← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وكان فى ناحية الجدار الغربى للمسجد الشريف منزل (ابن مكمل) ولما اشتهر هذا المنزل بالشؤم هدم فيما بعد وبنيت مكانه مدرسة «جوبانية». وفى الجهة الشمالية لابن مكمل منزل «تخام العدوى» وبين هذين البيتين طريق فى عرض ستة أذرع؟ ودار تخام العدوى مقابل باب الرحمة وكان لها باب يفتح إلى زاوية ساحة دار القضاء، والآن سبيل مدرسة الزهرية على ساحة تلك الدار. وكان بجانب بيت تخام العدوى منزل جعفر بن يحيى، «ومنزل عاتكة» بنت يزيد الجميل وبرج حسان» بن ثابت الذى يقال له «فارغ» كانا فى داخل هذا المنزل وبما أنه خرب وانهار بنوا مكانه مدرسة الزهرية». وكان فى الجهة الشامية لمنزل جعفر بن يحيى رباط «كليركية» والمنزل الخاص بسكنى السيدة سكينة (١) رضى الله عنها والذى كان يسمى دار النصير. واشترى الإمام السمهودى دار النصير هذه ووقفها لإقامة أقاربه. وأمام دار النصير طريق فى عرض ستة أذرع ينتهى إلى دار طلحة بن عبد الله. وفى الجهة الشامية من هذا الطريق منازل طلحة بن عبد الله، وفى غرب منزل طلحة منازل أبناء الزبير بن العوام «عودة» و «عمرو» وفى اتصالهما منزل منيرة جارية أم موسى الذى انتقل لعبد الله بن جعفر بن أبى طالب. وفى اتصال دار منيرة من الجهة الشامية، أى فى زاوية الشارع الذى يعطف إلى المخبز فى تلك الجهات باب صغير لآل يحيى بن طلحة، وفى اتصال هذا الباب، بيت «طلحة بن أبى طلحة» الأنصارى، وفى اتصاله البيت المشهور باسم «نزيل الكرام»،وفى الجهة الأخرى من هذا البيت طريق فى عرض خمسة أذرع وفى الجهة الأخرى من هذا الطريق منزل جارية تسمى «هالة» وفى الجهة الشرقية من هذا البيت مستشفى المستنصر بالله، وفى جنبها «دار الحميد» المنسوب ل «أبى

стр. 1542

لغيث بن المغيرة» بن حميد بن عبد الرحمن، وهو البيت الذى خصصه عبد الرحمن بن عوف-رضى الله عنه-لاستقبال وإقامة ضيوف النبى ﷺ ، وكان النبى ﷺ أمر بذاته ببناء هذه الدار. وساحة هذه الدار السعيدة وأرضها الآن المحل الذى أقيم فيه «رباط الطاهرية» فى جانب دار الحميد والذى يعرف اليوم باسم دار الضيافة. وفى اتصالها كانت دار ابن مسعود الموسومة ب «دار القرار».وقد أخذ بعض أجزاء دار القرار فى عهد وليد بن عبد الملك والجزء الآخر فى عهد مهدى بن هارون الرشيد، وألحق بمسجد السعادة وإن كان المؤرخون رووا أن بعض أجزاء دار القرار. التى فى الجهة الشامية من المئذنة الشرقية والجهة الشرقية من دار المضيف، ظلت خارج مسجد السعادة إلا أن هذا القول غير صحيح. وفى الجهة الشرقية من جدار مسجد السعادة منزل موسى بن إبراهيم مقابل دار الضيافة، وفى جهته الشرقية الميضأة المعطلة ودار رئيس المؤذنين، وبين هذين البيتين. كان الطريق الذى يسمى ب «خرق الجمل» وبما أن هذا الطريق كان ينتهى إلى حصون المدينة المنورة القديمة اشتهر «بزقاق الجمل» وما زال معروفا إلى الآن بهذا الاسم. وكان منزل «أنس بن مالك» السعيد فى الجهة الشامية من سور المدينة وبين هذا المنزل وبين «زقاق الجمل» بيت «فاطمة بنت قيس» وفى اتصاله أرض «دار موسى» من بيوت قهيطم. واشترى هذه المنازل وساحة «دار رسام» فى اتصالها القاضى الفاضل فيما بعد وبنى على أرضها رباطا فاخرا. وكان منزل «عمرو بن عاص السهمى» فى جهة الطريق الذى ينتهى إلى حى حوش حسن، وكان هذا الطريق فى اتصال هذا الرباط،وفى جهة منتهى رباط السبيل (١) وكان بجانب دار عمرو بن العاص السهمى دار «خالد بن الوليد» ولما انقطعت ذرية خالد بن الوليد انتقلت تلك الدار إلى أولاد أخيه عبد الله بن الوليد.

стр. 1543

وقد عرض خالد بن الوليد على النبى ﷺ ضيق هذه الدار وعدم استيعابها لأولاده وعياله فرد عليه النبى ﷺ «إذا أردت تستطيع أن ترقيها وتعليها حتى السماء» يعنى تستطيع أن تضيف إليها عدة حجرات أخرى. وكان بجانب دار خالد بن الوليد منزل «جبلة بن عمرو الساعدى» وبجانبه منزل ريطة بنت أبى العباس، وكان منزل جبلة بن عمرو الساعدى- رضى الله عنه-بنى فوق ساحة منزل الصديق الأعظم-رضى الله عنه-وانتقل فى فترة ما إلى أسماء بنت الحسين العباسى، وهدم مؤخرا وبنى مكانه «رباط النساء». وكان بيت الصديق الأكبر الذى انتقل إلى جبلة بن عمرو الساعدى أمام دار عثمان بن عفان-رضى الله عنه-الصغيرة وفى شارع بقيع الغرقد. وكانت هذه الدار الصغيرة خلف بيت عثمان بن عفان الكبير. وهذه الحجرة المباركة ما تزال قائمة حتى الآن وتعرف «بمشهد عثمان». وأمام الدار الصغيرة طريق فى عرض خمسة أذرع ويمتد حتى مقبرة بقيع الغرقد. والدار الكبيرة التى تنسب لعثمان بن عفان فى مقابل مدرسة الشهابية، يفصل بينهما طريق فى عرض خمسة أو ستة أذرع. قد بنيت فوق مساحة الدار الكبيرة دائرة مشيخة خاصة بشيوخ الحرم إذ استصغر شريف باشا، وكان شيخ الحرم النبوى فى عهد السلطان عبد الحميد خان، دائرة المشيخة القديمة وحصل على إدارة سنية لبناء دار جديدة للمشيخة وبنى دائرة تشتمل على خمس وأربعين حجرة وأعلى من القبة الخضراء النبوية وكانت هذه الدائرة الواسعة فى الجهة الشرقية من حجرة السعادة وعلى بعد خمسة عشر ذراعا ومع ذلك بنى قصرين لا مثيل لهما أمام باب جبريل، ولم يتجرأ أحد أن يبنى فى داخل المدينة مبنى فى هذا الاتساع وهذا العلو تأدبا. فكتب بعض المعترضين على جدران تلك الدائرة ليلا بيتا ضمّنه عدم الارتياح لما قام به شريف باشا: وأخذ الناس يتحدثون فى اجتماعاتهم شريفهم ووضيعهم قائلين إن شريف باشا لن يستطيع أن يقيم فى هذه الدائرة الفخمة.

стр. 1544

وفعلا حدث ما يتوقعون. إذ وجه إليه ولاية جدة ولما يتم بناء دائرة المشيخة وبهذه المناسبة لم يستطع أن يجلس ولو ساعة واحدة لإجراء الحكم فى الدائرة التى بناها وفقا لأفكاره الهندسية (لسان الخلق أقلام الحق). وساحة المدرسة الشهابية أى الساحة المقابلة لدار عثمان بن عفان هى أرض دار أبى أيوب الأنصارى-رضى الله عنه-حيث استضاف النبى ﷺ . وقد انتقل ذلك البيت الذى لا مثيل له من يد إلى أخرى وفى النهاية اشتراه مظفر شهاب الدين الغازى أخو الشهيد سلطان نور الدين وبنى مكانه المدرسة الشهابية وخص بها علماء المذاهب الأربعة، وكان فى اتصال بيت أبى أيوب الأنصارى بيت الإمام الهمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام على زين العابدين بن الإمام حسين بن الإمام على بن أبى طالب «رضى الله عنهم». وكان السبيل والمسجد الشريف اللذان ينسبان لأوقاف الإمام كانا فى داخل هذه الدار، ولقد انتقلت تلك الدار مؤخرا ليد حارثة بن النعمان، وتنازل ابن نعمان، بدوره عنها لشاهين الجمالى الشجاعى. وبنى شاهين الجمالى هناك دارا خاصة به وجدد مسجد الإمام جعفر فى صورة عظيمة، وأحياه. وكان منزل الإمام حسن بن زيد بن حسن بن على بن أبى طالب مقابل منزل الإمام جعفر من الجهة الغربية وفوق ساحة الحصن المعروف ب «قويرع» وفى النهاية دخل سواء أكانت دار الإمام حسن بن زيد أو بيت الإمام جعفر تحت تصرف أمير الحرمين السيد الشريف محمد بن بركات. وكان بيت فرج الحصين مقابل بيت حسن بن زيد أى فى مقابل المدرسة الشهابية، وكان منزل عامر بن عبد الله بن عبد الله بن الزبير بن العوام بجانب دار فرج الحصين، والدار التى كان يطلق عليها دار آل عمر فى اتصال دار عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام والرباط الذى يعرف الآن باسم (مراغة) فوق عرضه دار فرج الحصين.

стр. 1545

فى ذكر الأرصفة التى كانت تحيط المسجد النبوى الشريف فى عصر السعادة وبيوت الصحابة التى استقرت على جانبى هذه الأرصفة (رضى الله عنهم) اختلف المؤرخون القدماء فى الوقت الذى صنعت فيه الأرصفة التى على جهات مسجد السعادة الأربعة، قال بعضهم: «إن أرصفة المدينة المنورة أحدثت فى عهد حضرة معاوية»،وقال بعضهم رادين قول الأوائل: «وإذا ما نظرنا عندما دخل جابر بن عبد الله مع رسول الله إلى مسجد السعادة وقوله «وتركت جملى على الرصيف» ورواية رجم يهوديين على الرصيف وما نقل أن عثمان بن عفان كان قد توضأ فوق الرصيف ظهر أن هذا الرصيف كان فى عهد الرسول ﷺ ». والرصيف الذى أنشأه معاوية بن أبى سفيان رصيف موضع الجنائز الذى فى الناحية الشرقية من مسجد السعادة. ونحن أيضا نحكم بصحة القول الثانى لما ساقوا من أدلة قوية ترجح قولهم». بناء على قول الثقاة الذين يبحثون عن الحق كان هناك عدة أرصفة متصلة بمسجد السعادة. ١ - الرصيف الأول من هذه الأرصفة «كان يبدأ من باب الرحمة مارا بسوق الصياغ والعطارين ويستمر إلى ضريح مالك بن سنان «رضى الله عنه» ومن هناك يميل وينعطف قليلا ناحية دار السلام ثم يعود فيتصل أمام باب الرحمة. ٢ - الرصيف الثانى من الأرصفة التى كانت فى عصر السعادة كان يبدأ من باب السلام ويمتد إلى أن يتصل ببوابة الحصن التى كان يطلق عليها باب السويقة دون انعطاف ولا انحراف إلى أى جهة ثم كان يعود إلى ناحية مصلى العيد

стр. 1546

وينتهى عند منزل ابن هشام، كان هذا الرصيف يمتد إلى نهاية مسجد السعادة بطريق الجهة الشرقية عن طريق بقيع الغرقد إلى منزل المغيرة بن شعبة ومن الناحية الشامية إلى نهاية مسجد السعادة كما قلنا، وكان أحد الجهتين يتصل برصيف باب الرحمة فيعود من هناك وينقطع عند الدار الكبيرة التى تنسب لعثمان بن عفان لأن الأبنية التى فى الجهة القبلية من مسجد النبى ﷺ بنيت ملاصقة للأبنية المقدسة لذلك لم تكن فى هذه الجهة أرصفة، وبناء على هذا التعريف فإن الرصيف الذى كان ينتهى إلى المصلى النبوى كان أكبر الأرصفة وكانت جهتاه مزينتين ببيوت عالية، وكان فى الجهة اليسرى لمن يتوجهون إلى مسجد السعادة من مصلى العيد النبوى منزل إبراهيم بن هشام وفى الجهة اليمنى التى تميل إلى الغرب يوجد منزل سعد بن أبى وقاص، وكان يفصل بين هذين المنزلين طريق كبير. والجهة اليمنى من منزل سعد بن أبى وقاص كان المنزل الذى أخذه من الإمام أبى رافع وفى الجهة اليسرى أيضا بيت منسوب للمشار إليه وكان يفصل بين هذين المنزلين طريق فى عرض عشرة أذرع. وكان حضرة سعد قد وقف جميع هذه المنازل فى حياته. وكان فى اتصال منزل سعد الثانى وفى الجهة الشامية دار مشهورة بدار نوفل بن مساحق العامرى منسوبا إلى آل خراش من بنى عامر بن لؤى. كما أن خلف هذا المنزل كان «مكتب العودة» متصلا بمسجد بنى زريق. وكان فى الجهة اليمنى من منازل آل خراش الدار التى يطلق عليها «منزل حفصة» وفى الجهة القبلية من هذه الدار. دار عمار بن ياسر وفى جهتها الشرقية دار عبد الرحمن بن الحارث، وفى الجهة القبلية من هذه المنازل مسجد «بنى زريق» وفى الطرف الشرقى منها شارع «دار عبد الرحمن بن الحارث» ودار أبى هريرة-رضى الله عنه-فى هذا الصف، ولكن تلك الدار ستذكر فى الطريق الذى كان النبى ﷺ يعود منه من صلاة العيد، وإذا ما دخل الآن من باب المدينة المنورة إلى داخل المدينة واتجه ناحية مسجد السعادة فأول زقاق يصادفه الإنسان أرض دار عبد الرحمن بن

стр. 1547

الحارث. وإذا ما رجع الإنسان من هناك لبقيت تلك الأرض فى اليمين. ومن كان فى هذا الموضع يصادف للجهة اليمنى القبلية مسجد بنى زريق. والذين يدخلون من باب المدينة إلى الداخل ففى جهتهم اليسرى الشامية توجد «دار آل خراش» ودار الربيع، ودار نافع بن عتبة بن أبى وقاص، وعلى الطرف الأيسر منهم «دار حويطب بن عبد العزى ودار آمنة بنت سعد بن أبى وقاص» وعلى جانبه «دار عمرو بن أبى وقاص، وفى اتصالها زقاق عبد الرحمن بن الحارث وفى الجهة اليمنى فى هذا الزقاق «دار عبد الرحمن بن عوف»،وعلى يمينها» زقاق أبى أمية بن المغيرة وأمامه وعلى يمين الزقاق، «دار خالد بن سعد! يقال لها بيت ومنزل ابن عقبة-أيضا-وأمامه دار أبى الجهم مالك بن أبى عامر، وبجانبهم «دار نوفل بن عدى» وكل هذه المنازل كانت منازل ذلك العصر المشهورة والمنتظمة. قال موسى بن عقبة: قتلوا يهود بنى قريظة وأعدموهم على الرصيف الذى بجانب دار أبى الجهم، حتى سالت دماؤهم على حجارة (١) المحلات التى تبيع زيت الزيتون إلا أن قول موسى بن عقبة مخالف لأقوال أئمة السير الذين قالوا إن النبى ﷺ حفر حفرة فى سوق المدينة حيث قطعت أعناقهم بالسيف. ومن هنا فقول موسى غير قابل للتأويل والقبول.

стр. 1548

فى تعريف السوق التى أرادها النبى ﷺ لأهل المدينة وجهاتها أراد النبى ﷺ أن يعين لأصحابه الكرام مكانا للسوق للأخذ والعطاء فشرف أولا سوق «بنى قينقاع» ثم سوق المدينة وضرب الأرض برجليه المباركتين قائلا «هاهنا سوقكم، فلا يضايق بعضكم البعض، فلا تأخذوا ضريبة وجزية»،وبناء على قول ابن زبالة أن النبى ﷺ ، شرف يوما حى بنى ساعدة ليختار مكانا للسوق، وخاطب أفراد بنى ساعدة قائلا: «لا إننى جئت إليكم طالبا حاجة منكم، أعطونى مقبرتكم، وسووها واتخذها سوقا». وبما أن جماعات بنى ساعدة قبلوا ذلك وأعطوا مقبرتهم فضرب بقدميه على الأرض قائلا «ها هى السوق التى ستقيمونها للتجارة» وعين لهم حدودها الأربعة، وعلى ذلك سطحت مقبرة بنى ساعدة وأقيمت هناك السوق، وكانت مقبرة بنى ساعدة فى الجهة الشرقية لدار أبى ذئب. وكانت إحدى جهات السوق التى أرادها النبى-﵇-مصلى العيد، وجهة أخرى منها الفاصلة التى بين سبيل سعد بن عبادة، الجهة الثالثة سبيل سعد بن عبادة، والجهة الرابعة حدود «ثنية الوداع» وكان حدود «بقيع الخيل الأربعة» داخل السوق التى عرّفت. كان أهل المدينة يتبادلون التجارة فى السوق المذكورة إلى عصر عبد الملك بن مروان، وقد اشترى إبراهيم عبد الملك فى عهد حكم أخيه هشام بن عبد الملك ١٠٦ هـ المحالّ المذكورة، وأغلق أبواب ونوافذ تلك البيوت الناظرة إلى السوق، وسد وأغلق كل المعابر كل واحد من تلك المحال ثم أسس كثيرا من البيوت

стр. 1549

والمنازل وأجرها. وفتح أبوابا لكل منزل أجره لتكون خاصة للمستأجرين بالذين أستأجروها لعبورهم ومرورهم فى زاوية منزل عمر بن عبد العزيز الواقع فى الجهة الشامية من تلك البيوت التى أنشأها وفى نهاية رصيف مصلى العيد يعنى بجانب دار عباس المعروفة ب «الزوراء» التى فى قرب ضريح مالك بن سنان وأغلق جميع مناظر ومناور البيوت الكائنة فى جهة دار عباس «الزوراء» ولكن بيوت الإيجار التى بناها إبراهيم بن عبد الملك هدمت بعد وفاة هشام بن عبد الملك من قبل سكنة دار السكينة. وأعيدت إلى حالتها الأولى فى سنة ١٢٥ هـ،وظل هذا السوق فترة طويلة على هذه الحالة إلا أنه كلما تباعد عصر السعادة واتسعت البلدة الطاهرة تحقق لزوم إنشاء أسواق أخرى فى الأحياء الأخرى. واتخذ نظام إقامة الأسواق عادة بين الأهالى وأخذوا يطلقون على كل واحدة منها اسما خاصا، إلا أن كل هذه الأسواق لم تكن أسواقا منتظمة تزينها المحلات والدكاكين، وشأنها شأن أسواق استنبول والبلاد الأخرى تتألف من «أكشاك» خشبية وكراسى والدكاكين الوقتية وهنا أسواق عديدة بدكاكينها. إلا أنها كانت متقاربة وكان كلها فى ميدان المناخة كما أن بين الأحياء محلات العطارة وما يشبهها من الدكاكين الصغيرة. والأسواق التى يذكرها أهل المدينة بأسمائها هى: سوق الجباية «السوق التى تطلق عليها الجباية» أعظم وأهم أسواق المدينة وأكثرها نظاما، ودكاكينها «أكشاك» ذات مظلتين وجهة تسميتها بهذا الاسم قصر بناء الحيوانات لهذه السوق. سوق التجارة-هذه السوق فى الدرجة الثانية من أسواق المدينة وفى الجهة القبلية من سوق الجباية. وفيها يباع التمر ودكاكينها «أكشاك» معروشة. سوق السمانة-هى سوقى الزياتين والرواسة، وسوق بياعى الأكارع وبما أنهما متصلتان يعد الاثنان سوقا واحدة فى نظر الأهالى وتتكون الأكشاك والدكاكين من العروش.

стр. 1550

سوق الفلتية-مثل الأسواق الأخرى تتكون من عدة دكاكين معروشة يباع فى دكاكين هذه السوق: سوق «الأعشاب، والجلود، الحبال، الفحم، الحطب» وما يشبهها من اللوازم الأخرى. الخضرية-سوق الخضراوات هذه تقع فى الجهة الشرقية للسوق سالفة الذكر، ودكاكين بائعى الخضر أكشاك معروشة. سوق الجزارة-هى سوق بيع اللحم التى تقام فى الجهة القبلية لسوق الخضراوات، والقصابون يعرضون الأغنام المذبوحة معلقة على العلاقات ويبيعونها. سوق العطارة-تقع مقابل سوق القصابين، وتمتد هذه السوق إلى شارع النخاولة، وتنتهى بالباب المصرى ويتجر فيها بمواد العطارة والأقمشة، والتبغ والطباق، وفى جهة من جهاتها مقهيان. سوق البياطرة-تقع فى الطرف الشمالى إلى سوق الجباية وهى سوق الخيل، ويباع فيها النحاس أيضا. سوق البرسيم-سوق يباع فيها البرسيم. سوق الفطارين-سوق تباع فيها هذه الفطائر والطعام ويتم البيع فيها إما فى الأكشاك المفروشة أو فى أماكن مكشوفة. سوق الدلال الخردجية-سوق تباع فيها الأشياء القديمة مثل «سوق المقمل» فى إستانبول حيث تباع الأشياء القديمة ويقع سبيل فاطمة فى الجهة الغربية من داخل هذه السوق وبالقرب من باب مصر. وفى هذه السوق أو فى الأسواق الأخرى عدة مقاهى للاستراحة.

стр. 1551

الوجهة الخامسة عشرة تحتوى على أربع صور فيها ذكر مصلى العيد النبوى والمساجد والمنازل القائمة فى ممرات بهذه المساجد ومسجد قباء وبيت النفاق الضرار والمعابد النبوية المعلومة وغير المعلومة

стр. 1552

فى ذكر المساجد التى صلى فيها سيد الزاهدين محمد ﷺ صلاة العيد ومنازل الصحابة الموجودة فى طريقها أول صلاة عيد أداها إمام الأنبياء-عليه أعظم التحايا-فى المدينة هما صلاتا عيد الفطر وعيد الأضحى اللتان أداهما النبى ﷺ فى السنة الثانية للهجرة. وبناء على قول الإمام الواقدى أن النبى ﷺ صلّى هاتين الصلاتين للعيدين فى المكان الذى خلف بيت حكيم بن عدى بن بكر بن هوازن والمستقر بجانب أصحاب المحامل. وحمل معه الحربة التى أعطاها النجاشى ملك الحبشة للزبير بن العوام. ويحمل أئمة المدينة اليوم وهم يذهبون لأداء صلاة العيد تلك الحربة معهم. وكان ذلك الميدان فى الجهة الغربية فى المصلى المشهور الذى سبق تعريفه، وفى اتصال حديقة «العريضية لا من جهتها الشمالية».وأحيط أخيرا بسور من جهاته الأربعة واتخذ مسجدا. وعند ما حاصر المصريون حضرة عثمان بن عفان وضيقوا عليه الخناق وأمّ على بن أبى طالب الناس فى هذا المسجد بقى اسمه «مسجد على» وإن كان هذا ما يروونه إلا أن عليا بن أبى طالب لم يكن يؤدى الصلاة فى مكان لم يصل فيه نبينا إمام قبلة الدين-﵇-وبناء عليه يلزم ألا يكون لهذه الرواية أساس. ويروى بعض المؤرخين أن أبنية ذلك المسجد قد اندرست مع مرور الزمن ولم يبق لها أثر، وقد اعتادت قوافل الحجاج أن يدفن فى خرائبه جنازات من يموتون

стр. 1553

منهم، ولقد عثر فى سنة ٨٨١ هـ والى المدينة المنورة خرائب هذا المسجد وطهرها وبنى الأبنية التى عليها اليوم، إلا أن هذه الرواية تخالف الرواية التى نقلها كتابة. يقول إبراهيم بن أمية ناقلا عن شيخ جليل ذو ضمير حى لا مع فى الرواية التى نقلها كتابة: صلى النبى ﷺ أول صلاة عيد فى المدينة المنورة بجانب منزل ابن أبى الجنوب فى محلة «الدوسى» وصلى صلاة العيد الثانى خلف منزل حكيم بن عدى بجانب دار حفرة، وصلى صلاة العيد الثالثة بجانب منزل عبد الله بن درة المزنى الكائن بين دار معاوية ودار كثير بن الصلت. وصلى صلاة العيد الرابعة بين الحجارة السوداء القريبة من المصلى المشهور وصلاة العيد الخامسة داخل منزل محمد بن عبد الله بن كثير بن الصلت، وصلاة العيد السادسة فى محل المصلى المشهور. كان منزل ابن أبى الجنوب فى الجانب الغربى من وادى «البطحاء» وداخل منزل حكم حفرة سالف الذكر وكان منزل ابن درة (١) المزنى على الجانب الغربى من المصلى ودار كثير بن الصلت فى الجهة القبلية من المصلى المذكور والمكان الذى أشير إليه بالحجارة السوداء فى داخل حديقة «العريضية». القريبة من مصلى العيد. ويوجد الآن فى الحديقة التى كانت تعرف بالريشهية فى ذلك الوقت المسجد الذى ينسب إلى الصديق الأعظم. لما كان الصديق الأكبر يصلى صلوات الله على أرض هذا المسجد عندما كان خليفة سمى هذا المسجد «مسجد أبى بكر». صلى النبى ﷺ صلاة العيد الأولى بالقرب من دار الشفاء وصلاة العيد الثانية فى محلة «الدوسى» وصلاة العيد الثالثة فى المكان الأنور الذى يسمى مصلى العيد، بعد ذلك لم يترك هذا المكان حيث أدى جميع صلوات

стр. 1554

العيد بعد ذلك فى هذا المكان فى حياته، هذا هو المروى وهذه الرواية جديرة بالترجيح على تدقيقات الإمام الواقدى وإبراهيم بن موسى لقول ابن شيبه ناقلا عن شيخه ومصاحب الإمام مالك: من باب مروان-أى من الباب الذى عرف بباب السلام-إلى مسجد السعادة ومصلى العيد ألف ذراع وليس فى المدينة المنورة فى طريق مصلى العيد مكان أقدس من مصلى العيد بعد المسجد النبوى الشريف. ينقل عن جناح النجار أنه قال: كنت قد ذهبت إلى مكة مع أخت سعد بن أبى وقاص «عائشة» فقالت لى فى أثناء الطريق: «أين تقيم فى المدينة؟» فقلت لها: أسكن فى بيت قائم على رصيف من أرصفة باب السلام. عندئذ قالت لى: «إذا كان كذلك فلا تترك هذا البيت، لأن والدى سمع عن رسول الله ﷺ : «إن ما بين مسجدى والمكان الذى صلى فيه العيد جنة من رياض الجنة»،وبهذا بين قداسة الطريق الذى بين المسجد الشريف ومصلى العيد وعرف أشرفيته. وكلما كان النبى ﷺ عائدا من أحد أسفاره ويصل إلى مصلى العيد، يستقبل القبلة ويدعو. وكان يذهب من طريق لأداء صلاة العيد ويعود عن طريق آخر، كان يذهب إلى المصلى من شارع باب السلام ويعود من الطريق الذى يمر من أمام دار عمار بن ياسر وكان الصحابى أبو هريرة يتباهى ويتفاخر قائلا: «إن زاوية دارى أحب إلى وأجمل من كل شئ وكيف لا تكون كذلك؟! والنبى ﷺ كان يذهب من إحدى زواياها إلى مصلى العيد ويعود من زاويتها الأخرى». وقد خرب مصلى العيد النبوى وفيما بعد جدد فى سنة ٧٤٨ هـ من قبل السلطان ناصر الدين حسن بن قلاوون، وإلى الآن فوق طاقة حجر كتبت عليه العبارة الآتية: «قد جدده شيخ الحرم النبوى عز الدين بإدارة ناصر حسن بن محمد بن قلاوون سلطان مصر سنة ٧٤٨». ويقع المسجد المذكور فى الجهة اليسرى من حديقة «عريضية» وكان قد جدد

стр. 1555

أيضا فى سنة ٧٦٢ هـ ولما كان مسجد مصلى النبى ﷺ فى مدخل حديقة عريضية كان الدخول فى هذه الحديقة يتم من داخل المسجد الشريف وكانت ساحة المسجد الشريف تلوث بسبب الحيوانات التى تدخل وتخرج من وإلى الحديقة ووصلت القذارة أحيانا إلى كل مكان لدرجة أن المصلين لا يجدون فيه قبة لأداء الصلاة. فاستدعى الأمير إينال صاحب الحديقة واستأذنه وصنع للحديقة بابا آخر. وصنع للمسجد سقفا مخصوصا وفتح للشبكة التى فى الجهة الغربية بابا فى جدارها وجعل دهليزا خاصا لدخول الحيوانات. وبما أن الحيوانات منعت من الدخول لحرم مسجد النبى ﷺ فى المصلى ظل دائما نظيفا؛ وفى سنة ٨٦١ هـ وبما أن باب مصلى العيد كان خاليا من المصراع فتحوا بابا فى مواجهة المحراب لجداره الشامى. وركبوا لبابه القديم مصراعا؛ وكان للباب الذين فتح حديثا من خارجه مكان يصعد إليه بسلم؛ وعمرت صفة ذلك المكان اللطيف فى عهد الأشرف إينال تحت نظارة الأمير برد بك فى سنة (٨٦١) وكان الأئمة الذين يؤمون الناس فى صلوات الجمع والأعياد والخطباء يجلسون فى هذه الصفة. بينما كان الأمير يرد بك يعمر هذه الصفة جعل للخارجية فاعتاد الأعيان من أهل السنة أن يجلسوا فى هذا المكان من الأئمة والخطباء وعندما يحين وقت الصلاة كانوا يدخلون فى المسجد. أول من قام بالإمامة والخطابة تحت هذه السقيفة من قضاة أهل السنة هو العلامة «سراج الدين أحمد-﵀-الذى عينه منصور قلاوون الصالحى وأرسل إلى المدينة المنورة سنة ٦٨٢ هـ وبما أن جميع القضاة والخطباء قبل سراج الدين أفندى كانوا من طوائف الزنادقة قد تعرض سراج الدين أفندى من أفراد الزنادقة لكثير من التحقير والإهانة كما عرف ذلك فى الصورة العاشرة من الوجهة الأولى والصورة العاشرة من الوجهة الثالثة. ابن فرحون من المؤرخين الذين أدركوا الدور الذى ظهر فيه أفراد الزنادقة على أهل دار السكينة وتغلبوا عليهم. وقال فى تاريخه: «إننى رأيت بنفسى ما ألحقته طائفة الملاحدة لائمة أهل السنة من الإهانات رأى العين، كانوا يرجمون

стр. 1556

أئمة أهل السنة الذين يصلون فى المحراب والخطباء الذين يخطبون على المنبر وبلغ من جرأتهم وغلوائهم أن الأئمة الذين يؤمون المصلين فى صلاة العيد كانوا لا يستطيعون أن يخرجوا من الباب الرئيسى بل يخرجون من الأبواب الصغيرة التى فتحت فيما بعد. ولا يستطيعون أن يخطبوا مواجهين الجمهور وكانوا يصعدون من سلم الصفة التى عمرت فى عهد الأشرف إينال ويخطبون وهم يستدبرون القبلة؛ ولكن السقيفة التى صنعت فيما بعد من قبل أمير المعمار برد بك تحول دون رؤية وجه الخطيب، وإلقاء الخطبة بهذا الشكل كان مخالفا للسنة النبوية الشريفة إلا أن إلقاء الخطباء خطبهم بهذا الشكل كان مبنيا على رأى الأهالى الذين يرددون أن النبى ﷺ قد ألقى الخطبة فى ذلك المكان الميمون. وبعد أن غلبت طائفة الملاحدة الرذيلة على أمرها، تركت الحالة السابقة كليا وأخذت الخطب تلقى على الوجه المسنون». إن المعبد اللطيف الذى ذكرناه طويلا سابقا مازال موجودا إلى يومنا هذا ويعرف باسم «مسجد النبى» ويشتهر بذلك.

стр. 1557

تذكر وتعرف مسجد قباء بناء على ما ورد فى الكلام عن سنة الهجرة شرف النبى ﷺ قرية قباء بالنزول فيها. وسكن محلة بنى عمرو بن عوف أكثر من عشرة أيام وتفضل بإقامة مسجد قباء، هذه الرواية منقولة عن أئمة السير، إلا أن فرقة من المؤرخين يرغبون فى رد هذه الرواية، وبناء على أدعاء هؤلاء المؤرخين تبين لنا أن النبى ﷺ أقام ثلاث ليال (١) فى محلة بنى عمرو بن عوف فى مكان وأخذوا يصلون فى مربد كلثوم بن هدم حيث أسسوا مسجد قباء، وكان النبى ﷺ يصلى مدة وجوده فى محلة بنى عمرو بن عوف على ساحة هذا المسجد وذهبت فى فرقة من المؤرخين إلى أن أسعد بن زرارة قد أسس مسجد قباء قبل الهجرة وقالوا موضحين ذلك كانت ساحة مسجد قباء مربد كلثوم بن هدم، وكان أسعد بن زرارة قد أحاط هذا المكان من جهاته الأربعة بجدار حتى يصلى فيه الصحابة-رضى الله عنهم-الذين هاجروا قبل الرسول ﷺ وليجتمع مع سائر المسلمين الذين سيأتون يوم الجمعة من سائر القرى، وصلى النبى ﷺ فى داخل هذا المكان وأمرهم بأن يتخذ أهل قباء هذا المكان مسجدا لهم. وإننا نحكم بأن ما قالته هذه الطائفة من المؤرخين خطأ من أساسه ونرى أن ما ذكرته الطائفة الأولى من المؤرخين أقرب إلى الصحة، لأن النبى أثناء مقامه فى محلة بنى عمرو بن عوف صلى فى ساحة مسجد قباء، وهذا قطعى الثبوت

стр. 1558

وروايته تستند إلى أقوال موثوق بها. بينا ادعى جابر بن سمرة أن الرسول ﷺ أسس وبنى مسجد قباء بعد تشريفه مدينة العز المدينة المنورة وقال: قام النبى ﷺ فى المدينة المنورة وشرف قرية قباء، وقال لمستقبليه من أهل قباء: «يا سكان قباء»، وبعد ما هيأ أهل قباء مقدارا كافيا من الحجارة خط رسول الله ﷺ بحربته حدود المسجد الميمون وأمر بحفر أساسه، وحمل بنفسه قطعة من الاجرّ ووضعها فى المكان الذى سيتخذ محرابا، ثم خاطب أبا بكر الصديق وقال له: «يا أبا بكر خذ أنت أيضا حجرا وضعه فوق حجرى، ويا عمر احمل أنت أيضا حجرا وضعه فوق حجر أبى بكر، ويا عثمان ضع أنت أيضا الحجر الذى حملته بجانب حجر عمر ويأ ايتها الجماعة، ابنوا الجدران بوضع الحجارة حيثما تريدون». وهكذا أمرهم بطرح وبناء مسجد قباء المقدس؛ انتهى. ويفهم مما أورده جابر بن سمرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قد حضر وصنع أساس المسجد المذكور الذى سيتخذ المحراب المذكور وأن أهل قباء قد أكملوا بناء جدران وسقف المسجد بعد أن شرف النبى ﷺ المدينة المنورة، وبناء على هذا أقول يقتضى الحكم بصحة ما ادعاه سواء أكان أهل السير أو المؤرخون. قد حضرت شموس بنت نعمان وضع أساس مسجد قباء وعندما أخذ النبى ﷺ حجرا ووضعه فى المكان الذى سيتخذ محرابا وكانت تقول كلما تعرف وضع أساس المسجد المذكور: إننى أجلت النظر فى الصحابة الكرام الواحد تلو الآخر فى أثناء إرساء أساس مسجد قباء، وقد حمل النبى حجرا كبيرا وكان فى غاية الثقل كان ثقل الحجر يؤثر فى سرته المباركة؛ ولما رآه واحد من الصحابة الكرام على هذه الحالة قال للرسول ﷺ يا رسول الله فداؤك أبى وأمى، اترك هذا الحجر حتى أحمله عنك فقال له الرسول! لا فليحمل كل واحد منكم حجرا كبيرا حتى تكملوا إرساء أساس المسجد؛ لأن جبريل-﵇-يرينى الكعبة المعظمة. وأضافت شموس: من هنا أعرف أن مسجد قباء أقوم المساجد من حيث اتخاذ القبلة.

стр. 1559

ورواية شموس بنت نعمان (١) هذه «مسجد قباء أقوم المساجد من حيث اتخاذ القبلة رواية صحيحة، ولكن بناء مسجد قباء كان قبل تحويل القبلة، وبما أن القبلة تحولت بعد ذلك بسنة فمحراب أبنية مسجد قباء الذى كان فى ذلك الوقت غير موجود الآن. اختلفت الأئمة فى سبب نزول الآية الكريمة ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ (التوبة:١٠٨) أنزلت فى مسجد قرية قباء أم أنها نزلت فى مسجد النبى فى المدينة؟ فقالت طائفة منهم: إنها نزلت فى مسجد قباء، وقال بعضهم: إنها نزلت فى مسجد الرسول ﷺ ، أما حجة الطائفة الأولى وسندها فهى قوله تعالى ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (التوبة:١٠٨) ومن هنا فهذا مرجح على القول الثانى ولما وجد من العلماء من يرجحون القول الثانى وفق العلماء المدققون بين الأقوال المختلفة بأن وجهوا الآية الكريمة قائلين أنها نزلت فى حق كلا المسجدين. دقائق هذا البحث وتفصيلاته مدونة فى الصورة الثالثة من الوجهة الثانية. وطيلة المدة التى أقام فيها النبى ﷺ فى المدينة المنورة كان يزور مسجد قباء كل يوم سبت راجلا أو على صهوة فرس، حيث يؤدى ركعتين تحية للمسجد، كما يروى أنه ﷺ كان يمضى إلى هذا المسجد فى أيام الاثنين وفى اليوم السابع عشر من شهر رمضان. كان عمر بن الخطاب يزور مسجد قباء يومى الاثنين والخميس فى أيام خلافته وكان يتوقى عدم ترك هذه السنة ويحافظ عليها؛ حتى إنه ذهب فى يوم من الأيام إلى المسجد ولما لم يجد فيه الناس غضب غضبا شديدا وقال: «والذى نفسى بيده، لقد رأيت النبى ﷺ وأبو بكر كانا يحملان حجارة كبيرة حينما وضع أساس هذا المسجد، وكان جبريل الأمين يرى للرسول البيت المعظم؛ أقسم بالله لو كان هذا المسجد فى بلد من البلاد المجاورة لكانوا ذهبوا لزيارته أفواجا أفواجا.

стр. 1560

فأتونى بمكنسة وعندما أتى له بمكنسة خلع ثيابه وأخذ يكنسه بعد أن نظفه من خيوط العنكبوت، وقال للذين طلبوا منه أن يترك لهم كنس المسجد إنكم لن تستطيعوا أن توفوه حقه من التنظيف مثلى. ونقل عن زيد بن أسلم أنه قال: «نشكر الله على أن مسجد قباء فى مدينتنا لو كان فى مكان بعيد للزوم أن نزوره راكبين الجمال». كما نقل عن عائشة بنت سعد بن أبى وقاص أنها قالت كان أبى يقول: إن أداء ركعتين من الصلاة فى مسجد قباء خير من زيارتين للمسجد الأقصى، ولو عرف الناس ما فى مسجد قباء من فيوضات إلهية، لقدموا لزيارته من كل صوب وحدب». وهذا مروى بأسانيد قوية. والحقيقة أن الصلاة فى مسجد قباء أفضل من الصلاة فى المسجد الأقصى، كما أن ركعتين وفى رواية أربع ركعات فى هذا المسجد تعدل ثواب عمرة، وهذا ما ثبت بالأحاديث الصحيحة. قال عبد الله بن عمر بن الخطاب وهو فى طريقه إلى زيارة مسجد قباء لسائليه الذين استفسروا عن الجهة التى يقصد إليها أنا ذاهب للصلاة فى مسجد قباء الكائن فى منازل عمرو بن عوف؛ لأنى سمعت النبى ﷺ يقول: «كل من صلى فى مسجد قباء كان ثواب صلاته ثواب العمرة». ويقول سعيد جبير الأسدى: «ذهب أنس بن مالك إلى مسجد قباء وصلى ركعتين وبعد الصلاة جلس فى ركن من أركان المسجد وأنا أيضا جلست قليلا ثم ذهبت إليه وجلست بجانبه عندئذ خاطبنى قائلا: يا سعيد! ما أعظم قدر هذا المسجد، لو كان على بعد شهرين من الزمن لوجبت زيارته! وكل من خرج من بيته ناويا زيارة مسجد قباء وأداء أربع ركعات من الصلاة فيه، فالله يثيبه أجر عمرة» (١).

стр. 1561

وعلى كل من يريد أن يعرف المحل المقدس الذى أدى فيه النبى ﷺ الصلاة أن يزور العمود الثالث بعد دخوله المسجد وأن يؤدى بجانبه أربع ركعات تحية، وهذا العمود هو أقرب مكان إلى ساحة المسجد أى إلى الميدان المكشوف. وقد بنى مؤخرا إلى الجانب الشرقى من هذا العمود محراب وكان هذا إشارة مصلى النبى ﷺ . ولا شك أن المحراب الذى بنى فيما بعد كان قبل تحويل القبلة وأنه يومئ إلى المكان الذى كان يؤدى فيه الرسول ﷺ صلاته، إلا أن النبى ﷺ كان يؤدى صلاته فى ذلك المسجد بعد تحويل القبلة فى الجهة الشرقية من العمود الثالث اعتبارا من الساحة الرملية للمسجد المذكورة. ولا شك فى صحة هذه الرواية إلا أن المسجد وسع فيما بعد وتغير مكان الأسطوانة المعلقة وإذا عدت الآن الأساطين القائمة بناء على تعريف المؤرخين فمن الصعب العثور على العمود الذى يشير إلى المصلى النبوى بل من المستحيل؛ وخاصة أن باب المسجد فى ذلك الوقت كان خلف منزل سعد بن خيثمة، وفى زماننا هذا الباب مسدود ومجهول الموقع؛ لأجل ذلك ركزوا عمودا خاصا علامة على مصلى النبى ﷺ ؛ وبناء على هذا لا يقتضى عد الأعمدة بل البحث عن العمود الذى ركز إشارة وعلامة للمصلى النبوى. وإن كان قد وضع على أحد الأعمدة المتصلة بالساحة الرملية محراب وكتب على طاقه الآية الكريمة. ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ (التوبة:١٠٨) وأشير إلى أن هذا المكان هو المصلى النبوى. إلا أن هذا المكان ليس المصلى النبوى بل مكان نزول الآية الكريمة المذكورة. وفى مواجهة هذا المحراب الذى كتبت على طاقه الآية الجليلة حظيرة من خشب عليه قبة مكسوة بالرصاص، وأخبرنا ابن جبير أن هذه الحظيرة مبرك ناقة النبى ﷺ ، إلا أن المؤرخين الآخرين ترددوا فى تصديق رواية ابن جبير.

стр. 1562

جدد مسجد قباء فى عصر السعادة فوسع طولا وعرضا بمقدار ستة وستين ذراعا وكانت ساحة المسجد طولا خمسين ذراعا وعرضا ستة وعشرين ذراعا، وأضاف عثمان بن عفان مؤخرا الجدار (١) القبلى وعند البعض إن هذه الإضافات كانت فى عهد وليد بن عبد الملك. وعندما كان عمر بن عبد العزيز واليا على المدينة وسع مسجد قباء وزين جدرانه وسقوفه بالفسيفساء والنقوش. وأضاف إليه مئذنة وعدة عقود. وصنع سقفه من خشب الساج وترك ساحته التى فى الوسط مكشوفة. وبما أن ما جدده عمر بن عبد العزيز أشرف على الانهيار والخراب مع مرور الزمن فجدد فى سنة ٥٥٥ هـ كما جدد عمود المحراب سالف الذكر سنة ٦٧١ هـ، كما جدد بعض جهات من سقفه سنة ٧٣٣ وفى سنة ٨٤٠ هـ الجهات الأخرى من السقف المذكور. وقد أصلح وعمّر فى سنة ٥٥٥ من قبل جمال الدين الأصفهانى ومن الناصر قلاوون المصرى سنة ٧٣٣ وفى سنة ٨٤٠ من قبل الأشرف برسباى المصرى، على قدر الإمكان. ومال سقف المسجد ومئذنته للوقوع بفعل مرور الزمن، فبعث الأهالى فى سنة ٩٥٠ هـ إلى السلطان سليمان-طيب الله ثراه-يسترحمونه ويرجونه فأرسل المختصين فهدموا مئذنته وما خرب من سقفه وبناهما من جديد، وزين ونور داخل المسجد وخارجه بالقناديل والثريات التى أرسلت من باب السعادة كما عين للمسجد الخطباء والأئمة والمؤذنين. ودام هذا التعمير ما يقرب من ١٦٠ سنة، وبما أنه لم يعمر ولم يرمم فى هذه الفترة من قبل أحد، فأوشكت جدرانه ومئذنته على الانهيار فحرم عشاق النبى ﷺ من زيارة ذلك المسجد، وبناء على هذا عرض الأمر من قبل أهالى دار السكينة، وموظفى المدينة على الأعتاب السلطانية فصدر الأمر السلطانى للقيام بما يقتضى، وأعلم بالأمر المعمار سليمان بك الذى أرسله السلطان مصطفى خان بن السلطان محمد خان لتعمير مسجد

стр. 1563

السعادة ونبه بإجراء اللازم، وبعد ما أتم سليمان بك تعمير مسجد السعادة وجدده قام بتجديد جدران مسجد قباء ومئذنته بعد ما هدمهما. وبنى قبة على أربعة أعمدة فوق مبرك الناقة ثم بنى خارج المسجد سبيلا وعدة دور للخلاء وحفر فى ساحة المسجد الرملية بئرا عميقة تمد السبيل ودور الخلاء بالمياه وهكذا أوفى مهمته على أحسن وجه فى سنة ١١١١ هـ. ودام هذا التعمير ١٣٣ سنة وأهمل المسجد نتيجة لتقلب الزمن وساءت حالة المسجد أكثر لغض المدينة النظر عن حالة المسجد حتى أوشك على الانهيار بغتة، فعرض الأمر على عتبة السلطان محمود خان بمحضر عام فى سنة ١٢٤٤ هـ. فما كان من السلطان محمود إلا أن ببناء المسجد بعد هدم جميع مشتملاته. وبناء على ذلك سافر إلى المدينة المنورة المهندس عزت خليفة وأمين البناء وحيد أفندى بعد ما تم اختيارهما تعيينهما من قبل الباب العالى. وبمجرد وصولهما ثابرا فى إيفاء مهمتهما فهدما مسجد قباء مع قبابه وجدرانه بالكامل وجددوه. فى صورة محكمة قوية. وكانت أعمدة المسجد المذكور أصبحت فى حالة غير لائقة للاستعمال فهدمها وحيد أفندى وجددها. وهدم كذلك المحراب القديم محراب النبى، ومحراب منزل الآية، وقبة مبرك الناقة، وسبيل محمد باشا وجددها على طراز جديد. وأمر بكتابة الأبيات التى أرسلت من باب السعادة فوق طاقات هذه الآثار الشريفة. والأبيات التى كتبت فوق عقود الآثار الشريفة هى: البيت الذى لا نظير له والذى كتب على طاق محراب الكشف: «أصبح طاق الكشف لمحراب النبى علما ومن هنا انكشفت أرض الحرم لحضرته» البيت المؤثر الذى كتب على محراب مبرك الناقة: إن اسم هذا الموضع الطهور مبرك الناقة فأصبح قصوى جوا لآيات السلطان مولاك»

стр. 1564

البيت اللطيف المحرر على محراب منزل الآية المختار: «يقولون إن آية ﴿أُسِّسَ﴾ (التوبة:١٠٨) نزلت ها هنا تعال وقم هنا يا أيها المقتدى بأثر الرسول» الحديث الشريف الذى كتب على المحراب الجديد: قال النبى ﷺ ، «من تطهر فى بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان كأجر عمرة» (١). التاريخ الذى كتب على طاق باب مسجد قباء الشريف. إمام المسلمين ملك الدنيا السلطان محمود خان الخلافة مختصة بذاته والكرامة مهيأة لطبعه حينما سمع ما حل بالمسجد من خراب بادر فى التو إلى تطييب خاطر أهل طيبة بترميمه نزلت آية التأسيس فى حق هذا المسجد فليشهد بمكانة هذا السلطان الذى جدد كلما كان هذا المكان مسجدا لأهل الحاجة فليكتب للدين والدولة البقاء كتبت التاريخ أنا «برتو» وسجدت شاكرا كان هذا المسجد خرابا فعمره محمود خان فأرسل من باب صاحب القرار النجارون والمهذبون وما يقتضيه بناء المحراب من الأدوات والأحجار فأقيم محراب فخم على يمين منبر السعادة من قطع رخام ملونة خاص بالجماعة الحنفية فى جمادى الأولى من سنة ١٢٥٨ هـ وقرر أن يؤدى أئمة المذهب الحنفى صلواتهم فى هذا المحراب، وظل الإمام الحنفى يؤدى الصلوات فى هذا المحراب قرابة سنتين.

стр. 1565

إلا أن الأمر السلطانى قد صدر بأن يصلى فى محراب النبى الإمام الشافعى وفى اليوم الآخر الإمام الحنفى أخذ أئمة المذهب الحنفى والشافعى يؤدون الصلاة مناوبة فى المحراب النبوى ما يقرب من ٢٦٩ سنة، ولما ذهب والى مصر محمد على باشا إلى المدينة المنورة بعد واقعة الوهابية فى سنة ١٢٢٩ هـ بقصد زيارة الحجرة المعطرة وضع نظام أن يؤدى كل من أئمة المذهبين كل يوم الصلاة فى المحراب النبوى، وما زال هذا النظام جاريا، فيصلى الإمام الشافعى صلوات الصباح قبل الإمام الحنفى ويصلى الإمام الحنفى صلوات الأوقات الأخرى قبل الإمام الشافعى، ولكن فى أيام مواسم الحج يصلى الإمام الحنفى فى المحراب العثمانى ويصلى الإمام الشافعى فى المحراب النبوى بعدما يتم الإمام الحنفى صلاته. وهذا النظام خاص بمواسم الحج، ويصلى الإمامان صلوات التراويح فى وقت واحد. صورة ظهور المذهب الحنفى وزمان ظهوره: بعد أن نقل ابن فرحون فى هذا الخصوص أقوالا كثيرة، قال: «كان سكان المدينة المنورة إلى عصر شمس الدين العجمى يعتنقون مذهبين المالكى والشافعى». وعندما هاجر شمس الدين أفندى إلى المدينة شجع بعض علماء المذهب الشافعى على الاشتغال بمسائل المذهب الحنفى، وكان هؤلاء العلماء قد دققوا النتائج الأساسية لذلك المذاهب، وأخذ علماء المذهب المذكور يتكاثرون أخذوا يتفقهون وأصبحوا أئمة زمانهم من هنا أخذ الأهالى يستفيدون من علومهم ويستفتونهم ومن ذلك الوقت أخذ المذهب الحنفى ينتشر فى المدينة المنورة سنة ٧٢٣ هـ. إن المحراب السليمانى يقع-بناء على تعريف مؤلف «الجواهر الثمينة» من مؤرخى المدينة المنورة-فى الجهة اليمنى من محراب النبى ﷺ وعلى يسار منبر السعادة وبجانب العمود الثالث ابتداء من المنبر الشريف، وفى نهاية الطرف

стр. 1566

الغربى لما أضافه عمر بن الخطاب، وقد بنى ذلك المحراب كما ذكر آنفا السلطان سليمان بن السلطان سليم فى سنة ٩٥٨ هـ وخصه بأئمة المذهب الحنفى والمالكى، وعرف بالمحراب السليمانى ا. هـ. (١) وكان أئمة الحنفية لا يؤمون الناس إلى سنة ٨٥٨ هـ فى مسجد السعادة وكانت مهمة القضاء والإفتاء منحصرتين فى علماء المذهب والمالكى. وفى عام ٨٦٥ هـ بناء على طلبات ملوك مصر وضع نظام أن يصلى أئمة الشافعية صلاة الصبح قبل المالكية وأن يصلى أئمة المالكية مع جماعتهم الكبرى الصلوات الأخرى قبل الشافعية. وكان من عادة النبى ﷺ كلما شرف مسجد قباء بزيارته أن يمر بدار أم حرام (٢) زوجة عبادة بن الصامت وكان لا يجيد عن هذه العادة ذات الحكمة النبوية. ويروى أن النبى ﷺ كان يشرف دار سعد بن خيثمة فى قرية قباء وكانت دار حضرة سعد فى ذلك الوقت فى الركن الغربى لجدار المسجد القبلى. وفى وقتنا هذا فموقع مسجد على فوق ساحة هذا المنزل الذى لا نظير له. وكان سعد بن خيثمة يؤدى صلاته طول عمره فى ذلك المكان المبارك. وبناء على قول ابن شيبة أن النبى ﷺ كان من عادته أن يستريح مضجعا فى دار سعد ويجدد وضوءه ومن هنا كان سعد بن خيثمة يؤدى صلاته فى المكان الذى كان يضطجع فيه النبى إلى أن توفى. وكان قصر كلثوم بن هدم الساحر خلف الجدار القبلى لمسجد قباء. وقد شرف

стр. 1567

الرسول ﷺ فى أول هجرته دار كلثوم بن هدم وصحب معه أبا بكر الصديق واستضافه فى ذلك المنزل اللطيف ومن هنا يعد من الآثار المباركة والمنازل المقدسة. وقد اتخذت هذه الدار المباركة مؤخرا مسجدا والمسجد اللطيف الذى يعرف فى أيامنا باسم مسجد فاطمة قد أقيم فوق ساحة منزل ابن هدم. مسجد ضرار كان الذين بنوه اثنى عشر رجلا: خذام بن خالد من بنى عبد بن زيد أحد بنى عمرو بن عوف ومن داره أخرج مسجد الشقاق، وثعلبة بن حاطب من بنى عبيد وموالى بنى أمية بن زيد، ومعتب بن قشير من بنى ضبيعة بن زيد، وأبو حبيبة بن الأزعر من بنى ضبيعة بن زيد، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف من بنى عمرو بن عوف، وحارثة بن عامر، وابناه مجمع بن حارثة وزيد بن حارثة، ونبتل بن الحارث، وهم من بنى ضبيعة، وبجاد بن عمران وهو من بنى ضبيعة، ووديعة بن ثابت، وموالى بنى أمية رهط أبى لبابة بن عبد المنذر. كان أبو عامر من أفراد قبيلة الخزرج، وكان ملما بعلوم التوراة والإنجيل وكان يمارس تعليماتهما وكان سالكا بطريقة الزهد والعبادة وكان منهمكا باستحصال الرياسة العلمية وقد اختار قبل البعثة طقوس النصرانية وكان يكتسى الملابس القديمة ومن هنا اكتسب لقب الراهب. وكان قد اطلع على أوصاف النبى ﷺ بالاستماع إلى علماء الإنس والجن وكان يصفه لأهالى أرض يثرب قبل الهجرة ويعدد المنافع الدنيوية والأخروية فى اتباعه ويرغب أهل المدينة فى تصديق النبوة المحمدية ويشوقهم إلى ذلك. وعندما أبهج النبى ﷺ بقدومه الميمون المدينة وأصبح مغتبطا من أهل الأرض والسماء وأخذ أهل المدينة وأطرافها يبدون للنبى ﷺ علامات الميل والركون ملأ هذا قلب أبى عامر القاسى بالحزن والحقد، وأخذ يسعى لمنع أهل الإيمان عن متابعة باعث المغفرة ويبعدهم عنه بنشر ترهاته التى تقول: إن الشخص الذى

стр. 1568

وصفت مقدما شمائله المباركة ونبى آخر الزمان الذى عرفته ليس الشخص الذى أتى إلى بلدنا وادعى النبوة. وإن كان له بعض علاماته الظاهرة وتردد أبو عامر مع المنافقين الذين يشاركونه فى أفكاره فى قبول الإسلام كما أشير إلى ذلك فى الآية: ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (البقرة:٨٩) ودب دبيب الحسد فى نفسه للنصر الذى أحرزه المسلمون فى غزوة بدر الكبرى، ومضى إلى مكة وحرض القرشيين على الحرب والثأر وتجرأ فى وقعة أحد المكدرة أن يرمى أول سهم على المسلمين من أجل ذلك لقبه النبى صادق القول ب «أبو عامر الفاسق». قال بعض أئمة السير حينما هاجر النبى ﷺ إلى المدينة مثل أبو عامر الفاسق أمام النبى ﷺ وقال له: يا محمد! ما نوع الأشياء التى تقول أنك أحضرتها من قبل الله فأجابه النبى ﷺ إنه دين إبراهيم الحنيف فتفوه قائلا: أنا أيضا أتبع شريعة الدين الحنيف وأعلم بأحكامها وأراد بهذا أن يعرض أنه كان يعتنق قبل البعثة دين خليل الرب الجليل. فقال النبى ﷺ : ألا إننى جئت بدين إبراهيم على المحجة البيضاء، لا على ما ظننت وخمنته فغضب أبو عامر على أنه كذب بهذا الشكل وقال: «فليجاز الله الكذاب بالطرد والانعزال»،وهكذا أظهر غيظه وحقده ونجى من القتل فى غزوة أحد وهاجر إلى بلاد الشام، وانتسب بالمرة إلى حاكم القسطنطينية هرقل وحثّه على السعى لتجهيز الجيوش ضد المسلمين ولكنه لم يوفق فى ترويج أمله وتحقيقه. وعندما عاد إلى المدينة قبل وقعة تبوك بمدة واشتغل بنشر العلوم حتى يستطيع

стр. 1569

فعل ما فى ضميره من الفساد وأرسل إلى قومه واجب اللوم من منافقى بنى غنم رسالة ذات أسلوب لعين تتضمن نفاقه الذى اعتاده يقول فيها: «إننى سأعود إلى المدينة مستصحبا معى عساكر من قيصر الروم، فاستعدوا أنتم أيضا بتجهيز الأسلحة اللازمة وانتظروا قدومى، وابذلوا جهدكم لبناء مسجد رصين الجدار أمام مسجد قباء وفى حى أصحاب النفاق». وحينما أخذ منافقو بنى غنم الذين سبقت أسماؤهم أعلاه رسالة أبى عامر فأسرعوا ببناء مبنى فى قرية قباء قبيل غزوة تبوك وذهبوا إلى رسول الله ﷺ وطلبوا منه أن يشرف هذا المكان ويباركه بأداء ركعتين صلاة فيه، فقالوا: «يا رسول الله! بنينا فى قريتنا مسجدا ليصلى فيه العجزة وأصحاب العلل والأعذار فى ليالى الشتاء الممطرة وكل رجائنا أن تشرفوه بأداء ركعتين صلاة فيه فأجابهم النبى ﷺ : «الآن قد خرجنا من المدينة بنية الغزو فإذا ما يسرت لنا العودة نفعل إن شاء الله» فعاد المنافقون وقد تلقوا الرد الصائب. وعندما عاد النبى ﷺ من تبوك وقرر أن يستريح قليلا فى مكان يسمى ذى أوان على بعد ساعة فى ناحية تبوك من المدينة المنورة. فجاء منافقو بنى غنم مرة أخرى متذللين متمسكنين وطلبوا من النبى ﷺ أن يشرف مسجدهم مسجد ضرار إلا أن الله- -قد حسم الموضوع إذ أنزل الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (التوبة:١٠٧ - ١٠٨). وهكذا فضحت الآية الكريمة أفكار بنى غنم وكشفتهم، وبعث النبى ﷺ مالك بن الدخشم وسعد بن عدى وأخاه عامر أو عاصم بن عدى لهدم وتخريب مسجد ضرار فى قرية قباء فذهب هؤلاء إلى قباء حيث هدموا وخربوا مسجد

стр. 1570

ضرار أولا ثم جلبوا سعف النخيل وأحرقوه وجعلوا المكان مقلبا للقمامة لأهل القرية. يقول خزيمة بن ثابت: «كان أبو عامر الراهب قبل البعثة يعرف بأقوال النبى وأفعاله ويمدحه ويثنى عليه وكان يتجنب الشرك والكفر ويرغب فى اتباع دين إبراهيم الحنيف ويحرص على التوحيد، واجتمع بكثير من علماء اليهود والنصارى وتشاور معهم وسافر كثيرا ليدقق دين إبراهيم وعرف أن الدين الحنيف المذكور سيظهر مع مبعث الرسول الأكرم، واطلع على كثير من شمائل ذلك النبى المقدسة. ووجد أبو عامر يوما فى مجلس أعيان الأوس والخزرج وأخذ يذكر اسم النبى وصفاته وبين أنه ظهر فى مكة المكرمة وأنه سيهاجر إلى المدينة الطاهرة، وعندئذ قال له أبو الهيثم بن التيهان القضاعى الذى كان فى ذلك المجلس، وكان من الذين دخلوا فى الدين الحنيف، يا أبا عامر! كيف أتصرف إذا ما أدركت بعثة هذا النبى وقال له أبو عامر أقسم بأن الجن والإنس قد وصفوه لى وبينوه فقال له أبو الهيثم يا ترى، فالذين وصفوه لك من بين البشر رأوا صفاته فى كتاب الله؟ أو سمعوها من الجن؟ فنحن لا ندرى شيئا من هذا الموضوع؟ قال أبو عامر، أخبرنى بذلك كاهن فى اليمن، وكان الكاهن المذكور مشهورا جدا فى الأخبار العربية العجيبة، وكنت خرجت فى شهر رجب فى ليلة مقمرة منفردا لأتلاقى مع ذلك الكاهن. وفى أثناء سيرى كان قلبى قد نام ومر وقت غير قليل، ولما استيقظت من نومى رأيت أن دابتى قد انحرفت عن الطريق ودخلت فى مكان لا يعرف أين سينتهى. وبدأت أرتعش حزينا وأخذت أجيل النظر حولى من شدة الخوف ورأيت أمامى نارا فاتجهت نحوها. ولم يكن لى دليل. وعندما وصلت إلى جانب النار كنت قد شعرت بالدفء من كثرة تجوالى حولها، إلا أن هذه النار لما كانت لاهى مثل الإنسان ولا الحيوان ولم تكن حولها منازل ولا خيام ولم تكن لائقة بأن يطلق عليها اسم النار ومن هنا أصابنى الخوف والفزع وانتصب شعرى حتى أصبحت كل شعرة كأنها شوكة. وارتعشت قوائم ناقتى فبدأت تسرع فى سيرها.

стр. 1571

وما تصورته نارا تمثلته أربعة أنفار مردة ذات أشكال مخيفة وهجموا على هجوما عنيفا، فصحت بأعلى صوتى واستغثت برئيسهم، وكان من هؤلاء الأنفار كلب يمنعهم من الهجوم على؛ فأتوا إلى جانبه وجلسوا بعد التحية، كانت وجوهم مخيفة ومناظرهم قبيحة كريهة، فخاطبنى واحد منهم قائلا: «من أنت؟» فقلت لهم: «إننى شخص من بنى غسان الذى ينتهى إلى بنى قيلة (١) فقيل لى أين تذهب وعم تبحث» فقلت لهم: «إننى خرجت إلى الطريق باحثا عن كاهن يخبرنى عن أحكام الدين الحنيف؛ ولكننى ضللت الطريق وأتيت هنا وهكذا وضحت لهم ما فى ضميرى، ثم ختمت مقالى قائلا: «نحن من معاشر البشر، ونعتمد على الكهنة الذين يستقون منكم الأخبار وينشرونها بيننا، إننى فرد غريب يرغب فى ملاقاة الذين يتبعونكم لأجل ذلك أسير فى البلاد. فإذا ما طلبتم منى الذهاب نفذت أمركم فأشار الثلاثة إلى شخص رابع معهم والذى افتتح كلامه قائلا ما اسمك؟ «فقلت له اسمى أبو عامر فقال لى: «يا أبا عامر افتح عيونك، وإننى أؤمنك بأننى لن أكذب عليك، لتعلق قلبى بك. يا أبا عامر أقسم لك إنه قد ظهر نبى من سلالة بنى هاشم بن عبد مناف وبسبب هذا الغيث مثل العنبر قد أحضر إلى العالم الذى أوشك على الخراب، وجهه منير مثل شمس الدنيا المضيئة واسع الصدر، قامته ليست طويلة ولا قصيرة بل هى موزونة، ولا ينظر إلى شئ أكثر من اللازم وعندما ينظر لا تطرف عيناه وعيونه ذات حكمة ومكحولتان بالفطرة واسعتان جميلتان، وفى عينيه مقدار من الحمرة وبين كتفيه خاتم النبوة، وهو أمى لا يعرف القراءة ولا الكتابة، مبعوث بالدين الحنيف، يظهر أن الخلق جميعا سيتبعونه ويسيرون فى آثاره وأنه سيتحدث للملائكة ذوات الأجنحة وبعد قوله هذا انسحب من جانبى وتقدم إلى الأمام فتبعه رفقاؤه، وأنا رأيت أن الصباح قد حان فوجدت طريقى وعدت». يفهم من حكاية خزيمة هذه أن أبا عامر الفاسق أخبث الخلائق كأنه تدين بدين الخليل الجليل قبل البعثة النبوية وقد استقى المعلومات عن البعثة المحمدية

стр. 1572

وترهب حتى يكتسب شرفا ومكانة بين الأهالى وتوغل فى الصحارى يعنى اكتسى بالملابس الخلقة وتستر بستائر النفاق راغبا فى خداع الناس؛ ولكنه باء بالخذلان والخسارة إذ أنكر الرسالة المحمدية، لأنه التقى بعد الهجرة بالنبى ﷺ وقال له: «يا محمد ما الدين الذى بعثت به؟» وتلقى الرد الصائب من النبى ﷺ إذ قال له: «بعثت بالدين الحنيف الذى بحثت عنه فترة من الزمن» فتجرأ أن يرد على النبى وهو يهذى» إنك قد مزجت بهذا الدين البدعة» فرد عليه النبى ﷺ قائلا: «بل أتيت به على المحجة البيضاء» فغضب من تلقيه هذا الرد وغادر مجلس النبى ﷺ مجلس الملائكة. حتى إن النبى ﷺ عندما قال له «يا أبا عامر! ألست تنتظر قدومى؟ ألم تكن تنقل أوصافى التى تلقيتها من علماء اليهود والنصارى لأبناء الأوس والخزرج؟ «فرد على الاستفهام النبوى قائلا: «لست الشخص الذى وصفه علماء اليهود والنصارى، لم يحن بعد وقت بعثته» وأمن على دعاء النبى الذى قال: فليجعل الله- -الكذاب مستحقا لجزاء الموت طريدا وحيدا فاستجاب الله- -لدعاء النبى ﷺ إذ هرب مؤخرا إلى بلاد الشام ثم إلى القسطنطينية وهلك وحيدا طريدا. حنظلة بن أبى عامر الفاسق الذى هرب إلى القسطنطينية رافضا الإسلام، قد استشهد فى غزوة أحد من قبل شداد بن أسود وعلى قول من أبى سفيان قد بشر بالحديث الشريف هو حنظلة غسيل الملائكة. ومكان خرابة مسجد ضرار مجهول فى عصرنا، وكان المحل المبارك الذى بنى عليه مسجد قباء حظيرة لحيوانات امرأة مخلصة تسمى لينة؛ لذلك قال منافقو بنى غنم: «إننا نرى أن إقامة صلاة فوق مكان حظيرة حيوانات لينة غير مناسب؛ لأجل ذلك فنحن سنبنى فى المكان الذى عينه أبو عامر مسجدا عظيما حيث سنتعبد»،وفعلا بنوا مسجدا عاليا رصينا جميل الشكل فى جوار مسجد قباء وهذا محقق. ولما كانت جميع الروايات التى تتحدث عن جهته وشكله وهيئة بنائه من

стр. 1573

الأقوال الضعيفة وبناء على ذلك لا يمكن تعيين مكان خرابته. ومعلوم لدى الجميع أنه كان فى داخل قرية قباء وفى مكان قريب من مسجد قباء وبما أنه قد بنى لتفريق الجماعة الإسلامية فقد كان مبنيا متينا محكما لدرجة ما ومن الروايات الموثوقة أنه قد انبعث من الساحة القذرة لهذا المسجد دخان عجيب فى عصر السعادة كما أن هذا الدخان قد انبعث مرة أخرى فى عهد أبى جعفر المنصور.

стр. 1574

فى ذكر مواقع المساجد النبوية التى تزار اليوم استحب العلماء الكرام الصلاة تبركا فى الأماكن التى صلى فيها النبى ﷺ . وبينوا أنه يجب الاهتمام بالصلاة فى الأماكن سواء أكانت أسماء هذه المساجد التى أسست فى هذه المواقع معلومة أو مجهولة وأن هذه المساجد قد أقيمت عامة فى أيام ولاية عمر بن عبد العزيز، ثم جددت كلما احتاج أىّ موقع من مواقعها إلى التعمير والتجديد من قبل ملوك ذلك الزمان. ١ - مسجد الجمعة: يقع هذا المسجد بالمدينة المنورة وقرية قباء فى واد يعرف بذى صلب وفى رواية يعرف ب «ذى رانونا» وهو بالقرب من التقاء مياه مجرى هذين الواديين. إن هذا المسجد اللطيف أول معبد أدى فيه النبى ﷺ عند هجرته إلى المدينة المنورة وكان فى ميدان وادى ذى صلب وكان مكشوف الجوانب. أحاطه أحد الخيرين اسمه عبد الصمد بجدار فى ارتفاع ذراع واحد وجعله على شكل مسجد. ولما كان الجدار الذى أقامه عبد الصمد من الحجر الأسود خاليا من كل شئ انهار بعد مدة واندرست خرائبه قليلا قليلا وهدمت فجدده أحد الفرس على شكل مسجد ولما مال هذا أيضا إلى الانهيار والسقوط أصلحه وسقفه الشيخ شهاب الدين قلاوون وأحكم تشييده، ولهذا المسجد فى زماننا طاقان فوق عمود واحد وسقف مستقيم وطوله عشرون ذراعا وعرضه ستة عشر ذراعا وله ساحة رملية مكشوفة.

стр. 1575

والحصن الذى اتخذه عتبان بن مالك مسجدا فى الجهة الشمالية من ذلك المسجد وما زالت آثار أطلاله قائمة حتى اليوم. وأخذا مما يرى كان عتبان يجمع رجال قبيلته فيه ويؤدون الصلاة فى الأيام المطيرة وذلك بإذن من النبى ﷺ . عندما هاجر النبى ﷺ إلى المدينة المنورة قام فى قرية قباء وواصل سيره وعندما وصل إلى ملتقى مجارى مياه، ذى صلب وذى رانونا حل وقت صلاة الجمعة فنزل من على ظهر ناقته التى كان يركبها وأدى صلاة الجمعة واتجه بعد ذلك إلى المدينة المنورة، وكانت منازل سالم بن عوف فى ناحية ذلك المسجد، ويطلق على هذا المسجد اسم مسجد عاتكة أيضا. ٢ - الثانى هو مسجد الفضيح: هذا المسجد معبد صغير مربع الشكل على شاطئ نهير فى الجهة الشرقية من مسجد قرية قباء، والجهات الأربع لمسجد فضيح خمسة عشر ذراعا قد أحيط أطرافه الأربعة بجدار من حجر أسود دون مؤنة وكان أبو أيوب الأنصارى- رضى الله عنه-يسهر فى المكان الذى كان فيه مسجد فضيح قبل حرب بنى النضير. فسمعوا خبر تحريم الخمر فجأة وأراقوا ما فى أيديهم من الفضيح وسموا بعد ذلك المكان بالفضيح. وكانت إراقة الشراب فى ذلك المكان قبل أن يتخذ مسجدا وقبل أن يعرف أن الخمر بخسة مطلقا. وكان النبى ﷺ قد أمر أصحابه الكرام أن ينصبوا خيامهم فى مكان قريب من مسجد فضيح فى غزوة بنى النضير. واتخذ المكان الذى سمر فيه أبو أيوب الأنصارى مصلى وصلى فيه ما يقرب من ست ليال. هذا وهناك من يطلق على مسجد الفضيح «مسجد الشمس»،ولكن إذا ما نظر إلى وقوع قصة رد الشمس الصحيحة المشهورة فى صحراء خيبر فخطأ هذ الرأى واضح. كان مسجد الفضيح قد نسى تماما فى العصر الأخير وبناء عليه خربت مبانيه وإنهدمت آثار أساسه وانمحت فمسحت من الذاكرة حتى ساحة بنائه، إلا أن

стр. 1576

مصطفى أفندى عشقى من المجاورين فى المدينة جدده فى سنة ١٢٦٦ هـ ووفق فى إحيائه، وجدده مؤخرا السلطان عبد المجيد فى صورة لائقة فطول أبنيته وعرضها أحد عشر ذراعا. وخلف الجدار القبلى للمسجد بستانان مشهوران ومعموران وهما الأشرية وسايور وبجانبهما قرية وحصن وأطلال بيدر عظيم. ٣ - الثالث مسجد بنى قريظة: مسجد بنى قريظة أمام باب حديقة النخيل والمعروفة بالحاجزة فى تلال قرية بنى قريظة من جهة الشرق، وجهاته الأربعة أربعة وأربعون ذراعا وعلى جوانبه آثار أطلال منازل بنى قريظة. بنى ذلك المسجد الشريف الوليد بن عبد الملك وضم إليه ساحة منزل إحدى نساء بنى خضر، لأن النبى ﷺ كان قد صلى فى ذلك المنزل. وساحة هذا المنزل الآن بجانب مئذنة ذلك المسجد الحالية. كان الأصحاب الكرام قد استقبلوا سعد بن معاذ فى غزوة بنى قريظة فى ساحة ذلك المنزل. يعنى أن الأصحاب الكرام من قبيلة الأوس استقبلوا سعد بن معاذ الذى ترك لرأيه اختيار الجزاء اللائق ليهود بنى قريظة وقالوا له: «يا سعد! إن النبى ﷺ قد أحال لك تحديد الجزاء الذى يستحقه يهود بنى قريظة وبما أن لنا مع هذه القبيلة حقوق ومعرفة قديمة نرجو منك ألا تضيع هذه الحقوق والمعرفة».كان قديما لمسجد بنى قريظة ١٦ عمودا ومئذنة واحدة مثل مسجد قباء. وفيما بعد انهارت مئذنته وأعمدته وجدران أطرافه واندرست، وظلت قاعدة مئذنته فى الركن الغربى الشمالى من خرابته، فأحاطوه فى سنة ٧٢٠ هـ بجدار. وقد جدد ذلك الجدار شاهين الشجاعى سنة ٨٩٣ هـ وأسس على قاعدة مئذنته صفة جيدة وهكذا عاد المسجد إلى حالته القديمة، وطول مسجد بنى قريظة وعرضه أربعة وأربعون ذراعا، ولما كان خاليا من السقف فالذين يصلون فى داخله يكونون غير مصونين من حرارة الشمس.

стр. 1577

٤ - المسجد الرابع هو مسجد مشربة أم إبراهيم: (١) مشربة أم إبراهيم معبد جميل فى فى الطرف الشرقى لمسجد بنى قريظة وهو بجوار التل وبين حديقة أشراف القواسم (٢). ومشربة أم إبراهيم من الصدقات التى انتقلت إلى النبى ﷺ من مخاديق اليهود وكانت فى الماضى حوش جميل واقع بين بيوته وهو خاص بإقامة مارية القبطية وهو مسقط رأس إبراهيم. وحينما كانت أم إبراهيم تضع مولودها اتكأت إلى شجرة ويقال إن هذه الشجرة ما زالت قائمة إلى الآن. وقد ثبت أن النبى ﷺ صلّى فى مشربة أم إبراهيم، لذا اتخذت ساحة الحوش سالف الذكر مصلى وطول هذا المسجد أربعة عشر ذراعا وعرضه تسعة أذرع وقد هدمت أبنيته واندرس أساسه وجداره، وأحيط مؤخرا بجدار منخفض وأرى أنه ساحة المسجد النبوى الشريف. وعلى الجهة الشمالية من مسجد مشربة أم إبراهيم ساحة منزل خرب يزورها الناس على أنها منزل دار بنى مازن بن النجار فالناس مخطئون فى ظنهم. وهذا المنزل الذى يزار بناء على ظن دون سند طوله أحد عشر ذراعا وعرضه أربعة عشر ذراعا وفى الجهة الشرقية منه سقف لطيف وبالقرب منه حديقة نخيل يعرف بالنخل الزبيرى وهذه الحديقة حديقة النخيل التى وقفها الزبير بن العوام. ٥ - المسجد الخامس بنى ظفر: بنو ظفر أحفاد جماعة من قبيلة الأوس ويطلق على معبدهم الذى فى جانب الحرة القريبة التى تقع فى الجهة الشرقية من بقيع الغرقد مسجد بغلة أيضا. بعد أن صلى إمام الأنبياء ﷺ فى هذا المكان المقدس جلس على صخرة بجانبه، وبعد ذلك كلما جلست فوق هذه الصخرة امرأة عقيمة كانت تحمل

стр. 1578

دائما، وأراد زياد بن عبيد انتزاع تلك الصخرة من مكانها لينقلها إلى مكان آخر، إلا أنه لم يتجرّأ على ذلك بسبب معارضة علماء عصره، وليس هناك فى زماننا حجر مثل ذلك، ولكن الحجر الموجود على يسار باب مسجد بغلة ليس بعيد أن تكون تلك الصخرة التى سبق ذكرها. وجلس النبى ﷺ فوق تلك الصخرة المذكورة وطلب أن يتلو عشر من القرآن الكريم وكان معه خادمه محمود العاقبة عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهما من الفضلاء. وشرع أحد الصحابة-بعد البسملة-فى تلاوة العشر إلى أن جاء إلى الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ (النساء: ٤١ - ٤٢) عندئذ تأثر النبى ﷺ تأثرا شديدا وبكى بكاء حتى اخضلّت لحيته الشريفة بالدموع. وليس لمسجد بنى ظفر أعمدة ولكن له محراب وطول جهاته الأربعة واحد وعشرون ذراعا وقد تخربت أبنيته وقد رممه أبو جعفر المنصور المستنصر بالله خلال عام ٦٣٠ هـ وكتبت على كمر بابه عبارة: «خلد الله الملك الإمام أبو جعفر المنصور المستنصر بالله أمير المؤمنين عمره سنة ثلاثين وستمائة» إلا أنه آل إلى السقوط والانهيار فيما بعد فجدده شيخ الحرم مصطفى مظلوم أغا وأقام إلى جانبه مسجدين فى عام ١٠٣٢ هـ،ويسمى أحد المسجدين مسجد بغلة ويسمى الآخر مسجد المائدة ولما كانت فى مسجد بغلة بعض آثار الحوافر يروى موثوقا بأن هذا الموقع هو مبرك ناقة النبى ﷺ . وفى خارج مسجد بغلة حجر، وفى هذا الحجر خدوش ويعتقد أهل المدينة أن هذه الخدوش أثر حوافر بغلة النبى ﷺ وفى الجهة الغربية لهذا الحجر حجر آخر

стр. 1579

عليه حفرة هى أثر مرفق النبى ﷺ ، وإلى جانبه حجر آخر فيه حفر هى آثار أصابعه ﵇ وجاءت فى ذلك رواية موثوقة. ٦ - السادس مسجد الإجابة: يقع هذا المسجد فى الطرف الشمالى لمقبرة بقيع الغرقد، وعلى يسرة الذاهب إلى محلة العريضى وطوله خمسة وعشرون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا وقد أرسى أساس هذا المسجد وسط قرية بنى معاوية بن مالك بن عوف الأوسى، ويقال إن ثمة أنقاضا فى أطرافه هى أنقاض بيوت القرية المذكورة. وقد ذهب النبى ﷺ مع بعض صحابته إلى مسجد الإجابة وصلى فيه ركعتين وبعد السلام دعا دعاء طويلا وبعد ما انتهى منه قال: «قد طلبت فى هذا الدعاء من معطى العطايا ثلاثة أشياء قبل هذان منهما ورد واحدا، أما الدعاءان اللذان قبلا فهما ألا تهلك أمتى بالقحط والغرق أما الدعاء الذى لم يستجب له رفع الخلاف والمباينة والاختلاف بين أهل الإيمان». يروون نقلا عن عبد الله بن جابر بن عتبة أن عبد الله تحدث على هذه الوتيرة: «حينما كنت فى قرية بنى معاوية جاء عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقال: يا عبد الله! هل تعرف المكان الذى أدى فيه النبى الصلاة فى مسجد الإجابة والأشياء الثلاثة التى طلب من الله عقب صلاته؟ فقلت له-نعم أعرف. وبعد ما أريته المكان الذى صلى فيه الرسول ﷺ قلت أما دعاؤه فكان ألا تهلك أمته بالقحط والغرق. وألا يقع بين المسلمين اختلاف وقتال فقبل عدم هلاك أمته بالقحط والغرق وردّ طلبه بعدم وقوع خلاف بين أمته. وهكذا فصلت له الواقع، فقال ابن الخليفة يظهر أن الأمة المحمدية ستتقاتل فيما بينها إلى يوم القيامة» (١)، وأيد روايتى بهذا القول وصرح بأنه واقف لذلك الحديث. كان النبى ﷺ سيد العالمين قد صلى ركعتين على مسافة ذراعين من يمين محراب مسجد الإجابة والذين يعرفون ذلك من الزوار عندما يزورون مسجد الإجابة. يحرصون على أداء الصلاة فيه على بعد ذراعين من يمين المحراب.

стр. 1580

رواية يروى أهل المدينة المنورة أن مسجد الإجابة مجمع الأقطاب ويحكون أن أثر الفضلاء الذين لم يروا فى المدينة المنورة يمكن رؤيتهم فى داخل هذا المسجد وهم يتعبدون فى حلقات. يطلق فى المدينة المنورة على الأشخاص الذى يزورون المدينة المنورة فى موسم الحج أشخاص مجهولون، فلا يفهم من هذا أن زيارة هذا المسجد حصر على مواسم الحج؛ لأنه قد رئى فى داخل هذا المسجد فى ليالى الجمعة والاثنين بعض الذوات يذكرون الله موحدين فى حلقات وإن هؤلاء ليسوا من سكان دار السكينة والنواحى القريبة منها. ولا حاجة هناك لإثبات أن مسجد الإجابة من الآثار المقدسة بروايات الأهالى. وكما هو معروف لزوار هذا المسجد اللطيف كلما يراه الإنسان يرتعش جسمه من المهابة التى أحدثها الروحانيون فيه. كما أن باب هذا المسجد يترك ليلا ونهارا مفتوحا وليس له حراس ولا خدم ولا مراقبون ومع ذلك لا يدخل فيه حيوان، أليس هذا دليلا كافيا لإثبات المدعى. ويروى موثوقا أن خضر ﵇ يصلى كل يوم صلاة الإشراق فى مسجد الإجابة. ومع هذا كان لهذا المسجد فى أوائل سلطنة السلطان محمود خان الثانى عدة أسطوانات ومحراب جميلة؛ وفيما بعد تهدمت أبنيته ومحرابه المذكور وأعمدته حتى الأرض وظل فى حالة خراب إلى عهد السلطان محمود خان الثانى. الذى عمره وأحياه بتجديده، كما أن السلطان عبد المجيد خان اهتم بترميمه وتعميره، والآن هو عامر كالمساجد الأخرى ومعروف بين الأهالى ومشهور.
следующие страницы →