Полный текст (132 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
إذا خرجت يداها من قبيلٍ ... أيممها قبيلاً ذا سلاح
يقول: إذا رجعت عن قوم أقصد بها قوماً آخرين.
أجالد صفهم ولقد أراني ... على زوراء تسجد للرياح
أي على فرس كأنها زوراء، يريد بالزوراء سفينة. ثم أخذ في وصف السفينة لما ذكرها. وتسجد للرياح: تتبعها.
معبدةِ المداخلِ حين تسمو ... مضبرة جوانبها، رداح
معبدة: موطأة. والرداح: الواسعة. ويقال للمرأة العظيمة العجيزة: رداح. وقد قيل معبدة: مقيرة كالبعير المعبد المهنوء.
إذا قطعت براكبها خليجاً ... تذكر ما لديه من جناح
أي رجع إلى نفسه وذكر ذنوبه مما هو فيه.
يمر الموجُ تحت مسخراتٍ ... يلينَ الماَء بالخشبِ الصحاحِ
المسخرات: السفن شبه خيلهم بها.
ونحن على جوانبها قعودٌ ... تغضُّ الطرفَ كالإبلِ القماحِ
أي نكف أبصارنا فرقاً، ويكون ذلك أن الرجل إذا حمله فرسه فلم يقدر على رده، وكان سيئ الركوب، امتلأت عينه. وقوله: على جوانبها: أراد الخيل. والمعنى لها، واللفظ للسفن لما كان في نعتها. والقماح: العطاش الرافعة رءوسها.
وقد أوقرن من قسطٍ ورندٍ ... ومن مسكِ أحمَّ ومن سلاح
أو قرن: يعني الخيل. واللفظ للسفن.
يقول: نحن على خيلنا، ويوجد منا رائحة المسك، والرند، والقسط؛ ونحن محتقبو السلاح. والرند: ضربٌ من الريحان.
فطابتْ ريحهنَّ وهنَّ جونٌ ... جآجئهنَّ في لجج ملاحِ
جآجئهنَّ: صدورهن. واللجة: الماء الذي لا يرى له طرف. ولجة البحر: معظمه. وماء ملح، ومياه ملاح.
تمت.
كان غلام من الأبناء رمى بشر بن أبي خازم بسهم فأثخنه، والأبناء: وائلة، ومرة، ومازن، وغاضرة، وسلول بنو صعصعة؛ فكل ولد صعصعة غير عامر يسمون الأبناء.
وأما سلول فهي ابنة شيبان بن ذهل بن ثعلبة، تزوجها مرة بن صعصعة،
стр. 72
فولدت له عمراً، فغلب عليهم سلول. والغلام من بني وائلة بن صعصعة.
وإن بشراً أسر الوائلي، ثم أيقن بشرٌ أنه ميت، فأطلق الغلام في بعض الطريق، وقالوا: انطلق فأخبر أهلك أنك قتلت بشر بن أبي خازم.
ثم اجتمع إليه أصحابه فقالوا له: أوصِ؛ فقال هذه القصيدة، وهو يجود بنفسه:
أسائلةٌ عميرةُ عن أبيها ... خلال الجيش تعترف الركابا
اعترف الرجلُ القوم: سألهم عن خبر ليعرفه.
ترجى أن أؤوب لها بنهبٍ ... ولم تعلم بأنَّ السهمَ صابا
وإن أباكِ قد لاقاهُ قرنٌ ... من الأبناءِ يلتهبُ التهابا
وإن الوائلي أصاب قلبي ... بسهمٍ لم يكنْ يكسى لغابا
أبو عبيدة: اللغاب: الفاسد الذي لا يحسن عمله. فعلى قوله ينشد: نكساً لغابا. واللغاب: أن يلي بطونَ الريش ظهروها. واللوأم: اتفاق القذذ، وهو أجود ما يكون.
فرجى الخير وانتظري إيابي ... إذا ما القارظُ العنزيُّ آبا
القارظ العنزي: رجل من عنزة خرج يطلب القرظ فلم يرجع إلى أهله، فضربته العرب مثلاً لكل شيء يفوت فلا يرجع.
فمن يك سائلاً عن بيتِ بشرٍ ... فإنَّ له بجنبِ الردهِ باباً
الرده: الماء يكون في أصل الجبل، الواحدة ردهة. وبشر دفن في هذا المكان.
هوى في ملحد لا بدَّ منهُ ... كفى بالموتِ نأياً واغترابا
رهين بلًى، وكلُّ فتى سيبلَى ... فأذرِي الدمعَ وانتحبي انتحابا
مضى قصد السبيلِ، وكل حيٍّ ... إذا يدعَى لميتتهِ أجابا
فإنْ أهلكْ عميرَ فربَّ زحفٍ ... يشبهُ نقعه رهواً ضبابا
الرهو: الساكن. وقيل المتتابع.
стр. 73
سموتُ لألبسهُ بزحفٍ ... كما لفتْ شآميةٌ سحابا
على ربذٍ قوائمه إذا ما ... شأتهُ الخيلُ ينسربُ انسرابا
ربذ: خفيف القوائم. انسرب الوحشيُّ: دخل في سربه.
شديد الأسرِ يحملُ أريحياً ... أخا ثقةِ إذا الحدثانُ نابا
أريحي: يراح إلى المعروف: يرتاح إليه.
صبوراً عند مختلفِ العوالي ... إذا ما الحرب أبرزتِ الكعابَا
وطال تشاجر الأبطالِ فيها ... وأبدتْ ناجذاً منها ونابا
الناجذ: السن بين النابِ والضرس. وقيل الأضراسُ كلها نواجذ.
يعز علي أن ألقَى المنايا ... ولما ألقَ كعباً أو كلابا
كعب وكلاب: ابنا عمر، وهم قتلوا بشراً.
ولما ألقَ خيلاً من نمير ... تضب لثاتها تبغي النهابا
تضب لثاتها مثلٌ؛ يقال لكل من اشتد حرصه: دمى فوه، وإن لثته لتضبُّ. وصف الخيل بشدة شهوتها للقاءِ. والمعنى لأصحابها.
ولما يختلط قومٌ بقومٍ ... فيطعنوا ويضطربوا اضطرابا
فيا للناس إنَّ قناة قومي ... أبت بثقافها إلا انقلابا
الثقاف: الذي تسوى به القناة.
يقول: نحن إذا غمزنا انقلبنا كما تنقلب القناة إذا صلبت. ويقال للرجل لا ينكسر من أمر يصيبه ولا يضعف فيه: إنه لصلبُ القناة، وإنه لصلبُ العود؛ أي صلب البدن، شديد القلب.
هم جدعوا الأنوفَ فأوعبوها ... وهم تركوا بني سعد يبابا
أوعبوها: استأصلوها. جدعه الله جدعاً وعيباً، أي مستأصلاً. واليباب: الخراب.
مختار شعر عبيد بن الأبرص الأسدي
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كان من حديث عبيد بن الأبرص أنه كان رجلاً
стр. 74
محتاجاً، فأقبل ذات يوم، ومعه غنيمةٌ له، وأختٌ له تدعى ماوية ليورد غنمه، فمنعه رجل من بين مالك بن ثعلبة، وجبههُ؛ فانطلق حزيناً مهموماً للذي صنع به المالكي، حتى أتى شجرات فاستظل تحتهنَّ، فقالَ هو وأخته، فزعموا أن المالكي نظر إليه وإلى جنبه أخته، فقال:
ذاك عبيدٌ قد أتى ماويا ... يا ليته ألقحها صبيا
فحملت فوضعت ضاويا
فسمعه عبيد، فرفع يده، قال: اللهم إن كان ظلمني فلان ورماني بالبهتان فأدلني منه، وانصرني عليه. ثم وضع يده تحت رأسه فنام، ولم يكن قبل ذلك يقول الشعر.
فزعموا أنه أتاه آت في المنام بكبةٍ من شعر فألقاها في فيه ثم قال له: قم، فقام وهو يرتجز ببني مالك، وكان يقال لهم بنو الزنية. قال رسول الله ﷺ حين أتوه: من أنتم؟ قالوا: نحن بنو الزنية؟ فقال: بل أنتم بنو رشدة.
قال: وكان من حديث عبيد وقتله: أن المنذر بن ماء السماء بني الغريينِ، فقيل له: ما تريد إليهما، وكان بناهما على قبري رجلين من بني أسدٍ كانا نديميهِ؛ أحدهما خالد بن نضلة الفقعسي، والآخر عمرو بن مسعود، فقال: ما أنا بملكٍ إن خالف الناس أمري؛ لا يمر أحد من وفود العرب إلا بينهما. وكان له يومٌ في السنة يذبح فيه أول من يلقاه.
فبينا هو يسير إذ أشرف له عبيد، فقال لرجل ممن كان معه: من
стр. 75
هذا الشقي؟ فقال: هذا عبيد بن الأبرص. فأتى به. فقال له الرجل: أبيتَ اللعنَ! اتركه، فإني أظن عنده من حسن القريض أفضل مما تدرك في قتله، فاستمع منه، فإن سمعت حسناً استزدته، وإن لم يعجبك فما أقدركَ على قتله؛ فإذا نزلتَ فادعُ به.
قال: فنزل المنذر فطعم وشرب، وبينه وبين الناس حجاب وسترٌ يراهم منه ولا يرونه.
فدعا بعيد من وراء الستر، فقال له رديفه: ما ترى با أخا بنى أسد؟ قال: أرى الحوايا عليها المنايا. قال: أفقلتَ شيئاً؟ قال: حال الجريض دون القريض.
فأبى أن ينشدهم شيئاً فأمر به فقتل.
تحاولُ رسماً من سليمى دكادكا ... خلاءً تعفيه الرياحُ سواهكا
الساهكة: التي تسهك التراب: أي تسحقه. تقول العرب: رسمٌ دكادك، وثوب شراذم، وثوب
أخلاق، وأهباب، وهبب: أي متقطع. وأنشد:
جاء الشتاء وقميصي أخلاقْ ... شراذمٌ يضحكُ منه التواقْ
التواق: اسم ابنه. والدكداك: المستوى من الأرض.
تبدل بعدي من سليمى وأهلها ... نعاماً ترعاهُ وأدماً ترائكا
الترائك: بيضُ النعام، الواحدة تركية؛ يئس منها الظليم فتركها، وأنشد للأعشى:
وتلقى بها بيضَ النعامِ ترائكا
وسماها أدماً لبياضها.
أبو عمرو: وترعاه: ترعى فيه مرةً بعد مرةٍ. والأدم: الظباءُ البيض.
وقفتُ بها أبكي بكاء حمامةٍ ... أراكيةٍ تدعو الحمام الأواركا
أراكية: تكون في شجرِ الأراك. الأوارِك: واحدتها أركة؛ وهي التي قد لزمت موضعها. ويقال: هي المقيمة في الأراك.
стр. 76
إذا ذكرتْ يوماً من الدهرِ شجوها ... على فرعِ ساقٍ أذرتِ الدمع سافكا
شجوها: حزنها. على فرع ساقٍ: على أعلى ساقِ شجرة.
سراة الضحى حتى إذا ما عمايتي ... تجلتْ كسوتُ الرحلَ وجناَء تامكا
سراة الضحا: أول الضحا. وتامك: عظيمة السنام. وسنام تامك: ضخم. والعماية: الجهل.
كأنَّ قتودي فوق جأب مطردٍ ... رأى عانةً تهوي فولى مواشكا
القتود: عيدان الرحل. والقتود: أداة السانية. والجأب: الحمار الغليظ الشديد. قال أبو عمرو: المطرد، والمشرد: واحد. وتهوي: تسرع. والمواشك: السريع.
ونحن قتلنا الأجدلينِ ومالكا ... أعزهم فقداً عليك وهالكاً
الأجدلان: رجلانِ من كندة، وقيل من غسان.
ونحن جعلنا الرمح قرناً لنحرهِ ... فقطرهُ كأنما كان واركا
قطره: صرعه. والوارك: المتكئ على وركه.
ونحن الألى إن تستطعك رماحنا ... تقدك إلى نارٍ لعمرُ إلهكا
ويوم الرباب قد قتلنا همامها ... وحجراً وعمراً قد قتلنها كذلكا
قال أبو عمرو: الرباب: خمسة أحياء: تيم، وعدي، وثور، وعكل، وضبة. إنما سموا بهذا
الاسم لأنهم غمسوا أيديهم في الرب وتحالفوا.
وركضكَ لولاهُ لقيتَ الذي لقوا ... فذاك الذي نجاكَ مما هنالكا
أي ركضك للفرار نجاك.
ظللتَ تغني أن أخذتَ وليدةً ... كأنَّ معداً أصبحتْ في حبالكا
يقول: من إعجابك بوليدةٍ أخذتها ظننت أنك ملكت معداً كلها.
وأنت امرؤٌ ألهاك زقٌّ وقينةٌ ... فتصبحُ مخموراً وتمسي متاركَا
يقول: إنما همتكَ الشربُ والسماع، فأنت متاركٌ لمنْ عاداك لا تدفع ضيماً.
على الوترِ حتى أحرز الوترَ أهلهُ ... فأنتَ تبكي إثرهُ متهالكا
الوتر والذحل والتبل والترة: واحد.
يقول: لما وترتَ صرتَ تبكي وتقتل نفسك، ليس عندك غير ذلك.
стр. 77
فلا أنت بالأوتارِ أدركتَ أهلها ... ولم تكُ إذْ لم تنتصر متماسكا
أي لم تكن متماسكاً عن محاربتنا ومالا تقدر عليه.
ونحن قتلنا جندلاً في جموعه ... ونحن قتلنا شيخه قبل ذلكا
ونحن صبحنا عامراً يومَ أقبلوا ... سيوفاً عليهنَّ النجارُ بواتكا
النجار: العتق والكرم. وبواتك: قواطع.
عطفنا لهم عطفَ الضروسِ فأدبروا ... سراعاً وقد بلَّ النجيعُ السنابكا
يروى: فأدبروا شلالا؛ أي هراباً. والنجيع: الدم الطريُّ. والسنبك: مقدم الحافر. والضروس: الناقة التي تعض من دنا منها ليحتلبها.
وقال:
يا خليلي أربعا واستخبر الم ... نزلَ الدارس عن أهل الحلال
الحلال: اسم امرأة. والحلال: بلد. واربْعَا: أقيما.
مثلَ سحقِ البردِ عفَّى بعدكَ ال ... قطرُ مغناهُ وتأويبُ الشمال
التأويب: سير النهار. والتأويب: الرجوع مع الليل؛ وأنشد للأخطل:
البائتين قريباً من ديارهم ... ولو يشاءونَ آبوا الحىَّ أو طرقوا
ولقد يغني به جيرانك ال ... ممسكو منك بأسباب الوصال
غنينا بمكان كذا: كنا به زماناً.
ثم أكدى ودهمْ إذْ أزمعوا ال ... بينَ والأيامُ حالٌ بعد حالِ
أكدى: أي انقطع. ويقال: أعطى فأكدى: إذا لم يبقَ عنده شيء. وسألته فأكدى: إذا لم يعطِ شيئاً. وحفر فأكدى: إذا انتهى إلى جبل لا يعمل فيه الحديد.
ويروى: أجمعوا البين.
فانصرفْ عنهم بعنسٍ كالْوأى ال ... جأبِ ذي العانةِ أو شاةِ الرمال
الوأى: الحمار الشديد. يريد من حمر الوحش. والجأب الغليظ منها الموثق الخلق. والعانة: القطعة من الحمير. والشاة: الثور الوحشي، ويقال: البقرة.
نحن قدنَا منْ أهاضيبِ الملاَ ال ... خيلَ في الأرسان أمثالَ السعالي
الملا: الصحراء. وقيل: هو موضع معروف. والسعالي الغيلان. شبه الخيل بهن من النشاط والمرح.
стр. 78
شزباً يغشينَ من مجهولةِ ال ... أرضِ وعثاً من سهولِ أو رمال
الشزب: اليابسة الضامرة. ويروى: قطباً، وهي العوابس. والمجهولة من الأرض: التي لا يهتدى فيها. والوعث: الذي تغيب فيه قوائم الإبل.
فانتجعنَ الحارثَ الأعرجَ في ... جحفلٍ الليلِ خطارِ العوالي
انتجعنَ: طلبنَ - يريد الحارث بن أبي شمر الغساني؛ كان ملكَ غسان يومئذ. والجحفل: الجيش العظيم.
ثم غادرنا عديا، بالقنا ال ... ذبلِ السمرِ، صريعاً في المجالِ
عدى بن مالك ابن أخت الحارث بن أبي شمر؛ قتل يومئذ.
ثم عجناهنَّ خوصاً كالقطا ال ... قاربِ الماَء على أينِ الكلالِ
عجناهنَّ: صرفناهنَّ. كالقطا القارب: في سرعته.
نحو قرص يومَ جالت حولهُ ال ... خيلُ قباً عن يمينٍ وشمالِ
قرص بن مالك من غسان. ويقال هو رجل من بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. ويقال هو من كندة. والقب: الضامرة البطون، واحدها أقبُّ، والأنثى قباءُ.
كمْ رئيس يقدمُ الألف على ال ... أجردِ السابح ذي العقبِ الطوال
العقب: العدو الثاني. قال أبو عمرو: العقب: الجري بعد الجري. قال: البداهة: أول جري الفرس. والعلالة والعقب آخره.
قدْ أباحت جمعهُ أسيافنا ال ... بيضُ في الروع ومنْ حيٍّ حلالِ
حيٌّ حلال: مجتمعون.
ولنا دارٌ ورثنا عزها ال ... أقدمَ القدموس من عمٍّ وخالِ
القدموس: القديم. والقدموس: العظيم. يقال: رأس قدموس.
منزلٌ دمنهُ آباؤنَا ال ... مورثونَا المجدَ في أولى الليالي
دمنه آباؤنا: أثروا فيه وسودوه بنزولهم إياه. والدمنة: موضع السرجين والبقر.
ما لنا فيه حصونٌ غيرُ ما ال ... مقرباتِ الجردِ تردِي بالرجالِ
المقربات: التي يقربونها من بيوتهم ويكرمونها. والأجرد: القصير الشعر. وتردِي: تعدو.
في روابي عدْ مليٍّ شامخ ال ... أنفِ فيه إرثُ عزٍّ وجمالِ
الروابي: ما ارتفع من الأرض. والعدْمليُّ: القديم. والشامخ: المرتفع، وأنفه: طرفه. والإرث: البقية. والإرث: الميراث. والإرث: الأصل.
стр. 79
وقال لامرئ القيس بن حجر الكندي يذكر قتل أبيه حجر:
يا ذا المخوفنا بقت ... لِ أبيهِ إدلالاً وحينا
الحينُ: التعرض للهلاك.
أزعمت أنك قد قتلْ ... تَ سراتنا كذباً ومينا
المين: أكثر من الكذب. يقال: كذب ومان، وكاذب مائن.
لوماً على حجرِ ابنِ أم ... مِ قطام تبكي لا علينا
يقول: هلا بكيت على حجر.
إنا إذا عضَّ الثقا ... فُ برأسِ صعدتِنا لوينا
الصعدة: القناة لم تثقف. والثقاف: الذي تقوم به القناة، القناة كناية عن عزهم ومنعتهم، جعلها مثلاً له. ومثله: شق عصا المسلمين: أي فرقَ أمرهم وجماعتهم. وقوله: لوينا: أي أبينا، أي أبينا إعطاءَ ما نطالبُ به، من قولك: لواه حقهُ يلويه لياً ولياناً.
نحمي حقيقتنا وبع ... ضُ القومِ يسقط بينَ بينا
يقول: يسقط وسطاً لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. لا يحمي حقيقته وإن حماها عجز عن الحماية.
هلا سألت جموع كن ... دة إذ تولوا أين أينا
أي أين ينهزمون.
أيامَ نضربُ هامهمْ ... ببواترٍ حتى انحنينا
سيف باتر: قاطع.
وجموع غسانَ الملو ... كِ أتينهمْ وقد انطوينا
يعني الخيل، انطوينَ من الضمر.
لحقاً أيَا طلهنَّ قدْ ... عالجنَ أسفاراً وأينَا
لحق: ضوامر. والأيطل: الخاصرة.
ولقد صلقنَ هوازناً ... بنواهل حتى ارتوينا
الصلق: الضرب على الرأس. والنواهل: العطاش.
نعليهم تحت الضبا ... بِ المشرفيَّ إذا اعتزينا
الاعتزاء: الانتساب.
نحنُ الألى فاجمع جمو ... عك ثم وجههم إلينا
أي نحن من قد عرفت في قديم الدهر.
واعلمْ بأنَّ جيادنا ... ألينَ لا يقضينَ دينَا
قال: لا يبقين موتوراً بوتره.
стр. 80
ولقدْ أبحنَا ما حميْ ... تَ ولا مبيحَ لما حمينَا
هذا ولو قدرتْ علي ... كَ رماحُ قومي ما انتهينا
حتى تنوشكَ نوشةً ... عاداتهنَّ إذا انتوينا
تنوشك: تتناولك، يريد كعاداتهن. وهو في موضع نصب. انتوين من النية. قال انتوين: انتأين للغارة.
نغلِي السباَء بكلّ عا ... تقةٍ شمولٍ ما صحونا
السباءُ: شراء الخمر. يقال: سبأت الخمر. والعاتقة المعتقة. والشمول: التي تشمل العقل.
ونهينُ في لذاتها ... عظمَ التلادِ إذا انتشينا
التلاد: المال الموروث. وانتشينا: سكرنا.
لا يبلغُ الباني ولوْ ... رفعَ الدعائمَ ما بنينا
يريد باني الكرم؛ أي لا يبلغُ كريمٌ كرمنا. والدعائم: الأركان.
كمْ منْ رئيسٍ قد قتلْ ... ناهُ وضيْم قد أبينَا
ولربَّ سيدِ معشرٍ ... ضخمِ الدسيعةِ قد رمينا
الدسيعة: الدفعة من المال التي تدسع بها، أي تخرجها منْ مالك، كما يدسع الجمل بجرتهِ؛ أي يخرجها من كرشهِ إلى أنيابه.
عقبانه بظلال عق ... بانٍ تيمم من نوينا
العقبان: الرايات، واحدها عقاب. تيممُ من نوينا: تقصد من نوينا قصده.
حتى تركنا شلوه ... جزر السباع وقد مضينا
شلوه: بقية جسده. والشلو من كل شيء: بقيته.
إنا لعمركَ ما يضا ... مُ حليفنا أبداً لدينا
وأوانسٍ مثلِ الدمى ... حورِ العيونِ قد استبينا
الأوانس: اللواتي يؤنسُ بحديثهنَ.
وقال:
تغيرتِ الديارُ بذي الدفين ... فأوديةِ اللوى فرِمَالِ لينِ
اللوى من الرملِ: حيث يلتوي وينقطع.
стр. 81
تبينْ صاحبي أترى حمولاً ... يشبهُ سيرها عومَ السفينِ
الحمول: الإبلُ التي عليها الهوادج. سفينة وسفينٌ وسفائن وسفن. والعوم: السباحة.
جعلنَ الفجَّ من رككٍ شمالا ... ونكبنَ الطوىَّ عن اليمينِ
ركك: موضع. والفجُّ: ما اتسع من الأرض. وقال أبو عمرو: الفجُّ: الطريق، والجمع فجاج. والطويّ: البئر المطوية بالحجارة.
ألا عتبتْ عليَّ اليومَ عرسِي ... وقد هبتْ بليلٍ تشتكيني
عرسه: امرأته. الرجل عرس والمرأة عرس. قال العجاج يمدح أبو رجل:
منْ خيرِ عرسٍ جمعَا وعرس
وهبتْ: أي هبتْ من نومها تهب هباً وهبوباً.
فقالتْ لي كبرتَ فقلتُ حقاً ... لقد أخلفتُ حيناً بعد حينِ
قوله: أخلفتُ كما يقال للبعير إذا بزل ثم مر عليه حولٌ: مخلف عامٍ. وقال الأثرم: لقد أخلفت: أي استبدلتُ. يقول: قلت لها صدقتِ، لقد أفنيتُ دهراً حتى كبرت.
تريني آيةَ الإعراضِ منها ... وقطتْ في المقالةِ بعدَ لين
قطتْ: غلظت في الكلام بعد ما كانت تلاينني. وآية: علامة. قال أبو عمرو: الإعراض: الصدود والإمكان. وأنشد للأخطل:
أفاطمَ أعرضِي قبل المنايا ... كفى بالموتِ صداً واجتنابا
ومطتْ حاجبيها أن رأتني ... كبرتُ وأنْ قدِ ابيضتْ قروني
مطتْ: مدت حاجبيها متعجبةً من كبره. هذا قول أبي عبيدة؛ وقال أبو عمرو: مطت: قبضة وعبست حين رأته قد كبر وابيض شعره، وتغيرت عما عهدها عليه من المودة.
فقلتُ لها رويدكِ، بعضَ عتبي ... فإني لا أرى أن تزد هيني
عتبي: عتابي. وتزدهيني: تستخفني؛ أي ارفقي في عتبي.
وعيشي بالذي يغنيك حتى ... إذا ما شئتِ أن تنأيْ فبيني
فإنْ يكُ فاتني أسفاً شبابي ... وأضحى الرأسُ منِّي كاللجِين
أي فاتني وأنا آسفٌ عليه. واللجين: الخبط؛ وهو ورق الطلح يدق ويرشُّ بالماءِ ويطعم الإبل. وقال أبو الوليد: اللجينُ: ورق يخلطُ إما بدقيق، وإما بنوًى. وقال الأصمعي: اللجين: الزبد على الشيء إذا جفَّ. ويقال هو لغام الإبل. شبه بياض شعره به. واللجين: ورق الشجر يخبطُ؛ فهو لونان: رطب، ويابس، فشبه الشيب باليابس، والسواد بالرطب.
ومن روى: كاللجين - يريد الفضة - فذلك عيبٌ من عيوب القافية يسمى السناد.
وكانَ اللهوُ حالفني زماناً ... فأضحى اليومَ منقطعَ القرينِ
القرين: الصاحب. وحالفني: صاحبني؛ أي قد انقطعتُ عن اللهو.
فقد ألجُ الخباَء على عذاري ... كأنَّ عيونهنَّ عيونُ عينِ
ألج: أدخل. والعين: بقر الوحش، الواحدة عيناءُ.
يملنَ عليَّ بالأقرابِ طوراً ... وبالأجيادِ كالريطِ المصونِ
الأقراب: الخواصر، واحدها قرب. شبه الأقرابَ في بياضها بالريط. والأجياد: الأعناق.
стр. 82
وأسمرَ قد نصبتُ لذِي سناءٍ ... يرى مني مخالطةَ اليقين
لذي سناءٍ: لذي شرف ورفعة. والأسمر: يريد به الرمح. وقوله: يرى مني مخالطةَ اليقين: أي يرى مني الجد في القتال.
يحاول أني قوم وقد مضته ... مغابنةٌ بذي خرص قتينِ
أي طعنة مُغابنةٌ تغبنُ من لحمهِ؛ أي تثنيه. ويروى: معاينةً، أي وهو يرى ذلك ويعاينه. ويروى: معاندةً. ومضته: نفذته. والخرص: السنان. وقتين: محدد الرأس. والقتين أيضاً: القليل الطعم.
وذكروا أن رجلاً قال: يا رسول الله؛ تزوجتُ فلانة. فقال: بخْ! تزوجتها بكراً قتيناً، يعني قليلة الطعم. وقيل للسان قتين؛ لأنه يابس لا ينشفُ الدم.
ويروى: فتين، وهي الذي أدخل النار فأحمي ثم ضرب. يقال: فتن يفتنُ فتناً وفتوناً.
إذا ما عاده منها نساءٌ ... سفحنَ الدمعَ منْ بعدِ الرنينِ
سفحنَ: صببنَ. والرنين: رفع الصوت.
وخرقٍ قد ذعرتُ الجونَ فيه ... على أدماَء كالعيرِ الشنونِ
الخزق: البعيد الواسع من الأرض. والجون: الظلمان وتكون البقر أيضاً والباءُ لبياضهنَّ. والشنون: بين السمين والمهزول.
وقال:
أمنْ رسومٍ نؤيها ناحل ... ومن ديارٍ دمعكَ الهاملُ
أجالتِ الريحُ بها ذيلها ... عاماً وجونٌ مسبلٌ هاطلُ
أجالت: جرت. والجون: يعني السحاب. والمسبل: الداني من الأرض، يقال أسبل الخرب للصقر: إذا لزم الأرض.
ظلتُ بها كأنني شاربٌ ... صهباَء مما عتقتْ بابلُ
ظلتُ: مكثتُ نهاري.
بل ما بكاءُ الشيخِ في دمنةٍ ... وقد علاه الوضحُ الشاملُ
الوضح: الشيبُ. وكل أبيض وضح.
أقوتْ من اللالي همُ أهلها ... فما بها إذْ ظعنوا آهلُ
أقوت: خلت.
وربما حلتْ سليمى بها ... كأنها عطبولةٌ خاذلُ
العطبولة: الظبية الطويلة العنق الحسنتها. والخاذل: التي تخذل الظباء لا ترعى معها وتقيم على ولدها.
لولا تسليك جماليةٌ ... أدماءُ دامٍ خفها بازلُ
الجمالية: تشبهُ الجمل في عظمِ خلقها. وتسليك: تنسيك هذا اللهو.
стр. 83
حرفٌ كأنَّ الرحلَ منها على ... ذي عانةِ مرتعهُ عاقلُ
الحرفُ: الضامرة من الإبلِ، على ذي عانةِ: على حمار معه قطعةٌ من الأتنِ. وعاقل: أرض.
يأيها السائل عن مجدنا ... إنك عنْ مسعاتنا جاهلُ
أراد بمسعاتنا، فأدخل عن مكان الباءِ. ومسعاتهم: فعلهم وفضلهم.
إنْ كنتَ لم تأتكَ أيامنَا ... فاسألْ تنبأ أيها السائلُ
سائل بنا حجراً وأجناده ... يوم تولَّى جمعه الجافلُ
الجافلُ: الهارب المذعور. سائل بنا: أي عنا. يقال: عزيت فلاناً عن ابنهِ وبابنهِ.
يوم أتى سعداً على مأقطٍ ... وجاولتْ من خلفه كاهلُ
المأقط والمأزق: مضيق الحرب. سعد: ابن ثعلبة بن كاهل بن أسد بن خزيمة رهط الكميت.
فأوردوا سرباً له ذبلاً ... كأنهنَّ اللهبُ الشاعل
الذبل: القنا اليابس.
وعامراً أنْ كيف يعلوهم ... إذا التقينا المرهف الناهل
المرهف: السيف المحدد. والناهل: العطشان.
وجمع غسان لقيناهم ... بجحفلٍ قسطله ذائلُ
القسطل: الغبار. والذائل: الطويل الذيلِ، لا ينقطع.
قومي بنو دودانَ أهلُ النهَى ... يوماً إذا ألقحتِ الحائلُ
الحائل: التي أتى عليها حولٌ ولم تحملْ، وجمعها حول.
وألقحت من لقاح الناقة أنْ تحمل.
كم فيهمُ من سيدِ أيدِ ... ذي نفحاتٍ قائلٌ فاعلُ
من قوله قولٌ ومن فعله ... فعلٌ ومنْ نائله نائلُ
القائل القول الذي مثله ... ينبتُ منهُ البلدُ الماحلُ
لا يحرمُ السائلَ إنْ جاءهُ ... ولا يعقي سيبهُ العاذلُ
لا يعقي سيبه: لا يحبسه. يقال: عقاه واعتقاه: حبسه. ويروى: يعفِّي: يمحو.
стр. 84
والطاعنُ الطعنة يوم الوغى ... يذهلُ منها البطلُ الباسلُ
وقال:
لمنْ جمالٌ قبيلَ الصبحِ مزمومه ... ميمماتٌ بلاداً غيرَ معلومه
عالينَ رقماً وأنماطا مظاهرةً ... وكللاً بعتيقِ العقلِ مقرومهْ
مقورمة: مستورة. والقرام: الستر.
ما لعبقريِّ عليها إذ غدوا صبحٌ ... كأنها من نجيع الجوفِ مدمومه
صبح: بياض في حمرة. وكلُّ شيء كرم فهو عبقري. وأراد رقماً عبقرياً. ورجل عبقري؛ أي كريم. مدمومة: من الدمام؛ وهو شيء أحمر يسيل من الشجر مثل الصمغ تأخذه نساءُ الأعراب فيجعلنه دماماً، وهو الطراز. وكل شيء سويته فهو مدموم. والديمومة منه. ويروى: للعبقري.
كأنَّ ظعنهم نخلٌ موسقةٌ ... سودٌ ذوائبُها بالحملِ مكمومهْ
يقال: وسقت: أي حملت، فهي موسقة. ووسقت فهي واسقة وواسق. وسد ذوائبها من الري. ومكمومة: مغطاة؛ مخافةَ الجرادِ والطير.
فيهنَّ هندٌ وقد هامَ الفؤادُ بها ... بيضاءُ آنسةٌ بالحسن موسومه
أي عليها سمةُ الحسن.
ممكورةٌ كمهاةِ الجوِّ ناعمةٌ ... تدني النصيفَ بكفٍّ غيرِ موشومه
تدني النصيفَ فتستر جمالها للعفةِ، وقوله: بكفّ غير موشومة: إنما يشم الأكف البغايا.
كأنَّ ريقتها بعدَ الكرى اغتبقتْ ... صهباَء صافيةً بالمسكِ مختومهْ
مما يُغالِي بها البياعُ عتقها ... ذو شاربٍ أصهبٌ يغلي بها السيمة
السيمة: الاسم من سامَ يسومُ سوماً وسيمةً. والبياع: الذين يشترون والذين يبيعون أيضاً.
يا منْ لبرقٍ أبيتُ الليلَ أرقبهُ ... في مكفهرٍّ وفي سوداَء مركومهْ
مكفهر: سحاب مجتمع. يريد في ليلة سوداءَ. ومركومة: قد ركمَ بعضها على بعض.
يريد: يا من يعين على النظرِ إلى هذا البرق.
стр. 85
فبرقُها حرقٌ، وماؤها دفقٌ ... وتحتها ريقٌ، وفوقها ديمهْ
كأنَّ برقها النيران تحرق. والريق: أول الماءِ. والديمة قطر دائم في سكون.
ويروى: وتحتها رنقٌ، أي كدرٌ.
فذلك الماءُ لو أني شربت به ... إذا شفى كبداً هيماَء مكلومهْ
ويروى: شكاءَ، ويه التي شكت، أي طعنت فانتظمها الطعن.
هذا ودوية تعيا الهداةُ بها ... ناءٍ مسافتها كالبردِ ديمومهْ
ديمومة: اشتقت من دممت الشيءَ فهو مدموم، أي سويته، وإنما جعلها كالبرد لآثار الرياح.
جاوزتُ مهمهَ يهماها بعيهمة ... عيرانةِ كعلاةِ القينِ معقومهْ
العيهمة: الضخمة. ويقال تمهمه: إذا تلبث، وإنما اشتقاق المهمه من ألاَّ يتمهمه فيه الركبُ: أي لا يتلبثون منْ خوفه. واليهماءُ: العمياء التي لا أعلام بها. وكان رسول الله ﷺ يتعوذُ من الأيهمينِ، وهما السيلُ والجمل الهائج، وهما الأعميان، وذلك أنه لا يريد وجوههما شيء.
أرمى بها عرض الدويّ ضامرةً ... في ساعة تبعث الحرباَء مسمومه
الدوية: الخالية يدوي فيها السمع. ومسمومة من السموم.
وقال:
يا دارَ هندِ عفاها كلُّ هطالِ ... بالجوِّ مثلَ سحيقِ اليمنةِ البالي
هطال: صباب. والجو: موضع. ويروى: بالخبتِ؛ وهو ما اطمأن من الأرض، وجمعه خبوت. وسحيق: ثوب خلق. واليمنة: البرد اليماني.
جرتْ عليها رياحُ الصيفِ فاطردتْ ... والريحُ مما تعفيها بأذيال
اطردتْ: جاءتْ وذهبتْ. ويروى: فاطرقتْ؛ أي تلبدت الدار. يقال: أتانا فلان مطارقاً بين ثوبين. ومنه النعل المطرقة. وقيل: اطرقت: صارت هذه الرياح بعضها على بعض كما يتطارق الريش: يتراكب.
حبستُ فيها صحابي كي أسائلها ... والدمعُ قد بلَّ مني جيبَ سربالي
شوقاً إلى الحيِّ أيام الجميعُ بها ... وكيف يطربُ أو يشتاقُ أمثالي
كيف يشتاقُ أو يطرب مثلي في كبر سني.
وقد علا لمتي شيبٌ فودعني ... منه الغواني وداعَ الصارمِ القالي
اللمة: الجمة. والغواني من النساء: المستغنيات بجمالهن وحسنهنّ عن الزينة متزوجات وغير متزوجات. والصارم: القاطع. والقالي: المبغض.
стр. 86
وقد أسلِّي همومي حينَ تحضرني ... بجسرةٍ كعلاةِ القينِ شملال
الجسرة: الناقة القوية التي تجسر على كل شيء. وقيل الطويلة. وقيل الضخمة. والشملال: الخفيفة السريعة. والعلاة: السندان. والقين: الحداد.
زيافةِ بقتودِ الرحلِ ناجية ... تفرِي الهجيرَ بتبغيلِ وإرقالِ
تفري: تقطعُ. وقيل تفعلُ الفريَّ من السير؛ أي العجب. وزيافة: مختالة تزيف في سيرها. والناجية: التي ينجو منْ ركبها. والتبغيل: ضربٌ من السير، وهو سيرُ البغال. وقيل: العنق. والقتود: خشب الرحلِ.
مقذوفة بلكيكِ اللحمِ عن عرضٍ ... كمفردٍ وحدٍ بالجوذيالِ
مقذوفة: مرمية. واللكيكُ: قطع اللحم، الواحدة لكيكة. وعن عرض: أي من أي عرض استعرضتها رأيتها لحيمةً. والجوُّ: ما اتسع من الأرض. والوحدِ: الذي يرعى وحده.
هذا وحربٍ عوان قد سموتُ لها ... حتى شببتُ لها ناراً بإشعالِ
سموتُ لها: ارتفعتُ إليها. والحرب العوان: التي قوتل فيها مرةً بعد مرة. وشببتُ: أوقدتُ.
تحتي مسومةٌ جرداءُ عجلزةٌ ... كالسهم أرسلهُ من كفه الغالي
مسومة: قد سومتْ: علمت بعلامةِ الحرب. أبو عبيدة: مسومة: مخلاةٌ في سومها. والسوم: الذهابُ في المرعى.
ويروى: تحتي مضبرة؛ أي مدمجة الخلقِ. والعجلزة: الصلبة اللحم. والغالي: الذي يغلو
بسهمهِ؛ أي يباعد به في الرمي. والغلوة: قدر رميةٍ بسهم.
وكبشِ ملومة بادٍ نواجذُها ... شهباَء ذاتِ سرابيلٍ وأبطالِ
الكبش: رئيس القوم. والملومة: الكتيبة المجتمعة. وشهباءُ: بيضاءُ من لون الحديد. والسرابيل: الدروع.
أوجرتُ جفرته خرصاً فمالَ بهِ ... كما انثنى مخضدٌ من ناعمِ الضالِ
جفرته: جوفه. ويقال للفرس: إنه لعظيم الجفرةِ؛ أي عظيم البطن. وقيل الجفرة الصدر. والمخضد: الناعمُ الذي إذا خضته انخضد؛ أي إذا جذبته انجذب.
قال أبو عمرو: ولا يكون مخضد إلا فتح الضاد. والضال: السدر البريّ. والعبري يكون في الحضر. والخرص: السنان. وأوجرتُ من الوجور كما يوجر الصبيُّ في فمه.
وقهوةٍ كرفاتِ المسكِ طالَ بها ... في دنِّها كرُّ حولٍ بعد أحوالِ
القهوة: التي تقهي صاحبها عن الطعام. يقال: أقهى عن الطعام وأقهم عنه، إذا رجعتْ نفسه منه. وقوله: كرفاتِ المسك: كفتات المسك في طيبِ ريحها.
ويروى: ولهوةٍ. واللهوةُ: الخمر؛ لأنها تلهي شاربها.
باكرتها قبلَ أن يبدو الصباحُ لنا ... في بيتِ منهمر الكفينِ مفضال
منهمر الكفينِ: سخي سائل الكفين بالعطاءِ. شبه جوده بمنهمر المطر.
وغيلةٍ كمهاةِ الجوِّ ناعمةٍ ... كأنَّ ريقتها شيبت بسلسالِ
الغيلة: الجسيمة التي تغتالُ الثياب. ومنه قالوا: معصم غيلٌ إذا اغتال السوار: ملاه. وقيل: الغيلاءُ الضخمةُ البيضاءُ. والسلسال: خمر يتسلسلُ في الحلقْ. وشيبت: خلطت. والجو: ما اتسع من الأرض.
стр. 87
قدبتُّ ألعبها وهناً وتلعبني ... ثم انصرفتُ وهي مني على بال
ألعبها: أحدثها بالشيء الذي تتعجبُ منه. وقيل: ألعبها: ألاعبها من المزاح؛ أي آتيها بالأمرِ الذي يلهيها وتأتيني بمثل ذلك. ووهناً: بعد نومة. وهي مني على بال: أي لا أنساها، هي أكثر حديث نفسي.
بان الشبابُ فآلى لا يلمُّ بنا ... واحتلَّ بي من مشيب أيُّ محلالِ
آلى: حلف. واحتل بي: نزل بي. محلال: نزال.
والشيبُ شينٌ لمنْ أرسى بساحتهِ ... لله درُّ سواد اللمةِ الخالي
أرسى: ثبت وأقام. وأرست السفينة إذا جنحت وقامت فلم تبرح. وساحته: جانبه وحضرته. والخالي الماضي.
وقال:
طافَ الخيالُ علينا ليلةَ الوادي ... لآلِ أسماَء لم يلممْ لميعادِ
أي التقينا على غير ميعادِ.
أنى اهتديتَ لركبٍ طالَ سيرهمُ ... في سبسبٍ بينَ دكداكِ وأعقادِ
يروى: طال ليلهم. والسبسبُ: ما استوى من الأرض. والدكداك: السهولة. والأعقاد: رمال متراكمة، واحدها عقد.
يكلفون سراها كل يعملة ... مثل المهاةِ إذا ما احتثها الحادِي
اليعملة: القوية على العمل في سيرها. والمهاة البقرة. ويروى:
يكلفون فلاها كل ناجية ... مثل الفنيق. . . .
أبلغْ أبا كربٍ عني وأسرته ... قولاً سيذهبُ غوراً بعدَ إنجادِ
أبو كرب: عمرو بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار. والغور: ما تطامنَ من الأرض. والنجد: ما ارتفع منها. أراد غور تهامة ونجدها. وأنجد الرجل: أخذ إلى نجد.
يا عمرُو ما راحَ من قومٍ ولا ابتكروا ... إلا وللموتِ في آثارِهم حادِي
فإنْ رأيتَ بوادٍ حيةً ذكراً ... فامضِ ودعنِي أمارسْ حيةَ الوادي
لا أعرفنكَ بعدَ الموتِ تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي
إن أمامك يوماً أنتَ مدركهُ ... لا حاضرٌ مفلتٌ منهُ ولا باد
فانظر إلى فيءِ ملكٍ أنت تاركهُ ... هل ترسينَّ أواخيهِ بأوتاد
فيء ملك: ظل ملك. وترسينَّ: تثبتن.
стр. 88
اذهبْ، إليكَ، فإني من بني أسدٍ ... أهلِ القبابِ وأهلِ الجردِ والنادِي
اذهبْ إليك: زجر. إنما ذكر النادِي لأن لهم سادات يجتمعون فيه، ولا يكون للقوم ناد إلاَّ ولهم سيد. والجمع أندية.
قد أتركُ القرنَ مصفراً أناملهُ ... كأنَّ أثوابه مجتْ بفرصادِ
أراد: كأنما مجَّ عليها فرصادٌ؛ لأنها مخضبةٌ بالدماءِ. ومصفراً أنامله: يقول: طعنته فنزف حتى اصفر. والفرصاد: التوت؛ وهو أفصح من التوث.
وأجرته ونواصي الخيلِ شاحبة ... سمراَء عاملها من خلفه بادِ
العامل: أسفلُ الرمح من السنان بذراع أو شبر حيث اللواءُ.
وقال:
هبت تلومُ وليستْ ساعةَ اللاحي ... هلا انتظرت بهذا اللومِ إصباحي
قاتلها الله تلحاني وقد علمت ... أن لنفسي إفسادي وإصلاحي
كانَ الشبابُ يلهينا ويعجبنَا ... فما وهبنا ولا بعنا بأرباحِ
نْ أشربِ الخمرَ أو أرزأ لها ثمناً ... فلا محالةَ يوماً أنني صاح
ولا محالةَ منْ قبرٍ بمحنيةٍ ... وكفنٍ كسراةِ الثورِ وضاحِ
محنية: ما انعطفَ من الوادِي. كسراةِ الثور في بياضه. ووضاح: أبيض. يتوضح: يلمعُ.
يا مَنْ لبرقٍ أبيتُ الليلَ أرقبهُ ... في عارضٍ كبياضٍ الصبح لماح
دانِ مسفٍّ فويقَ الأرضِ هيدبهُ ... يكادُ يدفعهُ من قامَ بالراحِ
مسفّ: شديد الدنو من الأرض. وهيدبه: ما تدلى منه.
فمن بنجوته كمن بمحفله ... والمستنُّ كمنْ يمشي بقرواح
النجوة: ما ارتفع من الأرض. والمحفل: مستقر الماء. والقرواح: أرض مستوية ظاهرة. والمستكنُّ: الذي في بيته.
كأنَّ ريقه لما علا شطباً ... أقرابُ أبلقَ ينفي الخيلَ رماح
ينفي الخيلَ: يطردها. شبه تكشفَ بياضِ البرقِ بتكشفِ الأبلقِ عن أرفاغه.
стр. 89
فالتجَّ أعلاهُ ثم ارتجَّ أسفله ... وضاقَ ذرعاً بحملِ الماءِ منصاح
التجَّ: صوت، وهو من اللجة. ويروى: فثجَّ أعلاه. ومنصاح: منشق بالماء. ويقال انصاح البرقُ: إذا انصدع، وكذلك الثوب.
كأنما بينَ أعلاهُ وأسفله ... ريطٌ منشرةٌ أو ضوءُ مصباح
كأنَّ فيه عشاراً جلةً شرفاً ... شعثاً لهاميم قد همتْ بإرشاح
العشار: التي أتى عليها عشرة أشهر من حملها. والجلة: المسان من الإبل. والشرف: الكبار
منها. واللهاميم: الغزار. ويقال: أرشحت الناقة إذا اشتدَّ فصيلها وقوي، وهو فصيلٌ راشح؛ وإنما ذكرها بذلك لأنها تحن.
بحاً حناجرها هدلاً مشافرها ... تسيمُ أولادها في قرقرٍ ضاحِ
يروى: تزجي مطافلها في صحصح. وتسيم: ترعى. وضاح: بارز.
هبتْ جنوبٌ بأولاهُ، ومال به ... أعجازُ مزنٍ يسحُّ الماَء دلاح
فأصبحَ الروضُ والقيعانُ ممرعةً ... من بينِ مرتفقٍ فيه ومنطاحِ
المرتفقِ: ماءٌ راكدٌ قد حبسه شيء يرتفقُ به. والمنطاح: سائلٌ لم يكن له ما يحبسه فسال. ومكان مرتفق ومنطاح فيه.
وقال:
ليسَ رسمٌ على الدفينِ ببالِ ... فلوَى ذروةٍ فجنبي ذيالِ
أي لو بلي لاسترحنا. واللوى: منقطع الرمل.
فالمرورات كالصحيفة قفرٌ ... كلُّ وادٍ وروضةٍ محلالِ
المرورات: الصحارى، واحدها مروراة ومروري بالهاءِ وغير الهاءِ. كالصحيفة: في بياضها واستوائها. وقفر: ليس فيها أحدٌ من الناس. والمحلال: التي يحلُّ بها. وقال: محلال: أي كان بها أهل.
стр. 90
مقفراتٌ إلا رماداً غبياً ... وبقايا من دمنةِ الأطلالِ
الغبي: الخفي. وما أغبيتهُ فقد أخفيته. والدمنة: الموضع الذي تبيتُ فيه الإبل والغنم.
وأواريَّ قد عفونَ ونؤياً ... ورسوماً عرين عن أحوالِ
عن أحوال: بعد أحوال مضتْ. قال أبو عمرو: الأواري يخفف ويثقل، كالأواقي والأثافي؛ يقال: أواقٍ وأواقي. وأثافٍ وأثافي؛ والواحدة أثفية وأثفية.
بُدلتْ منهم الديارُ نعاماً ... خاضباتٍ يزجينَ خيطَ الرئالِ
خاضبات: مخضرة الأسوق من أكل البقل في الربيع. خاضبات: مخضرة الأسوق منْ أكل البقلِ في الربيع. ويزجين: يسقن. والخيط: جماعة النعام. والرئال: فراخ النعام، الواحد رأل.
وظباءً كأنهنَّ أباري ... قُ لجينٍ، تحنو على الأطفالِ
تحنو: تعطف. واللجين: الفضة.
تلك عرسي أمستْ تميز حلالي ... ألبينٍ تريدُ أم لدلالِ
الحلال: الفراش، اعتزلته في المضجع. وقيل الحلال هنا: المتاع. يقول: ميزت متاعي من متاعها. والحلال: مركبٌ من مراكب النساء. وقيل الحلال: متاع الرحل خاصة، وأنشدوا للأعشى:
فكأنها لم تلق ستةَ أشهر ... ضراً إذا وضعت إليك حلالها
ويروى: جلالها.
إنْ يكنْ طبكِ الدلال فلو في ... سالف الدهر والليالي الخوالي
طبكِ: إرادتك. وقيل شأنك. والخوالي: المواضي. يقول: لو فعلت هذا في شبابي، وشبابك.
ذاكِ إذ أنتِ كالمهاةِ وإذ آ ... تيكِ نشوانَ مرخياً أذيالي
المهاة: البقرة الوحشية. والمهاة: البلورة. شبهها بالمهاة لبياضها.
أو يكنْ طبك الزيالُ فإنَّ ال ... بينَ أن تعطفي صدور الجمال
يروى: أن ترفعي. ويروى: فلا أحفل أن تعطفي؛ أي لا أبالي.
زعمتْ أنني كربتُ وأني ... قل مالي وضنَّ عني الموالي
بخلوا عليَّ بالمؤاساة.
وصحا باطلي وأصبحت كهلاً ... لا يواتي أمثالها أمثالي
أن رأتني تغير اللون مني ... وعلا الشيبُ مفرقي وقذالي
القذال: العظم المشرف على القفا.
فارفضي العاذلينَ واقنيْ حياءً ... لا يكونوا عليك خط مثالِ
لا تأخذي بمثالهم الذي يمثلون لك من القطيعة، ولا تقبلي أقاويلهم.
стр. 91
ودعي مطَّ حاجبيك وعيشي ... معنا بالرجاءِ والتأمال
تمط حاجبيها: إذا كانت زاريةً على الشيء متعجبة منه. وإنما مطتْ حاجبيها لكبره وقلة خيره.
وبخطٍّ مما نعيشُ ولا تذْ ... هبْ بكِ الترهاتُ في الأهوال
الترهات: الأباطيل، لا واحد لها. وقال أبو نصر: الترهات: الكلام الذي ليس بشيء.
منهم ممسكٌ، ومنهم عديمٌ ... وبخيلٌ عليكِ في بخالِ
درَّ درُّ الشبابِ ولاالشعرِ الأس ... ودِ والراتكاتِ تحت الرحالِ
تلهف على ما فاتَ من شبابه. قال أبو نصر: لله دره: لله خيره وكسبه. قال: والدرُّ: اللبن. والراتكاتُ: الإبلُ النجائب التي ترتك في سيرها.
والعناجيجِ كالقداحِ من الشو ... حطِ يحملنَ شكةَ الأبطالِ
العناجيج من الخيل: الطوال الأعناق. الواحد عنجوج. ويقال: هي جياد الخيل. وإنما جعلها كالقداح في ضمرِها. والشوحط: شجر تعمل منه القسي. والشكة: السلاح كله.
ويروى: تردِي بشكةِ الأبطال. والرديان: ضربٌ من العدو.
ولقد أذعرُ السراب بطرفِ ... مثلِ شاةِ الإرانِ غيرِ مذالِ
الطرفُ: الفرسُ الكريم الطرفين. والإران: النشاط والبطر. وقد أرن المهر يأرن أرناً فهو أرن. والإران: خشبٌ يضمُّ بعضه إلى بعض يحملُ عليه الموتى. والمذالُ: المهان.
غيرِ أقنى ولا أصكَّ ولكنْ ... مرجمٌ ذو كريهةٍ ونقالِ
المرجمُ: الشديدُ العدو. وذو كريهة: ذو صبر على طول الجري. ورجلٌ ذو كريهة: إذا كان صبوراً على الشدائد. والأقنى: الأحدب الأنف. وهو مما تعاب به الخيل. قال أبو عبيدة: ذو كريهة: ذو شدة نفس. والنقال: من المناقلة في السير؛ وهو العنق. والأصك: الذي في رجله صكك تصطك عر قوباه.
يسبق الألف بالمدجج ذي القو ... نس حتى يؤوبَ كالثمثالِ
كالتمثال من حسنه. لم يغيره طول الجري. والمدجج: الشاك في السلاح. والقونس: أعلى البيضة، وهو الناتئ في وسطها.
فهوَ كالمنزع المريش من الشو ... حط مالتْ به شمالُ المغالي
المغالي: المرامي الذي يغاليك؛ يراميك، ينظر أسهمه أبعد ذهاباً أم سهمك. قال أبو نصر: المغالي: المرامي إلى غير هدف. والمنزع: السهم الخفيف. والمريش: الذي جعل عليه ريش.
يغفر الظبيَ والظيمَ ويلوِي ... بلبونِ المعزابةِ المعزالِ
يلوي: يذهب بها. والمعزال: واحد؛ وهو الذي قد عزب بإبله خوفَ الغارة. وقيل المعزال:
الذي لا يحمل السلاح. وقيل: الذي لا يحسن ركوب الخيل.
стр. 92
ولقد أدخل الخباء على مه ... ضومةِ الكشح طفلة كالغزال
مهضومة: ضامرة. والكشح: الخاصرة.
فتعاطيت جيدها ثم مالت ... ميلان الكثيب بين الرمالِ
تعاطيت: تناولت.
ثم قلت: فدى لنفسك نفسي ... وفداءٌ لمالِ أهلكَ مالي
ولقد أقدمُ الخميسَ على الجرْ ... داءِ ذاتِ الجراءِ والتنقالِ
يروي: والإيغال. والجراء: كثرة الجري. والتنقال: تفعال من المناقلة في السير.
فتقيني بنحرها وأقيها ... بقضيبٍ من القنا غيرِ بالي
غير بال: أي هو صلب.
ولقد أقطعُ السباسب بالرك ... بِ على الصيعريةِ الشملالِ
الصيعرية: سمةٌ للإناث دونَ الذكارة. والصيعرية: ضربٌ من النجائب منسوبة إلى بني صيعر. وقيل: الصيعرية من النوق: التي فيها عزة نفس. وقال أبو نصر: الصيعرية: الرافعة رأسها. والشملال: الخفيفة السريعة.
عنتريسٍ كأنها ذو وشومٍ ... أحرجتهُ بالجوِّ إحدى الليالي
العنتريس: الصلبة. ذو وشوم: ثورٌ فيه توليع سواد وبياض. وأجرحته: ألجأته إلى شجرة. والجو: ما اتسع من الأرض. أراد إحدى الليالي الموصوفات بالبرد. وإنما يقال: إحدى الليالي لليلةِ التي ينعم فيها أو الشديدة.
ثم أبرى نحاضها فتراها ... ضامراً بعدَ بدنها كالهلال
نحاضها: لحمها. شبهها في ضمرها وانحنائها بالهلال.
ذاك عيشٌ رضيتهُ وتولى ... كل عيشٍ مصيرهُ لهبالِ
وقال:
لمنِ الدارُ أقفرت بالجنابِ ... غيرَ نؤيٍ ودمنةٍ كالكتاب
غيرتها الصبا ونفحُ جنوبٍ ... وشمالٍ تذرو دقاقَ التراب
стр. 93
فتراوحنها وكلُّ ملثٍّ ... دائمِ الرعدِ مرجحنِّ السحابِ
مرجحن: ثقيل. ويقال: ارجحنَّ: إذا اهتز. وارجحن السراب: ارتفع.
أوحشتْ بعدَ ضمرٍ كالسعالي ... منْ بناتِ الوجيهِ أو حلابِ
ومراحٍ ومسرحِ وحلولٍ ... ورعابيبَ كالدمى وقبابِ
الرعبوبة من النساء: الشطبة. والرعبوبة: القطعة من السنام.
وكهولٍ ذوي ندى وحلومٍ ... وشبابِ أنجادٍِ غلبِ الرقاب
هيج الشوقَ لِي معارفُ منها ... حين حلَّ المشيبُ دار الشباب
أوطنتها عفرُ الظباءِ وكانتْ ... قبلُ أوطانَ بدنِ أتراب
خرد بينهنَّ خودٌ سبتني ... بدلالٍ وهيجتْ أطرابي
جارية خرود: خفرة، وجمعها خرد. والخريدة: اللؤلؤة لم تثقب. ويقال لكل عذراء خريدة. والخود: المرأة الناعمة.
صعدةٌ ما علا الحقيبة منها ... وكثيبٌ ما كان تحتَ الحقابِ
يقول: طويلة كالرمح. والكثيب: الرمل المجتمع. شبه عجزها به.
إننا إنما خلقنا رءوساً ... من يسوي الرءوس بالأذناب
لا نقي بالأحسابِ مالاً ولكنْ ... نجعلُ المالَ جنةَ الأحسابِ
ونصدُّ الأعداَء عنا بضر ... بٍ ذي خذامٍ وطعننا بالحراب
الخذم والخذام القطع. وسيف مخذم: قاطع.
وإذا الخيلُ شمرتْ في سنا الحر ... بِ وصار الغبارُ فوقَ الذؤابِ
стр. 94
واستجارتْ بنا الخيولُ عجالاً ... مثقلات المتونِ والأصلابِ
مصغياتِ الخدودِ شعثَ النواصي ... في شماطيطِ غارةٍ أسرابِ
الشماطيط: الفرق. جاءت الخيلُ شماطيطَ. والسرب والسربة: الجماعة من القطا، والظباء، والشاءِ، والنساء. ويقال: سربةٌ من الخيل.
مسرعات كأنهنَّ ضراءٌ ... سمعتْ صوتَ هاتفِ كلاب
لاحقاتِ البطونِ يصلهنَ فخراً ... قد حوينَ النهابَ بعد النهابِ
وقال من قصيدة:
بل لا محالةَ من لقاءِ فوارسٍ ... منا متى يدعوا لروعٍ يركبوا
شمٍّ كأنَّ سنا القوانسِ منهم ... نارٌ على أعلى اليفاعِ تلهبُ
شم: طوال الأنوف. والسنا: الضوء، مقصور. والسناءُ الشرف والمجد، ممدود. والقوانس: أعلى البيض. وقيل القوانس: البيض؛ فإذا كانت البيضة في وسطها حيدة طويلة فهي قونس، وإذا كانت مدورة الرأس فهي ترك.
تمشي بهم أدمٌ تئطُّ نسوعها ... خوصٌ كما تمشي الهجانُ الربربُ
أدم: إبل بيض. وتئط، من الأطيط: تصوت.
قال: إذا كانت الأنساع جدداً أطت. وخوصٌ: غائرة العيون: الذكر أخوص، والأنثى خوصاء. والربرب: الجماعة من البقر. والهجان: البيض.
قال: شبهها بالبقر لبياضها.
ابن الأعرابي: الأدمُ: البيض من الإبل، والسمر من الرجال، والحمر من الظباء.
وهم قد اتخذوا الحديدَ حقائباً ... وخلالهمْ نهدُ المراكلِ تجنبُ
روى أبو عمرو: وخلافهم يريد خلفهم. ونهد المراكل: ضخام الأوساط. والمركل حيث يركل الفارس بعقبه من الفرس إذا كان عليه.
من كل ممسود السراةِ مقلصٍ ... قد شفه طولَ القيادِ وألغبوا
ممسود السراة: مفتول الصلب، شديد المتن. وشفه: هزله. والمقلص: المشمر. وألغبوا: أعيوه.
وطمرة كالسيد يسمو فوقها ... ضرغامةٌ ضخم المناكبِ أغلب
طمرة: فرس أنثى كريمة سريعة. وقيل: الطمرة: الوثابة. والأغلب: الغليظ الرقبة. ويسمو: يرتفع.
стр. 95
ولقد مضى منا هناك لعامرٍ ... يومٌ عليهم بالنسارِ عصبصب
عصبصب: طويل من شدته. وسير عصبصب: طويل.
بمعضلٍ لجبٍ كأنَّ عقابهُ ... في رأسِ خرصٍ طائرٌ يتقلبُ
بمعضل: بجيش إذا نزل المكان ضاق به لكثرته.
ويقال: عضلتِ المرأة؛ إذا نشب ولدها فخرج بعض وبقي بعض؛ فلم يدخل ولم يخرج. وطرقت: إذا خرج أوله. والعقاب: الراية. والخرص: السنان.
ولقد شببنا للربابِ ودارمٍ ... ناراً بها الطيرُ الأشائمُ تنعبُ
شببنا: أوقدنا. والأشائم من الشؤمِ يريد الغربان. وتنعب: تصيح.
حتى جبهناهم بكأسٍ مرةٍ ... فيها المثملُ ناقعاً فليشربوا
المثمل: السم المصفى.
ولقد أتاني عن تميمٍ أنهم ... ذئروا لقتلي عامرٍ وتغضبوا
ذئروا: فزعوا. وقيل: غضبوا. وقيل: نفروا.
رغمٌ لعمرُ أبيكَ عندي هينٌ ... إني يهونُ عليَّ ألا يعتبوا
أي لا يرجعُ لهم إلى العتبى.
وغداةَ صبحنَ الجفارَ عوابساً ... تهدي أوائلهنَّ شعتٌ شزبُ
الشازب والشاسبُ: الضامر. والجفار: ماء لبني تميم تدعيه بنو ضبة.
لما رأونا والمعابل وسطهم ... والخيلُ تبدو تارةً وتغيبُ
تبدو: أي تظهر إذا خرجت من الغبار. وتغيب: إذا دخلت فيه. والمعابل: السهام، واحدها معبلة.
ولوا وهنَّ يجلنَ في آثارهم ... شللاً وبالطناهم فتكبكبوا
شللاً: طرداً. والمبالطة: الجلاد بالسيوف. وتكبكبوا: اجتمعوا فصاروا كبكبةً واحدة.
سائلْ بنا حجر ابن أمِّ قطامِ إذْ ... ظلتْ به السمرُ النواهلُ تلعبُ
يعني حجرا أبا امرئ القيس. والنواهل: التي قد رويتْ من الدم. والنهل: الشرب الأول.
فليبكهمْ من لا يزالُ نساؤهم ... يومَ الحفاظِ يقلنَ أينَ المهربُ
الحفاظ: الصبر والمحافظة.
صبراً على ما كانَ من حلفائنا ... مسكٌ وغسلٌ في الرءوسِ يشيب
حلفاؤهم: يعني فزارة، وأنهم قتلوا وكان هذا حنوطهم. والغسل: الخطميِّ، وورق السدر. ويسيب: يخلط.
هذا آخر ما اخترته من شعر عبيد، والحمد لله وصلى الله على رسوله محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 96
القسم الثالث
مختار شعر الحطيئة وأخباره
بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين
قال أبو حاتم سهل محمد السجستاني: أخبرنا الأصمعي، قال: كان من حديث الحطيئة والزبرقان بن بدر البهدلي أن الزبرقانَ خرج يريد عمر بن الخطاب ﵁ في سنة مجدبة ليؤدي إليه صدقات قومه، فلقي الحطيئة بقرقرى، ومعه امرأتان أو امرأةٌ وابنان يقال لأحدهما سوادة وللآخر إياس، وبنات له.
فقال له الزبرقان: أين تريد؟ فقال: العراق، حطمتني السنة. فقال له: هل لك في جوارٍ كريم ولبنٍ كثير وتمر؟ قال: ما أرجو هذا كله.
قال له الزبرقان: فإن لك هذا. فسر إلى أم شذرة امرأتي، وهي بنت صعصعة، وهي عمة الفرزدق.
فكتب إليها أن أحسني إليه، وأكثري له من التمر واللبن.
فقدم عليها، وكان دميماً سيئ الحال، لا تأخذه العين، ومعه عيال كثير. فلما رأته هان عليها، وقصرت به. فرأى ذلك بنو أنف الناقة، وهم بيت سعد، فأرسلوا إليه أن ائتنا، فنحن خير لك، وكتموا المرأة اسمه، فلم تعرفه.
وكانوا إذا دعوه إلى أنفسهم يأبى ويقول: إن من رأى النساء التقصير والغفلة؛ ولست أحمل على صاحبي ذنبها.
وألح عليه شماس بن لأي، وبغيض، والمخبل - وكان المخبل سليط اللسان، وهو ابن عمهم - وعلقمة بن هوذة؛ وكان علقمة أشد القوم إلحاحاً عليه، لشعرٍ قاله الزبرقان فيه؛ وهو قوله:
стр. 97
لي ابنُ عمٍّ لا يزا ... لُ يعيبني ويعنيُ عائب
وأعينهُ في النائبا ... تِ ولا يعين على النوائب
تسري عقاربه إل ... يَّ ولا تنبهه عقاربْ
لاهِ ابنُ عمكَ ما تخا ... فُ الجازياتِ من العواقب
وكان علقمة ممتلئاً غيظاً عليه لهذا الشعر. وكان الآخرون ممتلئين حسداً وبغياً. فأما حماد
الراوية فزعم أن الملح عليه بغيض.
فمكث الحطيئة بتلك الحال أشهراً، والزبرقان بالمدينة.
ثم إن امرأة الزبر قان استأنفت العشب فتحملتْ؛ وقالت للحطيئة: أرد عليك الإبل، فتركته يومين وليلتين. فاغتنم ذلك بنو شماس - وهم بنو أنفِ الناقة - فأتوه، فقالوا له: احتمل أيها الرجل. فقال: أما الآن فنعم.
فأتاه بغيض بن عامر بن شماس - وكان شريفاً - فاحتمله حتى أتى به أهله، فأكثروا له من التمر واللبن، وأعطوه لقاحاً وكسوة - قال: اللقاح، واللقحُ واحدتها لقحةٌ ولقحةٌ ولقوح - وهي الحلوب - وأبطأ عليهم أن يهجو الزبرقان.
والزبرقان من بني بهدلة، وكان في بني بهدلة قلةٌ، ولم يكونوا إلى هؤلاء ولا قريباً، غير أن الزبرقان قد كان بنفسه شريفاً منيعاً، عضب اللسان، فحضضوا الحطيئة عليه. فقال: لست بهاجيه ولا ذنبَ له فيما صنع امرأته، ولكني ممتدحكم، وذاكر ما أنتم له أهل.
وأما حماد الراوية فقال: قالوا له أبطأت أن تسمع شباننا بعض ما يتغنون به من شتم هذا الكلب. فقال: قد أبيتُ عليكم أهون من شتمه، ولا ذنبَ له فيما أتتْ به امرأته؛ ولكن إن شئتم مدحتكم؛ فأنتم أهل ذاك.
فقالوا:
стр. 98
ما مدحنا من لم يشتم الزبرقان؛ ولم يقصروا في كرمته.
فلما أكثروا عليه قال يمدحهم، ويعرض بهجو الزبرقان وقومه؛ والقصيدة:
ألا أبلغ بني كعبٍ رسولاً ... فهل قومٌ على خلقٍ سواءُ
وأما أولها عندي فعلى غير هذا.
قال أصحابنا: فلما قدم الزبرقان على أهله سأل عن الحطيئة، فقالوا: تحول إلى بغيض، فأتاهم، فقال: ضيفي، وأنا أرسلته إلى امرأتي، ولكن كان منها الجهل. فقالوا: ما هو لك بضيف، وقد أهنته وطردته، فتلاحوا حتى كان بينهم تناصٍ وشجاج - تناصٍ: أخذٌ بالنواصي - فاستعدى عليهم الزبرقان عمر بن الخطاب رحمة الله عليه. فقال: ليذهب إلى أي الحيينِ أحب؛ فإنه مالكٌ لنفسه.
فلما رأى الزبرقان أنه اختار عليه أرسل إلى رجلٍ من النمر بن قاسط، يقال له دثار بن سنان؛ فهجا بغيضاً وبني قريع؛ فقال:
أرى إبلي بجوف الماءِ حنتْ ... وأعوزها به الماءُ الرواءُ
الماء الرواءُ: الكثير: قال الراجز:
يا إبلي ما ذامُه فتأبيه ... ماءٌ رواءٌ ونصيٌّ حوليهْ
وقد وردتْ مياه بني قريعٍ ... فما وصلوا القرابة مذْ أساءوا
تحلأُ يومَ وردِ الناسِ إبْلِي ... وتصدرُ وهي محنقةٌ ظماءُ
ألمْ أكُ جاهَ شماسِ بن لأيٍ ... فأسلمَ حين أنْ نزلَ البلاءُ
فقلتُ تحولي يا أمَّ بكر ... إلى حيثُ المكارمُ والعلاءُ
وجدنا بيتَ بهدلة بنِ عوفٍ ... تعالى سمكهُ ودَجَا الفناءُ
دَجَا: من قولهم: عيش داج إذا كان خافضاً ساكناً. والفناء: ما امتد مع الدار من جوانبها.
وما أضحى لشماسِ بنِ لأي ... قديم في الفعال ولا رباءُ
стр. 99
سوى أن الحطيئةَ قال قولاً ... فهذا منْ مقالكم جزاءُ
وقال دثار بن سنان أيضاً:
دعاني الأثبجانِ ابنا بغيضٍ ... وأهلِي بالفلاةِ فمنياني
الثبجة: الحدبة في الصدر.
وقالا سرْ بأهلكَ فأتينَّا ... إلى حب وأنعامٍ سمان
فسرتُ إليهمُ عشرينَ شهراً ... وأربعةً فذلكَ حجتان
فلمَّا أنْ أتيتُ بني بغيضٍ ... وأسلمني لدائي الداعيان
يبيت الذئب والعثواءُ ضيفاً ... لنا بالليل بئسَ الضائفان
أمارسُ منهما ليلاً طويلاً ... أهجهجُ عن بنيَّ ويعروانِ
يروى: ويغشيان.
تقولُ حليلتي لما اشتكينا ... سيدركنا بنو القرمِ الهجان
سيدركنا بنو القمر ابن بدرٍ ... سراجُ الليلِ للشمس الحصان
فقلتُ ادعي وأدعُ فإنَّ أندَى ... لصوتِ أن ينادِيَ داعيان
ويروى: فقلت ادعي وأدعو إن أندى. ومعنى الأول: فقلت: ادعي ولأدعُ؛ فلذلك جزمه. ويقال: فلان أندى صوتاً من فلان؛ أي أبعد مذهباً
فمنْ يكُ سائلاً عني فإني ... أنا النمريُّ جارُ الزبرقانِ
طريدُ عشيرةٍ وطريدُ سربٍ ... بما اجترمتْ يدي وجنى لساني
كأني إذ حللتُ به طريداً ... حللتُ على الممنعِ من أبانِ
أبان: جبل. والمنع: العالي الذي يمتنع من أن يبلغه أحد.
أتيتُ الزبرقان فلم يضعني ... وضيعني بتريمَ من دعاني
فلما بلغ ذلك الحطيئة هجا الزبرقان، فقال:
واسم الحطيئة جرول بن أوس
стр. 100
بن جؤية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس، وكنيته أبو مليكة.
والله ما معشرٌ لاموا امرأً جنباً ... في آلِ لأي بن شماسِ بأكياسِ
الجنب، والجانب، والأجنب، والأجنبي: الغريب. قال القطامي في الجانب:
فسلمتُ والتسليمُ ليس يسرها ... ولكنه حقُّ على كلِّ جانب
لقد مريتكم لو أن درتكم ... يوماً يجئ مسحي وإبساسي
المري: أن تمسح ضرع الناقة بيدك لتدر؛ فضربه مثلاً؛ أي قد رفقتُ بكم فلم يجيء رفقي بخير. والإبساس: دعاء الناقة، وهو أن يقول: بس بس.
وقد مدحتكم عمداً لأرشدكم ... كيما يكون لكم متحي وإمراسي
المتح: استقاء الماء ببكرة. والإمراس: أن يزول الحبل عن مجراه من البكرة فيرد إليه. يقال: أمرسته إذا رددته إلى مجراه. وأمرسته: صرفته عن مجراه. وهو من الأضداد. ومرس الحبل: زال عن مجراه. قال الكميت:
ستأتيكم بمترعةِ ذعافاً ... حبالكم التي لا تمرسونا
وقد نظرتكمُ إيناَء صادرةٍ ... للخمسِ طالَ بها حوذي وتنساسي
الخمس: سير أربعة أيام، ووردُ اليوم الخامس، عن أبي الهيثم خالد بن كلثوم؛ أي انتظرتكم كما تستأني الإبلُ الصادرة التي ترد الخمس. والحوذ: السوق قليلاً قليلاً. ويروى: حوزي. والنس: السوق. والتنساس كقولك الترداد والتكرار.
لما بدا لي منكمْ غيبُ أنفسكم ... ولم يكنْ لجراحي منكم آسي
يقال للطيب آسيٍ. والأسوُ: الإصلاح.
أجمعتُ يأساً مبيناً من نوالكمُ ... ولا ترى طارداً للحرِّ كالياسِ
يروى: يأساً مريحا.
ما كان ذنبُ بغيضٍ أن رأى رجلاً ... ذا فاقة حلَّ في مستوعرٍ شاسِ
هذه رواية حماد الراوية. وروى الأصمعي:
ما كان ذنبُ بغيضٍ لا أبالكمُ ... في بائسٍ جاء يحدو آخر الناس
ورواية حماد أجود، لئلا يتكرر: الناس في القافية؛ فيكون إيطاءً قبيحاً.
يقال: مكان شأس، وشأزٌ: وعر، أي لم يكن له ذنب حين دعاني فأحسن إلي؛ لأنه رآني ضائعاً.
جاراً لقومٍ أطالوا هونَ منزله ... وغادروهُ مقيماً بين أرماسِ
الأرماس: القبور. يقول: كنتُ كأني ميتٌ بين الأموات. ضربه مثلاً.
ملوا قراه وهرتهُ كلابهمُ ... وجرَّحوهُ بأنيابٍ وأضراسِ
هرته كلابهم: ضربه مثلاً. وجرحوه بأنيابٍ وأضراس: أساءوا له القول.
لا ذنبَ لي اليومَ إنْ كانتْ نفوسكمُ ... كفاركٍ كرهتْ ثوبي وإلباسي
أي إن كانت نفوسكم لي كنفسِ الفارك - وهي المبغضة لزوجها - ضربه مثلاً.
стр. 101
من يفعل الخيرَ لا يعدمْ جوازيهُ ... لا يذهبُ العرفُ بينَ اللهِ والناسِ
قال أبو حاتم سهل بن محمد: سمعت الأصمعي يتعجبُ من جودةِ هذا البيت، وقال: جاء بمثلين في بيت واحد. وقال: مثلُ هذا في الجودة بيت النابغة:
جيشٌ يظلُّ به الفضاءُ معضلاً ... يذرُ الإكامَ كأنهنَّ صحارى
الفضاء من الأرض: البارزة التي ليس فيها جبل.
دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها ... واقعدْ فإنكَ أنتَ الطاعمُ الكاسي
وابعثْ يساراً إلى وفرٍ مذممة ... واحدجْ إليها بذي عركينِ قنعاسِ
أي إلى إبلٍ موفورة. مذممة: لا يعطى منها أحد شيئاً، ولا يمنحُ ولا يقرى منها ضيفٌ. والذمُّ في المعنى يقع على صاحب هذه الإبل الوافر. واحدج إليها بعيراً ذا عركين، والعركان مثل الضاغطين. وقنعاس: شديد. والحداجة: مركب.
قد ناضلوكَ فأبدوا من كنائنهم ... مجداً تليداً ونبلاً غيرَ أنكاسِ
أي لما رميتَ ورموا فلجوا عليك، وجاءوا بما لم تجئ به، كأنهم فاخروه فرجحوا عليه بآبائهم وأجدادهم. وضرب النبل والكنانة مثلاً.
وقال أبو الهيثم خالد بن كلثوم: النكس من السهام: المنكوس الذي جعل أعلاه أسفله؛ فهو ضعيف أبداً، فأراد أن ما افتخروا به ورموك به من فخرهم كان قوياً كنبلٍ ليست بأنكاسٍ.
ما كان ذنبيَ أن فلتْ معاولكمْ ... من آل لأيٍ صفاةٌ أصلها راسي
الراسي: الثابت. أي ما كان ذنبي أن أردتموهم فلم تعمل محافركم فيهم.
فاستعدى عليه الزبرقان عمر بن الخطاب، فرفعه عمر إليه واستنشده، فأنشده، فقال عمر لحسان بن ثابت: أتراه هجاه؟ فقال: نعم، وسلح عليه. فحسبه عمر.
فقال وهو في الحبس:
ماذا تقولُ لأفراخٍ بذي مرخِ ... زغبِ الحواصلِ لا ماءٌ ولا شجرُ
ألقيتَ كاسبهمْ في قعرِ مظلمةِ ... فاغفر عليكَ سلامُ اللهِ يا عمرُ
أنتَ الإمامُ الذي منْ بعدِ صاحبهِ ... ألقى إليه مقاليدَ النهى البشر
ما آثروكَ بها إذ قدموكَ لها ... لكنْ لأنفسهم كانتْ بك الإثرُ
الإثرة: الخاصة. آثره إيثاراً: خصهُ دون غيره. واستأثر بكذا: اختص به نفسه. ويقال: من يملك يستأثر.
стр. 102
وقال الحطيئة:
ألا قالت أمامةُ هلْ تعزى ... فقلتُ أمامَ قد غلبَ العزاءُ
إذا ما العينُ فاض الدمعُ منها ... أقولُ بها قذى وهو البكاءُ
أقول بها قذًى فأعتلُّ بذاك. يقول: بكيتُ - وقبيح بالشيخ أن يبكي - اعتللت على من يحضرني.
لعمرك ما رأيتُ المرَء تبقي ... طريقته وإن طالَ البقاءُ
على ريبِ المنونِ تداولتهُ ... فأفنتهُ وليس له فناءُ
ريب المنون: ما يريبك من أحداثها. والمنون: الموت. قال أبو الهيثم: المنون يذكر ويؤنث. قال: وجعل الفعل للمنون دونَ الريب الذي أضافهُ إليها.
إذا ذهبَ الشبابُ فبانَ منهُ ... فليسَ لما مضي منه لقاءُ
يصبُّ إلى الحياةِ ويشتهيها ... وفي طولِ الحياةِ له عناءُ
يصبُّ: يأخذه لها صبابة؛ أي رقة. والعناءُ: المشقة.
فمنها أنْ يقادَ بهِ بعيرٌ ... ذلولٌ حين تهترشُ الضراءُ
أي فمنم المشقة؛ ذهب إلى المشقة دون العناء. أي قاد به بعيرٌ ذلول لا يفزع إذا اهترشت الكلابُ؛ أي يختارُ له بعير هذه صفته لئلا يحركه لكبره.
ومنها أن ينوء على يديه ... لينهض في تراقيه انحناء
أي يعتمد على يديه ليقوم وقد تحنت تراقيه لكبره. قال: والشيخ إذا أسن التقت ترقوتاه، يعني أنه تقرب إحداهما من الأخرى.
ويأخذه الهداجُ إذا هداهُ ... وليدُ الحيِّ في يده الرداءُ
هداه وليد الحي: قاده وأمسك بردائه من الكبر. والهداج والهدجان والهدجة والهدج: مقاربة الخطو ومداركته. قال هميان: جاءوا شماطيط وجئت هدجاً.
وينظرُ حوله فيرى بنيهِ ... حواءً حالَ دونهمُ حواءُ
الحواء: عشرة أبيات إلى الثلاثين. يقول: يكثرون حوله، لأنه قد أسنَّ.
ويحلفُ حلفةً لبني أبيه ... لأنتم معطشونَ وهمْ رواءُ
يروى: لبني بنيه. يقول: يختلط ويخرف فيخلطُ في كلامه. والمعطش: الذي دوابه عطاش. وكذلك المهزل: الذي دوابه مهازيل. والمغد: الذي بدوابه الغدة. وكذلك المصبح، والممرض.
قال: يقول لهم إبلكم وشاؤكم عطاش، وهي رواءٌ.
стр. 103
ويأمر بالركابِ فلا تعشى ... إذا أمسى وإن قربَ العشاءُ
يقول: احبسوها عن العشاءِ؛ وهذا من اختلاطه.
تقولُ له الظعينةُ أغنِ عنِّي ... بعيركَ حينَ ليس بهِ غناءُ
لا غناءَ عنده لضعفه فلا يقوَى على حبس البعير.
ألاَ أبلغْ بني عوفِ بن كعبٍ ... فهل حيٌّ على خلق سواءُ
يقول: أرى أخلاقكم مختلفة؛ فقد فضلكم هؤلاء.
عطاردها وبهدلةَ بن عوف ... فهل يشفي صدوركمُ الشفاءُ
يقول: هل يشفي صدوركم أن أبين لكم القصة؛ أي أبين لكم ما فعل بي.
ألمْ أكُ نائياً فدعوتموني ... فجاء بي المواعدُ والدعاءُ
ألمْ أكُ جاركم فتركتموني ... لكلبي في دياركمُ عواءُ
وآنيتُ العشاَء إلى سهيل ... أو الشعرى فطال بي الأناء
آنيت إيناءً: انتظرت وتمكثت. والأناءُ: الاسم؛ أي طال تمكثي وانتظاري لخيركم.
ألمْ أكُ جاركم ويكونَ بيني ... وبينكمُ المودةُ والإخاءُ
ولما أنْ أتيتكمُ أبيتمْ ... وشرُّ مواطنِ الحسبِ الإباءُ
ولمَّا أَنْ أتيتُهمُ حبوني ... وفيكمُ كان لو شئتمْ حباءُ
ولمَّا أنْ مدحتُ القومَ قلتُم ... هجوت، وهل يحلُّ لي الهجاءُ
فلم أشئتمْ لكمْ حسباً ولكنْ ... حدوت بحيث يستمعُ الحداءُ
حدوت: رفعت صوتي بمدحهم.
فلا وأبيكَ ما ظلمتْ قريعٌ ... بأن يبنوا المكارمَ حيث شاءوا
يقال للرجل: ما ظلم أن أشبهَ أباه، وليس منْ تظالم الناس؛ إنما هو مثل ظلم السقاء، ومظلوم التراب.
ولا وأبيكَ ما ظلمتْ قريعٌ ... ولا عنفوا بذاك ولا أساءوا
ما عنفوا بذاك: أي بالأمر الذي كسبوا به المحامد.
بعثرةِ جارهمْ أن ينعشوها ... فيغبر بعدها نعمٌ وشاءُ
يقول: يعطونه عطيةً ينجبر بها وتذهب مصيبته، فيبقى له مالٌ بعدُ من إبلٍ وشاءٍ.
стр. 104
فيبني مجدها ويقيمُ فيها ... ويمشي إنْ أريدَ به المشاءُ
يمشي: تكثر ماشيته. يقال: مشيت إبل بني فلان تمشى مشاءً: نمت وكثر نسلها. ويبني مجدها: يعني مجد النعم عن أبي الهيثم.
وإن الجارَ مثلُ الضيفِ يغدو ... لوجهتهِ وإنْ طالَ الثواءُ
يقول: الجارُ، وإنْ طال مقامه، كالضيف يغدو لوجهتهِ التي كان فيها، ويبقى عيبه وحديثه.
وإني قد علقتُ بحبلِ قومِ ... أعانهم على الحسبِ الثراءُ
الثراءُ: كثرةُ المال؛ أي أعانهم على معالي الأمورِ المالُ.
إذا نزلَ الشتاءُ بدار قومٍ ... تجنب جارَ بيتهم الشتاءُ
يقول: لا يصيب الشتاءُ جارهم ببرده وجوعه لإحسانهم إليه.
هم المتخفرونَ على المنايا ... بمالِ الجارِ ذلكمَ الوفاءُ
أي يقولون للجار: نحن ضامنون لك مالك إن طرد وهلك غرمناه لك.
يقولون: نحن نخفرك إن كثر مالك عندنا فهو لك، وإن قل وذهب به غرمناه.
هم الآسونَ أمَّ الرأس لمَّا ... تواكلها الأطبةُ والإساءُ
أمّ الرأس: الجلدة التي يكون فيها الدماغ. وتواكلها الأطبةُ: اتكل بعضهم على بعض. ويقال: نعم الإساء هذا؛ أي نعم الدواء والشفاءُ. يقول: هم المصلحون الفتق الذي أعيا المصلحين.
هم القومُ الذين إذا ألمتْ ... من الأيام مظلمةٌ أضاءوا
أي إذا ألمَّ أمر مظلم على الناس كشفوه. . قال خالد ابن كلتوم: الأيام هنا القحط والجدب. يقال: أضاءَ الشيءُ نفسه وأضاءَ غيره.
همُ القومُ الذين علمتموهم ... لدى الداعي إذا رفعَ اللواءُ
أي هم أول من يغيث الداعي إذا استصرخوا.
فأبقوا، لا أبالكمُ، عليهمْ ... فإنَّ ملامَةَ المولى شقاءُ
المولى هنا: ابن العم. يقول: إذا لمتَ مولاك فهو من الشقاءِ، وليس من السعادة أن تشتم مولاك ويشتمك.
وإنَّ أباهمُ الأَدْنَى أبوكمْ ... وإنَّ صدورهمْ لكمُ براءُ
وإنَّ بلاءهم ما قد علمتم ... على الأيام إنْ نفع البلاءُ
يقول: إن بلاءهم ما جربتموه قديماً وخبرتمونه إن نفعهم ذلك عندكم. قال أبو الهيثم: الأيام هنا الوقائع.
وإنَّ عديدهم يربى عليكمْ ... وإنَّ نماءهم لكم نماءُ
العديد: العدد. قال الشماخ:
على أمِّ بيضاَء السلامُ مضاعفاً ... عديدَ حصًى ما بين حمص وشيزرا
стр. 105
وثغرٍ لا يقامُ به كفوكمْ ... وكم يكُ دونهمْ منكمْ كفاءُ
الثغر: موضع المخافة، وهو الفرج. ويقال: ولي فلان الفرجين: سجستان وخراسان.
ترقى في أعنتها قريعٌ ... فسعدٌ كلها لهمُ الفداءُ
ترقى في أعنتها: أي تزداد خيراً كلما جوريت.
فإنكمُ وفقدكمُ قريعاً ... لكالماشي وليس له حذاءُ
ومعضلة تضيقُ بها ذراعي ... ويعوزها التحفزُ والبلاءُ
فلما أنْ دعوت لها بغيضاً ... أتاني حينَ أسمعهُ النداءُ
قال أبو حاتم: هذا آخرها.
وفي كتاب حماد الراوية زيادةٌ في هذا الموضع بيتان؛ قال أبو حاتم: مصنوعان مردودان:
بزاخرِ نائلٍ سبط ومجدٍ ... مخالطةُ العفافةُ والحياءُ
وأمضَى منْ سنانِ أزأنيٍّ ... طعنت به إذا كرهَ المضاءُ
وقال الحطيئة:
ألا طرقتنا بعدما هجعوا هندُ ... وقد سرنَ خمساً واتلأبَّ بنا نجدَ
الاتلئبابُ: الانطلاق والتتابع والسرعة. والمتلئب: المنبسط.
ويروى: واستبان لنا نجدُ.
ألا حبذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ ... وهندٌ أتى من دونها النأيُ والبعدُ
وهندٌ أتى منْ دونها ذو غواربٍ ... يقمصُ بالبوصيِّ معرورفٌ وردَ
ذو غوارب: له أسنمةٌ من الموج. ومعروف: له عرف. وورد: كدرٌ أحمر. والبوصيُّ: السفينة. ويقمص بها: يضطرب.
وإن التي نكبتها عن معاشرٍ ... غضابٍ على أن صددتُ كما صدُّوا
يعني القصيدة التي مدحَ بها بني قريع. نكبتها عن معاشر: يريد الزبرقان، وبني بهدلة.
стр. 106
أتت آلَ شماسِ بنْ لأي وإنما ... أتاهم بها الأحلامُ والحسبُ العدُّ
يقول: أتاهم بها أحلامهم وحسبهم. والعد: مأخوذ من الماءِ العد، وهو الذي لا يكادُ ينقطع.
فإنَّ الشقيَّ منْ تعادِي صدروهم ... وذو الجدِّ منْ لانوا إليه ومن ودوا
يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها ... وإنْ غضبوا جاَء الحفيظةُ والحدُّ
الأناةُ: الانتظار. ويقال: ما أبعدَ حلمه! أي لا يعجلُ والحفيظة: ما أحفظك. والحد: حد البأس.
أقلوا عليهم، لا أبا لأبيكمُ ... من اللومِ أو سدُّوا المكانَ الذي سدوا
أولئكَ قومٌ إن بنوا أحسنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا وإنْ عقدوا شدوا
البني: جمع بنية. ويروى: البني. يقال: ما أحسن بنية بيتك؛ أيْ هيئته التي بني عليها، كقولك: ما أحسن ضجعته وركبته!
وإنْ كانت النعمى عليهم جزوا بها ... وإنْ أنعموا لا كدروها ولا كدُّوا
ويروى: وإن كانت النعماءُ فيهم؛ أي إن كانت لقومٍ عليهم يدٌ ومنةٌ كافئوا بها؛ وإن كانت لهم على قومٍ يدٌ لم تستثيبوها.
وإن قال مولاهم، على جلِّ حادثٍ ... من الدهرِ، ردوا بعضَ أحلامكم ردوا
يقول: إن قال ابنُ عمهم على عظيم من الحدثان: ردوا بعض أحلامكم فعلوا. وهذا من فضل حلمهم.
وإن غاب عن لأيٍ بغيضٌ كفتهم ... نواشئُ لم تطرْ شواربهم مردُ
وكيفَ ولمْ أعلمهمُ خذلوكمُ ... على مفظعٍ ولا أديمكمُ قدوا
مطاعينُ في الهيجا مكاشيفُ للدجىَ ... بنَى لهمُ آباؤهمْ وبنى الجد
فمنْ مبلغٌ لأياً بأنْ قد سعى لكمْ ... إلى السورةِ العليا أخٌ لكم جلدُ
أي إلى الشرف الأعلى. والسورة: المجد. والسورة: ما يسور في الرأس من غضبٍ أو سكرٍ.
جرى حين جارى لا يساوى عنانه ... عنانٌ ولا يثني أجاريهُ الجهدُ
أي لمَّا سابق سبق. وهذا مثلٌ ضربهُ. ويعني بأجاريه ضروباً من جريه.
يقول: إذا جهد لم يذهب ذلك من جريه ولم يثنه.
رأى مجدَ أقوامٍ أضيعَ فحثهمْ ... على مجدهم لما رأى أنه الجد
стр. 107
وقد لامني أفناءُ سعد عليهمُ ... وما قلتُ إلا بالتي علمتْ سعد
يروى: وتعذلني أفناءُ سعد.
وقال يمدح بغيضاً:
آثرتُ إدلاجي على ليلِ حرةٍ ... هضيمِ الحشا حسانةِ المتجرد
إذا النومُ ألهاها عن الزادِ خلتها ... بعيدَ الكرى باتتْ على طيّ مجسد
أي هي ميسان: مفعال من الوسنِ، فيلهيها النوم عن العشاءِ. والمجسد: المصبوغ بالجساد: الزعفران.
إذا ارتفقتْ فوقَ الفراشِ تخالها ... تخافُ انبتَاتَ الخصرِ ما لم تشدد
ارتفقت: وضعت مرفقها تحت رأسها. وارتفقت: اتكأت على مرفقها ومنه قيل للوسادة: مرفقة.
يقول: تخاف أن ينقطع خصرها لدقته ولينه.
عميمةُ ما تحتَ النطاقِ وفوقهُ ... عسيبٌ نما في ناضرٍ لم يخضدِ
العميم: التام؛ يعني عجيزتها. وما فوق ذلك كأنه عسيب في لينه.
-
تراها تغضُّ الطرفَ دوني كأنما ... تضمنُ عيناها قذًى غيرَ مفسد
أي تكسرُ طرفها دوني. غير مفسد: أي لم يبلغ أن يفسد عينيها.
وتفرقُ بالمدرَى أثيثاً نباتهُ ... على واضحِ الذفرَى أسيلِ المقلدِ
الأثيثُ: الكثير من الشعر والنبات. والأسيل: الطويل. والمقلد: العنق.
تضوعُ رياها إذا جئتُ طارقاً ... كريح الخزامى في نباتِ الخلي الندي
تضوع وضاع يضوع: فاح.
وإن شئتُ بعدَ النوم ألقيتُ ساعدي ... على كفلٍ ريانَ لم يتخدد
لم يتخدد: لم يهزل وينقص.
لها طيبُ ريَّا إنْ نأتني، وإنْ دنتْ ... دنتْ وعثةٌ فوقَ الفراشِ الممهد
الوعثة: اللينة السهلة المسِّ.
стр. 108
وفي كلِّ ممسَ ليلةٍ ومعرسٍ ... خيالٌ يوافي الركبَ من أمِّ معبَد
فحياكِ ودٌّ من هداكِ لفتيةٍ ... وصهبٍ بأعلى ذي طوالةَ هجد
الأصمعي: فحياكِ ربي؛ لأن وداً اسم صنم.
تسديتنا منْ بعدِ ما نام ظالعُ ال ... كلابِ وأخبى نارهُ كلُّ موقدِ
تسديتنا: ركبتنا يعني خيالها. والظالع من الكلاب: الذي ينتظر الكلبة حتى تسفد ويسفد هو آخر الكلاب لأنه أضعفها. ومنه يقال: ارقَ على ظلعك؛ أي اصعد الجبل وأنتَ تعلمُ أنكَ
ظالع، فلا تجهد نفسك.
لما رأتْ من في الرحالِ تعرضتْ ... حياءً وصدتْ تتقي القومَ باليد
تعرضت: ولتنا عرضها. والعرضُ: الجانب. وصدت تأخرت.
وأنى اهتدتْ والدوُّ بيني وبينها ... وما خلتُ ساري الليلِ بالدوِّ يهتدي
بأرضٍ ترى فرخَ الحبارَى كأنهُ ... بها راكبٌ موفِ على ظهرِ قردد
الموفى: المشرف. يريد أن الدو مستوٍ، فإذا رأيت حجراً قد نصب فيه رأيته كأنه قصرٌ من شدة استواءِ الأرض.
وأد ماَء حرجوج تعاللتُ موهناً ... بسوطيَ فارمدتْ نجاَء الخفيددِ
الأدماء: البيضاءُ هنا. والحرجوج: الطويلة على وجه الأرض. وتعاللتُ: طلبتُ علالتها. والعلالة: الشيء بعد الشيء، مثل المشي بعد المشي، والعدوِ بعد العدو. وموهناً: بعد سعاة من الليل مضت. وقوله: نجاءَ الخفيدد: أي عدو الظليم.
وإن خاف جوراً من طريقٍ رمى بها ... سوى القصد حتى تستقيم ضحى الغد
يقول: إن خاف أن تجور به عن الطريق اعتسف بها غير الطريق حتى تلقى ضحوة الغد لما فيها من العلالةِ والبقية.
وكادت على الأطواءِ أطواءِ ضارجٍ ... تساقطني والرحلَ من صوت هدهد
يروى: تكسرني والرحل.
ترى بين لحييها إذا ما تبغمتْ ... لغاماً كبيتِ العنكبوتِ الممدد
اللغام: زبد الإبل.
ويروى: تزغمت. والتزغم: صوتٌ ضعيف. يقول: لا ترغو من الضجر.
стр. 109
كأنَّ هويَّ الريح بين فروجها ... تجاوبُ أظارٍ على ربعٍ ردي
أي هي مشرفةٌ، فإذا هبت الريح بين فروجها سمعت لها دوياً كأنه صوت أظارٍ عطفن على حوارٍ أصابه ردًى. ويقال: رديَ على فعل بمعنى انكسر. ويقال: ظئر وأظآر وظؤار وظؤرة. وهي المعطوفة.
وترمي يداها بالحصى خلفَ رجلها ... وترمي به الرجلانِ دابرةَ اليد
قال السجستاني: وفي كتاب حماد الراوية زيادةٌ بعد هذا البيت أربعة أبيات كتبتا ليعرف
المصنوع؛ وهي:
وتشربُ بالقعبِ الصغير وإن تقدْ ... بمشفرها يوماً إلى الحوضِ تنقد
وإن حطَّ عنها الرحلُ قاربَ خطوها ... أمينُ القوى كالدملجِ المتعضدِ
تراقبُ عيناها إذا تلعَ الضحا ... ذباباً كصوتِ الشاربِ المتغردِ
وتضحي الجبالُ الغبرُ خلفي كأنها ... من الآلِ حفتْ بالملاءِ المعضدِ
هذا آخر الزيادة.
يظلُّ الغرابُ الأعورُ العينِ واقعاً ... مع الذئبِ يعتسانِ نارِي ومفأدي
المفأد: الموضعُ الذي تحشُّ في النار.
قال: والمفأد بكسر الميم: عصية يقلبُ بها الملة والشواء. وقال غيره: المفأد: السفود.
وإن نظرت يوماً بمؤخرِ عينها ... إلى علمٍ بالغورِ قالت له: ابعد
أي لا يشتد عليها بعده لنشاطها وقوتها على السير. والعلم: الجبل. والغور: غور تهامة.
فما زالت العوجاء تجري ضفورها ... إليكَ ابنَ شماسٍ تروحُ وتغتدي
العوجاءُ: المهزولة. والضفور: الأنساع. يقول: رحلتها وهي سمينةٌ فهزلت فاضطربت ضفورها. والواحد ضفر؛ قال الشاعر:
وقد تدانى حقبٌ وضفر
стр. 110
إلى ماجدِ يعطي على الحمدِ ماله ... ومن يعط أثمانَ المحامدِ يحمد
وأنت امرؤٌ من تعطهِ اليومَ نائلا ... بكفيك لا يمنعكَ من نائل الغدِ
أراد قول النابغة:
ولا يحولُ عطاءُ اليوم دونَ غد
دون عطاء غد.
مفيدٌ ومتلافٌ إذا ما سألته ... تهللَ واهتزَّ اهتزازَ المهند
متى تأتهِ تعشو إلى ضوءِ نارهِ ... تجدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ موقد
عشا يعشو: إذا استدلَ على النارِ ببصرٍ ضعيف. وقال ابن دريد: عشوتُ إلى ضوئك إذا قصدته بليل. وقال غيره: العاشي: الذي يسيرُ في ظلمة الليل على ضوءٍ قليل.
هو الواهبُ الكومَ الصفايا لجاره ... يروحها العبدانُ في العازبِ الندي
يروى: العبدان. جمل أكوم، وناقة كوماء؛ وهي العظيمة السنام.
وقال:
طاقتْ أمامةُ بالركبانِ آونةً ... يا حسنهُ من قوام ما ومنتقبا
آونةً: جمع أوان. والمنتقب: موضع النقاب.
إذ تستبيكَ بمصقولٍ عوارضه ... وكذبتْ حبَّ ملهوفِ وما كذبا
بثغرٍ مصقولِ العوارض، صقلتها بالسواك.
بحيثُ ينسَى زمام العنسِ راكبها ... ويصبحُ المرءُ فيها ناعساً نصبا
روى أبو حاتم: وصبا. النصب: التكسير والفترة في العظام. والوصب: التعب. وَصِبَ يوصبُ؛ وصَباً؛ أي لما يصيبه من السهر ينسى زمام ناقته إذا نزل.
والذئبُ يطرقنا في كل منزلةٍ ... عدوَ القرينينِ في آثارِنا خببا
قالتْ أمامةُ لا تجزع، فقلتُ لها ... إنَّ العزاَء وإنَّ الصبرَ قدْ غلبا
أي لا تجزعْ من عض الزمان.
следующие страницы →