← Фикх общий

Фикх общий · id 7444

الروضة الندية شرح الدرر البهية ط المعرفة

صديق حسن خان

Полный текст (711 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

النساء المشركات لا يقتلن وليس ذلك محل النزاع ثم قد ثبت عنه ﷺ أنه قتل عدة نساء كاللاتي أمر بقتلهن يوم الفتح لما كان يقع منهن السب له وكذلك قتل امرأتين من بني قريظة وغير ذلك ثم ليس النهي عن قتل النساء مستلزما لتركهن على الكفر إذا امتنعن من الإسلام والجزية فإنه لا يجوز التقرير على الكفر فإذا قالت امرأة لا أسلم أبدا ولا أعطي الجزية وصممت على ذلك كان تركها حينئذ كافرة غير جائز لأحد من المسلمين ومن ههنا يلوح لك أن النهي عن قتل النساء إنما هو لأجل كونهن مستضعفات يحصل منهن الانقياد للإسلام بدون ذلك وليس عندهن غناء في القتال ولهذا كان سبب النهي عن قتلهن أن النبي ﷺ رأى امرأة مقتولة فقال: "ما كانت هذه لتقاتل ثم نهى عن قتلهن" فانظر كيف جعل النهي عن قتلهن معللا بعدم المقاتلة وأما قول بعض أهل العلم إن المتأول كالمرتد فههنا تسكب العبرات ويناح على الإسلام وأهله بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر لا بسنة ولا قرآن ولا لبيان من الله ولا لبرهان بل لما غلت مراجل العصبية في الدين وتمكن الشيطان الرجيم من تفريق كلمة المسلمين لقنهم الزمان بعضهم لبعض بما هو شبيه الهباء في الهواء والسراب في البقعية١ فيالله وللمسلمين من هذه الفاقرة٢ التي هي أعظم فواقر الدين والرزية التي ما رزيء بمثلها سبيل المؤمنين وأنت إن بقي فيك نصيب من عقل وبقية من مراقبة الله وحصة من الغيرة الإسلامية علمت وعلم كل من له علم بهذا الدين أن النبي ﷺ لما سئل عن الإسلام قال في بيان حقيقته وإيضاح مفهومه إنه: "إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" والأحاديث بهذا المعنى متواترة فمن جاء جاء بهذه الأركان الخمسة وقام بها حق القيام فهو المسلم على رغم أنف من أبى ذلك كائنا من كان فمن جاءك بما يخالف هذا من ساقط القول وزائف العلم بالجهل فاضرب به في وجهه وقل له قد تقدم هذيانك هذا

стр. 632

برهان محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمن في دينه كمخاطر وكما أنه تقدم الحكم من رسول الله ﷺ لمن قام بهذه الأركان الخمسة بالإسلام فقد حكم لمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره بالإيمان وهذا منقول عنه نقلا متواترا فمن كان هكذا فهو المؤمن حقا وقد ورد من الأدلة المشتملة على الترهيب العظيم من تكفير المسلمين والأدلة الدالة على وجوب صيانة عرض المسلم واحترامه ما يدل بفحوى الخطاب على تجنب القدح في دينه بأي قادح فكيف بإخراجه عن الملة الإسلامية إلى الملة الكفرية فإن هذه جناية لا تعد لها جناية وجرأة لا تماثلها جرأة وأين هذا المجترىء على تكفير أخيه من قول رسول الله ﷺ الثابت عنه في الصحيح أيضا "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" ومن قول رسول الله ﷺ الثابت عنه في الصحيح أيضا "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ومن قول رسول الله ﷺ "أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" وهو أيضا في الصحيح وكم يعد العاد من الأحاديث الصحيحة والآيات القرآنية والهداية بيد الله ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ هذا ما أفاده الماتن العلامة في السيل وقال أيضا: اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" هكذا في الصحيح وفي لفظ آخر في الصحيحين وغيرهما "من دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه"أي رجع وفي لفظ في الصحيح "فقد كفر أحدهما" ففي هذه الأحاديث وما ورد مرودها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن السراع في التكفير وقد قال : ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ فلا بد من شرح الصدر بالكفر وطمأنينة القلب به وسكون النفس إليه فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك لا سيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر ولا اعتبار بلفظ يلفظ به المسلم يدل على الكفر

стр. 633

وهو لا يعتقد معناه فإن قلت قد ورد في السنة ما يدل على كفر من حلف بغير ملة الإسلام وورد في السنة المطهرة ما يدل على كفر من كفر مسلما كما تقدم وورد في السنة المطهرة إطلاق الكفر على من فعل فعلا يخالف الشرع كما في حديث "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" ونحوه مما ورد مورده وكل ذلك يفيد أن صدور شئ من هذه الأمور يوجب الكفر وإن لم يرد قائله أو فاعله به الخروج من الإسلام إلى ملة الكفر قلت: إذا ضاقت عليك سبل التأويل ولم تجد طريقا تسلكها في مثل هذه الأحاديث فعليك أن تقرها كما وردت وتقول من أطلق عليه رسول الله ﷺ اسم الكفر فهو كما قال ولا يجوز إطلاقه على غير من سماه رسول الله ﷺ من المسلمين كافرا إلا من شرح بالكفر صدرا فحينئذ تنجو من معرة الخطر وتسلم من الوقوع في المحنة فإن الإقدام على ما فيه بعض البأس لا يفعله من يشح على دينه ولا يسمح به فيما لا فائدة فيه ولاعائدة فكيف إذا كان على نفسه إذا أخطأ أن يكون في عداد من سماه رسول الله ﷺ كافرا أفهذا يقود إليه العقل فضلا عن الشرع ومع هذا فالجمع بين أدلة الكتاب والسنة واجب وقد أمكن هنا بما ذكرناه فتعين المصير إليه فحتم على كل مسلم أن لا يطلق كلمة الكفر إلا على من شرح به صدرا ويقصر ماورد مما تقدم مورده وهذا الحق ليس به خفاء ... فدعني عن بنيات١ الطريق ويأبى٢ الفتى إلا اتباع الهوى ... ومنهج الحق له واضح وكيف يحكم بالكفر على من حكى قولا كفريا صدر من كافر فإن القرآن الكريم قد اشتمل على ما يأبى عنه الحصر من حكاية ما هو كفر بواح من أقوال الكفار وهكذا لا يحكم بكفر من كفر مكرها فقد استثناه القرآن الكريم بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ وكفى به اهـ. "والساحر" لكون عمل السحر نوعا من الكفر ففاعله مرتد يستحق ما يستحقه المرتد وقد روى الترمذي والدارقطني والبيهقي والحاكم من حديث جندب قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "حد الساحر

стр. 634

ضربة بالسيف" قال الترمذي: والصحيح عن جندب موقوفا قال: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وغيرهم وهو قول مالك بن أنس وقال الشافعي: إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر فإذا عمل عملا دون الكفر لم نر عليه قتلا اهـ. وفي إسناد هذا الحديث إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف وأخرج أحمد وعبد الرزاق والبيهقي "أن عمر بن الخطاب كتب قبل موته بشهر أن اقتلوا كل ساحر وساحرة"والأرجح ما قاله الشافعي لأن الساحر إنما يقتل لكفره فلا بد أن يكون ما عمله من السحر موجبا للكفر قال في المسوى: السحر كبيرة قال تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ واختلف في ذلك أهل العلم فقال مالك وأحمد: يقتل الساحر وقال الشافعي: ما تقدم ولو قتل الساحر رجلا بسحره وأقر إني سحرته وسحري يقتل غالبا يجب عليه القود عند الشافعي ولا يجب عند أبي حنيفة ولو قال سحري قد يقتل وقد لا يقتل فهو شبه عمد ولو قال أخطأت إليه من غيره فهو خطأ تجب فيه الدية المخففة وتكون في ماله لأنه ثبت باعترافه إلا أن تصدقه العاقلة فتكون عليهم أقول: لا شك أن من تعلم السحر بعد إسلامه كان بفعل السحر كافرا مرتدا وحدّه حد المرتد وقد تقدم وقد ورد في الساحر بخصوصه أن حده القتل ولا يعارض ذلك ترك النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لقتل لبيد بن الأعصم الذي سحره فقد يكون ذلك قبل أن يثبت أن حد الساحر القتل وقد يكون ذلك لأجل خشية معرة اليهود وقد كانوا أهل شوكة حتى أبادهم الله وفل شوكتهم وأقلهم وأذلهم وقد عمل الخلفاء الراشدون على قتل السحرة وشاع ذلك وذاع ولم ينكره أحد "والكاهن" لكون الكهانة نوعا من الكفر فلا بد أن يعمل من كهانته ما يوجب الكفر وقد ورد أن تصديق الكاهن كفر فبالأولى الكاهن إذا كان معتقدا بصحة الكهانة ومن ذلك حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره أن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهنا أوعرافا فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم" وفي الباب أحاديث "والساب لله أو لرسوله أو للإسلام أو للكتاب أو للسنة والطاعن في الدين" وكل هذه الأفعال موجبة للكفر الصريح ففاعلها مرتد حده حده وقد

стр. 635

أخرج أبو داود من حديث علي "أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل رسول الله ﷺ دمها" ولكنه من رواية الشعبي عن علي وقد قيل إنه ما سمع منه وأخرج أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس "أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ فقتلها فأهدر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم دمها" ورجال إسناده ثقات وأخرج أبو داود والنسائي عن أبي برزة قال: "كنت عند أبي بكر فتغيظ علي رجل فاشتد غضبه فقلت: أتأذن لي يا خليفة رسول الله أن أضرب عنقه قال: فأذهبت كلمتي غضبه فقام فدخل فأرسل إلي فقال: ما الذي قلت آنفا قلت: ائذن لي أضرب عنقه قال: أكنت فاعلا لو أمرتك قلت نعم قال: لا والله ما كان لبشر بعد محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم" وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن من سب النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وجب قتله ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشافعية في كتاب الإجماع أن من سب النبي ﷺ بما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء فلو تاب لم يسقط عنه القتل لأن حد قذفه القتل وحد القذف لا يسقط بالتوبة وخالفه القفال فقال: كفر بالسب فيسقط القتل بالإسلام قال الخطابي: لا أعلم خلافا في وجوب قتله إذا كان مسلما اهـ وإذا ثبت ما ذكرنا في سب النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فبالأولى من سب الله ﵎ أو سب كتابه أو الإسلام أو طعن في دينه وكفر من فعل هذا لا يحتاج إلى برهان أقول: وقريب من هذا من جعل سب الصحابة شعاره ودثاره فإنه لا مقتضى لسبهم قط ولا حامل عليه أصلا إلا غش الدين في قلب فاعله وكراهة الإسلام وأهله فإن هؤلاء هم أهله على الحقيقة أقاموه بسيوفهم وحفظوا هذه الشريعة المطهرة ونقلوها إلينا كما هي فرضي الله عنهم وأرضاهم وأقمأ١ المشتغلين بثلبهم وتمزيق أعراضهم المصونة وقد رأينا في التواريخ ما صار يفعله أهل الشام والمغرب من قتل من كان كذلك بعد مرافعته إلى حكام الشريعة وحكمهم بسفك دمائهم وهذا وإن كان عندنا غير جائز لما عرفناك من عصمة دم المسلم حتى يقوم الدليل الدال على جواز سفكه ولكن فيه القيام التام بحقوق أساطين الإسلام "والزنديق" وهو الذي يظهر

стр. 636

الإسلام ويبطن الكفر ويعتقد بطلان الشرائع فهذا كافر بالله وبدينه مرتد عن الإسلام أقبح ردة إذا ظهر منه ذلك بقول أو فعل وقد اختلف أهل العلم هل تقبل توبته أم لا والحق قبول التوبة قال في المسوى: في باب حكم الخوارج والقدرية وأشباههم قال الشافعي: ولو أن قوما أظهروا رأي الخوارج وتجنبوا الجماعات وأكفروهم لم يحل بذلك قتالهم بلغنا أن عليا رضي الله تعالى عنه سمع رجلا يقول لا حكم إلا لله في ناحية المسجد فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاث لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا ولا نبدؤكم بقتال وقال أهل الحديث من الحنابلة يجوز قتلهم أقول: الظاهر عندي دراية ورواية قول أهل الحديث أما رواية فلقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "فأين لقيتموهم فاقتلوهم" وأما قول علي فمعناه أن الإنكار على الإمام والطعن فيه لا يوجب قتلا حتى ينزع يده من الطاعة فيكون. باغيا أو قاطع طريق وإذا أنكر ضروريا من ضروريات الدين يقتل لذلك لا للإنكار على الإمام بيان ذلك أن المفتي إذا سئل عن بعض أفعال زيد حكم بالجواز وإذا سئل عن بعضها الآخر حكم بالفسق ثم إذا سئل عن بعضها الآخر حكم بالكفر فههنا لم يظهر هذا الرجل عنده إلا الإنكار في مسألة التحكيم فحكم حسبما أظهر ولو أنه أظهر إنكار الشفاعة يوم القيامة أو إنكار مسألة التحريم فحكم حسبما أظهر ولو أنه أظهر إنكار الشفاعة يوم القيامة أو إنكار الحوض الكوثر وما يجري مجرى ذلك من الثابت في الدين بالضرورة لحكم بالكفر وأما حديث "أولئك الذين نهاني الله عنهم" ففي المنافقين دون الزنادقة بيان ذلك أن المخالف للدين الحق إن لم يعترف به ولم يذعن له لا ظاهرا ولا باطنا فهو الكافر وإن اعترف بلسانه وقلبه على الكفر فهو المنافق وإن اعترف به ظاهرا وباطنا لكنه يفسر بعض ما ثبت من الدين ضرورة بخلاف ما فسره الصحابة والتابعون وأجمعت عليه الأمة فهو الزنديق كما إذا اعترف بأن القرآن حق وما فيه من ذكر الجنة والنار حق لكن المراد بالجنة الابتهاج الذي يحصل بسبب الملكات المحمودة والمراد بالنار هي الندامة التي تحصل بسبب الملكات المذمومة وليس في الخارج جنة ولا نار فهو الزنديق قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "أولئك الذين نهاني الله عنهم" في المنافقين دون الزنادقة وأما دراية فلأن الشرع كما نصب القتل جزاء للارتداد ليكون مزجرة

стр. 637

للمرتدين وذبا عن الملة التي ارتضاها فكذلك نصب القتل في هذا الحديث وأمثاله جزاء للزندقة ليكون مزجرة للزنادقة وذبا عن تأويل فاسد في الدين لا يصح القول به ثم التأويل تأويلان: تأويل لا يخالف قاطعا من الكتاب والسنة واتفاق الأمة وتأويل يصادم ما يثبت بقاطع فذلك الزندقة فكل من أنكر الشفاعة أو أنكر رؤية الله يوم القيامة أو أنكر عذاب القبر وسؤال منكر ونكير أو أنكر الصراط والحساب سواء قال لا أثق بهؤلاء الرواة أو قال أثق بهم لكن الحديث مؤول ثم ذكر تأويلا فاسدا لم يسمع ممن قبله فهو الزنديق وكذلك من قال في الشيخين أبي بكر وعمر مثلا: ليسا من أهل الجنة مع تواتر الحديث في بشارتهما أو قال إن النبي ﷺ خاتم النبوة ولكن معنى هذا الكلام أنه لا يجوز أن يسمى بعده أحد بالنبي وأما معنى النبوة وهو كون الإنسان مبعوثا من الله تعالى إلى الخلق مفترض الطاعة معصوما من الذنوب ومن البقاء على الخطإ فيما يرى فهو موجود في الأئمة بعده فذلك هو الزنديق وقد اتفق جماهير المتأخرين من الحنفية والشافعية على قتل من يجري هذا المجرى والله تعالى أعلم اهـ. "بعد استتابتهم" لحديث جابر عند الدارقطني والبيهقي "أن امرأة يقال لها أم رومان ارتدت فأمر النبي صلى الله عليه تعالى عليه وآله وسلم أن يعرض عليها الإسلام فإن تابت وإلا قتلت"وله طريقان ضعفهما ابن حجر وأخرج البيهقي من وجه آخر ضعيف عن عائشة "أن امرأة ارتدت يوم أحد فأمر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت" وأخرج أبو الشيخ في كتاب الحدود عن جابر "أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم استتاب رجلا أربع مرات" وفي إسناده العلاء بن هلال وهو متروك وأخرجه البيهقي من وجه آخر وأخرج الدارقطني والبيهقي "أن أبا بكر استتاب امرأة يقال لها أم قرفة كفرت بعد إسلامها فلم تتب فقتلها"قال ابن حجر: وفي السير أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قتل أم قرفة١ يوم قريظة وهي غير تلك وأخرج مالك في الموطأ والشافعي "أن رجلا قدم على عمر بن الخطاب من قبل أبي موسى فسأله عن الناس فأخبره فقال: هل من

стр. 638

مغربة خبر١ قال نعم: رجل كفر بعد إسلامه قال: فما فعلتم به قال: قربناه فضربنا عنقه فقال عمر: هلا حبستموه ثلاثا وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله إني لم أحضر ولم أرض إذا بلغني" وقد اختلف أهل العلم في وجوب الاستتابة ثم كيفيتها والظاهر أنه يجب تقديم الدعاء إلى الإسلام قبل السيف كما كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يدعو أهل الشرك ويأمر بدعائهم إلى إحدى ثلاث خصال ولا يقاتلهم حتى يدعوهم فهذا ثبت في كل كافر فيقال للمرتد إن رجعت إلى الإسلام وإلا قتلناك وللساحر والكاهن والساب لله أو لرسوله أو للإسلام أو للكتاب أو للسنة أو للطاعن في الدين أو الزنديق قد كفرت بعد إسلامك فإن رجعت إلى الإسلام وإلا قتلناك فهذه هي الاستتابة وهي واجبة كما وجب دعاء الحربي إلى الإسلام وأما كونه يقال للمرتد بأي نوع من تلك الأنواع مرتين أو ثلاثة أو في ثلاثة أيام أو أقل أو أكثر فلم يأت ما تقوم به الحجة في ذلك بل يقال لكل واحد من هؤلاء ارجع إلى الإسلام فإن أبى قتل مكانه قال في المسوى: اختلفت الروايات عن أبي حنيفة والشافعي في ذلك وفي المنهاج ويجب استتابة المرتد والمرتدة وفي قول يستحب وهي في الحال وفي قول ثلاثة أيام فإن أصرّا قتلا وفي الهداية إذا ارتد المسلم عن الإسلام عرض عليه الإسلام فإن كانت له شبهة كشفت عنه ويحبس ثلاثة أيام فإن أسلم وإلا قتل وفي الجامع الصغير يعرض عليه الإسلام فإن أبى قتل قيل تأويل الأول أنه إن استمهل يمهل ثلاثة أيام وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يستحب أن يؤجله طلب ذلك أو لم يطلب اهـ. أقول: الأدلة الصحيحة المصرحة بقتل المرتد لم يثبت في شئ منها الاستتابة بل فيها الأمر القتل للفور وما ورد عن بعض الصحابة من إنكار قتل المرتدين قبل الاستتابة فليس بحجة ولا يصلح لتقييد ما ثبت عن الشارع ودعوى أن ذلك إجماع بواسطة عدم الإنكار دعوى باطلة فالحق أن المرتد يقال له ارجع إلى الإسلام فإن أجاب وجب حقن دمه وإن لم يجب تعين قتله

стр. 639

في ذلك الوقت وقد حصل الدعاء المشروع بمجرد قولنا له ارجع إلى الإسلام "والزاني المحصن واللوطي مطلقا والمحارب" وقد تقدم الكلام فيهم وأما الديوث فلم يصح في قتله شئ وأصل دم المسلم العصمة وليس كل معصية مبيحة للقتل بل معاصي مخصوصة ورد الشرع بها ولا سيما بعد ورود الحصر في حديث "لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث" وليس هذا منها. فالحاصل: أن الديوث من أعظم العصاة مع ما في ذلك من الهجنة المنافية للدين والمروءة وأما أنه يقتل فلا ولا كرامة وأما قتل الباطنية فالحق أنهم مع تسترهم بالكفر لا يحل قتل أحد منهم إلا بعد أن يفعل أو يقول ما هو كفر بدون تأويل ولا سيما والمشهور عنهم أنهم يظهرون لعوامهم الإسلام والصلاح ويوهمونهم أنهم على الحق فإن صح هذا فجميع عوامهم لا يعلمون أنهم على الكفر بل يعتقدون أنه على الحق فهم إلى تعريفهم بالحق أحوج منه إلى القتل فلا يجوز قتل أحد من الباطنية وهم البواهر في أرض الهند إلا بعد أن يظهر منه كفر بواح لأن كلمتهم إسلامية ودعوتهم نبوية وإن كانوا على شفا جرف هار من أمور الدين.

стр. 640

كتاب القصاص وجوب القصاص ... كتاب القصاص ووجوبه بنص الكتاب العزيز ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وبمواتر السنة كحديث "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث" منها ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود وفي مسلم وغيره من حديث عائشة وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفتدي وإما أن يقتل" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "من أصيب بدم أو خبل والخبل الجراح فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص أو يأخذ العقل أو يعفو فإن أراد رابعة فخذوا على يده" وفي إسناده سفيان بن أبي العوجاء السلمي وفيه مقال وفيه أيضا محمد بن إسحق وقد عنعن وقد أخرج البخاري

стр. 641

وغيره من حديث ابن عباس قال: "كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية" فقال الله تعالى لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ الآية ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ قال: فالعفو أن يقبل في العمد الدية والاتباع بالمعروف أن يتبع الطالب بمعروف ويؤدي إليه المطلوب بإحسان ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فيما كتب على من كان قبلكم "ولا خلاف بين أهل الإسلام في وجوب القصاص عند وجود المقتضي وانتفاء المانع "يجب على المكلف المختار" وقد تقدم وجهه العامد لما أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه من حديث عائشة بلفظ "لا يحل قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زان محصن فيرجم ورجل يقتل مسلما متعمدا ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض" وأخرج الترمذي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ "من قتل متعمدا أسلم إلى أولياء المقتول فإن أحبوا قتلوا" الحديث وهو معلوم بالأدلة والإجماع من أهل الإسلام أن القصاص لا يجب إلا مع العمد ولا بد أن يكون عدوانا لأن من قتل عمدا مقتولا يستحق القتل شرعا لم يجب القصاص عليه قلت: عند الشافعي القتل على ثلاثة أنواع: عمد محض وهو أن يقصد قتل إنسان بما يقصد به القتل غالبا سواء كان بمحدد أو مثقل فيجب فيه القصاص عند وجود المكافىء أو الدية مغلظة في مال الجاني حالة والثاني شبه العمد وهو أن يقصد ضربه بما لا يموت مثله من مثل ذلك الضرب غالبا بأن ضربه بعصا خفيفة أو حجر صغير ضربة أو ضربتين فمات فلا يجب فيه القصاص ويجب به الدية مغلظة على عاقلته مؤجلة إلى ثلاث سنين فإن كان المضروب صغيرا أو مريضا يموت منه غالبا أو كان قويا غير أن الضارب والى عليه بالضرب حتى مات يجب القود والثالث الخطأ المحض وهو أن لا يقصد ضربه وإنما قصد غيره فأصابه أو حفر بئرا فتردى فيه إنسان أو نصب شبكة حيث لا يجوز فتعلق بها رجل ومات فلا قود عليه وتجب الدية مخففة على العاقلة في ثلاث سنين ثم القتل ينقسم باعتبار المقتولين إلى أقسام ولكل قسم حكم يخصه إما في القود وإما في الدية وإما فيهما جميعا قتل الحر وقتل العبد وقتل الذكر وقتل الأنثى وقت المسلم وقتل الكفار وقتل الجنين ولا اعتبار لكون المقتول

стр. 642

شريفا أو وضيعا جميلا أو دميما صغيرا أو كبيرا غنيا أو فقيرا وإذا وجب القود على إنسان فترك له شئ من الدم بأن عفا أحد الورثة صار موجبه الدية للآخرين وسيأتي تفصيلها وأما إنكار القصاص في دار الحرب مطلقا فلا وجه له من كتاب ولا سنة ولا قياس صحيح ولا إجماع فإن أحكام الشرع لازمة للمسلمين في أي مكان وجدوا ودار الحرب ليست بناسخة للأحكام الشرعية أو لبعضها فما أوجبه الله تعالى على المسلمين من القصاص ثبت في دار الحرب كما هو ثابت في غيرها مهما وجدنا إلى ذلك سبيلا ولا فرق بين القصاص وثبوت الأرش إلا مجرد الخيار المبني على الهباء فإن كل واحد منهما حق لآدمي محض يجب الحكم له به على خصمه وهو مفوض إلى اختياره وغاية ما ثبت في هذا ما وقع منه ﵌ من وضع الدماء التي وقعت في أيام الجاهلية وليس في هذا تعرض لدماء المسلمين فهي على ما ورد فيها من أحكام الإسلام ولا يرفع شيئا من هذه الأحكام إلا دليل يصلح للنقل وإلا وجب البقاء على الثابت في الشرع من لزوم القصاص ولزوم الأرش "إن اختار ذلك الورثة وإلا فلهم طلب الدية" لما تقدم من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين" "وتقتل المرأة بالرجل والعكس والعبد بالحر والكافر بالمسلم" لما أخرجه مالك والشافعي من حديث عمرو بن حزم "أن النبي ﷺ كتب في كتابه إلى أهل اليمن أن الذكر يقتل بالأنثى" ورواه أبو داود والنسائي من طريق ابن وهب عن يونس عن الزهري مرسلا ورواه النسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي موصولا مطولا من حديث الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده وفي هذا الحديث كلام طويل وقد صححه ابن حبان والحاكم والبيهقي وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير معروف ما فيه عند أهل العلم يستغنى بشهرته عن الإسناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابا أصح من كتاب عمر بن حزم هذا فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز وأما عصره الزهري بالصحة لهذا

стр. 643

الكتاب١ ومما استدل به على ذلك ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس "أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين فقيل لها من فعل بك هذا فلان أو فلان حتى سمي اليهودي فأومأت برأسها فجيء به فاعترف فأمر النبي ﷺ فرضّ رأسه بين حجرين"وقد استوفى الماتن ذلك البحث في شرح المنتقى وإلى ذلك ذهب الجمهور واختلفوا هل تستوفي ورثة الرجل من ورثة المرأة نصف الدية أم لا وقد حكى ابن المنذر الإجماع على قتل الرجل بالمرأة إلا رواية عن علي وعن الحسن وعطاء ورواه البخاري عن أهل العلم هذا في قتل الرجل بالمرأة وأما قتل المرأة بالرجل فالأمر واضح وهكذا قتل العبد بالحر والكافر بالمسلم والفرع بالأصل وليس في ذلك خلاف وأما العكس من هذه الصور الثلاث فقد قيل: إنه يقتل الحر بالعبد وهو محكي عن الحنفية وسعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة والثوري هذا إذا كان العبد مملوكا لغير القاتل وأما إذا كان مملوكا له فقد حكى في البحر الإجماع على أنه يقتل السيد بعبده إلا عن النخعي وهكذا حكى الخلاف عن النخعي وبعض التابعين الترمذي واستدل المثبتون بما أخرجه أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي من حديث الحسن عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل عبده قتلناه ومن جدع٢ عبده جدعناه"وفي إسناده ضعف لأنه من رواية الحسن عن سمرة وفي سماعه منه خلاف مشهور واستدل المانعون بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ وفي الاستدلال بالآية إشكال كالإشكال في استدلال من استدل بقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ واستدلوا أيضا بما أخرجه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقد به وأمره أن يعتق رقبة"وفي إسناده إسمعيل بن عياش ولكنه رواه عن الأوزاعي وهو شامي وإسمعيل قوي في الشاميين وفي إسناده أيضا محمد بن عبد العزيز الشامي وهو ضعيف وأخرج البيهقي وابن عدي من حديث عمر

стр. 644

قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "لا يقاد مملوك من مالكه ولا ولد من والده" وفي إسناده عمر بن عيسى الأسلمي وهو منكر الحديث كما قال البخاري وأخرج الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عباس مرفوعا "لا يقتل حر بعبد" وفي إسناده جويبر وغيره من المتروكين وأخرج البيهقي عن علي قال: "من السنة لا يقتل حر بعبد" وفي إسناده جابر الجعفي وهو متروك وأخرج البيهقي من حديث علي نحو حديث عمرو بن شعيب وفي الباب أحاديث تشهد لهذه وتقويها "لا العكس" أي لا يقتل مؤمن بكافر لحديث علي أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "ألا لا يقتل مؤمن بكافر" وأخرجه أحمد والنسائي وأبو داود والحاكم وصححه وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر وأخرج البخاري وغيره عن علي "أنه قال له أبو جحيفة١: هل عندكم شئ من الوحي ما ليس في القرآن فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهماً يعطيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة قلت: وما في هذه الصحيفة قال: المؤمنون تتكافأ دماؤهم وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر "وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يقتل المسلم بالكافر الحربي وأما بالذمي فذهب إلى ذلك الجمهور وبه قال أبو حنيفة ولم يأت من ذهب إلى قتل المسلم بالذمي بما يصلح للاستدلال به قال مالك: الأمر عندنا أن لا يقتل مسلم بكافر إلا أن يقتله قتل غيلة فيقتل به قلت: وعليه الشافعي إلا أنه أسقط هذا الاستثناء لأن الأحاديث الصحيحة في هذا الباب مثل حديث علي وعبد الله بن عمر ساكتة عنه "والفرع بالأصل لا العكس" أي لا يقتل الأصل بالفرع لحديث "لا يقتل الوالد بالولد" أخرجه الترمذي من حديث عمر وفي إسناده الحجاج بن أرطاة ولكن له طريق أخرى عند أحمد والبيهقي والدارقطني ورجال إسناده ثقات وأخرج نحوه الترمذي أيضا من حديث سراقة وفي إسنادها ضعف وأخرج أيضا من حديث ابن عباس وقد أجمع أهل العلم على ذلك لم يخالف فيه إلا البتي ورواية عن مالك "ويثبت القصاص في الأعضاء ونحوها والجروح مع الإمكان"

стр. 645

لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وهي وإن كانت حكاية عن بني إسرائيل فقد قرر ذلك النبي ﷺ كما في حديث أنس في الصحيحين وغيرهما "أن الربيع كسرت ثنية جارية فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص" وأما تقييد ذلك بالإمكان فلكون بعض الجروح قد يتعذر الاقتصاص فيها كعدم إمكان الاقتصار على مثل ما في المجني عليه وخطاب الشرع محمول على الإمكان من دون مجاوزة للمقدار الكائن في الجني عليه فإذا كان لا يمكن بمجاوزة للمقدار أو بمخاطرة وإضرار فالأدلة الدالة عليى تحريم دم المسلم وتحرم الإضرار به بما هو خارج عن القصاص مخصصة لدليل الاقتصاص قلت: إن كل طرف له مفصل معلوم فقطعه ظالم من مفصله من إنسان اقتص منه كالإصبع يقطعها من أصلها أو اليد يقطعها من الكوع أو من المرفق أو الرجل يقطعها من المفصل يقتص منه وكذلك لو قلع سنه أو قطع أنفه أو أذنه أو فقأ عينه أو جب ذكره أو قطع أنثييه يقتص منه وكذلك لو شجه موضحة١ في رأسه أو وجهه يقتص منه ولو جرح رأسه دون الموضحة أو جرح موضعا آخر من بدنه أو هشم العظم فلا قود فيه لأنه لا يمكن مراعاة المماثلة فيه وكذلك لو قطع يده من نصف الساعد فليس له أن يقطع يده من ذلك الموضع وله أن يقتص من الكوع ويأخذ حكومة لنصف الساعد وعلى هذا أكثر أهل العلم في الجملة وفي التفاصيل لهم اختلاف "ويسقط بإبراء أحد الورثة ويلزن نصيب الآخرين من الدية" لما تقدم من كونه أمر القصاص والدية إلى الورثة وأنهم بخير النظرين فإذا أبرؤا من القصاص سقط وإن أبرأ أحدهم سقط لأنه لا تبعض ويستوفي الورثة نصيبهم من الدية وأخرج أبو داود والنسائي من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "وعلى المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة" وأراد بالمقتتلين أولياء المقتول وينحجزوا أي ينكفوا عن القود بعفو أحدهم ولو كانت امرأة وقوله: "الأول فالأول" أي الأقرب فالأقرب هكذا فسر الحديث أبو داود وفي إسناده حصن بن عبد الرحمن ويقال ابن محصن أبو حذيفة

стр. 646

الدمشقي قال أبو حاتم الرازي: لا أعلم من روى عنه غير الأوزاعي ولا أعلم أحد نسبه١ وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رسول الله ﷺ قضى أن يعقل٢ عن المرأة عصبتها من كانوا ولا يرثون منها إلا ما فضل عن ورثتها وإن قتلت فعقلها بين ورثتها وهو يقتلون قاتلها" وفي إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي وقد وثقه غير واحد وتكلم فيه غير واحد فقوله: "وهم يقتلون قاتلها" يفيد أن ذلك حق لهم يسقط بإسقاطهم أو إسقاط بعضهم وقد ذهب إلى ذلك الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه "فإذا كان فيهم صغير ينتظر في القصاص بلوغه" دليله ما قدمنا من أن ذلك حق لجميع الورثة ولا اختيار للصبي قبل بلوغه٣" ويهدر ما سببه من المجني عليه" لحديث عمران بن حصين في الصحيحين وغيرهما "أن رجلا عض يد رجل فنزع يده من فيه فوقعت ثنيتاه فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال "يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل لا دية لك" وفيهما أيضا من حديث يعلى بن أمية٤ وإلى ذلك ذهب الجمهور" وإذا أمسك رجل وقتل آخر قتل القاتل وحبس الممسك" لحديث ابن عمر عند الدارقطني عن النبي ﷺ قال: "إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك" وهو من طريق الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر ورواه معمر وغيره عن اسمعيل قال الدارقطني والإرسال أكثر وأخرجه أيضا البيهقي ورجح المرسل وقال أنه موصول غير محفوظ قال ابن حجر ورجاله ثقات وصححه ابن القطان وأخرج الشافعي عن علي "أنه قضى في رجل قتل رجلا متعمدا وأمسكه آخر قال: يقتل القاتل ويحبس الآخر في السجن حتى يموت "وقد ذهب إلى ذلك الحنفية والشافعية ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وبالجملة: فقتل القاتل مندرج تحت الأدلة المثبتة للقصاص وأما حبس الممسك فذلك نوع من التعزير استحقه بسبب إمساكه للمقتول وقد روي

стр. 647

عن النخعي ومالك والليث أنه يقتل الممسك كالمباشر للقتل لأنهما شريكان وفي الموطإ "أن عمر بن الخطاب قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه قتل غيلة وقال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا "قال مالك: الأمر عندنا أنه يقتل في العمد الرجال الأحرار بالرجل الحر الواحد والنساء بالمرأة كذلك والعبيد١ بالعبد كذلك أيضا في المسوى: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم قالوا: إذا اجتمع جماعة على قتل واحد يقتلون به قصاصا اهـ. أقول: إذا اشترك جماعة من الرجال أو الرجال والنساء في قتل رجل عمدا بغير حق قتلوا به كلهم وهذا هو الحق لأن الأدلة القرآنية والحديثية لم تفرق بين كون القاتل واحد اأو جماعة والحكمة التي تشرع القصاص لأجلها وهي حقن الدماء وحفظ النفوس مقتضية لذلك ولم يأت من قال بعدم جواز قتل الجماعة بالواحد بحجة شرعية بل غاية ما استدلوا به على المنع تدقيقات ساقطة ليست من الشرع في قبيل ولا دبير٢ كما فعله الجلال في ضوء النهار والمقبلى وقد نقض الماتن ذلك في أبحاث أجاب بها على بعض علماء العصر واستوفى جميع الحجج وقوله: "قتلوه غيلة "أي حيلة يقال: اغتالني فلان إذا احتال حيلة يتلف بها ماله ويقال الغيلة هي أن يخدعه حتى يخرجه إلى موضع يخفى فيه ثم يقتله "تمالأ عليه أهل صنعاء "أي تعاونوا عليه واجتمعوا إليه قال في الهدي: وعلى أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدا فلا يسقط العفو ولا نعتبر فيه المكافأة وهذا مذهب أهل المدينة وأحد الوجهين في مذهب أحمد اختاره شيخنا وأفتى به اهـ وقال قبل هذا ما لفظه وعلى أن حكم ردء المحاربين حكم مباشرتهم فإنه من المعلوم أن كل واحد منهم يعني العرنيين لم يباشر القتل بنفسه ولا سأل النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن ذلك اهـ. وفي قتل الخطإ الدية والكفارة لنص الكتاب العزيز على ما في النظم القرآني من القيود والتفاصيل وقد وقع الإجماع على وجوب الدية والكفارة في الجملة وإن وقع

стр. 648

الخلاف في بعض الصور كوجوب الكفارة من مال الصغير إذا قتل لأن عمده خطأ والخلاف في وجوب الكفارة من ماله معروف فمن لم يوجبها جعل إيجابها من باب التكليف فقال: لا تجب إلا على مكلف ومن أوجبها جعله من خطاب الوضع وهكذا المجنون والكفارة هي ما ذكر الله سبحانه من تحرير الرقبة وما بعده من الإطعام والصوم وأما الدية فسيأتي بيانها وبيان الخطإ المحض والخطإ الذي هو شبه العمد "وهو ما ليس بعمد أو من صبي أو مجنون" قال مالك في الموطإ: الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا قود بين الصبيان وأن عمدهم خطأ ما لم تجب عليهم الحدود ويبلغوا الحلم وأن قتل الصبي لا يكون إلا خطأ قلت: وعلى هذا أكثر أهل العلم "وهي على العاقلة وهم العصبة" لحديث أبي هريرة في الصحيحين قال: "قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها" وفي لفظ لهما "وقضى بدية المرأة على عاقلتها" وفي مسلم وغيره من حديث جابر قال: "كتب رسول الله ﷺ على كل بطن عقولة١" وأخرج أبو داود وابن ماجه٢ "أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الآخرى ولك واحدة منها زوج وولد فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ زوجها وولدها قال: فقال عاقلة المقتولة ميراثها لنا فقال: رسول الله ﷺ :" ميراثها لزوجها وولدها" وصححه النووي وفي إسناده مجالد وهو ضعيف وقد تقدم حديث عمرو بن شعيب قريبا وفيه "أن النبي ﷺ قضى أن تعقل عن المرأة عصبتها" الحديث وقد أجمع العلماء على ثبوت العقل وإنما اختلفوا في التفاصيل وفي مقدار ما يلزم كل واحد من العاقلة أقول: الأدلة قد وردت بما يستفاد منه أن القبيلة تعقل عن الجاني منها وأن البطن يعقل عن الجاني منه والقرابة يعقلون عن القريب الجاني ولا منافاة بين هذه الأحاديث بل يجمع بينها بأن القرابة إذا قدروا على تسليم ما لزم فهم أخص من غيرهم وإن احتاج اللازم إلى زيادة عليهم ولم يقدروا على الوفاء لزم البطن ثم القبيلة وبمجموع ما ورد في العقل يرد على من قال إنه غير ثابت في الشريعة مستدلا بمثل

стр. 649

قوله تعالي: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وبمثل قوله ﷺ : "لا يجني جان إلا على نفسه" لأن أدلة العقل أخص مطلقا فالعمل بها واجب والظاهر أن العقل لازم في كل جنايات الخطإ من غير فرق بين الموضحة وما دونها وما فوقها.

стр. 650

كتاب الديات الأصل في الدية أنها تجب أن تكون مالا عظيما يغلبهم وينقص من مالهم ويجدون له ألما عندهم ويكون بحيث يؤدونه بعد مقاساة الضيق ليحصل الزجر وهذا القدر يختلف باختلاف الأشخاص "ودية الرجل المسلم مائة من الإبل أو مائتا بقرة أو ألف شاة أو ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم أو مائتا حلة" تقدير الدية بذلك لحديث عطاء بن أبي رباح عن النبي ﷺ وفي رواية عطاء عن جابر عن النبي صلى عليه وسلم قال: "فرض رسول الله ﷺ في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة" رواه أبو داود مسندا ومرسلا وفيه عنعنة محمد بن إسحق وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "قضى رسول الله ﷺ أن من كان عقله في البقر على أهل البقر مائتي بقرة ومن كان عقله في الشاء ألفي شاة" وفي إسناده محمد بن راشد الدمشقي المحكولي وقد تكلم فيه غير واحد ووثقه جماعة وفي حديث عمرو بن حزم "أن في النفس الدية مائة من الإبل" وهو حديث صحيح قد تقدم تخريجه في قتل الرجل بالمرأة وفيه أيضا "وعلى أهل الذهب ألف دينار" وأخرج أبو داود من حديث ابن عباس "أن رجلا من بني عدي قتل فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفا" وأخرجه الترمذي مرفوعا ومرسلا وأخرج أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار أو ثمانية آلالف درهم ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين قال: فكان كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال: ألا إن الإبل قد غلت قال ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل

стр. 651

الورق اثني عشر ألف درهم وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة" ولا يخفى أن هذا لا يعارض ما تقدم فقد وقع التصريح فيه برفع ذلك إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد اختلف أهل العلم في مقادير الدية والحق ما ثبت من تقدير الشارع كما ذكرناه وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم "قال مالك: فأهل الذهب أهل الشام وأهل مصر وأهل الورق أهل العراق قلت: عليه مالك وهو القول القديم للشافعي إلا أنه قال يقدر بتقدير عمر بن الخطاب عند إعواز الإبل والإبل هي الأصل في باب الديات ثم رجع وقال: الأصل فيها الإبل فإذا أعوزت تجب قيمتها بالغة ما بلغت وتأول حديث عمر على أن قيمة الإبل كانت قد بلغت في زمانه اثني عشر ألف درهم أو ألف دينار لحديث عمرو بن شعيب المتقدم وقال أبو حنيفة: الدية مائة من الإبل أو ألف دينار أوعشرة آلاف درهم وقال صاحباه: على أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل الذهب والورق ألف دينار أوعشرة آلاف درهم وعلى أهل البقر مائتا بقرة وعلى أهل الشاء ألفا شاة وعلى أهل الحلل ألف حلة "وتغلظ دية العمد وشبهه" واتفقوا على أن التغليظ لا يعتبر إلا في الإبل دون الذهب والورق أقول: قد اختلفت الأحاديث في الديات تغليظا وتخفيفا ولكل قسم فالدية المغلظة في الخطأ الذي هو شبه العمد والدية المخففة في الخطأ المحض والأحاديث مصرحة بذلك فليرجع إليها والمذاهب مختلفة وليس الحجة إلا في الدليل لا في القال والقليل "بأن يكون المائة من الإبل في بطون أربعين منها أولادها" لحديث عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن النبي ﷺ خطب يوم فتح مكة فقال: "ألا وإن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر فيه دية مغلظة مائة من الإبل منها أربعون ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة١"أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبخاري في تاريخه وساق اختلاف الرواة فيه وأخرجه أيضا

стр. 652

الدارقطني وأخرج أحمد وأبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "عقل شبه العمد مغلظ كعقل العمد ولا يقتل صاحبه وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس فتكون دماء في غير ضغينة ولا حمل سلاح" وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبخاري في التاريخ والدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط أو العصا فيه مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها" وصححه ابن حبان وابن القطان وأخرج هذا الحديث من تقدم ذكره من حديث ابن عمر وفي الباب أحاديث وقد ذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن القتل على ثلاثة أضرب: عمد خطأ وشبه عمد ففي العمد القصاص وفي الخطأ الدية وفي شبه العمد وهو ما كان بما مثله لا يقتل في العادة كالعصا والسوط والإبرة مع كونه قاصدا للقتل دية مغلظة وهي مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها وممن ذهب إلى هذا زيد بن علي والشافعية والحنفية وأحمد وإسحق وقال مالك والليث: إن القتل ضربان: عمد وخطأ فالخطأ ما وقع بسبب من الأسباب أو غير مكلف أو غير قاصد للمقتول ونحوه أو للقتل بما مثله لا يقتل في العادة والعمد ما عداه والأول لا قود فيه وقد حكى صاحب البحر الإجماع على هذا مع كون مذهب الجمهور على خلافه "ودية الذمي نصف دية المسلم" لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "عقل الكافر نصف دية المسلم" أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه وابن الجارود وصححه وأخرجه أيضا ابن ماجه بنحوه وأخرج ابن حزم من حديث عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: "دية المجوسي ثمانمائة درهم" وأخرجه أيضا الطحاوي والبيهقي وابن عدي وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف وأخرج الشافعي والدارقطني والبيهقي عن سعيد بن المسبب قال: كان عمر يجعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف ودية المجوسي ثمانمائة "وقد ذهب إلى كون دية الذمي نصف دية المسلم مالك وقال الشافعي: إن دية الكافر أربعة آلاف درهم كذا روي عنه والذي في منهاج النووي أن دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم" قال شارحه المحلي: إنه قال بذلك عمر وعثمان

стр. 653

وابن مسعود وحكى في البحر عن زيد بن علي وأبي حنيفة أن دية المجوسي كالذمي وذهب الثوري والزهري وزيد بن علي وأبو حنيفة إلى أن دية الذمي كذية المسلم وروي عن أحمد أن ديته مثل دية المسلم إن قتل عمدا وإلا فنصف الدية احتج القائلون بتنصيف دية الذمي بالنسبة إلى دية المسلم بما تقدم واحتج القائلون بأنها كدية المسلم بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ويجاب بأن هذا الإطلاق مقيد بما ثبت عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من كونها على النصف من دية المسلم وعند الترمذي "عقل الكافر نصف عقل المؤمن" "قال ابن القيم: هذا حديث حسن يصحح مثله أكثر أهل الحديث وعند أبي داود "كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﵌ ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلم فلما كان عمر رفع دية المسلمين وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما من الدية" انتهى "ودية المرأة نصف دية الرجل والأطراف وغيرها كذلك في الزائد على الثلث" لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديته" أخرجه النسائي والدارقطني وصححه ابن خزيمة وأخرج البيهقي من حديث معاذ عن النبي ﷺ قال: "دية المرأة نصف دية الرجل" قال البيهقي: إسناده لا يثبت مثله وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن علي أنه قال: "دية المرأة على النصف من دية الرجل في الكل" وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة عن عمر وقد أفاد الحديث المذكور أن دية المرأة على النصف من دية الرجل وأن أرشها١ إلى الثلث من الدية مثل أرش الرجل وقد وقع الخلاف في ذلك بين السلف والخلف وأخرج مالك في الموطأ والبيهقي عن ربيعة بن عبد الرحمن أنه قال: سألت سعيد بن المسيب كم في أصبع المرأة قال: عشر من الإبل قلت: فكم في إصبعين قال: عشرون من الإبل قلت: فكم في ثلاث أصابع قال: ثلاثون من الإبل قلت: فكم في أربع قال: عشرون من الإبل قلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها قال سعيد: أعراقي أنت؟ قلت: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم قال:

стр. 654

هي السنة يا ابن أخي. "وتجب الدية كاملة في العينين والشفتين واليدين والرجلين والبيضتين وفي الواحدة منها نصفها وكذلك تجب كاملة في الأنف واللسان والذكر والصلب وأرش المأمومة والجائفة ثلث دية المجني عليه وفي المنقلة عشر الدية ونصف الدية ونصف عشرها وفي الهاشمة١ عشرها وفي كل سن نصف عشرها وكذا في الموضحة" لحديث عمرو بن حزم الذي تقدم تخريجه وتصحيحه وفيه "أن في الأنف إذا أوعب جدعة الدية وفي اللسان الدية وفي الشفتين الدية وفي البيضتين الدية وفي الذكر الدية وفي الصلب الدية وفي العينين الدية وفي الرِّجل الواحدة نصف الدية وفي المأمومة ثلث الدية وفي الجائفة ثلث الدية وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل وفي السن خمس من الإبل وفي الموضحة خمس من الإبل "وأخرج أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده"أن رسول الله ﷺ قضى في الأنف إذا جدع كله بالعقل كاملا وإذا جدعت أرنبته فنصف العقل وقضى في العين نصف العقل والرّجل نصف العقل واليد نصف العقل والمأمومة ثلث العقل والمنقلة خمسة عشر من الإبل" وقد أخرجه أبو داود وابن ماجه بدون ذكر العين والمنقلة وفي إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي وقد تكلم فيه جماعة ووثقه جماعة٢ وأخرج الترمذي وصححه من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "دية أصابع اليدين والرجلين سواء عشر من الإبل لكل أصبع" وأخرج نحوه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان من حديث أبي موسى وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "في كل أصبع عشر من الإبل وفي كل سن خمس من الإبل والأصابع سواء والأسنان سواء" وأخرج أحمد وأهل السنن وابن خزيمة وابن الجارود وصححاه من حديث عمرو بن شعيب أيضا عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "في المواضح خمس من الإبل" وفي البخاري وغيره من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله تعالى عليه

стр. 655

وآله وسلم قال: "هذه وهذه يعني الخنصر والإبهام سواء" وأخرج أبو داود وابن ماجه من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الأسنان سواء الثنية والضرس سواء" والمراد بالمأمومة الجناية التي بلغت أم الدماغ أو الجلدة الرقيقة التي عليه وإلى إيجاب ثلث الدية فيها ذهب علي وعمر والحنفية والشافعية والمراد بالجائفة الجناية التي تبلغ الجوف وإلى إيجاب ثلث الدية فيها ذهب الجمهور والمراد بالمنقلة الجناية التي تنقل العظام عن أماكنها وقد ذهب إلى إيجاب خمسة عشر ناقة فيها علي وزيد بن ثابت والشافعية والحنفية والمراد بالهاشمة التي تهشم العظم وقد أخرج الدارقطني والبيهقي وعبد الرزاق من حديث زيد بن ثابت "أن النبي ﷺ أوجب في الهاشمة عشرا من الإبل" وقد قيل: إنه موقوف لكن لذلك حكم الرفع في المقادير والمراد بالموضحة التي تبلغ العظم ولا تهشم وقد اختلف في المنقلة والهاشمة والموضحة هل هذا الأرش هو بالنسبة إلى الرأس فقط أم الرأس وغيره والظاهر أن عدم الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقام كما تقرر في الأصول" وما عدا هذه المسماة فيكون أرشه بمقدار نسبته إلى أحدها تقريبا لأن الجناية قد لزم أرشها بلا شك إذ لا يهدر دم المجني عليه بدون سبب ومع عدم ورود الشرع بتقدير الأرش لم يبق إلا التقدير بالقياس على تقدير الشارع وبيان ذلك أن الموضحة إذا كان أرشها نصف عشر الدية كما ثبت عن الشارع نظرنا إلى ما هو دون الموضحة من الجنايات فإن أخذت الجناية نصف اللحم وبقي نصفه إلى العظم كان أرش هذه الجناية نصف أرش الموضحة وإن أخذت ثلثه كان الأرش ثلث أرش الموضحة ثم هكذا وكذلك إذا كان المأخوذ بعض الأصبع كان أرشه بنسبة ما أخذ من الأصبع إلى جميعها فأرش نصف الأصبع نصف عشر الدية ثم كذلك وهكذا الأسنان إذا ذهب نصف السن كان أرشه نصف أرش السن ويسلك هذا في الأمور التي تلزم فيها الدية كاملة كالأنف فإذا كان الذاهب نصفه ففيه نصف الدية والذكر ونحو ذلك فهذا أقرب المسالك إلى الحق ومطابقة العدل وموافقة الشرع. أقول: اعلم أن كل جناية فيها أرش مقدر من الشارع كالجنايات التي في حديث عمرو بن حزم الطويل وفي غيره مما ورد في معناه فالواجب الاقتصار في المقدار على الوارد في النص وكل جناية ليس فيها أرش

стр. 656

من الشارع بل ورد تقدير أرشها عن صحابي أو تابعي أو من بعدهما فليس في ذلك حجة على أحد بل المرجع في ذلك نظر المجتهد وعليه أن ينظر في مقدار نسبتها من نسبة الجناية التي ورد فيها أرش مقدر من الشارع فإذا غلب في طنه مقدار النسبة جعل لها من الأرش مقدار نسبتها مثلا الموضحة ورد في الشرع تقدير أرشها فإذا كانت الجناية دون الموضحة كالسِّمحاق والمتلاحمة والباضعة والدامية١ فعليه أن ينظر مثلا مقدار ما بقي من اللحم إلى العظم فإن وجده مقدار الخمس والجناية قد قطعت من اللحم أربعة أخماس جعل في الجناية أربعا من الإبل أو أربعين مثقالا لأن مجموع أرش الموضحة خمس من الإبل أو خمسون مثقالا وإن وجد الباقي من اللحم ثلثا جعل أرش الجناية بمقدار الثلثين من أرش الموضحة ثم كذلك إذا بقي النصف أو الربع أو الخمس أو العشر وهكذا في سائر الجنايات التي لم يرد تقدير أرشها فإنه ينبغي النسبة بينها وبين ما ورد تقدير أرشه من جنسها وحينئذ لا يحتاج الحاكم العالم إلى تقليد غيره من المجتهد كائنا من كان ولا يبقى تقسيم للجناية إلى ما يجب فيه أرش مقدر وما تجب فيه حكومة "وفي الجنين إذا خرج ميتا الغرة" لحديث أبي هريرة في الصحيحين "أن رسول الله ﷺ قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة" وهو ثابت في الصحيحين بنحو هذا من حديث المغيرة ومحمد بن مسلمة والغرة بضم المعجمة وتشديد الراء أصلها البياض في وجه الفرس وهنا هي٢ العبد أو الأمة كأنه عبر بالغرة عن الجسم كله وأما إذا خرج الجنين حيا ثم مات من الجناية ففيه الدية أو القود وهذا إنما هو في الجنين الحر والخلاف في الغرة طويل قد استوفاه الماتن في شرح المنتقى "وفي العبد قميته وأرشه بحسبها" لاخلاف في ذلك وإنما اختلفوا إذا جاوزت قيمته دية الحر هل تلزم الزيادة أم لا؟ والأولى اللزوم وأرش الجناية عليه منسوب من قيمته فما كان فيه في الحر نصف الدية أو ثلثها أو عشرها أو نحو ذلك ففيه في العبد نصف القيمة أو ثلثها أو عشرها أو نحو ذلك أقول: وجه

стр. 657

قول من قال إنها تجب قيمة العبد وإن جاوزت دية الحر أن العبد عين من الأعيان التي يصح تملكها فكما يجب على متلف العين قيمتها وإن جاوزت دية الحر كذلك يجب على متلف العبد ووجه قول من قال إنه لا يلزم ما زاد على دية الحر أن العبد من نوع الإنسان وهو دون الحر في جميع الصفات المعتبرة فغاية ما ينتهي إليه أن يكون إنسانا حرا في الكمال فتجب فيه الدية وأما الزيادة على ذلك فلا لأن دية الحر هي نهاية ما يجب في الفرد من هذا النوع الإنساني والأول أرجح من حيث الرأي وأما من طريق الرواية فلم يصح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك شئ وقد روي عن علي مثل القول الأول وروي عنه مثل القول الثاني وأما الدابة إذا قتلها قاتل ففيها قيمتها وإذا جنى عليها كان الأرش مقدار نقص قيمتها بالجناية وهذا وإن لم يقم عليه دليل بخصوصه فهو معلوم من الأدلة الكلية لأن العبد وسائر الدواب من جملة ما يملكه الناس فمن أتلفه كان الواجب عليه قيمته ومن جنى عليه جناية تنقصه كان الواجب عليه أرش النقص كما لو جنى على عين مملوكة من غير الحيوانات وكان الأولى أن يكون المملوك كسائر الدواب يجب في الجناية عليه نقص القيمة *

стр. 658

" باب القسامة " صورة القسامة أن يوجد قتيل وادعى وليه على رجل أو على جماعة وعليهم لوث ظاهر واللوث ما يغلب على القلب صدق المدعي بأن وجد فيما بين قوم أعداء لا يخالطهم غيرهم كقتيل خيبر وجد بينهم والعداوة بين الأنصار وبين أهل خيبر ظاهرة أو اجتمع جماعة في بيت أو صحراء وتفرقوا عن قتيل أو وجد في ناحية قتيل وثم رجل مختضب بدمه أو يشهد عدل واحد على أن فلانا قتله أو قاله جماعة من العبيد والنسوان جاؤا متفرقين بحيث يؤمن تواطؤهم١ ونحو ذلك من أنواع الموت فيبدأ بيمين المدعي فيحلف خمسين يمينا ويستحق دعواه فإن نكل المدعي عن

стр. 659

اليمين ردت إلى المدعى عليه فيحلف خمسين يمينا على نفي القتل ويجب بها الدية المغلظة فإن لم يكن لوث فالقول قول المدعى عليه مع يمينه كما في سائر الدعاوى ثم يحلف يمينا واحدا أو خمسين يمينا قولان: أصحهما الأول فإن كان المدعون جماعة توزع الأيمان عليهم على قدر مواريثهم على أصح القولين ويجبر الكسر والقول الثاني كل واحد منهم خمسين يمينا وإن كان المدعى عليهم جماعة ووزع على عدد رؤسهم على أصح القولين إن كان الدعوى في الأطراف سواء كان اللوث أو لم يكن فالقول قول المدعى عليه مع يمينه هذا كله بيان مذهب الشافعي وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يبدأ بيمين المدعي بل يحلف المدعى عليه وقال إذا وجد قتيل في محلة يختار الإمام خمسين رجلا من صلحاء أهلها ويحلفهم على أنهم ما قتلوه ولا عرفوا له قاتلا ثم يأخذ الدية من أرباب الخطة فإن لم يعرفوا فمن سكانها أقول: اعلم أن هذا الباب قد وقع فيه لكثير من أهل العلم مسائل عاطلة عن الدلائل ولم يثبت في حديث صحيح ولا حسن قط ما يقتضي الجمع بين الأيمان والدية بل بعض الأحاديث مصرح بوجوب الأيمان فقط وبعضها مصرح بوجوب الدية فقط والحاصل: أنه قد كثر الخبط والخلط في هذا الباب إلى غاية ولم يتعبدنا الله بإثبات الأحكام العاطلة عن الدلائل ولا سيما إذا خالفت ما هو شرع ثابت وكانت تستلزم أخذ المال الذي هو معصوم إلا بحقه ولهذا ذهب جماعة من السلف منهم أبو قلابة وسالم بن عبد الله والحكم بن عتيبة وقتادة وسليمان بن يسار وإبراهيم بن علية ومسلم بن خالد وعمر بن عبد العزيز إلى أن القسامة غير ثابتة لمخالفتها لأصول الشريعة من وجوه قد ذكرها الماتن ﵀ في شرح المنتقى وذكر ما أجيب به عنها من طريق الجمهور فليراجع "إذا كان القاتل من جماعة محصورين ثبتت وهي خمسون يمينا" لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "فتبرئكم اليهود بخمسين يمينا" وهو في الصحيحين من حديث سهل بن أبي حثمة "يختارهم ولي القتيل والدية إن نكلوا عليهم وإن حلفوا سقطت" لما أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجل من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم

стр. 660

"أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية" وقد ثبت أنهم في الجاهلية كانوا يخيرون المدعى عليهم بين أن يحلفوا خمسين يمينا أو يسلموا الدية كما في القسامة التي كانت في بني هاشم كما أخرجه البخاري والنسائي من حديث ابن عباس وهي قصة طويلة وفيها "أن القاتل كان معينا وأن أبا طالب قال له اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله فإن أبيت قتلناك به فأتى قومه فأخبرهم فقالوا: نحلف فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم كانت قد ولدت منه فقالت يا أبا طالب: أحب أن تجيز ابني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر١ يمينه حيث تصبر الأيمان ففعل فأتاه رجل منهم فقال يا أبا طالب: أردت خمسين رجلا أن يحلفوا مكان الإبل فيصيب كل رجل منهم بعيران هذان البعيران فاقبلهما مني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان فقبلهما وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية والأربعين عين تطرف" "وإن التبس الأمر كانت من بيت المال" لحديث سهل بن أبي حثمة قال: "انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر وهي يومئذ صلح فتفرقا فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا فدفنه ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل وحيصة وحويصة أبناء مسعود إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال "كبر كبر وهو أحدث القوم فسكت فتكلما فقال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم فقالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر قال: فتبرئكم اليهود بخمسين يمينا فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار فعقله النبي ﷺ من عنده" وهو في الصحيحين وغيرهما وفي لفظ "فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة" وقد اختلف أهل العلم في كيفية القسامة اختلافا كثيرا وما ذكره الماتن هو أقرب إلى الحق وأوفق لقواعد الشريعة المطهرة وقد وقع في رواية من حديث سهل المذكور أن النبي ﷺ قال: "تقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع

стр. 661

برمته فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف" وقد أخرج أحمد والبيهقي عن أبي سعيد قال: "وجد رسول الله ﷺ قتيلا بين قريتين فأمر رسول الله ﷺ فذرع ما بينهما فوجد أقرب إلى أحد الجانبين بشبر فألقى ديته عليهم" قال البيهقي تفرد به أبو إسرائيل عن عطية ولا يحتج بهما وقال العقيلي هذا الحديث ليس له أصل وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عن الشعبي "أن قتيلا وجد بين وداعة وشاكر فأمرهم عمر بن الخطاب أن يقيسوا ما بينهما فوجدوه إلى وادعة أقرب فأحلفهم خمسين يمينا كل رجل ما قتلته ولا علمت قاتلا ثم أغرمهم الدية فقالوا: يا أمير المؤمنين لا أيماننا دفعت عن أموالنا ولا أموالنا دفعت عن أيماننا فقال عمر: كذلك الحق" وأخرج نحوه الدارقطني والبيهقي عند سعيد بن المسيب وفيه "أن عمر قال: إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم ﷺ " قال البيهقي: رفعه إلى النبي ﷺ منكر وفيه عمر بن صبيح١ أجمعوا على تركه وقال الشافعي: ليس بثابت إنما رواه الشعبي عن الحرث الأعور وهذا لا تقوم به حجة لضعف إسناده على فرض رفعه وأما مع عدم الرفع فليس في ذلك حجة سواء ورد بإسناد صحيح أو غير صحيح والرجوع إلى قسامة الجاهلية التي قررها النبي ﷺ هو الصواب وقد تقدم ذكرها وقد أخرج أبو داود من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجل من الأنصار أن النبي ﷺ قال لليهود: "وبدأ بهم يحلف منكم خمسون رجلا فأبوا فقال للأنصار: استحقوا فقالوا: نحلف على الغيب يا رسول الله فجعلها رسول الله ﷺ دية على اليهود لأنه وجد بين أظهرهم" وهذا إذا صح لا يخالف ما ذكرناه من وجوب الدية على المتهمين إذا لم يحلفوا ولكنه مخالف لما ثبت في الصحيحين إن كانت هذه القصة هي تلك القصة وقد قال بعض أهل العلم إن هذا الحديث ضعيف لا يلتفت إليه

стр. 662

كتاب الوصية على من تجب الوصية ... كتاب الوصية "تجب على من له ما يوصي فيه" لحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: "ما حق امريء مسلم يبيت ليلتين وله شئ يريد أن يوشي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه" وقد ذهب إلى الوجوب عطاء والزهري وأبو مجاز وطلحة بن مصرف وآخرون وحكاه البيهقي عن الشافعي في القديم وبه قال اسحق وداود وأبو عوانة وابن جرير وذهب الجمهور إلى أن الوصية مندوبة وليست بواجبة ويجاب عنه بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ونسخ وجوبها للوالدين والأقربين لا يستلزم نسخ وجوبها في غير ذلك ويجاب عنه أيضا بحديث الباب فإنه يفيد الوجوب قال في المسوى: وعليه أهل العلم قال محمد: وبهذا نأخذ هذا حسن جميل قال النووي: قال الشافعي معنى الحديث الجزم والاحتياط وأن المستحب تعجيل الوصية وأن يكتبها في صحته "ولا تصح ضرار" لحديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار" ثم قرأ أبو هريرة ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ "أخرجه أبو داود والترمذي وأخرج أحمد وابن ماجه معناه وقالا: فيه "سبعين سنة "وقد حسنه الترمذي وفي إسناده شهر بن حوشب وفيه مقال وقد وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأخرج ابن منصور موقوفا بإسناد صحيح عن ابن عباس "الإضرار في الوصية من الكبائر" وأخرجه النسائي مرفوعا بإسناد رجاله ثقات والآية الكريمة مغنية عن غيرها ففيها تقييد الوصية المأذون بها بعدم الضرار وقد روى جماعة من الأئمة الإجماع على بطلان وصية الضرار والحاصل: أن وصية الضرار ممنوعة بالكتاب والسنة ومن جملة أنواع الضرار تفضيل بعض الورثة على بعض فإن النبي ﷺ سمى ذلك جورا كما في حديث النعمان بن بشير الصحيح ومن جملتها أن تكون لإخراج المال مضارة للورثة فإن من

стр. 663

أوصى بماله أو بجزء منه لقربة من القرب مريدا بذلك إحرام الورثة جميع ميراثهم أو بعضه فوصيته باطلة لأنه مضار وظاهر الأدلة أنه لا ينفذ من وصية الضرار شئ سواء كانت بالثلث أو بما دونه أو بما فوقه بل هي رد على فاعلها فتكون أحاديث الإذن بالثلث مقيدة بعد الضرار وقد جمع الماتن ﵀ في هذا رسالة مختصرة "ولا" تصح "لوارث" لحديث عمرو بن خارجة "أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" أخرجه أحمد وابن ماجة والنسائي والترمذي والدارقطني والبيقهي وصححه الترمذي وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث أبي أمامة وفي إسناده إسمعيل بن عياش وهو قوي إذا روى عن الشاميين وهذا الحديث من روايته عنهم لأنه رواه عن شرحبيل بن مسلم وهو شامي ثقة وقد حسنه الحافظ أيضا وأخرجه أيضا الدارقطني من حديث ابن عباس قال ابن حجر: رجاله ثقات ولفظه "لا تجوز وصية لوارث إلا أن تشاء الورثة" وأخرج الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي ﷺ قال: "لا وصية لوارث إلا أن تجيز الورثة" قال في التلخيص: إسناده واه وفي الباب عن أنس عند ابن ماجه وعن جابر عند الدارقطني وعن علي عنده أيضا وقد قال الشافعي: إن هذا المتن متواتر فقال: وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي ﷺ قال عام الفتح: "لا وصية لوراث" ويأثرونه عمن حفظوه عنه ممن لقوه من أهل العلم فكان نقل كافة عن كافة فهو أقوى من نقل واحد انتهى فيكون هذا الحديث مقيدا لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا﴾ وقد ذهب إلى ذلك الجمهور قال مالك في الموطأ: السنة الثابتة عندنا التي لا اختلاف فيها أنه لا يجوز وصية لوارث إلا أن يجيز له ذلك ورثة الميت قلت: وعليه أهل العلم "ولا" تصح "في معصية" لحديث أبي الدرداء عند أحمد والدارقطني عن النبي ﷺ قال: "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم ليجعلها لكم زيادة في أعمالكم" وأخرجه ابن ماجه والبزار والبيهقي من حديث أبي هريرة وفي إسناده ضعف وأخرجه أيضا الدارقطني والبيهقي من حديث أبي أمامة وإسناده ضعيف وأخرجه العقيلي في الضعفاء

стр. 664

من حديث أبي بكر الصديق وفيه متروك وأخرج ابن السكن وابن قانع وأبو نعيم والطبراني من حديث خالد بن عبد الله السلمي وهو مختلف في صحبته وهي تنتهض بمجموعها وقد دلت على أن الإذن بالوصية بالثلث إنما هو لزيادة الحسنات والوصية في المعصية معصية قد نهى الله عباده عن معاصيه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ فلو لم يرد ما يدل على تقييد الوصية بغير المعصية لكانت الأدلة الدالة على المنع من معصية الله مفيدة للمنع من الوصية في المعصية "وهي في القرب من الثلث" لحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما قال: "لو أن الناس غضوا من الثلث فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "الثلث والثلث كثير" ومثله حديث سعد بن أبي وقاص "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال له: "الثلث والثلث كثير أو كبير لما قال: أتصدق بثلثي مالي قال: لا قال: فالشطر قال: لا قال: فالثلث قال: الثلث والثلث كثير أو كبير لما قال: أتصدق بثلثي مالي قال: لا قال: فالشطر قلا: لا: فالثلث قال: الثلث والثلث كثير أو كبير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" وهو في الصحيحين وغيرهما وقد ذهب الجمهور إلى المنع من الزيادة على الثلث ولو لم يكن للموصي وارث وجوز الزيادة مع عدم الوارث الحنفية واسحق وشريك وأحمد في رواية وهو قول علي وابن مسعود واحتجوا بأن الوصية مطلقة في الآية فقيدتها السنة بمن له وارث فبقي من لا وارث له على الإطلاق وقد أخرج أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي زيد الأنصاري "أن رجلا أعتق ستة أعبد عند موته ليس له مال غيرهم فأقرع بينهم رسول الله ﷺ فأعتق اثنين وأرق أربعة" وفي لفظ لأبي داود أنه قال ﷺ "لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين" وقد أخرج الحديث مسلم وغيره من حديث عمران بن حصين وفي لفظ لأحمد "أنه جاء ورثته من الأعراب فأخبروا رسول الله صلى اله عليه وسلم بما صنع فقال أو فعل ذلك! لو علمنا إن شاء الله ما صلينا عليه" اعلم أن الثلث المأذون به لكل واحد باعتبار ما يفعله الميت لنفسه من القرب المقربة التي لم تكن قد وجبت عليه بإيجاب الله تعالى فما كان من هذا القبيل فهو من الثلث المأذون به وأما ما كان قد تقدم له وجوب على الميت سواء كان حقا لله كالزكارة والكفارات التي يعتقد الميت وجوبها والحج أو حق الآدمي كالديون فإنه يجب إخراجه من رأس المال قبل كل شئ

стр. 665

ولا وجه للتفصيل الذي ذكروه بين ما يتعلق بالمال ابتداء وما يتعلق به انتهاء فإن ذلك لا تأثير له أصلا فالحاصل: أن الميت إذا مات وجب إخراج ما قد وجب عليه من حقوق الله وحقوق الآدميين من رأس تركته ثم ينظر فيما بقي فإن كان الميت قد أوصى بقرب لم يتقدم لها وجوب عليه بل أراد التقرب بها وجب إخراجها من ثلث الباقي لأن الله سبحانه قد أذن له أن يتصرف بثلث ماله كيف شاء بشرط عدم الضرار كتفضيل بعض الورثة على بعض أو إخراج المال عنه لا لمقصد ديني بل لمجرد إحرامهم ثم ينظر في تلك القرب التي جعلها الميت لنفسه عند الموت فإن استغرقت ثلث الباقي من دون زيادة ولا نقصان فإنفاذها واجب وإن زادت لم ينفذ الزائد إلا بإذن من الورثة فإذا أذنوا فقد رضوا على أنفسهم بخروج جزء مما يملكونه سواء كان قليلا أو كثيرا وإن نقصت عن استغراق الثلث كان الفاضل من الثلث للورثة فهذا هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه وأما جعل بعض حقوق الله الواجبة من الثلث وبعضها من رأس المال فلا أصل لذلك إلى مجرد خيالات مختلة ثم اعلم أن الظاهر عندي أنه لا فرق بين حقوق الله الواجبة وحقوق الآدميين في مخرجها من التركة وأنه لا يجب تقديم حقوق الآدمي على حقوق الله بل جميعها مستوية في ذلك لأنها قد اشتركت في وجوبها على الميت ولا فرق بين واجب وواجب ومن زعم أن بعضها أقدم من بعض فعليه الدليل على أنه لو قال قائل: إن حقوق الله أقدم من حقوق بني آدم مستدلا على ذلك بقوله ﷺ "فدين الله أحق أن يقضى" لم يكن بعيدا من الصواب لولا أن المراد بقوله: "يقضى" أي يفعله الفاعل كالقريب يحج عن قريبه ويصوم عنه لا أن المراد أنه يدفع المال ليفعل ذلك فاعل آخر فإن ذلك يحتاج إلى دليل يدل على أنه يصح فضلا عن أنه يجب "ويجب تقدم قضاء الديون" لحديث سعد الأطول١ عند أحمد وابن ماجه بإسناد رجاله ورجال الصحيح "أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم وترك عيالا قال: فأردت

стр. 666

أن أنفقها على عياله فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إن أخاك محتبس بدينه فاقض عنه" فقال: يا رسول الله قد أديت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة وليس لها بينة قال "فأعطها فإنها محقة" وليس في ذلك خلاف وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ "ومن لم يترك ما يقضي دينه قضاه السلطان من بيت المال" لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما "أنه ﷺ قال في خطبته: "من خلف مالا أو حقا فلورثته ومن خلف كلا١ أو دينا فكله إلي ودينه علي" وأخرج نحوه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والدارقطني من حديث جابر وأخرجه أيضا البيهقي والدارقطني من حديث أبي سعيد وأخرجه أيضا الطبراني من حديث سليمان وأخرجه ابن حبان في ثقاته من حديث أبي أمامة.

стр. 667

كتاب المواريث "هي مفضلة في الكتاب العزيز" ومعلومة لأهل العلم والتمييز قال الماتن: لم نتعرض ههنا لذكرها واقتصرنا على ذكر ما ثبت في السنة أو الإجماع ولم نذكر ما كان لا مستند له إلا محض الرأي كما جرت به عادتنا في هذا الكتاب فليس مجرد الرأي مستحقا للتدوين فلكل عالم رأيه واجتهاده مع عدم الدليل ولا حجة في اجتهاد بعض أهل العلم على البعض الآخر وإذا عرفت هذا اجتمع له مما في الكتاب العزيز وما ذكرناه ههنا جميع علم الفرائض الثابت بالكتاب والسنة فإن عرض لك من المواريث ما لم يكن فيهما فاجتهد فيه برأيك عملا بحديث معاذ المشهور انتهى "ويجب الابتداء بذوي الفروض القدرة وما بقي فللعصبة" لحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما "أن النبي ﷺ قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي لأولى رجل ذكر" والمراد بالفرائض هنا الأنصباء المقدرة وأهلها هم المستحقون لها بالنص وما بقي بعد إعطاء ذوي الفرائض فرائضهم فهو لأولى رجل ذكر "والأخوات مع البنات عصبة" أي يأخذن ما بقي من غير تقدير كما

стр. 668

يأخذه الرجل بعد فروض أهل الفروض" لحديث ابن مسعود عند البخاري وغيره "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قضى في بنت وبنت ابن وأخت بأن للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت" وقد أفاد هذا أن لبنت الابن مع البنت السدس تكملة الثلثين "ولبنت الابن مع البنت السدس تكملة الثلثين" وقد قيل: إن ذلك مجمع عليه "وكذا الأخت لأب مع الأخت لأبوين وللجدة أو الجدات السدس مع عدم الأم" لحديث قبيصة بن ذؤيب عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وصححه وابن حبان والحاكم قال: "جاءت الجدة إلى أبي بكر فسألته ميراثها فقال: ما لك في كتاب الله شئ وما علمت لك في سنة رسول الله شيئا فارجعي حتى أسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أعطاها السدس فقال: هل معك غيرك فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال: مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر قال: ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر فسألته ميراثها فقال: مالك في كتاب الله شئ ولكن هو ذاك السدس فإن اجتمعتما فهو بينكما وأيكما خلت به فهو لها "قال ابن حجر: وإسناده صحيح لثقة رجاله إلا أن صورته مرسل فإن قبيصة لا يصح سماعه من الصديق ولا يمكن شهوده القصة قاله ابن عبد البر وقد اختلف في مولده والصحيح أنه ولد عام الفتح فيبعد شهوده القصة وأخرج عبد الله بن أحمد في مسند أبيه وابن منده في مستخرجه والطبراني في الكبير من حديث عبادة بن الصامت "أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما" وهو من رواية إسحق بن يحيى عن عبادة ولم يسمع منه وأخرج أبو داود والنسائي من حديث بريدة "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم جعل للجدة السدس إذا لم يكن دونها أم" وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن الجارود وقواه ابن عدي وفي إسناده عبيد الله العتكي وهو مختلف فيه وأخرج الدارقطني عن عبد الرحمن ابن يزيد مرسلا قال: "أعطى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاث جدات السدس ثنتين من قبل الأب وواحدة من قبل الأم" وأخرجه أيضا أبو داود في المراسيل عن إبراهيم النخعي وأخرجه أيضا البيهقي من مرسل الحسن. وأخرجه

стр. 669

الدارقطني من طرق عن زيد بن ثابت وفي الباب آثار غير ما ذكر قال في البحر: مسألة فرضهن يعني الجدات السدس وإن كثرن إذا استوين وتستوي أم الأم وأم الأب لا فضل بينهما فإن اختلفن سقط الأبعد بالأقرب ولا يسقطهن إلا الأمهات والأب يسقط الجدات من جهة والأم من الطرفين أقول: التفاصيل والتفاريع المذكورة في الكتب ينبغي إمعان النظر في مستنداتها ومجرد اجتهاد فرد من أفراد الصحابة ليس بحجة على أحد وكذلك اجتهاد جماعة منهم لم يبلغوا حد الإجماع "وهو للجد مع من لا يسقطه" لحديث عمران بن حصين "أن رجلا أتى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: إن ابن ابني مات فما لي من ميراثه؟ قال: لك السدس فلما أدبر دعاه قال: لك سدس آخر فلما أدبر دعاه فقال: إن السدس الآخر طعمة" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن الحسن "أن عمر سأل عن فريضة رسول الله ﷺ في الجد فقام معقل بن يسار المزني فقال: قضى فيها رسول الله ﷺ قال: ماذا قال السدس قال مع من قال لا أدري قال: لا دريت فما تغني إذن" وهو منقطع لأن الحسن لم يسمع من عمر وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما حديث الحسن عن معقل وقد اختلف الصحابة فمن بعدهم اختلافا كثيرا ورويت عنهم قضايا متعددة وقد دل الدليل على أنه يستحق السدس وأنه فرضه فإذا صار إليه زيادة فهو طعمة وذلك كما في حديث عمران وإنما قيدنا استحقاقه للسدس بعدم المسقط لأنه إذا كان معه من يسقطه كالأب فلا شئ له وهكذا إذا كان مع الجد من يسقطه الجد فله الميراث كله أقول: ليس في الأحاديث المتقدمة ذكر من كان معه من الورثة ولم يبق بعد ذلك إلا مجرد روايات من علماء الصحابة ومن بعدهم وتمثيلات وتشبيهات ليست من الحجة في شئ ولا يبعد أن يقال: بأنه أحق بالميراث من الأخوة والأخوات مطلقا لأنه إن لم يكن والدا حقيقة فهو بمنزلة الوالد والأب يسقط الأخوة والأخوات مطلقا ومن زعم أنه وجد في الأب من المزايا ما لا يشاركه فيها الجد فعليه الدليل ومن قال إن ثم دليلا يقتضي أن الجد يقاسم الأخوة ويأخذ الباقي بعد الأخوات فعليه أيضا الدليل "ولا ميراث للإخوة والأخوات مطلقا الابن أو ابن

стр. 670

الابن أو الأب" ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم "وفي ميراثهم مع الجد خلاف" لعدم ورود الدليل الذي تقوم به الحجة فذهب جماعة من الصحابة منهم أبو بكر وعمرإلى أن الجد أولى من الإخوة وذهب جماعة منهم علي وابن مسعود وزيد بن ثابت إلى أن الجد يقاسم الإخوة والخلاف في المسألة يطول فمن قال إنه يسقط الإخوة قال: إنه يصدق عليه اسم الأب وأجاب الآخرون بأنه مجاز لا تقوم به الحجة ووقع الخلاف في كيفية المقاسمة كما هو مبين في كتب الفرائض "ويرثون" أي الأخوة مع البنات إلا الإخوة لأم لحديث جابر عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه والحاكم قال: "جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ﷺ بابنتيها من سعد فقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا تنكحان إلا بمال فقال: يقضي الله في ذلك فنزلت آية الميرات فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: "أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك" فهذا دليل على ميراث الإخوة مع البنات وأما الإخوة لأم فلا يرثون مع البنت لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ الآية هي في الإخوة لأم كما في بعض القراآت "ويسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين" لحديث علي قال: "إنكم تقرؤن هذه الآية ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ "وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه" أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي والحاكم وفي إسناده الحرث الأعور ولكنه قد وقع الإجماع على ذلك والمراد بالأعيان الإخوة لأبوين والمراد ببني العلات الإخوة لأب ويقال للإخوة لأم الأخياف "وأولو الأرحام يتوارثون وهم أقدم من بيت المال" لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ فإنها تفيد أنه إذا مات ميت ولا وارث له إلا من هو من ذوي أرحامه وهو من عدا العصبات وذوي السهام في مصطلح أهل الفرائض فإنه يرثه وقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ولفظ الرجال والنساء والأقربين يشمل ذوي الأرحام ومما يؤيد ذلك حديث المقدام
следующие страницы →