← Адаб

Адаб · id 7414

زهر الأكم في الأمثال والحكم

الحسن اليوسي

Полный текст (902 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ومثله قول الآخر: لو أبصرت عيناك زورق فتيةٍ ... يبدي لهم لمح السرور مراحه وقد استداروا تحت ظل شعاعه ... كلٌ يمد بكأس راحٍ راحهُ لحسبته خوف العواصف طائراً ... مد الحنان على بنيه جناحهُ وقال أبن الخطيب: إنَّ الهوى لشكايةٌ معروفة ... صبر التصبر من أجل علاجها والنفس إن ألفت مرارة طعمه ... يوما ضمنت لها صلاح خراجها وقال السبتي: يا ساءلاً عن مذهبي عامداً ... ليقتدي فيه بمنهاجي منهاجي العدل وقمع الهوى: ... فهل لمنهاجي من هاجِ؟ وقال أبو الحسن بن رشيق: ولقد ذكرتك في السفينة والردى ... متوقع بتلاطم الأمواجِ والجو يهطل والرياح عواصفٌ ... والليل مسود الذوائب داجِ وعلى السواحل للأعادي غارةٌ ... يتوقفون لغارة وهياجِ وعلت لأصحاب السفينة ضجةٌ ... وأنا وذكرك في أل تناجِ ومثله وهو أصله قول عنترة: ولقد ذكرتك والرماح نواهلٌ ... مني وبيض الهند تقطر بالدمِ وقول الأرجاني: وإني لأرعاكم على القرب والنوى ... وأذكركم بين القنا والقنابلِ وقول الآخر: إلاّ من مبلغ المحبوب أني ... وقفت وللظبا حولي صليلُ وأني جلت في جيش الأعادي ... برمح وهو في ذكري يجولُ؟ وقول الآخر: أرسلتها والعوالي في الطلا ترد ... في موقفٍ فيه ينسى الوالد الولدُ وما نسيتك والأرواح سائلةٌ ... على السيف ونار الحرب تتقدُ

стр. 422

وقوله: ولقد ذكرتك والصوارم لمع ... من حولنا والسمهرية شرع وعلى مكفاحة والعدو ففي الحشا ... شوق إليك تضيق عنه الأضلع ومن الصبا وهلم جرا شيمتي ... حفظ الوداد فيف عنه أرجع؟ وقول الصفي الحلي: ولقد ذكرتك والعجاج كأنه ... منا وبين معفر في معفر والشمس بين مجدل في جندلٍ ... منا وبين وجهك أو مساء مقمر وتعطرت أرض الكفاح كأنما ... فتقت لنا ريح الجلاد بعنبر وقوله أيضاً: ولقد ذكرتك والسيوف مواطر ... كالسحب من وبل النجيع وطله فوجدت أنسا عند ذكرك كاملا ... في موقف يخشى الفتى من ظله وقلوه أيضاً: ولقد ذكرتك والجماجم وقع ... تحت السنابك والأكف تطير والهام في أفق العجاجة حوم ... فكأنها فوق النسور نسور فأعتادتني من طيب ذكرك نشوة ... وبدت علي بشاشة وسرور فظننت أني في مجالس لذتي ... والراح تجلى والكؤوس تدور وقول أثير الدين بن حيان: لقد ذكرتك والبحر الخضم طغت ... أمواجه والورى منه على سفر في ليلة أسدلت جلباب ظلمتها ... وغار كوكبها عن أعين البشر والماء تحت وفوق المزن وأكفه ... والبرق يستل أسيافا من الشرر والروح من حزن راحت وقد وردت ... صدري فيالك من ورد بلا صدر! هذا وشخصك لا ينفك في خلدي ... ولا في فؤادي وفي سمعي وفي بصري

стр. 423

ويقرب من هذا قولي: إلاّ ليت شعري هل أرى من ثنية ... عضها كموصوف الكتائب تشرف؟ وهل أردن من سلسبيل مواردٍ ... هناك كالمعسول المباسم تشرف؟ وهل أرين مغنى الدلاء عيشة ... كأن بنياه بجاد مفوف؟ ذكرتكم وهنا وإني لمدلج ... بأجواز أقطار الصحاري أطوف فقلت وقلبي ضمن شجو ولوعة ... وجفني بمنثور الجمان يكفكف: أدار سقيك الوبل غير مبرحٍ ... ولا برحت عنك الحوادث تصرف لقد هجت للقلب العميد صبابة ... تكاد لها صم الجبال تقصف! وقول الصفدي: ولقد ذكرتكم بحرب ينثني ... عن بأسها الليث الهزبر الأغلب والصافنات بركضها قد أنشأت ... ليلا وكل سنا سنان كوكب والبيض تنثر كل ما نظم القنا ... والنبل يترب والعجاج يترب وحشاشة الأبطال قد تلفت ظما ... ودم الفوارس مستهل صيب والنفس قد سالت على حد الظبا ... وأنا بذكركم أميل وأطرب وقول الآخر يصف الشمس في الغيم: وتنقبت بخفيف غيم أبيضٍ ... هي فيه بين تخفر وتغنج كتنفس الحسناء في المرأة إذ ... كلمت ولم تتزوج ومن هذا المعنى قول أبن طباطبا العلوي: متى أبصرت شمسا تحت غيمٍ ... ترى المرآة في كف الحسود تقابلها فتلبسها غشاء ... بأنفاس تزايد في الصعود وقال الوزير المهلبي: أما ترى الشمس وهي طالعة ... تمنع منا إدامة النظر؟ حمراء صفراء في تلونها ... كأنها تشتكي من السهر مثل عروس غداة ليلتها ... تمسك مرآتها من القمر

стр. 424

وقوله: والشمس خيراً خلف غيم عارض ... فكأنها في ضوء ليل مقمر وقوله: الشمس من مشرقها قد بدت ... نيرة ليس لها حاجب كأنها فوهية أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب وقول أبن المعتز: والشمس كالمرآة في كف الأشل وقول أبي حفص بن برد، ومنه أخذ: كأن شعاع الشمس في كل غدوةٍ ... على ورق الأشجار أوّل طالع دنانير في كف الأشل يضمها ... لقبض فتهوي من فروج الأصابع ونحو هذا قول الآخر في الخمر: كانت سراج أناس يهتدون بها ... في سالف الدهر قبل النار والنور تهتز في الكأس من ضعف ومن هرمٍ ... كأنها قبس في كف مقرور وقول أبن الرومي في الشمس: كأن جنوح الشمس عند غروبها ... وقد جنحت في مجنح الليل تمرض محاجر عين مس أجفانا الكرى ... ترنق فيها النوم وهي تغمض وقال أبن خفاجة: والنقع يكسر من سنى شمس الضح: ... فكأنه صدا على دينار وقال إبراهيم بن العباس الصولي: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعا وعند الله منها المخرج كملت فلما استكملت حلقاتها ... فخرجت وكان يضنها لا تفرج وكان يقال: ما رددهما من نزلت به نازلة به إلاّ فرج الله عنه. وقال الأخر: رويدك! فالهموم لها رتاج ... وعن كثب يكون لها انفراج ألم تر أنَّ طول الليل لمّا ... تناهى حان للصبح انبلاج؟

стр. 425

وقال أبو فراس: ألا، ربما ضاق بأهله ... وأمكن من بيت الأسنة مخرج ومثله قوله أيضاً: خفض عليك ولا تكن قلق الحشا ... مما يكون وعله وعساه! فالدهر أقصر مدة مما ترى ... وعساك أنَّ تكفى الذي تخشاه وقول الآخر: تربص بيومك ما في غدٍ ... فإن العواقيب قد تعقب لعل غدا من أخيه حمى ... يلم لك الصداع أو يرأب وقال الحجاج: دعها سماوية تجري على قدرٍ ... لا تفسد برأي منك أرضي وقول أبن حميدس: ما أغفل الفيلسوف عن طرقٍ ... ليس لأهل العقول منسلكه! من سلم الأمر للإله نجا ... ومن عدا القصد واقع الهلكه وقول الآخر: لا تضف في الأمور ذرعا فقد ... يكشف عنها بغير احتيال ربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال وقصة أبي عمرو بن لعلاء في هذا الشعر، حيث ألزمه الحجاج أنَّ يأتي بشاهد على قراءته غرفة فسمع هذا الشعر مقرونا بنعي الحجاج، معروفة. وقال الأخر: إذا دجا خطب وأيقنت من ... صعب بأن الأمر يأتي عسير ينعكس الأمر ويأتي كما ... شئت: فسبحان اللطيف الخبير! وقول الآخر: لا تشك! فالأيام حبلى ربما ... جاءتك من أعجوبة بجنين فكذا تصاريف الزمان: مشقة ... في راحةٍ وخشونة في اللين! ما ضاع يونس بالعراء مجرداً ... في ظل نابتة من اليقطين

стр. 426

وقول الآخر: والليالي كما علمت حبالى ... مقربات يلدن كل عجيب وقول الآخر: الدهر لا ينفك عن حدثانه ... والمرء منقاد لحكم زمانه فدع الزمان فانه لم يعتمد ... لجلالة أحد ولا لهوانه! كالمزن لم يخصص بنافع صوبه ... أفقا ولم يخش أذى طوفانه لكن لباريه بواطن حكمةٍ ... في ظاهر الأضداد من أكوانه وقول الآخر: دع المنى! ربما نيلت بلا طلبٍ ... وربما وقع الحرمان من المهن! وقول الآخر: الدهر كالطيف بؤساه وأنعمه ... من غير قصد: فلا تمدح ولا تذم لا تسأل الدهر في غماء يكشفها: ... فلو سألت دوام البؤس لم يدم! وقوله: ولا تذم، إنَّ كان بكسر الذال من قولك ذامه يذمه ذيما وذاما أي عابه فهو صحيح؛ وإنَّ كان بضمها من قولك ذمه يذمه فهو مذموم فلحن أو ضرورة بشيعة. وقول أبي بكر الخوارزمي: ما أثقل الدهر على من ركبه ... حدثني عنه لسان التجربه! لا تحمدن الدهر لشيء سببه ... فانه لم يعتمد بالهبه وإنّما أخطأ فيك مذهبه ... كالسيل إذ يسقي مكاناً أخربه! والسم يستشفي به من شربه قلت: وشعر هذين الشاعرين ينحو منحى زهير إذ يقول: رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم لا سيما الشاعر الأول. ولا شك إنَّ ما ذكره زهير خطأ وجهل بالتدبير الرباني، والتصريف الاختياري، وأنَّ كل ذلك واقع عن علم وسبق مشيئة. وإنَّ كان يمكن أنَّ يتأول الكلام لو صدر من موحد بأن ذلك بحسب الصورة الظاهرة. ومثل المنايا صروف الدهر وحوادثه سواء.

стр. 427

ويشبه قول الخوارزمي: لا تمدحن أبن عباد وإن هطلت ... كفاه بالجود حتى أخجل الديما! فإنها خطراتٌ من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما وكتب البيتين فوضعهما حيث يجلس الصاحب ثم ارتحل من وقته. فلما وقف الصاحب عليهما فال: أقول لركبٍ من خراسان أقبلوا ... أمات خوارزميكم؟ قيل لي نعم! فقلت: اكتبوا بالجص من فوق قبره: ... إلاّ لعن الرحمن من يكفر النعم! ومثل ما تقدم قول الآخر: من يصحب الدهر لا يعدم تقلبه ... والشوك ينبت فيه الورد والآسُ تمر حينا وتحلو لي حوادثه ... فقلما جرحت إلاّ انثنت تأسو وقول الآخر: لا تجزعن لعسرةٍ من بعدها ... يسران وعد ليس فيه خلافُ! كم عسرة ضاق الفتى لنزولها ... لله في أعطافها ألطف! وقول الآخر: تصبر للعواقب واحتسبها ... فأنت من العواقب قافي اثنتينِ تريحك بالمنى أو بالمنايا ... فإنَ الموت إحدى الراحتين! وقول الأبيوردي: تنكر لي دهري ولم يدر إنني ... أعز وأنَّ الحادثات تهونُ فبات يريني الخطب كيف اعتداؤه ... وبت أريه الصبر كيف يكونُ وقولنا من قصيدة: فإذا عرتك الحادثات فثق ... بمليكها ذي الخلق والأمرِ واصبر لروح الله مرتجيا ... فلتحمدن عواقب الصبرِ إنَّ اصطبار المرء مفتتحٌ ... متغلق البأساء والعسرُ ومنفس عنه الكروب إذا ... ضاقت بهن جوانح الصدرِ كم من حزين بات مكتئباً ... متعسر الأحشاء ذا زفرِ

стр. 428

ما يرتجى جلباب ليلته ... أن ينزوي طرفاه بالسفرِ فاتته ألطافٌ منفسةٌ ... لفؤاده من حيث لا يدري ولكم بعيد الضيق من سعةٍ ... ولكم بعيد العسر من يسرِ! هل بعد معتكر الظلام سوى ... بلج الصباح وطلعة الفجرِ أو بعد ظمأة هجمةٍ وردت ... إلاّ ارتواء جانب الغدرِ أو بعد خانقة التلاع سوى ... فيح الفجاج وفسحة البهرِ؟ وقول الآخر: أمقتولة الأجفان مالك والهاً ... ألم ترك الأيام نجما هوى قبلي؟ أقلي بكاءً: لستِ أول حرةٍ ... طوت بالأسى كشحا على مضض الثكلِ وفي أم موسى عبرةٌ إذ رمت به ... إلى اليم في التابوت فاعتبري واسلي ولله فينا علم غيبٍ وحسبنا ... به عند جور الدهر من حكم عدلِ والشعر في هذا المعنى اكثر من أن يحصى. وقال الغري: قالوا: بعدت ولم تقرب فقلت لهم: ... بعدي عن الناس في هذا الزمان حجا لولا التباعد بين الحاجبين به ... بان افتراقهما لم نعرف البلجا ومثله قول الارجاني: أسفت على عمرٍ تصرم ضائعاً ... وجدت بدمعٍ يستهل هتونِ وآنسني بعدي من الناس جانباً ... وإن هم على أحداقهو حملوني ولمّا غدا عنا على جفن ناظري ... لقاء الورى من صاحبٍ وخدينِ ألفت الفضا مستوطناً ظهر ناقةٍ ... تلف سهولاً دائماً بحزونِ وما سرت إلاّ في الهواجر وحدها ... كراهة ظل أن يكون قريني وقول أبي العلاء المعري: فظم بسائر الإخوان شراً ... ولا تأمن على سرٍ فؤادا: فلو خبرتهم الجوزاء خبري ... لمّا طلعت مخافة أن تكادا! وقوله أيضاً: جربت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ودِّ امرئ غرضا

стр. 429

وقول أبن القلاقس: اعلق بأطراف الوداد فانه ... من دافع الأمواج مات غريقا وإذا انتهى الإخلاص أوجب ١ده: إنَّ التجمع ينتج التفريقا! وقول أبن الرومي، وهو المثل المشهور في هذا: عدوك من صديقك مستفادٌ: ... فلا تستكثرن من الصحابِ فإنَ الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشرابِ! وقول الآخر: جزى الله خيراً كل من ليس بيننا ... ولا بينه ودٌ ولا متعارفُ فما نالني ضيمٌ ولا مسني أذى ... من الناس إلاّ من فتى كنت آلفُ! وقول الآخر: أحذر عدوك مرةً ... وأحذر صديقك ألف مرة فلربما انقلب الزمان ... فكان أعرف بالمضرة! وقول أبن سناء الملك: أبى الهر إلاّ ضد ما أنا طالبٌ: ... فيا ليت مني مكن الله ضده! يعد الفتى إخوانه لزمانه ... وأعدى له من خوفه من أعده وقولي من قصيدة: وبنو دهرك العضال من الداء ... العديم الأساة ذو الأزمانِ وأضر الأدواء من تتولاه ... وتحجوه أقرب الإخوانِ إنما الأقرباء في الناس جساسٌ ... عليك في السر والإعلانِ يخبرون العورات حفظاً وإعداداً ... ليوم البأساء والشنآنِ وقول الأنصاري الأول: ألا رب من تحجو صديقاً ولو ترى ... مقاتله بالغيب ساءك ما يفري: لسانٌ له كالشهد ما دمت حاضراً ... وبالغيب مطرورٌ على ثعرة النحرِ وقولي من قصيدة: فتوخ في الناس الوفي إذا ... عاشرتهم وحذار الله تعالى الغدرِ! واسبرهم قبل الإخاء ولا ... تغتر في الإخوان بالسبرِ!

стр. 430

كم من أخٍ مذق الوداد على ... ما فيه من إجنٍ ومن سبرِ إن تلقه فالشهد مقولته ... وإذا تعيب يكون كالصبرِ يسمى بوجهك تستميل وإن ... أدبرت عنه فكية الظهرِ وإذا الزمان دعاك نائبه ... العازي إليه ترجى البرِ فسيحتبيك بوعد غانيةٍ ... أو وعد عرقوبٍ جنى التمرِ وإذا تعود يظل مكتلحاً ... متغيظاً ينزو ويستشري وإذا تصادف ذا الصفا فكن ... منه ولو صافحك ذا حذرِ وأسم سوائم سمعه طرقاً ... مطروقةً من مسرح السرِ وصن السرارة واللباب ولا ... تبذل له منه سوى القشرِ فلربما يلوي الزمان به ... فيكون أبص فيك بالضرِ وقول الآخر: فاقت بيوسفها الدنيا وفاح لها ... طيب طوى المسك في نشر لها أرجِ فإنَ يشاركه في اسم الملك طائفةٌ ... فإنَ شمس الضحى من جملة السرجِ ويتمثل بالبيت الثاني. ومثله في المعنى قول الآخر: وفي البساتين أفنانٌ منوعةٌ ... وليس يقطف إلاّ الورد والزهرُ وفي السماء نجومٌ ما لها عددٌ ... وليس يخسف إلاّ الشمس والقمرُ وقول أبي الطيب: فإنَ تفق الأنام وأنت منهم ... فأن المسك بعض دم الغزال وقول الآخر: وقد يسمى سماء كل مرتفعٍ ... وإنّما الفضل حيث الشمس والقمرُ وقول الآخر: الناس كالناس إلاّ تجربهم ... وللبصيرة حكم ليس للبصرِ والأيك مشتبهاتٌ في منابتها ... وإنّما يقع التفضل في الثمرِ وقول الآخر: وقد يتقارب الوصفان جداً ... وموصوفاهما متباعدانِ

стр. 431

وقول الآخر: قد يبعد الشيء من شيء يناسبه ... إنَّ السماء نظير الماء في الزرقِ وقول الآخر: دع ما تناسب في الأبصار ظاهره ... ولا تقل بقياس غير مطردِ فصدمه المتنافي لا اعتداد بها ... شتان ما بين مهتزٍّ ومرتعدِ وقول الآخر: قد تشبه الحالة الأخرى وبينهما ... إذا تأملت فرقٌ عن سواك خفي فربما صفق المسرور من طربٍ ... وربما صفق المحزون من أسفِ وقول الآخر: لقد عرض الحمام لنا بسجعٍ ... إذا أصغى له ركبٌ تلاحى شجا قلب الخلي فقال غني ... وبرَّحَ بالشجي فقال ناحا وقال الشيخ عمر بن الفارض: لا كان وجدٌ به الأماق جامدةٌ ... ولا غرامٌ به الأشواق لم تهجِ وقال الراعي: ومرسلٍ ورسولٍ غير متهمٍ ... وحاجةٍ غير مزجاةٍ من الحاجِ طاوعته بعدما طال النجي بنا ... وظن أني عليه غير منعاجِ ما زال يفتح أبواباً ويغلقها ... دوني وأفتح باباً بعد إرتاجِ حتى أضاء سراجٌ دونه بقرٌ ... حمر الأنامل عين طرفها ساجِ يا نعمها ليلةٌ حتى تخونها ... داعٍ دعا في فروع الصبح سحاجِ لمّا دعا الدعوة الأولى فأسمعني ... أخذت بردي وأستمررت أدراجي وقال الأخر: ما زلت ابغي الحي أتبع ظلهم ... حتى دفعت إلى ربيبة هودجِ قالت: وعيش أبي وحرمة أخوتي ... لأنبهن الحي إن أم تخرجِ فخرجت خيفة قولها فتبسمت ... فعلمت أنَّ يمينها لم تحرجِ

стр. 432

فلثمت فاها آخذاً بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرجِ قوله ماء الحشرج أي الماء الجاري على الحجارة. وقال عمر بن أبي ربيعة: قد كنت حملتني عيظا أعالجه ... فإنَ تقدني فقد عنيتني حججا حتى لو اسطيع مما قد فعلت بنا ... أكلت لحمك من غيظٍ وما نضجا وقبل هذين البيتين: يا ربة البغلة الشهباء هل لكم ... أن ترحمي عمراً لا ترهقي حرجا؟ قلت: بدائك مت أو عش تعالجه ... فما نرى لك فيما عندنا فرجل! وبعدهما: فقلت: لا والذي حج الحجيج له ... ما مج قلبك من قلبي وما مهجا ولا رأى القلب من شيء يسر به ... مذبان منزلكم منا وما ثلجا كالشمس صورتها غراء واضحةٌ ... تعشي إذا برزت من حسنها السرجا ضنت بنائلها عنه فقد تركت ... من غير جرم أبا الخطاب مختلجا وقال بعض المجان: إذا مررت بوادٍ لا أنس به ... فاضرب عميرة لا عارٌ ولا حرجُ ضرب العميرة هي الخضخضة وهي الاستمناء باليد وشبهه. وكذب هذا القائل: فإنَ في الخضخضة لحرجا وعاراً وإنما محرمة عند جماهير الناس وفيها قول بعض الأعراب: إن تبخلي بالركب المحلوق ... فإنَ عندي راحتي وريقي والركب بفتحتين وتقدم تفسيره. وقول الآخر: كفي ورجلي لا عدمت كليهما ... أصبحت أغنى من يروح ويغتدي أمشي على هذه وأنكح هذه ... فمطيتي رجلي وجاريتي يدي! وقول الآخر: خطبت إلى ساعدي راحتي ... وما كنت من شر خاطفيها وما إن تكلفت من مهرها ... سوى ريقةٍ أجتزي بها

стр. 433

فإن شئت أوتى بها ثيباً ... وبكراً إذا شئت أوتى بها وقال بعضهم: مررت على برذعة الموسوس، وقد أدخل رأسه في جيبه يتخضض. فضربته برجلي، فانكشف فإذا هم منعض، فقلت: ما هذا؟ فقال: أما ترى في ذلك الروشن؟ وأشار إلى باب في علية فإذا جارية جميلة تتطلع. فقال: إني دعوتها فلما لم تجبني أجبتها. فقلت: قبحك الله! ووليت عنه. فلم ألبث أن لحق فقال: قضيت الحاجة على رغم أنفك وأنشد: أأنكرت ما عاينت من كف دالك ... وهل ينكر التداليك في قول مالك؟ لقد أمن الدلاك من أن تنالهم ... حدود الزنى في واضحات المسالك وأني قد سكنت غربة غلمتي ... بحسن العيون والثدي الفوالك وكذب هذا الأحمق على مالك ﵁: فإنَ حرمة الاستمناء هي مذهبه وكذا مذهب الشافعي وغيره. وإنّما رويت رخصة عن عمر بن دينار إن صحت الحكاية عنه. وروى عن أبن عباس إنّه فال في الخضخضة: هي خير من الزنا. قلت: وليس في هذا الكلام ما يقضي حليتها، إذ ليست المحرمات كلها في درجة واحدة بل مقطوع بتفاوت ما بينها: فإنَ الزنى نفسه وهو محرم إجماعا على درجات بعضها أشد من بعض. ألا ترى إنَّ الزنا بحرة مطاوعة لا زوج لها ولا أهل يسبون بفعلها ة لا ترجو ولدا أخف من الزنى بغيرها وإن كان الكل حراما لأن الحق إذا انفرد وتمحض لله تعالى أخف مما إذا انضم إليه حق المزني بها المكره أو حق الزوج أو حق الأهل أو حق السيد في الأضرار بهم، ونحو ذلك من الحقوق. وهو أيضاً في الآيسة أخف منه في الولود، لمّا في الثانية من مزيد المفسدة باختلاط الأنساب وهو الحكمة الأصلية في التحريم. والمعلوم أنَّ الخضخضة ليست بمحل لهذه المفسدة لا تحقيقا ولا مظنة؛ ولكن فيها تضييع البذر وهو ماء النسل في وجهه فلتكن هي أخف. ولهذا المبحث محل يليق به وليس من غرضنا الآن التعرض له. وقلت أنا: إذا لحظتك عين المرء يوماً ... بدا منه صفاءٌ أو ضجاجُ وأنبت فيه عن حبٍّ ورغضٍ ... كما ينبي عن الماء الزجاجُ الصفاء بالكسر: المصفاة؛ والضجاج بالكسر: المضاجة، وهي المشاوره.

стр. 434

وقلت أيضاً: لكل أخي داء دواءٌ يعده ... وأعيت دواء الضغن كل معالجِ إذا آنس النعمى تضاعفت داؤه ... وآض بغيظ للجوانح زامجِ وإن آنس البأساء اصبح شامتاً ... بقلبٍ من الشحناء والهزء رامجِ تقول: زمجت القربة إذا ملأتها وزمج الغيظ للجوانح مجاز. والمراج: الممتلئ الريان وهو هنا مجاز أيضاً. وقلت أيضاً: أرى الورى وصروف الدهر تخضمها ... مثل السفين تداعت فوقها اللججُ وهم رمايا مناياها فلا وزرٌ ... عنها ولا ملجأٌ منها ولا وحجُ كأنما هي حوض والورى وردٌ ... عطشى أناخوا عليه دائما وحجوا أو مثل هيمٍ لخمسٍ تغتشيه فلم ... يعن الياد لها عنه ولا العنجُ الخضم: الأكل ويستعمل في ملء الفم بالمأكول وهو مجاز هنا عن الاستئصال والوحج: الملجأ وهو عطف تفسير. والورد بضمتين جمع ورود؛ وحجوا: أقاموا. يقال: حجي به أي أولع به ولزمه. وبينه وبين الوحج الأول جناس تام بين الاسم والفعل. والهيم: الإبل يصيبها الهيام. والخمس بالكسر: زمان ورودها. والذياد: الطرد؛ والهنج بالتحريك: اسم من العنج بالسكون وهو أن يشد الراكب خطام البعير فيرده على رجليه.

стр. 435

باب الحاء المهملة أحب الحديث أصدقه . الحب معروف. تقول: أحببت الرجل فهو محبوب على غير قياس. وقد يقال محب وهو قليل. قال عنترة: ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرمِ وقد يقال حببته ثلاثيا أحبه بالكسر فهو محبوب. أنشد الجوهري في الصحاح: أحب أبا مروان من أجل تمره ... وأعلم أنَّ الرفق بالمرء أرفقُ ووالله لولا تمره ما حببته ... ولو كان أدنى من عبيدٍ ومشرقِ وليس عندهم مضعف متعد يتمحض فيه الكسر غير هذا. والحديث معروف أيضاً. والصدق ضد الكذب. وهذا كلام يروى عن النبي ﷺ لمّا جاءته هوازن تطلب منه أن يرد إليها ما أخذ منها من السبايا والأموال يوم حنين. فقال: أحب الحديث إلى الله أصدقه، أو: خير الحديث، إنَّ معي من يرون فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال. فاختاروا السبي وقالوا: لا نعدل بالأحساب شيئا. والقصة مشهورة في المغازي. وقال كعب بن مالك ﵁: أبلغ قريشاً وخير القول أصدقه ... والصدق عند ذوي الألباب مقبولُ حبك الشيء يعمي ويصم . الحب مر؛ والعمى معروف وأعميته: فعلت به ذلك. وكذا الصمم وأصممته.

стр. 436

وهذا أيضاً يروى عن النبي ﷺ . والعمى هنا يحتمل أن يكون عمى البصر وهو ظاهر أو عمى البصيرة وهو أدق وأليق. والمعنى أنَّ المرء إذا أحب شيئا غلبت محبته على قلبه فلا يرى رشده ولا ينظر عاقبته ولا يسمع عاذله. والصمم هنا مجاز أيضاً عن عدم الإصغاء إلى المسموع وعدم الاهتبال به والانتفاع به. فكأنه أصم لا يسمع كما قال تعالى:) صمٌ بكمٌ عميٌ (. وقال الشاغر: صمٌ إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بشرٍّ عنهم أذنوا وقال الأخر: فأصممت عمراً وأعميته ... عن الجود والفخر يوم الفخار وفي معنى المثل قال الإمام البوصيري رحمه الله تعالى: محضتني النصح لكن لست أسمعه ... إنَّ المحب عن العذال في صممِ وهذا المثل يضرب في الحذر من اتباع الهوى وما يؤمر به من اجتنابه. وفي حديث آخر عن النبي ﷺ : جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم! وقال الشاعر: إذا طالبتك النفس يوماً بشهوةٍ ... وكان عليها للخلاف طريقُ فخالف هواها ما استطعت فإنما ... هواها عدوٌ والخلاف صديقُ وقال الأخر: وفي الحلم والإسلام للمرء وازعٌ ... وفي ترك طاعات الفؤاد المتيمِ بصائر رشدٍ للفتى مستبينةٌ ... وأخلاق صدق علمها في التعلمِ وفي هذا المعنى ما لا يحصى من الشعر والنثر يأتي في الحكم إن شاء الله تعالى حبل فلان يفتل . الحبل بالفتح فالسكون: الرباط وهو معروف. وجمعه حبال وأحبال. قال الشاعر:

стр. 437

أمن أجل حبلٍ لا أباك ضربته ... بمنسأةٍ؟ قد جر حبلك أحبالا وفتل الحبل معروف. قال امرؤ القيس: فيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل! أي بكل حبل أحكم فتله. ويقال: حبله يفتل إذا كان مقبلا على أمر. حتفها تحمل ضأنٌ بأظلافها . الحتف: الموت. والأظلاف جمع ظلف بالكسر وتقدم تفسيره. وهذا المثل يضرب في الهلاك يجتلبه القدر غمدان الإنسان أو يجره على نفسه. وأصله أنَّ النعمان بن المنذر عمد إلى كبش فعلق في عنقه مدية وأرسله يرعى ونذر أن يقتل من تعرض له. فكان الكبش يخرج ولا يمس. ثم مر على أرقم بن علباء اليشكري وقيل على علباء بن أرقم اليشكري فقال: كبش يحمل حتفه بأظلافه! ووثب عليه فذبحه وأشتواه. فقال في ذلك شعرا طويلا منه: أخوف بالنعمان حتى كأنني ... ذبحت له خالاً كريما أو أبن عمُ وقال أبو عبيد إنَّ هذا المثل تمثل به حريث بن حسان الشيباني بين يدي النبي ﷺ لقيلة التميمية وكان قدم بها الذي النبي ﷺ وذلك في قصة طويلة حتى قالت قيلة: فقدمنا تعني مع حريث على رسول الله ﷺ فصليت معه الغداة حتى إذا طلعت الشمس دنوت. فقال رجل: السلام عليك يا رسول الله! فقال رسول الله: وعليك السلام! وهو قاعد القرفصاء. فقالت: فتقدم صاحبي فبايعه على الإسلام فقال: يا رسول الله اكتب لي بالدهناء. فقال: يا غلام اكتب له. قالت: فشخص بي وكانت وطني وداري. فقلت: يا رسول الله الدهناء مقيد الجمل ومرعى الغنم وهذه نساء بني تميم وراء ذلك. قال: صدقت المسكينة! المسلم أخو المسلم يسمعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتان. وقال رسول الله صلى

стр. 438

الله عليه وسلم: أيلام أبن هذه أن يفصل الخطة وينتصر من وراء الحجر؟ انتهى. وهذا المثل هم مثل قولهم: بحث عن حتفه بظلفه وتقدم. حتَّام تكرع ولا تنفع ؟ حتى هنا حرف جر دخلت على ما الأستفهامية. ويقال كرع في الماء وفي الإناء بفتح الراء وكسرها كروعا وكرعا إذا تناول بفيه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء. والكرع بفتحتين: الماء يكرع فيه يجتمع من ماء السماء في غدير أو نحوه. قال عدي أبن الرقاع يصف راعي الإبل: يسنها ابلٌ ما إن يجزئها ... جزءاً شديداً وما أن ترتوي كرعا ويقال: نقع الرجل بالشراب وبالخبز بفتح القاف إذا استشفى به من غليله. قال كثير: فما نقعت نفسي بما أمروا به ... ولا عجت من أقوالهم بفتيلِ والمثل ظاهر معنى ومضرباً. المحاجزة قبل المنازلة . ويقال أيضاً: أن أردت المحاجزة فقبل النازلة. يقال حجزه عن الأمر إذا كفه عنه وصرفه فأنحجز هو. وحجز بين الناس فصل بينهم. وتحاجز القوم كف بعضهم عن بعضا. والحجز بفتحتين الذين يمنعون بعض الناس عن بعض ويفصلون بينهم جمع حاجز. ويقال: نجز حاجته وأنجزها: قضاها. والمناجزة المقابلة. وتناجز القوم تلاحموا وتقاتلوا. والمعنى إنَّ المحاجزة والمسالمة إنّما تكون قبل المناجزة والوقوع. فيضرب عند الحزم والفرار ممن لا يطاق أو عند طلب الصلح بعد القتال.

стр. 439

حدأ حدأ وراءك بندقةٌ . الحداأة بكسر الحاء وفتح الدال المهملة بعدها همزة: الطائر المعروف جمعه حدأٌ مثل عنبة وعنب. قال الراجز: كما تدانى الحدأ الأوي. وقال الأخر: وتباىالألى يستلئمون على الألى ... تراهن يوم الروع كالحدأ القبلِ وضمير تبلي للمنون في البيت قبله. يقول: إنَّ المنية تبلي الين يستلئمون أي يلبسون اللأمات للقتال على الألى أي على النساء اللأئي تراهن يوم الروع أي يوم الفزع كالحدأ القبل جمع قبلاء وهي الناظرة بمقدمة العين. يصفهن بالإشفاق على أزواجهن فهن ينظرن إليهم هل سلموا. والبندقة بالضم هي التي يرمى بها. وحدأ في المثل أصله: يا حدأة وراءك بندقة! أي أحذري بندقة الرامي تصبك! وقيل إنَّ حدأ هي حدأ بن نمرة وبندقة هي بندقة بن مظلة وهما قبيلتان من سعد العشيرة. وكانت حدأ تنزل الكوفة فأغاروا على بندقة وكانوا ينزلون باليمن فنالوا منهم ثم كرت بندقة على حدأة فانحوا عليهم فصار يضرب لمن يفزع بعدوه أو يبلى بنظيره. ومن الناس من يرويه: حدا حدا بفتح الحاء غير مهموز على مثل عصا ويقول هو اسم القبيلة. ويروى: حدث حديثين المرأة فإنَ أبت فعشرة. والحديثان والأربعة والعشرة أعداد معروفة. والمرأة فيها أربع لغات. يقال امرأة ومرأة ومرة ومراة. ويروى: حدث المرأة حديثين فإن لم تفهم فأربع. يقال: يربع إذا وقف وحبس. والمعنى: حدث حتى إذا كررت الحديث فلم يفهم عنك فأمسك ولا تتعب نفسك!

стр. 440

يضرب في سوء السمع والإجابة. وهذا المعنى ظاهر في الرواية الأخيرة. وأما الروايتان الأوليتان فأولهما رواية أبي عبيد. قال البكري: وتصح على حذف يريد حدث حديثين المرأة فإن لم تفهم فأربعة لا تفهمها. وعلى الرواية الأخرى: فعشرة لا تفهمها. انتهى. قلت: وهذا المثل من الأمثال الموضوعة على ألسنة العجماوات. زعموا أنَّ الأرنب التقطت ثمرة فاختلسها الثعلب فأكلها فانطلقا إلى الضب يختصمان. فقالت الأرنب: يا أبا الحسل! فقال: سميعا دعوت. قالت: أتيناك انختصم إليك فأخرج إلينا. قال: في بيته يؤتى الحكم. قالت: إني وجدت ثمرة. قال: حلوة فكليها. فقالت: فاختلسها مني الثعلب. قال: لنفسه سعى. قالت: فلطمته. قال: حقك أخذت. قالت فلطمني. قال: حر انتصر. قالت: فاقض بيننا! قال: حدث امرأة حديثين فإن لم تفهم فأربعة! وهذه المقالة المنسوبة إلى الضب كلها أمثال سائرة. حديث خرافة يا أم عمرو ! الحديث معروف. وخرافة على مثل أسامة، رجل من عذرة استهوته الجن ثم نجا. فكان يخبر بأمور غريبة فكذبوه وقالوا: حديث خرافة ثم ضربوا به المثل وجعلوه لكل حديث مستملح أو لكل حديث لا حقيقة له. وهو مثل سائر قديما وحديثا. وقيل إنَّ خرافة كان له تابع من الجن فكان يخبره بأشياء عجيبة فيتحدث بها فتكون كما ذكر فنسبوه إليه الأحاديث الصادقة المعجبة الصادقة. قال الجوهري: ويروى عنه ﷺ إنّه قال: وخرافة حق. انتهى. وذكر بعض الأدباء إنّه روي بسند متصل إلى عائشة ﵂ قالت للنبي ﷺ : حدثني بحديث خرافة! فقال: رحم الله خرافة! كان رجلا صالحا فأخبرني أنه خرج ذات ليلة فلقي ثلاثة نفر من الجن فأسروه فقال أحدهم: نعفو عنه. وقال آخر: نقتله. وقال آخر: نستعبده. فبينما هم يتشاورون في أمره ورد عليهم رجل فقال: السلام عليكم! فقالوا وعليكم السلام! قال: وما أنتم عليه؟ قالوا: نفر من الجن أسرنا هذا فنحن نتآمر في

стр. 441

أمره. قال: إن حدثتكم حديثا عجبا أنَّ تشركوني فيه؟ قالوا: نعم! قال: إني كنت ذا نعمة فزالت وركبني دين فخرجت هاربا. فأصابني عطش شديد فصرت إلى بئر فسبرت لأشرب فصاح بي صائح منها ولم أشرب. فغلبني العطش فعدت فصاح بي ثم عدت الثالثة فصاح بي فشربت ولم ألتفته. فقال: اللهم إن كان رجلا فحوله امرأة وإن كان امرأة فحولها رجلا. فإذا أنا امرأة فأتيت مدينة فتزوجني رجل فولدت منه ولدين. ثم تقت إلى بلدي فمررت بالبئر التي شربت منها فصاح بي كما صاح أولا. فشربت ولم ألتفت. فدعا كالأول فعدت رجلا كما كنت. فأتيت بلدي فتزوجت امرأة فولدت لي منها ولدان: فلي اثنان من ظهري واثنان من بطني. فقالوا: إنَّ هذا لعجب! أنت شريكنا فيه. فبينما هم يتشاورون ورد عليهم ثور يطير. فلما جاوزهم إذا برجل بيده خشبة يحضر في أثره. فوقف عليهم فسألهم فردوا عليه مثل مردهم على صاحبهم فقال: إن حدثتكم بحديث أعجب من هذا أنَّ تشركوني فيه؟ قالوا: نعم! قال: كان لي عم وكان لعمي عجل يربيه فأفلت فقال: أيكم رده فابنتي له. فأخذت خشبتي هذه وائتزرت ثم أحضرت في أثره وأنا غلام. وقد شبت فلا أنا ألحقه ولا هو ينكل. فقالوا: إنَّ هذا لعجب! أنت شريكنا فيه. فبينما هم كذلك ورد عليهم رجل على فرس له أنثى وغلام له على فرس. فسلم كما سلم صاحباه فردوا عليه كردهم على صاحبيه. فسألهم فأخبروه فقال: إن حدثتكم بحديث أعجب من هذا أنَّ تشركوني فيه؟ قالوا نعم! قال: كانت لي أم خبيثة. ثم قال للفرس الأنثى التي تحته: أنَّ كذلك؟ فقالت: نعم! وكنا نتهمها بهذا العبد وأشار إلى الفرس تحت غلامه: أنَّ هكذا؟ فقال برأسه نعم! فوجهت غلامي هذا الراكب على هذا الفرس في بعض حاجاتي فحبسه عندها فأغفى فرأى في منامه

стр. 442

كأنها صاحت صائحة فإذا هو بجرذ قد خرج فقالت: أسجد! فسجد. ثم قالت: اكرب! فكرب. ثم قالت: ازرع! فزرع. ثم قالت: ادرس! فدرس. ثم دعت برحى فطحنت قدح سويق فأتت به الغلام وقالت له: ائت به مولاك! فأتاني به. فاحتلت عليها حتى سقيتها القدح فإذا هي فرس أنثى وإذا هو فرس ذكر. أكذلك؟ فقالت الفرس الأنثى برأسها: نعم! وقال الفرس برأسه: نعم! فقالوا: إنَّ هذا أعجب شيء سمعناه أنت شريكنا! فاجتمع رأيهم فأعتقوا خرافة. فأتى النبي ﷺ فأخبره بهذا الحديث. فما جاء من الأحاديث المحالية نسب إلى خرافة صاحب الحديث. انتهى. وقال في الصحاح: الراء في خرافة خفيفة ولا يدخله الألف واللام لأنه معرفة علم؛ إلاّ أن تريد به الخرافات الموضوعة من حديث الليل. انتهى. وقد استعمل اليوم في عرفنا اسما للحديث المستملح. يقول الرجل لصاحبه: اذكر لي خرافة أي حديثا من ذلك النوع ويحلى بالألف واللام لذلك. الحديث شجون . ويقال أيضاً ذو شجون. والشجون بضم الشين جمع شجن بفتح فسكون وهو الطريق في الوادي. والشواجن والشجون أيضاً: الأودية الكثيرة الشجر. قال: لمّا رأيت عدي القوم يسلبهم ... طلح الشواجن والطرفاء والسلم أو جمع شجنة بكسر الشين وهي الصدع في الجبل. والشجن بفتحتين غصن الشجرة المشتبك والشعبة في كل شيء والحاجة حيثما كانت. يقال لي بموضع كذا شجن. قال الراجز: إني سأبدي لك فيما ابدي ... لي شجنان: شجن بنجد وشجن لي في بلاد السند

стр. 443

والجمع أيضاً شجون. والشجنة أيضاً مثلثة الشين والعروق المشتبكة. يقال: بيني وبين فلان شجنة رحم أي قرابة مشتبكة. وفي الحديث: الرحم شجنة من الله أي مشتبكة اشتباك العروق. ومعنى المثل إنَّ الحديث ذو فنون وأغراض وطرق يدخل بعضها في بعض ويتشعب بعضها من بعض كالطرق المشتبكة المتقاطعة أو الأغصان والعروق. يضرب في الحديث سيذكر به حديث غيره. ومن ثم يضربه القصاص والأئمة عند استطراد المسائل والخروج من غرض إلى آخر. وقال الفرزدق: وإن كنت قد سألت دوني فلا تقم ... بأرض بها بنت الهوى تكون فلا تأمنن الحرب إذا استعارها ... كضبة إذ قال: الحديث شجون والاستعارة بالسين والعين المهملتين من استعار النار. وروي اشتغار بالشين والغين المعجمتين أي هيجانها وثورانها وانتشارها ومن قولك: شغر برجله. يقول: إنَّ الحرب سببها الكلام كما قال الآخر: فإنَّ النار بالزندين تورى ... وإنَّ الحرب أولها كلام ويقال الحرب أولها نجوى وأوسطها شكوى وآخرها بلوى. وقلت مضمنا لهذا المثل في غرض: تمنى بأوباش فتوح مدائن ... وذاك لعمري ضلة وجنون فأضحى كعمر إذ ترجى مراده ... بجيش مراد والحديث شجون وتقدم خبر عمرو بن أمامة مع مراد في الباب الأول. حدث عن البحر ولا حرج ! البحر معروف والحرج بفتحتين الضيق والاثم. وهذا يروى في الحديث عن النبي ﷺ وإنّه قال: حدثوا عن البحر ولا حرج أي حديث لا حرج عليكم في التحديث عنه فتكون الجملة حالية. وقد جعل هذا مثلا في الشيء الكثير الذي لا ينحصر أو لا يكاد بمعنى إنَّ المحدث عنه لا يضيق عليه المجال ولا يعزوه مقال.

стр. 444

وورد من هذا النحو أيضاً حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج وفي ذلك تأويلات ذكرها المحدثون ولا حاجة إلى التعرض لها. والمقصود من التمثيل واضح. وقال أبن اللبانة: وألغوا حديث البحر عند حديثه ... فكم بين ذي مد وكم بين ذي جزر حدث عن معن ولا حرج ! وهو معن بن زائدة الشيباني الجواد المعورف. الحديد بالحديد يفل . الحديد معروف وكذا الفل. وهذا المثل يضرب في الرجل القوي يلقى قرينه في البسالة والنجدة. وكان الوليد بن طريف الشيباني لمّا خرج على الرشيد اشتدت شوكته فبعث إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني فقتله. فقال بكر بن النطاح: وائل بعضها يقتل بعضا ... لا يفل الحديد إلاّ الحديد لو تلقى الوليد غير يزيد ... لغدا ظاهرا عليه الوليد ولمّا قتل الوليد رثته أخته الفارعة بنت طريف بشعرها المعروف منه: أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على أبن دريف؟ فتى لا يعد الزاد إلاّ من التقى ... ولا المال إلاّ من قنى وسيوف وهي قصيد معروفة. الحذر قبل إرسال السهم . الحذر بفتحتين والحذر بكسر فسكون الاحتراز. يقال حذر بالكسر يحذر فهو حذر والإرسال: الإطلاق والمراد هنا الرمي والسهم معروف. وهذا من الأمثال العجماوية أيضاً. زعموا إنَّ غرابا رأى رجلا فوق سهما ليضرب به. فأراد ابنه أن يطير فقال له: يا بني اثبت حتى تعلم ما يريد الرجل. فقال له ابنه: يا أبت الحذر قبل إرسال السهم

стр. 445

فذهبت مثلا. وهو يحسن أن يضرب عند الأمر بالاحتراز والاستعداد للمحذور قبل وقوعه وقبل فوات محل الحذر. وذلك ظاهر. أحذر من ضب حرشته . الحذر مر والضب الحيوان المعروف والحرش صيادته. يقال: حرش الضب يحرشه حرشا فهو حارش وذلك أن يحرك يده في فم جحره ليظنه حية فيخرج ذنبه ليضرب بها فيقبض على ذنبه ويمتلخه من الجحر قال الشاعر: وأخدع من ضب إذا جاء حارش ... أعد له عند الذنابة عقربا ومن هذا المثل الآتي: هذا اجل من الحرش. أحذر من غراب. الحذر تقدم والغراب معروف وتقدم أيضاً ويضرب به المثل في شدة الحذر وذلك معروف مشهور. وقد قال بعض الحكماء: أخذت من كل شيء أحسنه حتى انتهى بي الأمر إلى الكلب والهرة والخنزير والغراب. فقيل له: ما أخذت من الكلب؟ قال: إلفه لأهله وذبه عن صاحبه. فقيل له: ما أخذت من الهرة؟ قال: حسن تأنيها وتملقاها عن المسألة. فقيل: ما أخذت من الخنزير؟ قال: بكوره من حوائجه. فقيل: ما أخذت من الغراب؟ قال: شدة حذره. حذو النعل بالنعل . تقول: حذوت النعل أحذوها حذوا إذا قطعتها وقدرتها وحذوت النعل بالنعل إذا قدرتها وقطعتها عليها. والنعل معروفة. والمثل يضرب في التساوي والتشابه. تقول في الشيئين يستويان: هما حذو النعل وذلك لأن كلا من النعلين تقدر بالأخرى وتقاس بقالبها. ومن ذلك قول الهذلي:

стр. 446

وتأملت السبت الذي أحذوله ... فأنظر بمثل حذائه أخذولي ويقال أيضاً: احتذيت حذو فلان أي فعلت فعله. الحرب خدعة . الحرب معروف مؤنث وقد يذكر. ويقال رجل حرب ومحرب أي شديد الحرب شجاع ورجل حرب أي عدو للواحد والجميع وللأنثى أيضاً. قال نصيب: وقولا لها: يا أم عثمان خلتي ... اسلم لنا في حبنا أنت أم حرب؟ والخدع الختل. يقال: خدعه يخدعه أي ختله وأراد به المكروه من حيث لا يعلم. ولفظ خدعة هاهنا روي مثلثا والذي في الصحاح الفتح والضم مع سكون الدال. قال والفتح افصح. وروي أيضاً خدعة على مثال همزة. والمعنى إنّها تنقضي بخدعة. والذي يقتضيه الاتقاق لغة في هذا الضبط إنَّ الخدعة بضم الخاء وصف. فإن كان بفتح الدال كهمزة فهو وصف للرجل يكون كثير الخدع للناس. وإن كان بسكونها فهو وصف للذي يخدع. والخدعة بفتح فسكون مصدر وهو المرة من الخدع وبالكسر للهيئة من ذلك. وهذا الكلام يروى حديثا. الحرب سجال . الحرب مر والسجال يكون جمع سجل بفتح السين وسكون المعجمة وهو الدلو فيها ماء. ولا يقال لها سجل إلاّ وفيها ماء والمساجلة: المفاخرة والمباراة في السقي بالسجال. قال الفضل بن عباس بن عتيبة بن أبي لهب وقد وقف على زمزم: من يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب ثم استعملت المساجلة في المعارضة والمباراة في كل شيء من سبق أو رمي أو غير ذلك. وتساجلا: تباريا. ومعنى المثل إنَّ الحوب دول بين الناس: سجل منها على هؤلاء وسجل على هؤلاء كما قال أبو سفيان لهرقل لمّا قال له: كيف الحرب بينكم وبينه؟ يعني النبي ﷺ فقال أبو سفيان: الحرب بيننا وبينه جال: يدال علينا مرة وندال عليهم أخرى. وقال زهير:

стр. 447

تهامون نجديون كيدا ونجعة لك ... ليس أناس من وقائعهم سجل وقد يضرب في غير الحروب من كل ما يشبهها من نزاع وجدال مثلا. ولفظ السجال في المثل جمع كما فسرنا أوّلاً. ولا يصح أن يكون مصدرا أي الحرب هو مساجلة. وحاصل الأمر واحد. حرب عوان . اعلم إنَّ العرب ضربوا للحرب المثل بأوصاف شتى: فمن السائر من ذلك العوان واللأقح والرباعية. يقولون: حرب عوان وحرب لاقح وحرب رباعية. أما العوان فاصلها في النساء وهي النصف في سنها وكذا في سائر الحيوانات. قال تعالى: لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك. ويقال العوان التي لها زوج. قال النابغة: ومن يتربص الحدثان تنزل ... بمولاه عوان غير بكر وهذا أيضاً نحتمل. والجمع عون بالضم. واشتقاق العوان من العون وهو القوة لأنها عرضة للأعانة إن استعينت. وأما العوان من الحروب فهي التي كانت قوتل فيها مأخوذ من عوان النساء كأنهم جعلوها في المرة الأولى بكرا ثم تصير ثيبا. قال أبو جهل يرتجز يوم بدر: ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سن لمثل هذا ولدتني أمي وقال زهير: إذا لقحت حرب عوان مضرة ... ضروس تهر الناس أنيابها عصل وقال الحماسي موسى بن جابر: وإن رفعوا الحرب العوان التي ترى ... فعرضة نار الحرب مثلك أو مثلي ومعلوم انهم ما وصفوها بالعوان إلاّ للمبالغة وإرادة إنّها شديدة لا مجرد إنّها قوتل فيها مرة. وكان ذلك لأجل إنَّ المبتكرة يخف أمرها لعدم استحكام الضغائن فيها بعد بخلاف التي تقدمها قتلا غرس في القلوب الضغائن وأحفظها وأكثر الأوتار. فذلك مظنة

стр. 448

الاشتداد مع عظم العود إلى الحروب على النفس ونفور النفوس منه وكراهيتها له كما قال الآخر: الحرب أوّل ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ... عادت عجوز غير ذات حليل شمطاء ينكر لونها وتغيرت ... مكروهة للشم والتقبيل وأما تشبيه الأولى بالبكر والثانية بالعوان فذلك يكون لثلاثة اوجه: الوجه الأول إنَّ البكر من النساء هي التي لم تتقدم ممارستها ومخالطتها بخلاف العوان. وهذا بين وإليه أشار حبيب في التعبير عنها بالثيب حيث قال: ولا اجتلبت بكر من الحرب ناهد ... ولا ثيب إلاّ منهم لها خطب الثاني إنَّ البكر لصغر سنها وجسمها في الحملة تشبه المرة الأولى لخفتها والعوان لعظم جسمها في الجملة وسنها تشبه الثانية لقوتها واشتدادها. وهذا من التوهم الخيالي. الثالث إنَّ البكر اسهل لغرتها وقناعتها بما تجد ولا كذلك العوان: فإنّها لاحتكاكها وتجربتها وطموح عينها اصعب محاورة واشد معاشرة وأدهى نكرا واعظم مكرا وهذا واضح. وقد يوصف بالعوان الأرض التي أصيبت بالمطر مرة بعد أخرى تشبيها كالذي مر. قال الحميد بن ثور الهلالي: ولقد نظرت إلى أغر مشهر ... بكر توسن بالخميلة عونا متسنم سنمتها متفجس ... بالدهر يملأ أنفسا وعيونا لقح العجاف له لخامس خمسة ... وشربن بعد تحلئ فروينا أراد بالأعر سحابا أبيض وبكونه بكرا أنه لم يمطر قبل ذلك وأراد بالخميلة الرمل ذات الشجر والعون جمع عوان وهي الأرض التي أصابها المطر مرة. ومعنى توسنها طرقها هذا السحاب ليلا عند الوسن أي النوم تقول: توسنت الرجل إذ أتيته وهو وسنان. والسنمات العظام الأسنمة من الإبل وأطلقها هنا على التلال والأكم. وقوله متنسم يريد يتسنمها أي يعلوها كالفحل الذي يتسنم الاينق. وقوله:

стр. 449

متفجس أي متبكر بالدهر، أي رعده، تشبيها بهدر البعير؛ والعجاف أراد بها الأرضين المجدبة مجازاً؛ ومعنى لقحت حملت؛ أي أنبت عشبها. وقوله بعد تجلئ أي شربت بعد امتناع من الماء زمانا، من قولك: حلأته، أي دفعته وطردته. وأما اللاقح فأصلها في الحيوان أيضاً. يقال: لقحت الناقة بالكسر إذا حملت وألقحها الفحل، فهي لاقح ولقوح ولقحة بالكسرو يفتح. وحمع اللاقح لواقح ويجمع اللقوح لقح، وجمع اللقحة لقح، كقربة وقرب ولقح. وثم ضربوها مثلاً للحرب إذا عظمت واشتدت تشبيها لها بالناقة إذا جملت فعظم بطنها. قالت الفارغة بنت طريف: ولم تسع يوم الحرب والحرب لاقح ... وسمر القنا ينكزنها بأنوف ومنه قول زهير السابق: إذا لقحت حرب عوان مضرة. ومن أبلغ ما ورد في هذا المعنى قوله أيضاً في ميميته، حيث وصف الحرب فقال: وما الحرب إلاّ ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم متى تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا ضريتموها فتضرم فتعكرتم عرك الرحا بثفالها ... وتلقح كشافا ثم تحمل فتتئم فتنتج لكم غلمان أشام كلهم ... كأحمر عادٍ ثم ترضع فتفطم فتغلغل لكم مالا تغل لأهلها ... قرى بالعراق من قفيز ودرهم قوله تبعثوها ذميمة أي مذمومة، وكان الأفصح أن يقول ذميما، بغير هاء. ويروى بالدال المهملة، أي حقيرة، إشارة إلى معنى ما تقدم في قول الآخر: الحرب أول ما تكون فتية. وقوله عرك الرحا بثفالها، أي وهي على ثفالها. والثفال بالثاء المثلثة مكسورة ما يجعل تحت الرحا حال الطحن، يريد: تعرككم عرك الرحا إذا كانت طاحنة. وقوله تلقح كشافا: الكشاف إنَّ يحمل الفحل على الناقة سنتين ولاء أو كل سنة، أو أن تلقح حين تنتج، أو أن يضربها وهي حامل. وهي ناقة كشوفة، وقد كشفت تكشف، كشفا. وأراد أن هذه الحرب كلما خمدت عاجت. وقوله فتتئم، أي تأتي من حملها بتوءمين، وهذا تهويل وتعظيم لامر الحرب، وإيهام أنَّ شرها متكرر وهولها متضاعف. وشبهها بالناقة لما تقدم، ولأنها أيضاً يطول أمرها فتكون بمنزلة الناقة التي تضرب، ثم تحمل، ثم تنتج، ثم تفطم. وقيل لأنها يتحلب منها من الدماء مثل ما يتحلب من الناقة من اللبن. وقوله فتنتج لكم غلمان أشأم، فوضع أشأم

стр. 450

موضع المصدر، أو غلمان شؤم أشأم على المبالغة، ونحو شغل شاغل، وليل أليل؛ أو غلمان امرئ أشأم. وقوله كلهم كأحمر عاد يعني عاقر الناقة، وهو يضرب به المثل في الشؤم، وأراد أحمر ثمود، فأضافه إلى عاد غلطا، كما قال الآخر: مثل النصارى قتلوا المسيحا وقيل ليس بغلط، لأن ثمود يقال لها عاد الآخرة، وهو دهم عاد الأولى. قال: تعالى:) وإنّه أهلك عاداً الأولى (. وأما الرباعية بياء مخففة فهي أيضاً في الإبل، وهي في السن التي بين الناب والثنية. ويقال للذي ألقى رباعية ربع، وجمعه ربع، كقذال وقذل. ويقال للغنم في السنة الرابعة أربعت، وللبقر وذات الحافر في الخامسة، ولذات الخف في السابعة. وتقدم ذكر أسنان الإبل إنَّ الرباعي منها والرباعية بين الثني والسدس. ويقال: جمل وفرس رباع ورباع، ونظيره ثمانٍ وثمانٌ، ونشاحٍ وناشحٌ، وجوارٍ وجوارٌ؛ والأنثى رباعية، وتوصف الحرب بالرباعية لشدتها وقوتها. قال الشاعر: إنها حرب رباعية ... مثلها آتي الفتى عبره وقيل لأمرأة من العرب الحر إذا خودع تخادع، وإذا عظم تواضع . هذا مثل مصنوع، فيما أظن، وهو ظاهر المعنى. ومثله قول الشاعر: إذا مدح الكريم يزيد خيراً ... وإنَّ مدح اللئيم فلا يزيد حرة تحت قرة . يقال: حر الرجل يحر، كظل يظل، حراراً وحرة، فهو حران وهي حرى، إذا عطش. الحرة في المثل مكسورة للازدواج. والقر بضم القاف البرد، أو برد الشتاء خاصة؛ والقرة بالكسر ما أصابك منه. وهذا المثل يضرب للأمر يظهر وبعده أمر خفي. وأصل الحرة تحت القرة إنّها العطش مع البرد وهو إذ ذاك ينحاز إلى الجوف فيكون سعيرا ومع ذلك لا يظهر من حال صاحبه لمّا هو فيه من البرد إنّه عطشان.

стр. 451

ويقال: اشد العطش حرة تحتب قرة ويقال أجد حرة تحت قرة ورماه الله بالحيرة تحت القرة. وفي الأمثال العامة قولهم: الشتاء على قرني والعطش قتلني. وهذا يضرب لأمر آخر. احر من دمع المقلات . الحرارة ضد البرد كالحر والحرورة. يقال: حر اليوم يحر كمل يمل وحر يحر كفر يفر حرارة فهو حار والدمع معروف والمقلات من النساء التي لا يعيش لها ولد ومن النوق التي تضع ولدا تم لا تحمل مشتق من القلت بفتحتين وهو الهلاك. يقال قلت يقلت كفرح يفرح قلتا إذا هلك. وفي الخبر: المسافر ومتاعه على قلت إلاّ ما وقى الله تعالى. والمقلتة: المهلكة والقلات على وزن مفعال والجمع مقاليت كمقياس ومقاييس ومصباح ومصابيح قال طرفة: لا تلمني إنّها من نسوة ... رقد الصيف مقاليت نزر الرقد جمع رقود يعني أنهن مكفيات فهن يرقدن ولا يخدمن ولا يسعين وهن مقاليت لا تعيش أولادهن فيتحملن مؤنتهم وهن نزر أي قلائل الأولاد بالأصلة جمع نزور: فهن بذلك نعمات الأجسام نظائف الأذيال فائقات الكمال. وقال جرير في المفرد: خشاش الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات نزور ووصف دمعه المقلات بالحرارة لأنها تبكي حزنا على أولادها وهم يصفون دمعة الحزن بالحرارة ومن ثم يقولون في الدعاء على الرجل اسخن الله عينه ويصفون دمعة الفرح بالبرد ومن ثم يقولون: قرت عين فلان في السرور والفرح وأقر الله عينه!

стр. 452

أحر من القرع الحرارة تقدمت والقرع بفتحتين بثر أبيض يخرج من أعناق الفصلان وقوائمها ودواؤه الملح وحباب ألبان الإبل. فإذا لم يجدوا ملحا نتفوا أوبارها ونضحوا جلودها بالماء ومنه المثل. قال في الصحاح: وربما قالوا أحر من القرع بالتسكين يعنون به قرع الميسم وهو المكواة. قال: كأن على كبدي قرعة ... حذارا من البين ما تبرد قال: والعامة تريد به هذا القرع الذي يؤكل. انتهى. قلت: وإنّما توهموا المأكول لأنّه تشتد حرارته إذا طبخ وتطول ولا يبرد بعد زمن حتى قالوا في زعاماتهم وأمثالهم: قال الذئب: لا آمنك يا قرع ولو كنت في الماء. حر انتصر . الحر بالضم خلاف العبد وحر كل شيء خياره والحر الجيد. يقال: ما هذا من فلان بحر أي جيد. قال طرفة بن العبد: لا يكن حبك حبا قاتلا: ... ليس هذا منك ماوي بجر وقال امرؤ القيس: لعمرك ما قلبي إلى أهله بحر ... ولا مقصر يوما فيأتيني بقر والنصر الإعانة نصره على عدوه ينصره نصرا: أعانه وأستنصر: طلب النصر وانتصر منه: انتقم. وتقدم هذا المثل وإنّه من الأمثال التي نسبت إلى الضب في تحاكم الثعلب والأرنب إليه. يضرب للرجل يظلم فينتقم. أحرس من الكركي . يقال: حرس الشيء بالفتح يحرسه حراسة حفظه والكركي على مثال الجندي طائر معروف جمعه كراكي يوصف بالحذر والحراسة. ويزعمون إنَّ الكركي تحرس مداولة فيبقى الذي يحرس منها لا ينام. ويهتف بصوت

стр. 453

خفي ينذر إنّه حارس حتى إذ قضى نوبته قام الذي كان نائما. ويقال إنّه لا يطأ الأرض أبداً إلاّ بأحدى رجليه ويعلق الأخرى ولا يضعها على الأرض وإن وضعها وضعها وضعا خفيفا مخافة أن تخسف به. محترس من مثله وهو حارس . الحرس والحراسة تقدم. وتقول: احترست منه وتحرست إذا تحفظت. وهذا المثل يضرب لمن يعيب الخبيث وهذا أخبث منه. واصله شعر عبد الله بن همام يقول لرجل كان على شرط الكوفة للحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي يقال له الحمارس وهو: أقلي علي اللوم يا ابنة مالك ... وذمي زمانا ساد فيه الحمارس فساع من السلطان يسعى عليهم ... ومحترس ومن مثله وهو حارس وكم قائل: ما بال مثلك راجلا؟ ... فقلت له: من أجل أنك فارس إذا لم يكن صدر المجالس سيد ... فلا خير فيمن صدرته المجالس ويروى: وذمي زمانا ساد فيه الفلاقس وهو جمع فلنقس. والفلنقس من أمة عربية وأبوه مولى. وقيل من أبواه عربيان وجدتاه أمتان. وقيل من أبواه موليان معا. أحرص من نملة . الحرص: الجشع يقال حرص يحرص كضرب يضرب وحرص يحرص كسمع يسمع حرصا. والنملة واحدة النمل وهو معروف. يقال إنّه ليس في الحيوانات من يحتكر الإنسان والعقعق والنمل والفأر. والنمل عظيم الاحتياط في الاحتكار. يقال إنّه إذا احتكر ما يخاف عليه أن ينبت قسمه نصفين وإذا خاف العفن على الحبوب أخرجه إلى ظاهر الأرض فنشره. وأكثر ما يفعل ذلك ليلا بضوء القمر.

стр. 454

حرق عليه الأرم . الحرق: البرد. يقال: حرق الشيء يحرقه كقتله يقتله إذ برده وحك بعضه ببعض وحرق نابه يحرقه: حكه بأسنانه حتى سمع له صريف والأرم بضم الهمزة وفتح الراء المشدد على مثال ركع الأسنان أو أطراف الأصابع. والأرم أيضاً الحصا فيقال: فلان يحرق عليك الأرم أي تغيظ وأشتد غيظه. قال الراجز: نبئت أحماء سليمى إنّما ... باتوا غضابا يحرقون الأرما وقال زهير في معناه: أبى الضيم والنعمان يحرق نابه ... عليه فأفضى والسيوف معاقله وقال الآخر: يلوك من حرد عليك الأرما أي يعلك أسنانه أو أصابعه. وقد قيل: الأرم هنا الشفاه ويحتمل الحصى وكل ذلك صحيح لأنّه يكون من شأن المتغيظ كما كان عد الحصى شأن الهموم في قول امرئ القيس: ظلت ردائي فوق رأسي قاعدا ... أعد الحصى ما تنقضي عبراتي وسميت الاسنان أرما من الأرم وهو الأكل إذ بها يكون. يقال: أرم ما على المائدة إذا اكله فلم يبق منه شيئاً. وهذا المثل هو مثل المثل الآتي: فلان يكسر عليك الفوق والأرعاظ. حرك خشاشه . التحريك معروف والخشاش بكسر الخاء المعجمة ما يدخل في عظم أنف البعير من خشب وهو إذا حرك تضرر البعير بذلك فيقال: حركت خشاش فلان أي

стр. 455

فعلت به فعلا يؤذيه ويغضبه. ويطلق الخشاش أيضاً على الغضب نفسه وعلى معان أخرى لا تناسب المحل. وأما الخشاش بمعنى الحشرات فمثلث الأول. حرك لها حوارها تحن . الحوار بضم الحاء على وزن أوار ولد الناقة قبل أن يفصل وتقدم الحنين الشوق. يقال: حن إليه يحن بالكسر فهو حان وحنان إذا تاقت إليه نفسه. وهذا المثل قاله عمرو بن العاصي لمعاوية رحمهما الله حين أراد أن يستنصر بأهل الشام. وهو مثل المثل السابق: الإيناس قبل الابساس. وفي كلام أبي الوليد بن زيدون يخاطب أبن جهور: فما أبسست بك إلاّ لتدر وحركت لك الحور إلاّ لتحن. حزت حازة من كوعها . يضرب في اشتغال القوم بأمرهم عن غيره. ولم اقف له على أصل. أحزم من الحرباء . الحزم ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة. حزم الرجل بالضم يحزم حرامة فهو حازم وهم حزمة وحزماء والحرباء على مثال علباء والأنثى حرباءة والألف للإلحاق بالقرطاس: دويبة برية لها سنام يشبه سنام البعير وهي تستقبل الشمس أبداً بعينها وتدور معها كيف ما دارت قال كعب بن زهير ﵁: يوم يظل به الحرباء مصطخدا ... كأن ضاحية بالشمس مملول وقال أبن الرومي: ما ذاك إلاّ إنّها شمس الضحى ... أبداً يكون رقيبها الحرباء قيل: ويتلون بألوان من صفرة وحمرة وخضرة كما قال الشاعر: وقد جعل الحرباء يصفر لونه ... ويخضر من لفح الهجير غباغبه

стр. 456

ويوصف بالحزم والتحفظ، وذلك إنّه لا يزال متمسكا بأصل الشجرة، فلا يرسله حتى يستمسك بآخر. قال الشاعر: إني أتيح له حرباء تنضبةٍ ... لا يرسل الساق إلاّ ممسكا ساقا أي لا يرسل ساقا من شجرة إلاّ في حالة إمساكه ساقاً آخر. والتنضبة شجر يتعلق به الحرباء. فهو مضاف إليه، كما تقول ذئب غضا. ويروى أنَّ رجلا خاصم أبن عمه إلى معاوية، ﵁، فلما سمع حججه قال له: أنت كما قال الشاعر، وانشد البيت المذكور، وضربه مثلا لمّا هو فيه من اللدد والاحتجاج، بحيث لا يرسل حجة إلاّ متمسك بأخرى. أحزم من عقابٍ . الحزم مر؛ والعقاب تقدم في حرب الباء أيضاً، وهو يوصف بالحزم. وقالوا: من حزمه إنّه يخرج من بيضته على جبل عال، ولا يتحرك من مكانه ذلك حتى ينبت ريشه جميعا ويتكامل ولو تحرك قبل ذلك سقط. أذكر في هذا المعنى ما أخبر صاحب التشوف في ترجمة الشيخ أبي مهدي الدغوغي، رحمهما الله ونفعنا بهما، قال: حدثني داود بن الخالق حدثني وين الخير قال: كنت بمسجد أبي مهدي ادرس القرآن. فكان يقعد عندي ويدلني على طريق الآخرة. فجاءه ليلة بعض إخوانه. فلما صلينا العتمة تأخرا في المسجد إلى إنَّ انصرف الناس. فخرجنا من أحد أبواب المسجد، فشدا على أنفسهما أثوابهما وتلثما. فرأيتهما وثبا من الأرض كهيئة الغرانيق الثقيلة تطير على وجه الأرض. ومازالا يعلوان في الهواء إلى أنَّ غابا عني، فانكسرت انكسارا عظيما ونالتني حسرة القصور عن أحوال الرجال، وتكاسلت عن القرآن، وبقيت مفكرا طول ليلتي. فلما كان وقت صلاة الصبح صلى معنا أبو مهدي مع صاحبه صلاة الصبح. ثم جاء وقعد عندي على عادته، فرآني منكسرا متكاسلا عن القرآن، فقال: مالك لا تقرأ؟ فسكت. فقال: لعلك رأيتني البارحة؟ فهملت عيناي بالدموع، فقلت له: رأيتكما وأريد أن أصحبكما إذا ذهبتما. فقال لي: يا بني إنَّ الفرخ إذا نبت رغبه لم يطر مع الطير حتى يكمل نبات ريشه! قال. فلما كان ذات ليلة قال لي:

стр. 457

اذهب إلى فلان في بلد تانوريت وهو بلد بني سمائل وقل له يأتيني لأصلي معه الصبح الآن، وبينهما مسيرة يومين، وقد قرب طلوع الفجر! قال. قلت في نفسي: كيف يمكن هذا؟ ثم تذكرت أحواله، فمشيت وتبعني ووادعني ورجع. فمشيت قليلا وأدركني شبه السنة، فما شعرت إلاّ وأنا أعاين مسجد تانوريت. فخرج إلي منه رجل فقال: بعثك إلي شيخ أبو مهدي؟ فقلت له نعم: وامرني أن أعلمك أن تصلي معه بمسجده الآن صلاة الصبح. فقال لي: تقدم! ودار حول المسجد، وغاب عني، وانقلبت راجعا. فأصابني أيضاً شبه السنة، فإذا أنا على قرب من مسجد أبي مهدي. فدخلت المسجد، فوجدت أبا مهدي وصاحبه يتحدثان وقد صليا صلاة الصبح. فصليت وظننت أني قد لحقت بالشيخ فأتيته. فقال لي: يا بني! أرأيت بعض ما يرى الرجال؟ فقلت له: يا سيدي، عسى أنَّ أصحبك في مسيرك إذ سرت طار الطائر الصغير قبل استكمال نبات ريشه مع الطائر الوافر الريش، فإنما يسير ميلين ويسقط في القفر، فيلتقطه الرعيان. وإنَّ جاء الرجال ليصلون إلى موضع لو طار الطائر إلى إنَّ يسقط ريشه وينبت آخر فطار حتى يسقط فينبت آخر، فطار حتى يسقط فينبت آخر، وما وصل موصل عباد الله الصالحين في طرفة عين. أحزم من قرلى . ويقال أيضاً: أحذر من قرلى؛ ويقال أيضاً: احزم أو أحذر من قرلى، إنَّ رأى خيرا تدلى، وإنَّ رأى شراً تولى أو تعلى. الحزم تقدم، وكذا الحذر. والقرلى بكسر القاف والراء، وبعد اللام ألف مقصورة، ويحكى أيضاً في القاف التثليث، طائر شديد الحذر، ولا يرى إلاّ على وجه الماء على جانب يهوي بإحدى عينيه إلى الماء طعماً ويرفع الأخرى حذراً. فإنَّ رأى في الماء ما يصاد من السمك، أنقض عليه انقضاض السهم؛ وإنَّ رأى جارحا ذهب. ومن ثم: يقال: إنَّ رأى خيراً تدلى أي إلى الماء، وإنَّ رأى شرا أي ما يخافه تولى فراراً منه. وقيل: إنَّ قرلى في هذا المثل رجل من العرب كان لا يفوته طعام أحد، فحيثما كان الطعام

стр. 458

في ناحية توجه إليه؛ غير إنّه إنَّ صادف في طريقه خصوما مثلا ترك ذلك الطريق ولم يمر به. ومن ثم قالوا: اطمع من قرلي، والمراد به هذا الرجل. قيل: ويمكن إنَّ يكون هذا الرجل شبه بهذا الطائر، وسمي باسمه. حسبك من شر سماعه . يقال: احسبني الشيء يحسبني إحسابا، فهو محسب، أي كفاني. قال الشاعر: إذا ما رأى في الناس حسنا يفوقها ... وفيهن حسن لو تأملت محسب وقال الأخر: وتقفي وليد الحي إنَّ كان جائعا ... وتحسبه إنَّ كان ليس بجائع وقالت الخنساء: يكبون العشار لمن أتاهم ... إذا لم تحسب المائة الوليدا وهذا الشيء حساب، أي كافٍ. قال تعالى:) عطاء حسابنا (. وحسبك درهم، أي يكفيك. قال تعالى:) حسبك الله (. وقال الشاعر: إذا كانت الهيجاء واشتقت العصا ... فحسبك والضحك سيف مهند! أي يكفيك ويكفي الضحاك. وقال امرؤ القيس: فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وري وهذا الشعر ينسبه الناس لامرئ القيس، وهو في ديوانه وقبله: ألا إلاّ تكن ابل فمعزى ... كأن قرون جلتها العصي وجاد لها الربيع بواقصاتٍ ... فآرام وجاد لها الولي إذا مشت حوالبها أرنت ... كأن القوم صبحهم نعي فتوسع أهلها أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى وشبع وري

стр. 459

وسبب قوله ذلك أنَّ بني النبهان، لمّا لم يقدروا أنَّ يفتكوا له إبله التي أخذتها جذيلة وأخذت منهم رواحله التي ركبوها في رد الإبل، استحيوا من ذلك فوهبوا له المعزى التي وصفها. وكان الأصمعي ينكر نسبة هذا الشعر لامرئ القيس ويقول: امرؤ القيس لا يقول مثل هذا، واحسبه للحطيئة. وسبب إنكاره قوله: وحسبك من غنى شبع وري، فإن هذا مناف لحال امرئ القيس ولمّا كان يقول في شعره من أنَّ مطلوبه الملك، لا ما دونه، كقوله: ولو إنّما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكنما أسعى لمجد مؤثلٍ ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي قلت: وأنت خبير بأنه، مع حالته هذه، لا بعد في أنَّ يقول لوجهين: أحدهما أنَّ يقوله استهزاء ببني نبهان، حيث أغير عليه في جوارهم، ثم ركبوا رواحله في رد إبله، فانتزعت منهم زيادة على ما ذهب من الإبل، فوقعوا في هوان عظيم وذله وصغار. ثم لم ينتصروا وجعلوا يعطونه معزى عن الإبل العكر والرواحل النجب، فعظم أمر المعزى ضحكا منهم، وذلك هجاهم حيث يقول: فدع عنك نهبا صيح في حجراته ... ولكن حديثا ما حديث الرواحل! كأن دثار حلقت بلبونه ... عقاب تنوفى لا عقاب القواعل وأعجبني مشي الخزقة خالدٍ ... كمشي أتان حلئت في المناهل خالد هذا هو الذي مشى في ردها فانتزعت منه الرواحل. الثاني إنَّ يريد ظاهره، وهو إنّها كافية، قائمة مقام الإبل الذاهبة شبعا وريا. ولا يعني إنَّ ذلك منيته وبغيته من الدنيا، وإنَّ ذلك كاف من يطلب العيش، ولا يعني نفسه. وقال نصيب: وقال رجال: حسبه من طلابها ... فقلت: كذبتم ليس لي دونها حسب! وقبل هذا البيت قوله: بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب ... وقل إنَّ تمثيلنا ملك القلب وقل: إنَّ ننل بالود منك محبة ... فلا مثل ما لاقيت في حبكم حب وقل في تجنيها: لك الذنب إنّما ... عتابك من عاتبت فيما له عتب فمن شاء رام الصرم أوقال ظالما ... لذي وده ذنب وليس له ذنب

стр. 460

خليلي من كعب ألما هيتما ... بزينب لا تفقدكما أبدا كعب من اليوم زوارها فإن ركبنا ... غداة غدٍ عنها وعن أهلها نكب وقولا لها: يا أم عثمان خلتي ... أسلم لنا في حبنا أنت أم حرب؟ وقال رجال: حسبه من طلابها " البيت " وكان جرير يقول: " وددت أني سبقت أبن السوداء إلى هذه الأبيات! " يعني نصيبا. وقال الأعرابي: وحسبك من خمر يفوتك ريقها ... ووالله ما من ريقها حسبك الخمر! ولهذا الشعر حطاية ظريفة عن بعض أصحاب الأصمعي قال: ما رأيت كأعرابي وقف علينا وسلم وقال: أيكم الأصمعي؟ فقال له: هاأنا ذا! قال: أنت الذي يزعم هؤلاء انك أعرفهم بالشعر؟ قال: فمن هو اعلم مني؟ قال: أنشدوني من شعر أهل الحضر حتى أريه من شعرنا، فأنشده شعراً قيل في مسلمة بن عبد الملك: أمسلم أنت البحر إنَّ جاء واردٌ ... وليث إذا ما الحرب طار عقابها وأنت كسيف الهندواني إنَّ غدت ... حوادث من حرب يعب عبابها ولا خلقت أكرومة في امرئ له ... ولا غاية إلاّ إليك مآبها كأنك ديدان عليها موكل ... بها وعلى كفيك يجري حسابها إليك رحلنا العيس إذ لم نجد لها ... أخاثقةٍ يجرى لديه ثوابها فتبسم الأعرابي وهز رأسه، فظننا إنّه استحسن الشعر، ثم قال: هذا شعر مهلهل النسج، خطؤه من صوابه: تشبهون الملك بالأسد، والأسد أبخر قبيح المنظر، وبالبحر، والبحر مر صعب، وبالسيف، وربما خان ونبا. هلا أنشدتموني كما قال صبي منا؟ فقال له الأصمعي: ما قال؟ فأنشد: إذا سألت الورى عن كل مكرمةٍ ... لم يعز أكرمها إلاّ إلى الهول فتى جواد أذاب المال نائله ... فالنيل يشكوا لديه كثرة النيل والموت يكره إنَّ يلقى منيته ... في كره عند لف الخيل بالخيل لو زاحم الشمس أبقى كاسفة ... أو زاحم الصم ألجاها إلى الميل
следующие страницы →