← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7439

البرهان في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (568 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الأقحاح فالاحتجاج بقول أبي عبيدة أولى وقد قال في قول الرسول صلى الله عليه وسلم١: "مطل الغنى ظلم" يدل على أنه لا ملام على المقتر وقد قال في قوله عليه السلام٢: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا" وهذا يدل على توبيخ من لا يعتني بغير الشعر فأما من جمع إلى علومه علم الشعر فلا يلام عليه والشافعي من القائلين بالمفهوم وقد احتج [بقوله] الأصمعي٣ وصحح عليه دواوين الهذليين. وهذا المسلك فيه نظر فإن الأئمة قد يحكمون على اللسان عن نظر واستنباط وهم في مسالكهم في محل النزاع مطالبون بالدليل والأعرابي ينطقه طبعه فيقع التمسك بمنظومه ومنثوره ولا يعدم من يتمسك بهذه الطريقة المعارضة وقصارى الكلام تجاذب ونزاع واعتصام بنفس المذهب. ٣٦١- طريقة أخرى لمثبتي المفهوم قالوا وردت أخبار نقلها آحاد وهي لو جمعت لالتحق معناها بالمستفيض٤ الذي لا يستراب فيه وسبيله سبيل الحكم بجود حاتم٥ وشجاعة علي والأقاصيص المأثورة عنهما أفراد ثم نقل هؤلاء جملا من أخبار الآحاد وزعموا أنها تشعر بإثبات القول بالمفهوم فمما ذكروه ما روى عن يعلى٦ بن أمية أنه قال لعمر بن الخطاب٧ ما بالنا نقصر وقد أمنا وأشار إلى قوله.

стр. 177

تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ ١ فقال لقد تعجبت مما تعجبت منه فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" ٢. ٣٦٢- ونحن لا نتجاوز خبرا من متمسكاتهم حتى نورد من طريق التفصيل عليهم ما يسقط معتصمهم فنقول على هذا الحديث قد كان ثبت وجوب الصلاة أربعا في غير حالة الخوف [واستقر الشرع عليه وورد القصر مخصوصا بحالة الخوف] فاعتقدوا وجوب الإتمام في غير حالة الخوف على ما تمهد الشرع عليه فلم يكن [ذلك] قولا بالمفهوم والذي يحقق ذلك أنه لو فرض مع ما تقدم تخصيص بلقب لكان ما عدا المخصوص مقرا على ما استمر الشرع عليه قبل ذلك وإن لم يكن للألقاب مفهوم على أن الآية اقتضت التخصيص على صيغة الشرط فإنه تعالى قال: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ وقد قال بتخصيص الشرط معظم من أنكر المفهوم. ٣٦٣- ومما تعلقوا به قوله تعالى: ﴿سْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٣ قيل قال رسول الله ﷺ : "لأزيدن على السبعين" ٤ قلنا هذا لم يصححه أهل الحديث أولا٥ وقد قال القاضي ﵁: من شدا طرفا من العربية لم يخف عليه أن قول الله تعالى لم يجر تحديدا بعدد على تقدير أن الزائد عليه يخالفه وإنما جرى ذلك مويسا من مغفرة المذكورين وإن استغفر لهم [ما يزيد على السبعين] فكيف يخفى مدرك هذا وهو مقطوع به عمن هو أفصح من نطق بالضاد؟. ٣٦٤- وما يطلقونه من هذا الفن ما روى أن ابن عباس٦ كان لا يرى حجب الأم من الثلث إلى السدس باثنين من الإخوة والأخوات ويحتج بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ

стр. 178

كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ١ وكان يرى أن الأمر في الاثنين بخلاف الإخوة وقال لعثمان٢ ﵁ محتجا عليه: ليس الأخوان إخوة في لسان قومك, قلنا: أولا انفراده بهذا المذهب ومخالفته جملة الصحابة يعارض احتجاجه وقد قيل إنه لما قال لعثمان ليس الأخوان إخوة في لسان قومك قال له عثمان ردا عليه إن قومك حجبوها باثنين يا صبي ثم قد تمهد للأم الثلث بالنص ثم استبان ردها إلى السدس في حالة مخصوصة فرأى ابن عباس٣ تقرير ما عدا تيك الحالة على ما تمهد مطلقا قبل الحجب والرد. ٣٦٥- وربما يستدلون بأن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ اعتقدوا أنه لا غسل على من يواقع ويكسل ولا ينزل واعتصموا بقوله عليه السلام٤: "الماء من الماء" ومعناه وجوب استعمال الماء من نزول الماء قلنا قد كان الشرع على ذلك في ابتداء الإسلام وقد نقل الرواة فيه أخبارا. منها ما روى أن رسول الله ﷺ مر بدار رجل من الأنصار فناداه فتريث قليلا ثم برز ورأسه تقطر ماء فاستبان رسول الله ﷺ أنه كان مخالطا أهله وقد اغتسل فقال ﷺ : "لعلنا أعجلناك لعلنا أقحطناك إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل عليك" ٥ ثم تبين نسخ هذا الأصل بما روى عن عائشة٦ ﵂ أنها قالت: "إذا التقى ٧ الختانان فقد وجب الغسل", فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا"٨ فلم يصح الاحتجاج بقوله ﵇: "الماء من الماء" ٩ وإنما نقل مذهب أقوام على الإطلاق وله محمل كما ذكرناه.

стр. 179

وبالجملة ليس يخلو المتمسك لهولاء من وجه أو وجوه [توهى] ما يحولونه ويتخذونه معولهم فكيف يسوغ التعلق بالمحتملات في محاولة القطع والبتات؟. ٣٦٦- ثم قال القاضي هذه الأخبار وإن زادت أضعافا مضاعفة فلا [تبلغ] مبلغ الاستفاضة فإن رواة هذه الأقاصيص لو اجتمعوا على نقل قصة واحدة لم تتواتر بنقلهم والمعتبر في ذلك أنا مضطرون إلى العلم بجود حاتم وشجاعة على ولا نجد في أنفسنا العلم الضروري باعتقاد الأولين اقتضاء التخصيص نفى ما عدا المخصص. ٣٦٧- طريقة أخرى لأصحاب المفهوم ضعيفة: وهي أنهم قالوا: إذا قال الرجل لمن يخاطبه: اشتر لي عبدا هنديا اقتضى ذلك نهيه عن شراء من ليس هنديا قالوا هذا ومثله مما لا يتمارى فيه أهل اللسان. فنقول: لا حاصل لهذا الفن فإن المأمور كان محجورا عليه مقبوضا على يديه في حق من [وكله] قبل أن وكله واستنابه ثم ثبت التوكيل على الخصوص واستمر ما كان ثبت قبل في غير المحل المخصوص بالصفات والذي يقطع الشغب عنا أن فرض التخصيص باللقب في هذا بمثابة فرض التخصيص بالصفات. ٣٦٨- فأما الإمام الشافعي فإنه احتج في إثبات القول بالمفهوم بأن قال إذا خصص الشارع موصوفا بالذكر فلا شك أنه لا يحمل تخصيصه على وفاق من غير انتحاء قصد التخصيص وإجراء الكلام من غير فرض تجريد القصد إليه يزري بأوساط الناس فكيف يظن ذلك بسيد الخليقة ﷺ ؟ فإذا تبين أنه إذا خصص فقد قصد إلى التخصيص فينبني على ذلك أن قصد الرسول ﵇ في بيان الشرع يجب أن يكون محمولا على غرض صحيح إذ المقصود العرى عن الأغراض الصحيحة لا يليق بمنصب رسول الله ﷺ فإذا ثبت القصد واستدعاؤه غرضا فليكن ذلك الغرض آيلا إلى مقتضى الشرع وإذا كان كذلك وقد انحسمت جهات الاحتمالات في إفادة التخصيص انحصر القول في أن تخصيص الشيء الموصوف بالذكر يدل على أن العاري عنها حكمه بخلاف حكم المتصف بها والذي يعضد ذلك من طريق التمثيل أن الرجل إذا قال السودان إذا عطشوا لم يروهم إلا الماء عد ذلك من ركيك الكلام وهجره وقيل لقائله لا معنى لذكرك السودان وتخصيصهم مع العلم بأن من عداهم في معناهم.

стр. 180

٣٦٩- وهذا تحرير كلام الشافعي وهو على مساقه بالغ حسن ولكن يرد عليه على انطباق تخصيص للأشياء بألقابها ويلزم من مضمون طلب الفائدة من التخصيص المصير إلى أن الشارع إذا خصص شيئا باسمه [الذي ليس مشتقا] اقتضى ذلك نفى الحكم فيما عداه ولو لم يكن كذلك لكان تخصيصه من غير قصد أو قصده من غير غرض أو غرضه غير محمول على مقاصد الشرع وكل ذلك محظور لا سبيل إلى التزامه وإن كان ما ذكرناه في اللقب مسوغا لزم تسويغ مثله في الموصوف فإذا لا يستقل الكلام متعلقا بالتخصيص إلا بأحد وجهين إما أن [يطرد] في الألقاب كما ذهب إليه الدقاق وإما أن يوضح مع التمسك بالتخصيص أمرا يوجب ما ذكرناه في الموصوف دون غيره وليس في كلام الشافعي التزام ذلك على ما ينبغي من اختصاص أثر التخصيص بالموصوفات. ٣٧٠- وقد حان الآن أن نبدأ مسلك الحق على وجه يشتمل بيان المختار ونبين تدريج الكلام على مراتبه ونوضح [القاصد في الأطراف] فنقول لا يتبين المقصد من المسألة إلا باستفتاح التفصيل في آحاد الصور حتى إذا نجزت نرد الكلام إلى الضابط لها فنقول لا يتبين المقصد من المسألة إلا بذكر صور فمن الصور التي يجب الاعتناء بها الشرط والجزاء فإن سلم اقتضاء الشرط تخصيص الجزاء به تعدينا هذه المرتبة وإن استقر على النزاع اكتفينا معه بنسبته إلى الجهل باللسان أو إلى المراغمة والعناد فنحن نعلم من مذهب العرب قاطبة أنها وضعت باب الشرط لتحصيص الجزاء به فإذا قال القائل من أكرمني أكرمته فقد أشعر باختصاص إكرامه [بمن يكرمه] ومن جوز أن يكون وضع هذا الكلام على أن يكرم مكرمه ويكرم غيره أيضا فقد نأى وبعد فآل الكلام معه إلى التسفيه والجهل والإحالة على تعلم مذاهب العرب ولسنها [وحوارها] ولنعد إلى خصلة أخرى وهي التتمة وهي أنا نكتفي فيما ندعى بظهور الاختصاص ولا نحاول قطعا ناصا لا يتطرق إليه إمكان فإذا أنكر منكر ظهور ما ذكرناه ظهر فساد قوله وانحطت رتبته عن استحقاق المفاوضات فهذا منتهى المراد في هذا الطرف. ٣٧١- ومما نذكره التحديد بالزمان والمكان أو العدد ونقول مما ظهر في الكلام ظهورا لا يستجاز المراء فيه أن الحدود تتضمن حصر المحدودات ولذلك تساق ولهذا الغرض تصاغ فإذا كان الحكم وراء المحدود كالحكم فيما يحويه الحد فلا غرض في الحد وظهور ذلك لا يجحد وهو من صور مسألة المفهوم ومن الصور.

стр. 181

تخصيص الموصوفات بالذكر كقوله ﵇: "في سائمة الغنم زكاة" ١ وقوله: "لي الواجد ظلم" ٢ وهذا الفن عمدة المسألة وملتطم الكلام فليقع به فضل اعتناء والله المستعان. ٣٧٢- فأقول إذا كانت الصفات مناسبة للأحكام المنوطة بالموصوف بها مناسبة العلل معلولاتها فذكرها يتضمن انتفاء الأحكام عند انتفائها كقوله ﷺ : "في سائمة الغنم زكاة" ٣ فالسوم يشعر بخفة المؤن ودرور المنافع واستمرار صحة المواشي في صفو هواء الصحاري وطيب مياه المشارع وهذه المعاني تشير إلى سهولة احتمال مؤنة الإرفاق بالمحاويج عند اجتماع أسباب الارتفاق بالمواشي وقد انبنى الشرع على رعاية ذلك من حيث خصص وجوب الزكاة بمقدار كثير وأثبت فيه مهلا يتوقع في مثله حصول المرافق فإذا لاحت المناسبة جرى ذلك على صيغة التعليل. وكذلك النهي عن لي الواجد فإن الموسر المقتدر ذا الوفاء والملاء إذا طلب بما عليه لم يعذر بتأخير الحق للمستحق وهذا في حكم التعليل لانتسابه إلى الظلم إذا سوف وماطل. فإن طولبنا بإثبات القول بالمفهوم فيما نصننا عليه فالقول الواضح فيه أن ما أشعر وضع الكلام بكونه تعليلا فهو أظهر عندي في اقتضاء التخصيص الذي من حكمه انتفاء الحكم عند انتفاء الصفة من الشرط والجزاء فإن العلة إذا اقتضت حكما تضمنت ارتباطه بها وانتفاءه عند انتفائها وإذا قال القائل: إنما أكرم الرجل لاختلافه إلى كان ذلك أوضح في تضمن اختصاص إكرامه بمن يختلف إليه من قوله من اختلف إلى أكرمته. ٣٧٣- فإن قيل [إن] العلل الشرعية ليس من شرطها أن تنعكس والمفهوم تعلق بادعاء العكس قلنا هذا الآن كلام من لم يحط بما أوردناه والقول في العلل المستنبطة وشرائطها وقوادحها ليس مما نحن فيه بسبيل فإن غرضنا التعلق بما يقتضيه اللفظ في وضع اللسان اقتضاء ظاهرا ولا شك إن صيغة التعليل يظهر منها للفاهم ما أدرناه والقول في مآخذ العلل المستثارة لا [يؤخذ] من مقتضى العبارات والألفاظ فهذا ما أردناه.

стр. 182

٣٧٤- فإن قيل خصصتم بالذكر [الصفات] المناسبة للأحكام وقد أطلق القائلون بالمفهوم أقوالهم بإثبات المفهوم بكل موصوف فأثبتوا في ذلك ما هو الحق قلنا الحق الذي نراه أن كل صفة لا يفهم منها مناسبة للحكم فالموصوف بها كالملقب بلقبه والقول في تخصيصه بالذكر كالقول في تخصيص المسميات بألقابها فقول القائل زيد يشبع إذا أكل كقله الأبيض يشبع إذ لا أثر للبياض فيما ذكر كما لا أثر للتسمية بزيد فيه ولنا كلام طويل على قوله ﷺ : "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل" ١ تقصيناه في "الأساليب" فليطلبه [مريده] من ذلك الكتاب ومن سر هذا الفصل أن شرط العلة المخيلة المستنبطة السلامة عن جمل من الاعتراضات والقوادح ولا يشترط شيء من ذلك في القول بمفهوم كلام الشارع إذا اشتمل على ذكر موصوف وفهم من الصفة مناسبة فإن الكلام في ذلك يدار على فهم الخطاب لا على شرائط العلل ولا يتضح الغرض [في ذلك] مع كل هذا التقرير إلا بذكر المسألة المعقودة على الدقائق. مسألة: ٣٧٥- قد سفه علماء الأصول هذا الرجل في مصيره إلى أن الألقاب إذا خصصت بالذكر تضمن تخصيصها نفي ما عداها وقالوا: هذا خروج عن حكم اللسان وانسلال عن تفاوض أرباب وتفاهمهم فإن من قال رأيت زيدا لم يقتض ذلك إنه لم ير غيره قطعا. ٣٧٦- وعندي أن المبالغة في الرد عليه سرف ونحن نوضح الحق الذي هو ختام الكلام قائلين لا يظن بذي العقل الذي لا ينحرف عن سنن الصواب أن يخصص بالذكر ملقبا من غير غرض وإذا رأى الرائي طائفة والخبر عن رؤية جميعهم عنده مستو لاتفاوت فيه وهو في سماع من يسمع كذلك فلا يحسن أن يقول والحالة هذه رأيت فلانا فينص على واحد من المرئيين نعم إن ظهر غرض في أن المذكور في جملة من راه فقد ظهر عند المتكلم فائدة خاصة يفيدها السامع فإذ ذاك يحسن تخصيصه بالذكر ولا خفاء بذلك. فإن قيل: [هذا] الذي ذكرتموه ميل إلى مذهب الدقاق قلنا: الذي نراه أن التخصيص باللقب يتضمن غرضا مبهما كما أشرنا إليه ولا يتضمن انتفاء ما عدا.

стр. 183

المذكور واللفظ في نفسه ليس متضمنا نفى ما عدا المذكور بل وضع الكلام إذا رد الأمر إلى المقصود يقتضي اختصاص المذكور بغرض ما للمتكلم والصفة المناسبة في وضعها تقتضي نفي الحكم عند انتفاء الصفة فظهر القول بمفهوم الصفة وظهر اقتضاء التخصيص باللقب غرضا مبهما فإنا نقول وراء ذلك لا يجوز أن يكون من غرض المتكلم في التخصيص نفى ما عدا المسمى يلقبه فإن الإنسان لا يقول رأيت زيدا وهو يريد الإشعار بأنه لم ير غيره فإن هو أراد ذاك قال إنما رأيت زيدا وما رأيت إلا زيدا فاستبان بمجموع ذلك أن تخصيص الملقب بالذكر ليس يخلو عن فائدة هي غرض للمتكلم منها حكاية الحال وإن بلغنا الكلام مرسلا اعتقدنا غرضا مبهما ولم نر انتفاء غير المسمى من فوائد التخصيص. ٣٧٧- ومن تمام الكلام فيه أن متكلفا لو فرض عن رسول الله ﷺ أنه قال: في عفر الغنم الزكاة فهذا عندنا لا مفهوم له وهو كالمخصوص بلقبه ولكن يبعد من الرسول ﷺ النطق بمثله وليس من الحزم أن يفرض من الشارع كلام لغو ويتعب في طلب فائدته فقد بان الآن مراتب العلماء. فقد صار قوم إلى إبطال المفهوم وهذا ذهول عن فائدة الكلام وصار قوم إلى أن لكل تخصيص مفهوما كالدقاق وهذا الرجل ابتدر أمرا لا ينكر وهو أن العاقل لا يخصص مذكورا هزلا وليس كل الغرض موقوفا على نفي ما عدا المسى واعتبر الشافعي الصفة ولم يفصلها واستقر رأيي على تقسيمها وإلحاق ما لا يناسب منها باللقب وحصر المفهوم فيما يناسب وهذا منتهى الكلام. مسألة. ٣٧٨- فقد ذكرنا أن المفهوم ينقسم إلى ما يقع نصا غير قابل للتأويل ويغلب ذلك في مفهوم الموافقة إذا انتهى إلى المرتبة العليا وإذ ذاك يسمى عند أرباب الأصول الفحوى والغالب على مفهوم المخالفة الظهور والانحطاط عن رتبة النصوص فما يقع ظاهرا من تقاسيم المفهوم فالقول الضابط فيه: أنه نازل منزلة اللفظ الموضوع للعموم وضعا ظاهرا فيجوز ترك المفهوم بما يسوغ به تخصيص العموم وهذا نفصله في باب التأويل إن شاء الله تعالى. ٣٧٩- وغرضنا الآن بعد إلحاق المفهوم باللفظ الموضوع للعموم أمران:

стр. 184

أحدهما: أن ترك جميع المفهوم بدليل يقوم بمثابة تخصيص العموم وليس كرفع جميع مقتضى اللفظ. والقول المقنع فيه: أن المفهوم ليس مستقلا بنفسه وليس جزءا من الخطاب بذاته ولكنه من مقتضيات اللفظ فإن اقتضى ظهور أمر تركه فاللفظ بمقتضياته باق وفي تقدير رفع جميع متعلقات المنطوق رفع جميع مقتضى اللفظ وتعطيله ومعناه فكان المفهوم كبعض مسميات العموم. وإيضاح ذلك أنا ألفينا اللفظ الموضوع للعموم يستعمل تارة للاستغراق وتارة لبعض المسميات فلما استمر الأمران لم يكن في التخصيص خروج عن مقتضى اللسان [وإن] كان الظاهر الجريان على العموم وكذلك نرى العرب تخصص الشيء بصفة وهي تبغي نفي المخبر عنه عند انتفاء الصفة وقد لا تريد ذلك فليس قصد نفي ما عدا المخصص أمرا مقطوعا به فكان ترك المفهوم ورفع أصل التخصيص من السائغ الذي لا يستنكر مثله وشفاء غليل الطالب موقوف على وقوفه على حقائق التأويلات وهذا أحد الأمرين. ٣٨٠- والثاني: أن التخصيص إذا جرى موافقا لما يصادف ويلقى في مستقر العرف فالشافعي لا يرى الاستمساك بالمفهوم فيه ويصير إلى حمل الاختصاص على محاولة تطبيق الكلام على ما يلقى جاريا في العرف وقد ذكر الشافعي في الرسالة كلاما بالغا في الحسن في هذا وذلك أنه قال إذا تردد التخصيص بين تقدير نفى ما عدا التخصيص وبين قصد أخراج الكلام على مجرى العرف فيصير تردد التخصيص بين هاتين الجهتين كتردد اللفظ بين جهتين في الاحتمال واللفظ إذا تعارض فيه محتملات التحق بالمجملات كذلك التخصيص مع التردد يلتحق بالمجملات ثم ضرب لذلك أمثلة من الكتاب منها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ ١ فاستشهاد النساء مع التمكن من استشهاد الرجل مما لا يجري العرف به للعلم بما في ذلك من الشهرة وهتك الستر وعسر الأمر عند إقامة الشهادة فيقتضي التقييد إجراء للكلام على موجب العرف ومنها قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ ٢ وقوله ﵇: "المسافر وماله على قَلَتٍ إلا ما وقى الله" ٣ فجرى ذلك على الأعم الأغلب في أحوال المسافرين فلم يكن.

стр. 185

للتخصيص بالخوف مفهوم ومنها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ١ فظاهر الآية اختصاص [المفاداة] بحالة الشقاق وقد رأى الشافعي حمل ذلك على العرف الجاري في مثله في أن الزوجين لا يتخالعان ولا يتقامطان على الحب والمقة والتصافي وإنما تسمح المرأة ببذل المال المحبوب ويستبدل الزوج عنها مالا إذا أظهرا تقاليا وشقاقا فكان جريان التخصيص على حكم العرف وعلى هذا حمل الشافعي حديث عائشة٢ ﵂ إذ روت أن النبي ﷺ قال٣: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" فمقتضى التخصيص لو اتسق القول بالفهوم أن يصح النكاح بلفظها إذا أذن وليها ولكن الشافعي قال إنما تزوج المرأة نفسها إذا كانت متبرجة كاشفة جلباب الحياء عن وجهها مؤثرة لنفسها الخروج عن دأب الخفرات فإذ ذاك تستبد بنفسها وإن بقي فيها ملتفت إلى الأولياء فإنها تفوض أمرها إليهم فإن عضلوها حملت خاطبها على رفع الأمر إلى القاضي فجرى التخصيص على حكم العرف أيضا ونظائر ذلك كثيرة في الكتاب والسنة فهذا مساق كلام الشافعي. ٣٨١ - والذي أراه في ذلك أن اتجاه ما ذكره من حمل الأمر على خروج الكلام على مجرى العرف لا يسقط التعلق بالمفهوم نعم يظهر مسالك التأويل ويخفف الأمر على المؤول في مرتبة الدليل العاضد للتأويل والدليل عليه أن عين التخصيص لا يتضمن نفي ما عدا المخصص ولو صير إلى ذلك ففيه تطرق إلى مذهب الدقاق وإنما ظهر نفي ما عدا المخصوص في إشعار المنطوق به شرطا أو تحديدا أو تعليلا ومقتضى اللفظ لا يسقط باحتمال يئول إلى العرف والذي يحقق ذلك أنه لما قال يعلى٤ بن أمية لعمر٥ بن الخطاب ﵄ في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ ٦ أنقصر وقد أمنا قال عمر تعجبت مما تعجبت منه٧ ولم ينكر عليه اعتقاد المفهوم من طريق اللسان وقد صار محمد٨ بن الحسن.

стр. 186

إلى تنزيل مذهبه على مفهوم حديث عائشة ومنطوقه في النكاح بغير ولي فلست أرى المفهوم في هذا الفن متروكا من غير فرض دليل ومن حاسيك الصدور ترك المفهوم في مسألة النكاح بلا ولي وما ذكر في هذا الفصل فأنا أوفيه حظه إذا ذكرت طرق تأويلات المفهومات إن شاء الله تعالى. مسألة: ٣٨٢- ما صار إليه المحققون أن قوله ﷺ :١ "تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم" يتضمن حصرها بين القضيتين في التكبير والتسليم وذهب طوائف من أصحاب أبي حنيفة إلى تنزيل هذا على المفهوم وقضوا بأنهم من حيث لم يروا القول به لا يلزمون نفي ما عدا التكبير والتسليم وتمسكوا بهذا المسلك في قوله صلى الله عليه وسلم٢: "الشفعة فيما لم يقسم". ٣٨٣- وهذان فنان عندنا ونحن نخصص المثال الأول والثاني بما يليق بكل واحد منهما فأما قوله ﵇: "وتحريمها التكبير" ٣ فمقتضاه الحصر لا محالة وليس هذا من فن المفهوم المتلقى من تخصيص الشيء بالذكر كما سبق مفصلا وهذا يقرر من وجهين: أحدهما: النقل والاحتكام إلى ذوي الحجا والأحكام في كل لسان ولغة فإذا قال القائل: زيد صديقي لم يتضمن هذا نفي الصداقة عن غيره والقول بالمفهوم لا يتضمن في سياق هذا الكلام حصرا للصداقة ولا قصرا لها على زيد المذكور صدرا ومبتدأ ولو قال القائل: صديقي زيد اقتضى هذا أنه لا صديق له غيره وهذا مما لا يبعد ادعاء إجماع أهل اللسان فيه ومن أبدى في ذلك مراء كان مباهتا محكوما عليه بالعناد فهذا وجه. والوجه الآخر: أن ترتيب الكلام أن تقول زيد صديقي فإن وضع المبتدأ.

стр. 187

ذكر معرف تبتدره الأفهام حتى إذا فهم أسند إليه خبر لا يستقل معلوما في نفسه فينتظم من ارتباط الخبر به في إفادة السامع ما [يقدر] المتكلم أنه ليس عالما به فإذا قلب الكلام وقال صديقي زيد لم يصلح قوله صديقي صدرا مبدوءا به فإنه يترقب بعد البداية به خبره فحملت العرب تقديمه وصرف الاهتمام به على حصر معناه في زيد المذكور بعده ولولا ذلك لما انتظم الكلام وهذا معنى لا يفضي إلى القطع بنفسه والمعتمد القاطع النقل كما ذكرناه فهذا في أحد الفنين وقد تحصل منه أنه ليس من المفهوم في شيء وإنما مأخذه ما ذكرناه. ٣٨٤- وأما الفن الثاني وهو "الشفعة فيما لم يقسم" ١ فوجه التمسك به لا يتلقى من البناء على المفهوم وإنما مأخذه أن اللام في قوله الشفعة لتعريف الجنس فكأنه ﵇ حصر جنس الشفعة فيما لم يقسم. ٣٨٥- وقد نجز مقدار غرضنا من الكلام عن النص والظاهر والأمر والنهي والعموم والخصوص والمنطوق والمفهوم والمجمل والمفسر فهذه هي المراتب المقصودة في هذا الفن ولا يبقى بعد نجازها إلا ذكر مراتب التأويلات وما يقبل منها وما يرد وبيان مستنداتها ولكني أرى أن أخلل بين نجاز هذه المراتب وبين التأويلات القول في أفعال رسول الله ﷺ فإنها من متعلقات الشرع والتأويلات والمحامل في حكايات الأحوال تتعلق بها. فنبتدئ مستعينين بالله تعالى بذكر أفعال رسول الله ﷺ ثم نعقب نجازها بكتاب التأويلات إن شاء الله تعالى.

стр. 188

باب القول في أفعال رسول الله ﷺ مدخل ... باب القول في أفعال رسول الله ﷺ . ٣٨٦- الكلام في أفعال رسول الله ﷺ يستدعي تقديم صدر من القول في عصمة الأنبياء ﵈ ونحن نذكر منه القدر الذي تمس الحاجة إليه ثم نعود إلى نظم الكلام فنقول: ٣٨٧- لا شك أن المعجزة تدل على صدق النبي ﵇ فيما يبلغه عن الله تعالى فتجب عصمته عن الخلف في مدلول المعجزة ولو لم يكن كذلك لما كانت المعجزة دالة. فأما الفواحش والموبقات والأفعال المعدودة من الكبائر فالذي ذهب إليه طبقات الخلق استحالة وقوعها عقلا من الأنبياء وإليه مصير جماهير أئمتنا. ٣٨٨- وقال القاضي: هي ممتنعة ولكن مدرك امتناعها السمع ومستندة الإجماع المنعقد من حملة الشريعة على الأمن من وقوع الفواحش من الأنبياء ولو رددنا إلى العقل لم يكن في العقل ما يحيلها فإن الذي يتميز به النبي عن غيره مدلول المعجزة ومتعلقها والكبائر ليست مدلولها بوجه فلا تعلق للمعجزة بنفيها ولا بإثباتها نعم لو كان فيما ذكره من تنبي وتحدي به أنه منزه عن الفواحش واستشهد على صدقه بقيام المعجزة فوقعت على حسب الدعوى فكل ما أدرجه في كلامه إذا ارتبط قيام المعجزة به فنعلم على القطع إذ ذاك وجوب صدقه في جميع مخبراته ولا اختصاص لتعلق المعجزة بفن من الأخبار فإنها تقع على مطابقة دعوى النبي ووفقها فإن قامت ودعواه شيء واحد دلت على صدقه فيه وإن قامت ودعواه أشياء وقد استشهد على جميعها بقيام المعجزة دلت على صدقه في جميعها والمختار عندنا ما ذكره القاضي. ٣٨٩- وأما الصغائر ففي إثباتها أولا كلام كثير لسنا له الآن ولكن الذي نعنيه بذكر الصغائر مالا يتضمن فسق من صدر منه وانسلاله عن نعت.

стр. 189

العدالة وهذا أيضا إحالة على جهالة ولكن الكلام يجمل في غير مقصوده [ويتبين في مقصوده] . ٣٩٠- والذي صار إليه أئمة الحق [أنه] لا يمتنع صدورها عن الرسل عقلا وترددوا في المتلقى من السمع في ذلك فالذي ذهب إليه الأكثرون أنها لا تقع منهم ثم اضطربوا وتخبطوا في تأويل آى مشهورة في قصص المرسلين والذي ذهب إليه المحصلون أنه ليس في الشرع قاطع في ذلك نفيا وإثباتا والظواهر مشعرة بوقوعها منهم. ٣٩١- ومما نقدمه قبل الخوض في الغرض النسيان فلا امتناع في تجويز وقوعه فيما لا يتعلق بالتكاليف فأما ما يفرض متعلقا بالتكاليف ففيه اضطراب ونحن قاطعون بأنه لا يمتنع وقوعه عقلا إلا أن يقول النبي أنه لا يقع منى نسيان ويقيم المعجزة عليه وهذا مطرد في كل خبر يتردد بين الصدق والكذب. فإذا تأيد بقيا المعجزة تعين الصدق فيه [و] إذا لم يتأيد بقيام المعجزة على الاختصاص به ففيه الكلام والنسيان إن لم يقع انتفاؤه مدلولا للمعجزة فهو مسوغ عقلا والظواهر دالة على وقوعه من الرسل. ٣٩٢- وقد قال من لم يحط بمأخذ الحقائق إنهم ﵈ غير مقرين على النسيان بل ينبهون على قرب وهذا لا تحصيل له فليس يمتنع أن يقروا عليه زمانا طويلا ولكن لا ينقرض زمانهم وهم متسمرون على النسيان وهذا متلقى من الإجماع لا من مسالك العقول. فهذا القدر مقنع فيما نبغيه في ذلك وفي أدراجه ملامح كافية في إيضاح المختار والدليل عليه. ٣٩٣- ونحن نقول بعد ذلك إذا لم يبعد وقوع الذنب من الرسول ﵇ فكيف يتخيل الناظر وجوب الاقتداء به في فعل؟ وإن بنينا الأمر على امتناع وقوع الذنب منه فالكلام يقع وراء ذلك في حكم فعله.

стр. 190

حكم فعل الرسول ﷺ . ٣٩٤- وأجمع تقسيم فيه أن نقول فعله ﷺ ينقسم إلى ما شهد عليه قول منه ناص وإلى ما لم يشهد عليه قول ناص فأما ما يشهد عليه قول منه فهو كأفعاله.

стр. 191

في صلاته في قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ١ وكأفعاله في نسكه مع قوله: "خذوا عني مناسككم" ٢ فهذا الفن خارج عن متعلق الغرض من الكلام في الأفعال فإن الأقوال هي المتبعة في هذا القسم والأفعال في حكم الأعلام ولكنا ذكرنا ذلك لاستيعاب الأقسام. ٣٩٥- فأما ما ورد غير مقترن بقول شاهد عليه فينقسم إلى الأفعال الجبلية التي لا يخلو ذو الروح عن جميعها كالسكون والحركة والقيام والقعود وما ضاهاها من تغاير أطوار الناس فإذا ظهر ذلك فلا استمساك بهذا الفن من فعل رسول الله ﷺ . ٣٩٦- وأما ما لم يقترن به ما يدل على كونه من الأفعال الجارية في العادات فإنه ينقسم إلى ما يقع بيانا وإلى مالا يظهر ذلك فيه. فأما ما يقع بيانا فهو بمثابة ورود [قول] في الكتاب على إجمال فإذا وقع من رسول الله صلى الله ﷺ فعل في حكاية حال أو مراجعة وسؤال فظهور قصده في بيان الإجمال ينزل منزلة القول المقترن بالفعل الشاهد عليه. ٣٩٧- فأما ما لم يظهر فيه قصد البيان فهو ينقسم إلى ما يقع في سياق القرب ويظهر كونه في قصد الرسول ﵇ قربة وإلى مالا يقع في سياق القرب فأما ما يقع قربة في قصده فهو الذي اختلف فيه الخائضون في هذا الفن فذهب طوائف من المعتزلة إلى أن فعله ﷺ محمول على الوجوب ويتعين اتباعه فيه وذهب إلى هذا المذهب ابن سريج وأبو علي بن أبي هريرة من أصحابنا. وذهب ذاهبون إلى أن فعله لا يدل على الوجوب ولكنه محمول على الاستحباب وفي كلام الشافعي ما يدل على ذلك. وذهب الواقفية إلى الوقف فإنهم في ظواهر الأقوال سباقون إليه فالفعل الذي لا صيغة له بذلك أولى. ٣٩٨- فأما من صار إلى أن فعله على الوجوب فمما استدلوا به قوله تعالى:

стр. 192

﴿وَمَا آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ﴾ ١ وهذا الاستدلال مدخول فإن من يقف لا يسلم أن فعله يعدوه ويقول بحسب ذلك إن فعله ليس هو مما آتانا به الرسول ﵇ وفعله مختص به لا يتعداه وقد تكلم هؤلاء على الآية من وجه واقع وهو قول شيخنا أبي الحسن فإنه قال أراد ما أمركم به الرسول فخذوه والشاهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٢ والنهي إنما يقارنه على مضادة الأمر وبالجملة الآية محتملة وغاية المستمسك بها أن يسلم له ظهورها في غرضه والظهور مع تطرق فنون الظنون لا يقنع في القطعيات. ومما تمسك به هؤلاء أن قالوا: أجمع المسلمون قبل اختلاف الآراء على أنه يجب على الأمة التأسي برسولها ومتابعته ومن متابعته أن يوافق في أفعاله. وهذا زلل عظيم فإن منصب النبوة يقتضي كون النبي متبوعا على معنى أنه مطاع الأمر فأما وجوب متابعته في أفعاله فليس ذلك مدلول معجزته ولا قضية نبوته ولا حكم مرتبته [والملك] الذي يتبع أمره لا يفعل مثل ما فعله إلا إذا أمر به. ٣٩٩- فأما من صار إلى أن الفعل يدل على الاستحباب فيما يقع قربة فهذا أقرب قليلا من المسلك الأول في القسم الذي فيه الكلام فإنا لم نفرض قولنا إلا فيما يقع من الرسول في معرض القرب فإذا ظهر تقربه بفعل إلى الله تعالى فقد يظن الظان أن الأمة في ذلك بمثابته فإنه أسوة الخلق وقدوتهم في قربه وعبادته وليس ذلك كالفعل المرسل الذي ينقل عنه من غير أن يبين كونه قربة في حقه. وهذا الرأي غير سديد أيضا فإن ما ثبت قربة في حق المصطفى فليس في نفس الفعل ما يتضمن الدعاء إلى مساواته فيه والفعل في نفسه لا صيغة له وليس بدعا أن يختص صاحب الشريعة بشيء دون أمته لعلو منزلته ورتبته وهذا متمسك الواقفية إذا حاولوا إثبات الوقف. ٤٠٠- والرأي المختار عندنا: أنه يقتضي أن يكون ما وقع منه مقصودا قربة محبوبا مندوبا إليه في حق الأمة وشرطنا انتحاء الوسط في كل مسلك والنزول عن طرفي السدف في الإثبات والنفي فمن ادعى أن الفعل بعينه يقتضي ذلك فهو زلل فإن الفعل لا صيغة له ومن ادعى أنه لا يتأسى بفعل المصطفى ﷺ فيما ثبت.

стр. 193

قصد القرب فيه فقد أبعد أيضا. والوجه في ذلك أن يقال ثبت عندنا أن صحب رسول الله ﷺ كانوا يتحرون لأنفسهم في القربات ما يصح عندهم من فعل رسول الله ﷺ وكانوا إذا اختلفوا في قربة فروى لهم صادق موثوق به عن المصطفى صلى الله لعيه وسلم فعلا كانوا يتبدرونه ابتدارهم أقواله ولا ينكر هذا منصف فالوجه أن نقول إن رددنا إلى الفعل ومقتضاه أو إلى مدلول المعجزة فإنهما يفضيان إلى الوقف كما قال الواقفية ولكن تأكد عندنا من عمل أصحاب رسول الله ﷺ التأسي به في كيفية أفعاله في قربة فليحمل هذا على الإجماع [ولا يقطع] به في مقتضى العقل والمعجزة وكل ذلك فيما ظهر وقوعه على قصد القربة من الرسول ﷺ . ٤٠١- فأما فعله المرسل الذي لا يظهر وقوعه منه على قصد القربة فقد ذهب طوائف من حشوية الفقهاء إلى أنه محمول على الوجوب كالذي سبق في القرب وقد عزى ذلك إلى ابن سريج بعض النقلة وهذا زلل وقدر الرجل عن هذا أجل ومذهب الوجوب وإن لاح بطلانه في القرب فهو على حال يصلح أن يكون معتقدا لمعتقد من حيث إنه يقول هو إمام الخليقة في الطاعة فإذا لم يظهر انتفاء الوجوب بنى الأمر على الوجوب أخذا بالأحوط فأما التزام هذا المذهب في كل فعل يصدر منه وإن لم يظهر كونه قربة فبعيد جدا. ٤٠٢- فإن قيل: فما المرتضى في هذا القسم؟ قلنا: أما الواقفية فيطردون مذاهبهم في الوقف ومذهبهم في هذه الصورة أظهر وأما أصحاب الندب فقد يصيرون إليه وهو رديء مزيف بمثل ما زيفنا به مذهب أصحاب الوجوب في هذا القسم فإن انقسام فعله [إلى الواجب وغيره كانقسام فعله] إلى المندوب وغيره فالمختار إذا أن فعله لا يدل بعينه ولكن يثبت عندنا وجوب حمله على نفى الحرج فيه عن الأمة ومستند هذا الاختيار إلى علمنا بأن أصحاب رسول الله ﷺ لو اختلفوا في حظر أو إباحة فنقل الناقل في موضع اختلافهم فعلا عن المصطفى لفهموا منه أنه لا حرج على الأمة في فعله وجاحد هذا جاهل بمسالك النقل فضلا عن المعنى واللفظ وأما ادعاء اعتقادهم أن فعله واجب على غيره أو مندوب مستحب فدعوى عرية لا تستند إلى قضية المعجزة ولا إلى عادتهم ولا إلى صفة الفعل. فهذا منتهى القول في أقسام أفعال رسول الله ﷺ وهو نجاز الغرض في هذا الفصل.

стр. 194

فصل: يحوي بقايا من أحكام الأفعال . حكم الأفعال التي تظهر فيها خصائص الرسول ﷺ . - ٤٠٣قد تبين أن معتصمنا ما ظهر لنا من دأب أصحاب رسول الله ﷺ في اعتقاد القربة فيما يجري عن المصطفى في سياق القربة وفي اعتقاد نفي الحرج فيما لا يظهر فيه قصد القربة منه ولم نتحقق على حاصل في فن من أفعال رسول الله ﷺ وهو ما يتعلق بقبيل يظهر في خصائصه فليس عندنا نقل لفظي ولا معنوي في أنهم ﵃ كانوا يقتدون به في هذا النوع ولم يتحقق عندنا نقيض ذلك فهذا محل الوقف. - ٤٠٤فلينظر الناظر كيف لقطنا من كل مسلك خياره وقررنا كل شيء على واجبه في محله وهذه غاية ينبغي أن ينتبه من يبغي البحث عن المذاهب لها فإنه يبعد أن يصير أقوام كثيرون إلى مذهب لا منشأ له من شيء ومعظم الزلل يأتي أصحاب المذاهب من سبقهم إلى معنى صحيح لكنهم لا يسبرونه حق سبره ليتبينوا بالاستقراء أن موجبه عام شامل أو مفصل ومن نظر عن نحيزة سليمة عن منشأ المذاهب فقد يفضى به نظرة إلى تخير [طرف] من كل مذهب كدأبنا في المسائل. حكم فعلى الرسول ﷺ المختلفين المؤرخين. - ٤٠٥ ومما نذكره في أحكام الأفعال بعد ثبوت التأسي به على التفصيل المقدم أنه إذا نقل عن رسول الله ﷺ فعلان مؤرخان مختلفان فقد صار كثير من العلماء إلى أن التمسك بآخرهما واعتقاد كونه ناسخا للأول وتنزيلهما منزلة القولين المنقولين المؤرخين فإن آخرهما ناسخ لأولهما إذا كانا نصين وللشافعي صغو إلى ذلك وهو مسلكه الظاهر في كيفية صلاة الخوف بذات الرقاع فإنه صحت فيها رواية ابن عمر١ وصالح٢ بن خوات فرأى الشافعي رواية ابن خوات متأخرة ورأى رواية ابن عمر في غير تلك الغزوة فقدرها في غزاة سابقة عليها وربما سلك مسلكا آخر فسلم اجتماع الروايتين في غزاة واحدة ورآهما متعارضتين ثم تمسك من طريق القياس.

стр. 195

بأقرب المسلكين إلى الخضوع والخشوع وقلة الحركة. ٤٠٦- وذهب القاضي: إلى أن تعدد الفعل مع التقدم والتأخر أو غير ذلك محمول على جواز الأمرين إذا لم يكن في أحدهما ما يتضمن حظرا. والذي ذكره القاضي ظاهر في نظر الأصول فإن الأفعال لا صيغ لها ولكن إذا ادعى مدع أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يتمسكون بالأحداث فالأحدث فهو منصف والقول في ذلك على الجملة ملتبس فإن [ادعاء] ذلك عليهم في الأفعال على الخصوص نأي عن القطع وإن استمر فيه قطع فلا يبعد أنهم كانوا يرون الأخير أفضل أحواله وأولى أفعاله. مسألة. ٤٠٧- مما يتعلق بالكلام في أفعال رسول الله ﷺ بيان حكم تقريره غيره على أمر. فالذي ذهب إليه جماهير الأصوليين أن رسول الله ﷺ إذا رأى مكلفا يفعل فعلا أو يقول قولا فقرره عليه ولم ينكر عليه كان ذلك شرعا منه في رفع الحرج فيما رآه. قالوا: من لم ير التعلق بأفعال رسول الله ﷺ من جهة تردد أفعاله بين خواصه وبين ما يشاركه فيه غيره فإنه يقول: إذا قرر غيره على أمر كان ذلك شرعا فإن تقريره يتعلق بالمقرر وكان ذلك في حكم الخطاب له وقد تمهد أن خطابه للواحد في حكم الخطاب للأمة. وهذا كما ذكروه ولكن فيه مستدرك فإنه لا يبعد أن يرى رسول الله ﷺ أبيا عليه ممتنعا من القبول منه على أمر فلا يتعرض له وهو معرض عنه لعلمه بأنه لو نهاه لما قبل نهيه بل يأباه وذلك بأن يكون من يراه منافقا أو كافرا فلا يحمل تقريره هؤلاء وسكوته عنهم على إثبات الشرع فهذا تفصيل لا بد منه في التقرير. مسألة: ٤٠٨- استدل الشافعي ﵁ في إثبات القافة بتقرير رسول الله ﷺ مجززا المدلجي على قوله إذ قال لما نظر إلى أسامه وزيد وهما تحت قطيفة وقد بدت منهما أقدامهما إن هذه الأقدام بعضها من بعض فاستبشر رسول الله وسره ما قاله,.

стр. 196

في القصة المشهورة وموضع الاستدلال للشافعي تقرير رسول الله ﷺ ذلك الرجل. ٤٠٩- قال القاضي هذا فيه نظر فإن قول مجزز كان موافقا لظاهر الحال وكان المنافقون يبدون غمزة في نسبة زيد وأسامة قاصدين به أذى رسول الله ﷺ وكان الشرع حاكما بالتحاق [أسامه بزيد] فجرى قول مجرزا منطبقا على وفق الشرع والظاهر والأمر المستفيض الشائع وهو بمثابة ما لو قال فاسق مردود الشهادة هذه الدار لفلان يعزوها إلى مالكها وصاحب اليد فيها فلو قرر الشارع مثل هذا الرجل [على] قوله لم يكن ذلك حكما منه بأقوال الفسقة في محل النزاع وقيام الحاجات إلى إقامة البينات. وإن انتصر [منتصر للشافعي] قائلا إنما استدل الشافعي [باهتزاز] رسول الله صلى الله ليه وسلم ومن تمام كلام [الشافعي] أن الرسول لا يسره إلا الحق فإذا سره قول مجزر تبين أنه من مسالك الحق قيل: يمكن أن يحمل ذلك على علم رسول الله ﷺ برجوع العرب إلى أقوال القافة والقيافة لم تزل عندهم مرجوعا إليها وهي من أبواب الكهانة وكان [المغمز] منهم فلما رأى ما يكذبهم سره ما ساءهم. ٤١٠- فأقصى الإمكان في ذلك أن الرسول لو لم يكن معتقدا قبول قول القائف لعده من الزجر والفأل والحدس والتخمين ولما أبعد أن يخطئ في مواضع وإن أصاب في مواضع فإذا تركه ولم يرده كان الكلام على الأنساب بطريق القيافة فهذا من هذا الوجه قد يدل على أنه مستند الأنساب فهذا هو الممكن في ذلك. وقد انتجز بنجازه أحكام الأفعال والأقوال. وأنا أرى على أثر ذلك أن أتكلم في شرع من قبلنا وأوضح مذاهب الناس فيه فإن من العلماء من قدر شرائع الأنبياء الماضية شرعا لنا إذا لم يثبت في شرعنا ناسخ له على التعيين.

стр. 197

باب القول في التعليق بشرائع الماضين . ٤١١- اضطربت المذاهب في ذلك فصار صائرون إلى أنا إذا وجدنا حكما في شرع من قبلنا ولم نر في شرعنا ناسخا له لزمنا التعلق به وللشافعي ميل إلى هذا وبنى عليه أصلا من أصوله في كتاب الأطعمة وتابعه معظم أصحابه. ٤١٢- وذهب ذاهبون من المعتزلة إلى أن التعلق بشرع من قبلنا غير جائز عقلا وبنوا مذهبهم على أن ذلك لو قدر لأشعر بحطيطة في شريعتنا ولتضمن ذلك أيضا إثبات حاجة إلى مراجعة من قلنا وهذا حط من مرتبة الشريعة وغض من منصب المصطفى ﵇. ٤١٣- وصار صائرون إلى أن ذلك لا يمتنع عقلا ولكنه ممنوع شرعا واعتصموا بما روى أن رسول الله صلى الله لعيه وسلم بلغه أن عمر كان يراجع اليهود في أقاصيص بني إسرائيل فسأله رسول الله صلى الله ليه وسلم عن ذلك ونهاه عن صنيعه وقال١: "لو كان ابن عمران حيا لما وسعه إلا اتباعي". ٤١٤- والمختار عندنا أن العقل لا يحيل إيجاب اتباع أحكام شرع من قلنا إذا لم يرد في شرعنا ناسخ له وما ذكره بعض المعتزلة من أن ذلك غض من الدين وحط من مرتبة الشريعة [وتنفير من اتباع شرعة الحق] ساقط لا حاجة إلى إيضاح بطلانه ولكن ثبت عندنا شرعا أنا لسنا متعبدين بأحكام الشرائع المتقدمة والقاطع الشرعي في ذلك: إن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يترددون في الوقائع بين الكتاب والسنة والاجتهاد إذا لم يجدوا متعلقا فيهما وكانوا لا يبحثون عن أحكام الكتب المنزلة على النبيين والمرسلين قبل نبينا عليهم الصلاة والسلام. ٤١٥- فإن قيل: امتنع ذلك عليهم من جهة أن أهل الأديان السابقة حرفوا كتبهم وغيروها عن الوجوه التي نزلت عليها قلنا هذا باطل من وجوه:. أحدها: أن ما ذكروه يجر مساقه إلى أنه لا يجب التتبع للشرائع المتقدمة لمكان

стр. 198

التباسها واندراسها فكأن هؤلاء وافقوا المذهب وخالفوا في العلة. والوجه الثاني أنه لو كان لنا متعلق في شرع من قبلنا لنبهنا الشارع على مواقع التلبيس حتى لا يتعطل علينا مرجع الأحكام والوجه الثالث أنه كان أسلم من الأحبار المطلعين على مواقع التغيير طائفة منهم عبد الله١ بن سلام وقد استشهد الله به في نص القرآن وقال: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ ٢ [وقال: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ ٣] وأسلم كعب٤ الأحبار في زمن عمر وكان المنتهى في علوم الأديان والإحاطة بالكتب وبالجملة لم يثبت قط رجوع إمام في عصر من الأعصار إلى تتبع الأحكام من الملل السابقة فانتهض ما ذكرناه قاطعا شرعيا فيما نحاوله. ٤١٦- فإن تمسك فقهاؤنا بقوله : ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ ٥ وقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٦ وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ ٧ قيل: المراد بمساق هذه الآي الرد على المشركين وبيان إطباق النبيين على الدعاء إلى التوحيد وكان إبراهيم ﷺ على مسلكه المعروف رادا على عبدة الأوثان فلما بلى رسول الله ﷺ بهم جرت الآى المشتملة على ذكر إبراهيم ﷺ في تأييد التوحيد والرد على عبدة الأوثان. مسألة: ٤١٧- مما ذكره الأصوليون متصلا بهذا الفن القول فيما كان النبي ﵇.

стр. 199

قبل أن يبعثه الله نبيا وهذا ترجع فائدته وعائدته إلى ما يجرى مجرى التواريخ ولكن مأخذه الأصول كما سنبين الآن. ٤١٨- فذهبت المعتزلة إلى أنه ﷺ لم يكن على اتباع نبي ولكن على شريعة العقل في اجتناب القبائح وإتيان المحاسن العقلية وزعموا أنه لو عهد متبعا قط لكان في ذلك غميزة فيه لما بعث نبيا. وهذا كلام مستندة أصلان باطلان أحدهما القول بشريعة العقل وقد أبطلناه والثاني أن ما ادعوه من إفضاء اتباعه إلى منقصة في منصبه فهذا قد تكرر منهم مرارا ووضح سقوطه. ٤١٩- وذهب ذاهبون إلى أنه كان على شريعة إبراهيم ﵇ كما قدمناه في المسألة السابقة وقد أوضحنا أنها واردة في التوحيد والتمسك بها في هذه المسألة ليس بشيء قطعي وغاية ما يسلم لهم ظاهر معرض للتأويل وقد تقرر أن الظواهر لا يسوغ التمسك بها في محاولة القطعيات ثم يعارضها قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ ١. ٤٢٠- وذهب ذاهبون إلى أنه كان على شرع نوح لهذه الآية فإن تعلق بها صاحب هذا المذهب فأية إبراهيم تعارضها. ٤٢١- وصار طائفة ممن ينتمي إلى التحقيق إلى أنه كان على شريعة عيسى فإنها آخر الشرائع قبل شريعة المصطفى وكان الخلق عامة مكلفين بها وكان الرسول ﷺ من المكلفين. وهذا غير سديد من جهة أنه لم يثبت عندنا أن عيسى ﵇ كان مبعوثا إلى الناس كافة ولو ثبت ابتعاثه إليه فقد كانت شريعته دارسة الأعلام مؤذنة بالانصرام والشرائع إذا درست سقط التكليف بها. ٤٢٢- وقال القاضي لم يكن ﵇ على شرع وقطع بهذا ولكنه لم يأخذه من مأخذ المعتزلة حيث أحالوا ذلك عقلا بل القاضي قطع بجواز ذلك في العقل ولكن متعلقة فيما صار إليه أنه ﵇ لو كان على ملة لاقتضى العرف ذكره لها [لما بعث نبيا] ولتحدث بذلك أحد في زمانه وبعده فإن الأمر ظاهر لا.

стр. 200

يكاد يخفى في مستقر العادات على ما سيأتي ذلك مستقصى في كتاب الأخبار وما يجب أن يتواتر منها. ٤٢٣- والمختار عندنا أن الأمر في ذلك ملتبس فلا وجه لجزم القول في نفي ولا إثبات وما ذكره القاضي من اقتضاء العادة ظهور دين مثله ﵇ فهو في مسلكه بين ولكن يعارضه أنه لو لم يكن على دين أصلا لذكر فإن ذلك أبدع وأبعد من المعتاد مما ذكره القاضي فقد تعارض الأمران. والوجه أن يقال: كانت العادة انخرقت برسول الله ﵇ في أمور منها انصراف الناس عن أمر دينه والبحث عنه فهذا منتهى القول في ذلك. ونحن الآن بتوفيق الله وتأييده نبتدىء [الكلام] في التأويل مستعينين بالله تعالى وهو خير معين.

стр. 201

باب التأويلات . ٤٢٤- التأويل رد الظاهر إلى ما إليه ماله في دعوى المؤول وإنما يستعمل إذا علق بما يتلقى من الألفاظ منطوقا ومفهوما والألفاظ تنقسم انقساما أولا إلى المجمل والمجمل الذي لا يستقل بإفادة المعنى وإلى ما ليس مجملا. فأما المجمل فلا يسوغ فرض الاستدلال به حتى يقدر احتياج المستدل عليه إلى تأويله فإذا حسب المستدل المجمل ظاهرا اكتفى المستدل عليه بإبدائه كونه مجملا فإذا اشتغل المستدل عليه بتفسيره كان مجاوزا حد النظر متعديا مسلك الجدال مائلا إلى الانحلال فليكتف ببيان الإجمال وفيه سقوط استدلال المستدل. فأما ما ليس مجملا فينقسم إلى النص الظاهر وقد قدمنا ما يتميز به أحد البابين عن الثاني ومسائل هذا الكتاب تفصل تلك الضوابط إن شاء الله تعالى. فالنص ما لا يتطرق إلى فحواه إمكان التأويل وينقسم إلى ما ثبت أصله قطعا كنص الكتاب والخبر المستفيض وإلى ما لم يثبت أصله قطعا كالذي ينقله الآحاد ولا مجال [لتأويل] في النوعين وإنما يتعلق الكلام فيهما بتقديم المراتب عند فرض المعارضات مثل أن يعارض نص متواتر نص الكتاب إن أمكن ذلك أو يعارض خبر ناص مستفيض خبرا مثله أو يعارض خبر نقله الآحاد ما ثبت أصله قطعا أو يعارض مثله والقول في ذلك يأتي مشروحا في آخر كتاب التأويل إن شاء الله تعالى. ٤٢٥- والقول الوجيز الآن فيه على [ما] تقتضيه التوطئة والتمهيد أن الناظر يقدم ما يقتضي العقل والشرع جميعا تقديمه عند تفاوت المراتب فإن استوت المراتب وتحقق التعارض والألفاظ نصوص فالكلام في ذلك يئول إما إلى الإسقاط وإما إلى الترجيح على ما يأتي في كتاب الترجيح إن شاء الله تعالى. ٤٢٦- فأما الظاهر الذي يتطرق إمكان التأويل إليه وإنما ظهوره في جهته مظنون غير مقطوع به فعليه ينبني هذا الكتاب.

стр. 202

٤٢٧- والوجه تصدير هذا الفصل بأمرين: أحدهما إبانة بطلان الاستدلال بالظاهر فيما المطلوب منه القطع لأن ظهور معناه غير مقطوع به فلا يسوغ وضع الاستدلال به [على ما هذا سبيله] وإن قدر ذلك من مستدل أشعر بجهله بأحد أمرين إما أن يجهل كونه ظاهرا أو يعتقده نصا والأمر على خلاف ما يقدره وإما أن يجهل تمييز مواقع العلوم عن مجال الظنون والجاهل بالوجه الأول أحق بأن يعذر من الجاهل بالرتبة الثانية ثم إذا فرض ذلك في المستدل فليس من حق المستدل عليه أن يشتغل بالتأويل بل يكفيه أن يبين تطرق الاحتمال وخروج اللفظ عن القواطع. وإذا وضح ذلك التحق الظاهر في محل طلب العلم بالمجملات التي لا تستقل بأنفسها. ٤٢٨- والثاني أن الظاهر حيث لا يطلب العلم معمول به والمكلف محمول على الجريان على ظاهره في عمله وقد قدمنا في [أثناء] الكلام [في ذلك] قولا بالغا وإن حاولنا تجديد العهد به فالمعتمد فيه والأصل والتمسك بإجماع علماء السلف والصحابة ومن بعدهم فإنا نعلم على قطع أنهم كانوا يتعلقون في تفاصيل الشرائع بظواهر الكتاب والسنة وما كانوا يقصرون استدلالاتهم على النصوص ومن استراب في تعلقهم بالقياس لم يسترب في استدلالهم بالظواهر ولم يؤثر منع التعلق بالظواهر عمن بخلافه ووفاقه مبالاة وإن ظهر خلاف فاستدلالنا قاطع بالمسلك الذي ذكرناه ومستنده الإجماع وسبيل نقل الإجماع التواتر. ٤٢٩- فإن قيل أنتم تعلمون وجوب العمل بالظاهر وربط العلم بالمظنون محال وهذا رددوه مرارا وبان مسلك الحق فيه إذ قلنا: الظاهر بنفسه لا يثبت علما بوجوب العمل وإنما المفيد للعلم الإجماع فهو يقتضي العلم بوجوب العمل وليس يتطرق إليه ظن وهذا نجريه في [خبر] الواحد والأقيسة المظنونة وقد صدرنا الكتاب بذلك لما حاولنا بيان ماهية أصول الفقه فإذا تبين جواز التعلق بالظواهر في المحال التي ذكرناها وتأويل الظواهر على الجملة مسوغ إذا استجمعت الشرائط التي سنصفها إن شاء الله تعالى ولم ينكر أصل التأويل ذو مذهب وإنما الخلاف في التفاصيل وإن قدرنا فيه خلافا فالمعتمد في الرد على المخالف إجماع من سبق فإن المستدلين بالظواهر كانوا يؤولونها في مظان التأويل وهذا معلوم اضطرارا كما علم أصل الاستدلال ثم إذا ثبت جواز التأويل فلا يسوغ التحكم به اقتصارا عليه.

стр. 203

من غير عضد له بشيء إذ لو ساغ ذلك لبطل التمسك بالظواهر واكتفى المستدل عليه بذكر تطرق الإمكان إلى الظاهر وهذا إن قيل به يسقط أصل الاستدلال ويلحق جمال الإجمال بما يطلب فيه العلم المحض. فإذا وضح أن أصل التأويل مقبول وتبين أن [التحكم] به مردود فيفتح بعد ذلك الكلام في تفصيل التأويل وما يعضد كل قسم منه من فنون الدليل. ٤٣٠- ولجميع مسائل الباب عندنا ضبط في النفي والإثبات هو المتبوع وإليه المرجع والذي أراه في طريقة الإفهام رسم مسائل في التأويلات اضطرب العلماء فيها فقبلها بعضهم وردها آخرون ونحن نطردها على وجوهها ونبين المختار منها حتى إذا نجزت نبهنا بعد نجازها على سر الكتاب. مسألة. ٤٣١- استدل الشافعي ﵁ في اشتراط الولي في النكاح بحديث عائشة فإنها روت عن النبي ﵇ أنه قال١: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل". الحديث. وتعرض أصحاب أبي حنيفة ﵁ لذكر محامل وتأويلات ونحن نشير إلى وجوهها على إيجاز حتى يفضي الكلام إلى مقصود هذه المسألة. ٤٣٢- قال قائلون: الحديث محمول على الصغيرة فأنكر عليهم وقيل لهم ليست الصغيرة امرأة في حكم اللسان كما ليس الصبي رجلا وألزموا سقوط التأويل على مذهبهم فإن الصغيرة لو زوجت نفسها انعقد النكاح صحيحا موقوف النفاذ على إجازة الولي وقد قال عليه السلام٢: "فنكاحها باطل" ثم أكد البطلان بتكرير الباطل ثلاثا وكان ﵇ إذا أراد تأكيدا كرر ثلاثا. فقالوا: وجه تسمية نكاحها باطلا أنه إلى البطلان مصيره عند فرض رد الولي واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ٣ قيل: لهم نكاحها يتردد بين النفوذ عند تقدير الإجازة من الولي وبين الرد عند فرض الرد منه ولا يسوغ والحالة هذه التعبير عن إحدى العاقبتين مع تجويز الأخرى وإنما يعبر عما سيكون بالكائن فيما يكون لا محالة كالموت الذي إليه مصير كل ذي روح.

стр. 204

٤٣٣- ومن تأويلاتهم أنهم يحملون لفظ الرسول على الأمة وزعموا أنه لا يمتنع تسمية [الأمة امرأة كما لا يمتنع تسمية] السيد وليا ورد ذلك عليهم بوجهين أحدهما أنه نكاح صحيح موقوف كما ذكرنا في الصغيرة ومنتهى الكلام فيه كما سبق والثاني: أنه ﵇ قال: "فإن مسها فلها المهر", ومهر الأمة لمولاها. ٤٣٤- وزعم من يدعي التحقيق والتحذق من متأخريهم أن الحديث محمول على المكاتبة واستفادوا بالحمل عليها على زعمهم استحقاقها المهر ثم الأمر عند هؤلاء قريب في حمل المرأة على الأمة والولي على المولى ومن هذا المنتهى منشأ مقصود المسألة. ٤٣٥- ذهب معظم الفقهاء من أصحابنا وغيرهم إلى أن هذا الصنف من التأويل مقبول. ٤٣٦- وقال القاضي: هو مردود قطعا وعزا هذا المذهب إلى الشافعي قائلا: إنه على علو قدره كان لا يخفى عليه هذه الجهات في التأويلات وقد رأى الاعتصام بحديث عائشة اعتصاما بنص وقدمه على الأقيسة الجلية وكان ذلك شاهد عدل في أنه ﵁ كان لا يرى التعلق بأمثال هذه المحامل. ومجموع ما نوضح به هذه المسألة طرق نعددها. ٤٣٧- الأولى: أنه ﵇ ذكر أعم الألفاظ إذ أدوات الشرط من أعم الصيغ وأعمها ما ووأي فإذا فرض الجمع بينهما كان بالغا في محاولة التعميم وقرائن الأحوال متقبلة عند الكافة فإذا قال من ظهرت به مخايل الضجر لمرضه أو إلمام مهم به لبوابه لا تدخل على أحدا فلو أدخل البواب كل ثقيل ولم يدخل أقواما مخصوصين زاعما أني حملت لفظك على الذين منعته لم يقبل ذلك منه. فإذا ابتدأ الرسول ﵇ حكما ولم يجره جوابا عن سؤال ولم يضفه إلى حكاية حال ولم يصدر منه حلا للإعضال والإشكال في بعض المحال بل قال مبتدئا وإليه ابتداء الشرع بأمر الله وشرح ما أعضل من كتاب الله: "أيما امرأة" فانتحى أعم الصيغ وظهر من حاله قصده تأسيس الشرع بقرائن بينة فمن ظن والحالة هذه أنه أراد المكاتبة على حيالها دون الحرائر اللواتي هن الغالبات والمقصودات فقد قال محالا ولا يكاد يخفى أن الفصيح إذا أراد بيان خاص شاذ.

стр. 205

فإنه ينص عليه ولا يضرب عن ذكره وهو يريده ولا يأتي بعبارة مع قرائن دالة على قصد التعميم وهو يبغى النادر قال الشافعي الشاذ [ينتحى] بالنص [عليه] ولا يراد على الخصوص بالصيغة العامة. ٤٣٨- الطريقة الثانية أن التعلق بالظاهر يقتضي ظهوره في مقصود المتكلم من جهة وضع اللسان ومن جهة العرف والتأويل الذي يصغى إليه ثم يطالب بالدليل عليه وهو الذي ينساغ من ذي الجد من غير أن يتولج في فن الهزء والهزل واللغز وما يقع كذلك فهو مردود. وبيان ذلك بالأمثلة أن الرجل إذا قال رأيت أسدا فقد يعني السبع المعروف وقد يعني به رجلا عجوما مقداما فهذا مساغ لا ينافيه الجد ولكنه تأويل فلو قال رأيت أسدا ويعني رجلا دميما أو أبخر لم يكن ذلك وجها منساغا فإن هذا لا يطلقه أرباب اللغات على انتحاء مسالك التأويل ولا على الجريان على الظواهر فإن أراد مريد ذلك كان ملغزا وإن ادعى جاهل تأويل مثل هذا الوجه لم يقبل ذلك منه ومن الأمثلة التي ذكرناها أن من قال رأيت جمعا من العلماء ثم لما روجع فسر بقطيع من البقر ذهابا منه إلى أنها على [علوم] تتعلق بمصالحها ومضارها ومنافعها وكذلك لو فسره برؤية سفلة من الجهلة ثم زعم أنهم من العلماء لم يقبل ذلك ولم يعد من المحامل المسوغة وإذا قال القائل لا تمنع فلانا شيئا من مالي ثم فسره بكسرة أو شربة عد جاهلا أو هازلا. ٤٣٩- ثم اختتم كلامه بطريقة ثالثة تعضد ما تقدم وتستقل بنفسها فقال فقد سلم لرسول الله ﷺ المخالف والمؤالف أنه كان على النهاية القصوى من الفصاحة ولا حاجة إلى الإطناب في إثبات هذا ولا يخالف من معه مسكة من العقل أن الحمل على ما ذكره هؤلاء يحط الكلام عن مرتبة الفصاحة والجزالة ويحل المتكلم به محل الحصر العيى الذي يعمم في غير غرض ويبتغي التخصيص من غير إشعار به وكل ما يتضمن إلحاق كلام رسول الله ﷺ بالمستهجن الغث فهو مردود على قائله. ٤٤٠- ثم لما استكمل ﵁ الطرق ختم كلامه بأن قال كل ما قدمته توطئة [وتمهيد] وضرب أمثال وأنا أعلم على الضرورة والبديهة أن الرسول ﷺ لم يرد بقوله: "أيما امرأة" المكاتبة دون غيرها.

стр. 206

فهذا منتهى القول في هذا ولا مزيد على ما ذكره القاضي. ٤٤١- فإن احتج من يسوع هذا الفن بأن [قال:] الإماء والمكاتبات داخلان تحت العموم عند فرض التمسك بظاهر العموم وكل ما يدخل تحت الظاهر في العموم لا يبعد تنزيل العموم عليه تخصيصا وهذا الذي ذكروه فإنه لا يعارض ما نبهنا عليه فليس المعتبر فيما يقبل ويرد أقيسة وتشبيهات وتلفيق عبارات ولكن إنما يسوغ في التأويلات ما يسوغه الفصحاء وقد قدمنا في صدر هذا المجموع انحسام مسلك القياس في اللغات فإن إرادة النوادر مع إرادة الظواهر ليست بدعا وكذلك إرادة بعض ما يظهر باللفظ العام ليس مستنكرا على شرائط ستأتي فأما إرادة الأقل الأخص باللفظ الأعم الأشمل فهو مردود بالوجه الذي قدمناه. ٤٤٢- فإن قالوا: التخصيص حال في تمييز حكم عموم اللفظ محل الاستثناء ثم يجوز إطلاق لفظ عام يعقبه استثناء لا ينفى إلا الشاذ الأخص [فليسغ] ذلك في التخصيص أيضا وهذا من الطراز الأول فإنه قياس وتشبيه وتلفيق عبارات مع معاندة القطع. ثم لا يجوز أن يصدر من الرسول ﵇ مثل هذا الاستثناء وقد منع القاضي مثله من غير الرسول ﵇ على ما ذكرناه في مسائل الاستثناء ومن جوز ذلك من غير الرسول ﵇ فهو في حكم النص المصرح به وإن جيء به في صيغة ركيكة والرسول منزه عن مثل ذلك فقد لاح الغرض من هذه المسألة. مسألة: ٤٤٣- استدل الشافعي ﵁ في اشتراط تبييت النية في صوم رمضان بقوله صلى الله عليه وسلم١: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل", فذكر المخالفون أسئلة تداني ما اشتلمت عليه المسألة الأولى ونحن نعيدها على الإيجاز ونتعداها إلى فن آخر من التأويل المردود. ٤٤٤- فمما ذكروه حمل الحديث على القضاء والنذر المطلق وهذا مردود بالمسالك المقدمة فإنه ﵇ قال: ابتداء "لا صيام" ولا النافية إذا اتصلت على حكم التبرئة باسم منكور وجاء الاسم [بعدها] مبنيا على الفتح كان بالغا في.

стр. 207

اقتضاء العموم فإذا قال المصطفى ﷺ : ابتداء لأبناء على سؤال ولا تطبيقا للكلام على حال "لا صيام" فظن ظان أن الصوم الذي هو ركن الإسلام وهو القاعدة في الصيام لم يعنه ولم يرده وإنما أراد ما يقع فرعا للفرائض الشرعية كالمنذورات وفرعا للأداء كالقضاء فقد أبعد ونأي عن مأخذ الكلام وهلم جرا إلى استتمام الطرق المقدمة في المسألة الأولى. ٤٤٥- وذكر أصحاب أبي حنيفة مسلكا آخر في التأويل وعزوه إلى الطحاوي١ وذكروا أنه كان يتبجح به وهو أنه قال: أراد ﷺ نهى الرجل عن الاكتفاء بنية صوم الغد في بياض نهار اليوم فقال: فعليه أن يؤخر النية إلى غيبوبة الشمس حتى يكون بإيقاع النية في الليل مبيتا وزعم هذا المؤول أن مسلكه هذا يجري في جميع أنواع الصيام فرضها ونفلها وهذا كلام غث لا أصل له وهو يحط من مرتبة الطحاوي أن صح النقل عنه. ٤٤٦- والدليل على بطلانه وجهان قريبان أحدهما أن هذا اللفظ لو سمعه عربي ناشئ من منبع اللغة لم يسبق إلى فهمه النهي عن إيقاع نية صوم الغد في يوم قبله وبالجملة هذه صورة شاذة نادرة تجري في أدراج الكلام للوسواس يضعها المتكلفون وظاهر الخطاب ينزل على ما يفهمه المخاطبون فإن أنكر الخصم أن المفهوم من الخطاب ما ذكرناه سقطت مكالمته ولم يبق إلا أن يرد إلى حكم اللسان وتفاهم أهل التحاور وإن اعترف أن هذا هو الظاهر فحمل كلام الرسول ﵇ على نادر شاذ باطل بالمسلك الذي ذكرناه. ٤٤٧- والوجه الثاني: أن هذا الفن إنما يذكر نهيا عن الذهول وتحذيرا من الغفلة واستحثاثا على تقديم التبييت وهذا يجري مجرى الفحوى التي لا ينكرها محصل فإذا حمل حامل ذلك على النهي عن التقديم على الليل كان ذلك نقيض مقصود الخطاب. ٤٤٨- والكلام الوجيز فيه: أن مقصود الخطاب الأمر بتقديم النية, والنهي عن

стр. 208

تأخيرها عن وقت التبييت وموجب ما ذكره النهي عن التقديم والأمر بالتأخير وليس تخيل ما ذكره هذا القائل في اليوم الذي يلي الغد بأولى من تخيله من يوم قبله بسنة. ٤٤٩- واعلم هديت لرشدك أن هذه الفنون من الكلام ما كانت تجري في عصور العلماء الأولين وإنما أقدم [عليها] المتأخرون لأمرين أحدهما: التعري عن مأخذ الكلام والثاني: الاستجراء على دين الله تعالى والتعرض لخرق حجاب الهيبة نعوذ بالله منه. ٤٥٠- مما وجه على هذا الحديث من التأويل حمل النفي فيه على نفي الكمال وهذا أقرب قليلا إلى مسالك التأويلات ولكنه مردود من وجهين أحدهما: أن حمل هذا اللفظ على نفي الكمال غير ممكن في القضاء والنذر وهما من متضمنات الحديث وإذا تعين حمل [اللفظة] على حقيقتها في بعض المسميات تعين ذلك في سائرها فإن الإنسان الفصيح ذا الجد لا يرسل لفظه وهو يبغي حقيقتها من وجه ومجازها من وجه. فإن قالوا: ليس القضاء والنذر مقصودين كما ذكرتم قلنا: نعم ولكن الشاذ لا يعني باللفظ العام تخصيصا واقتصارا عليه وانحصارا عليه ولا يمتنع أن يشمله العموم مع الأصول. والذي يحقق هذا أنه لو حمل لفظه على نوع من الصوم ثم حمل فيه على نفي الكمال لما كان اللفظ عاما أصلا وكان مختصا بنوع واحد وهو من أعم الصيغ كما تقدم تقريره والدليل عليه أن ما ذكروه من أن الرسول ﵇ لم يرد القضاء والنذر ليس مذهبا لذي مذهب فإنه إذا امتنع قبول التأويل من غير دليل فلأن يمتنع من غير مذهب أولى. مسألة: ٤٥١- استدل الشافعي ﵁ في نكاح المشركات بالقصص المشهورة في الذين أسلموا على العشر والخمس والأختين فقال رسول الله ﷺ [لغيلان] وقد أسلم على عشر نسوة ثم راجع الرسول ﵇ في مفارقتهم أو إمساكهن فقال ﵇: "أمسك أربعا وفارق سائرهن" ١ وقال للذي أسلم على أختين:

стр. 209

"أمسك أيتهما شئت وفارق الأخرى" ١. فجرت تلك الأقاصيص نصوصا عند الشافعي في أن الكفار إذا أسلموا على عدد من النساء لا يوافق حصر الإسلام فعليهم أن يمسكوا عدد الإسلام ويفارقوا الباقيات ولا يؤاخذون برعاية الأوائل والأواخر ولا يكلفون الجريان على أحكام التواريخ ووجه التمسك بين فإنه ﵇ علم أنهم على حداثة العهد بالإسلام ولم يخبروا تفاصيل الأحكام ثم أطلق لهم الخيرة في إمساك من شاءوا على شرط رعاية عدد الإسلام. ٤٥٢- فوجه المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة سؤالين ركيكين أحدهما يسقطه اللفظ فلتقع البداية به ومقصود المسألة السؤال الثاني فأما ما. يدفعه اللفظ فدعواهم أنه أمرهم أن يختاروا الأوائل وهذا يدفعه قوله ﵇ لصاحب الأختين: "اختر أيتهما شئت وفارق الأخرى", وقال ﵇ لبعضهم وقد أسلم على خمس: "اختر أربعا وفارق واحدة", قال صاحب الواقعة فعمدت إلى أقدمهن صحبة ففارقتها فلا حاجة إلى الإطناب في ذلك وهو على معاندة اللفظ. ٤٥٣- فأما الثاني وهو المقصود الذي عقدت المسألة له فهو أنهم قالوا إنه ﵇ أراد بقوله: "أمسك أربعا" أن يمسكهن ويجدد عليهم الأنكحة على موجب الشرع. وهذا عند المحققين سرف ومجاوزة حد وقلة احتفال بكلام الشارع فإن الرسول ﵇ ذكر لفظ الإمساك أولا وموجبه الاستدامة واستصحاب الحال والثاني أن النقلة لم ينقلوا تجديد العقود بل رووا الحكايات رواية من لا يستريب أنهم استمروا في عدد الإسلام على مناكحتهم فيهن وكان المخاطبون على قرب عهد والرسول ﷺ لا يخاطبهم إلا بما يقرب من أفهامهم والتعبير عن ابتداء النكاج بالإمساك بعيد جدا ناء عن المحامل الظاهرة وفي القصص أنهم جاءوا سائلين عن الفراق أو الإمساك فانطبق جواب رسول الله ﷺ على سؤالهم ثم النكاح على الابتداء لا يختص بهن بل جوازه سائغ في نسوة العالم وقوله: "أمسك", أمر وما ذكروه تخيير فينتظم من جوامع الكلام ما يحل محل قرائن الأحوال التي تفضى إلى العلم بإرادة المتكلم.

стр. 210

وهذا وإن كان يستدعي مزيد تقرير في النظر ففي هذا المقدار تأصيل الكلام والمحصل ذو المنة يورده إيرادا مقررا وإن أردنا أن نأتي بكلام قريب جدا يستوي في [نيله و] الإفهام به المتشدق البليغ وذو العي الحصر قلنا: ٤٥٤- إن جحدا معاند إفضاء ما ذكرناه إلى الغرض نصا لم يجحد ظهور ما ذكرناه وغلبة الظن في صغو قصد الشارع إلى ما قررناه ولا خلاف بين العالمين بالظواهر أن تأويلاتها لا تقبل غير مقترنة بأدلة وغاية المتمسك بهذا المسلك أن يأتي بقياس مظنون ومعنى الظن في أنه يحسبه أنه منصوب الشارع ظنا منه وتقديرا وقد غلب على الظن مقصود الشارع في لفظه [فما يغلب متصلا] بلفظه على الظن أولى مما يغلب على الظن كونه منصوبا للشارع في فنون الأقيسة وهذا يقع من الظن بعيدا بدرجات عن الظن المختص بلفظ المصطفى ﵇. ٤٥٥- فإن قيل: كأنكم تبنون هذا على تقديم الخبر على القياس فتثبتون استواء الظنين ثم تقدمون إحدى المرتبتين وقد لا تساعدون على تقديم الخبر [على القياس] قلنا ما أهون إثبات هذا علينا وسنذكره مستقصى في كتاب الأخبار. ثم هذه المسألة لا تختص بهذا المأخذ فإن من يرى هذا الفن من التأويل يطرده في تأويل ظواهر القرآن والأخبار المتواترة وإن كان القياس [لا] يقدم على نصوص القرآن والسنة المتواترة. ٤٥٦- والذي يقطع مادة الإشكال في ذلك أنا نعلم أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا إذا وجدوا ما يظهر عندهم قصد رسول الله ﷺ فيه اكتفوا به ولم يميلوا إلى غيره ورأوا من يركن إلى القياس لإزالة ظاهر ما صح عندهم في حكم [الراد لخبر] رسول الله ﷺ ولو تتبع المتتبع الأخبار التي رويت لهم فعملوا بها لوجدها ظواهر والجحد في هذا المقام الآن إنكار البديهة ومداره الضرورة ثم معتضد القياس عملهم به لا غير فإن أنصف الخصم علم أنهم كانوا لا يقيسون في هذه الحال وإن ركب رأسه وطرد شماسه لم يمكنه أن يثبت قياسهم في هذه الصورة ولهذا لا يطمع فيه إلا أخرق ولا شك أنهم ما قاسوا في كل محل. ٤٥٧- فليتخذ الناظر هذا الفصل معتضدة الأقوى في هذه المسألة وأمثالها وهنالك استبان أن كل ما ظهر في قصد الشارع لم يجر مخالفة ظاهر قصده بقياس فلهذا لم يشتغل الأوائل المتقدمون بما أنشاه ناشئة الزمان من التأويلات المزخرفة ولم يكن ذلك لغفلتهم عن أمثالها.

стр. 211

مسألة: ٤٥٨- مما يجريه أبناء الزمان في أدراج الاعتراضات ادعاء أمور من طريق الاحتمال من غير نقل فحاولوا بها مداراة الاستدلال. وهذا بمثابة قول بعض أصحاب أبي حنيفة في المسألة التي تقدمت في نكاح المشركات حيث قالوا لم يكن في عدد النساء حصر في ابتداء الشرع ولعل الذين أسلموا كانوا نكحوا في الشرك حين لا حصر وكانت تلك الأنكحة على الصحة ولما أسلموا كان الحصر مستقرا في الشرع فلم يبطل رسول الله ﷺ أنكحتهم السابقة الموافقة في وقت وقوعها موجب الشرع ولم يقرر عليها بالكلية. ٤٥٩- وسبيل الكلام على هذا الصنف أن نقول لم يثبت ما ذكروه من أحكام الإسلام في ابتداء الأيام ولا مبالاة بما جاءوا به فلفظ الرسول ﵇ محمول على ما الشرع عليه الآن ومن قدر أمرا على مخالفة ما يصادفه الآن فدعواه من غير حجة مردودة عليه وهذا متفق عليه فإن أمثال هذه الاحتمالات لو طرقت إلى حكايات الأحوال وأقوال الرسول فيها لما انتظم الاستدلال بواحد منها فإن هذه الفنون المدافعة للاستدلال ممكنة في كل أصل. ٤٦٠- فإن قيل أليس تأويل الظواهر مقبولا بالاحتمال قلنا ليس الاحتمال مقتضيا قبول التأويل ولكنا رأينا الأولين على الجملة يتمسكون بالتأويلات وكما. رأيناهم متفقين على التأويل مع التعويل على دليل يعضده رأيناهم غير مكتفين بهذه الإمكانات وهذا بمثابة دعوى النسخ من غير ثبت فإن من ادعى نسخا فقد ادعى ممكنا ولكن لا يقبل منه بالإجماع إلا بثبت يعول عليه. فإن نقل أصحاب أبي حنيفة من التواريخ [الصحيحة] أن الحصر لم يكن في ابتداء الإسلام فيعسر التمسك بتلك الأقاصيص وعلى المتمسك بها أن يثبت وقوعها بعد الحصر وإلا كان الاستدلال معرضا لإجمال واحتمال ومثل هذا الاحتمال مع ثبوت الأصل في حكايات الأحوال ينزل منزلة الاحتمال في صيغ الأقوال. ٤٦١- ولكن لو صح ما ذكروه انقدح وراءه نوعان من الكلام: أحدهما: أنه إن استقام النقل فيما ادعوه وهيهات فهو مما ادعاه ناشئة الزمان في الحصر في العدد فأما الجمع بين الأختين فلم [يصر] أحد إلى أنه عهد مسوغا.

стр. 212

في صدر الشريعة وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ١ معدود عند المفسرين من باب الاستثناء من غير الجنس والمراد من قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ٢ [ما سلف] في الجاهلية قبل مبعث المصطفى ﷺ والدليل عليه أنه قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ ٣ وكان إذا جرى على صيغته فصيفته تتضمن الإخبار عما مضى فهذا وجه. ٤٦٢- والوجه الآخر أنا نقول لو صح ما ادعوه من صحة مناكح المشركين لكان قياس الشرع يقتضي أن يبطل جميعها عند ورود الحجر والحصر بالتدافع كما إذا نكح [الرجل] رضيعتين جميعا أرضعتهما امرأة وثبتت الأخوة بينهما فاستدامة نكاحهما ممتنعة وتخصيص ارتفاع النكاح بأحدهما لا سبيل إليه فلزم تدافع النكاحين فإذا سلموا أن طريان الحجر لا يوجب التدافع قام عليهم مسلك في القياس [قبل] لهم به كما ذكرناه في مسائل الفقه فليطرد الناظر مقصود هذه المسألة في أمثالها وليحمل الخصم على تصحيح النقل فيما يدعيه ولا يكتفي بمجرد الاحتمال أصلا. مسألة: ٤٦٣- إن صح عن رسول الله ﷺ قوله٤: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر" فلا يصح تأويل متبعي الشافعي [إذا حاولوا] حمل اللفظ على الذين هم عمود النسب وهم الأصول أو الفصول وهذا الفن مما لا يلفى في الزمان من يجحده وهو باطل قطعا عند ذوي التحقيق وهذه المسألة عبرة لأمثالها فليمعن الناظر النظر فيها مستعينا بالله تعالى. ٤٦٤- فنقول قصد رسول الله ﷺ للتعميم واضح لائح في قوله٥: " من ملك ذا رحم محرم" فإن ذلك مما نقل عنه ابتداء لا في حكاية حال ولا جوابا عن سؤال ولا في قصد حل إعضال وكان يعتاد تأسيس الشرع ابتداء فإذا قال من ملك ذا رحم محرم تبين أنه أراد المحارم من ذوي الرحم أجمعين ولو أراد الآباء.

стр. 213

والأمهات والبنين وعلم تخصيصهم بهذه القضية لنص عليهم فإذا ذكر الأقارب ثم علم أنهم ينقسمون إلى المحارم وغيرهم فخص الحكم الذي نص عليه بالمحارم من ذوي الأرحام تقرر أنه قصد بذلك الضبط والتشوف إلى ما يسميه أهل الصناعة الحد فكيف يستقيم أن يظن به ﵇ أنه أراد الذين هم عمود النسب وجرى أيضا كلامه مجرى تعظيم أمر الرحم إذا انضمت إليه المحرمية فانتظم من مجموع ما ذكرناه ظهور قصد التعميم من الرسول فمن رام مخالفة قصده لم يقبل منه وإن عضده بقياس فمستنده ظن المستنبط أنه مراد الشارع وليس له في ألفاظه ذكر فما يظهر من لفظ الرسول ﵇ كيف يترك بما يظنه القايس على بعد من لفظ الرسول ﷺ ؟ ٤٦٥- والقول الضابط في ذلك: أنه لو تقدم قياس مظنون على ظاهر من لفظ الرسول ﵇ لاقتضى ذلك تقديم مرتبة القياس على مرتبة الخبر وسنبين أن الخبر مقدم على القياس. ٤٦٦- والقدر المقنع فيها: أن لو [رددنا] إلى عقولنا لما سفكنا الدماء المحقونة في أهبها ولما حللنا الأبضاع المعظمة بأقيسة مستندها ظنون ولكنا ألفينا صحب رسول الله ﷺ الأكرمين يقيسون في غير موارد النصوص وثبت عندنا بالقاطع السمعي أن الإجماع حجة فإذا وقع العمل عند القياس بإجماعهم والإجماع مقطوع به ثم كانوا لا يقيسون ما وجدوا خبرا وكان الراوي البدوي الموثوق به إذا روى خبرا وظهر لهم قصد رسول الله ﷺ في تعميم حكم لم يعرجوا على التأويلات البعيدة لأقيسة تعن لهم. فإذا الألفاظ المأثورة على ثلاث مراتب عندنا: ٤٦٧- المرتبة الأولى أن يلوح للمؤول أن الشارع لم يقصد التعميم [بها] فما كان كذلك فلا يسوغ الاستدلال بحكم العموم فيه ولا حاجة إلى التأويل فيه وهذا نضرب فيه أمثالا منها أن الرسول ﵇ قال١: "ما سقت السماء ففيه العشر وما سقي بنضح أو دالية ففيه نصف العشر" فإذا استدل الحنفي بهذا الظاهر في إثبات العشر في كل ما تنبته الأرض كان ذلك مردودا عليهم فإن الرسول استاق.

стр. 214

كلامه هذا للفرق بين السيح والنضح لا للتعرض لجنس ما يجب فيه العشر فإذا ظهر أن هذا الفن من العموم لم يقصده الشارع وإن جرى في كلامه اللفظ [الصالح] له وهو "ما سقت السماء" ١ فالاستمساك به في قصد التعميم باطل إذ ظهر من كلامه خلافه ومن أمثلة ذلك استدلال من استدل من أصحاب أبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ٢ أن قالوا كل ما يقع به التطهير مندرج تحت مقتضى الأمر. قال الشافعي٣: الغرض من الآية التعرض [لأصل] التطهير لا التعرض لأصل التخصيص والتعميم في آلات التطهير والذي يحقق ذلك أن الباحث عن آلة التطهير عند اتصال هذا الخطاب به سائل عن الشيء على وجهه والذي يحقق ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ٤ استاق الآية لبيان كيفية الوضوء ولم يخصص الغسل بآلة مخصوصة مع اختصاصها بالماء وفاقا. فهذه مرتبة فلتقس على الأمثال التي ذكرناها ما في معناها. ٤٦٨- والمرتبة الثانية أن يظهر قصد التعميم من الشارع ﵇ فهذا لا يسوغ تأويله بقياس مظنون كما سبق. ٤٦٩- والمرتبة الثالثة أن يرد اللفظ ولا يقترن به ما يدل على قصد التعميم ولا ما يدل على نقيضه فهذا ملتطم التأويل وموقف التشاجر بين المستدل باللفظ وبين مدعى التأويل بمعاضدة بالقياس. والقول في هذه المرتبة عندي هين مدركه والحكم الجملي فيه أن الأمر في ذلك أيضا ليس متروكا سدى بل على الناظر أن يزن حكم ظنه قياسه ومبلغ ظنه في عموم اللفظ وضعا فإن رجحت كفة ظنه في القياس حكم يغالب ظنه وإن غلب الظن في الشق الآخر أتبع الحكم موجب اللفظ وإن استويا فقد قال القاضي يقف الناظر فلا يعمل بهما وأنا أقول يعمل بالخبر فإن الظنين إذا تساويا فالخبر مرجح لعلو المرتبة وهذا مثله قوله ﵇ إنما الأعمال بالنيات فإذا تمسك الشافعي به في الطهارة كان تمسكه به معرضا للتأويل على القانون المقدم فنتخذ.

стр. 215

هذه عبرة في مسائل الشرع. مسألة: ٤٧٠- مما رده المحققون من طرق التأويل ما يتضمن حمل كلام الشارع من جهة ركيكة تنأى عن اللغة الفصحى فقد لا يتساهل فيه إلا في مضايق القوافي وأوزان الشعر فإذا حمل حامل آية من كتاب الله أو لفظا من ألفاظ رسول الله ﷺ على أمثال هذه المحامل وأزال الظاهر الممكن إجراؤه لمذهب اعتقده فهذا لا يقبل. ٤٧١- ومن أمثلة ذلك حمل الكسر على الجوار في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ١ من غير مشاركة المعطوف عليه في المعنى وهذا في حكم الخروج عن نظم الإعراب بالكلية وإيثار ترك الأصول لإتباع لفظة, لفظة في الحركة وهذا ارتياد الأردأ من غير ضرورة وإذا اضطر الشاعر إليه في مضايق القوافي لم يعد ذلك من [حسن] شعره كما قال امرؤ القيس٢:. كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل. فقوله: مزمل خبر عن قوله كبير أناس جار معه مجرى الصفة ووجه الكلام كبير أناس مزمل في بجاد ولكنه أتبع كسرة اللام الكسرات المتقدمة لما كانت القافية على الكسرة. - ٤٧٢وقال من أحاط بعلم هذا الباب حمل قراءة من قرأ [ ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ بالفتح على المسح في الرجل] والمصير إلى أنه محمول على محل رءوسكم أمثل وأقرب إلى قياس الأصول من حمل قراءة الكسر على الجوار فإن كل مجرور اتصل الفعل به بواسطة الجار فمحله النصب وإنما الكسر فيه في حكم العارض فاتباع المعنى والعطف على المحل من فصيح الكلام ومن كلامهم: يا عمر الجواد فإن المنادى المفرد العلم وإن كان مبنيا على الرفع فأصله النصب فرد الصفة إلى محله وأصله حسن بالغ. ٤٧٣- فالمختار إذا في قوله: "وأرجُلِكُم" ما ذكره متبوع الجماعة وسيد الصناعة سيبويه إذ قال الكلام الجزل الفصيح يسترسل في الأحايين استرسالا ولا.
следующие страницы →