Полный текст (132 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
القسم الأول
فيه اثنتا عشرة قصيدة للشعراء: لقيط بن يعمر، وقعنب بن أم صاحب، وأعشى باهلة، وحاتم الطائي، وبشامة بن الغدير، والنمر بن تولب، والشنفري، وكعب بن سعد الغنوي، والمتلمس، وطرفة.
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قصيدة لقيط بن يعمر
قال لقيط بن يعمر الإيادي ينذر قومه غزو كسرى إياهم، وكان لقيط كاتباً في ديوان كسرى؛ فلما رآه مجمعاً على غزو إياد كتب إليهم بهذا الشعر؛ فوق الكتاب بيد كسرى، فقطع لسان لقيط، وغزا إياداً:
يا دارَ عمرةَ منْ محتلِّهَا الجرعَا ... هاجَتْ لي الهمَّ والأحزانَ والوجعَا
الجرَع، والأجْرَع، والجرعاءُ: الرملة لا تنبت.
تامتْ فؤادي بذاتِ الجزعِ خرْعَبَةٌ ... مرت تريدُ بذاتِ العذبةِ البيعَا
تامتْ تيمتْ؛ أي عبدتْ وذللتْ. ومنه تيم الله، كأنه عبد الله. الجزع: منعطف الوادي. والخرعبة: الشابة الحسنة القوام.
بمقلتي خاذلٍ أدماَء طاعَ لها ... نبتُ الرياضِ تزجى وسطهُ ذرعَا
الذرع: ولد البقرة الوحشية.
وواضح أشنبِ الأنيابِ ذي أشرٍ ... كالأقحوانِ إذا ما نوره لمعا
الشنب: دقة في الأسنان. والأشر: حسن الأسنان وحدة أطرافها.
جرت لما بيننَا حبلَ الشموسِ فلا ... يأساً مبيناً أرى منها ولا طمعَا
الشموس من الدوابّ: الذي لا يكادُ يستقر. شمس يشمس شموسا.
فما أزالُ على شحطٍ يؤرقني ... طيفٌ تعمد رحلي حيثما وضعا
стр. 3
إني بعينيَ إذْ أمتْ حمولهمُ ... بطنَ السلوطحِ لا ينظرنَ منْ تبعَا
طوراً أراهم وطوراً لا أبينهم ... إذا تواضعَ خدرٌ ساعةً لمعَا
بل أيها الراكب المزجي مطيتهُ ... إلى الجزيرة مرتاداً ومنتجعا
الارتياد والنجعة: طلب الكلإ. وانتجعت فلاناً: طلبت خيره
أبلغْ إياداً وخلل في سراتهم ... أنى أرى الرأي إن لم أعصَ قد نصعَا
نصع: وضح.
يا لهفَ نفسي إنْ كانتْ أموركمُ ... شتى وأحكمَ أمرُ الناسِ فاجتمعا
إني أراكم وأرضاً تعجبونَ بها ... مثلَ السفينةِ تغشَى الوعثَ والطبعَا
الوعث: أرض مسترخية رطبة. والطَّبع: الصدأ يكثر على السيف. والطبع: تدنس العرضِ وتلطخه. واستعاره. والطبع: الدنس.
ألا تخافونَ قوماً لا أبا لكمُ ... أمسوْا إليكم كأمثالِ الدبَى سرعَا
أبناءُ قومٍ تآووكُم على حنقٍ ... لا يشعرونَ أضرَّ اللهُ أمْ نفعا
ويروى: تأيوكم.
أحرارُ فارسَ أبناءُ الملوكِ لهم ... من الجموعِ جموعٌ تزدهي القلعا
القلع: السحاب العظيم. ازدهيت فلاناً: تهاونت به.
فهم سراعٌ إليكم، بينَ ملتقطٍ ... شوكاً، وآخر يجني الصابَ والسلعَا
الصاب والسلع: شجرانِ مرانِ. كنَى بذلك عن السلاح.
لو أن جمعهم راموا بهدته ... شمَّ الشماريخِ منْ ثهلانَ لانْصدعَا
الشماريخ والشناخيب: رءوس الجبال.
في كل يومٍ يسنونَ الحرابَ لكمْ ... لا يهجعونَ إذا ما غافلٌ هجعا
стр. 4
خزرٌ عيونهم كأنَّ لحظهمُ ... حريقُ غابٍ ترى منه السنَا قطعَا
السنا: الضوء. تخازر: قبض جفنه ليحددَ النظر.
لا الحرثُ يشغلهم بل لا يرونَ لهمْ ... منْ دون بيضتكم رياً ولا شبعا
البيضة هاهنا كناية عن عقر الدار محلة القوم.
وأنتم تحرثونَ الأرضَ عنْ سفهٍ ... في كل معتملٍ تبغونَ مُزدرعَا
وتلقحون حيالَ الشولِ آوِنةً ... وتنتجونَ بدارِ القلعةِ الربعَا
حالت الناقة تحولُ حيالاً: إذا لم تحمل؛ فهي حائل. والجمع حيال. فأما قولهم: لا أفعل ذلك ما أرزمتْ أمُّ حائل. فإن الناقة إذا ولدت ووقع على الولد اسم التذكير والتأنيث؛ فإن الذكر سقب والأنثى حائل.
هذا منزل قلعةٍ: إذا لم يكن مستوطناً؛ والقوم على قلعةٍ: أي رحلة.
وتلبسون ثيابَ الأمنِ ضاحيةً ... لا تفزعونَ وهذا الليثُ قد جمعا
وقد أظلكمْ منْ شطرِ ثغرِكم ... هولٌ له ظلمٌ تغشاكمُ قطعَا
مالي أراكمْ نياماً في بلهنيةٍ ... وقد ترونَ شهابَ الحربِ قد سطعا
البلهنية: العيش اللين.
فاشفوا غليلي برأيٍ منكمُ حصدٍ ... يصبحْ فؤادي له ريانَ قد نقعا
حصدٍ: محكم؛ من قولهم: درع حصداء: محكمة.
والنقع: ذهاب العطش.
ولا تكونوا كمنْ قد بات مُكتنعاً ... إذا يقالُ له افرجْ غمةً كنعَا
مكتنع مجتمع. اكتنع القوم: اجتمعوا. وكنعت العقابُ جناحها للانقضاض. والكنع: تشنج الأصابع وتقبضها.
يسعى ويحسبُ أنَّ المالَ مخلدهُ ... إذا استفاد طريفاً زادهُ طمعا
فاقنوا جيادَكمُ واحملوا ذِماركمُ ... واستشعروا الصبرَ لا تستشعرُوا الجزعَا
الذمار: ما لزمك حفظه.
стр. 5
ولا يدعْ بعضكم بعضاً لنائبةٍ ... كما تركتم بأعلى بيشةَ النخعَا
صونوا جيادَكمُ واجلوا سيوفكمُ ... وجددوا للقسيِّ النبلَ والشرعَا
الشرع: الأوتار، الواحدة شرعة.
أذكوا العيونَ وراَء السرح واحترسوا ... حتى ترى الخيلُ من تعدائها رجعا
رجعا: ترجع أيديها في السير.
واشروا تلادكمُ في حرز أنفسكم ... وحرزِ أهليكم لا تهلكوا هلعَا
فإنْ غلبتُم على ضنٍّ بدراكمُ ... فقد لقيتم بأمرِ الحازم الفزعَا
لا تلهكُم إبلٌ ليستْ لكمْ إبلٌ ... إنَّ العدوَّ بعظمٍ منكمُ قرعا
لا تثمروا المالَ للأعداءِ إنهمُ ... إنْ يظهروا يحتووكم والتلادَ معا
هيهاتَ لا مالَ من زرع ولا إبلٍ ... يرجى لغابركم إنْ أنفكم جدعا
واللهِ ما انفكتِ الأموالُ مذْ أبدٍ ... لأهلها إنْ أصيبوا مرةً تبعَا
يا قوم، إنَّ لكمْ من إرثِ أولكم ... مجداً قد أشفقتُ أنْ يفنى وينقطعا
ماذا يردُّ عليكم عزّ أولكم ... إنْ ضاعَ آخرهُ أوْ ذلّ واتضعَا
يا قومِ، لا تأمنوا، إنْ كنتمُ غيراً ... على نسائكمُ كسرى وما جمعَا
стр. 6
يا قومِ بيضتكمْ لا تفجعنَّ بها ... إني أخافُ عليها الأزْلمَ الجذعَا
الجذَع من الإبل: الذي أتى له خمس. ومن الشاءِ: ما تممت له سنة. ويقال للمهر في السنة الثانية جذع. ويقال للدهر: الأزلم الجذع؛ لأنه جديدٌ أبداً. وقوله: ألقى على يديه الأزلم الجذع. يقال: أراد الدهرَ، ويقال: أراد الأسد.
هو الجلاءُ الذي يجتثُّ أصلكمُ ... فمنْ رأى مثلَ ذا رأياً ومنْ سمعَا
قوموا قياماً على أمشاطِ أرجلكم ... ثم افزعوا قد ينالُ الأمنَ منْ فزِعا
المشط: سلاميات ظهر القدم؛ وهي عظام الأصابع، واحدتها سلامى.
وقلدوا أمركم، للهِ دركمْ ... رحبَ الذراعِ بأمرِ الحرب مضطلعا
الضلاعة: القوة. وفلان يضطلع بهذا الأمر: أي تقوى ضلاعهُ على حمله.
الدر: اللبن. ولله دره: أي لله عمله. ويقولون في الذم: لا درّ درّه: أي لا كثر خيره.
لا مترفاً إنْ رخاءُ العيشِ ساعدهُ ... ولا إذا عضَّ مكروهٌ به خشعا
الترفه: النعمة.
لا يطعم النومَ إلا ريثَ يبعثه ... هم يكادُ سناهُ يقصمُ الضلعَا
القصم: أن ينصدع الشيءُ من غير أن يبين. وكل منثنٍ مقصوم. والريث: الإبطاءُ. ورجلٌ ريث: بطيء.
مسهدَ النومِ تعنيهِ أموركمُ ... يرومُ منها إلى الأعداءِ مطلعَا
ما انفكَّ يحلبُ هذا الدهرَ أشطرَه ... يكونُ متبعاً طوراً ومتبعا
قولهم: حلب فلانٌ الدهر أشطره: معناه مرت عليه ضروب من خيره وشره. وأصل ذلك من أخلاف الناقة: لها خلفان قادمان، وخلفان آخران؛ فكل خلفين شطر.
حتى استمرتْ على شزرٍ مريرته ... مستحكمَ الرأي لا قحماً ولا ضرعا
القحم: الشيخ الهم. والضرع: الرجل الضعيف. والحبل المشزور: المفتول مما يلي اليسار. وأمرتُ الحبلَ: شددتُ فتله. والمرة: شدة الفتل. والمرير: الحبل الشديد فتلاً.
стр. 7
وليس يشغله مالٌ يثمره ... عنكم ولا ولدٌ يبغي له الرفعا
كما لكِ بن قنانٍ أو كصاحبهِ ... عمرو القنا يومَ لاقَى الحارثينِ معَا
إذْ عابهُ عائبٌ يوماً فقال له: ... دمثْ لجنبكَ قبلَ الليل مضطجعَا
الدمث: اللين. والمكان اللين: دمث. ويكون ذا رمل. والدماثة: سهولة الخلق.
فشاوروه فألفوهُ أخا عللٍ ... في الحربِ لا عاجزاً نكساً ولا ورعَا
ورع: جبان.
لقد بذلتُ لكم نصحي بلا دخلٍ ... فاستيقظوا؛ إن خيرَ العلمِ ما نفعَا
الدخل كالدغَل. والدخَل: العيب في الحسب. وبنو فلان في بني فلان دخل: إذا انتسبوا معهم، وليسوا منهم.
هذا كتابي إليكم والنذيرُ لكمْ ... لمنْ رأى رأيه منكمْ ومن سمعَا
قصيدة قعنب
وقال قعنب ابن أمِّ صاحب:
بانتْ سليمَى فأمستْ دونها عدنُ ... وغلقتْ عندها من قلبكَ الرهنُ
غلق الرهنُ في يد مرتهنه: إذا لم يفتك.
علقتَ سلمَى على عصرِ الشبابِ فقدْ ... أودَى الشبابُ وسلمَى الهمُّ والحزنُ
علقتُْ فلانة: حببتْ إليَّ وهويتها. والعلاقة والعلق: الهواية. يقال نظرة ذي علق.
حلتْ بأبينَ في حيٍّ مجاورةً ... بيني وبينهم الأحقادُ والدمنُ
واحتلَّ أهلكَ من صرفِ النوى بهم ... أرضاً يحاكُ بها الكنانُ والقطنُ
النوى: التحول من دارٍ إلى دار. والنية: الأمر والوجه الذي تنويه. وقيل النية والنية والنوى والنأي كلهن: البعد.
стр. 8
أرضاً بها الطعنُ والطاعونُ ينكؤهمْ ... كما تنحرُ في لباتِها البدن
البدنة: التي تهدى إلى بيت الله جل وعز. وسميت بذلك لسمنها؛ وكانوا يستسمنونها.
لا نومَ إلاَّ على خوفٍ وزلزلة ... فيها ولا مالَ إلاَّ السيفُ والبدنُ
البدن: الدرع.
وكلُّ أسمرَ عراضٍ مهزتُه ... كأنهُ برجَا عاديةِ شطنُ
عراض: مضطرب.
فانظرْ، وأنتَ بصرٌ، هل ترى ظعناً ... تحدى بنجدٍ؛ ومن أنى لك الظعنُ؟
الظعينة: المرأة في الهودج. والظعون: البعير الذي يحملها، وجمعه ظعن. وقيل: الظعن الهوادج كأن فيها نساءٌ أولاً.
وفي الخدورِ، لوَ أنَّ الدارَ جامعةٌ ... حورٌ أوانسُ في أصواتِها غننُ
الغنة: خروج الكلام بالأنف.
هل للعواذلِ من ناهٍ فيزجرها ... إن العواذلَ منها الجور واللسنُ
لسنت الرجل ألسنه لسناً: إذا أخذته بلسانك. واللسن: الفصاحة واللسن: اللغة.
اللائماتُ الفتى في أمرهِ سفهاً ... وهنَّ بعدُ ضعيفاتُ القوى وهنُ
مهلاً أعاذلَ قد جربتِ من خلقي ... أنى أجودُ لأقوامٍ وإنْ ضننوا
إذا غلا المجدُ في مالي كسرتُ لهُ ... والحمدُ لا يشترى إلا له ثمنُ
ما بالُ قومٍ صديقاً ثم ليس لهمْ ... عهدٌ وليس لهم دينٌ إذا ائتمنوا
إنْ يسمعوا ريبةً طاروا لها فرحاً ... مني وما سمعوا من صالحٍ دفنوا
صمٌ إذا سمعوا خيراً ذكرتُ به ... وإن ذكرتُ بسوءٍ عندهم أذنوا
أذن: إذا استمع. ومنه قول الأعشى:
إنَّ همي في سماعِ وأذنْ. وقوله ... في سماعٍ يأذنُ الشيخ له
стр. 9
وقد علمتُ على أنِّي أعايشهم ... لا نبرح الدهر فيما بيننا إحنُ
ولن يراجعَ قلبي ودهم أبداً ... زكنتُ من بغضهم مثل الذي زكنوا
زكنت منك كذا: أي علمته. ولا يقال أزكنتُ. وقد ذكر عن الخليل. وقيل الزكن: الظن.
مثل العصافيرِ أحلاماً ومقدرةً ... لو يوزنونَ بزفِّ الريشِ ما وزنُوا
جهلاً علينا وجبناً عن عدوهم ... لبئستِ الخلتانِ الجهلُ والجبنُ
مالي أسكنُ عن وهب وتشتمني ... ولو شتمتُ بني وهبٍ لقد سكنوا
كغارزٍ رأسه لم يدنهِ أحدٌ ... بين القرينين حتى لزهُ القرنُ
القرينان: بعيران يشدُّ أحدهما إلى الآخر. والحبلُ الذي يشدانِ به قران وقرن.
قصيدة أعشى باهلة
وقال أعشى باهلة، وهو عامرُ بن الحارث، وكنيته أبو قحافة يرثي المنتشر بن وهب الباهلي، ومنتشر من السعاة السباقين في سعيهم؛ قتله بنو نفيل بن عمرو بن كلاب:
إنِّي أتتني لسانٌ لا أسرُّ بها ... من علوُ لا عجبٌ منها ولا سخرُ
فبتُّ مرتفقاً حيرانَ أندبه ... وكنتُ أحذره لو ينفعُ الحذرُ
وجاشت النفسُ لما جاَء جمعهم ... وراكبٌ جاَء منْ تثليثَ معتمرُ
يأبى على الناسِ لا يلوِي على أحدِ ... حتى التقينا وكانت دوننا مضرُ
إنَّ الذي جئتَ من تثليثَ تندبه ... منه السماحُ ومنه النهيُ والغيرُ
стр. 10
نعيتَ من لا تغبُّ الحيَّ جفنتهُ ... إذا الكواكبُ أخطا نوءها المطرُ
وراحت الشولُ مغبراً مناكبها ... شعثاً تغيرَ منها النيُّ والوبرُ
عليه أولُ زادِ القومِ إنْ نزلوا ... ثم المطيُّ إذا ما أرملُوا جزرُ
من ليس في خيره شرٌّ يكدرهُ ... على الصديق ولا في صفوهِ كدرُ
طاوي المصير، على العزاءِ منصلتٌ ... بالقومِ ليلة لا ماءٌ ولا شجرُ
لا تأمنُ البازلُ الكوماءُ ضربتهُ ... بالمشرفيِّ إذا ما اخروطَ السفرُ
اخروَّط واجلوذ: طال.
وتكظمُ الشولُ منه حين تبصرهُ ... حتى تقطع في أعناقها الجررُ
تكفيه حزةُ فلذٍ إنْ ألمَّ بها ... من الشواءِ، ويكفي شربهُ الغمرُ
لا يتأرى لما في القدرِ يرقبُهُ ... ولا يعضُّ على شرسوفهِ الصفرُ
يتأرى: يتحبس. ومنه آرى الدابة: محبسها. والصفرَ فيما تزعم العرب: حية تكون في بطن الإنسان، فإذا جاع عضت على شرسوفه.
لا يغمزُ الساقَ من أينٍ ولا وصبٍ ... ولا يزالُ أمامَ القومِ يقتفرُ
стр. 11
لا يصعبُ الأمرَ إلا ريثَ يركبهُ ... وكل شيءٍ سوى الفحشاءِ يأتمر
لا يصعب الأمر - رواية - لا يصعب الأمر: أي لا يجده صعباً إلا قبل ارتكابه، فإذا ركبه سهل عليه.
مهفهفٌ، أهضمُ الكشحينِ، منخرقٌ ... عنه القميصُ، لسيرِ الليلِ محتقر
تلقاهُ كالكوكبِ الدريِّ منصلتاً ... بالقومِ ليلةَ لا نجمٌ ولا قمرُ
عشنا بذلك دهراً ثم فارقنا ... كذلكَ الرمحُ ذو النصلينِ ينكسرُ
أخو حروبٍ ومكاسبٌ إذا عدموا ... وفي المخافةِ منه الجدُّ والحذرُ
أخو رغائبَ يعطيها ويسألها ... يأبى الظلامةَ منه النوفلُ الزفرُ
لا يأمنُ الناسُ ممساهُ ومصبحهُ ... من كلِّ فجٍّ وإنْ لم يغزُ ينتظرُ
كأنه بعدَ صدقِ القومِ أنفسهم ... باليأسِ تلمعُ من قدامهِ البشرُ
لو لم تخنهُ نفيلٌ، وهي خائنةٌ ... لصبحَ القومَ وردٌ ما له صدرُ
أصبتَ في حرمٍ منا أخا ثقةٍ ... هندُ بن أسماَء لا يهنئ لك الظفرُ
ورادُ حرب شهابٌ يستضاءُ به ... كما أضاَء سوادَ الطخية القمرُ
إمَّا يصبكَ عدوٌّ في مناوَأة ... يوماً فقد كنتَ تستعلي وتنتصرُ
فإنْ جزعنا فقد هدت مصيبتنا ... وإنْ صبرنا فإنَّا معشرٌ صبرُ
إمَّا سلكتَ سبيلاً كنتَ سالكها ... فاذهب فلا يبعدنكَ اللهُ منتشرُ
من ليس فيه إذا قاولتهُ زهقٌ ... وليس فيه إذا ياسرتهُ عسرُ
стр. 12
قصيدة حاتم الطائي
وقال حاتمُ بنُ عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن أخزم بن هزومة بن ربيعة بن جرول ابن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيئ:
أتعرفُ أطلالاً ونؤياً مهدمَا ... كخطكَ في رقٍّ كتاباً منمنما
المنمنم: المحسن.
أذاعتْ به الأرواحُ بعدَ أنيسهِ ... شهوراً وأياماً وحولاً مجرما
أذاعتْ به: فرقته. المجرم: التام الذي انقطع. وجرم الحبلَ: قطعه. وقد انجرم الحول. ومنه الجرام: الصرام.
المجرم: التام. والأرواح: جمع ريح، رجعت الياء إلى أصلها لما سكنَ ما قبلها. قال: أطلالاً. ثم قال: أذاعت به. فرجع إلى الطلل.
فأصبحنَ قد غيرنَ ظاهرَ تربه ... وبدلتِ الأنواءُ ما كان معلما
أي ما كان معروفاً. ويروى: وأنكرت الأنواءُ؛ أي عرضته لأن ينكر، كقولك أقتلته: عرضته للقتل. وأبعتُ الشيءَ عرضتهُ للبيع. قال الهمداني:
فرضيتُ آلاَء الكميتِ فمن يبعْ ... فرساً فليس جوادُنا بمباع
وغيرها طول التقادم والبلى ... فما أعرفُ الأطلالَ إلا توهمَا
ديارُ التي قامتْ تريكَ، وقد خلت ... وأقوتْ من الزوارِ، كفا ومعصما
المعصم: موضع السوار.
ونحراً كفا ثورِ اللجينِ يزينه ... توقدُ ياقوتِ وشذراً منظمَا
الفاثور: خوان صغير.
كجمرِ الغضَا هبتْ له بعدَ هجعةٍ ... من الليلِ أرواحُ الصبا فتضرما
قال أبو عبيدة: الصبا عند العرب لإلقاحِ الشجر. والشمال للروح. والجنوب للإمطار. والدبور للبلاءِ؛ وأهونه أن يكون غباراً عاصفاً يقذي العيونَ؛ وهي أقلهنَّ هبوباً.
يضيءُ لها البيتُ الظليلُ خصاصُه ... إذا هي ليلاً حاولتْ أن تبسمَا
يضيءُ لها: أي لأجلها. يعني لا خصاصَ فيه: أي لا فرَج.
إذا انقلبتْ فوقَ الحشيةِ مرةً ... ترنمَ وسواسُ الحليِّ ترنمَا
стр. 13
وعاذلتينِ هبتا بعد هجعةٍ ... تلومانِ متلافاً مفيداً ملوما
تلومانِ لمَّا غورَ النجمُ ضلةً ... فتًى لا يرى الإنفاقَ في الحقِّ مغرما
غور: دنا من المغيبِ. وضلةً: أي ضلالا. ورجلٌ ضلة: لا يهتمُّ بشأنه وماله. والنجمُ في تأويل النجوم، كما تقول: ما رفع عنهم السيف، وعزَّ الدرهم والدينار. والنجم اسم علم للثريا خاصة.
فقلتُ وقد طالَ العتابُ عليهما ... وأوعَدَتانِي أن تبينَا فتصرمَا
ألا لا تلوماني على ما تقدمَا ... كفى بصروفِ الدهرِ للمرءِ محكما
محكماً: أي إحكاماً.
فإنكما لا ما مضَى تدرِكانهِ ... ولستُ على ما فاتني متندمَا
تحلمْ عن الأدنينَ واستبقِ ودهمْ ... ولن تستطيعَ الحلمَ حتى تحلمَا
ونفسكَ أكرمها، فإنكَ إنْ تهنْ ... عليَ فلن تلقى لها الدهرَ مكرما
أهنْ في الذي تهوى التلادَ فإنَّه ... يصيرُ إذا ما مُتَّ نهباً مقسما
ويروى: فإنه إذا متَّ صار المالُ نهباً. . . .
التلاد والتليد: ما كان عندهم قديماً. وأصل التاءِ الواو، كأنه ولد عندهم. والطارف والطريف: ما استحدثوه.
ولا تشقياً فيه فيسعد وارثٌ ... به حينَ تحشَى أغبَر الجوفِ مظلمَا
يقسمه غنماً ويشرِي كرامهُ ... وقد صرتَ في خطٍّ منَ الأرضِ أعظمَا
يشرِي: يبتاعُ. ويشرِي: يبيعُ: ولبئس ما شروا به أنفسهم. ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله؛ أي يبيع نفسه. الخطُّ: الشقُّ.
قليلاً به ما يحمدنكَ وارثٌ ... إذا ساقَ مما كنتَ تجمعُ مغنما
متى ترقِ أضغانَ العشيرةِ بالأنَى ... وكفِّ الأذى يحسمْ لك الداَء محسمَا
الأنى والأناة: الحلم.
إذا شئتَ نازيتَ امرأَ السوءِ ما نَزَا ... إليكَ، ولاطمتَ اللئيمَ الملطَّما
وعوراَء قد أعرضتُ عنها فلم تضرْ ... وذي أودٍ قومتهُ فتقوما
عوراء: كلمة قبيحة. وعورت عليه ما فعل: قبحته. ويقال: ضاره يضيره ضيراً ويضوره. حكى الفراء: لا ينفعني ذلك ولا يضورني. والأود: الاعوجاج.
стр. 14
وأغفرُ عوراَء الكريمِ ادخارهُ ... وأعرضُ عن شتمِ اللئيم تكرما
وأغفر: أستر. يقولون: اصبغْ ثوبك؛ فإنه أغفرُ للوسخِ.
ولا أخذُلُ المولَى وإنْ كانَ خاذلاً ... ولا أشتمُ ابنَ العمِّ إنْ كان مفحمَا
وما ابتعثتني في هوايَ لجاجةٌ ... إذا لم أجدْ فيما أماميَ مقدمَا
وليلٍ بهيم قد تسربلتُ هولهُ ... إذا الليلُ بالنكسِ الجبانِ تجهما
ولن يكسبَ الصعلوكُ حمداً ولا غنًى ... إذا هو لمْ يركبْ من الأمرِ معظما
ولم يشهد الخيلَ المغيرةَ بالضُّحى ... يثرنَ عجاجاً بالسنابكِ أقتما
عليهنَّ فتيانٌ كجنةِ عبقرٍ ... يهزونَ بالأيدي وشيجاً مقوما
لحى اللهُ صعلُوكاً مناهُ وهمه ... من العيشِ أن يلقَى لبوساً ومطعما
ينامُ الضحى حتى إذا يومهُ استوى ... تنبهَ مثلوجَ الفؤادِ مورمَا
مقيماً معَ المثرينَ ليس ببارِح ... إذا نالَ جدوَى من طعامٍ ومجثما
وللهِ صعلوكٌ يساورُ همهُ ... ويمضي على الأحداث والدهرِ مقدمَا
فتى طلباتٍ لا يرى الخمصَ ترحةً ... ولا شبعةً إنْ نالَها عدَّ مغنمَا
إذا ما رأى يوماً مكارمَ أعرضتْ ... تيممَ كبراهنَّ ثمتْ صممَا
يرى رمحهُ ونبلهُ ومجنهُ ... وذا شطبٍ عضْبَ الضريبةِ مخذَما
الشطبُ: الطرائق في السيف. والضريبة: ما ضرب، فأراد به قاطعٌ للضريبة. والمخذم: الذي ينتسف القطعة وخذم الثوب: شققه.
стр. 15
وأحناَء سرج قاترٍ ولجامهُ ... عتادَ فتَى هيجَا وطرفاً مسومَا
سرج قاتر: إذا كان جيدَ الأخذِ من ظهرِ الفرس، لا صغيراً ولا كبيراً.
ويغشى إذا ما كانَ يومُ كريهة ... صدورَ العوالي فهوَ مختضبٌ دمَا
إذا الحربُ أبدتْ ناجذيها وشمرت ... وولَّى هدانُ القومِ أقدمَ معلمَا
فذلك إنْ يهلكْ فحسنٌ ثناؤُه ... وإنْ عاشَ لم يقعدْ ضعيفاً مذممَا
قصيدة بشامة بن عمرو
وقال بشامة بن عمرو بن هلال:
هجرتَ أمامةَ هجراً طويلاً ... وحملكَ النأيُ عبئاً ثقيلا
في أخرى:
نأتكَ أمامةُ نأياً طويلا ... وحملكَ الحبُّ وقراً. . .
وبدلتَ منها على نأيها ... خيالاً يوافِي ونيلاً قليلا
ونظرةَ ذي علقٍ وامقٍ ... إذا ما الركائبُ جاوزنَ ميلاَ
العلق والعلاقة: الحب. ويروى: ذي شجنٍ.
وقامتْ تسائلُ عن شأنِنا ... فقلنَا لها قد عزمنَا الرحيلاَ
أي على الرحيل، فحذف ولا تعزموا عقدة النكاح.
فبادَرَها ثمَّ مستعجلٌ ... من الدمعْ ينضحُ خداً أسيلاَ
وما كانَ أكثرَ ما نولَتْ ... من الودِّ إلا صفاحاً وقيلا
فقربْتُ للرحْلِ عيرانةً ... موثقةً عنتريساً ذمولا
في أخرى: فلما يئست كسوتُ القتودَ ناجيةً. . . .
العنتريس: الكثيرة اللحمِ الشديدة.
стр. 16
لها قردٌ تامكٌ نيهُ ... تزلُّ الوليةُ عنهُ زليلاً
تطرفُ أطرافَ عامٍ خصيب ... ولم يشلِ عبدٌ إليها فصيلاَ
فمرتْ على كشبٍ غدوةً ... وجازتْ بجنبِ أريك أصيلاَ
توطأُ أغلظَ حزانهِ ... كوطءِ القويِّ العزيز الذليلاَ
الحزيز: الغليظُ من الأرض. وجمعه حزان.
إذا أقبلتْ قلتَ مذعورةٌ ... من الربدِ تتبعُ هيقاً ذمولاَ
وإنْ أدبرتْ قلتَ مشحونة ... أطاعتْ لها الريحُ قلعاً جفولاَ
تعزُّ المَطيُّ جماعَ الطريقِ ... إذا أدلجَ الركبُ ليلاً طويلاَ
كأنَّ يديهَا إذا أرقلتْ ... وقد جرنَ ثمَّ اهتدينَ السبيلاَ
يدا عائمٍ خرَّ في غمرةٍ ... فأدركهُ الموتُ إلا قليلاَ
وخبرتُ قومِي ولم ألقهمْ ... أجدوا على ذي شويسٍ حلولاَ
أي جددوا نزولاً بهذا المكان.
فإمَّا هلكتُ ولمْ آتهمْ ... فبلغْ أماثلَ سهمٍ رسولاَ
أي رسالة. قال كثير:
لقد كذبَ الواشونَ ما بحتُ عندهم ... بسرٍّ ولا أرسلتهم برسولِ
إنا رسولُ رب العالمين: أي ذوو رسالته.
стр. 17
بأنَّ التي سامكُمْ قومكمْ ... هم جعلوها عليكم دليلاَ
لا تهلكوا وبكمْ منةٌ ... كفى بالحوادثِ للمرءِ غولاَ
هوانُ الحياةِ وخزيُ المما ... تِ كلٌّ أراهُ طعاماً وبيلاَ
فإنْ لم يكنْ غيرُ إحدهُما ... فسيروا إلى الموتِ سيراً جميلاَ
وحشوا الحروبَ إذا أوقدتْ ... رماحاً طوالاً وخيلاً فحولاَ
ومن نسجِ داودَ ماذيةٌ ... ترى للقواضبِ فيها صليلاَ
قصيدة النمر بن تولب
وقال النمر بن تولب العكلي:
صحا القلبُ عن ذكرهِ تكتمَا ... وكان رهيناً بها مغرمَا
في أخرى: سلا عنْ تذكرهِ تكتما.
السلوُّ: ترككَ الشيءَ؛ وربما قالوا في ترك التناسي: سلا يسلو.
وأقصرَ عنها وآياتها ... يذكرنهُ داءهُ الأقدما
أي حبه القديم. أقصر: كف وأمسك. وآياتها: معالمها.
فأوصى الفتى بابتناءِ العلاءِ ... وألا يخونَ ولا يأثمَا
ويلبَسُ للدهرِ أجلالهُ ... فلنْ يبنيَ الناسُ ما هدَّمَا
ويلبس للدهر أجلاله: أي ويتهيأُ لكل حالةٍ على حسب ما يرى مما ينبغي مثل قول العرب:
البسْ لكلِّ حالةٍ لبوسها ... نعيمها يوماً ويوماً بوسها
وقوله: فلن يبني الناسُ ما هدما: أي ما هدم من مجده. وتهديمه إياه: تضييعه.
وإن أنتَ لاقيتَ في نجدةٍ ... فلا تتهيبكَ أن تقدما
النجدة: الشدة والأمر الشاق؛ أراد فلا تتهيبها فقلب. ويقولون: تهيبني السفر؛ أي هبته. ومنه قول ابن مقبل:
ولا تهيبني الموماةُ أركبها ... إذا تجاوبتِ الأصداءُ بالسحرِ
أي لا أتهيبُ الموماةَ. والأصداءُ: جمعُ صدًى، وهو ذكرُ البوم.
فإنَّ المنيةَ منْ يخشها ... فسوفَ تصادفهُ أينما
يريد: أينما ذهبَ. فاقتصر على معرفةِ ذلك، وتركَ اللفظَ به.
стр. 18
وإنْ تتخاطاكَ أسبابها ... فإنَّ قصاراكَ أن تهرما
قصاراكَ: غايتك.
وأحبب حبيبكَ حباً رويداً ... لئلاَّ يعولكَ أن تصرما
في أخرى: فقد لا يعولُك؛ أي لا يشقُّ عليك. والعول: المصدر.
والمعنى: لا يعظم عليك الصرمُ إذا أردته أو أرادهُ حبيبك.
وأبغض بغيضك بغضاً رويداً ... إذا أنت حاولتَ أن تحكمَا
أن تحكمَا: أي تكون حكيماً. . ويروى: أن تحكِمَا؛ أي تُحكِم أمرك. ويقال: أحكمتهُ: أي
منعته ورددته عما يريد. قال جرير:
أبني حنيفةَ أحكموا سفهاَءكم ... إني أخافُ عليكمُ أن أغضبَا
أي امنعوهم وكفوهم.
فلوْ أنَّ من حتفهِ ناجياً ... لألفيته الصدعَ الأعصمَا
الصدع: الوعل بين الجسيم والضئيل. والأعصم: الذي في يده بياض. وقيل: الذي اعتصم بقلةِ الجبل.
بإسبيلَ ألقتْ بهِ أمهُ ... على رأسِ ذي حبكٍ أيهما
إسبيل: بلدٌ. وقيل: جبلٌ. وأنشد الأصمعي شاهداً على أنه بلد:
لا أرضَ بعدَ الأكمِ إلا إسبيلُ ... فكل أرض بعدَ تيكَ تضليلُ
والحبكُ: الطرائق. الواحدُ حباك. والأيهم: الذي لا يعرف به طريق. ومفازةٌ يهماء: لا يهتدى بها. ويقال للسيلِ الأيهم؛ لأنه لا يبالي ما ركب، ولا أين أخذ، كالأعمى يركب رأسه.
إذا شاَء طالعَ مسجورةً ... ترى حولها النبعَ والساسما
المجوة: المملوءة. والنبع: أكرم العيدانِ، ومنه تتخذ القسي. والساسم: الشيز. وقيل الآبنوس.
تكونُ لأعدائهِ مجهلاً ... مضلاً وكانتْ له معلما
المجهل: الذي لا يعرف. والمضل: الذي يضل فيه. ويروى: مضلاً. وكانت له معلما: أي هو عالمٌ بها.
سقته الرواعدُ من صيفٍ ... وإنْ منْ خريفٍ فلن يعدما
في أخرى: سقتها رواعدُ من صيف. الصيفُ: مطر الصيفِ. والخريف: المطرُ قبل دخولِ الشتاء.
فساقَ له الدهرُ ذا وفضةٍ ... يقلبُ في كفهِ أسهمَا
الوفضةُ: الكنانة؛ وهي التي يجعل فيها النبلُ، وهي بمنزلةِ الجعبةِ للنشاب. والجمع وفاض.
فراقبهُ وهو في قترةٍ ... وما كانَ يرهبُ أن يكلما
القترة: بيت الصائد.
فأرسل سهماً لهُ أهزعاً ... فشكَّ نواهقهُ والفما
الأصمعي: الأهزعُ: الطويل. ويروى: مرهفاً. والنواهقُ من الوعل: ما حول أنفه. وهي من الفرس العظمان اللذان يبدوان في موضع مسيل الدموع.
فظل يشب كأنَّ الولو ... عَ كان بصحتهِ مغرما
يشب: يرفع يديه. شب الفرس: إذا رفع يديه عند التمعك. والولوع: القدر. والولوع: الدهر.
стр. 19
وأدركهُ ما أتى تبعاً ... وأبرهةَ الملكَ الأعظمَا
تبع: من ملوك اليمن من ملوك حمير. وأبرهة من ملوك الحبشة، كان النجاشيُّ وجهه إلى اليمن.
لقيم بن لقمان من أخته ... فكانَ ابنَ أختِ لهُ وابنَما
لقيم بن لقمان: رجلٌ من الأمم السابقة، يقال: إنَّ أختَ لقمان كانت عند رجل يجيء ولده ضعافاً فاحتالت لأخيها بالسكر حتى قع بها فولدت لقيماً.
ليالي حمقَ فاستحصنتْ ... إليه فغرَّ بها مظلمَا
حمقَ: أي أسكرَ حتى ذهب عقله. وقوله: فاستحضت إليه أي أتته كأنها حصانٌ. والحصان والحاصنُ: العفيفة. وغر: من الغرور. ومظلماً: أي والليل قد أظلم عليه.
فأحبلها رجلٌ نابهٌ ... فجاءتْ به رجلاً محكمَا
نابهٌ: مذكورٌ مشهور الذكر.
قصيدة الشنفرى
وقال الشنفرى الأزدي:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى أهلٍ سواكمْ لأميلُ
أقيموا: سددوا.
فقد حمتِ الحاجاتُ والليلُ مقمرٌ ... وشدتْ لطياتٍ مطايا وأرحلُ
حمت: حضرت. والطية: السفر.
وفي الأرضِ منأًى للكريم عن الأذى ... وفيها لمنْ خافَ القِلَى متحولُ
ويروى: متعزل. منأى: مبعد.
لعمرك ما بالأرض ضيقٌ على امرئ ... سرى راغباً وراهباً وهو يعقلُ
ولي دونكمْ أهلونَ سيدٌ عملسٌ ... وأرقطُ زهلولٌ وعرفاءُ جيألُ
أرقط زهلول: أي حية أرقط. والزهلول: الأملس. والعرفاءُ: العظيمة العرف.
هم الرهطُ لا مستودعُ السر شائعٌ ... لديهمْ ولا الجاني بما جرَّ يخذلُ
أي ما جنى.
стр. 20
وكلُّ أبيٌّ باسلٌ غيرَ أنني ... إذا عرضتْ إحدى لطرائدِ أبسلُ
أبيٌّ: ممتنع. والباسل: الشجاع، والباسل: الغضبان. ويروى: إذا عرضتْ أولى الطرائد
وإنْ مدتْ الأيديِ إلى الزادِ لم أكنْ ... بأعجلهم إذْ أشجع القومِ أعجلُ
الجشع: أسوأ الحرص.
وما ذاكَ إلا بسطةٌ عن تفضلٍ ... عليهم، وكان الأفضلَ المتفضلُ
وإني كفاني فقدَ مَنْ ليس جازياً ... بحسنَى ولا في قربهِ متعللُ
ثلاثةُ أصحابٍ: فؤادٌ مشيعٌ ... وأبيضُ إصليتٌ، وصفراءُ عيطلُ
عيطل: قوسٌ طويلة.
هتوف من المُلْسِ المتانِ يزينها ... رصائعُ قد نيطتْ إليها ومحملُ
يروى: من الملسِ المتون. والرصائعُ: عقد السيرِ.
إذا زالَّ عنها السهمُ حنتْ كأنها ... مرزأةٌ ثكلى ترنُّ وتعولُ
ولستُ بمهيافٍ يعشى سوامهُ ... مجدعةً سقبانها وهي بهلُ
مهيافٌ: سريع العطش. والمجدعة: السيئة الغذاء. والباهلُ: التي لا صرارَ على ضرعها. وهي مع ذلك حافلٌ.
ولا جُبأٍ أكهى مربٍّ بعرسهِ ... يطالعها في شأنه كيف يفعلُ
جبأَ: جبان. وأكهى: أفعل من الكهاةِ؛ وفي الناقة العظيمة. ويقال: المسنة. والمربُّ: الملازم.
стр. 21
ولا خالف داريةٍ متغزلٍ ... يروحُ ويغدو داهناً يتكحلُ
حالف: من الحلف. ويروى: خالف. يخلفُ الحي. ودارية: يدري شعره. ويروى: ذي إربةٍ، من قول الله : غير أولي الإربة. ومتغزل من الغزل. ويروى: متعزل.
ولستُ بعلٍّ شرهُ دونَ خيره ... ألفَّ إذا ما رعتهُ اهتاجَ أعزلُ
العلُّ: الكبير:. والأعزلُ: الذي لا سلاحَ معه.
ولستُ بمحيارِ الظلام إذا نحت ... هدى الهوجلِ العسيف يهماءُ هوجلُ
محيار: متحر. والهوجل الأول: البطيء الذي لا خير فيه. والهوجل الثاني: المفازة البعيدة. والعسيف: الساري على غير قصد. واليهماءُ: التي لا يهتدى فيها السفر.
إذا الأمعزُ الصوانُ لاقى مناسمي ... تطايرَ منهُ قادحٌ ومفللُ
الأمعز: مكانٌ ذو حجارة صلبة. والقادحُ: ما يقدح النار. والمفلل: المكسر.
أديمُ مطالَ الجوعِ حتى أميتهُ ... وأصرفُ عنه الذكْرَ صفحاً فأذهلُ
في أخرى: وأضربُ عنه. وهو أجود.
وأستفُّ تربَ الأرضِ كي لا يرى له ... على من الطولِ امرؤٌ متطولُ
ولولا اجتنابُ الذامِ لم يبقَ مشربٌ ... يعاشُ به إلا لدي ومأكلُ
ولكنَّ نفساً حرةً لا تقيم بي ... على الضيمِ إلا ريثَ ما أتحولُ
ويروى: نفساً مرةً.
وأطوي على الخمص الحوايا كما انطوتْ ... خيوطةُ ماريٍ تغارُ وتفتلُ
خيوطة مارِيٍّ: خيوطٌ من وبر الإبل.
وأغدو على القوتِ الزهيدِ كما غدا ... أزلُّ تهاداهُ التنائفُ أطحلُ
التنائف: الفلوات.
стр. 22
غدا طاوياً يعتنُّ للريحِ هافياً ... يخوتُ بأذنابِ الشعاب ويعسلُ
هافٍ: خفيف. ويروى: يعارض الريحَ.
فلما لواهُ القوتُ من حيثُ أمهُ ... دعا فأجابتهُ نظائرُ نحلُ
مهللةٌ شيبُ الوجوهِ كأنها ... قداحٌ بكفي ياسرٍ تتقلقلُ
أو الخشرمُ المبعوثُ حثحثَ دبرهُ ... محابيضُ أرساهنَّ سامٍ معسلُ
المعسل: الشائر، وهو المشتار.
مهرتةٌ فوهٌ كأنَّ شدوقها ... شقوقُ العصِي كالحاتٌ وبسلُ
فوه: جمع أفوه، وهو الواسعُ الفم. والباسل: العابس. وكالحات: باديات الأنياب.
فضجَّ وضجتْ بالبراحِ كأنها ... وإياهُ نوحٌ فوقَ علياَء ثكلُ
فأغضى وأغضتْ وائتسى وائتستْ به ... مراميلُ عزاهَا وعزتهُ مرملُ
شكا وشكتْ ثم ارعوَى بعدُ وارعوتْ ... وللصبرُ إنْ لم ينفعِ الشكو أجملُ
وفاَء وفاَءتْ بادئاتٍ وكلها ... على نكظٍ مما يكاتمُ مجملُ
في أخرى: وفاءَ وفاءَتْ عن قريب.
النكظ: الشدة.
وتشرب أسارِي القطا الكدرُ بعدما ... سرتْ قرباً أحناؤُها تتصلصلُ
تصوت مناقيرها من العطش.
стр. 23
هممت وهمت وابتدرنا فأسأدت ... وشمر مني فارطٌ متمهلُ
الفارط: السابق.
فوليتُ عنها وهي تكبُو بعقرهِ ... تباشرهُ منها دفوفٌ وحوصلُ
ويروى: ذقون وحوصل
كانَّ وغاها حجرتيهِ وحولهُ ... أضاميمُ ممن سفرِ القبائلِ نزلُ
أضاميم: جماعات. ويروى: جنبتيهِ وحوله.
توافينَ من شتى إليه فضمها ... كما ضمَّ أذوادَ الأصاريمِ منهلُ
فعبتْ غشاشاً ثم مرتْ كأنها ... مع الفجرِ ركبٌ من أحاظةَ مجفلُ
غشاشاً: أي قليلاً على عجلة. وأحاظة: موضع، أوحى.
وآلفُ وجهَ الأرضِ عند افتراشِها ... بأهدأ تنبيهِ سناسنُ قحلُ
في أخرى: تثنيه. والسناسنُ: رءوس الأضلاع.
وأعدلُ منحوضاً كأن فصوصهُ ... كعابٌ دحاها لاعبٌ فهي مثلُ
أعدل: أقيم. والمنحوض: العاري، من النحضِ.
فإِنْ تبتئِسْ بالشَّنفريَ أمُّ قسطلٍ ... فما اغتبطتْ بالشنفري قبلُ أطولُ
أم قسطل: الداهية.
طريدُ جناياتٍ تياسرنَ لحمهُ ... عقيرتهُ لأيها حمَّ أولُ
تياسرن من الميسر.
تبيتُ إذا ما نام يقظى عيونها ... جثاثاً إلى مكروهها تتغلغل
стр. 24
وإلفُ هموم ما تزالُ تعودهُ ... عياداً كحمى الربعِ أو هي أثقلُ
إذا وردتْ أصدرتُها ثمَّ إنها ... تثوبُ وتأتي من تحيتُ ومن علُ
فإما تريني كابنةِ الرملِ ضاحياً ... على رقبةِ أحفَى ولا أتنعلُ
يروى: ولا أتسربلُ.
فإنِّي لمولَى الصبرِ أجتابُ بزهُ ... على ملِ قلبِ السمعِ والحزمَ أفعلُ
وأعدمُ أحياناً وأغنى وإنما ... ينالُ الغنى ذو البغية المتبذلُ
ولا جزعٌ من خلةٍ متكشفٌ ... ولا مرحٌ غبَّ الغنى أتخيلُ
نسخة: تحت الغنى.
ولا تزدهي الأجهالُ حلمِي ولا أرى ... سؤولاً بأعقابِ الأقاويلِ أنملُ
أنمل: أنمُّ. والأجهال: جمع جاهل، كصاحب وأصحاب. ويروى: الأطماع.
وليلةِ صِرٍّ يصطلي القوسَ ربُّها ... وأقطعه اللاتي بها يتنبل
دعستُ على غطشٍ وبغشٍ وصحبتي ... سعارٌ وإرزيزٌ ووجرٌ وأفكلُ
سعار: عطش. وإرزيزٌ: جوع. ووجر: خوف.
стр. 25
فأيمتُ نسواناً وأيتمتُ ولدةً ... وعدتُ كما أبدأتُ والليلُ أليلُ
وأصبح عني بالغميضاءِ جالساً ... فريقانِ مسئولٌ وآخرُ يسألُ
الغميضاءُ: موضع. قال أبو رياش: الغميضاءُ بالضاد المعجمة.
فقالوا: لقد هرتْ بليلٍ كلابنَا ... فقلنا أذئبٌ عسَّ أم عسَّ فرعلُ
عس: تردد وطلب. والفرعل: الثعلب. وقيل: ولد الضبع.
فلم يكُ إلا نبأةٌ ثم هومتْ ... فقلنا قطاً قد ريعَ أم رِيعَ أجدلُ
فإنْ يكُ من جنٍّ لأبرحَ طارقاً ... وإنْ يكُ إنساً ما كها الإنسُ تفعلُ
لأبرح: أي لقد أبرح. أراد ما كهذا، فحذف ذا. ويروى: ما كذا. وهو أجودُ.
ويومٍ من الشعرى يذوبُ لعابه ... أفاعيه في رمضائه تتململُ
أي من أيام الشعري. ولعابه: شدة حره. وفي أخرى: لوابه. والمعنى واحد.
نصبتُ له وجهي ولا كنَّ دونه ... ولا سترَ إلا الأتحميُّ المرعبلُ
الأتحميُّ: ضربٌ من البرودِ.
وضافٍ إذا هبتْ له الريحُ طيرتْ ... لبائدَ من أعطافهِ ما ترجلُ
ضاف: شعر طويل. واللبائد: ما تلبد. والترجيل: غسل الشعر ودهنه.
بعيدٌ بمسِّ الدهنِ والفلي عهدهُ ... بهِ عبسٌ عاف من الغسل محولُ
العبس: الوسخ. والغسل: الخطمي.
وخرقٍ كظهرِ التُّرسِ قفرٍ قطعته ... بعاملتينِ ظهرهُ ليس يعمل
стр. 26
فألحقتُ أخراهُ بأولاهُ موفياً ... على قنَّة أعيا مراراً وأمثلُ
يروى: أخفى مراراً. والقنة: الجبل.
ترودُ الأراوِي الصحمُ حولي كأنها ... عذارى عليهنَّ الملاءُ المذيلُ
ترود: تطوف. وأراد بالملاءِ: بياض أكرعها.
ويركدن بالآصال حولي كأنني ... من العصمِ أدفى ينتحي الكيحَ أعقل
قصيدة كعب بن سعد الغنوي
وقال كعب بن سعد الغنوي، يرثي أخاه:
تقولُ سليمَى ما لجسمكَ شاحبا ... كأنكَ يحميكَ الطعامَ طبيبُ
فقلتُ ولم أعْيَ الجوابَ ولم ألحْ ... وللدهرِ في صمِّ السلامِ نصيبُ
يقال: ألاحَ من الشيء: إذا أشفق منه. قال عبد الله ابن عتبة بن مسعود:
لعمرِي لئن شطتْ بعثمةَ دارها ... لقد كنتُ من وشكِ الفراقِ أليحُ
أروحُ بهم ثم أغدو بمثلهِ ... ويحسبُ أني في الثياب صحيحُ
والسلامُ: الحجارة، واحدها سلمة.
تتابعُ أحداثٌ تخر منَ إخوتي ... وشيبنَ رأسي والخطوبُ تشيبُ
يقال: تخر منه المنون: إذا ذهبتْ به.
لعمري لئن كانتْ أصابتْ منيةٌ ... أخِي، والمنايا للرجالِ شعوبُ
شعوب: اسم من أسماءِ المنية. يقال شعبتهم شعوب: فرقتهم. وشعوب في الأصل: نعتٌ، ثم سمي به. وهو في البيت نكرة.
لقد عجمت مني المنيةُ ماجداً ... عروفاً لريبِ الدهرِ حينَ يريبُ
عجمتْ: عضتْ. عجمتُ العودَ أعجمه. ويقال: رابني يريبني ريباً، وهو الأكثر. وبعضهم يقول: أرابني إرابةً، وينشد قول الهذلي:
كأنما أربتهُ بريبِ
فتى الحربِ إنْ حاربتَ كانَ سمامَها ... وفي السلمِ مفضالُ اليدينِ وهوبُ
السمام: جمع سم، وإن كان قولهم سموم أكثر على ألسنة الناس. وهذا مما اتفق فيه فعول وفعال.
جموعٌ خلالَ الخيرِ من كلِّ جانب ... إذا جاَء جياءٌ بهنَّ ذهوبُ
فعول وفعال يأتيان للمبالغة، كقولك: ضروبٌ وضراب. وحدث محمد بن زيد عن أبي محلم قال: أنشدتُ يونس أبياتاً من رجزٍ فكتبهنَّ على ذراعه ثم قال لي: إنك لجياءٌ بالخير.
فتًى لا يبالي أن يكونَ بجسمهِ ... إذا نال خلاتِ الكرامِ شحوبُ
стр. 27
فلو كان ميتٌ يفتدى لفديته ... بما لم تكنْ عنه النفوسُ تطيبُ
فإنْ تكنِ الأيامُ أحسنَّ مرةً ... إليَّ فقد عادتْ لهنَّ ذنوبُ
أخٌ كان يكفيني وكان يعينني ... على نائباتِ الدهرِ حين تنوبُ
عظيمُ رمادِ القدرِ رحبٌ فناؤهُ ... إلى سندٍ لم تحتجبهُ غيوبُ
سند الجبل: ما ارتفع عن الوادي وسفل عن الجبل.
والمعنى أنه يكون حيث يراه الناس إذا طلبَ لم تحتجبه غيوبٌ. والغيب: البطن المنخفض من الأرض.
وروى الأخفش: تحتجنه بالنون: أي تغيبه. والأول من الحجاب.
إذا ما ترا آهُ الرجالُ تحفظوا ... فلن تنطق العوراءُ وهو قريب
أخي ما أخي! لا فاحشٌ عند بيتهِ ... ولا ورعٌ عند اللقاءِ هيوبُ
حليفُ الندى يدعو الندى فيجيبهُ ... سريعاً ويدعوهُ الندى فيجيبُ
هو العسلُ الماذيُّ ليناً وشيمةً ... وليثٌ إذا يلْقَى العدوَّ غضوبُ
الماذي: أجودُ العسلِ وأصفاهُ.
هوتْ أمُّه ما يبعُ الصبحُ غادياً ... وماذا يردُّ الليلُ حين يئوبُ
كعاليةِ الرمحِ الردينِي لم يكنْ ... إذا ابتدرَ الخيرَ الرجالُ يخيبُ
كعالية الرمح: يريدُ كالرمحِ طولاً، كما قال: الواطئين على صدور نعالهم.
أخُو شتواتِ يعلمُ الحيُّ انه ... سيكثرُ ما في قدرهِ ويطيبُ
ليبككَ عانٍ لم يجدْ من يعينه ... وطاوِي الحشا نائي المزارِ غريبُ
كأنَّ أبا المغوارِ لم يوفِ مرقباً ... إذا ربأَ القومَ الكرامَ رقيبُ
المرقب: المكان العالي. الربيئة: الطليعة، وهو الديدبان والرقيب.
стр. 28
ولم يدعُ فتياناً كراماً لميسرٍ ... إذا اشتدَّ من ريحِ الشتاءِ هبوبُ
يبيتُ الندَى يا أمَّ عمرٍو ضجيعه ... إذا لم يكنْ في المنقياتِ حلوبُ
إذا شهدَ الأيسارُ أو غاب بعضهم ... كفى ذاكَ وضاحُ الجبينِ أريبُ
وداعٍ دعا يا منْ يجيبُ إلى الندى ... فلم يستجبهُ عندَ ذاكَ مجيبُ
فقلتُ ادعُ أخرى وارفعِ الصوتَ دعوةً ... لعلَّ أبا المغوارِ منكَ قريبُ
يجبكَ كما قدْ كان يفعلُ إنهُ ... نجيبٌ، لأبوابِ العلاءِ طلوبُ
وإني لباكيهِ وإني لصادِقٌ ... عليه، وبعضُ القائلينَ كذوبُ
فتى أريحيٌّ كانَ يهتزُّ للندى ... كما اهتزَّ ماضي الشفرتينِ قضيبُ
قصيدة للمتلمس
وقال الملتمس، واسمه جرير بن عبد العزى، ويقال ابن عبد المسيح بن عبد الله بن دوفن بن حرب بن وهب بن جلي ابن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
قال ابن السكيت وابن الأعرابي: كان المتلمس مكث في أخواله بني يشكر حتى كادوا يغلبون على نسبه، فسأل الملك - عمرو بن هند، وهو مضرط الحجارة، وهو المحرق - الحارث بن التوأم اليشكري عن المتلمس وعن نسبه فأراد الحارث أن يدعيه. قال أبو عبيدة: كان
стр. 29
جواب الحارثة عنه أنه أواناً يزعم أنه من بني ضبيعة وأواناً يزعم أنه من بني يشكر. فقال عمرو إلا كالساقط بين الفراشين. فبلغ ذلك المتلمس؛ فقال يذكر نسبه ويثبته:
يعيرني أمي رجالٌ ولا أرى ... أخا كرمٍ إلا بأن يتكرما
ومنْ كان ذا عرضٍ كريمٍ فلم يصنْ ... لهُ حسباً كانَ اللئيمَ المذمما
ويروى: الملوما. ويروى: ومن كان ذا مالٍ كثير. والعرض: موضع المدح والذم من الرجل. يقال: إنه كريم العرض، ولئيم العرض. والعرض: الجسد. يقال: إنه لطيب العرض وخبيث العرض. والحسب: كرم الفعل من الإنسان وإن لم يكن له أبٌ في الشرف والمجد. ويقال: افعل ذلك على حسب ما ترى؛ أي على قدره مفتوح.
أحارثُ إنَّا لو تساطُ دماؤنا ... تزايلنَ حتى لا يمسَّ دمٌ دمَا
أمنتفيَا منْ نصرِ بهثةَ خلتني ... ألا إنني منهم وإنْ كنتُ ينما
ويروى: أمنتفلاً. يقال: انتفلَ من ذلك الأمر وانتفى منه. ويقال للرجل يرمي بشيءٍ: انفلْ ذاك عن نفسك. بهثة: ابن الحارث بن وهب بن جلي بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار.
يريد أنا منهم وإن كنتُ أينما كنت. فاقتصر، كما قال النمر:
فإنَّ المنيةَ منْ يخشها ... فسوف تصادفه أينما
أراد أينما حل وصار.
ألا إنني منهم وعرضيَ عرضهمْ ... كذي الأنفِ يحمي أنفهُ أن يصلمَا
يقال: جدع أنفه إذا قطع طرفه وكشمه، وأوعبه، واستوعبه، وصلمه: إذا استأصلهُ. ويقال: اصطلم أنفه، واجتثه، واقتلعه، واقتبهُ، واجتلمه؛ هذه الأربعةُ الألفاظِ للأنفِ دونَ الأذنِ.
وعرضي عرضهم:
يقول: من سبهم فأنا أحمي حماهم كما يحمي ذو الأنف أنفه أن يقطع.
وإن نصابي إنْ سألتَ وأسرتي ... منَ الناسِ حيٌّ يقتنونَ المزنمَا
النصاب: الأصل. والأسرة: العشيرة الذين أسربهم؛ أي قوى. والتزنيم: أن تشقَّ أذنُ البعير من أعلاها شقين أو ثلاثة، ثم تترك تنوس معلقةً فذلك التزنيم؛ والترعيل مثله، يقال: زنمها ورعلها.
وكنا إذا الجبارُ صعرَ خدهُ ... أقمنا لهُ من خدهِ فتقومَا
الصعر الميل. والعرب تقول: والله لأقيمن صعره وصيده وقذله وصغاه وأدده، ويقال: أود العود، وأدِدَ وعوج وعَصِل: إذا اعوجَّ.
لذى الحلمِ قبلَ اليومِ ما تقرعُ العصَا ... وما علمَ الإنسانُ إلا ليعلمَا
قيل: إنما عرض بالحارث بن التوأم في هذا؛ أي قد قرعتك بهذا الكلام كما كان يصنع بعامر بن الظرب العدواني. وكان من حكماءِ العرب وأربى على مائتي عام؛ أي زاد عليها، فكان ربما هفا في محاورته فتقرع له العصا بجفنة فيرتدع ويعلم أنه قد جار عن الطريق فصار مثلاً.
وقيل: إن الذي قرعتْ له العصا عالم من علماء اليمن يقول اليمانون: هو عمرو بن حممة الدوسيّ من رهط بي هريرة.
وربيعة تقول: الذي قرعت له العصا قيس بن خالد بن عبد الله بن ذي الجدين.
وقيس تقول: هو عامرُ بن الظرب. وهذا أصح الأقوال وأكثر على أفواه العلماء.
стр. 30
ولو غيرُ أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلتُ لهم فوقَ العرانينِ ميسما
نقيصتي: تنقصي؛ أي أسمهم على العرانين، يعني أهجوهم هجاءً يبقى أثره في وجوههم. وإذا كان في الوجوه لم يغط، وإذا كان في غير الوجه غطى. والعرنين: أعلى قصبة الأنف. والخيشوم: اسم يجمع الأنف وهو المعطس وهو النخرة. ويقال لثقبه السم، وكذلك ثقب كل شيء إذا ضاق فهو سم. ويقال للحاجز في الوسط الوترة. ويقال لطرفه: الروثة والعرتمة والحثرمة، وهي الأرنبة.
وهل لي أمٌّ غيرها إنْ تركتها ... أبى اللهُ إلاَّ أنْ أكونَ لها ابنمَا
أراد ابناً فزاد الميم، كما قيل: ستهم، وزرقم، وفسحم للكبير الاستِ والزرق والمنفسح؛ وهو مما يتبع فيه حرف الإعراب ما قبله، قال العجاج:
ولم يلحك حزنٌ على ابنمٍ ... ولا أبٍ ولا أخٍ فتسهمي
وقال الهذلي:
تعاورتما ثوبَ العقوقِ كلاكُما ... أبٌ غيربرٍّ وابنمٌ غيرُ واصلِ
ولا يثني ولا يجمع إلا أن الكميت ثناه؛ فقال:
ومنا ضرارٌ وابنماهُ وحاجبٌ ... مؤرثُ نيرانِ العداوةِ لا المخبي
المخبي: المطفئ.
وما كنتُ إلا مثلَ قاطعِ كفهِ ... بكفٍّ له أخرى فأصبح أجذما
الأقطع والأجذم: واحد. جذمتُ الحبل: قطعته. ورجل مجذامة ومجذام: أي مقطاع للأمر.
فلما استقاد الكف بالكفِّ لم يجدْ ... لهُ دركاً في أن تبينا فأحجمَا
تبينا: تفارقا. والمحجم: الممسك عن الشيء الهائب له. يقال أحجم عن الشيء وأجحم: إذا لم يقدم عليه.
يداهُ أصابتْ هذه حتفَ هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدما
فأطرق إطراق الشجاعِ ولو يرى ... مساغاً لنابيهِ الشجاعُ لصمما
الإطراق: أصله السكون. والشجاع: حية لطيف أقرع الرأس. مساغاً: أي مضياً، معناه مساغاً في نكزه. صمم: مضى على أمره وجد فيه.
وقد كنتَ ترجو أن أكون لعقبكمْ ... زنيماً فما أجررتُ أن أتكلما
الزنيم: المنوط اللاصق بالقومِ ليس منهم. وأصله من الزنمة التي تكون في حلق العناق، وهذا كما قال حسان:
زنيم تداعاه الرجالُ دعاوةً ... كما زيدَ في عرضِ الأديم الأكارعُ
والعقب: الولد الذين يأتون من بعد. وعقب كل شيء آخره. وقوله: فما أجررت: أصل الإجرار أن يشق ظهر لسان الفصيل والجدي حتى لا يرضع، وأنشد:
كما خلَّ ظهرَ اللسانِ المجرَ
والتفليك: أن يثقب لسانه ويجعل فيه خيط من شعر ويعقد طرفه كالفلكتين فيمنعه أيضاً من الرضاع. فالمعنى لم يربط لساني عن الكلام، فضرب الإجرار مثلاً للسكوت.
لأورثَ بعدي سنةً يهتدى بها ... وأجلو عن ذي شبهةٍ إن توهما
أرى عصماً في نصرِ بهثةَ دائياً ... ويدفعني عن آلِ زيدِ فبئس ما
عصم: رجل من بني ضبيعة: قال للمتلمس: أنت من بني يشكر ولست منا.
المعنى: ينتسب عصم إليهم وينفيني عنهم. وقوله: فبئسما أي بئسما يفعل.
إذا لم يزل حبل القرينين يلتوي ... فلا بد يوماً من قوى أن تجلما
القرينانِ: بعيران يقرنان في حبل. ضرب ذلك مثلاً له ولعصم. يقول: إذا كان الرجلان كل واحدٍ منهما ينادي صاحبه فلا بد لأحدهما أن يغلب الآخر.
إذا ما أديم القوم أنهجه البلى ... تفرى، وإن كتبته، وتخرما
أديم كل شيء: جلده. وأنهجهُ: أخلقه. يقال: نهج الثوب وأنهجَ، ومحَّ وأمحَّ: أي خلق. وتفرى: تمزق. وكتبته: خرزته. والكتب: الخرز، يقال: اكتبها: أي اخرزها. وتخرم؛ تفتق.
стр. 31
وللمتلمس
قال ابن الأعرابي: أخبرني أبو جعفر محمد بن حبيب عن أبي المنذر هشام بن محمد الكلبي النسابة أن المتلمس إنما سمي بهذا اللقب لقوه:
وذاك أوان العرض حيَّ ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس
قال أبو محمد القتبي: كان المتلمس ينادم عمرو ابن هند ملك الحيرة هو وطرفة بن العبد، فهجواه فكتب لهما إلى عامله بالبحرين كتابين أوهمهما أنه أمر لهما فيها بجوائز، وكتب إليه يأمره بقتلهما، فخرجا حتى إذا كانا بالنجف إذا هما بشيخ على الطريق في يده خبزٌ يأكل منه وهو يحدث ويتناول القمل من ثيابه فيقتله. فقال المتلمس: ما رأيتُ كاليوم قط شيخاً أحمق.
فقال الشيخ: وما رأيت من حمقي! أخرج خبيثاً، وأدخل طيباً، وأقتل عدواً. أحمق والله مني من يحمل حتفه بيده.
فاستراب المتلمس بقوله؛ وطلع عليهما غلام من أهل الحيرة، فقال المتلمس: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم. ففك صحيفته ودفعها إليه؛ فإذا فيها: أما بعد فإذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حياً.
فقال لطرفة: ادفع إليه صحيفتك يقرؤها، ففيها والله ما في صحيفتي.
قال طرفة: كلا، لم يكن ليجترئ عليَّ. فقذف المتلمس صحيفته في نهر الحيرة وقال
قذفت بها بالثني من جنب كافرٍ ... كذلك أقنو كل قط مضلل
رضيتُ لها بالماءِ لما رأيتها ... يجولُ بها التيارُ في كل جدولِ
كافر نهر كان بالحيرة. وأقنو: أقتني. والقط: الكتاب.
وأخذ نحو الشام، وأخذ طرفة نحو البحرين، فقتله عاملها، فضرب المثل بصحيفة المتلمس، وحرم عمرو بن هند حب العراق على المتلمس، وقال حين هرب إلى الشام:
стр. 32
يا آل بكرٍ ألا للهِ أمكم ... طال الثواءُ وثوبُ العجزِ ملبوسُ
أغنيتُ شأني فأغنوا اليومَ شأنكمُ ... واستحمقوا في ذكاءِ الحرب أو كيسوا
إن العلافَ ومنْ باللوذِ من حضن ... لما رأوا أنه دينٌ خلابيس
قيل علاف هو ربان بن جرم بن حلوان. خلابيس اختلاط وغدر وفساد ليس بتام. وبرق خلابيس: لا مطر معه. وخلق خلابيس: إذا كان على غير استقامة، على المكر والخديعة.
ردوا عليهم جمال الحي فاحتملوا ... والضيم ينكره القوم المكاييس
يروى: شدوا الرحال على بزلٍ مخيسة.
ويروى:
شدوا الجمالَ بأكوارٍ على عجلٍ ... والظلمُ ينكرهُ القومُ الأكاييسُ
الأكوار والكيران: الرحال، واحدها كور. أبو عبيدة: هو الرحل بأداته. وواحد المكاييس مكياس؛ وهو الذي لا يزال يجيء بالكيس. والبزل: جمع بازل؛ وهو الذي أتى عليه تسع سنين. يقال: جملٌ بازلٌ وناقة بازل؛ سمي بازلاً لأن نابه بزل اللحم فخرج. مخيسة: مذللة. ولا يقال للصغير مخيسٌ، وإنما يقال ذلك للمسن.
كونوا كسامة إذ شعفٌ منازله ... ثم استمرتْ به البزلُ القناعيسُ
سامة بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. قال الأصمعي: لما غاضب سامةُ بن لؤي قومه رحل إلى عمان، وكان أبي الضيم ونزل بكبكب، وهو الجبل الآخر وراء عرفة، فمضى كراهية الظلم. وشعفة الجبل: أعلاه.
قال ابن الكلبي: كان سبب خروج سامة إلى عمان أنه فقأ عين ابن عامر بن لؤي؛ وذلك أنه ظلم جاراً له فغضب عامر وكان شرساً، فخاف سامة أن يقع شرٌ فرحل عنهما، وأتى عمان فتزوج ناجية بنت جرم بن ربان. وربان علاف بن حلوان، فنهشته حية فمات.
وذلك أن ناقته تناولت رمثةً، فعلقت بمشفرها أفعى فاحتكتْ بالغرز، فنهشت ساق سامة؛ فسقطا ميتين؛ فقال شاعرهم:
عينُ بكي لسامةَ بنِ لؤي ... علقتْ ما بسامة العلاقهْ
لا أرى مثل سامةَ بنْ لؤي ... حملتْ حتفه إليه الناقهْ
والقناعيس: الشداد. الواحد قنعاس.
حنتْ قلوصي بها والليل مطرقٌ ... بعد الهدوء وشاقتها النواقيس.
بها: أي بالعراق إلى الشام؛ لأن بها غسان، وهم نصارى. والحنين: أن يمد البعير صوته طرباً إلى إلف أو وطن. مطرق: بعضه على بعض طرائق، يعني شدة سواده بعد الهدوء: يعني بعد ما هدأ الناس. يقال: أتيته بعد هدءٍ من الليل وهدأةٍ من الليل.
معقولة ينظر الإشراق راكبها ... كأنها من هوًى للرمل مسلوس
العقل: فوق الركبة؛ فإن عقل الركبتين جميعا قيل عقلها بثنايين. يقول: كأنها ذاهبة العقل من هواها للرمل.
ويروى: كأنها طربٌ للرملِ. ويروى: ينظر التشريق؛ أي أيام التشريق؛ أي يرمي الجمار، ثم يأتي الشام. والأول أصح.
стр. 33
وقد ألاح سهيلٌ بعد ما هجعوا ... كأنه ضرمٌ بالكفِّ مقبوسُ
ألاح: لمع. وإذا ظهر الشيء وبدا قيل لاح يلوح. وقد ألاح من ذلك: أي أشفق منه. ويقال ألاح بثوبه وبسيفه: إذا لمع به. هجعوا: ناموا. والهجوع بالليل والنهار. والهجود بالليل خاصة. الضرم والضرام: ما دق من الحطب وما اشتعلت النار فيه سريعاً. وفي الحديث: كأن رأسه ولحيته ضرام عرفجة. ويروى: وقد أضاء سهيل؛ يقال ضاء وأضاء.
أنى طربتِ ولم تلحيْ على طربٍ ... ودونَ إلفكِ أمراتٌ أماليسُ
المرت: التي لا تنبت شيئاً. والأماليس: الخالية من كل شيء. الطرب: خفة تأخذُ الإنسان من حزن أو فرح. قال الراعي:
فلم تملك من الطرب العيونا
ولم تلحي: أي لم تلامى. يقال: لحيت الرجل ألحاه لحياً؛ ولحوتُ العود ألحوه لحواً. ويقال إلفٌ وألاف، وأليف وألفاء. وألفته وآلفته.
حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها ... بسلٌ عليكِ ألا تلكَ الدهاريسُ
يقال قصوى وقصيا. وبسلٌ: حرام. قال الأعشى:
فجارتكم بسلٌ علينا محرمٌ ... وجارتنا حلٌ لكم وحليلها
والدهاريس: الأمور المنكرات، لا واحد لها. قال الأصعي: الواحد دهرس. قال عيسى بن عمر: الدهاريس والدراهيس جميعاً.
أبو عمرو: حنت إلى نخلة القصوى، بغير ألف ولام؛ وقال: هو وادٍ، وهو مما يلي نجداً.
أمِّي شآميةً إذا لا عراق لنا ... قوماً نودهم إذ قومنا شوسُ
أمِّي: اقصدي. شوس: جمع الأشوس الذي ينظر إليك نظراَ شزراً لبغضه لك.
لن تسلكي سبل البوباةِ منجدةً ... ما عاشَ عمروٌ وما عمرتَ قابوسُ
روى ابن السكيت: ما عشتَ عمرو. البوباة: ثنية في طريق نجد ينحدر صاحبها منها إلى العراق، يريد عمرو بن هند، وقابوس بن هند؛ وأمهما هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر بن معاوية؛ وأم النعمان سلمى بنت الضائع. وعمرو وقابوس ابنا المنذر بن ماء
السماء.
آليتَ حبَّ العراقِ الدهرَ أطعمهُ ... والحبُّ يأكله في القريةِ السوس
الألية: اليمين. والجمع ألايا. ويروى: آليتُ بالضم. ويروى: يأكله بالنقرة؛ وهي بلدٌ.
قال الأصمعي: كان عمرو بن هند حلف ألا يأكل المتلمس من طعام العراق، وليطردنه إلى الشام، فقال: إن منعني من العراق فإن الحب يأكله بالشام السوس.
لم تدرِ بصرى بما آليتَ من قسمٍ ... ولا دمشقُ إذا ديسَ الفراديسُ
بصرى: من أرض الشام. والفراديس: قريةٌ بالشامِ أيضاً. ويروى: الكداديس؛ جمع كدس.
يقول: لم يدرِ هؤلاء بما حلفت ولم تشعر به من هوانك، يهزأ به.
فإن تبدلتُ من قومي عديكمُ ... إني إذاً لضعيفُ الرأي مألوس
عديّ بن ثعلبة بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر. والمألوس والمسلوس: الذي لا عقل له.
كم دونَ مية منْ داويةٍ قذفٍ ... ومن فلاةٍ بها تستودعُ العيسُ
ويروى: كم دون أسماء من مستعملٍ قذفٍ مستعمل: طريق موطوء مدوس.
стр. 34
ومن ذرى علمٍ ناءٍ مسافته ... كأنه في حبابِ الماءِ مغموسُ
جاوزته بأمونٍ ذاتِ معجمة ... تهوي بكلكلها والرأسُ معكوسُ
قصيدة لطرفة بن العبد
وقال طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك ابن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي ابن بكر بن وائل:
أصحوتَ اليومَ أم شاقتكَ هر ... ومن الحبِّ جنونٌ مستعرْ
شاقتك: أخذك لها شوق. ومستعر: ملتهب.
أرقَ العينَ خيالٌ لم يقر ... طافَ والركبُ بصحراءِ يسرْ
يروى: بصحراءِ أسر، عن أبي عبيدة. لم يقر: لم يتدع ويستقر.
لا يكنْ حبكِ داءً داخلاً ... ليس هذا منكِ ماويَّ بحرْ
بِحُرّ: بحسنٍ جميل. شبهه بالحر في عتقه وحسنه. يقول: هذا منك أمر هجين.
كيفَ أرجو حبها من بعدِ ما ... علقَ القلبُ بنصب مستسر
نصب: عناء مستسرّ: مكتتم داخل القلب.
تقطعُ القومَ إلى أرحلنا ... آخرَ الليلِ بيعفورٍ خدرْ
خدر: فاتر العظام والبدن؛ أي تقطع إلينا بمثل ظبي في ملاحته وحسنه. وإنما عناها نفسها. واليعفور من الظباء: الذي في عنقه قصر. وصيره في آخر الليلِ؛ لأن التعريس يكون آخر الليل.
قال الأصمعي: قيل لرجل أسرع في سيره: كيف كان سيرك؟ قال: كنت آكل الوجبة، وأنجو الوقعة، وأعرس إذا نجرت، وارتحل إذا أسفرت، وأسير الوضع، وأجتنب الملع، فجئتكم لمسي سبع.
الوجبة: أكلة في اليوم. والوقعة: قضاء الحاجة. مرة في اليوم والليلة: ضرب من السير دون الجهد. والملع: السير الشديد.
ثم زارتني وصحبي هجعٌ ... في خليطينِ لبردٍ ونمرْ
في خليطين: في قومين مختلطين. الأصمعي: برد: قبيلة من إياد. والنمر بن قاسط. أبو عبيدة: في خليط بين برد ونمر، أي هي في ثوبين.
стр. 35
أينما قاظوا بحجرٍ وشتوا ... حول ذاتِ الشاءِ من ثنىْ وقرْ
ذات الشاءِ: موضع. وقر: موضع. وثنياه: ناحيتاه.
ظلَّ في عسكرة من حبها ... ونأى شحط مزار المدكر
عسكرة: دوار. يقال عساكر الموتِ تغشاه: إذا دير به.
بادنٌ تجلو إذا ما ابتسمتْ ... عن شتيتٍ كأقاحي الرملِ غرّ
بدلته الشمسُ في منبتهِ ... برداً أبيض مصقولَ الأشرْ
ويروى: رفافَ الأشر. عن أبي عبيدة: العرب تزعم أن الغلام إذا سقطت له سن وأخذها بسبابته وإبهامه، ثم استقبل بها الشمس عند طلوعها فزجها في عين الشمس وقال: أبدليني منها أحسن منها ولتحر إياتك فيها، أمنَ على أسنانه أن تعود عوجاً أو ثعلاً أو قابلةً للفلج. وهذا من خرافاتهم.
إنْ تنو لهُ فقد تمنعهُ ... وتريه النجم يجري بالظهرْ
أي يظلم عليه النهار لم تفعل به حتى يرى الكواكب ظهراً. وهذا مثل للشيء إذا اشتد على
الرجل.
وإذا تضحكُ تبدي حبباً ... كرضابِ المسكِ بالماءِ الخصر
كرضاب المسك: كقطع المسك.
صادفته حرجفٌ في تلعةٍ ... فسجا وسطَ بلاط مسبطر
حرجف: ريح شديدة. ويروى: في صخرة.
تلعة: مكان مشرف له مسيل. وسجا: سكن. وبلاط: أرض مستوية في صفاة.
تحسبُ الطرف عليها نجدةً ... يا لقومي للشباب المسبكر
المسبكر: الممتد. يقول: تحسب رفع طرفها للنظر نجدةً؛ أي شدة عليها لنعمتها ورقتها. أنشد الأصمعي للهذلي:
لو أن عندي من قريمٍ رجلاً ... لمنعوني نجدةً أو رسلا
أي لمنعوني بأمر شديد أو بأمر هين.
تطرد القر بحر ساخنٍ ... وعكيكَ القيظِ، إنْ جاَء بقر
هذا مثل قوله:
سخنة في الشتاءِ باردة الصي ... فِ سراجٌ في الليلة الظلماءِ
стр. 36
تسرقُ الطرفَ بعيني جؤذر ... وبخديْ رشأ أبيض غر
تسرق الطرف: تخالسه. غر: فيه غفلة الحداثة.
وعلى المتنين منها واردٌ ... حسن النبتِ أثيثٌ مسبطر
لا تلمني إنها من نسوةٍ ... رقدِ الصيفِ مقاليتَ نزر
الواحدة نزور. نزر: قليلات الأولاد.
كبنات المخرِ يمأدنَ إذا ... أنبتَ الصيفُ عساليجَ الخصِر
بنات المخر: سحائب بيض يجئن في الصيف. ويمأدن: يتحركن. والعسلوج: شيء أبيض الأصل يخرج في الصيف ثم ينقاد كما ينقاد الخيزران. والخضر: نبت أخضر.
فجعوني يومَ زموا عيرهمْ ... برخيمِ الصوتِ ملثوم عطرْ
رخيم الصوت: لين الصوت، رخم رخامة. عطر: مطلي بالعطر.
جأبةِ المدرَى ضئيلٍ صوتها ... تنفض المردَ وأفنانَ السمرْ
جأبة: يهمز ولا يهمز، يصف الظبية. ومدراها: قرنها. والجأب: الغليظ. يقول: نبات قرنا غليظ لم يدق بعد؛ يريد حداثته. وضئيل صوتها: تبغم بغاماً رخيماً ذا حسن.
وإذا تلسنني ألسنها ... إنني لستُ بموهون غمرْ
لا كبيرٌ دالفٌ من هرم ... أرهبُ الليلَ، ولا كلُّ الظفرْ
يقول: من ظفرت فيه لم يفلتْ مني. وهذا مثل. قال أبو عبيدة: الظفر هاهنا السلاح.
ولي الأصلُ الذي في مثلهِ ... يصلحُ الآبرُ زرعَ المؤتبرْ
طيبُ الباءةِ سهلٌ ولهمْ ... سبلٌ إنْ شئتَ في وحشٍ وعرْ
стр. 37
وهم ما همْ إذا ما لبسوا ... نسجَ داودَ لباسَ المحتضرْ
وتساقى القومُ سماً ناقعاً ... وعلاَ الخيلَ دماءٌ كالشقرْ
لا تعزُّ الخمرُ إنْ طافوا بها ... بسباءِ الشولِ والكومِ البكرْ
أسدُ غيلٍ فإذا ما شربوا ... وهبوا كلَّ أمون وطمرْ
ثم راحوا عبقُ المسكِ بهمْ ... يلحفون الأرضَ هدابَ الأزرْ
وندامَى حسنٌ أوجههم ... غيرُ أنكاسٍ ولا هوج هذرْ
ثم زادوا أنهم في قومهم ... غفرٌ ذنبهمُ غيرُ فخر
يروى: في حيهم يغفرون الظلمَ ليسوا بفخر
غشمٌ كالأسدِ في غاباتها ... ولدى البأس حماةٌ ما تفرْ
فاضلٌ أحلامهمْ في قومهم ... رحبُ الأذرعِ بالخيرِ أمرْ
وتشكى النفسُ ما صابَ بها ... فاصبري إنكِ من قومٍ صبرْ
إنْ ننلْ منفساً لا تلقنا ... نزقَ الخيرِ، ولا نكبو لضُر
стр. 38
نحنُ في المشتاةِ ندعو الجفلى ... لا ترى الآدبَ فينا ينتقرْ
بجفانٍ تعتري مجلسنا ... وسديفٍ حين هاجَ الصنبرْ
كالجوابي ماتني مترعةً ... لقرى الأضيافِ يوماً تحتضرْ
ثم لا يخزنُ فينا لحمها ... إنما يخزنُ لحم المدخرْ
نمسكُ الخيلَ على مكروهها ... حينَ لا يمسكها إلا الصبرْ
فترى الخيلَ إذا ما فزعوا ... ودعا الداعي وقد لجَّ الذعرْ
أيهَ الفتيانُ في مجلسنا ... بجيادٍ منْ ورادِ وشقرْ
أيه به: إذا دعاه.
أعوجيات تراها تنتحي ... مسلحباتٍ إذا جد الحضر
من عناجيج ذكورٍ وقحٍ ... وهضباتٍ طوالاتِ العذر
يروى: وقح. ووجد بخط أبي سعيد: وقح: جمع وقاح. ووقح قياس واحدها واقح. ولا يستعمل واقح.
جافلات فوقَ عوجٍ عجلٍ ... ركبتْ فيها ملاطيسُ سمرْ
وأنافتْ بهوادٍ تلعٍ ... كجذوع شذبتْ عنها القشرْ
стр. 39
علتِ الأيديَ أجوازٌ لها ... رحبُ الأجوافِ ما إنْ تنبهر
فهيَ تردِي فإذا ما ألهبتْ ... طارَ منْ إحمائِها شدُّ الأزرْ
دلقٌ في غارةٍ مسفوحةٍ ... كرعال الطيرِ أسراباً تمر
تذرُ الأبطالَ صرعى بينها ... ما يني منهمْ كميٌّ منعفرْ
فلقدْ تعلمُ بكرٌ أننا ... واضحو الأوجهِ في المحفل غرّ
ولقد تعلمُ بكرٌ أننا ... صادقو البأس لدى الروعِ وقرُّ
ومكان زعلٍ ظلمانُه ... كالمخاضِ الجربِ في اليوم الخضرْ
قد تبطنتُ وتحتي سرحٌ ... تتقي الأرضَ بملثومٍ معرْ
فترى المروَ، إذا ما هجرتْ ... عنْ يديها كالفراشِ المشفتر
ذاك عصرٌ، وعداني أنني ... نابني العامَ خطوبٌ غيرُ سرْ
ففداءٌ لبني قيسٍ على ... ما أصابَ الناسَ من سرٍّ وضرْ
стр. 40
ما أقلتْ قدمِي إنهمُ ... نعمَ الساعونَ في القومِ الشطرْ
ويروى: في الأمر المبرُّ.
وهمُ أيسارُ لقمانَ إذا ... أغلتِ الشتوةُ أبداَء الجزرْ
وتنادى القومُ في ناديهمُ ... أدخانٌ ذاكَ أم ريحٌ قطرْ
لا يلحونَ على غارمهمْ ... وعلى الأيسارِ تيسيرُ العسرْ
يكشفونَ الضرَّ عن ذِي ضرهم ... ويكرونَ على الآبي المبر
كنتُ فيهم كالمغطِّي رأسه ... فانجلى اليومَ قناعي وخمرْ
سادراً أحسبُ غيِّي رشداً ... فتناهيتُ وقد صابتْ بقرْ
ولطرفة أيضاً
وقال طرفة، أثبتها المفضل وأبو عبيدة، ولم يعرفها الأصمعي
سائلوا عنا الذي يعرفنا ... بقوانا يومَ تحلاقِ اللممْ
следующие страницы →