والمذموم، ولهذا كان القوي الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح دون ما لا يصلح، فأما المغلوب حين غضبه فليس هو بشجاع ولا شديد، وقد تقدم أن جماع ذلك هو الصبر؛ فإنه لا بد منه، والصبر صبران: صبر عند الغضب، وصبر عند المصيبة كما قال الحسن رحمه" (١). عواقب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لصعوبة خصال الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر انتقال من معصية إلى معصية: قال ﵀: " وليعلم أن اشتراط هذه الخصال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يوجب صعوبته على كثير من النفوس فيظن أنه بذلك يسقط عنه فيدعه، وذلك قد يضره أكثر مما يضره الأمر بدون هذه الخصال أو أقل؛ فإن ترك الأمر الواجب معصية، وفعل ما نهى عنه في الأمر معصية، فالمنتقل من معصية إلى معصية أكبر منها كالمستجير من الرمضاء بالنار، والمنتقل من معصية إلى معصية كالمتنقل من دين باطل إلى دين باطل؛ قد يكون الثاني شرا من الأول، وقد يكون دونه، وقد يكونان سواء، فهكذا تجد المقصر في الأمر والنهي والمعتدي فيه قد يكون ذنب هذا أعظم، وقد يكون ذنب ذاك أعظم، وقد يكونان سواء، ومن المعلوم بما أرانا الله من آياته في الآفاق وفي أنفسنا، وبما شهد به في كتابه أن المعاصي سبب المصائب، فسيئات المصائب والجزاء هي من سيئات الأعمال، وأن الطاعة سبب النعمة؛ فإحسان العبد العمل سبب لإحسان الله، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير﴾، وقال تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾، وقال: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِير﴾، وقال: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُور﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون﴾ " (٢).

стр. 54

- العقوبة نوعان: العقوبة على الذنب الماض، والعقوبة لتأدية حق واجب وترك محرم في المستقبل، وفي أيهما ينبغي أن تكون الشدة: قال ﵀: " وجماع ذلك أن العقوبة نوعان: أحدهما: على ذنب ماض، جزاء بما كسب نكالا من الله، كجلد الشارب والقاذف، وقطع المحارب والسارق. والثاني: العقوبة لتأدية حق واجب، وترك محرم في المستقبل، كما يستتاب المرتد حتى يسلم، فإن تاب؛ وإلا قتل. وكما يعاقب تارك الصلاة والزكاة وحقوق الآدميين حتى يؤدوها. فالتعزير في هذا الضرب أشد منه في الضرب الأول. ولهذا يجوز أن يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي الصلاة الواجبة، أو يؤدي الواجب عليه" (١). - العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان: قال ﵀: " العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان: أحدهما: عقوبة المقدور عليه، من الواحد والعدد. والثاني: عقاب الطائفة الممتنعة، كالتي لا يقدر عليها إلا بقتال" (٢). - فضل الترغيب بالأعمال الصالحة، ومتى يصار إلى العقوبة الدنيوية ؟ : قال ﵀: " ذكر فضائل الأعمال الصالحة وثوابها ومنفعتها في الدنيا والآخرة، فإن الكتب والسنة مملوءة من ذلك، وهذا أنفع في الحقيقة لمن استجاب له من الرهبة بالعقوبة الدنيوية فقط، وإنما يصار إلى العقوبة الدنيوية إذا ظلم الخلق بالنكول عن هذه الطريقة، كما قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ " (٣).

стр. 55

- أكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس: قال ﵀: " وأكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس في البوادي والحواضر إنما هو البغي، وترك العدل" (١). - متى تجوز مقابلة الاعتداء باعتداء مثله: قال ﵀: " والقصاص في الأعراض مشروع أيضا: وهو أن الرجل إذا لعن رجلا أو دعا عليه، فله أن يفعل به كذلك. وكذلك إذا شتمه: بشتمة لا كذب فيها. والعفو أفضل. قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِين﴾، ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيل﴾. وقال النبي ﷺ : «المستبان: ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم». ويسمى هذا الانتصار. والشتيمة التي لا كذب فيها مثل الإخبار عنه بما فيه من القبائح، أو تسميته بالكلب أو الحمار ونحو ذلك. فأما إن افترى عليه، لم يحل له أن يفتري عليه، ولو كفره أو فسقه بغير حق لم يحل له أن يكفره أو يفسقه بغير حق، ولو لعن أباه أو قبيلته، أو أهل بلده ونحو ذلك، لم يحل له أن يتعدى على أولئك، فإنهم لم يظلموه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، فأمر الله المسلمين ألا يحملهم بغضهم للكفار على ألا يعدلوا، قال: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. فإن كان العدوان عليه في العرض محرما لحقه؛ لما يلحقه من الأذى، جاز الاقتصاص منه بمثله، كالدعاء عليه بمثل ما دعاه؛ وأما إذا كان محرما لحق الله تعالى، كالكذب، لم يجز بحال" (٢).

стр. 56

- أقسام الناس في العلو والفساد: قال ﵀: " فإن الناس أربعة أقسام: القسم الأول: يريدون العلو على الناس، والفساد في الأرض وهو معصية الله، وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون، كفرعون وحزبه. وهؤلاء هم شرار الخلق. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِين﴾، وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فقال رجل يا رسول الله: إني أحب أن يكون ثوبي حسنا، ونعلي حسنا، أفمن الكبر ذاك؟ قال: لا: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس»، فبطر الحق دفعه وجحده. وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم، وهذا حال من يريد العلو والفساد. والقسم الثاني: الذين يريدون الفساد، بلا علو، كالسراق والمجرمين من سفلة الناس. والقسم الثالث: يريدون العلو بلا فساد، كالذين عندهم دين يريدون أن يعلوا به على غيرهم من الناس. وأما القسم الرابع: فهم أهل الجنة، الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، مع أنهم قد يكونون أعلى من غيرهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾، وقال تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُم﴾، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. فكم ممن يريد العلو، ولا يزيده ذلك إلا سفولا، وكم ممن جعل من الأعلين وهو لا يريد العلو ولا الفساد، وذلك لأن إرادة العلو على الخلق ظلم؛ لأن الناس من جنس واحد؛ فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلم. ومع أنه ظلم فالناس يبغضون من يكون كذلك ويعادونه؛ لأن العادل منهم لا يحب أن يكون مقهورا لنظيره، وغير العادل منهم يؤثر أن يكون هو القاهر، ثم إنه مع هذا لا بد لهم -في العقل والدين- من أن يكون بعضهم فوق بعض، ... كما أن الجسد لا يصلح إلا برأس. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، فجاءت الشريعة بصرف السلطان والمال في سبيل الله.

стр. 57

فإذا كان المقصود بالسلطان والمال هو التقرب إلى الله وإنفاق ذلك في سبيله، كان ذلك صلاح الدين والدنيا. وإن انفرد السلطان عن الدين، أو الدين عن السلطان فسدت أحوال الناس، وإنما يمتاز أهل طاعة الله عن أهل معصيته بالنية والعمل الصالح، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» " (١). - الناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض في الخير والشر، ولكن داعي الخير أقوى: قال ﵀: " وهذا أيضا حال الأمة فيما تفرقت فيه واختلفت في المقالات والعبادات، وهذه الأمور مما تعظم بها المحنة على المؤمنين فإنهم يحتاجون إلى شيئين: إلى دفع الفتنة التي ابتلى بها نظراؤهم من فتنة الدين والدنيا عن نفوسهم مع قيام المقتضي لها؛ فإن معهم نفوسا وشياطين كما مع غيرهم، فمع وجود ذلك من نظرائهم يقوى المقتضي عندهم كما هو الواقع، فيقوى الداعي الذي في نفس الإنسان وشيطانه ودواعي الخير كذلك، وما يحصل من الداعي بفعل الغير والنظير، فكم من الناس لم يرد خيرا ولا شرا حتى رأى غيره؛ لا سيما إن كان نظيره يفعله ففعله؛ فإن الناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض، ولهذا كان المبتدئ بالخير وبالشر له مثل من تبعه من الأجر والوزر كما قال النبي ﷺ : «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا»؛ وذلك لاشتراكهم في الحقيقة، وأن حكم الشيء حكم نظيره، وشبيه الشيء منجذب إليه فإذا كان هذان داعيين قويين: فكيف إذا انضم إليهما داعيان آخران؟ وذلك أن كثيرا من أهل المنكر يحبون من يوافقهم على ما هم فيه، ويبغضون من لا يوافقهم، وهذا ظاهر في الديانات الفاسدة من موالاة كل قوم لموافقيهم، ومعاداتهم لمخالفيهم.

стр. 58

وكذلك في أمور الدنيا والشهوات كثيرا ما يختارون ويؤثرون من يشاركهم: إما للمعاونة على ذلك، كما في المتغلبين من أهل الرياسات وقطاع الطريق ونحوهم، وإما بالموافقة، كما في المجتمعين على شرب الخمر، فإنهم يختارون أن يشرب كل من حضر عندهم، وإما لكراهتهم امتيازه عنهم بالخير: إما حسدا له على ذلك، لئلا يعلو عليهم بذلك ويحمد دونهم، وإما لئلا يكون له عليهم حجة، وإما لخوفهم من معاقبة لهم بنفسه، أو بمن يرفع ذلك إليهم، ولئلا يكونوا تحت منته وخطره ونحو ذلك من الأسباب، قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾، وقال تعالى في المنافقين: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾. وقال عثمان بن عفان ﵁: "ودت الزانية لو زنى النساء كلهن". والمشاركة قد يختارونها في نفس الفجور، كالاشتراك في الشرب والكذب والاعتقاد الفاسد، وقد يختارونها في النوع، كالزاني الذي يود أن غيره يزني، والسارق الذي يود أن غيره يسرق أيضا، لكن في غير العين التي زنى بها أو سرقها. وأما الداعي الثاني: فقد يأمرون الشخص بمشاركتهم فيما هم عليه من المنكر، فإن شاركهم وإلا عادوه وآذوه على وجه ينتهي إلى حد الإكراه، أو لا ينتهي إلى حد الإكراه، ثم إن هؤلاء الذين يختارون مشاركة الغير لهم في قبيح فعلهم أو يأمرونه بذلك ويستعينون به على ما يريدونه: متى شاركهم وعاونهم وأطاعهم انتقصوه واستخفوا به، وجعلوا ذلك حجة عليه في أمور أخرى، وإن لم يشاركهم عادوه وآذوه، وهذه حال غالب الظالمين القادرين. وهذا الموجود في المنكر نظيره في المعروف وأبلغ منه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾؛ فإن داعي الخير أقوى، فإن الإنسان فيه داع يدعوه إلى الإيمان والعلم، والصدق والعدل، وأداء الأمانة، فإذا وجد من يعمل مثل ذلك صار له داع آخر، لا سيما إذا كان نظيره، لا سيما مع المنافسة، وهذا محمود حسن، فإن وجد من يحب موافقته على ذلك ومشاركته له من المؤمنين والصالحين ويبغضه إذا لم يفعل، صار له داع ثالث، فإذا أمروه بذلك ووالوه على ذلك وعادوه وعاقبوه على تركه صار له داع رابع.

стр. 59

ولهذا يؤمر المؤمنون أن يقابلوا السيئات بضدها من الحسنات، كما يقابل الطبيب المرض بضده، فيؤمر المؤمن بأن يصلح نفوسه، وذلك بشيئين: بفعل الحسنات، وترك السيئات، مع وجود ما ينفي الحسنات ويقتضي السيئات، وهذه أربعة أنواع: ويؤمر أيضا بإصلاح غيره بهذه الأنواع الأربعة بحسب قدرته وإمكانه، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْر * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر * إ إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾. وروي عن الشافعي ﵁ أنه قال: "لو فكر الناس كلهم في سورة: والعصر، لكفتهم". وهو كما قال، فإن الله تعالى أخبر أن جميع الناس خاسرون إلا من كان في نفسه مؤمنا صالحا، ومع غيره موصيا بالحق موصيا بالصبر، وإذا عظمت المحنة كان ذلك للمؤمن الصالح سببا لعلو الدرجة وعظيم الأجر، كما سئل النبي ﷺ : «أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة»، وحينئذ فيحتاج من الصبر ما لا يحتاج إليه غيره، وذلك هو سبب الإمامة في الدين، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون﴾ " (١). والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.