Полный текст (902 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
كان مصمتا كالحلقة؛ فإنَ كان متبادلين الأجزاء فبالسكون فقط. قال صاحب الفصيح فيما يثقل ويخفف باختلاف المعنى: تقول جلس وسط القوم يعني بينهم أي بالتسكين وجلس وسط الدار، وأحتجم وسط رأسه، أي بالتحريك وهذا الذي قلنا أولاً. وقد يكون الوسط وصفا، أما بمعنى الأعدال كقوله تعالى:) وكذلك جعلناكم أمة وسطا (. وأما بمعنى التوسط بين أمرين، ومنه المثل. قال السهيلي: الوسط من أوصاف المدح والتفضيل، ولكن في موضعين: في ذكر النسب وفي ذكر الشهادة. أما النسب فلأن أوسط القبيلة أعرقها وأولاها بالصميم وأبعدها عن الأطراف وأجدر ألا تضاف إليه الدعوة، لأن الآباء والأمهات قد أحاطوا به من كل جانب، فكان الوسط، من أجل هذا، مدحا في النسب بهذا السبب. وأما الشهادة فنحو قوله سبحانه قال:) أوسطهم. وجعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس (فكان هذا مدحا في الشهادة، لأنها غاية العدالة في الشاهد أن يكون وسطا كالميزان لا يميل مع أحد، بل يصمم على الحق تصميما، لا يجذبه هوى ولا تميل به الرغبة ولا رهبة من هاهنا ولا من هاهنا، فكان وصفه بالوسط غاية في التزكية والتعديل. وظن كثير من الناس أنَّ معنى الأوساط الأفضل على الإطلاق، وقالوا: معنى الصلاة الوسطى الفضلى. وليس كذلك، بل هو في جميع الأوصاف لا مدح ولا ذم، كما يقتضيه لفظ التوسط. فإذا كان وسطا في السمن فهو بين الممخة والعجفاء، والوسط في الجمال بين الحسناء والشوهاء إلى غير ذلك من الأوصاف، لا تعطي مدحا ولا ذما. غير انهم قالوا في المثل: أثقل من مغن وسط على الذم، لأنه إنَّ كان مجيداً جدا أمتع وأطرب؛ وإنَّ كان بارد جداً أضحك وألهى، وذلك أيضاً مما يمتع. قال الجاحظ: " وإنّما الكرب الذي يجثم على القلوب ويأخذ بالأنفاس الغناء البارد الذي لا يمتع لحسن ولا يضحك بلهو " انتهى. وقال أبن رشيق: " قال بعضهم: الشعر شعران: جيد محكك، ورديء مضحك. ولا شيء أثقل من الشعر الوسط والغناء الوسط ". وقد قال أبن الرومي يهجو أبن طيفور:
عدمتك يا أبي الطاهر ... وأطعمت ثكلك من شاعر
فما أنت سخن ولا بارد ... وما بين هذا سوى الفاتر
وأنت كذاك تغثي النفوس ... تغثية الفاتر الخاثر
стр. 352
ونحو هذا قول الآخر:
مسيخ مليخ كلحم الحوار ... فلا أنت حلو ولا أنت مر!
وسيأتي هذا المعنى بعد إن شاء الله تعالى.
أثقل من الفيل .
الثقل مر؛ والفيل بالكسر الحيوان المعروف وثقله معروف. ومما قال بعض الثقلاء يخاطب ثقيلا:
أنت يا هذا ثقيل ... وثقيل وثقيل
أنت في المنظر إنسان ... وفي المخبر فيل
ولو تعرضت لظل ... فسد الظل الظليل!
وقال الأخر:
فما الفيل تحمله ميتا ... بأثقل من بعض جلاسنا!
ويحكى إنَّ الأعمش كان ينشد هذا البيت عندما يستثقل جليسا، وزعموا إنّه قال: من فاتته ركعتا الفجر فليلعن الثقلاء! وإنّه نقش على خاتمه: يا مقيت، أبرمت فقم!، فإذا أستثقل جليسا ناوله إياه؛ وإنّه قال له رجل يوما: مم عمشت عيناك؟ فقال: من النظر إلى الثقلاء!.
وفي حق الثقلاء قال: جالينوس: لكل شيء حمى، وحمى الروح النظر إلى الثقيل. وقيل له: لم صار الرجل ثقيل أثقل من الحمل الثقيل؟ فقال: لأن ثقله على القلب دون الجوارح، والحمل الثقيل يستعين القلب عليه بالجوارح. وقال زياد بن عبد الله: قيل للشافعي: هل يمرض الروح؟ قال: نعم، من ظل الثقلاء. قال: فمررت به يوما وهو بين ثقلين، فقلت له: كيف الروح؟ فقال: في النزع! كان بعضهم إذا رأى ثقيلاً يقول: قد جاءكم جبل. فإذا جلس قال: قد وقع عليكم! قيل لبعض الظرفاء، وكان له ثلاثة بنين ثقلاء: أي بنيك أثقل؟ فقال: ليس بعد الكبير أثقل من الصغير إلاّ الوسط. وكان بشار يأتيه ثقيل يقال له أبو سفيان. فسئل عنه بشار
стр. 353
يوما فقال: لا ادري لم لا تحمل الأمانة أرض حملته، ولا كيف احتاجت إلى الجبال بعدما أقلته! كأن قربه أيام المصائب وليالي النوائب؛ وكأن عشرته فقد الحبائب، وسوء العواقب. ثم أنشد:
ربما يثقل الجليس وإنَّ كان ... خفيفا في كفة الميزان
ولقد قلت حين وتد في البيت ... ثقيل أربى على ثهلان
كيف لا تحمل الأمانة ارضٌ ... حملت فوقها أبا سفيان؟
وكان لبشار أيضاً صديق يقال له هلال، فقال لبشار يوما: يا أبا معاذ! إنَّ الله لم يذهب بصر أحد إلاّ عوضه منه شيئاً، فما عوضك؟ قال: الطويل العريض. قال: وما هو؟ قال: إلاّ أراك ولا أرى الثقلاء أمثالك! ثم قال: يا هلال، أتطيعني في نصيحة أخصك بها؟ قال: نعم! قال: انك كنت تسرق الحمير زمانا، ثم تبت وصرت رافضيا؛ فعد إلى سرقة الحمير، فهي والله خير لك من الرفض! وفي هلال هـ يقول بشار:
وكيف يحق لي بصري وسمعي ... وحولي عسكران من الثقال
قعودا عند دسكرتي وداري ... كأن لهم علي فضول مال؟
إذا ما شئت صبحني هلال ... وأي الناس أثقل من هلال؟
واستأذن بعض الثقلاء على أبن المبارك، فلم يأذن له. فكتب إليه ذلك الثقيل:
هل لذي حاجة إليك سبيل؟ ... لا طويل قعوده بل قليل!
فأجابه أبن مبارك:
أنت يا صاحب الكتاب ثقيل! ... وقليل من الثقيل طويل!
ووصف بعض الأذكياء ثقيلاً فقال: هو ثقيل السكون بغيض الحركة، كثير الشؤم قليل البركة، كأنه ثقل الدين، ووجع العين. وما أحقه بقول القائل:
ثقيل يطالعنا من أمم ... إذا سره رغم انفي ألم
لنظرته وخزة في القلوب ... كوخز المحاجم في الملتزم
أقول له إذ أتى: لا أتى ... ولا حملته إلينا قدم
عدمت خيالك لا من عمى ... وسمع كلامك لا من صمم!
стр. 354
ووصف أخر ثقيلاً فقال: هو بين الجفن والعين قذاة، وبين القدم والنعل حصاة. ما أشبه طلعته إلاّ بغداة الفراق أو كتاب طلاق أو طلعة الرقيب أو موت الحبيب!
مشتمل بالبغض لا تنثني ... إليه طوعا لحظة الرامق
يظل في مجلسنا مبرما ... أثقل من واشٍ علىالعاشق
وذكر عند العباس بن الحسن العلوي ثقيل يقال له أبو عمار، فقال: ما الحمام على الأصرار، وحول الدين على الأقدار، وشدة السقم في الأسفار، بأثقل على النفس من طلعة أبي عمار. وانشد:
تحمل منه الأرض أضعاف ما ... يحمله الحوت من الأرض
وقال الأخر:
إلمام كل ثقيل قد أضر بنا ... نروم نقصهم والشيء يزداد
ومن يخف علينا لا يلم بنا ... وللثقيل مع الساعات تزداد
وقال الأخر:
وثقيل أشد من ثقل الموت ... ومن شدة العذاب الأليم
ولو عصت ربها الجحيم لمّا كان ... سواه عقوبة للجحيم
وقال جحظة البرمكي في صفة ثقيل:
يا لفظة النعي بموت الخليل ... يا وقفة التوديع بين الحمول
يا شربة اليارج يا أجرة المنزل ... يا وجه العدو الثقيل
يا طلعة النعش ويا منزلا ... أقفر من بعد الأنيس الحلول
يا نهضة المحبوب من غضبةٍ ... يا نعمة قد آذنت بالرحيل
ويا كتابا جاء من مخلف ... للوعد مملوء بعذر طويل
يا بكرة الثكلى إلى حفرة ... مستودع فيها عزيز الثكول
يا وثبة الحافظ مستعجلا ... بصرفه القينات عند الأصيل
стр. 355
ويا طبيب قد أتى باكراً ... على أخي سقم بماء البقول
يا شوكة في قدم رخصةٍ ... ليس إلى إخراجها من سبيل
يا عشرة المجذوم في رحله ... ويا صعود السعر عند المعيل
يا ردة الحاجب عن قسوة ... يا نكسة بعد برء العليل!
وقال آخر في ثقيل:
ليس من الناس ولكنه ... يحسبه الناس من الناس
أثقل في انفس أصحابه ... من جبل رأسي على رأسِ
وقال أخر:
يا من تبرمت الدنيا بطلعته ... كما تبرمت الأجفان بالسهدِ
إني لأذكره حينا فأحسبه ... من ثقله جالسا مني على كبدي
وقال الآخر:
نظر العين نحوه ... علم الله يمرض
فإذا ما أردتم ... أن تروه فغمضوا
لا تصبكم ملمة ... والملمات تعرض
وقال الآخر:
شخصك من مقلة النديم ... أوحش من نحسة النجوم
يا رجلا وجهه علينا ... أثقل من منة اللئيم
إني لأرجو بما أقاسي ... منك خلاصي من الجحيم
والشعر في هذا المعنى كثير. وقد قال المفسرون نزلت آية في الثقلاء: فإذا طعمتم فانتشروا. أد بهم الله بذلك. وكان حماد بن سلمة إذا رأى ثقيلا قال: ربنا اكشف عنا العذاب أنا مؤمنون. وذكر الأعمش ثقيلا كان يجلس إلى جانبه فقال: والله إني لأبغض شقي الذي يليه مني. وقال سهل بن هارون: من ثقل عليك بنفسه وأغمك بحديثه أو سؤاله فأعره عينا عمياء أذنا صماء. وأنشد أيضاً في ذلك:
هذا فتى أثقل من أحد ... يصبح من يلقاه في جهد
علامة البغض على وجهه ... بينة مذ كان في المهد
стр. 356
لو دخل النار طفا حرها ... ومات من فيها من برد
وفي الاستبراد قال آخر في قينة:
ولو مازج النار في حرها ... حديثك اخمد منها اللهب
وقال كشاجم:
غناء بريح بأرض الحجاز ... يطيب وأما بحمص فلا
لبرد الغناء وبرد الهواء ... فإنَ جمعا خفت أن يقتلا
ولقي برد الخيار المغنى أبا العباس المبرد على الجسر في يوم ثلج فقال له: أنت المبرد وأنا برد الخيار واليوم كما ترى اعتزلنا لا يهلك الناس الفالج بسببنا. وأذكرني هذا قول أبن الخطيب: بياض بمقدار نصف صفحة في النسخ كلها.
ثكل أرأمها ولدا .
الثكل بضم الثاء: الهلاك والموت وفقد الأحبة وفقد الأولاد وهذا هو الكثير الاستعمال. يقال: ثكله بكسر الكاف ثكلا فهو ثكلان وهي ثكلى مثل سكرى. قالت الحماسية:
سيتركها قوم ويصلى بحرها ... بنو نسوة للثكل مصطبرات
ويحكى إنَّ عمير بن جندب مات قبيل الإسلام. فجهزوه ثم كشف القناع عن رأسه فقال: أين القصل؟ والقصل بالقاف على الصحيح وبالصاد المهملة واللام على مثال صرد وهو أحد بني عمه. فقالوا: سبحان الله مر آنفا فما حاجتك إليه؟ فقال: أتيت فقيل لي: لامك الهبل إلاّ ترى إلى حفرتك تنثل وقد كادت أمك تثكل؟ أنَّ رأيت إنَّ حولناك إلى محول ثم غيب في حفرتك القصل الذي مشى فاحزأل ثم ملأناها من الجندل؟ أنَّ تعبد ربك وتصل وتترك سبيل من أشرك وضل؟ فقلت: نعم فأفاق عمير وتزوج وولد له الأولاد. ولبث القصل ثلاثا ثم مات ودفن في قبر عمير.
стр. 357
وقال أسماء المرية:
أيا جبلي وادي عريعرة التي ... نأت عن ثوى قومي وحق قدومها
ألا خليا مجرى الجنوب لعله ... يداوي فؤادي من جواه نسيمها
وكيف تداوي الريح شوقا مماطلا ... وعينا طويلا بالدموع سجومها
وقولا لركبان تميمية غدت ... إلى البيت ترجو أن تحط جرومها
بأن بأكناف الرغام غريبة ... مولهة ثكلى طويلا نئيمها
مفجعة أحشاؤها من جوى الهوى ... وتبريح شوق عاكف ما يريمها
والإرآم: التحبيب والتعطيف. يقال: رئم فلان كذا بالكسر يرأمه: احبه وألفه ورئمت الناقة ولدها رئما: عطفت عليه وأرأمتها: عطفتها على غير ولدها أو على البو وهو الجلد يحشى لها لتدر عليه. قال:
رئمت لسلمى بوضيم وإنني ... قديما لآبي الضيم وأبن أباة
وقال الحماسي:
ومولى جلت عنه الموالي كأنه ... من البؤس مطلي به القار أجرب
رئمت إذا لم ترأم البازل ابنها ... ولم يك فيها للمبسين محلب
وقال الآخر:
أنى جزوا عامرا سوءا بفعلهم ... أم كيف يجزونني السوأى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطى العلوق به ... رئمان أنف إذا ما ضن باللبن
والولد معروف. والمثل لبيهس المعروف بنعامة. وكان من حديثه أنه خرج مع أخوة له سبعة فلقيهم قوم في موضع يقال له الأثلاث فقتلوهم إلاّ بيهسا وكان أصغرهم. فاستحقروه واستبقوه ثم احتملوه معهم حتى إذا قام قائم الظهيرة نزلوا فنحروا ناقة من وسيقتهم فأكلوا منها ثم قال قائلهم: ظلموا لحم جزوركم فقال بيهس: لكن على الأثلاث لحم لا يظلل يعني لحوم إخوانه المقتولين فأرسلها مثلا. فقال أحدهم: إني لأسمع من هذا الإنسان أمر يوشك أن يكون وراءه شر: فاقتلوه فقال زعيمهم: أيعد علينا هذا بقتيل؟ خلوه لصغر سنه فهو أحقر من ذلك فاحتملوه حتى إذا بلغوا به سمت الحي قالوا له: ائت أهلك وانع إخوانك فانطلق
стр. 358
حتى دخل على أمه فقالت له: أين اخوتك؟ قال: قتلوا. فقالت: وما الذي أتى بك دونهم؟ فقال لها: لو خيرتك القوم لاخترت! فأرسلها مثلا. وكانت تبغضه لكثرة شره، وتحب اخوته. فلما فقدتهم أحبته ورئمته. فقال حينئذ: ثكل أرأمها ولداً، أي عطفها على هذا الولد - يعني نفسه - ولا رققها عليه ولا آلفها إياه إلاّ ثكلها أولادها الباقين، وفقدها أولادها المحبوبين. ومضرب المثل من هذا المعنى ظاهر. ثم جمعت له أمه تراث اخوته وأعطته إياه. فجعل يدير فيه وكان يقول: يا حبذا التراث لولا الذلة! فسارت مثلا. وصنع بعض أهل الحواء عرسا وحضره صبيان الحي، فلما رآهم بيهس يلعبون تجرد عن ثيابه وجعل يرقص معهم. فأتته أمه فقال له: ما هذا يا بيهس؟ فقال:
البس لكل حالةٍ لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها!
فذهبت مثلا. فبينما هو ذات يوم يرعى غنما له إذ ألجأه الحر إلى غار يستظل فيه. فرأى قتلة اخوته وهم عشرة قد عقلوا إبلهم على طرف الغار وقالوا. فخلى غنمه وبادر إلى الحي فأخذ سلاحه وأتى خالاً له يقال له أبو حنش وكان جبانا. فقال له: أبا حنش هل لك في ظباء تصطادهن ألجئهن الحر إلى عار؟ قال: نعم. فتنكب قوسك وحيهلاً ورائي! فأقبل به حتى هجم على فم الغار. وخاف بيهس أن يهرب خاله، فصاح على القوم حتى ثاروا. فتقدم بيهس وتبعه خاله علماً منه إنّه غير ناج إن فر وقتلا القوم ورجعا بسلاحهم إلى الحي، وقد ثأر بيهس باخوته. فكان من لقي خاله يقول له: ما اشجعك أبا حنش! فيقول له: مكره أخاك لا بطل! فذهبت مثلا. ويقال إنَّ مدركي الأوتار في الجاهلية ثلاثة: قيصر بن سعد - تقدم أمره - وسيف بن ذي يزن الحميري - وسنذكره - وبيهس هذا. قال الشاعر:
من يطلب الأوتار ما أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهسُ
وإنّما لقب بنعامة لطول رجليه فرأته أمه يوما فقالت: نعامة والله! فقال: نعامة عرفتني، نسأها الله! أي أخر في أجلها. وقيل لصممه، وكان أصم أصلع، والعرب، والعرب
стр. 359
تصف النعامة بذلك، يزعمون إنّه مصلمٌ لا أذن له ولا يسمع الأصوات أما حقيقة أو إنّه لا يلتفت إليها. قال علقمة يصف الظليم:
فوهٌ كشف العصا لأياً تبينه ... أسك ما يسمع الأصوات مصلومُ
وقال زهير:
كأن الرجل منها فوق صعلٍ ... من الظلماء جؤجؤهُ هواءُ
أسكن مصلمُ الأذنين أجنى ... له بالسيِّ تنومٌ وآء
وقال عنترة:؟ فكأنني أطس الإكام عشيةً بقريب بين المنسمين مصلمِ
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
الثور يحمي أنفه بروقه .
الثور بفتح الثاء وسون الواو، معروف يطلق على الانسي والوحشي. والحماية: المنع والحفظ، يقال: حماه من كذا يحميه منعه وحفظه. والروق بالفتح القرن.
والمعنى أنَّ الثور يدافع عن نفسه بقرنه، فيضرب فقط الحث على حفظ الحريم، والدب بما أمكن. وتقدم في كلام عمرو بن أمامة حيث قال:
لقد عرفت الموت قبل ذوقه: ... إنَّ الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مقاتلٌ عن طوفه ... كالثور يحمي أنفه بروقه
وفي خبر أبن إسحاق عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: لمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة قدمها وهي أوباً أرض الله من الحمى. فأصاب أصحابه منها بلاء، وصرف ذلك عن نبيه. قالت: فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلال موليا أبي بكر في بيت واحد فأصابتهم الحمى. فدخلت عليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، وبهم ما لا يعلمه إلاّ الله من شدة الوعك. فدنوت من أبي بكر فقالت له: كيف تجدك يا أبتِ؟ قال:
стр. 360
كل امرئ مصبحٌ في أهله ... والموت أدنى من شراك نعلهِ
قالت: فقلت والله ما يدري أبي ما يقول! قالت: ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إنَّ الجبان حتفه من فوقهِ
كل امرئ مجاهٌ بطوقه ... كالثور يحمي جلده بروقهِ
قالت: فقلت والله ما يدري عامر ما يقول! قال: وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته فقال:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادٍ وحولي أذخرٌ وجليلُ؟
وهل أردن يوما مياه مجنةٍ ... وهل يبدون لي شامةٌ وطفيلُ؟
قالت: فذكرت لرسول الله ﷺ ما سمعت منهم وقلت. إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى. فقال رسول الله ﷺ : اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، وبارك لنا في مدها وصاعها وانقل وباءها إلى مهيعة. ومهيعة الجحفة.
والظاهر أنَّ عامرا ﵁ تمثل بالشعر وإن كان فيه بعض مخالفة. وبعد كتبي هذا رأيت السهيلي قال: يذكر قول عامر: لقد وجدت الموت قبل ذوقه أنه لعمرو بن أمامة. انتهى. وهو ما استظهرناه قبل. وقول بلال: بوادٍ يروى بفخٍّ أيضاً وفخ موضع بمكة فيه ماء وفيه اغتسل رسول الله ﷺ وهو محرم لدخول مكة وفيه قال الشاعر:
ماذا بفخ من الإشراق والطيبِ ... ومن جوار نقياتٍ رعابيبِ
ومجنة سوق من أسواق العرب؛ وشامة وطفيل عينان من الماء وقيل جبلان. قال السهيلي: وفي هذا الخبر وما ذكر من حنينهم إلى مكة ما جبلت عليه النفوس من حب الوطن والحنين إلية وما كانوا عليه من الحنين إلى الاوطان الذي هو جبلة في البشر كما روي في حديث أصيل الغفاري ويقال فيه الهذلي حين قدم مكة فسألته عائشة: كيف تركت مكة يا أصيل؟ فقال: تركتها د ابيضت أباطحها وأحجر ثمامها وأعذق إذخرها وأمشر سلمها فاغرورقت عين رسول الله صلى الله عليه
стр. 361
وسلم وقال: لا تشوقنا يا أصيل! ويروى أيضاً أنه قال له: دع القلوب تقر! وفي هذا المعنى قول الآخر::
إلاّ ليت شعري هل أبيتن ليلهٌ ... بوادي الخزامي حيث ربتني أهلي
بلادٌ بها نيطت علي تمائمي ... وقطعن عني حين أدركني عقلي
انتهى كلام السهيلي. وهذا المعنى مستوفي في هذا الكتاب في غير هذا الموضع.
ثار حَابِلُهُم على نَابِلِهِم
الثور: الهيجان والوثب: ثار يثور ثوراً فهو ثائر وأثرته وثورته واستثرته.
والحابل يطلق على من شد الشيء بحبل، ومنه المثل الآتي: يا حابل اذكر حلاًّ! وعلى من نصب الحبالة للصيد أو أخذه فيها. يقال: حبل الصيد واحتبله: إذا أخذه أو نصب له. والنابل والنبل: صاحب النبل وصانعه. والنبل: السهم قال امرؤ القيس:
نطعتهم سلكي ومخلوجة ... كرك لأمين على نابلِ
أي نطعنهم طعنا مستقيما وطعنا معوجا من كل وجه. كرك لأمين أي كردك لأمين أي سهمين على نابل أي على رامٍ في السرعة. وقال أيضاً:
وليس بذي رمحٍ فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبال
ويقال إنَّ الحابل في هذا المثل السدى والنابل الطعمة: فإذا قيل في القوم إنهم
ثار حابلهم على نابلهم كان معناه أنهم أشتجروا وأوقدوا الشر فيما بينهم.
ومما يلتحق بهذا الباب قولك: أثقل من الحديد ومن الرصاص ومن حلول الدين مع الاقتار، ونحو ذلك وهو مطرد. وقولهم: ثل عرش فلان إذا هوى أمره وتضعضع عزه وذهب ملكه. قال زهير:
تداركتما الأحلاف قد ثل عرشهم ... وذبيان قد زلت بأقدامهم النعلُ
وثلَّ اللهُ عرشه: فعل به ذلك. وقال الأخر:
стр. 362
إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب
والعرش سرير الملك، وسقف البيت، والعز وقوام الأمر ومنه ما ذكر.
ولنذكر بعض ما تيسر من الشعر. قال أبن الرومي:
يا مادح الحقد محتالا له شبه ... لقد سلكت إليه مسلكا وعثا
يا دافن الحقد في ضعفي حنوانحه ... ساء الدفين الذي أضحت له جدثا
الحقد داء دوي لا دواء له ... يدوي الصدور إذا ما جمره حرثا
فأستشفينه بصفح أو معاتبة ... فإنما يبرئ المصدور ما نفثا
إنَّ القبيح وإنَّ ضيعت ظاهره ... يعود ما لم منه مرة شعثا
كم زخرف القول ذو زور ولبسه ... على القلوب ولكن قل ما لبثا
وإنّما قال ذلك لأنّه قال: أيضاً في مدح الحقد:
لئن كنت في حفظي لمّا أنا مودع ... من الخير والشر انتحيت على عرضي
لمّا عبتني إلاّ بفضل أمانة ... ورب امرئ يزري على خلقٍ محض
ولولا الحقود المستكنات لم يكن ... لينقض وتراً آخر الدهر ذو نقض
وما الحقد إلاّ توأم الشكر في الفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض
فحيث ترى حقدا على ذي إساءة ... فثم ترى شكرا على حسن القرض
واخذ ذلك من قول أبن صالح، حين أتي به الرشيد وهو في قيوده، فقال له يحيى بن خالد وأراد أنَّ يسكته: بلغني انك حقود! فقال له: أيها الوزير، إنَّ كان الحقد هو بقاء الخير والشر، انهما لباقيان في قلبي! ويروى إنّه قال له: إنّما صدري خزانة لحفظ ما استودعت من خير وشر. فقال الرشيد: تالله ما رأيت أحداً احتج للحقد بمثل ما احتج به! وقال الأخر:
ما طلب فرع أصله خبيث ... ولا زكا من مجده حديث
وقال الأخر:
إنَّ قوما يلحون في حب سعدي ... لا يكادون يفقهون حديثاً
سمعوا وصفها فلاموا عليها ... وأخذوا طيبا وأعطوا خبيثا
стр. 363
وتقدم هذا المعنى قبل مستوفي.
وقال أبو دلامة:
إنَّ الناس غطوني تغطيت عنهم ... وإنَّ بحثوا عني ففيهم مباحث
وكانت لرجل عنده شهادة في الحق، فلما طلبه بالأداء قال له: إنَّ شهادتي لا تنفعك عند القاضي. فقال له الرجل: لابد من شهادتك! فشهد أبو دلامة وانصرف وهو يقول الشعر المذكور. فحكم القاضي بشهادته وغرم المشهود عليه المال حتى قبضه المشهود له، فغرمه القاضي للمشهود عليه خوفا من ظلمه ليجمع المصلحتين. وقيل إنَّ أبا دلامة استأجر طبيبا ليعالج ابناً له مبلغ من الأجرة، فلما داواه قال للطبيب: إنّه ليس عندي ما أعطيك، ولكن أذهب وادع بهذا المبلغ على من شئت! وقيل إنّه قال له ادع على فلان اليهودي به، وإني وأبني نشهد لك! فأدعى الطبيب على اليهودي، فجاء أبو دلامة وابنه يشهدان له عند القاضي أبن أبي ليلى أو أبن أبي شبرقة فلما علم أبو دلامة أن القاضي لا يجيز شهادتهما أنشد بحيث يسمعه القاضي ما مر. فلما سمع القاضي ذلك حكم بشهادتهما خوفا من أذاه، وغرم ذلك المبلغ للمحكوم عليه، والله اعلم.
ومن هذا المعنى ما ذكر أبن رشيق عن العتبي من أن رجلا من أهل المدينة ادعى حقاً على رجل، فدعاه إلى أبن حنظب، القاضي المدينة، فقال: من يشهد بما تقول؟ فقال: زنقطة فلما ولى قال القاضي: ما شهادته له إلاّ كشهادته عليه. فلما جاء زنقطة أقبل على القاضي وقال له: فداك أبي وأمي! أحسن والله الشاعر حيث يقول:
من الحنظبيين الذين وجوههم ... دنانير مما شيف في أرض قيصرا
فأقبل القاضي على الكاتب وقال: كبير ورب السماء! ما أحسبه شهد إلاّ بالحق. أجز شهادته! وقال الصفدي:
صبري الذي اقتسمته غربة ونوى ... كأنما لهما في ذاك ميراث
وكل يومٍ على ما فيه من هرمٍ ... يلقى صروف الليالي وهي أحداث
وقال أبن الحداد يرثي:
стр. 364
شمس الظهيرة هل تدرين ما حدثا؟ ... شمس العشيرة حلت مغربا حدثا
انظر ثبيراً هل أنهدت جوانبه ... لحادث في ثبير الحلم قد حدثا
ومن المستحسن في باب الرثاء قول أبي الفرج الجوزي، وقد ليم على اكتحاله يوم عاشوراء:
ولائم لي على اكتحالي ... يوم أراقوا دم الحسين
فقلت: كفوا! أحق شيءٍ ... فيه بلبس السواد عبني
وقال الأخر يرثي بعض الأمراء:
كان الأمير نظام الدين لؤلؤة ... قد صاغها الله من مجد ومن شرف
عزت فلم تقدر الأيام قيمتها ... فردها غيرة منه إلى الصدف
وقمل الآخر في غلام له يلقب بالسيف:
ستذرف أجفاني عليك دموعها ... ولا غرو أن تبكي على السيف أجفان
بكتك عيون الشهب إذ كنت بدرها ... وغالك من قبل التتمة نقصان
وشقت يمين الصبح فيك عن الدجا ... قميصا فأضحى وهو للحزن عريان
وقال الزمخشري يرثي شيخه:
وقائلةٍ: ما هذه الدرر التي ... تناثر من عينيك سمطين سمطين؟
فقلت: هو الدر الذي قد حشا به ... أبو مضر أذني تساقط من عيني
وقول أبن الحداد:
شقيقك غيب في لحده ... وتشرق يا بدر من بعده!
فهلا خسفت فكان الخسوف ... حداداً لبست على فقده؟
وقول أبن المعتز:
لم تمت أنت إنّما مات من لم ... يبق للمجد والسماحة ذكرا
لست مستسقيا لقبرك غيثا ... كيف يسقى وقد تضمن بحرا؟
وقول العطوي في رجل كان يعول أناسا كثيرين فمات:
وليس صرير النعش ما تسمونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصف
وليس فتيت المسك ما تجدونه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف
стр. 365
وقال أبن عبدون الوراق:
قبرٌ بسوسة قد قبرت به الفتى ... أدرجت قلبي في مدارج لحده
أسكنته سكنى ورحت كأنني ... في الأرض لا بشراً أرى من بعده
صمت عليَّ مسامعي في وجهه ... ز صعقت من صعق الصراخ ورعده
وجهدت أن أبكي فلم أجد البكا ... فسكت سكتة صارمٍ في غمده
هبني بكيت له وما يجدي البكا؟ ... ماءٌ بخدي والتراب بخده!
وهذا الباب كثير لا يأتي عليه الحصر.
ومن أشهر المراثي وأحسنها مرثية أبي الحسن الأنباري في أبي بقية حين قتله عضد الدولة وصلبه وأولها:
علوٌّفي الحياة وفي الممات: ... لحقٌ أنت إحدى المعجزاتِ!
وهي مشهورة معروفة. ولمّا اشتهرت ووصلت إلى عضد الدولة وأنشدت بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوب! وقال أبن نباتة في النسيب:
يا رب خالٍ على خدِّ الحبيب له ... في العاشقين كما شاء الهوى عبثُ
أورثته حبة القلب القتيل به ... وكان عندي أنَّ الخال لا يرثُ!
وفي الخال قول الحاجري:
عجبت لخالٍ يعبد النار دائماً ... بخدك لم يحق بها وهو كافرُ
وأعجب من ذا الله تعالى طرفك منذرٌ ... يصدق في آياته وهو ساحرُ
وما أخضر ذاك الخد نبتاً وإنما ... لكثرة ما شقت عليه المرائرُ
ومذ أخبروني أنَّ قدك بانةٌ ... تيقنت أنَّ القلب مني طائرُ
وفي القد قول الآخر::
بروحي معشوق الجمال فما له ... شبيه ولا في حبه لي لائمُ
تثنى فمات الغصن من حسد من حسدٍ له ... ألم تره ناحت عليه الحمائمُ؟
وقول الآخر:
стр. 366
قلت للأهيف الذي فضح الغصن ... كلام الوشاة ما ينبغي لك
قال: قول الوشاة عندي ريحٌ ... قلت: أخشى على غصن أن يستميلك
ويشبه هذا ما حكي أنَّ رجلا دخل دارا ينظرها ليشتريها فسمع في بعض خشبها صوتا فقال: ما هذا؟ فقال صاحب الدار: أعزك الله! هذا السقف يسبح لله . فقال: أخشى أن يلحقه الخشوع فيسجد.
وقال لبن خفاجة:
وعشيِّ أنسٍ أضجعتني نشوةٌ ... فيه تمهد مضجعي وتدمثُ
خلعت عليَّ بها الأراكة ظلها ... والغصن يصغي والحمام يحدثُ
والشمس تجنح للغروب مريضةً ... والرعد يرقي والغمامة تنفثُ
ومما يستلذ في هذا المعنى قول الآخر:
عرج بمنعرج الكثيب الأعفر ... بين الفرات وبين شط الكوثرِ
ولتغتبقها قهوةٌ ذهبيةٌ ... من راحتي أحوى المدامع أحوارِ
وعشية كم كنت أرقب وقتها ... سمحت بها الأيام بعد يعذرِ
نلنا بها آمالنا في روضةٍ ... تهدي لناشقها نسيم العنبرِ
والورق يشدو والأراكة تنثني ... والشمس ترفل في قميصٍ أصفرِ
والروض بين مفضض ومذهبٍ ... والزهور بين مدرهم ومدنرِ
والنهر مصقول الأبطاح والربا ... والشط بين مزعفرٍ ومعصفرِ
وكأنه وكأن خضرة شطه ... سيف يسل على بساط أخضرِ
وكأنما ذاك الحباب فرنده ... مهما طفا في صفحة كالجوهرِ
وكأنه وجهاته محفوفةٌ ... بالورد والريحان خد معذرِ
نهرٌ اصفر وجه الشمس عند غروبها ... إلاّ لفرقة حسن هذا المنظرِ
وقول مالك بن المرحل:
стр. 367
وعشيةٍ سبق الصباح عشاءها ... قصراً فما أمست حتى أسفرا
مسكينةٍ لبست خلى ذهبيةً ... وجلا تبسمها نقاباً أحمرا
وكأن شهب الجم بعض حليها ... عثرت به من سعةٍ فتكسرا
وقال أبو النصر عبد الجبار:
عليك بأغباب الوصال فضده ... يعيد حبال الوصل منك رثاثا
فلو كلف الإنسان رؤية وجهه ... لطلقه بعد الثلاث ثلاثا
ومثله قول الآخر:
عليك بإغباب الزيارة إنها ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا
وسيأتي هذا المعنى إن شاء الله تعالى وقال الحموي:
أنَّ قوماً يلحون في حب سعدى ... لا يكادون يفقهون حديثا
سمعوا وصفها ولاموا عليها ... أخذوا طيباً وأعطوا خبيثا
وهذا من الاقتباس وهو أن يؤتى في الكلام المنثور أو المنظوم بلفظ يشبه لفظ القرآن أو الحديث غير منوي به إنّه قرآن أو حديث. ولا بد من هذا القيد الآخر: ولذلك ساغ سوق اللفظ مع تغيير فيه أو في معناه ولا يلزم فيه كفر تبديل القرآن ولا خلاف نقل الحديث بالمعنى. ولنذكر طرفا من ذلك هاهنا: فمن الاقتباس من القرآن في النثر قول الحريري: فلم يكن إلاّ كلمح البصر أو هو أقرب حتى أنشد فأغرب. وهو في الشعر أكثر. ثم إنّه قد يكون اللفظ المقتبس بيتا كاملا كقول أبي محمد بن السيد البطليوسي في بعض مواضعه:
خففوا ثقل الخطايا ... أفلح القوم المخففون!
كيف تعطون من الباقي ... وبالفاني تضنون؟
لن ينالوا البر حتى ... تنفقوا مما تحبون!
وقول أبن العفيف:
يا عاشقين حاذروا ... مبتسما من ثغره!
стр. 368
فطرفه الساحر قد ... شككتم في أمره
يريد أن يخرجكم ... من أرضكم بسحره
وقد يكون شطر البيت كقول أبي فراس:
قد كان بدر السماء حسناً ... والناس في حبه سواءُ
لا تعجبوا! ربما قديرٌ ... يزيد في الخلق ما يشاءُ
وقول محيي الدين البغدادي:
إن لا مني من رلا رآه فقد ... جار على الغائب في الحكمِ
وإن لحاني من رآه فقد ... أضله الله على علمِ
وقول أبن الدماميني وقد رأى جرة خمر كسرت فساحت الخمر على الأرض:
كسروا الجرة عمداً ... ملؤوا الأرض شرابا
قلت والإسلام ديني: ... ليتني كنت ترابا!
وقلت أنا في نحو هذا أخذا منه:
عثرت هيفاء تحكي ... بدر تمٍّ حين غابا
قبَّلَ التراب لماها ... ونضا عنها النقابا
وجنى ورداً ونداً ... وارتوى منها رضابا
قلت لمّا عانقته: ليتني كنت ترابا!
وقد يكون أقل من الشطر الثاني كقول أبن النبيه:
قل لراسي الجفون إنَّ لجفني ... في بحار الدموع سبحا طويلا
وهي قصيدة على هذا النمط، أخذ قوافيها من سورة المزمل.
ولابن سهل الإسرائيلي قصيدة أخرى مثلها، اخذ قوافيها من سورة مريم، وكلتاهما مشورة. ومن ذلك قول بعضهم:
إذا رمت عنها سلوة قال شافع ... من الحب: ميعاد السلو المقابر
سيبقى لها في مضمر القلب والحشى ... سرائر ود يوم تبلى السرائر
وقولنا:
في ظيبة هيفاء من أجفانها ... سحر الجفون البابلي تواتراً
стр. 369
فإذا انتضت من جفنها غضبين من ... جفنين قلنا: ساحران تظاهراً
وفي التورية في الجفنين. وهذا الاقتباس هنا مما اختلف فيه الأصل والفرع معنى من جهة الحقيقة والمجاز. ومثله قول أبن الرومي يخاطب رجلا مدحه ولم يثبه:
لئن أخطأت في مدحك ... ما أخطأت في منعي:
لقد أنزلت حاجتي ... بوادٍ غير ذي زرعٍ
فأنه جعل مجازا عن الرجل الذي لا خير فيه وهو في الآية حقيقة.
ومن الاقتباس في الحديث قول بعضهم:
قال لي إنَّ رقيبي ... سيئ الخلق فداره
قلت: دعني وجهك ... الجنة حفت بالمكاره
أخذ من الحديث: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات. وقول بعضهم في غلام اسمه بدر فيه تورية:
يا بدر أهلك جاروا ... وعلموك التجري
وقبحوا لك وصلي ... وحسنوا لك هجري
فليفعلوا ما أرادوا ... فإنهم أهل بدر!
اخذ من الحديث: لعل الله أطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم! وقول بعضهم:
ومهفهفٍ يزري على القمر ... وجناته روض في الزهر
خالسته نوار وجنته ... وأخذ منها على حذر
فأخافني قوم فقلت لهم: ... لا قطع في ثمر ولا كثر
فقوله: لا قطعتم في ثمر ولا كثر هو لفظ حديث. والكثر جمار النخل. وقد زاد بعضهم الاقتباس من الفقه، وزاد أخرون الاقتباس من سائر العلوم. فمن الاقتباس من علم الفقه قول أبي تمام:
إنَّ حراما قبول مدحتنا ... وترك ما نرتجي من الصفد
مثل الدنانير بالدراهم في ... الصرف حرام إلاّ يدا بيدِ
стр. 370
شرطت عليهم عند تسليم مهجتي ... وعند انعقاد البيع قربا يواصل
فلما أردت الأخذ بالشرط عرضوا ... وقالوا يصح البيع والشرط باطل
وقول مالك بن المرحل موريا:
مذهبي تقبيل خد مذهبٍ ... صاحبي ماذا ترى في مذهبي؟
لا تخالف مالكا في رأيه ... فيه يأخذ أهل المغرب!
وقول أبن العفيف:
قضاة الحسن ما صنعي بطرف ... تمنى مثله الرشا الربيب؟
رمى فأصاب قلبي باجتهادٍ ... صدقتم: كل مجتهد مصيب!
وقول أبي عبد الله الشران، وقد كان عند أبن جماعة إعذار، فدعا البلد، ولم يدع الشران فكتب إليه الشران:
ماذا أعد المجد من أعذاره ... في ترك دعوتنا إلى إعذاره؟
إنَّ كان رسم دون محضرنا اكتفى ... لا بد إنَّ يبقى على إعذاره
ومن الاقتباس من علم قول أبي بكر بن حجة الحموي:
أيا عرب الوادي المنيع حجابه ... وأعني به قلبي الذي به خيموا
رفعتم قبابا نصب عيني نحوها ... تجر ذيول النوق والقلب يجزم
منعتم تحيات السلام لموتنا ... غراما وقد متنا فصلوا وسلموا!
وقول البوصيري:
خفضت كل مقام بالإضافة إذ ... نوديت بالرفع مثل المفرد العلم
وقول بهاء الدين زهير:
يقولون لي أنت الذي طار ذكره ... فمن صادر يثنى عليك ووارد
هبوني كما قد تزعمون أنا الذي ... فأين صلاتي منكم وعوائدي؟
ومرض شرف الدين بن عنين، فكتب إلى الملك المعظم بن المكل العادل:
انظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلاف
أنا كالذي يحتاج ما يحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي
فلما بلغه البيتان، نهض إلى زيارته واستصحب ألف دينار. فلما دخل عليه وعاينه قال له: أنت كالذي هو موصول، يحتاج إلى صلة وعائد، فهذه الصلة وأنا العائد.
стр. 371
وقول السليماني:
وإني الذي أقصيته وهجرته ... فهل صلة أو عائد منك للذي؟
وقولنا من أبيات:
فلم يكن عن ذلك فعلي معربا ... تغنيت بالماضي من الحال والأمر
وفولنا من أخرى:
قصر الهناء أسى لغير ضرورةٍ ... لولا نواكم، والهوى ممدود
ومن أظرف ما وقع في ذلك قول أبن جابر يخاطب معزولا عن ولاية:
فلا تغضبن إذا ما صرفت ... فلا عدل فيك ولا معرفه!
ومن الاقتباس من علم الحديث قول أبن جابر:
نقل المسواك فيما قد روى ... أنَّ ذاك الريق مسك وعسل
قلت: عن من؟ قال: عن مبسمها ... قلت: هذا خبر صح وجل
مذ تبدى جوهر الثغر لنا ... صح في حسن لدينا ما نقل
وقولنا في هذا المعنى:
نقل النسيم عن الأرائك محدثا ... عن ثغر سلمى الأشنب الواضح
وحديثه المروي أنَّ رضابه ... عسل ومسك شوبا بالراح
يفتر العقدين من برد صفا ... ولآلئٍ منضودة وأقاح
صدقا أحاديث الصحيحين اعتلت ... عن ريبة تغزى لها من لاح
ومن الاقتباس من علم أصول الفقه قول أبن جابر:
جئتها طالبا لسالف وعد ... فأجابت: لقد جهلت الطريقه
إنّما موعدي مجاز فقلت: الأصل ... في سائر الكلام الحقيقه
وقوله أيضاً:
لا تعجبوا من عموم الحب في الرشإٍ ... كل الجمال له في الناس مخصوص
بدر ولكن إلى الغزلان منتسب ... قد نص ذلك جيد منه منصوص!
وقول آخر:
стр. 372
كيف لي بالسلو عنها وقلبي ... قد هوى حمله بمهوى الخرص؟
ما تعصيت ظاهر الصبر إلاّ ... ردني جيدها بأوضح نص
وقول أبي بكر بن حجة، رحمه الله تعالى، وهو في الفنين معاً.
بوادي حماة الشام أيمن الشط ... وحقك تطوى شقة الهم بالبسط
بلاد إذا ما ذقت كوثر مائها ... أهيم كأني قد ثملت بإسفنط
فمن يجتهد في أنَّ بالأرض بقعة ... تماثلها قل: أنت مجتهد مخطي
وصوب حديثي مائها وهوائها ... فإن أحاديث الصحيحين ما تخطي
ومن الاقتباس من علم الكلام قول أبن جابر:
عرض الحب دون جوهر ذاك ... الثغر من أكبر المحال بجود:
أجمع الناظرون في ذاك أنَّ لا ... عرض دون جوهر في الوجود
وقولنا من أبيات:
فالجسم بالٍ ذو وبالٍ بعدكم ... أبدا به عرض الشحوب جديد
وفي هذا البيت الجناس بين بالٍ وبالٍ، والاقتباس في الجسم والعرض، ومراعاة النظير بذلك الاعتبار، والطباق بين البلى والجدة.
ومن الاقتباس من علم المنطق قول أبن جابر:
مقدمات الرقيب كيف غدت ... عند لقاء الحبيب متصله
تمنعا الجمع والخلو معا ... وإنّما ذاك حكم منفصله
وقول أبن الخطيب:
حتى إذا فرض الجلاد جداله ... ورأيت ريح النصر ذات هبوب
قدمت سالبة العدو وبعدها ... أخرى بعز النصر ذات وجوب
وإذا توسط حد سيفك عندها ... جزئي قياسك فزت بالمطلوب
وقول الآخر:
يا دمع أجفاني أطرد يا حر ... أضلاعي أتقد يا قرح اكبادي أنتك
стр. 373
ويقل إتلاف النفوس تلفها ... لفوات حظ منك لم يستدرك
أملي يشك وعفوكم متواطئ ... فأصار من متواطئ لمشكك
مالي سواك لمن أمد يد الرجا ... متمسكا يا ملجأ المتمسك!
ومن الاقتباس من علم العروض قول الآخر:
له جيش نصر قد نضى السعد دونه ... صوارم روع لا تلقيها القوانس
إذا ما قوافي الخيل فيه تداركت ... فأبشر بنصر بحره متكاوس!
وقولنا من قصيدة:
سلام طويل الحب فيكم مديده ... فليس بذي نهك وليس بذي شطر
وقولنا أيضاً في التغزل:
يا شادنا يصيد أساد غيل ... بقوس صدغين وسهم كحيل
بم استبحت دمي الحرم في ... قتلي وحرمت وصالي الحليل؟
وقطع سببي من ودا ... دك وذا لا يرضينه الخليل
وفي الخليل التورية وفي الأبيات أنواع أخرى من البديع ظاهرة.
ومن الاقتباس من علم الهيئة قول الغزالي:
يا حسن ليلتنا التي قد زارنا ... فيها فأنجز ما مضى من وعده!
قومت شمس جماله فوجدتها ... في عقرب الصدغ الذي في خده
وقوله أيضاً:
حلت عقارب صدغه من خده ... قمرا يجل به عن التشبيه
ولقد عهدناه يحل ببرجها ... ومن العجائب كيف حلت فيه!
ومن الاقتباس من علم الهندسة قول أبن جابر:
محيط بشكل الملاحة حسنه ... كأن به أقليدسا يتحدث
فعارضه خط استواءٍ وخاله ... به نقطة والشكل شكل مثلث
ومن الاقتباس من علم الخط قول أبن جابر أيضاً:
стр. 374
فوق خديه للعذار طريق ... قد بدا تحته بياض وحمره
قيل ماذا؟ فقلت: أشكال حسنٍ ... تقتضني أنَّ أبيع قلبي بنظره
واعلم أنَّ معظم ما نشدنا، لك إنَّ تجعله من باب الإيهام تورية أو توجهها لا من باب الاقتباس والخطب سهل.
ومما جمع ثلاثة فنون مما مر قول بعضهم:
دارست قلبي الصبر أعتده ... عن عاصم لي منك أو نافع
فلم يكن يرفع ما حل بي ... ورب فعل ليس بالرافع
ضل بي المذهب يا مالكي ... فهل لذلك الوجه من شافع؟
ومثل هذا قول الآخر:
من شافع لي عند مالك مهجتي؟ ... مالي سوى حبي وليس بنافعي
فمن المحقق أن مذهب مالكٍ ... لا تستقيم لديه حجه شافعي
وهذا الباب أكثر من أن يأتي عليه الحصر.
وقال أبن العربي، وقد وقف عليه مليح وهو في مجلس فهز ومحا بيده، ارتجالا:
يهز علي الرمح ظبي مهفهف ... لعوب بألباب البرية عابث
فلو كان رمحا واحدا لا تقينه ... ولكنه رمح وثان وثالث!
وهذا غاية في القوة العارضة أنسجاما وحسن سبك وصحة معنى، الارتجال وصعوبة القافية. وقد وقع إشكال لجماعة من الأدباء في الشعر وما أريد فيه، وذلك من حيث لم يعتد استعمال الرمح في العيون؛ وإلاّ فهو بين واضح.
وقلت أنا:
لا يلهينك من فتى سرباله ... وبهاء منظره ورونق نفثه
أو تقتحمه من رثاثة زيه ... فتجول في إطرائه أو مغثه
حتى تبين قدره عن فره ... ولجينه عن بحثه
وتميز عن طول الزمان هشيمه ... من غضه وسمينه من غثه
ونفاذه غرض النوائب إنَّ دجت ... من طيشه ووفاء من ملثه
ومقام ما أستودعه من كامن ... الأسرار في كتمانه أو نثه
стр. 375
وترى إذا ما شمت بارق وعده ... أن قد مطرت بوبله أو دثه
وترى جلية قوله إما روى ... نبا لدى تهذيبه أو مقثه
وترى بمرجاس البصيرة غوره ... في وده للأصدقاء ودعثه
فهناك إن احمدته فلتصفه ... ودا وإلاّ فلتحد عن وعثه
فلرب ذي ورم يروق رواؤه ... حسنا وسوف تمجه في دأثه
ولرب مرعى مونق في دمنة ... وإذا شممت صددت عنه لخبثه
ولرب حسي ترتوي من عذبه ... عفوا وتكدي أو تشوب بنبثه
ومهند ذكر حسام باتر ... خلق الجفير من الحوادث رثه
أزرت به مرآته وإذا انتضي ... أرضاك مشهده ومرأى جثه
هذا وإنَّ المرء ليس بحاصد ... أبدا سوى ما قد أتى من حرثه
ولسوف يجني كل ما هو غارس ... في دهره من كرمه أو رمثه
ويرى مغبة سعيه مذخورة ... لمآبه من رمثه أو عيثه
النفث: المراد به الكلام. والإطراء: المبالغ في المدح والمغث ضده واللجين مصغرا: الفضة واللجين مثل أمير زبد أفواه الإبل وما سقط من الورق عند الخبط. وأطلق اللجين واللجين على محمود الأخلاق ومذمومها كما يقولون: إنَّ فلان لا يفرق بين لجين الكلام ولجينه أي بين جيده ورديئه؟ والنفاذ والطيش أصلها في السهام وذكرهما مع ذكر الغرض في النوائب استعارة وفي الغرض مع ذلك توجيه. والملث: الوعد بلا نية الوفاء. والدث: المطر الضعيف. والمرجاس: حجر يرمى في البئر ليعلم به عمقها وفيه أقوال أخرى. واحمدت الرجل: وجدته محمودا وكذا اذممته: فإنَ قلته بلا همزة كان بمعنى الثناء والمناسب هنا الأول. والدأث بفتح الدال المهملة وسكون الهمزة: الأكل والحسي: بئر غير غارقة بمستنقع فيها الماء وينبع منها واكدى الحافر: بلغ كديه في حفره. والرمث بكسر الراء: شجرة معروفة من أشجار البادية وليس لها من الثمرة ما للكرم وهو ضجر العنب فكني بالكرم والرمث عن السعي الذي يجدى نفعا والذي لا نفع فيه كغارس
стр. 376
الرمث المذكور. والمث بفتح الراء: الأصلاح وضده العيث وهو الإفساد.
وقول الآخر:
ليل البراغيث داء لا دواء له ... لا بارك الله في ليل البراغيث
كأنهن بجسمي إذ علقن به ... أيدي الشهود على مال المواريث
وقال أبن شرف في معناه:
لك منزل كملت ستارته ... للهو لكن تحت ذاك حديث
غنى الذباب وظل يزهو حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث
ومثله قول الآخر:
ليل البراغيث والبعوض ... ليل طويل بلا غموض
فذاك ينزو بغير رقص ... وذا يغني بلا عروض
وقول أعرابي بات بمصر فآذاه البرغوث:
تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بأرض الغضا ليلي علي يطول
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وليس لبرغوث علي سبيل
وقول الكناني ملغزا فيه:
ومعشر يستحل الناس قتلهم ... كما استحلوا دم الحجاج في الحرم
إذا سفكت دما منهم فما سفكت ... يداي من دمه المسفوك غير دمي
وقول أبن سكرة في مليح يعرف بابن برغوث:
بليت ولا أقول بمن لأني ... متى ما قلت من هو يعشقوه
حبيبي قد نفى عني رقادي ... فإنَ غمضت أيقضني أبوه
وقال البستي:
لا در در نوازل الأحداث ... نقلت احبتنا إلى الأجداث
فغدت مآنسنا وهن مقابر ... وغدت مدائحنا وهن مراث
وفي هذا القدر من الباب كفاية. والله يقول الحق وهذا يهدي السبيل.
стр. 377
باب الجيم
أجبن من صافر .
الجبن: الخور وهيبة الأقدام على الأمور. يقال: جبن بالضم يجبن جبنا بالضم وبضمتين وجبانة بالفتح فهو جبان بوزن سحاب وجبان كشداد وجبين كأمير والجمع جبناء. وهي جبان وجبانة وجبين. والصافر: المصوت يقال: صفر يصفر صفيرا إذا صوت فهو صافر وصفار. قال:
خلا لكِ الجو فبيضي واصفري
ويقال الصافر للخشاش والبغاث من الطير وهو ما يصيد منها. واختلف في المراد من الصافر في هذا المثل فقيل أريد كل صافر من الطير ولا يكون الصفير إلاّ في ضعافها وجشاشها ويوصف بالجبن لكثرة ما يتقي من جوارح الجو ومصايد الأرض. وقيل الصافر طائر بعينه إذ أمسى تعلق بالشجرة برجليه ونكس رأسه خوفا من أن ينام فيؤخذ فيبيت منكوسا ولا يزال يصيح حتى يصبح. وقيل: الصافر هنا بمعنى المصفور به وهو الذي ينذر بالصفير فيفزع ويهرب كما قالوا: ما بالدار صافر أي مصفور به قال الشاعر:
خلت الديار فما بها ... ممن عهدت بهن صافر
وعليه يكون فاعلا بمعنى مفعول كما في دافق أي مدفوق وراحلة أي مرحولة وذلك في المثال المذكور. والبيت محتمل غير متعين. وقيل: الصافر هو الذي يصفر للمرأة بالريبة وهو موصف بالجبن ساعتئذ لوجله وحذره أن يطلع عليه. قال الكميت:
стр. 378
أرجو لكم أن تكونوا في مودتكم ... كلبا كورهاء تقلى كل صفار
لمّا أجابت صفيرا كان آتيها ... من قابس شيط الوجعاء بالنار
وهذه المرأة التي ذكرها الكميت وضرب بها المثل امرأة من العرب كان من حديثها إنَّ رجلا كان يعتادها فكان يأتيها وهي جالسة مع زوجها وبنيها فيصفر لها فإذا سمعت صفيره أخرجت إليه عجيزتها من وراء البيت وهي تحدث ولدها فيقضي منها وطره ويرجع. ثم إنَّ بعض بنيها فطن للأمر فلما جاء صاحبها وصفر بها فأخرجت عجيزتها على العادة فأخذ مسمارا محمى كان معه فكوى به صدغها حتى أحست بالموت وتجلدت. فلما جاء الخدن بعد ذلك وصفر بها قالت: لقد قلينا صفيركم فضرب بها الكميت المثل.
أجبن من الكروان .
الجبن تقدم. والكروان بفتحتين طائر يشبه البط لا ينام الليل. وقيل هو الحجل. وانشد الجوهري:
يا كروان صك فاكبأنا ... فشن بالسلح فلما شنا
بل الذنابي عبسا مبنا
ويقال: أراد به الحبارى يصكه النازي فيتقيه بسلحه ويقال هو الكركي. ويقال للأنثى كروانة. ويقال للذكر الكرا ومنه المثل الآتي: أطرق كرا. وثقال إنّه سمي بالكرا وبالنعاس ضد ما كان عليه لمّا مر من إنّه لا ينام وهو أيضاً موصف بالجبن الكثير والفزع من سباع الطير كما قال الشاعر في خالد بن صوفان:
ترى خطباء الناس يوم ارتجاله ... كأنهم الكروان عاين اجدلا
والكروان بالكسر فالسكون جمع الكروان السابق. وقال الآخر:
أمير أبو موسى ترى الناس حوله ... كأنهم الكروان ابصرن بازيا
وسيأتي الكلام عن قولهم: أطرق كرا إن شاء الله تعالى.
أجبن من المنزوف ضرطا .
الجبن مر والنزف: النزح. يقال نزفت ماء العين انزفه أي نزحته
стр. 379
كله ونزفت البئر فهي منزوفة. ويقال: نزفة عبرة الرجل بكسر الزاي إذا فنيت وانزفها الشوق. ويقال: نزف فلان دمه بالبناء للمجهول إذا سال عليه سيلانا مفرطا ونزف الدم فهو منزوف فيها. والضرط بالفتح والضراط بالضم صوت الريح. يقال: ضرط بالكسر ضراطا وضرطا فهو ضراط كشداد وضروط كصبور وضروط كسنور. واختلف في المنزوف ضرطا فقيل إنَّ نسوة كن لم يكن لهن أزواج فزوج إحداهن رجلا فكان ينام الصبحة فإذا آتيته بالصبوح ونبهنه قال: لو نبهتني لعادية أي الخيل فلما اكثر من ذلك قلن بينهن: إنَّ صاحبنا لشجاع فتعالين فآتينه بالصبوح على العادة فقال: لو لعادية نبهتنني كما كان يقول. فقلن له: هذا نواصي الخيل فجعل يقول: الخيل الخيل ويضرط حتى مات. وقيل إنَّ المنزوف ضرطا دابة بالبادية إذا صيح عليها وقع عليها الضراط فلا تزال تضرط حتى تموت. وقيل إنّه رجل خرج مع رفيق له. فبينما هما في فلاة إذ لاحت لهما شجرة فقال: أرى قوما رصدونا. فقال رفيقه: إنّما هي عشرة أي شجرة والعشر بضم العين وفتح الشين شجر يحشى في المخاد وهو أجود ما يقتدح به. فظنه يقول عشرة بالفتح. فجعل يقول: وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات.
أجبن من النعامة .
الجبن مر والنعامة: واحدة النعام وهو معروف اسم جنس مثل حمام وحمامة وجراد وجرادة والذكر منه يقال له ظليم. والنعام يوصف بالجبن كثيرا. ويقال إنَّ النعامة إذا خافت من موضع لا ترجع إليه أبداً. وقال الشاعر في الحجاج:
أسد علي وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى؟ ... بل كان قلبك في جناحي طائر
وللشعر قصة تذكر بعد إن شاء الله تعالى.
стр. 380
الجحش لمّا بذك الأعيار !
الجحش ولد الحمار اهليا كان أو وحشيا والأنثى جحشة والجمع جحاش. قال زهير يصف حمار وحش:
وقد خرم الطراد عنه جحاشه ... فلم يبق إلاّ نفسه وحلاله
والبذ بالذال المعجمة الغلبة. يقال بذك هذا الأمر أي غلبك. قال علقمة يصف بقرة وحشية:
تعفق بالأرطى لها وأرادها ... رجال فبذت نبلهم وكليب
والأعيار جمع عير بفتح العين وهو الحمار أهليا كان أو وحشيا. قال امرؤ القيس في الوحشي:
كأني وردفي والقراب ونمرقي ... على ظهر عير وادر الخبرات
وقال الآخر في الأهلي:
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلاّ الأذلان عير الحي والوتد
ويجمع أيضاً على معيورات.
ومعنى المثل إنّه إذا غلبتك الاعيار ولم تدركها فعليك بالجحاش. وذلك إنَّ الصائد إذا أثار طريدة من الوحش فإنَ الكبار القوية منها تسبق وتتأخر الصغار. فإذا اعجزته الكبار السوابق فمن حقه إنَّ يظفر بالصغار ولا يفرط فيها. فيضرب في الرجل يطلب الأمر العظيم الخطير فيفوته فيقال له: اطلب ما دون ذلك أمالا وترجع خائب كما قيل:
إذا حاجة ولتك لا تستطيعها ... فخذ طرفا من غيرها حين تسبق
ولفظ الجحش في المثل يكون منصوبا على الأغراء أي: عليك بالجحش ويجوز أن يرفع على الابتداء أو الخبر أي: الجحش حسبك أو حسبك الجحش.
جدك كدك .
الجد بالفتح: الرزق والحظ. ورجل مجدود: ذو حظ. والكد بالفتح: الشدة والإلحاح. ومعنى المثل انك إنّما تعيش وتنال بمالك من الحظوة والبخت لا بتعبك وكدك فإنَ الكد لا ينفع مع الحرمان كما قيل:
стр. 381
عش بجد ولا يضرنك نوك ... إنّما عيش من ترى بالجدود
وكما قلت أنا:
كم لبيب ذي نجدة مالت هزلا ... وغبي تحتفه ألف هان
وتقدم في هذا المعنى مستوفى وسيأتي أيضاً.
قيل: وأول من قال في هذا المثل حاتم بن عميرة الهمداني. وكان بعث ابنيه: الحسل وعاجية في تجارة لوجهتين مختلفتين. فذهب الحسل حتى لقيه قوم من بني أسد فأسروه واخذوا ماله. وسار أخوه أياما حتى وقع على مال الحسل فاتبعه حتى بلغ نجران فنادى في قومه همدان فأخذه من أيدي سالبيه قبل إنَّ يبلغ إلى موضع متجره. وكانت الإبل موسومة بسمة ابيهما وعرفوا إنَّ ما كان من المتاع له فأخذه ورجع إلى أهله. وقال في ذلك:
كفاني الله بعد السير إني ... رأيت الخير في السفر القريب
وهذا القرب نلنا خيرا ... ولم نلق الخسارة في الدؤوب
فلما رجع تباشر به أهله وانتظروا الحسل. فلما ابطأ عنهم بعث أبوه أخا له يقال له شاكر في طلبه والبحث عنه. فلما دنا شاكر من الأرض التي فيها الحسل وكان الحسل علئفا يجزر الطير فقال الحسل:
تبشرني بالنجاة القطاة ... وقول الغراب لها شاهد
تقول: أل قد دنا نارح ... فداء له الطارف التالد
أخا لم تكن أمنا أمه ... ولكن أبونا أب واحد
تداركني زلفة حاتم ... فنعم المرب الوالد
تداركني بك يا شاكر ... ومن بك الملك الماجد
فسأل عنه شاكر حتى عرف مكانه فاشتراه منهم بأربعين بازلا. فلما رجع به واخبر بما لقي من بلاء قال أبوه: اسع بجدك لا بكدك وهذا المثل قولهم: عارك بجد أودع وسيأتي:
جدع مازن انفه بكفه .
يأتي هذا في الكاف وهو هناك البق.
стр. 382
أجرأ من خاصي خصاف .
الجراة على وزن الجرعة الشجاعة والأقدام. تقول: جرؤ بالضم، جرأة وجراءة، فهو جريء. وجرأته على الأمر تجرئة، فأتجر عليه. وتقول: خصيت الفحل أخصيه خصاء، وبالكسر والمد إذا سللت خصييه، فهو خصي. وخصاف على وزن كتاب أو وزن قطام: اسم فرس كان لحمل بن بدر بن عوف بن بكر بن وائل، طلبه منه المنذر بن امرئ القيس ليستحلفه، فخصاه بين يديه لجرأته ومنعه منه، فسمي خاصي خصاف وقيل من خاصي خصافٍ.
أجرأ من خاصي الأسد .
الأسد معروف. وخاصي الأسد تزعم العرب إنّه رجل مر به الاسد، فوجده يحرث بثورين بادنين، فقال له: يا حراث ما اسمن ثوريك! فبم أسمنتهما وما أطعمتهما؟ فقال له الحارث: إني خصيتهما فسمنا لأجل ذلك. فقال الأسد: فهل لك إنَّ تخصيني عسى إنَّ اسمن سمنهما؟ فقال له: نعم! وأمكنه الأسد من نفسه، فخصاه الحراث وزعموا إنّه مر عنه الأسد ودمه يسيل، حتى رقى ربوة فأقعى فيها حزينا ينظر إلى الحراث. فبينما هو كذلك إذا بثعلب مر به، قال له: مالي أراك حزينا يا أبا الحارث؟ فذكر له ما فعل به الحراث، وما دهمه من المثل الخصاء. فقال له الثعلب: هل لك في أنَّ آتي الحراث واستدبره، عسى أن تمكنني منه فرصة فأثئر لك؟ قال: نعم! فداك أبي وأمي. فمضى الثعلب وجعل يراوغ الحراث ويطيف به. فتناول الحراث حجرا وقذفه به فدق فخذه. فأتى الأسد وهو على ثلاث قوائم، فأقعى معه على الرابية يشكوان بثهما وما دهيا به من ذلك الحراث حتى مرت بهما نغرة فقالت لهما: ما لكما على هذه الحال؟ فأخبراها خبرهما، فقال لهما: أنا أتيه، فأستدبره حتى أدخل في أنفه. فجاءت إليه، وتغافل الحراث عنها حتى دنت منه قبص عليها واخذ عودا فدسه في آستها وأرسلها، فجاءت إلى الأسد والثعلب وهي شر من حالهما، قد سد العود دبرها
стр. 383
ومنعها وأثقلها عن الطيران، فبينما الثلاثة جلوس على الربوة يتشاكون، جاءت امرأة الحراث بغذائه. فتقدم إليها، ورفع رجليها، وجعل يطؤها، وهي بمرأى من تلك الحيوانات. فقال الأسد: ما ترون هذا المشؤوم يفعل بهذه المرأة المسكينة، والله إني لأظنه يخصيها. فقال الثعلب: ما أظنه إلا يكسر فخذها، فقالت لا والله! بل يدخل في آستها عودا. فكانت النغرة أقربهن إلى الصدق ظنا. وقيل إنَّ خاصي الأسد هو الإصبع التي يفرس بها من براثينه. حكاه البكري عن القاسم بن ثابت، والله اعلم.
أجرأ من فارس خصاف .
خصاف، بفتح الخاء على مثال قطام، وهي كانت لملك بن عمرو الغساني. وخصاف بوزن كتاب: حصان كان لشهير بن ربيعة الباهلي
جرب ثم باعد أو قرب .
هذا مثل مصنوع فيما أظن، وهو ظاهر المعنى. ومثله قول الشاعر:
ابل الرجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسمن فعالهم وتفقد
فإذا ظفرت بذي اللبابة والعلى ... فبه اليدين قرير عين فاشدد
يجري بليق ويذم .
الجريان: العدو، وهو معروف؛ وبليق مصغر اسم فرس كان سباقا، وكان مع ذلك يذم، فيضرب به المثل في المحسن يذم.
جري المذكي حسرات عنه الحمر .
الجري تقدم؛ والمذكي من الخيل المسن. يقال: ذكى الفرس، تذكية بذال معجمة إذا أسن. والمذاكي من الخيل: التي أتى على قروحها سنة أو سنتان. والحمر جمع حمار. والمعنى أنَّ الحمار لا يستطيع أنَّ يسابق القارح من الخيل، بل
стр. 384
والبرذون، كما قال زهير يمدح هرم بن سنان:
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... مضارب حتى إذا ما ضربوا اعتنقا
فضل الجياد على الخيل البطاء فلا ... يعطي بذلك ممنوقا ولا نزقا
يضرب هذا المثل في الرجل البارع المبرز على غيره في الفضل.
جري المذكيات غلاب .
المثل من معنى ما قبله. والجري تقدم؛ وكذا المذكيات من الخيل. والغلاب: المغالبة، كأنها تغالب الجري. ويروى غلاء أي مغالاة في السير. والغلاء، بكسر الغين أيضاً، جمع غلوة، وقد روي المثل بذلك. والغلوة من كل غاية مقدار رمية السهم. وهذا المثل قاله قيس بن زهير، وذلك إنّه لمّا تراهن هو وحمل بن بدر على ما مر في هذه القصة، فأرسلا فرسيهما: فرس قيس وهو داحس، وفرس حمل وهو الغبراء، على ما في ذلك من الاضطراب، ظهرت الغبراء على داحس. فقال حمل بن بدر: سبقتك يا قيس! فقال قيس: رويدا! يعدوان الجدد، فأرسلها مثلا. فلما خرجا عن الجدد وصار في الوعث، برز على الغبراء. فقال قيس حينئذ: جري المذكيات غلاب أو غلاء كما مر فذهبت مثلا.
جروا له الخطير ما أنجز لكم !
الجر: السحب على الأرض مثلا. وجرت الفرس بمقوده، والجمل بزمامه، فانجر؛ والخطير، بالخاء المعجمة والطاء المهملة على مثال أمير زمام الناقة وجديلها. يسمى بذلك لأنّه يخطر أي يهتز عند مشيها. وبذلك يمس الرمح خطارا. والجديل ما كان من جلود، وقد يقال لغيره. والحبل إذا كان من خوص سمي شريطاٍ، وإذا كان من كتان سمي مرسا، كما قال امروء القيس:
كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل
وإذا كان من ليف فهو مسد. وهذا المثل يروى عن عمار بن ياسر، ﵁ إنّه قاله في عثمان، ﵁، حين أنكر عليه الناس ما أنكروا، أي أتبعوه ما كان فيه
стр. 385
موضع متبع.
اجر الأمور على إذلالها !
الأمور جمع أمر؛ والإذلال، بالذال المعجمة، جمع ذال بالكسر وذل الطريق: محجته. والمعنى: أجر الأمور على مجاريها ومسالكها. ويضرب في الأمر بحسن التدبير ويقال أيضاً: إنَّ أمور الله جارية إذلالها وعلى إذلالها، أي على مجاريها. ويقال: دعه على إذلاله أي حاله؛ وجاء على إذلاله، أي على وجهه.
؟ التجريد لغير نكاح مثله.
التجريد معروف. تقول: جردت زيدا من ثيابه، وتجرد هو من ثيابه؛ وكذا النكاح. ومثله: النقص والمثلة: النقص والعيب والشين. والمعنى أنَّ تجريد العورة لغير النكاح عيب. ويضرب في وضع الأشياء في غير موضعها. وذكروا أن المثل لرقاش بنت عمرو بن ثعلب بن وائل وكانت شريفة عاقلة. فتزوجها كعب بن مالك بن تيم الله، فقال لها: اخلعي درعك؟ فقالت: خلع الدرع بيد الزوجز فقال: اخلعي درعك لأنظر إليك؟! فقالت: يا أبن عم: إنَّ التجريد لغير نكاح مثلةٌ! فأرسلها مثلا. فطلقها مكانها، فحملت إلى أهلها، فمرت بذهل أبن شيبان بن ثعلبة، فسلم عليها وخطبها إلى نفسها، فقالت لخادمها: انظري أيبعثر أم يقعر إذا بال؟ فنظرت الأمة فقالت لمولاتها: يقعر. فتزوجته.
ويحكى أيضاً إنَّ عثمان بن عفان ﵁، لمّا تزوج نائلة بنت الفرافصة بن الاحوص الكلبية، وساقها إليه أخوها، فأدخلت عليه، وخلا بها وقال لها: تقومين إلي أم أقوم إليك؟ فقالت: ما قطعت إليك عرض السمواة وأنا احب إنَّ تقطع إلي عرض البساط. فقامت وجلست إليه، فقال لها: لا يسؤنك ما ترين من شيبي، فإن وراءه ما تحبين. قالت: إني لمن نسوة أحب رجالهن السيد الكهل. إلى أن قال لها: ضعي الخمار! فوضعته. فقال لها: اخلعي الدرع! فخلعته. فقال لها: اخلعي الإزار!
стр. 386
قالت: ذلك إليك! فلما دخل على عثمان، ﵁، يوم الدار، أكبت عليه وجعلت تنافحح بيدها حتى أصيبت بجراحات. فلما قتل ﵀، رثته فقالت:
إلاّ إنَّ خير الناس بعد ثلاثةٍ ... قتيل التحبي الذي جاء من مصر
ومالي لا تبكين وتبكي قرابتي ... وقد حجبت عنا فضول أبي عمر؟
ويروى هذا الشعر أيضاً للوليد بن عقبة، وللكميت. والتحبي هو كنانة أبن بشر قاتل عثمان، ﵁. وهو منسوب إلى تجيب، بضم التاء وفتحها، بطن من كندة. فلما انقضت عدتها خطبها معاوية، فقالت لنسائها: ما يعجب الرجال مني؟ قلن لها: ثناياك. فعمدت إلى فهرٍ فدقت به ثنيتها وبعثت بهما إلى معاوية، فكف. ولم تزل محداً بعد قتل عثمان حتى لحقت به.
أجرى من ذبابٍ .
الجريان مر، والذباب معروف، والواحدة ذبابة، وجمع القلة أذبةٌ. قال الشاعر: ضرابة بالمشفر الأذبة وجمع الكثرة ذبان، بالكسر كغربان قال امرؤ القيس:
عصافير وذبان ودودٌ ... وأجرا من مجلحة الذئاب
ولا يخفى ماله من الجريان وسرعة الدوران وخفة الطيران.
جزاه جزاء سنمار .
الجزاء: المكافأة. وثقول: جزيت فلانا، أجزيه؛ وجازيته مجازاة وسنمار بكسر السين المهملة والنون، وشد والميم بعدها ألف فراء: اسم رجل، وهو إسكاف كان النعمان الأكبر، لمّا أراد أن يبني الخورنق لسابور، ليكون ولده فيها معه، اتخذ هذا الإسكاف، فبناه له وأحسن رصفه، وأبدع وصفها، وأكملها في عشرين حولا. فلما أتم بنائها، وأعجب الناس بحسنها، قال الأسكاف: إني لو شئت جعلت القصر يدور مع الشمس حيثما دارت. فقال الملك: انك لتحسن أنَّ تبني أجمل منه؟ فطرحه من أعلاه. فضرب به المثل لمن يجزي الإحسان بالإساءة. قال الشاعر:
стр. 387
جزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
سوى رصفه البنيان عشرين حجة ... يعل عليه بالقرامد والسكب
فلما انتهى البنيان يوم تمامه ... وأض كمثل الطود والباذخ الصعب
رمى بسنمار على حق رأسه ... وذاك لعمر الله من أعظم الذنب!
وقال الأخر:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبرٍ ... وحسن فعلٍ كما يجزى سنمار
وقيل إنَّ سنمار هو غلام لأحيحة بنى أطما فلما فرغ قال: أحكمته! فقال: إني لأعرف حجرا لو انتزع لتقوض من آخره. فسأله عن الحجر، فأراه إياه، فدفعه احيحة من الأطم فخر ميتا. وفي النوادر إنّه إنسان عمل أطما لبعض الملوك، فقال له إنَّ نزع هذا الحجر تداعى البناء كله. فرمي من فوقه لئلا يعلم به أحد غيره وأنشد: جزاء سنمار بما كان يفعل.
تجشى لقيم من غير شبعٍ .
التجشي: تنفس المعدة، ويكون عند الشبع. ولقيم اسم رجل؛ والشبع بوزن عنب معروف. والمثل ظاهر المعنى، يضرب في التشبع بما لم يعط. وهو كقولهم: عاطٍ بغير نوطٍ وقولهم: كالحادي وليس له بعير؛ وسيأتيان.
أجلسته عندي فاتكأ .
الجلوس معروف، وكذا الاتكاء. هذا المثل يضرب في عادة السوء يعتادها صاحبها. وهو كقولهم: أعطي العبد كراعا فطلب ذراعا.
جلى محباً نظره .
التجلية: الإبداء والإظهار؛ والمحب خلاف المبغض؛ والنظر البصر. والمعنى إنّ نظر الإنسان يظهر ما انطوى عليه من محبة أو بغض. ومثله قولهم: شاهد
стр. 388
البغض اللحظ؛ وقول الشاعر:
فإنَ تك في عدو أو صديقٍ ... تخبرك العيون عن القلوب
وقول الآخر:
خذ من العيش ما كفى ... ومن الدهر ما صفا
عين من لا يريد وصلك ... تبدي لك الجفا
وقول الآخر:
تخفي العداوة وهي غير خفية ... نظر العدو بما أسر يبوح
وقالوا: إنَّ يعبر عن الإنسان اللسان، وعن المودة والبغض العيان
جمع بين الأروى والنعام .
الجمع ضد التفريق؛ وتقدم تفسير كل من الأروى والنعام في هذا الكتاب. وهذا المثل يضرب في الجمع بين أمرين متنافيين، والتأليف بين شيئين متخالفين. يقال: تكلم زيد فجمع بين الأروى والنعام، وذلك لأن الأروى مسكنها قنن الجبال، كما قال امرؤ القيس:
تلاعب أولاد الوعول رباعها ... دوين السماء في رؤوس المجادل
والنعام مسكنها السهل من الأرض، فلا يجتمعان؛ وكذا الأروى والبقر.
وسئل أعرابي عن صفة مطر فقال: استقل سد مع انتشار الطفل فشط واحزال؛ ثم أكفهرت أرجاؤه، واحمومت أرحاؤه، وابذعرت فوارقه، وتضاحكت بوارقه، واستطار وادقه، وارتقت حؤبه، وارتعن هيدبه، وحشكت أخلاقه، واستقلت أردافه، وانتشرت أكنافه؛ مرتجس، والبرق مختلس، والماء منبجس فأترع الغدر وانتبث الوجر وخلط الأوعال وبالآجال، وقرن الصيران بالرئال: فالأودية هدير والشراج خرير، والتلاع زفير؛ وحط النبع العتم، والقلل الشم، إلى القيعان الصحم. فلم يبق في القلل إلا معصم مجرنثم، أو داحص مجرجم، وذلك من فضل رب العالمين، على عباده المذنبين!
стр. 389
قوله استقل سد: السد بضم السين: السحاب المظلم؛ وكذا الجراد لأنّه يسد الأفق. واستقل: ارتفع؛ والطفل بفتحتين، والعشي إلى المغرب؛ وشصا ارتفاع، يقال: شصا الزق إذا امتلأ فارتفعت قوائمه؛ واحزأل: ارتفع أيضاً، وهو بالحاء المهملة والزاي؛ واكفهرت تراكم؛ أرجاؤه: نواحيه، وأحموت: اسودت؛ أرحاؤه: جمع رحى، وهي الوسيط. وابذعرت بذال معجمة: تفرقت؛ فوارقه: جمع فارق، وهي القطعة من السحاب الخارجة عن معظمه. والفارق في الأصل: الناقة تند عن الإبل عند نتاجها. واستطار: انتشر؛ وادقه: الوادق الذي كثر ماؤه، أو الذي دنا من الأرض. وارتتقت: التأمت؛ حؤبه: فرجه. وارتعن: استرخى؛ هيدبه: ما تدلى منه إلى الأرض، كهدب القيظفة. وحشكت: امتلأت؛ أخلاقه: ضروعه، جمع خلف وهو ما يقبض عليه الحالب من ضرع الناقة والبقرة. واستقلت: ارتفعت؛ أردافه: مآخره. هذه كلها استعارات. وأكنافه: نواحيه. ومرتجس: مصوت ومختلس: كأنه لشدة لمعانه يختلس الأبصار، ومنحبس: منفجر واترع: ملأ والغدر، بضمتين، جمع غدير والواجر، بضمتين جمع وجار وهو الحجر يلجه الثعلب والضبع وانتبثها بالثاء المثلثة، اخرج نباتها وأصل النبيثة تراب البئر؛ والأوعال جمع وعل وهو التيس الجبلي، والآجال جمع أجل، بكسر فسكون وهو القطيع من بقر الوحش. يقول: أن هذا المطر لشدته جمع بين الأوعال التي مساكنها قنن الجبال، وبين البقر التي مساكنها القيعان. والصيران جمع صوار، وهو القطيع من بفر الوحش، والرئال: فراخ النعام، جمع رأل، بفتح فسكون، وهي تسكن الجلد من الأرض، والصيران تسكن الرمال والقيعان فجمع بينهما أيضا لشدته والهدير: الصوت؛ والشراج مجاري الماء من الحرار، واحدها شرج، والتلاع: الشعاب التي يجري بها الماء من الجبال، وأحدها تلعة بفتح السكون والنبع شجر تتخذ منه القسي؛ والعتم بعين مهملة وتاء مثناة على مثال جرف: الزيتون الجبلي؛ والقلل أعالي الجبال، والشم المرتفعة؛ والقيعان جمع قاع وهو الأرض المطمئنة والصحم: التي تعلوها حمرة، جمع أصحم والمعصم: الذي استمسك بالجبال وتمنع فيها من الأوعال. يقال: فارس معتصم إذا أخذ بعرف فرسه، والمجرنثم: المنقبض، والداحص الذي يفحص برجليه عند الموت. قال علقمة:
стр. 390
رغا فوقهم سقب السماء فداحص ... بشكته لم يستلب وسليب
والمجرم مصدوع.
جمع بين الضب والنون .
الضب حيوان معروف، وجمعه ضباب وأضب، وكنيته أبو حسل، والحسل ولده، كما سيأتي، والنون: الحوت، وجمعه نينان. وهذا المثل كالذي قبله في المعنى، لأن الضب حيوان بري، ولا يرد الماء ويلازم الصحراء، واكثر ما يكون في الكدى، كما قال خالد أبن علقمة:
ترى الشر قد أفنى دواءر وهجه ... كضب الكدى أفنى براثنيه الحفر
وقال الأخر:
فلله أرض يعلم الضب إنّها ... بعيد من الآفات طيبة البقل
بنى بيته فيها على رأس كدية ... وكل امرئٍ في حرفة العيش ذو عقل
ومن عجيب أمره إنّه يعيش سبعمائة سنة ولا تسقط له سن، وهو لا يشرب الماء. ويقال إنّه يبول في كل أربعين يوماً مرة. ومن كلام العرب: لا أفعل ذلك حتى يرد الضب، كما يقولون: حتى يشيب الغراب. ومن الكلام الموضوع على ألسنة العجماوات، قالت السمكة: رد يا ضب! فقال:
أصبح قلبي صردا ... لا يشتهي إنَّ يردا
والنون حيوان بحري لا يفارق الماء أبداً، فلا يجتمعان. قال الصابئ:
الضب والنون قد يرجى اجتماعهما ... وليس يرجى اجتماع المال والأدب
وقال الأخر:
ولو انهم جاءوا بشيء مقارب ... لقلت: هو الشكل الموافق للشكل
ولكنهم جاءوا بحيتان لجة ... تقامس والمدعو فينا أبا الحسل
ولمّا بين الضب والنون من التنافي والتقابل، قال حاتم الأصم أو غيره:
следующие страницы →