← Адаб

Адаб · id 741

وصايا الملوك

دعبل الخزاعي

Полный текст (44 стр.). Показаны 36–44 · переход к 41.

стр. 36

قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن جبلة بن الأيهم لم يزل ملكاً مطاعاً في قومه غسان، يحبى إليه خراج الشام وتطيعه قبائل العرب فيها. فبعث رسول الله ﷺ تسليماً وجبلة بن الأيهم ملك الشام. فتوفي رسول الله ﷺ فجلس أبو بكر، وأقام في الخلافة ما أقام وجبلة بن الأيهم ملك الشام. فلما كان في زمان عمر بن الخطاب أسلم جبلة بن الأيهم، وقدم المدينة في خمسمئة فارس من قومه أصحاب التيجان، وسار منها حتى دخل مكة حاجّاً. ويقال: إنه كان يطوف ذات يوم من أيام الحج عليه إزار وشي ورداء وشي، فوطئ إزاره رجل من فزارة، قال: فلطمه جبلة بن الأيهم لطمة هشّم بها أنفه، فقال: فأقبل الفزاري ودمه يسيل على صدره، حتى وقف على عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين أنصفني من هذا الملك الجبار جبلة بن الأيهم الجفني، لطمني لطمة، فتركني على هذه الحالة، قال: فدعا عمر بن الخطاب بجبلة بن الأيهم، فقال له: علام لطمت هذا الرجل؟ فقال له جبلة بن الأيهم: وطئ إزاري، فقال عمر بن الخطاب: أما أنت فقد أقررت، فإما تعطيه لطمة بلطمته، وإما أن ترضيه من مالك، فقال جبلة بن الأيهم: لا أفعل شيئاً مما ذكرت يا أمير المؤمنين، وهم جبلة بن الأيهم أن يثير الفتنة بينه وبين عمر بن الخطاب. قال: فدخل إليه الناس فكلموه، وسكنوا بعض ما كان به من الغضب، وناشدوه بالله ألا يجعلها فتنة، فأجابهم جبلة بن الأيهم إلى ذلك. فلما كان في بعض من الليل مضى إلى الشام جبلة بن الأيهم فيمن معه، ودخل في النصرانية، ومضى حتى دخل بلد الروم على هرقل بن قيصر مغضباً حنقاً عاتباً على عمر بن الخطاب. وهذا مختصر من خبر جبلة بن الأيهم، والشرح يطول في ذلك. ويقال: إنه ندم على ما كان من تركه الإسلام ودخوله في النصرانية. وقال في ذلك شعراً، يقول فيه: تنصَّرتُ للإشفاقِ مِن عارِ لطمةٍ ... وما كانَ فيها لو تصبَّرتُ من ضررْ تحمَّلِني منها لجاجٌ ونخوةٌ ... فبعتُ لها العينَ الصحيحةَ بالعورْ فياليتَ لي بالشَّامِ أدنى معيشةٍ ... أجاورُ قومِي داني السَّمعِ والبصرْ وياليتْ أُمِّيْ لم تلدنيْ وليتنِيْ ... رجعتُ إلى القولِ الَّذِي قالَ لي عُمرْ وياليتني أرعى المخاضَ بعُقرةٍ ... وكُنتُ أَسيراً في ربيعةَ أو مُضرْ قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: ولقد كان لجبلة بن الأيهم عند دخوله في النصرانية أخبار وأحاديث، يطول شرحها، وهو الذي يقول فيه حسان بن ثابت الأنصاري لما وصل به بره من أرض الروم حيث يقول: إنَّ ابن جفنةَ من بقيَّة معشرٍ ... لم تغذُهُم آباؤهُمْ باللُّومِ لم ينسنيْ بالشَّامِ إذ هُو ربُّها ... كلَّا ولا مُتنصِّراً بالرُّومِ يُعطِي الجزيلَ ولا يراهُ عندهُ ... إلاّ كبعضِ عطيَّةِ المذمُومِ جالَستُهُ يوماً فقرَّبَ مجلِسيْ ... وسعى عليَّ براحةِ الخرطُومِ وصية كندة وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن كندة - وهو ثور بن المرتع، واسم المرتع نبت بن مالك بن زيد بن كهلان - وصى بنيه، وهم أثله ونحيب ومعاوية، وهو جدّ الملوك المتوجة من كندة، فقال لهم: يا بني احفظوا أنفسكم عما يشينها، وحثوها على ما يزينها. يا بني، ما أفلح غادر قط، ولا ساد خائن يوماً من الدهر، ولا عاش كريماً إلا حميداً، ولا مات جواد إلا فقيراً ولست أرى شيئاً أذل من البخل، ولا أحسن من المنفرد الوحيد. ثم أنشأ يقول: بَنِيَّ احفظُوا للدَّهرِ منِّي خصائلاً ... تعيشُوا بها بينَ الأنامِ مُلُوكاً بَنِيَّ أقلُّ النَّاس مَنْ كانَ غادراً ... فكانَ لإحرامِ الرِّجالِ هَتُوكا وأكثرهُمْ من كانَ في العُرفِ آمرأً ... وكانَ لمذمُومِ الفعالِ ترُوكا وأكرمُهُم من كان في سُبُلِ العُلا ... وفي مهيعِ المجدِ التَّليد سلُوكا وأحملهم من كان يُلفَى لقومِهِ ... إذا ندبُوهُ للنِّزالِ وشيكا وكان لدى الهيجاءِ في كُلِّ مشهدٍ ... قصُوماً لأقرانِ الرِّجال بتُوكا وإيَّاكُمُ والبُخلُ فالبُخلُ ربُّهُ ... وإن كان ذا مالٍ يموتُ ضريكا ولو عاشَ ما قد عاشَ لُقمانُ لم يكُنْ ... مع البُخلِ إلا خامِداً وهلُوكا

стр. 37

بنيَّ صِلُوا الأرحامَ كي لا تفرَّدُوا ... إذا كان طعنُ الواصلين شكُوكا فما اللَّيثُ إلا بالعرين الَّذي بهِ ... لما شاءهُ عند الجبالِ دروكا وليسَ امتناعُ البيتِ إلا بأهلِهِ ... وإن ... سميكا وصية واثلة بن كندة وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن واثلة بن كنده بن المرتع وهو الذي يقال له الأشرس بن كندة وصَّى بنيه فقال لهم: يا بني، عليكم بالثلاثة تنالوا بها ثلاث خصال، لا ينازعكم فيه ثلاثة، شريف تعالى في شرفه، وعزيز تسامى في علو عزه، وكريم في حالق من ربائع كرمه. يا بني أجزلوا الموهبة قبل أن تسألوها لتسودوا الكرام قبل أن يسودكم مبذالها، وأجملوا الصمت في الندي يجمع لكم قوالها، واصدقوا الطعن عند الهياج ليرهب جانبكم أبطالها. أي ثلاثة لا عدمتموهن ثلاثاً تجمع لكم الكرم والسؤدد والعز. وفي ذلك يقول أخوه يجنب بن كندة حيث يقول: لم يُبقِ واثلةُ بن كِندةَ مرشداً ... ممَّا بهِ وصَّى بنيهِ أبوهُ حتَّى حباهُ ذا المكارمِ سكسكاً ... فوعاهُ حفظاً والسَّكونُ أخُوهُ وصَّاهُما بثلاثةٍ وصَّى بها ... في السَّالفات من الزَّمان ذَووهُ لا تعدُوانِ الرُّشدَ ما عملاتها ... والمرءُ يحوي ما حواهُ أبوهُ إنَّا لنسلُكُ مسلكا آباؤنا ... من قَبلنَا فيما مضى سلكُوهُ وكذاكُمُ أولادُنَا أتباعُنَا ... فيما اتَّخذناهُ وما اتَّخذوهُ لا يعرِفُونَ سوى الَّذي من قبلِنا ... آباؤنَا وجُدودُنا عرفُوهُ كانُوا المُلُوكَ وقد ملكنا بعدهُمْ ... من أمرِ هذا النَّاس ما ملكُوهُ ولسوفَ يملِكُ بعدنا من نسلِنَا ... تيجانَنَا شُمُّ الأنوفِ وُجُوهُ يُوهُونَ ما رقعَ الزَّمانُ وصَرفُهُ ... عِزَّاً ولا يُوهى الَّذي رقعوهُ وصية معاوية الأكرمين وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن معاوية الأكرمين وهو جد الملوك المتوجة من كندة وصَّى بنيه، فقال لهم: يا بني، أحسنوا موالاة من والاكم، واجتهدوا في معاداة من عاداكم، أما من عاداكم فأسهروا ليله، وأخيفوا نهاره، وكونوا أمامه ظلاماً، ووراءه أفاعي، وعن يمينه وشماله أسداً، افترسوه في الليل إذا تعشى، وانتهموه في النهار إذا تخلّى، فإن تركه إياكم ليس من شفقة به عليكم، ولكنه ينتظر الفرصة فيكم، ليثب وثبة الخادم على الضالة في مرصده. وأما من والاكم فارعوا ليله، واحفظوا نهاره، وكونوا له حصناً ساطعاً وركناً مانعاً وعيشاً هامعاً، وأدنى ما توجبون له من حقه أن تؤثروه بالخير عليكم، وتقوه الشر بأنفسكم، وأن تحفظوه وأقاربه، فما الناس إلا اثنان، عدو كاشح وصديق ناصح. ومعاوية هذا الذي يقول فيه عامر بن السّكون الأشرس بن كنده بن المرتع حيث يقول: أبَتْ حادثاتُ الدَّهرِ إلا امتحانيه ... على المكروه إلا اصطباريهْ لقد كانَ ظنِّي أنْ أوارى ولا أرى ... رجالاً بأيدِيهَا بواراً مُعاوِيَهْ وكانَ القُوى مِنِّي فلمَّا سُلِبتهُ ... سُلِبتُ القُوى حتى استبانَ انحنائِيهْ لقد فارقَتِنيْ يومَ فارقتُ وجههُ ... يَمينِيَ لا بلْ فارقتني شِماليَهْ فلو كانَ يُفدَى لافتديتُ بقاءَهْ ... بنفسِيْ وأولاديْ وأهليْ وماليهْ لقد ورثِتْ ثور بنَ نبتِ بن مالكٍ ... فتاها الَّذِي أضحتْ لَهُ وهي باكِيهْ فكائنْ ترى في كِندةَ المُلكَ والعُلا لهُ اليومَ من راثٍ يَحنُّ وراثيةْ معاويَ إنِّي لستُ أنساكَ ما جرتْ ... شآميةٌ في عندلٍ أو يمانيهْ تمنَّيتُ إذ وافتْ نعاتُكَ عُذوةً ... بأن قبلها قامَتْ عليَّ نُعاتيهْ وصية عمرو المفضور وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن عمرو المفضور وصى بنيه فقال لهم: يا بني، إن الدهر يومان، خير وشر، فأعدوا للخير خيراً يجمع لكم خيران في قرن واحد، وادفعوا شرَّه بالتي هي أحسن عاقبة وأجلَّ مالاً من غيرها، يا بني، اعملوا بما أوصيكم، ولا تعدوه إلى غيره، فإن الرُّشد في وصيتي والغي بما خالفها. ثم أنشأ يقول: " من البسيط " إنْ تَجهلُوا ذِكركُم فالدَّهرُ يومانِ ... خيرٌ وشرٌ هما شيئانِ إثنانِ

стр. 38

استقبلُوا خيرهُ بالخيرِ وافترِقُوا ... خَيراً يكُن لكُمُ في الخيرِ خيرانِ ودافِعُوا شرَّهُ عَنكُم بأحسنِهَا ... دفعاً فقد يُدفَعُ الشَّرُ بإحسانِ بِذاكَ أسلافُنَا وصَّوا ... بنيهمُ مِنْ بنيْ هُودٍ وقحطانِ ولم يزلْ ذاكَ في الحيَّين بعدهُمُ ... من حِميرٍ والذُّرى مِنْ فرعِ كهلانِ لنا الذي أسَّسُوه قبلنا ولهُمْ ... ما نحنُ نبنيهِ من تشييدِ بُنيانِ والمُلكُ فينا وفي إخوانَنَا ولنا ... ما كانَ للمُلكِ من عِزٍّ وسُلطانِ بَنيَّ لا تقطعوا عَمرَاً ولا أُدداً ... والأزدَ طُرَّاً ولا أحياءَ همدانِ والحيَّ حميرَ لا تعصُوا مُلُوكهُمْ ... فإنَّكُم معهُمْ في المُلكِ سيَّانِ هُمُ أذلَّوا لكُم هذا الأنام وهُمْ ... أعطُوكُمُ المُلكَ في أبناءِ عدنانِ وهُمْ أباحُوا بلادَ الهندِ وافتتحُوا ... مدائِنَ العُجمِ في أقصى خُراسَانِ وهُمْ صُلُوا نارَ أهلِ الصِّينِ دُونكُمُ ... حتَّى حووها لكُم يا آلَ قحطانِ والرُّومَ قد منحُوهَا عُنوةً لكُمُ ... وأرضَ فارسَ داسُوهَا وكِرمانِ وصية معديكرب وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن معد يكرب الكندي وهو الذي يقال له ذو التاج الأوضح أقبل على بنيه وهو يقول: " من المتقارب " بَنِيَّ حلبتُ الزَّمانَ الخَؤُون ... ودرَّجتُ أَسطرَهُ بالغيرْ وأبليتُ ثوبَ الشَّبابِ النَّضيرِ ... وبُدَّلتُ ريعانَهُ بالكِبرْ وقد دقَّ عظمي ودانى خُطاي ... وخانَنِيَ السَّمعُ بعد البَصرْ وأصبحتُ أُخبِرُ عن معشرٍ ... مضى العينُ مِنهُمْ وولَّى الأثرْ يُسائِلُنِيْ الحيُّ عن سالفيهمْ ... كأنِّي لفائتها ذُو العُمُرْ أو إنِّي ركِبتُ وأولادَ نُوحٍ ... على ذاتِ ألواحِهَا والدُّسُرْ بنيَّ اسألونِيْ ولا تسألُوا ... سوايَ فعِنديْ صحيحُ الخبرْ عَنِ المُلكِ كيفَ حوتهُ الرِّجالُ ... من أبناءِ قحطانَ دُونَ البَشَرْ لأُخبركُمْ خبراً شافِياً ... يُسرُّ بِهِ منكُمُ منْ يُسَرْ ينالُ مِنَ المُلك ما لا يظن ... بما قلَّ من ذاتهِ أو كَثُرْ ومنْ يأمَنِ الجارُ مكرُوهَهُ ... وللجار مَأمولُهُ يُنتظرْ ومن يتَّقِ اللهَ في أمرِهِ ... ويرجُو النَّجاةَ ويخشى الغِيرْ ويعلمَ أنَّ إلهَ السَّما ... ءِ دُونَهُ لامرئٍ من وزرْ يرى ما يرونَ وما لا يرونْ ... ومن عندِهِ مُحكماتُ الزُّبُرْ فهاتا وَصَاتيْ لكُم يا بنيَّ ... وكانتْ وصاةَ جُدُودِيْ الغُررْ قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن الأسود بن معد يكرب حين سمع هذا الشعر من أبيه آلى يميناً ألا يتّزر على زينة أبداً، ولا يمنع السائل مسألة يوماً، ولا تخمد له نار على طارق ما عاش، ولا يتقي أحداً فيما يروم من أمر الملك في دنياه إلا الله الذي خلقه وبرأه. ثم أقبل على بنيه وهو يقول: " من الرجز " إنِّيَ وأيم اللهِ يا معديكرِبْ ... لبارحٌ ما عِشتُ أو ما تحتنب واحد منك يا عصام الأدب ... فليأمَنَنْ جاريَ ما هبَّ ودبْ فليسَ من عِندِي على جاري الأربْ ... إنِّي وحقِ الجارِ حتماً قد وجبْ وسوفَ أُعطِيْ ما ملكتُ بل أهَبْ ... من البلادِ واللُّجينِ والذَّهبْ والطَّارف الميراثِ عن أمٍّ وأبْ ... حتَّى أشيدَ حسباً فوقَ الحَسَبْ وشرفاً يُغنِيْ الفتى عن النَّسبْ ... يُنبِيكَ أنِّي منْ جماهيرِ العربْ ذِمامُهُمْ يُغشَى الَّذي يهدِيْ الطَّلبْ ... من شاءَ مالِيْ دُونَهُ فليَنتهِبْ وتِلكَ نَارِيْ ما بقيتُ تلتهِبْ ... للطَّارق الضَّاوي وللطَّاوي الصَّغِبْ

стр. 39

قال: فلما سمع أخوه.... بن معديكرب شعر أخيه الأسود بن معديكرب وما ردَّ فيه على أبيه وما تقدم من يمينه، آلى يميناً كأليّة أخيه أو أوكد منها على أنه لا يمنع أحداً شيئاً من ماله ولا ما سأل، وأنه لا يتكلم بالخنى ما بقي، وأنه لا يهم برأيه ما عاش، وأنه لا يغدر، ولا يخون، ولا ينطق إلا بما لا يردُّ عليه، وأنه لا يرهب في جميع الأمور إلا الله وحده لا شريك له. ثم أنشأ يقول: " من الرجز " أيا ابنَ معديكربٍ خيرَ البشرْ ... فِينا ابتُني الخَيرُ مع الشَّرِّ الشِمرّ نَخلُو إذا شِئنا وإن شِئنا نَمُرْ ... إنِّي وربِّ المثبتات للشَّحر المُسبَلاتِ بالسَّحابِ المُنهمِرْ ... لآخذ بما به الآن شعر وما بهِ الأسودُ في القولِ نَشَرْ ... مِنْ تركي الرِّيبةَ والأمرِ النَّكُرْ وتركِيَ الغَدرَ وما لا يشتهِرْ ... عندَ نداءِ البدوِ مِنَّا والحضرْ وصمتِيَ الدَّهرّ عن القولِ الهتِرْ ... وبذلِيَ المالَ لسُؤال العُشُرْ للمُتربِ الدَّانِيْ وللنَّائي الهكر ... حتَّى أحُوزَ مُنتهَى شأوِ الغُررْ آليتُ إنْ طالَ بقائِيْ أو قصُرْ ... لا أنتَويْ الغَدرَ إذا غَيريْ غَدَرْ ولا أخُونُ أحداً من البشرْ ... هاتِيكَ نَارِيْ في البِقاعِ تستعِرْ لطارقِ اللَّيلِ إذا اللَّيلُ انعكرْ ... من شاءَ فَضلِي فإليَّ يبتَدرْ ولستُ أخشى أحداً مِمَّنْ كبِرْ ... في باطنِ المُلكِ ولا فيما ظهرْ إلاَّ المَليكَ المُستعانَ المُقتدِرْ ... مُسخِّرَ الشَّمسِ لنا مَعَ القمرْ قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إنهما لم يزالا على ما وصفا به أنفسهما، وأنهما ما سئلا قط شيئاً مما يسأل إلا جادا به وبذلاه لسائلهما. وفيهما الأشعار الكثيرة للأعشى وغيره، ملنا عنها في خبرهما وخبر أبيهما إلى التخفيف. وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن حجر بن عمرو المفضور بن الحارث آكل المرار دخلت عليه كاهنة ذات يوم، فقالت له: أتأذن لي معك أتكلم أيها الملك؟. فقال لها: قولي ما علمت. فقالت له: والسماء ذات البروج، والأرض ذات المروج وما اشتملت عليه أرحام ذات الفروج لقد نبئت نبأً، وعلمت خبراً بأن أعظمها خطراً وأبعدها نظراً وأكثرها نفعاً وضراً، يسفك دمك شرُّها أناساً، وأرتَّها لباساً وأغشها كناساً، فاظعن أيها الملك العظيم عن ساحة الأرذلين، أسد وتميم. قال: فأطرق حجر بن عمرو المفضور بن الحارث بن آكل المرار الكندي قليلاً، ثم رفع رأسه وأنشأ يقول: " من المنسرح " منْ يأمنُ اليومَ أو يعيشُ غداً ... أمْ من يُرجِّي خُلُودهُ أبدا ينفدُ ما نحن فيه عن كثب ... في إثرِ من قد مضَى وَمَنْ نفِدَا حدَّثتُ عن آكِلِ المِرارِ أبيْ ... عمروٍ وعمروٌ مَضَى وما خَلَدا بأنَّهُ قد رأى ثمانيةً ... قد مَلَكُوا الأرضَ كُلَّها عَددَا وشاهدين الخليلَ يتلو على ... جدّهم وَحياً مُنزَّلاً وهُدى وقد رأى من رأى زُهيراً ... ومَنْ أخبره أنه رأى أُدَدَا والمرء همدان إنْ سَمِعتَ بهِ ... شَاهَدَهُ وهو يحملُ اللِّبَدا فهلْ ترى من أُولاك كلهم ... فِيمَن عليها مُخلَداً أحَدا إنْ كلَّ سمعِيْ ورابِنْي بصريْ ... فكُلُّ شيءٍ إلى انقضاءِ مدى فقد ملكتُ الخليطَ مِنْ مضرٍ ... ومن تميمٍ والحيَّ من بعدِهَا أسدا وعامراً لم أدع لهُمْ لِبداً ... يقيهمُ سَطوتِيْ ولا سَنَدا وأيُّمَا معشرٍ سَمِعتُ بِهِمْ ... لمّا نَدُسْ عُنوةً لهُمْ بلدا إن قتلونِيْ ففِي امرئِ القيسِ أنْ ... يجتاحَ بالخيلِ والرِّجالِ غدا يَتركُهَا حيثُ لا تُنبِتُ ولا تُصبِحُ ... إلاَّ طرائِقاً قددا ويقال: إن حجر بن عمرو المفضور ما لبث إلا قليلاً بعد ذلك حتى قتله بنو أسد، فكان من امرئ القيس ما كان في قتله إياهم طلباً بثأر أبيه في ذلك، وفي ذلك قوله: " من السريع " يا دار ماويّة بالحائِل ... فالخبتِ فالخبتينِ من عاقل صُمَّ صَدَاها وعفا رسمُهَا ... واستعجمتْ عن منطِقِ السائلِ قولا لدُودانَ عبيدِ العصا ... ما غرَّهُم بالأسدِ الباسلِ

стр. 40

قد قرت العينان من فقعس ... ومن بني عمرو ومن كاهل ومن بني بكر بن دُودان إذ ... نقلب أعلاهم على السافل نطعنهم سُلكَى ومخلُوجةً ... لفتكَ لأمين على نابل نتركهم صرعى لدى مَعْرك ... أرجُلُهم كالخشب الشائل والخيل أسراب كرجل الدَّبى ... أو كقطا كاظمة الناهل وله في ذلك أشعار كثيرة، وفيما سرَّحناه كفاية. وصية همدان بن أوسلة وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن همدان بن أوسلة بن مالك بن أوسلة بن ربيعة بن زيد بن كهلان أقبل على بنيه وقد كبر سنه وكلَّ سمعه وضعف بصره، فقال: يا بني، أدرع الزمان لتبليه، فأبلته أيامه ولياليه بأحوال ثلاث، مثل ثلاثة أنجم يتبع بعضها بعضاً، الأولى أمّا الصبا وشرخه فلأولاهن، وأما الشباب واعتداله فالوسطى منهن، وأما الشيب النازل والهرم فلأخراهن، ثنتان قد أقبلتا بما حوتاه لي، وثالثتهن آفلة بما خلفتاه لهامتي ثم أنشأ يقول: " من البسيط " بنيَّ من لم يحُزْ في الدَّهرِ مُعتبراً ... له ففي سِنخكُمْ همدانَ مُعتبرُ استقبلَ الدَّهرَ إذ لم يُعشِ ناظِرهُ ... وهناً وإذ لم يَخُنهُ السَّمعُ والبَصرُ وإذ يرُوحُ ويغدو تحتَ خافقهِ ... سوداء فنيانها كالليل معتكر يغدُو بثوبِ الصِّبا واللَّهوِ مُشتمِلاً ... وباللَّذاذةِ إما شَاءَ يعتجِرُ أرختْ عليهِ صُرُوفُ الدَّهرِ كلكلها ... وكلكلُ الدَّهرِ لا يُبقيْ ولا يَذَرُ أبلَى لِوالدكُمْ حالينِ فانقضيا ... عنهُ ولم يقضِ عن زُلفاهُمُ الوطرُ بنيَّ من عاشَ مِنكم سوفَ يَفقِدُ ما ... فقدتُ مِنِّيْ ومن أودى به الكِبَرُ ينجابُ شرخُ الصِّبَا عَنهُ ولذَّتهُ ... أجلْ ويبيضُّ من مُسودِّهِ الشَّعرُ ويرتدِيْ بردائِيْ حينَ يبلُغُ ما ... بلغتُ إذ ينحنِيْ مِثليْ وينكسرُ بنيَّ بالحِفظِ أُوصيكُمْ لِجاركُمُ ... ما دامَ في الأرضِ مِنهُ العَينُ والأثرُ وقومكُمْ فصِلُوهُمُ إنَّهُمْ لكمُ ... نِعمَ الملاذُ ونِعمَ الكهفُ والوَزرُ لا تأمَنُ العُصمُ إلاَّ في معاقِلِها ... والطَّيرُ يُؤمِنُها الأعشاشُ والوُكُرُ واللَّيثُ لولا عرينُ الخيسِ يكنُفُهُ ... ما كانَ لِلَّيثِ مُرتادُ ومُنتظرُ هاتا وصاتِي فأُمّوها وغيركم ... بنيَّ يجهلُ أنَّى يطلُعُ القمرُ يقول: أنكم لم تجهلوا الصواب حتى أوضح لكم. وصية جشم بن حبران وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن جشم بن حبران بن نوف بن همدان بن أوسله بن مالك بن أوسله بن ربيعة بن زيد بن كهلان لما حضرته الوفاة أقبل على ابنيه حاشد وبكيل وهو يقول: " من الرجز " يُوصيكُما أبوكُما المرءُ جُشم ... فليسَ ذُو جهالةٍ كمنْ عَلِمْ الصِّدق بادٍ وبه تُهدى الأُمم ... معالِمَ الرُّشدِ إذا الرُّشدُ ادلهمْ إن رُمتُمَا السُّؤددَ في النَّاسِ فَهُمْ ... يَسُودُهُم مَنْ يعتليهِمْ بالكَرَمْ في كتب من عصره وفي أمم ... يقري إذا ما طارق الليل ألم في ليلةٍ حَفَّتْ بأهليها الظُّلمْ ... من سَنَةٍ غبراءَ هذانِ الأذمْ أكثرُ مَنْ باشرها لمَّا يَنَمْ ... من الطَّوى والقُرِّ فيها والألمْ وإنْ دعا الدَّاعِيْ لمكرُوهٍ عَظُمْ ... من نازلٍ وهناً على الحيِّ هجمْ أجابَهُ كاللَّيثِ من تحتِ الأجَمْ ... وافد مثل السهم يأتم البُهم حتَّى أتى القسطلَ مِنها والقتم ... مفرِّجُ البأساءِ والكربِ المُلِمّ بصارمٍ يترُكُ أفراخَ القِممَ ... تطيرُ مثلَ الدَّاءِ أو مثلَ الحُلُمْ هذا أوان قيل الامن للمهم ... للعزمات ثم للرأي الشيم وللمُجازاةِ وإيصالِ الرَّحِمْ ... ولِلألدِّ الخصمِ إنْ لمْ يَحتكمْ قامَ لهُمْ بالكُلِّ من ذاكَ وزم ... أمرَ الجميعِ وعنِ الكُلِّ حلمْ ولم يزِغْ عن قصدِهَا ولم يُحَمْ ... في كُلِّ ما حاولَ من أمر ورَمْ ذلِكُمَا السَّيِّدُ والعدلُ الحكمْ ... ذَلِكُمَا الرُّكنُ الَّذيْ لا يَنهَدِمْ

стр. 41

ذِلكُمَا المأمُولُ واللَّيثُ القطِمْ ... ذلِكُما المهبُوبُ في ذاتِ القُحَمْ ذِلكُما السَّيفُ الّذِيْ لا ينثلمْ ... ذَلِكُما الرُّمحُ الَّذي لا ينفصِمْ ذَلِكُما الرَّأسُ الَّذي اعتمَّ وتمّ فلما سمع حاشد وبكيل هذا الشعر من أبيهما قال حاشد لبكيل: أتجيبه قبلي أم أجيبه قبلك. وقام قائماً بين يديه وهو يقول: " من الرجز " جُزيتَ خيراً من أبٍ ووالدِ ... يا واحِداً ما مِثلُهُ من واحدِ مُتَوَّجٍ على العمادِ ماجدِ ... أَوعيتَ ما قُلتَ فغيرُ زاهدِ في حوزتِي الفخرُ برأيٍ راشدِ ... شُدتَ ليَ السُّؤددَ بالقواعِدِ أولادُ حيِّ المَكرماتِ حاشدِ ... فسوفَ تبنيهِ معَ المحامدِ للكرمِ العاليْ وللمحامدِ ... بنيانَ من قد سادَ كُلَّ سائدِ وفازَ بالسُّؤددِ والفوائِدِ ... من الوصايا الزُّهرِ في المساندِ حفِظنَ عنْ قرمٍ كريمِ الوالدِ ... ماضِي الجنانِ شيظميِّ السَّاعدِ إني ورب الرواعد ... الباسقات الشمخ الرواكد لباذلٌ برغم أنفِ الحاسِدِ ... برِّيَ للادنين والأباعِدِ حتَّى أُسمَّى حيدر الأماجِدِ ... في كُلِّ نادٍ دمت والمشاهد من راتبٍ وصادرٍ وواردِ ... وتلكَ نارِيْ شبَّها لي واقِدِي في شرفٍ من ظلمِ الصَّعايدِ ... للطَّارقِ الضَّاوي المُلِمِّ الوافِدِ وإنْ دُعيتُ للعدوِّ الحاقدِ ... ثُرتُ إليه كالهزبرِ الرَّاصِدِ بصارمٍ ماضي الحُسامِ حاصِدِ ... للهامِ والأعناقِ والسَّواعِدِ قال: فلما سمع جشم هذا الشعر من ابنه بكيل جزاه خيراً وأومأ إليه بالجلوس فجلس. وقام أخوه حاشد بن جشم بن خبران بن نوف بن همدان، واندفع ينشد وهو يقول: " من الرجز " جُزيتَ خيراً أيُّهَا البُهلولُ ... من والدٍ أشكالُهُ قليلُ في يعرُبٍ وهيَ لنا أُصُولُ ... بها ملكنَا وبها نصُولُ وأنتَ أنتَ قيلُهَا المأمُولُ ... الماجِدُ المُتَوَّجُ الجَليلُ تعنُو لِساميْ عَقلِكَ العقُولُ ... وقولُكَ المُستمعُ المَقبُولُ ورأيُكَ المُستحصِدُ الأصيلُ ... قد قالَ ما قد قالَهُ بكيلُ وحاشِدٌ يقولُ ما يقولُ ... إنِّي لها المُؤَمَّلُ المسؤولُ عِنديْ لطلَّابِ الجدا النُّهُولُ ... مِنَ العطايا ولها التَّفصِيلُ وخيريَ المُنتظرُ المَبذُولُ ... لكُلِِّّ من حانَ لَهُ النُّزولُ بساحتِيْ حيثُ لها التَّبجِيلُ ... والرَّحبُ والتَّسهِيلُ والتَّأهِيلُ والأُنسُ مِنِّي والقِرى المعمُولُ ... عِندي ولا يغتالُ جارِي الغُولُ إنِّيْ لجارِيْ حافِظٌ كفيلُ ... وعنهُ ما يُثقلُهُ حَمُولُ وجارتِيْ خباؤُها مَسدولُ ... طرفي عما دونها كليل وسَرحُهَا آمِنة تقيلُ ... بحيثُ لا رَبعٌ ولا طُلُولُ هذا وإن فاجأَ خنشليلُ ... بمُعضلٍ ما دُونَهُ مُمِيلُ ولا لأمرٍ دُونَهُ سبيلُ ... ثُرتُ كأنِّي باسلٌ صؤُولُ عفَّوس عَذوَّرٌ نِحليلُ ... وفي يميني صارمٌ مصقُولُ يُزيلُ ما شاءَ ولا يزُولُ ... والنَّقعُ كابٍ والرَّدى يَجُولُ بالمُعلِمينَ والكُما نَصُولُ قال: فلما سمع جشم بن حبران بن نوف بن همدان هذا الشعر من ابنه حاشد جزاه خيراً، وأومأ إليه بالجلوس، فجلس، ثم قال لهما أبوهما جشم: أنتما همدان، وأنتما بيت الشرف من كهلان، لكما العديد الأكثر، وبكما تعز كهلان وحمير، قومكما الأعزون، وأولادكما الأكثرون الباقون. ثم أنشأ يقول: لا الأزدُ إلا مازِنٌ لا ثمَ لا ... همدانُ إلا حاشِدٌ وبكيلُ ولُبابُ كِندةَ للأشاوس في الذُّرى ... ولكُلِّ قومٍ ذروةٌ وسليلُ وكَذاكَ حِميرُ في عريبٍ مُلكُهَا ... وبنُو عريبٍ للمُلًوكِ أصولُ قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إنه كان كاهناً، وإنما تكلم بهذه الأبيات فيما انتهى إليه من نموِّ هؤلاء الذين ذكرهم. وصية أدد بن مالك وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن أدد بن مالك بن زيد بن كهلان وهو أبو مذحج أقبل على بنيه عند حضور الوفاة فقال: " من البسيط "

стр. 42

إنَّ الَّذي عرفَ الدُّنيَا وجرَّبَها ... من قبلِ أنَ تعرِفُوهَا ويحكُم أُددُ أفنى لياليهُ الَّلاتي سلفنَ ولم ... تُسعِفهُ من بعدِها أيَّامُهُ الجُددُ بنيَّ إنِّي حلبتُ الدَّهرَ أشطُرهُ ... فما عدانِيَ مِنهُ الشَّريُ والشَّهدُ وقد صحِبتُ رجالاً كُنتُ آملهمْ ... يُخلَّدوا لِيْ فما عاشُوا وما خلُدُوا بنيَّ إن مِثلَ أمسِ اليوم سالِمَني ... فليسَ يُؤمِنني ممَّا أخافُ غدُ بنيَّ لا تبدؤُوا قوماً بمظلمةٍ ... وفي عداوةِ من عاداكُمُ اجتهدُوا لا تحسُدُوا النَّاسَ ما أُوتُوا وما رُزِقُوا ... مِنَ الثَّراءِ فحَظُّ الحاسِدِ الحسدُ صُونُوا العشيرةَ وارعَوا حقَّ جارِكُمُ ... فالجارُ أقربُ من تُسدَى إليه يدُ شُبُّوا لطارقِكُم ناراً يدومُ لها ... نُورٌ به يهتدي ذا الطَّارقُ القَصَدُ فإنَّ أكرَم نار الحَيِّ ما ظهرتْ ... على الفجاجِ وباتتْ ليلهَا تقدُ وصَّيتُكُمْ فاحفظُوا عنِّي الوصاةَ ولا ... تبغُوا سِوَاها ففِيْ إسماعِهَا الرَّشدُ قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن مذحج بن أدد بن مالك بن زيد بن كهلان حفظ هذه الوصية، وثبت عليها، وعمل بها، وكذلك بنوه من بعده. وإلى اليوم تتبارى مذحج حيث كانت في استعمال ما وصَّاهم به أبوهم أدد بن مالك من الإيجاب للعشيرة، وإسداء الجميل إلى الجار، والحفظ والمراعاة له، وترك البدو بالظلم والعدوان، والاجتهاد في العداوة لمن عاداهم، والصبر على ما يبتلون به من الفتنة، والإكرام للضيف. تقول العرب إذا رأت ناراً عظيمة: ترى ناراً كأنها لأحد مذحج. وفي ذلك يقول قائلها: " من الرمل " تعظُمُ النَّارُ إذا النَّارُ التَّي ... شبَّها عبسُ النَّدى أو صعصعةْ لِقُدورٍ كالرُّبَى راسيةٍ ... وجِفانٍ كالجوابِي مُترعةْ تَصدُرُ العالةُ والأضيافُ في ... كُلِّ يومٍ وهي عنها مُشبَعَةْ أيُّها السَّاعِي على آثارِنَا ... نحن من لست بساعيّ معه نحنُ أودٌ حِينَ تصطكُّ القنا ... والعوالي لِلعوالي مُشرَعَةْ ويقال: إن هذا الشعر لصلاءة بن عمرو المذحجي، وهو الذي يعرف بالأفوه الأودي. وتصديق قوله: تعظُمُ النَّارُ إذ النَّارُ الَّتِي ... شبَّها عَبسُ النَّدى أو صعصعهْ وقول القطامي: ألا إنَّما نيرانُ قيس إذا استوتْ ... لطارقِهِم ليلاً كنارِ الحُباحِبِ وما زالت العرب تنسب قيساً إلى مثل ما نسبها إليه قائل هذا البيت من خفوض نيرانهم وخبوها عند بدو نيران غيرها. وقد ذكر ذلك حسان بن ثابت الأنصاري حيث يقول: تراها كأمثالِ العقائقِ بينَنَا ... تألقنَ أو توقدن نارَ الحُباحِبِ وفيما شرحناه من أخبار مذحج وأحاديثهم كفاية عما تركناه وملنا عنه إلى الاختصار. وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن طيء بن الغوث بن مالك بن أدد - ومالك اسم مذحج - عُمِّر عمراً طويلاً، زاد على نيّف وأربعمئة سنة. ويقال: إنه أقبل على بنيه وهو يقول: عُمراً وجاوزتُ المئينَ الأربعا ... وسُلبتُ أسبابَ الشَّبيبةِ أجمعا ولحِقتُ أيَّامَ الجديسِ وحابها ... طسماً سنيناً ما حللنا لعلعا والصَّعبُ ذو القرنينِ كُنتُ لِجَدِّهِ ... جَدَّاً وكانَ أبُوهُ ذِكرى مُرضَعَا ولقِيتُ لُقمانَ بن عادٍ حاملاً ... بقوارعِ الأحقافِ نَسراً ميفعاً ولقد شَهِدّتُ من الزَّمانِ عجائباً ... ما شاءَ بيَّنها لهُ أو يسمعا فليأتِنِي مُستخبِراً فأنا الَّذي ... أفنَت لياليهِ القُرُونُ التُّبَّعا أُمماً متى أحصيتُهَا وعَدَدّتُهَا ... ألفيتُها أُمماً لعَمرُكَ أربعَا ما إن أُسائِلُ عن صديقٍ مِنهُمُ ... إلا وقبلُ سألتُ عمَّنْ ودَّعا أبنيَّ هل تجِدُون ليْ من مهيعٍ ... غير الرَّدى فأسيرَ ذاكَ المهيعا لا، هلْ وماذا يأملُ اليفنُ الَّذي ... يُمسِي ويُصبِحُ كالحنية خروعا ثغمت نميمته بياضاً بعدما ... كانت له تحكي الظلام الأفرعا عُوا ما أقولُ لكُمْ وأُوصِيكُم بهِ ... إنَّ الوصِيَّة يحتويها من وَعَى

стр. 43

كُونُوا لجارِكُمُ وللضَّيفِ الَّذي ... يُمسِي بساحتكُمْ جِنابَاً مُمرِعا وإذا أتاكُمْ صالحٌ من قومكُمْ ... فاسعَوا إليه من معينْ معامعا لا تُقبِلُوا هجماً كغِزلان الشَّرى ... من ترد المرتعا عِزُّ العشيرةِ في جماعتِها الَّتِي ... لمّا تَجِد فيها الأعاديْ مطمعا وصية أود بن مالك وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن أود بن مالك كان من حكماء العرب، وكان سيداً مطاعاً في قومه، وأنه عاش دهراً طويلاً، وعُمِّر حتى ضعف بصره، وقصر خطاه، وكلَّ سمعه، وأنه أقبل على بنيه يوصيهم، وهو يقول: أودٌ بنيَّ أباكُمُ أودى بِهِ ... صرفُ الزَّمانِ وريبُهُ فتأوَّدا والدَّهرُ عشَّى ناظريهِ فلا يرى ... بِهِما الضُّحى إلا ظَلاماً أَسودا ما إِنْ يعي إلا إذا قُرِعتْ لهُ ... وإذا تمثل للمحدّث أصيدا أبنيَّ من أحصى الَّذي أحصيتُهُ ... ممَّا طواهُ من سِنِيهِ وعَدَّدا يُمسِي كما أَمسَى ويُصبِحُ مِثلما ... أصبحتُ مُنحَنيَ الفِقارِ الندَّدا أبنيَّ إن نقلَ الحِمَامُ أباكمُ ... عنكُم وغُودِرَ في الضَّريحِ مُمدَّدا كُونُوا لِضيفِكُمُ ربِيعاً صادِقاً ... فالضَّيفُ يُخبرُ ما رآهُ إذا اغتدى وإذا أتاكُمْ صارخٌ منَ قومكُمْ ... يدعوكُمُ لِبلائِهِمْ مُستنجداً فاسعَوا إليه مُمرعينَ لتُدرِكُوا ... فيهمْ بسعيِكُمُ العُلى والسُّؤددا وصية مراد بن سعد وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن مراد بن سعد بن مذحج وصَّى بنيه فقال: يا بني، إن الناس هم اثنان، صديق معين وعدو مبين، فاعرفوا للصديق صداقته، واعرفوا للعدو عداوته. أما الصديق فأعينوه ظالماً وانصروه مظلوماً، وأما العدو فاخذلوه محالفاً، واقتلوه مخالفاً، ولا تأمنوه سلماً، ولا تتركوه حرباً. ثم أنشأ يقول: " من الوافر " بنيَّ لقد دعوتكُم لنهجٍ ... يدُلُّ على البصيرةِ والرَّشادِ بنيَّ وهل أبٌ يدعو بنيهِ ... إلى غيرِ المكارِمِ والسَّدادِ وهل ولدُ رأى من والديهِ ... لهُ غيرَ المحبَّةِ والودادِ بنيَّ تأمَّموا فالنَّاسُ شَتَّى ... ذوُوُ مقةٍ وحُسادٌ أعادِ فكافُوا الكُلَّ ما يُسدى ويُولى ... مكأفأةَ الشرامِحةِ الجيادِ وأوفُوا كيلهُمْ بالصَّاع صاعاً ... ولا تُبقُوا على حضرٍ وبادِ مِنَ الأعداءِ فالإبقا عليهمْ ... يزيدهُمُ التَّمادي في الفسادِ بنيَّ هِيَ الوصِيَّةُ فاحفظُوها ... فذي من إرث والدِكُمُ مُرادِ وصية الحارث بن كعب وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن الحارث بن كعب لما حضرته الوفاة أقبل على بنيه يوصيهم وهو يقول: بنيَّ اهتدوا إني اهتديت سبيله ... فأكرمُ هذا النَّاسِ من كانَ هاديا عييتُ زماناً لستُ أعلمُ ما الهُدى ... وقد كان ذاكُم ضِلَّة من ضَلاليا فلمَّا أرادَ اللهُ رُشدِي وزُلفتيْ ... أنارَ سبيلَ الحقّ لي وَهَدانِيا فألقيتُ عنِّي الغَيَّ للرُّشدِ والهُدى ... ويمَّمتُ نُوراً للحنيفةِ بادِيا وصِرتُ إلى عِيسى بن مريمَ هادياً ... رشيداً فسمَّاني المَسيحُ حَوَاريا سعِدتُ بِهِ دهراً فلمَّا فقدتُهُ ... فقدتُ يمينيْ بل فقدتُ شِماليا بنيَّ اتقوا الله الَّذي هُوَ ربُّكُم ... براكُم له فيما بَرَى وبرانيا لِنعبُدهُ سُبحانَهُ دُونَ غيرهِ ... ونستدفِعَ البلوى بهِ والدَّواهيا ونُؤمِنَ بالإنجيلِ والصُّحُفِ الَّتي ... بها يهتديْ من كانَ للوحيِ تاليا بنيَّ صحِبتُ النَّاسَ ثم خَبَرتُهُمْ ... وأفضلهُمْ ألفيتُ من كانْ واعِيا وألفيتُ أسناهُم محلاًّ ومنصباً ... رشيداً عن الفحشاءِ والإفكِ ناهيا وألفيتُ أوهاهُمْ لدى كُلِّ أمرِهِ ... مُضِلاً لضلالِ العَشيرةِ غَاويا بنيَّ احفظوا للجارِ واجبَ حَقِّهِ ... ولا تُسلِمُوا في النَّائِباتِ المواليا وشُبُّوا على قُرعِ اليفاعةِ ناركُم ... ليأتمَّها الضَّيفُ الذي باتَ طاويا

стр. 44

ولا تعتدُوا بالحربِ منْ لم يكُنْ لكُمْ ... مِنَ النَّاس بالعُدوانِ والظُّلمِ بادِيا ومهما زرعتُم يا بنيَّ فإنَّه ... سيُحصَدُ نزراً كانَ أو كانَ زاكيا قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن ولد الحارث بن كعب لم يزل يحفظ وصيته ويعمل بها في الجاهلية والإسلام. ويقال: إن رسول الله ﷺ قال لبني الحارث يوم وفدوا إليه للإسلام والدخول في الملَّة: يا بني الحارث، بم كنتم تغلبون الناس يا أكثر العرب عدداً ولا عدداً؟ قالوا له: يا رسول الله، نحن قوم لا نبدأ أحداً بمظلمة، فإذا أراد قوم ظلامتنا أو حربنا قلدناهم البغي، وصبرنا على حربهم حتى يحكم الله بما هو حاكم. فقال لهم رسول الله ﷺ : بتلك كنتم تغلبون الناس وتقهرونهم. وهم الذين يقول فيهم الزبير بن عبد المطلب حيث يقول: ولقد صحِبتُ النَّاس ثُمَّ خبرتُهُمْ ... فوجدّتُ أكرمهُمْ بنيْ الذبيان قومٌ إذا نزلَ الغرِيبُ بدارهِمْ ... تركُوهُ أهلَ صواهِلٍ وقيانِ لا ينكُثُونَ الأرضَ عِندَ سُؤالِهِمْ ... لِتلمُّسِ العِلاَّتِ بالعيدانِ بل يبسُطُونَ وُجوُههُم فَتَرى لها ... عِندَ السُّؤالِ كأحسنِ الألوانِ وإذا دعوتَهُمُ ليومِ كريهةٍ ... سدُّوا شُعاعَ الشَّمسِ بالنِّيرانِ تم كتاب الوصايا. والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيد المرسلين محمد النبي وآله الطيبين صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وافق كاتبه الفراغ عنه يوم الخميس بقيت من شهر جمادى الأولى من شهور سنة وأربعين وخمسمئة. وفقه الله لما يرضيه، وجنَّبه معاصيه، وغفر له ولوالديه ولجميع المسلمين أجمعين. ولمن قال آمين برحمته. والحمد لله حق حمده.