Полный текст (594 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَبِأَمْرِ مَكَّةَ مِنْ خُزَاعَةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبَ قُصيّ مَا طَلَبَ١، وَلَمْ نَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ.
مَا كَانَ يَلِيهِ الْغَوْثُ بْنُ مُرَّ مِنْ الِإجازة لِلنَّاسِ بِالْحَجِّ:
وَكَانَ الْغَوْثُ بْنُ مُرَّ بْنِ أد بن طابخة بن إلياس بن مضر يَلِي الْإِجَازَةَ لِلنَّاسِ بِالْحَجِّ مِنْ عَرَفَةَ، وَوَلَدُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ولِوَلَدِهِ: صُوفة٢.
стр. 107
وَإِنَّمَا وَليَ ذَلِكَ الغوثُ بْنُ مُر؛ لِأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ امْرَأَةً مِنْ جُرهم، وَكَانَتْ لَا تَلِدُ، فَنَذَرَتْ لِلَّهِ إنْ هِيَ وَلَدَتْ رَجُلًا: أَنْ تَصَّدَّق بِهِ عَلَى الْكَعْبَةِ عَبْدًا لَهَا يخدمها، ويقوم عليها، فولدت، فكان يقوم على الكعبة الدَّهْرِ الْأَوَّلِ مَعَ أَخْوَالِهِ مِنْ جُرهم، فوَلىَ الْإِجَازَةَ بِالنَّاسِ مِنْ عَرَفَةَ؛ لِمَكَانِهِ الَّذِي كَانَ بِهِ مِنْ الْكَعْبَةِ، وولدُه مِنْ بَعْدِهِ حَتَّى انْقَرَضُوا. فَقَالَ مُرُّ بْنُ أَدٍّ لِوَفَاءِ نَذْرِ أمه:
إني جعلتُ ربِّ من بَنيَّهْ ... رَبِيطَةً بمكةَ العليَّهْ
فبارِكنَّ لِي بِهَا أليَّه ... واجعلْه لِي مِنْ صَالِحِ البريَّهْ
وَكَانَ الغوْثُ بْنُ مُرّ -فِيمَا زَعَمُوا- إذَا دَفَعَ بِالنَّاسِ قَالَ:
لَاهُمَّ إنِّي تَابِعٌ تَبَاعهْ ... إنْ كَانَ إثم فعلى قُضَاعَهْ١
صوفة ورمي بالجمار: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عبَّاد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ قال:
كَانَتْ صُوفَةُ تَدْفَعُ بِالنَّاسِ مِنْ عَرَفَةَ، وَتُجِيزُ بِهِمْ إذَا نَفَروا مِنْ مِنًى فَإِذَا كَانَ يَوْمُ النَّفْرِ أَتَوْا لِرَمْيِ الْجِمَارِ، وَرَجُلٌ مِنْ صُوفة يَرْمِي لِلنَّاسِ، لَا يَرْمُونَ حَتَّى يَرْمِي. فَكَانَ ذَوُو الْحَاجَاتِ المتعجِّلون يَأْتُونَهُ، فَيَقُولُونَ لَهُ: قُمْ فَارْمِ حَتَّى نَرْمِيَ مَعَكَ، فَيَقُولُ لَا وَاَللَّهِ، حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، فَيَظَلُّ ذوُو الْحَاجَاتِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ التعجلَ يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ، وَيَسْتَعْجِلُونَهُ بِذَلِكَ، ويقولون
стр. 108
لَهُ: وَيْلَكَ! قمْ فارمِ، فيأبَى عَلَيْهِمْ، حَتَّى إذَا مَالَتْ الشَّمْسُ، قَامَ فَرَمَى وَرَمَى النَّاسُ معه.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ رمْي الْجِمَارِ، وَأَرَادُوا النَّفْر مِنْ مِنى، أَخَذَتْ صُوفَةُ بِجَانِبَيْ الْعَقَبَةِ، فَحَبَسُوا الناسَ وَقَالُوا: أَجِيزِى صُوفَةَ، فَلَمْ يَجُزْ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ حَتَّى يَمُرُّوا، فإذا نفرت صوفة ومضت، على سَبِيلُ النَّاسِ، فَانْطَلَقُوا بعدَهم، فَكَانُوا كَذَلِكَ، حَتَّى انْقَرَضُوا، فَوَرِثَهُمْ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِهِمْ بالقُعْدد١ بَنُو سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَكَانَتْ مِنْ بَنِي سَعْدٍ فِي آلِ صَفْوَانَ بْنِ الحارث بن شجْنَة.
نسب صفوان بن جناب: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: صَفْوَانُ بْنُ جُناب بْنِ شِجْنَة بْنِ عُطارد بْنِ عَوْف بْنِ كَعْبِ بن سعد بن زيد مُناة بن تميم.
صفوان وبنوه وإجازتهم للناس بالحج: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ صَفْوَانُ هُوَ الَّذِي يُجِيزُ لِلنَّاسِ بِالْحَجِّ مِنْ عَرَفَةَ ثُمَّ بَنَوْهُ مِنْ بعدِه، حَتَّى كَانَ آخِرَهُمْ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ: كَرِب بْنُ صَفْوَانَ. وَقَالَ أوْس بْنُ تَمِيمِ بْنِ مِغراء السعديُّ:
لَا يَبْرَحُ الناسُ مَا حَجُّوا مُعَرَّفَهم ... حَتَّى يُقَالَ: أَجِيزُوا آلَ صَفْوَانَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا الْبَيْتُ في قصيدة لأوس بن مِغْراء.
ما كانت عليه عَدْوان من إفاضة المزدلفة:
ذو الِإصبع يذكر هذه الإفاضة: وَأَمَّا قَوْلُ ذِي الإصْبع العَدْواني، وَاسْمُهُ حُرْثان بْنِ عَمرو، وَإِنَّمَا سُمي ذَا الْإِصْبَعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ إصْبَعٌ فَقَطَعَهَا:
عذيرَ الْحَيِّ مِنْ عَدْوا ... نَ كانوا حَيَّةَ الأرض٢
стр. 109
بغَى بعضُهم ظُلْمًا ... فَلَمْ يُرْعِ عَلَى بعضِ
وَمِنْهُمْ كَانَتْ السَّادَا ... تُ وَالْمُوفُونَ بالقَرْضِ
وَمِنْهُمْ من يجيزُ الناسَ ... بالسُّنةِ والفَرضِ
وَمِنْهُمْ حَكْمٌ يَقْضِي ... فَلَا يُنقَضُ ما يَقْضِي
أبو سيارة يفيض بِالنَّاسِ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ؛ فَلِأَنَّ الِإفاضة من المُزدلفَة كانت في عَدوانس -فِيمَا حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البكَّائي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ- يَتَوَارَثُونَ ذَلِكَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، حَتَّى كَانَ آخِرَهُمْ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ أَبُو سيَّارة، عُمَيْلة بْنُ الأعزَل١، فَفِيهِ يَقُولُ شَاعِرٌ مِنْ الْعَرَبِ:
نَحْنُ دَفَعْنَا عَنْ أَبِي سَيَّارَهْ ... وَعَنْ مَوَالِيهِ بَنِي فزارهْ
حَتَّى أَجَازَ سَالِمًا حِمارهْ ... مستقبِل الْقِبْلَةِ يَدْعُو جارَهْ
قَالَ: وَكَانَ أَبُو سَيَّارَةَ يَدْفَعُ بِالنَّاسِ عَلَى أَتَانٍ لَهُ، فَلِذَلِكَ يَقُولُ: "سَالِمًا حِمَارَهُ"٢.
أَمْرُ عَامِرِ بْنِ ظَرِب بْنِ عَمْرِو بْنِ عياذ بن يشكر بن عدوان
ابن الظرب حاكم العرب: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَوْلُهُ: "حَكَمٌ يَقْضِي" يَعْنِي عامر بن ظَرِب بن عمرو بن عياذ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ عَدْوَانَ الْعَدْوَانِيَّ. وَكَانَتْ الْعَرَبُ لا يكون بينها نائرة٣،
стр. 110
وَلَا عُضْلَة فِي قَضَاءٍ إلَّا أَسْنَدُوا ذَلِكَ إلَيْهِ، ثُمَّ رَضُوا بِمَا قَضَى فِيهِ، فَاخْتُصِمَ إلَيْهِ فِي بَعْضِ مَا كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فِي رَجُلٍ خُنْثى، لَهُ مَا لِلرَّجُلِ، وَلَهُ مَا لِلْمَرْأَةِ، فَقَالُوا: أَتَجْعَلُهُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً؟ وَلَمْ يَأْتُوهُ بِأَمْرِ كَانَ أَعْضَلَ مِنْهُ. فَقَالَ: حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِكُمْ، فَوَاَللَّهِ مَا نَزَلَ بِي مِثْلُ هَذِهِ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ! فَاسْتَأْخَرُوا عَنْهُ؛ فَبَاتَ لَيْلَتَهُ سَاهِرًا يقلِّب أَمْرَهُ، وَيَنْظُرُ فِي شَأْنِهِ، لَا يَتَوَجَّهُ لَهُ مِنْهُ وَجْهٌ وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا: سُخَيْلة تَرْعَى عَلَيْهِ غَنَمَهُ، وَكَانَ يُعَاتِبُهَا إذَا سَرَحَتْ فَيَقُولُ: صبَّحت وَاَللَّهِ يَا سُخَيل! وَإِذَا أَرَاحَتْ عَلَيْهِ، قَالَ: مَسَّيْتِ وَاَللَّهِ يَا سُخَيل! وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَخِّرُ السَّرْحَ حَتَّى يَسْبِقَهَا بَعْضُ الناس، وتؤخر الإراحة حتى يسبقها بعض الناس. فلما رأت سهره وقلقه، وَقِلَّةَ قَرَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ قَالَتْ: مَا لَكَ، لَا أَبَا لَكَ! مَا عَرَاكَ فِي لَيْلَتِكَ هَذِهِ! قَالَ: وَيْلَكَ! دَعِينِي، أَمْرٌ لَيْسَ مِنْ شَأْنِكَ، ثُمَّ عَادَتْ لَهُ بِمِثْلِ قَوْلِهَا، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: عَسَى أَنْ تأتيَ مِمَّا أَنَا فِيهِ بِفَرَجٍ، فَقَالَ: ويحَكِ! اختُصم إليَّ فِي مِيرَاثِ خُنْثَى، أَأَجْعَلُهُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً؟ فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ، وَمَا يتوجَّه لِي فِيهِ وَجْهٌ، قَالَ: فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ! لَا أَبَا لَكَ! أَتْبِعْ القضاءَ المَبالَ، أقعدْه، فَإِنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ الرَّجُلُ فَهُوَ رَجُلٌ، وَإِنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ تَبُولُ الْمَرْأَةُ؛ فَهِيَ امْرَأَةٌ. قَالَ: مسِّي سُخَيْلُ بَعْدَهَا أَوْ صَبِّحي، فرّجْتِها وَاَللَّهِ! ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ حِينَ أَصْبَحَ، فَقَضَى بِاَلَّذِي أَشَارَتْ عَلَيْهِ بِهِ١.
غَلَبُ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ عَلَى أَمْرِ مَكَّةَ وَجَمْعُهُ أمر قريش ومعونة قضاعة له
قصي يتغلب على صُوفَةَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ، فَعَلَتْ صُوفَةُ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ، وَقَدْ عَرَفَتْ ذَلِكَ لَهَا الْعَرَبُ وَهُوَ دِين فِي أَنْفُسِهِمْ فِي عَهْدِ جُرْهُمٍ وَخُزَاعَةَ وَوِلَايَتِهِمْ. فَأَتَاهُمْ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ وَقُضَاعَةَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، فَقَالَ: لنحن
стр. 111
أَوْلَى بِهَذَا مِنْكُمْ، فَقَاتِلُوهُ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْهَزَمَتْ صُوفَةُ، وَغَلَبَهُمْ قُصي عَلَى ما كان بأيديهم من ذلك.
قصي يقاتل خزاعة وبني بكر: وَانْحَازَتْ عِنْدَ ذَلِكَ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ عَنْ قُصَيٍّ، وَعَرَفُوا أَنَّهُ سَيَمْنَعُهُمْ كَمَا مَنَعَ صُوفَةَ، وَأَنَّهُ سَيَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَمْرِ مَكَّةَ. فلما انحازوا عنه باداهم، وأجمع لحربهم، وَخَرَجَتْ لَهُ خُزاعة وَبَنُو بَكْرٍ فالتَقَوْا، فَاقْتَتَلُوا قتالا شديدًا، حَتَّى كَثُرَتْ الْقَتْلَى فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ إنَّهُمْ تداعَوْا إلَى الصُّلْحِ، وَإِلَى أَنْ يحكِّموا بَيْنَهُمْ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ؛ فحكَّموا يَعْمر بْنَ عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فَقَضَى بَيْنَهُمْ بِأَنَّ قُصيًّا أَوْلَى بِالْكَعْبَةِ وَأَمْرِ مَكَّةَ مِنْ خُزَاعَةَ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ أَصَابَهُ قُصَيٌّ مِنْ خُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ: مَوْضُوعٌ يَشْدخه تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَأَنَّ مَا أَصَابَتْ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ وَقُضَاعَةَ، فَفِيهِ الدِّيَةُ مؤدَّاة، وَأَنْ يُخلَّى بَيْنَ قُصَيٍّ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ ومكة.
فسُمي يَعْمُرُ بْنُ عَوْفٍ يَوْمَئِذٍ: الشدَّاخ١ لِمَا شَدَخ من الدماء ووضع منها.
قصي يتولى أمر مكة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلِيَ قُصَيٌّ الْبَيْتَ وَأَمْرَ مكة وجمع قومه في مَنَازِلِهِمْ إلَى مَكَّةَ وَتَمَلَّكَ عَلَى قَوْمِهِ وَأَهْلِ مَكَّةَ فملَّكوه، إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ لِلْعَرَبِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَرَاهُ دِينًا فِي نَفْسِهِ لَا يَنْبَغِي تَغْيِيرُهُ، فَأَقَرَّ آلَ صَفْوَانَ وَعَدْوَانَ وَالنِّسْأَةَ ومُرة بْنَ عَوْفٍ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ؛ فَهَدَمَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ كُلَّهُ. فَكَانَ قُصي أَوَّلَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَصَابَ مُلكا أَطَاعَ لَهُ بِهِ قَوْمُهُ، فَكَانَتْ إلَيْهِ الْحِجَابَةُ، وَالسِّقَايَةُ، والرِّفادة، والندْوَة٢، وَاللِّوَاءُ، فَحَازَ شَرَفَ مَكَّةَ كلَّه، وَقَطَعَ مَكَّةَ رِبَاعًا بَيْنَ قَوْمِهِ، فَأَنْزَلَ كُلَّ قَوْمٍ مِنْ قُرَيْشٍ مَنَازِلَهُمْ مِنْ مَكَّةَ الَّتِي أَصْبَحُوا عَلَيْهَا وَيَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّ قُرَيْشًا هابوا قطع شجر الحرم في
стр. 112
مَنَازِلِهِمْ، فَقَطَعَهَا قُصَيٌّ بِيَدِهِ وَأَعْوَانِهِ١ فَسَمَّتْهُ قُرَيْشٌ: مُجَمِّعًا لِمَا جَمَعَ مِنْ أَمْرِهَا، وَتَيَمَّنَتْ بِأَمْرِهِ، فَمَا تُنكح امْرَأَةٌ، وَلَا يَتَزَوَّجُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَا يَتَشَاوَرُونَ فِي أَمْرٍ نَزَلَ بِهِمْ، وَلَا يَعْقِدُونَ لِوَاءً لِحَرْبِ قَوْمٍ مِنْ غَيْرِهِمْ إلَّا فِي دَارِهِ، يَعْقِدُهُ لَهُمْ بَعْضُ وَلَدِهِ، وَمَا تدَّرِع جَارِيَةٌ إذَا بَلَغَتْ أَنْ تَدَّرِع مِنْ قُرَيْشٍ إلَّا فِي دَارِهِ، يَشُقُّ عَلَيْهَا فِيهَا دِرْعَهَا ثُمَّ تَدَّرِعُه، ثُمَّ يُنطَلق بِهَا إلَى أَهْلِهَا. فَكَانَ أَمْرُهُ فِي قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ فِي حَيَاتِهِ، وَمِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، كالدِّين الْمُتَّبِعِ لَا يُعمل بِغَيْرِهِ. وَاِتَّخَذَ لِنَفْسِهِ دَارَ النَّدْوَةِ، وَجَعَلَ بَابَهَا إلَى مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، فَفِيهَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقْضِي أمورَها.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الشَّاعِرُ:
قُصَي لَعَمْرِي كَانَ يُدعَى مُجمعًا ... به جمع الله القبائلَ من فِهْر
стр. 113
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الملك بن رَاشِدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ حَبَّاب صَاحِبَ الْمَقْصُورَةِ يُحدِّث، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُحدِّث عمرَ بْنَ الْخَطَّابِ -وَهُوَ خَلِيفَةٌ- حَدِيثَ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، وَمَا جَمَع مِنْ أَمْرِ قَوْمِهِ وَإِخْرَاجِهِ خُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ مِنْ مَكَّةَ، وَوِلَايَتِهِ الْبَيْتَ وَأَمْرَ مَكَّةَ، فَلَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ولم يُنكره.
شعر رزاح بن ربيعة في هذه القصة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا فَرَغَ قُصيّ مِنْ حَرْبِهِ، انْصَرَفَ أَخُوهُ رِزَاح بْنُ رَبِيعَةَ إلَى بِلَادِهِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، وَقَالَ رِزاح فِي إجَابَتِهِ قُصيًّا:
لمَّا أَتَى مِنْ قُصَيٍّ رَسُولُ ... فَقَالَ الرسولُ: أَجِيبُوا الخليلَا
نَهَضْنَا إلَيْهِ نقودُ الجيادَ ... وَنَطْرَحُ عنَّا المَلولَ الثقيلاَ
نَسِيرُ بِهَا الليلَ حَتَّى الصَّبَاحِ ... وَنَكْمِي النهارَ؛ لِئَلَّا تزولا١
فَهُنَّ سراعٌ كَورْد القَطا ... يُجِبْن بِنَا مِنْ قُصيّ رسولَا
جَمَعْنَا مِنْ السرِّ مِنْ أشمذَيْن ... وَمِنْ كلِّ حَيٍّ جَمَعْنَا قبيلَا٢
فَيَا لكِ حُلْبة مَا لَيْلَةٌ ... تَزِيدُ عَلَى الْأَلْفِ سَيْبًا رَسيلَا٣
فلما مررنَ على عَسْجَر ... وأسْهلن مِنْ مُستناخ سبيلَا٤
وجاوزْنَ بِالرُّكْنِ مِنْ وَرِقان ... وَجَاوَزْنَ بالعَرْج حَيًّا حُلولَا٥
مررْن عَلَى الحَيْل مَا ذُقْنَهُ ... وعالجنَ مِنْ مَرِّ لَيْلًا طويلَا٦
стр. 114
تَدنى مِنْ العُوذ أفلاءَها ... إرادةَ أَنْ يسترقْن الصهيلَا١
فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إلَى مكةَ ... أَبَحْنَا الرجالَ قَبِيلًا قبيلَا
نعاورُهم ثَمَّ حدِّ السيوفِ ... وَفِي كلِّ أوْبٍ خَلسْنا العقولَا
نُخَبِّزهم بصلابِ النُّسُو ... رِ خَبْزَ القويِّ العزيزِ الذَّلِيلَا٢
قَتَلْنَا خزاعةَ فِي دارِها ... وَبَكْرًا قَتَلْنَا وَجِيلًا فجيلَا
نفيناهمُ مِنْ بلادِ الْمَلِيكِ ... كَمَا لَا يَحِلُّون أَرْضًا سُهولا
فَأَصْبَحَ سبيُهم فِي الحديدِ ... وَمِنْ كلِّ حَيٍّ شَفَيْنا الغليلا
شعر ثعلبة القضاعي في هذه القصة: وَقَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذُبيان بن الحارث بن سعد بن هُذَيْم القُضاعي فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ قُصي حِينَ دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ:
جَلَبْنَا الخيلَ مُضْمرةً تَغالَى ... مِنْ الأعرافِ أَعْرَافَ الجِنابِ٣
إلَى غَوْرَىْ تِهامةَ، فَالْتَقَيْنَا ... مِنْ الفَيْفاءِ فِي قاعٍ يبابِ
فَأَمَّا صوفةُ الخنثَى، فخَلَّوْا ... منازلَهم محاذرَة الضِّرابِ
وَقَامَ بَنُو عَلِيٍّ إذْ رَأَوْنَا ... إلَى الْأَسْيَافِ كَالْإِبِلِ الطرابِ٤
شعر قصي: وقال قصى:
أَنَا ابْنُ الْعَاصِمِينَ بَنِي لُؤَيٍّ ... بمكةَ مَنْزِلِي، وَبِهَا رَبيتُ
إلَى البَطحاءِ قَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ ... ومَرْوتُها رضيتُ بِهَا رضيتُ
فلستُ لغالبٍ إنْ لَمْ تأثَّل ... بِهَا أولادُ قَيْذر، والنبيتُ
رِزاحٌ ناصري، وَبِهِ أُسامي ... فلستُ..أخافُ ضيْمًا مَا حَييتُ
стр. 115
فَلَمَّا اسْتَقَرَّ رِزاح بْنُ رَبِيعَةَ فِي بِلَادِهِ، نَشَرَهُ اللَّهُ وَنَشَرَ حُنًّا، فَهُمَا قَبِيلَا عُذْرَة١ اليوم. ومد كَانَ بَيْنَ رِزَاحِ بْنِ رَبِيعَةَ، حِينَ قَدِمَ بِلَادَهُ، وَبَيْنَ نَهْد بْنِ زَيْدِ وحَوْتَكة بْنِ أسْلُم٢، وَهُمَا بَطْنَانِ مِنْ قُضاعة شَيْءٌ، فَأَخَافَهُمْ حَتَّى لَحِقُوا بِالْيَمَنِ، وأجْلَوْا مِنْ بِلَادِ قُضاعة، فَهُمْ الْيَوْمَ بِالْيَمَنِ، فَقَالَ قُصي بْنُ كِلَابٍ، وَكَانَ يُحِبُّ قُضاعة وَنَمَاءَهَا وَاجْتِمَاعَهَا بِبِلَادِهَا، لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِزَاحٍ مِنْ الرَّحِمِ، وَلِبَلَائِهِمْ عِنْدَهُ إذا أَجَابُوهُ إذْ دَعَاهُمْ إلَى نُصْرَتِهِ، وَكَرِهَ مَا صَنَعَ بِهِمْ رِزاح:
أَلَا مِنْ مُبْلغ عَنِّي رِزاحًا ... فَإِنِّي قَدْ لَحَيتك فِي اثْنَتَيْنِ
لحيتُك فِي بَنِي نَهْد بْنِ زَيْدِ ... كَمَا فرقْتَ بينهُمُ وبيْني
وحَوْتكة بنُ أسلمَ إنَّ قَوْمًا ... عَنَوْهم بالمَساءة قَدْ عَنَوْني
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتُرْوَى هَذِهِ الْأَبْيَاتُ لزُهير بْنِ جَناب الْكَلْبِيِّ.
قصي يفضل عبد الدار على سائر ولده: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا كَبِرَ قُصَيٌّ وَرَقَّ عَظْمُهُ، وَكَانَ عَبْدُ الدَّارِ بِكْرَه، وَكَانَ عَبْدُ مَنَافٍ قَدْ شَرُف فِي زَمَانِ أَبِيهِ، وَذَهَبَ كُلَّ مذهَب، وَعَبْدُ الْعُزَّى وَعَبْدٌ. قَالَ قُصَيٌّ لِعَبْدِ الدَّارِ: أَمَا وَاَللَّهِ يَا بُنَيَّ لألحقنَّك بِالْقَوْمِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ شَرُفُوا عَلَيْكَ: لَا يَدْخُلُ رَجُلٌ مِنْهُمْ الْكَعْبَةَ، حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ تَفْتَحُهَا لَهُ، وَلَا يُعقد لِقُرَيْشٍ لِوَاءً لِحَرْبِهَا إلَّا أَنْتَ بِيَدِكَ، وَلَا يَشْرَبُ أَحَدٌ بِمَكَّةَ إلَّا مِنْ سِقَايَتِكَ، وَلَا يَأْكُلُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَوْسِمِ طَعَامًا إلَّا مِنْ طَعَامِكَ، وَلَا تَقْطَعُ قريشٌ أَمْرًا مِنْ أُمُورِهَا إلَّا فِي دَارِكَ، فَأَعْطَاهُ دارَه دارَ النَّدْوَةِ، الَّتِي لَا تُقضي قُرَيْشٌ أَمْرًا مِنْ أُمُورِهَا إلَّا فِيهَا، وأعطاه الحجابة واللواء والسقاية والرفادة.
стр. 116
الرِّفادة: وَكَانَتْ الرِّفادة خَرْجا تُخْرِجُهُ قُرَيْشٌ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ مِنْ أَمْوَالِهَا إلَى قُصي بْنِ كِلَابٍ، فَيَصْنَعُ بِهِ طَعَامًا لِلْحَاجِّ، فَيَأْكُلُهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سعةٌ وَلَا زَادٌ، وَذَلِكَ أَنَّ قُصيًّا فَرَضَهُ عَلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ أَمَرَهُمْ بِهِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّكُمْ جيرانُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَأَهْلُ الْحَرَمِ، وَإِنَّ الْحَاجَّ ضَيْفُ اللَّهِ وزوَّار بَيْتِهِ، وَهُمْ أَحَقُّ الضَّيْفِ بِالْكَرَامَةِ، فَاجْعَلُوا لَهُمْ طَعَامًا وَشَرَابًا أَيَّامَ الحج، حتى يَصْدُروا عنكم، فَكَانُوا يُخْرِجُونَ لِذَلِكَ كُلَّ عَامٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ خَرْجًا، فَيَدْفَعُونَهُ إلَيْهِ، فَيَصْنَعُهُ طَعَامًا لِلنَّاسِ أَيَّامَ مِنى، فَجَرَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى قَوْمِهِ حَتَّى قَامَ الْإِسْلَامُ، ثُمَّ جَرَى فِي الْإِسْلَامِ إلَى يَوْمِكَ هَذَا، فَهُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يَصْنَعُهُ السُّلْطَانُ كُلَّ عَامٍ بِمَنَى لِلنَّاسِ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْحَجُّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي بِهَذَا مِنْ أَمْرِ قُصَي بْنِ كِلَابٍ، وَمَا قَالَ لِعَبْدِ الدَّارِ فِيمَا دُفِعَ إلَيْهِ مِمَّا كان بيده: أبو إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ لِرَجُلِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يُقَالُ لَهُ: نُبَيْه بْنُ وَهْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عِكرمة بْنِ عَامِرِ بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ.
قَالَ الْحَسَنُ: فَجَعَلَ إلَيْهِ قُصي كُلَّ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ أَمْرِ قَوْمِهِ، وَكَانَ قُصي لَا يُخَالفَ، وَلَا يُردّ عَلَيْهِ شَيْءٌ صَنَعَهُ.
ذِكْرُ مَا جَرَى مِنْ اختلاف قريش بعد قُصي وحلف المطيبين:
النزاع بَيْنَ بَنِي عَبْدِ الدِّارِ وَبَنِي أَعْمَامِهِمْ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمَّ إنَّ قُصَيَّ بْنَ كِلَابٍ هَلَكَ، فَأَقَامَ أَمْرَهُ فِي قَوْمِهِ وَفِي غَيْرِهِمْ بَنُوهُ مِنْ بَعْدِهِ. فَاخْتَطُّوا مَكَّةَ رِبَاعًا -بَعْدَ الَّذِي كَانَ قَطَعَ لِقَوْمِهِ بِهَا فَكَانُوا يَقْطَعُونَهَا فِي قَوْمِهِمْ، وَفِي غَيْرِهِمْ: مِنْ حُلَفَائِهِمْ وَيَبِيعُونَهَا. فَأَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ قُرَيْشٌ مَعَهُمْ لَيْسَ بَيْنَهُمْ اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَازُعٌ، ثُمَّ إنَّ بَنِي عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ: عَبْدَ شَمْسٍ وهاشِمًا وَالْمُطَّلِبَ وَنَوْفَلًا، أَجَمَعُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا مَا بِأَيْدِي بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصي مِمَّا كَانَ قُصَيٌّ جَعَلَ إلَى عَبْدِ الدَّارِ، مِنْ الْحِجَابَةِ وَاللِّوَاءِ وَالسِّقَايَةِ والرِّفادة، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُمْ لِشَرَفِهِمْ عَلَيْهِمْ وَفَضْلِهِمْ فِي قَوْمِهِمْ، فَتَفَرَّقَتْ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْشٌ، فَكَانَتْ طَائِفَةٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى رَأْيِهِمْ؛
стр. 117
يَرَوْن أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ لِمَكَانِهِمْ فِي قَوْمِهِمْ، وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مَعَ بني عبد الدار، يَرَوْن ألا يُنزع مِنْهُمْ مَا كَانَ قُصَيٌّ جَعَلَ إلَيْهِمْ.
فَكَانَ صَاحِبَ أَمْرِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ: عَبْدُ شَمْسِ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَسَنَّ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ.
وَكَانَ صَاحِبَ أَمْرِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ: عَامِرُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عبد مناف بن عبد الدار.
حلفاء بني عبد الدار وحلفاء بني أعمامهم: فَكَانَ بَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ قُصَيٍّ وَبَنُو زُهرة بْنِ كِلَابٍ، وَبَنُو تَيْم بْنِ مُرة بْنِ كَعْبٍ، وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ فِهر بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ، مَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ.
وَكَانَ بَنُو مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَة بْنِ مُرَّةَ، وَبَنُو سَهْم بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْص بْنِ كَعْبٍ، وَبَنُو جمَح بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْص بْنِ كَعْبٍ، وَبَنُو عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، مَعَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَخَرَجَتْ عَامِرُ بْنُ لُؤَيٍّ وَمُحَارِبُ بْنُ فِهر، فَلَمْ يَكُونُوا مَعَ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ.
فَعَقَدَ كُلُّ قَوْمٍ عَلَى أَمْرِهِمْ حِلْفًا مُؤَكَّدًا عَلَى أَنْ لَا يَتَخَاذَلُوا، وَلَا يسْلم بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَا بلَّ بحر صوفةً.
فَأَخْرَجَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً طِيبًا، فَيَزْعُمُونَ أَنَّ بَعْضَ نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ١، أَخْرَجَتْهَا لَهُمْ، فَوَضَعُوهَا لِأَحْلَافِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ غَمَسَ القومُ أيديَهم فِيهَا، فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا هُمْ وَحَلْفَاؤُهُمْ، ثُمَّ مَسَحُوا الْكَعْبَةَ بِأَيْدِيهِمْ توكيدًا على أنفسهم فسُمُّوا المطيَّبين.
وَتَعَاقَدَ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ، وَتَعَاهَدُوا هُمْ وَحُلَفَاؤُهُمْ عِنْدَ الْكَعْبَةِ حِلْفًا مُؤَكَّدًا، عَلَى أَنْ لَا يَتَخَاذَلُوا، وَلَا يُسلم بعضُهم بَعْضًا، فسُموا الْأَحْلَافَ.
تقسيم القبائل في هذه الْحَرْبِ: ثُمَّ سُوند٢ بَيْنَ الْقَبَائِلِ، ولُزَّ٣ بعضُها ببعض فعُبيّتَ
стр. 118
جُدْعَان بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْم بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، لِشَرَفِهِ وَسِنِّهِ، فَكَانَ حلفُهم عِنْدَهُ: بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، وَأَسَدُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، وزُهرة بْنُ كِلَابٍ، وتَيْم بْنُ مُرَّةَ، فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا عَلَى أَنْ لَا يَجِدُوا بِمَكَّةَ مَظْلُومًا مِنْ أَهْلِهَا وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ دَخَلَهَا مِنْ سَائِرِ النَّاسِ إلَّا قَامُوا مَعَهُ وَكَانُوا عَلَى مَن ظَلَمَهُ حَتَّى تُردَّ عَلَيْهِ مَظْلِمَتُهُ، فَسَمَّتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ الْحِلْفَ: حِلْفَ الفُضول.
حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فيه: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذ التَّيْمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْف الزُّهرى يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
стр. 119
"لَقَدْ شهدتُ فِي دَارِ عبدِ اللهِ بنِ جُدْعان١ حِلْفًا، مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْر النَّعَم، وَلَوْ أدعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لأجبتُ".
الحسين يهدد الوليد بالدعوة إلى إحياء الحلف: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يزيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِي الليْثي أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيمي حَدَّثَهُ: أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄، وَبَيْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتبة بْنِ أَبِي سُفْيَانَ -وَالْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ، أمَّره عَلَيْهَا عَمُّهُ مُعَاوِيَةُ بن أبي سفيان- مُنَازَعَةً فِي مَالٍ كَانَ بَيْنَهُمَا بِذِي المرْوَة، فكان الوليدُ تحامل على الحسين فِي حَقِّهِ -لِسُلْطَانِهِ- فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: أَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَتُنْصِفَنِّي مِنْ حَقِّي، أَوْ لَآخُذَنَّ سَيْفِي، ثُمَّ لَأَقُومَنَّ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ لأدعونَّ بِحِلْفِ الفُضول قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ عِنْدَ الْوَلِيدِ حِينَ قَالَ الْحُسَيْنُ ﵁ مَا قَالَ: وَأَنَا أَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَئِنْ دَعَا بِهِ لآخذنَّ سَيْفِي، ثُمَّ لَأَقُومَنَّ مَعَهُ، حَتَّى يُنصَف مِنْ حَقِّهِ أَوْ نَمُوتَ جَمِيعًا قَالَ: فَبَلَّغْتُ المسْوَر بْنَ مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ الزُّهْرِيَّ، فَقَالَ مثلَ ذَلِكَ، وَبَلَّغْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيد اللَّهِ التَّيْمِيَّ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ أَنْصَفَ الْحُسَيْنَ مِنْ حَقِّهِ حَتَّى رَضِيَ.
خروج بني عبد شمس وبني نوفل من الحلف: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِي اللَّيْثِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيمي قَالَ: قدم محمد بن
стр. 120
جُبَيْر بن مُطْعِم بن عَدي بن نَوْفل بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ -وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْر أعلم قريش- فدخل عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ حِينَ قُتل ابْنَ الزُّبَيْرِ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، أَلَمْ نَكُنْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ، يَعْنِي بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَبَنِيَّ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فِي حِلْفِ الفُضول؟ قَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لِتُخْبِرَنِّي يَا أَبَا سَعِيدٍ بالحقِّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ لَقَدْ خَرَجْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ منه، قال: صدقْتَ.
هاشم يتولى الرفادة والسقاية: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فوليَ الرِّفَادَةَ وَالسِّقَايَةَ: هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ كَانَ رَجُلًا سفَّارًا قَلَّما يُقِيمُ بِمَكَّةَ، وَكَانَ مُقِلًا ذَا وَلَدٍ، وَكَانَ هَاشِمٌ مُوسرًا فَكَانَ -فيما يزعمون- إذا حضر الحج، قَامَ فِي قُرَيْشٍ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّكُمْ جيرانُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَإِنَّهُ يَأْتِيكُمْ فِي هَذَا الْمَوْسِمِ زوارُ اللَّهِ وحُجاج بَيْتِهِ، وَهُمْ ضَيْف اللَّهِ، وَأَحَقُّ الضَّيْفِ بِالْكَرَامَةِ: ضيفُه، فَاجْمَعُوا لَهُمْ مَا تَصْنَعُونَ لَهُمْ بِهِ طَعَامًا أيامَهم هَذِهِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ الْإِقَامَةِ بِهَا؛ فَإِنَّهُ وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ مَالِي يَسَعُ لِذَلِكَ مَا كَلَّفْتُكُمُوهُ" فَيُخْرِجُونَ لِذَلِكَ خَرْجًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، كُلُّ امْرِئِ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ، فيُصنع به للحجاج طعامٌ، حتى يَصْدُروا منها.
أفضال هاشم على قومه: وَكَانَ هَاشِمٌ -فِيمَا يَزْعُمُونَ- أولَ مَنْ سَنَّ الرِّحْلَتَيْنِ لِقُرَيْشِ: رِحْلَتَيْ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، وَأَوَّلَ مَنْ أطعم الثريد للحجاج بِمَكَّةَ، وَإِنَّمَا كَانَ اسْمُهُ: عَمرًا، فَمَا سُمي هَاشِمًا إلَّا بِهَشْمِهِ الْخُبْزَ بِمَكَّةَ لِقَوْمِهِ١، فَقَالَ شاعر من قريش أو من العرب٢:
стр. 121
عَمْرو الَّذِي هَشَمَ الثريدَ لقومِه ... قَوْمٌ بِمَكَّةَ مُسنتين عِجَافِ
سُنَّت إلَيْهِ الرِّحْلَتَانِ كِلَاهُمَا ... سفرُ الشتاء، ورحلةُ الإيلاف
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ:
قَوْمٌ بِمَكَّةَ مُسْنِتِينَ عجاف
المطلب يلي الرفادة وَالسِّقَايَةِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ هَلَكَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ بِغَزَّةَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ تَاجِرًا، فَوَلِيَ السِّقَايَةَ والرِّفادة مِنْ بَعْدِهِ المطلبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمٍ، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ وَفَضْلٍ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ إنَّمَا تُسَمِّيهِ: الفَيْضَ؛ لِسَمَاحَتِهِ وفضله.
زواج هاشم بن عبد مناف: وَكَانَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ قَدِم الْمَدِينَةَ، فَتَزَوَّجَ سَلْمى بِنْتَ عَمْرٍو أَحَدِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ١، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أحَيْحة بْنِ الجُلاح بْنِ الحَرِيش٢.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الحريس بن جَحْجبيّ بن كُلْفة بن عَوْف بن عمرو بْنِ عَوْف بْنِ مَالِكِ بْنِ الأوْس، فَوَلَدَتْ لَهُ عَمْرَو بْنَ أحَيْحة، وَكَانَتْ لَا تَنْكِحُ الرِّجَالَ لِشَرَفِهَا فِي قَوْمِهَا، حَتَّى يَشْتَرِطُوا لَهَا أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا، إذَا كَرِهَتْ رَجُلًا فَارَقَتْهُ.
стр. 122
سبب تسمية عبد المطلب باسمه: فَوَلَدَتْ لِهَاشِمِ: عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَسَمَّتْهُ شَيْبة، فَتَرَكَهُ هَاشِمٌ عِنْدَهَا حَتَّى كَانَ وَصيفًا١ أَوْ فَوْق ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِ عَمُّهُ الْمُطَّلِبُ؛ لِيَقْبِضَهُ، فيُلحقه بِبَلَدِهِ وَقَوْمِهِ فَقَالَتْ لَهُ سَلْمى: لستُ بِمُرْسَلَتِهِ مَعَكَ، فَقَالَ لَهَا الْمُطَّلِبُ: إنِّي غَيْرُ مُنصرف حَتَّى أَخْرُجَ بِهِ مَعِي إنَّ ابْنَ أَخِي قَدْ بَلَغَ، وَهُوَ غَرِيبٌ فِي غَيْرِ قَوْمِهِ، وَنَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ شَرَفٍ فِي قَوْمِنَا؛ نلي كثيرًا من أمرهم؛ وَقَوْمُهُ وَبَلَدُهُ وَعَشِيرَتُهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِهِمْ، أَوْ كَمَا قَالَ. وَقَالَ شَيْبة لِعَمِّهِ الْمُطَّلِبِ -فِيمَا يَزْعُمُونَ- لَسْتُ بِمُفَارِقِهَا إلَّا أَنْ تأذنَ لِي، فَأَذِنَتْ لَهُ، وَدَفَعَتْهُ إلَيْهِ، فَاحْتَمَلَهُ، فَدَخَلَ بِهِ مَكَّةَ مُرْدِفه مَعَهُ عَلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ابْتَاعَهُ، فَبِهَا سُمي شَيْبة: عَبْدَ الْمُطَّلِبِ. فَقَالَ الْمُطَّلِبُ: وَيْحَكُمْ! إنَّمَا هُوَ ابْنُ أَخِي هَاشِمٍ، قَدِمْتُ بِهِ من المدينة.
وفاة المطلب: ثُمَّ هَلَكَ الْمُطَّلِبُ برَدْمان مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ يَبْكِيهِ:
قَدْ ظَمِئَ الحجيجُ بعدَ المطلب ... بعدَ الجفانِ والشراب المُنْثَغِبْ
ليت قريشًا بعده على نَصَبْ
مطرود يبكي المطلب وبني عبد مناف: وَقَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْبٍ الْخُزَاعِيُّ، يَبْكِي الْمُطَّلِبَ وَبَنِيَّ عَبْدِ مَنَافٍ جَمِيعًا حِينَ أَتَاهُ نَعْيُ نَوْفل بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ نَوْفَلٌ آخِرَهُمْ هُلكًا:
يَا لَيْلَةً هَيَّجْتِ لَيْلَاتِي ... إحْدَى لياليَّ القَسِيَّاتِ٢
وَمَا أُقَاسِي مِنْ هُمُومٍ، وَمَا ... عالجتُ من رُزْءِ المنيَّاتِ
إنما تذكرتُ أَخِي نَوْفَلًا ... ذكَّرني بالأوَّليَّاتِ
ذَكَّرَنِي بالأزْرِ الحمر والـ ... ـأردية الصُّفر القشيباتِ
أربعةٌ كلهمُ سَيِّدُ ... أبناءُ ساداتٍ لساداتِ
стр. 123
مَيْت برَدْمان ومَيْت بسلْـ ... ـمانَ ومَيْت بين غَزَّاتِ١
ومَيْتٌ أسكن لحدًا لدى الـ ... ـمَحْجوب شَرْقيّ البنياتِ٢
أخلصهُمُ عبدُ منافِ فَهُمْ ... مِنْ لومِ مَنْ لامَ بمَنْجاة
إنَّ المُغيراتِ وأبناءَها ... من خيرِ أحياءٍ وأمواتِ٣
اسم عبد مناف وترتيب أولاده موتًا: وَكَانَ اسْمُ عَبْدِ مَنَافٍ: الْمُغِيرَةَ، وَكَانَ أَوَّلَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ هُلْكا: هَاشِمٌ، بِغَزَّةَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، ثُمَّ عَبْدَ شَمْسٍ بِمَكَّةَ، ثُمَّ الْمُطَّلِبَ برَدْمان مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، ثُمَّ نَوْفَلًا بسَلمان من ناحية العراق.
شعر آخر لمطرود: فَقِيلَ لِمَطْرُودِ -فِيمَا يَزْعُمُونَ- لَقَدْ قُلْتَ فَأَحْسَنْتَ، وَلَوْ كَانَ أَفْحَلَ مِمَّا قلتَ كَانَ أَحْسَنَ، فقال: أنظروني لياليَ، فَمَكَثَ أَيَّامًا، ثُمَّ قَالَ:
يَا عَيْنُ جُودي، وأذرِي الدمعَ وَانْهَمِرِي ... وَابْكِي عَلَى السِّرِّ مِنْ كعبِ المُغيراتِ
يَا عَيْنُ، واسْحَنْفري بالدمعِ وَاحْتَفِلِي ... وَابْكِي خبيئةَ نَفْسِي فِي الملماتِ٤
وَابْكِي عَلَى كلِّ فيَّاضٍ أخِي ثِقَةٍ ... ضَخْمِ الدَّسيعة وهَّاب الجَزيلاتِ٥
محضُ الضَّريبةِ، عَالِي الهمِّ، مُخْتَلِقٌ ... جَلْدُ النَّجيزةِ، ناءٍ بالعظيماتِ٦
стр. 124
صعبُ البديهةِ لَا نِكْس وَلَا وَكِلٍ ... مَاضِي الْعَزِيمَةِ، مِتْلَافِ الكريماتِ١
صَقْرٍ تَوَسَّطَ مِنْ كَعْبٍ إذَا نُسبوا ... بُحبوحة المجدِ والشُّم الرفيعاتِ
ثُمَّ اُنْدُبِي الفيضَ والفياضَ مُطَّلبا ... وَاسْتَخْرِطِي بعدَ فيْضاتٍ بجماتِ٢
أَمْسَى برَدْمان عَنَّا اليومَ مُغْتَرِبًا ... يَا لهفَ نَفْسِي عَلَيْهِ بينَ أَمْوَاتِ
وَابْكِي -لَكَ الويلُ- إمَّا كنتِ باقي ... لعبدِ شمسٍ بشرْقيِّ الثنيَّاتِ
وَهَاشِمٍ فِي ضريحٍ وَسْط بَلْقَعَةٍ ... تَسْفي الرِّيَاحُ عَلَيْهِ بَيْنَ غَزَّاتِ
ونَوْفل كَانَ دونَ القومِ خَالِصَتِي ... أَمْسَى بسَلمَان فِي رَمس بمَوْماةِ٣
لَمْ ألقَ مثلَهمُ عُجمًا وَلَا عَرَبًا ... إذَا استقلَّت بِهِمْ أدمُ الْمَطِيَّاتِ٤
أمستْ ديارُهُم مِنْهُمْ معطَّلةً ... وَقَدْ يَكُونُونَ زَيْنا فِي السَّريات٥
أفناهمُ الدهرُ، أَمْ كلَّتْ سيوفُهمُ ... أَمْ كلَّ مَنْ عَاشٍ أزوادُ المنيَّات
أصبحتُ أرْضَى مِنْ الْأَقْوَامِ بعدَهمُ ... بَسْطَ الوجوهِ وإلقاءَ التحياتِ
يَا عَيْنُ فَابْكِي أَبَا الشُّعْثِ الشَّجيَّاتِ ... يَبْكينَه حُسَّرًا مثلَ البليَّاتِ٦
стр. 125
يَبْكِينَ أكرمَ مَنْ يَمْشِي عَلَى قدمٍ ... يُعْوِلْنَه بدموعٍ بَعْدَ عَبْرات
يَبْكِينَ شَخْصًا طويلَ الْبَاعِ ذَا فَجَر ... آبِي الْهَضِيمَةِ، فَرَّاج الجليلاتِ١
يَبْكِينَ عَمْرَو العُلا إذْ حَانَ مصرعُه ... سَمح السَّجيةِ، بسَّام العشياتِ٢
يَبْكِينَهُ مُستكيناتٍ عَلَى حَزنٍ ... يَا طولَ ذَلِكَ مِنْ حزنٍ وعَوْلاتِ
يَبْكِينَ لَمَّا جلاهنَّ الزمانُ لَهُ ... خُضْر الخدودِ كأمثالِ الحَمياتِ٣
مُحتزمات عَلَى أَوْسَاطِهِنَّ لِمَا ... جرَّ الزمانُ مِنَ أَحْدَاثِ الْمُصِيبَاتِ
أَبِيتُ لَيْلِي أُرَاعِي النجمَ مِنْ ألمٍ ... أَبْكِي، وَتَبْكِي مَعِي شَجْوى بُنَياتي
مَا فِي القُروم لَهُمْ عِدْل وَلَا خَطَرٌ ... وَلَا لمن تركوا شَرْوَى بقياتِ
стр. 126
أَبْنَاؤُهُمْ خيرُ أبناءٍ، وأنفُسهم ... خيرُ النفوسِ لَدَى جَهْد الألِيَّاتِ
كم وهبوا من طِمِر سايح أرِنٍ ... وَمِنْ طِمِرَّةِ نَهْبٍ فِي طِمَرَّاتِ١
وَمِنْ سيوفٍ مِنْ الهِنديِّ مُخْلَصَة ... وَمِنْ رِمَاحٍ كأشْطانِ الركياتِ٢
وَمِنْ تَوَابِعِ مِمَّا يُفْضِلون بِهَا ... عِنْدَ المسائِل من بذْل العطيّاتِ
فلو حَسنتُ وَأَحْصَى الْحَاسِبُونَ مَعِي ... لَمْ أقضِ أفعالَهم تَلِكَ الهنيَّاتِ
هُمْ المدِلون إمَّا مَعْشَرٌ فَخَرُّوا ... عندَ الفخارِ بأنسابٍ نَقِيَّاتِ
زَيْنُ البيوتِ التي حَلُّوا مَسَاكِنَهَا ... فَأَصْبَحَتْ منهمُ وَحْشًا خَليَّاتِ
أَقُولُ والعينُ لَا تَرْقَا مدامعُها ... لَا يُبْعد اللَّهُ أصحابَ الرزيَّاتِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الفَجر: الْعَطَاءُ. قَالَ أَبُو خِرَاش الهُذَلي:
عَجَّف أَضْيَافِي جميلُ بنُ مَعْمَرٍ ... بِذِي فَجَر تَأْوِي إلَيْهِ الأراملُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَبُو الشُّعث الشَّجِيَّاتِ: هَاشِمُ بْنُ عبد مناف.
عبد المطلب يلي السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ: قَالَ: ثُمَّ وَلِيَ عبدُ الْمُطَّلِبِ ابن هَاشِمِ السِّقَايَةَ والرِّفادة بَعْدَ عَمِّهِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقَامَهَا لِلنَّاسِ، وَأَقَامَ لِقَوْمِهِ مَا كَانَ آبَاؤُهُ يُقِيمُونَ قَبْلَهُ لِقَوْمِهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ، وشَرُف فِي قَوْمِهِ شَرَفًا لَمْ يبلغْه أحدٌ مِنْ آبَائِهِ، وَأَحَبَّهُ قومُه وعَظُم خَطَرُهُ فِيهِمْ.
ذِكْرُ حَفْرِ زَمْزَمَ وما جرى من الخلف فيها:
سبب حَفْرِ زَمْزَمَ: ثُمَّ إنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بَيْنَمَا هُوَ نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إذْ أُتِيَ، فَأُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَوَّلَ مَا ابتُدئ بِهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مِنْ حَفْرِهَا، كَمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ الْمِصْرِيِّ عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَيْر الغَافِقِي: أَنَّهُ سَمِعَ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عَنْهُ يحدِّث حديثَ زَمْزَمَ حِينَ أُمِرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِحَفْرِهَا، قَالَ:
قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إنِّي لنائم في الحِجْر إذا أَتَانِي آتٍ فَقَالَ: احْفِرْ طَيْبَةَ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا طَيْبَةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْتُ إلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ، فجاءني فقال: احفر بَرَّة. قال: فقلت: وَمَا بَرَّة؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، فَلَمَّا كان. الغد رجعت إلى مضجعي فنمت
стр. 127
فيه، فجاءني فقال: احفر المضنونة. فقال: فَقُلْتُ: وَمَا الْمَضْنُونَةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْتُ إلَى مَضْجَعِي، فَنِمْتُ فِيهِ، فجاءنيِ فَقَالَ: احْفِرْ زَمْزَمَ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا زَمْزَمُ؟ قَالَ لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذمُّ١، تَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَعْظَمَ، وَهِيَ بَيْنَ الفَرْث وَالدَّمِ، عِنْدَ نُقْرة الْغُرَابِ الأعْصم، عِنْدَ قَرْيَةِ النمل٢.
стр. 128
قريش تنازع عبد المطلب في زَمْزَمَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا بُيِّنَ لَهُ شأنها، ودل على موضعها، وعرف أنه قد صُدِّقَ، غَدَا بمعْوَله وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ غَيْرَهُ فَحَفَرَ فِيهَا فَلَمَّا بَدَا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ الطَّيَّ، كَبَّر.
التحاكم في بئر زمزم: فَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ حَاجَتَهُ، فَقَامُوا إلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، إنَّهَا بِئْرُ أَبِينَا إسْمَاعِيلَ، وَإِنَّ لَنَا فِيهَا حَقًّا فَأَشْرِكْنَا مَعَكَ فِيهَا. قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلِ إنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ خُصصتُ بِهِ دونَكم، وَأُعْطِيتُهُ مِنْ بَيْنِكُمْ، فَقَالُوا لَهُ: فَأَنْصِفْنَا، فَإِنَّا غيرُ تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجملوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ أحاكمْكم إلَيْهِ، قَالُوا: كاهنة بني سعد
стр. 129
هُذَيْم، قَالَ. نَعَمْ قَالَ: وَكَانَتْ بِأَشْرَافِ الشَّامِ، فَرَكِبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي أَبِيهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَرَكِبَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ نَفَرٌ. قَالَ: وَالْأَرْضُ إذْ ذَاكَ مَفَاوِزُ. قَالَ: فَخَرَجُوا حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ تِلْكَ الْمَفَاوِزِ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ، فَنِيَ مَاءُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَصْحَابِهِ، فظمِئُوا حَتَّى أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ، فاستسقَوْا مَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ، فأبَوْا عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: إنَّا بِمَفَازَةٍ، وَنَحْنُ نَخْشَى عَلَى أَنْفُسِنَا مِثْلَ مَا أَصَابَكُمْ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مَا صَنَعَ الْقَوْمُ، وَمَا يتخوَّف على نفسه وأصحابه، قال: ما تَرَوْن؟ قَالُوا: مَا رَأْيُنَا إلَّا تَبَعٌ لِرَأْيِكَ فَمُرْنَا بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَحْفِرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ حُفْرَتَهُ لِنَفْسِهِ بِمَا بِكُمْ الْآنَ مِنْ الْقُوَّةِ، فَكُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ دَفَعَهُ أَصْحَابُهُ فِي حُفْرَتِهِ ثُمَّ وَارَوْهُ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا، فضَيْعَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْسَرُ مِنْ ضَيْعة رَكْب جَمِيعًا قَالُوا: نِعْم مَا أَمَرْتَ بِهِ فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَحَفَرَ حُفْرَتَهُ، ثُمَّ قَعَدُوا يَنْتَظِرُونَ الْمَوْتَ عَطَشًا، ثُمَّ إنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: وَاَللَّهِ إنَّ إلقاءَنا بِأَيْدِينَا هَكَذَا لِلْمَوْتِ، لَا نَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا نَبْتَغِي لِأَنْفُسِنَا، لَعَجْزٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَنَا مَاءً بِبَعْضِ الْبِلَادِ، ارتحِلوا، فارتحَلوا حَتَّى إذَا فَرَغُوا، وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ مَا هُمْ فَاعِلُونَ، تَقَدَّمَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا فَلَمَّا انْبَعَثَتْ بِهِ انْفَجَرَتْ مِنْ تَحْتِ خُفِّهَا عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ، فكبَّر عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وكبَّر أَصْحَابُهُ، ثُمَّ نَزَلَ فشرِب، وَشَرِبَ أَصْحَابُهُ، واستَقَوْا حَتَّى مَلِئُوا أسقيَتهم، ثُمَّ دَعَا الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: هلُمّ إلَى الْمَاءِ، فَقَدْ سَقَانَا اللَّهُ، فاشربوا وَاسْتَقَوْا. ثُمَّ قَالُوا: قَدْ – وَاَللَّهِ– قُضِيَ لَكَ عَلَيْنَا يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ وَاَللَّهِ لَا نُخَاصِمُكَ فِي زَمْزَمَ أَبَدًا، إنَّ الَّذِي سَقَاكَ هَذَا الْمَاءَ بِهَذِهِ الفَلاة لَهُوَ الَّذِي سَقَاكَ زَمْزَمَ، فَارْجِعْ إلَى سِقَايَتِكَ رَاشِدًا. فَرَجَعَ وَرَجَعُوا مَعَهُ، وَلَمْ يَصِلُوا إلَى الْكَاهِنَةِ وخلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي زَمْزَمَ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ حِينَ أُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ:
ثُمَّ ادعُ بِالْمَاءِ الرَّوِيِّ غيرِ الكَدِرْ ... يَسْقِي حجيجَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَبَرْ١
لَيْسَ يُخافُ مِنْهُ شَيْءٌ مَا عَمَر
فَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ إلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: تعلَّموا أَنِّي قَدْ أُمِرْتُ أن أحفر لكم
стр. 130
زَمْزَمَ، فَقَالُوا: فَهَلْ بُيِّن لَكَ أَيْنَ هِيَ؟ قَالَ: لَا. قَالُوا: فَارْجِعْ إلَى مَضْجَعِكَ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ مَا رَأَيْتَ؟ فَإِنْ يَكُ حَقًّا من الله يُبيَّن لك، وإن يكن مِنْ الشَّيْطَانِ فَلَنْ يعودَ إلَيْكَ. فَرَجَعَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إلَى مَضْجَعِهِ، فَنَامَ فِيهِ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: احْفِرْ زَمْزَمَ، إنَّكَ إنْ حَفَرْتهَا لَمْ تندمْ، وَهِيَ تُرَاثٌ مِنْ أَبِيكَ الْأَعْظَمِ، لَا تنزِف أَبَدًا وَلَا تُذَم، تَسْقِي الحجيجَ الْأَعْظَمَ، مثل نعام جافل لَمْ يُقْسَم، يَنْذِرُ فِيهَا نَاذِرٌ لِمُنْعِمٍ، تَكُونُ مِيرَاثًا وعَقْدًا مُحْكَم؟ لَيْسَتْ كبعضِ مَا قَدْ تَعْلَمُ، وَهِيَ بَيْنَ الفَرْثِ وَالدَّمِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا الْكَلَامُ، وَالْكَلَامُ الَّذِي قَبْلَهُ، مِنْ حديث عَلي فِي حَفْرِ زَمْزَمَ مِنْ قَوْلِهِ: "لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذَم" إلَى قَوْلِهِ: "عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ" عِنْدَنَا سَجْعٌ وَلَيْسَ شِعْرًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمُوا أَنَّهُ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: وَأَيْنَ هِيَ؟ قِيلَ لَهُ عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ، حَيْثُ يُنْقَرُ الغرابُ غَدًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أي ذلك كان.
عبد المطلب يحفر زمزم: فغدا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ ابنهُ الْحَارِثُ، وَلَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ غَيْرَهُ، فَوَجَدَ قريةَ النَّمْلِ وَوَجَدَ الغرابَ يَنْقُرُ عِنْدَهَا بَيْنَ الْوَثَنَيْنِ: إسَافٍ وَنَائِلَةٍ، اللذيْن كَانَتْ قُرَيْشٌ تَنْحَرُ عِنْدَهُمَا ذَبَائِحَهَا فَجَاءَ بالمِعْوَل وَقَامَ لِيَحْفِرَ حَيْثُ أُمِرَ، فَقَامَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ حِينَ رَأَوْا جِدَّه، فَقَالُوا: وَاَللَّهِ لَا نَتْرُكُكَ تَحْفِرُ بَيْنَ وثَنَيْنا هَذَيْنِ اللَّذيْن نَنْحَرُ عِنْدَهُمَا، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِابْنِهِ الْحَارِثِ: ذُدْ عَنِّي حَتَّى أَحْفِرَ، فَوَاَللَّهِ لأمضينَّ لِمَا أُمِرْتُ بِهِ، فَلَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ غيرُ نَازِعٍ خَلَّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَفْرِ، وَكَفُّوا عَنْهُ، فَلَمْ يَحْفِرْ إلَّا يَسِيرًا. حَتَّى بَدَا لَهُ الطَّيُّ، فَكَبَّرَ وعَرِف أَنَّهُ قَدْ صُدق فَلَمَّا تَمَادَى بِهِ الْحَفْرُ وَجَدَ فِيهَا غزاليْن مِنْ ذَهَبٍ، وَهُمَا الْغَزَالَانِ اللَّذان دَفنت جُرْهم فِيهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ، وَوَجَدَ فِيهَا أَسْيَافًا قَلْعية وَأَدْرَاعًا فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، لَنَا مَعَكَ فِي هَذَا شِرْك وَحَقٌّ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ هَلُمّ إلَى أَمْرٍ نَصَفٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، نَضْرِبُ عَلَيْهَا بالقِداح، قَالُوا: وَكَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: أَجْعَلُ لِلْكَعْبَةِ قِدْحَيْن، وَلِي قِدْحَيْن وَلَكُمْ قِدْحَيْن فَمَنْ خَرَجَ لَهُ قِدْحاه عَلَى شَيْءٍ كَانَ لَهُ، وَمَنْ تخلَّف قِدْحَاهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ قَالُوا: أنصَفْت، فَجَعَلَ قِدْحين أَصْفَرَيْنِ للكَعبة، وقِدْحَيْن أَسْوَدَيْنِ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وقِدْحَيْن أَبْيَضَيْنِ لِقُرَيْشِ، ثُمَّ أَعْطَوْا القداحَ صاحبَ القداحِ الَّذِي يُضرب بِهَا عِنْدَ هُبل، وهُبل: صَنَمٌ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ أَعْظَمُ أَصْنَامِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي يَعْنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ قَالَ: أعْلِ هُبَل أَيْ أظهرْ دِينَكَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ
стр. 131
يَدْعُو اللَّهَ ، فَضَرَبَ صَاحِبُ القداحِ القداحَ، فَخَرَجَ الأصْفران عَلَى الْغَزَالَيْنِ لِلْكَعْبَةِ، وَخَرَجَ الأسودان في الْأَسْيَافِ، وَالْأَدْرَاعُ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَتَخَلَّفَ قَدَحَا قُرَيْشٍ. فَضَرَبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الْأَسْيَافَ بَابًا لِلْكَعْبَةِ، وَضَرَبَ فِي الْبَابِ الْغَزَالَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَانَ أَوَّلَ ذَهَبٍ حُلِّيته الْكَعْبَةُ -فِيمَا يَزْعُمُونَ- ثُمَّ إنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَقَامَ سِقَايَةَ زَمْزَمَ لِلْحُجَّاجِ.
ذِكْرُ بئار قبائل قريش:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَبْلَ حَفْرِ زَمْزَمَ قَدْ احْتَفَرَتْ بِئَارًا بِمَكَّةَ١، فِيمَا حَدَّثَنَا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق، قال:
عبد شمس يحفر الطَّوِي: حَفَرَ عَبْدُ شَمْسِ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ الطَّوِيَّ، وهي الْبِئْرُ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْبَيْضَاءِ، دار محمد بن يوسف.
هاشم يحفر بذَّر٢: وَحَفَرَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ بَذَّر٢، وَهِيَ الْبِئْرُ الَّتِي عِنْدَ المسْتَنْذَر، خَطْم الخَنْدمة عَلَى فَمِ شِعْب أَبِي طَالِبٍ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَفَرَهَا: لأجعلنَّها بَلَاغًا لِلنَّاسِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الشَّاعِرُ:
سَقَى اللَّهُ أَمْوَاهًا عرفتُ مكانَها ... جُرَابًا ومَلْكوما وبَذَّرَ والغَمْرا
стр. 132
سَجْلَة والاختلاف فيمن حَفَرَهَا: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَفَرَ سَجْلَة، وَهِيَ بِئْرُ المُطْعم بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الَّتِي يَسْقون عَلَيْهَا الْيَوْمَ. وَيَزْعُمُ بَنُو نَوْفَلٍ أَنَّ المُطْعِم ابْتَاعَهَا مِنْ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ، وَيَزْعُمُ بَنُو هَاشِمٍ أَنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ حِينَ ظَهَرَتْ زَمْزَمُ، فَاسْتَغْنَوْا بِهَا عَنْ تلك الآبار١.
أمية بن عبد شمس يحفر الحفر: وَحَفَرَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ الحَفْر لِنَفْسِهِ.
بنو أسد تحفر سقية: وَحَفَرَتْ بَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى: سُقَيَّة، وهي بئر بني أسد٢.
بنو عبد الدار تحفر أم أحْرَاد: وحفرت بنو عبد الدار: أمَّ أحْرَاد٣.
стр. 133
بنو جمح تحفر السُنبُلة: وَحَفَرَتْ بَنُو جُمَح: السُّنْبُلة، وَهِيَ بِئْرُ خَلَف بن وَهْب١.
بنو سهم تحفر الغمْر: وَحَفَرَتْ بَنُو سَهْمٍ: الغَمْر، وَهِيَ بِئْرُ بَنِي سَهْم٢.
أصحاب رُم وخم والحفْر: وَكَانَتْ آبَارُ حَفَائِرَ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ قَدِيمَةً مِنْ عَهْدِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَكِلَابِ بْنِ مُرة، وَكُبَرَاءِ قُرَيْشٍ الْأَوَائِلِ مِنْهَا يَشْرَبُونَ، وَهِيَ رُمّ٣، ورُمّ: بِئْرُ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وخُمّ٤، وخُمّ: بِئْرُ بَنِي كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ، والحَفْر. قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ أَبُو أَبِي جَهْم بْنِ حُذَيفة:
وقِدْمًا غَنَينا قَبْلَ ذَلِكَ حِقْبة ... وَلَا نَسْتَقِي إلَّا بخَم أَوْ الحَفْرِ
قَالَ ابْنُ هشام: وهذا البيت في قصيدة له، وسأذكرها إن شاء الله في موضعها.
стр. 134
فضل زمزم على سائر المياه: قال ابن إسحاق: فعفَّت زمزم على المياه الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا يَسْقي عَلَيْهَا الحاجُّ وَانْصَرَفَ النَّاسُ إلَيْهَا لِمَكَانِهَا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ وَلِفَضْلِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا مِنْ الْمِيَاهِ؛ وَلِأَنَّهَا بِئْرُ إسماعيل بن إبراهيم ﵉.
بنو عبد مناف يفتخرون بزمزم: وَافْتَخَرَتْ بِهَا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى قُرَيْشٍ كلِّها، وَعَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ، فَقَالَ مُسَافِرُ بْنُ أبي عمرو١ بن أمية بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهُوَ يَفْخَرُ عَلَى قُرَيْشٍ بِمَا وُلُّوا عَلَيْهِمْ مِنْ السِّقاية وَالرِّفَادَةِ، وَمَا أقاموا لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ، وَبِزَمْزَمَ حِينَ ظَهَرَتْ لَهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ أَهْلَ بَيْتٍ وَاحِدٍ، شَرَفُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ شَرَف وفضْلُ بَعْضِهِمْ لبعضٍ فَضْلٌ:
وَرِثْنَا المجدَ مِنْ آبَا ... ئِنَا فَنَمَى بنا صعُدَا
ألم نَسْق الحجيجَ وننـ ... ـحر الدلافة الرُّفدَا٢
ونلقى عندَ تصريف الـ ... ـمنايا شُدَّدا رُفُدَا٣
فَإِنْ نَهْلِكْ، فَلَمْ ... نُمْلَك وَمَنْ ذَا خَالِدٌ أَبَدَا
وَزَمْزَمُ فِي أرومتِنا ... وَنَفْقَأُ عينَ مَنْ حَسَدَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدي بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ:
وَسَاقِي الْحَجِيجِ، ثُمَّ للخبْز هاشمٌ ... وعبد مناف ذلك السيد الفِهْري
طوى زَمزَما عندَ الْمَقَامِ فأصبحتْ ... سقايتُه فَخْرًا عَلَى كلِّ ذي فَخْرِ
стр. 135
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْنِي عبدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ. وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لِحُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا -إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ نذْر عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ذبحَ وَلَدِهِ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ -فِيمَا يزعُمون وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- قَدْ نَذَرَ حِينَ لَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ مَا لَقِيَ عِنْدَ حَفْرِ زَمْزَمَ: لَئِنْ وُلد لَهُ عَشرةُ نَفَر ثُمَّ بَلَغُوا مَعَهُ حَتَّى يَمْنَعُوهُ؛ لينحرنَّ أحدَهم لِلَّهِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ. فَلَمَّا تَوَافَى بَنُوهُ عَشَرَةً، وَعَرَفَ أَنَّهُمْ سَيَمْنَعُونَهُ، جَمَعهم. ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِنَذْرِهِ، وَدَعَاهُمْ إلَى الْوَفَاء لِلَّهِ بِذَلِكَ، فَأَطَاعُوهُ وَقَالُوا: كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ قِدْحا ثُمَّ يَكْتُبُ فِيهِ اسْمَهُ ثُمَّ ائْتُونِي، فَفَعَلُوا، ثُمَّ أتَوْه، فَدَخَلَ بِهِمْ عَلَى هُبل فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ هُبَلُ عَلَى بِئْرٍ فِي جَوْف الْكَعْبَةِ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْبِئْرُ هِيَ التي يُجمع فيها ما يُهْدَى للكعبة.
قداح هبلُ السبعة: وَكَانَ عِنْدَ هُبَلَ قِداح سَبْعَةٌ، كُلُّ قِدْح مِنْهَا فِيهِ كِتَابٌ. قِدْح فِيهِ "العَقْل"، إذَا اخْتَلَفُوا فِي الْعَقْلِ مَنْ يَحْمِلُهُ مِنْهُمْ، ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ السَّبْعَةِ، فَإِنْ خَرَجَ الْعَقْلُ فَعَلَى مَنْ خرج حمله. وقدح فيه "نَعَم" للأمر إذ أرادوه يُضرب به الْقِدَاحِ، فَإِنْ خَرَجَ قِدْحُ نَعَمْ، عَمِلُوا بِهِ. وَقِدْحٌ فِيهِ "لَا" إذَا أَرَادُوا أَمْرًا ضَرَبُوا به القِداح، فَإِنْ خَرَجَ ذَلِكَ الْقِدْحُ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ الْأَمْرَ، وقِدْح فِيهِ "مِنْكُمْ" وَقِدْحٌ فِيهِ "مُلصَق"، وَقِدْحٌ فِيهِ "مِنْ غَيْرِكُمْ"، وَقِدْحٌ فِيهِ "المياه"، إذا أرادوا أن يحفروا الماء ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ، وَفِيهَا ذَلِكَ القِدْح، فَحَيْثُمَا خَرَجَ عَمِلُوا بِهِ.
وَكَانُوا إذَا أَرَادُوا أَنْ يَخْتِنُوا غُلَامًا، أَوْ يُنكحوا مَنْكحا، أَوْ يَدْفِنُوا مَيْتًا، أو شَكوا فِي نَسَبِ أَحَدِهِمْ، ذَهَبُوا بِهِ إلَى هُبَل وبمائة دِرْهَمٍ وَجَزُورٍ، فَأَعْطَوْهَا صَاحِبَ الْقِدَاحِ الَّذِي يَضْرب بِهَا، ثُمَّ قرَّبوا صَاحِبَهُمْ الَّذِي يُرِيدُونَ بِهِ مَا يُرِيدُونَ، ثُمَّ قَالُوا: يَا إلَهَنَا هَذَا فلان ابن فلان قد أردنا به كذا، فَأَخْرِجْ الحقَّ فِيهِ. ثُمَّ يَقُولُونَ لِصَاحِبِ القِداح: اضْرِبْ: فَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ: "مِنْكُمْ" كَانَ مِنْهُمْ وَسِيطًا، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ: "مِنْ غَيْرِكُمْ" كَانَ حَلِيفًا، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ: "مُلْصَق" كَانَ عَلَى مَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ، لَا نَسَبَ لَهُ، وَلَا حِلف، وَإِنْ خَرَجَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا سِوَى هَذَا مِمَّا يَعْمَلُونَ بِهِ "نَعَمْ" عَمِلُوا بِهِ، وَإِنْ خرج: "لا" أخروه عامه، وذلك حَتَّى يَأْتُوهُ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، يَنْتَهُونَ فِي أُمُورِهِمْ إلَى ذَلِكَ مِمَّا خَرَجَتْ بِهِ القِداح.
стр. 136
عبد المطلب يحتكم إلى الْقِدَاحِ: فَقَالَ عبدُ الْمُطَّلِبِ لِصَاحِبِ القِداح: اضْرِبْ عَلَى بَنيَّ هَؤُلَاءِ بِقِدَاحِهِمْ هَذِهِ، وَأَخْبَرَهُ بِنَذْرِهِ الَّذِي نَذَرَ، فَأَعْطَاهُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ قِدْحه الَّذِي فِيهِ اسْمُهُ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَصْغَرَ بَنِي أَبِيهِ١، كَانَ هُوَ وَالزُّبَيْرُ وَأَبُو طَالِبٍ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَة بْنِ مُرة بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْر.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَائِذُ بن عمران بن مخزوم٢.
خروج القداح على عبد الله: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَا يَزْعُمُونَ: أَحَبَّ وَلَدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إلَيْهِ، فَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَرَى أَنَّ السَّهْمَ إذَا أَخَطَأَهُ فَقَدْ أشْوَى. وَهُوَ أَبُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لما أخذ صاحب القِداحِ القداحَ، يضرب بِهَا، قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ هُبل يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ، فَخَرَجَ القِدْح على عبد الله.
عبد المطلب يحاول ذبح ابنه ومنع قريش له: فَأَخَذَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِيَدِهِ وَأَخَذَ الشَّفْرة ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِ إلَى إِسَاف وَنَائِلَةٍ لِيَذْبَحَهُ، فَقَامَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنْ أَنْدِيَتِهَا، فَقَالُوا: مَاذَا تُرِيدُ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ؟ قَالَ: أَذْبَحُهُ، فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ وَبَنُوهُ: وَاَللَّهِ لَا تَذْبَحُهُ أَبَدًا، حَتَّى تُعْذر فِيهِ. لَئِنْ فَعَلْتَ هَذَا لَا يَزَالُ الرجلُ يَأْتِي بِابْنِهِ حَتَّى يَذْبَحَهُ، فَمَا بقاءُ الناس على هذا؟!
стр. 137
وَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمرو بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظة، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ: وَاَللَّهِ لَا تَذْبَحُهُ أَبَدًا، حَتَّى تُعْذر فِيهِ، فَإِنْ كَانَ فِدَاؤُهُ بِأَمْوَالِنَا فَدَيْنَاهُ. وَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ وَبَنُوهُ: لَا تَفْعَلْ، وانطلقْ بِهِ إلَى الْحِجَازِ فَإِنَّ بِهِ عَرَّافة١ لَهَا تَابِعٌ، فسلْها، ثُمَّ أَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكَ، إنْ أَمَرَتْكَ بِذَبْحِهِ ذَبَحْتَهُ، وإنْ أمرتك بأمر لك وله في فرج قبلته.
ما أشارت به عَرَّافة الحجاز: فَانْطَلَقُوا حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فَوَجَدُوهَا -فِيمَا يَزْعُمُونَ- بِخَيْبَرِ. فَرَكِبُوا حَتَّى جَاءُوهَا، فَسَأَلُوهَا، وَقَصَّ عَلَيْهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ خَبَرَهُ وَخَبَرَ ابْنِهِ، وَمَا أَرَادَ بِهِ ونذرَه فِيهِ، فَقَالَتْ لَهُمْ: ارْجِعُوا عَنِّي الْيَوْمَ حَتَّى يَأْتِيَنِي تَابِعِي فَأَسْأَلُهُ. فَرَجَعُوا مِنْ عِنْدِهَا، فَلَمَّا خَرَجُوا عَنْهَا قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ غَدَوْا عَلَيْهَا فَقَالَتْ لَهُمْ: قَدْ جَاءَنِي الْخَبَرُ، كَمْ الدِّيَةُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: عشرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَكَانَتْ كَذَلِكَ. قَالَتْ: فَارْجِعُوا إلَى بِلَادِكُمْ، ثُمَّ قَرِّبُوا صَاحِبَكُمْ، وَقَرِّبُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، ثُمَّ اضْرِبُوا عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ بالقِدَاح، فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَزِيدُوا مِنْ الْإِبِلِ حَتَّى يَرْضَى رَبُّكُمْ، وَإِنْ خرجتْ عَلَى الْإِبِلِ فَانْحَرُوهَا عَنْهُ، فَقَدْ رضيَ ربُّكم، وَنَجَا صاحبُكم٢.
تنفيذ وصية العرافة ونجاة عبد الله: فَخَرَجُوا حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَلَمَّا أَجَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَمْرِ، قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ قَرَّبُوا عَبْدَ اللَّهِ وَعَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَائِمٌ عِنْدَ هُبَلَ يَدْعُو اللَّهَ !! ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ القِدْح عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ عِشْرِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ القِدْح عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ ثَلَاثِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ القِدْح عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الِإبل، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ أَرْبَعِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ القِدْح عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ خَمْسِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ القِدْح عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ سِتِّينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ القِدْح عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الإبل،.فبلغت الإبل سبعين، وقام
стр. 138
عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ القِدْح عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ ثَمَانِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ القِدْح عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ تِسْعِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ القِدْح عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الإبل مائة، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ القِدْح عَلَى الْإِبِلِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ حَضَرَ: قَدْ انْتَهَى رِضَا ربِّك يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَزَعَمُوا أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ حَتَّى أضربَ عَلَيْهَا ثلاثَ مَرَّاتٍ، فَضَرَبُوا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى الْإِبِلِ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ، ثُمَّ عَادُوا الثَّانِيَةَ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَائِمٌ يَدْعُو اللَّهَ، فَضَرَبُوا، فَخَرَجَ القِدْح عَلَى الْإِبِلِ، ثُمَّ عَادُوا الثَّالِثَةَ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَائِمٌ يَدْعُو اللَّهَ، فَضَرَبُوا، فَخَرَجَ القِدْح عَلَى الْإِبِلِ، فنُحرت، ثُمَّ تُركت لَا يُصَدُّ عَنْهَا إنْسَانٌ وَلَا يُمْنَع.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: إنْسَانٌ وَلَا سَبُعٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَيْنَ أَضْعَافِ هَذَا الْحَدِيثِ رَجَزٌ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ.
ذِكْرُ الْمَرْأَةِ الْمُتَعَرِّضَةِ لِنِكَاحِ عبد الله بن عبد المطلب:
عبد الله يرفضها: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ آخِذًا بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ، فَمَرَّ بِهِ -فِيمَا يَزْعُمُونَ- عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أسَد١ بْنِ عبد العزى بن قصي بن كلاب
стр. 139
ابن مرة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب بْنِ فِهر: وَهِيَ أُخْتُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفل بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى، وَهِيَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ. فَقَالَتْ لَهُ حِينَ نَظَرَتْ إلَى وَجْهِهِ: أَيْنَ تَذْهَبُ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَعَ أَبِي. قَالَتْ: لَكَ مثلُ الْإِبِلِ الَّتِي نُحرت عَنْكَ، وقَعْ عَليَّ الْآنَ. قَالَ: أَنَا مَعَ أبي، ولا أستطيع خلافه، ولا فراقه.
عبد الله يتزوج آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ: فَخَرَجَ بِهِ عبدُ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَى بِهِ وَهْبَ بْنَ عَبْدِ مَناف بْنِ زُهْرة بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرة بْنِ كعب بن لُؤيّ بن غالب بن فِهْر -وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ بَنِي زُهرة نَسَبًا وَشَرَفًا– فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ- أفضلُ امْرَأَةٍ فِي قُرَيْشٍ نَسبًا وَمَوْضِعًا.
أُمَّهَاتُ آمنة: وَهِيَ لبرَّة بِنْتِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصيّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرة بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ. وبَرَّة لِأُمِّ حَبِيبِ بِنْتِ أسَد بْنِ عَبْدِ العُزّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ. وَأُمُّ حَبِيبٍ: لِبَرَّةَ بنت عَوْف بن عُبيد بن عُوَيْج بن عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بن فِهر.
سبب زهد المرأة المعترضة لعبد الله فيه: فَزَعَمُوا أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا حِينَ أمْلِكها مَكَانَهُ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا، فَأَتَى الْمَرْأَةَ الَّتِي عَرَضَتْ عَلَيْهِ مَا عَرَضَتْ، فَقَالَ لَهَا: مَا لَكَ لَا تَعْرِضِينَ عَلَيَّ الْيَوْمَ ما كنت عرضت علي بالأمس؟
стр. 140
قَالَتْ لَهُ: فَارَقَكَ النورُ الَّذِي كَانَ مَعَكَ بِالْأَمْسِ، فَلَيْسَ لِي بِكَ الْيَوْمَ حَاجَةٌ. وَقَدْ كَانَتْ تَسْمَعُ مِنْ أَخِيهَا وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ -وكان قد تنصَّر واتبع الكتب: أنه كائن في هذه الأمة نبي.
قصة حمل آمنة بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : قَالَ ابن إسحاق: وحدثني أبي: إسحاقُ بن يسار: أَنَّهُ حُدِّث، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى امْرَأَةٍ. كَانَتْ لَهُ مَعَ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، وَقَدْ عَمِلَ فِي طِينٍ لَهُ، وَبَهْ آثَارٌ مِنْ الطِّينِ، فَدَعَاهَا إلَى نَفْسِهِ، فَأَبْطَأَتْ عليه لما رأت به أَثَرِ الطِّينِ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا فَتَوَضَّأَ وَغَسَلَ مَا كَانَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الطِّينِ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى آمِنَةَ، فمرَّ بِهَا، فَدَعَتْهُ إلَى نَفْسِهَا، فَأَبَى عَلَيْهَا، وَعَمَدَ إلَى آمِنَةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَأَصَابَهَا، فَحَمَلَتْ بِمُحَمِّدِ ﷺ ثُمَّ مَرَّ بِامْرَأَتِهِ تِلْكَ: فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَكَ؟ قَالَتْ: لَا، مررتَ بِي وَبَيْنَ عَيْنَيْكَ غُرةٌ بَيْضَاءُ، فدعوتُك فأبيْت عَلَيَّ، وَدَخَلْتَ عَلَى آمِنَةَ فذهَبَتْ بِهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمُوا أَنَّ امْرَأَتَهُ تِلْكَ كَانَتْ تُحدث: أَنَّهُ مَرَّ بِهَا وَبَيْنَ عَيْنَيْهِ غُرَّةٌ مِثْلُ غُرَّةِ الْفَرَسِ، قَالَتْ: فدعوتُه رجاءَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ بِي، فَأَبَى عَلَيَّ، وَدَخَلَ عَلَى آمِنَةَ، فَأَصَابَهَا، فَحَمَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أوسطَ قَوْمِهِ نَسَبًا، وَأَعْظَمَهُمْ شَرَفًا مِنْ قِبل أَبِيهِ وأمِّه ﷺ .
ذِكْرُ مَا قِيلَ لِآمِنَةَ عِنْدَ حَمْلِهَا بِرَسُولِ الله ﷺ
رؤيا آمنة: وَيَزْعُمُونَ -فِيمَا يَتَحَدَّثُ الناسُ -وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ آمنة ابنة وَهْبٍ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ تُحدِّثُ:
أَنَّهَا أُتِيَتْ حِينَ حَملت بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ -فَقِيلَ لَهَا: إنَّكَ قَدْ حَمَلْتِ بِسَيِّدِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِذَا وَقَعَ إلَى الْأَرْضِ، فَقُولِي: أُعِيذُهُ بِالْوَاحِدِ، مِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ، ثُمَّ سَمِّيهِ: مُحَمَّدًا١.
стр. 141
وَرَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ رَأَتْ بِهِ قُصُورَ بُصْرَى، مِنْ أَرْضِ الشام.
وفاة عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ لَمْ يلبثْ عبدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَبُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ هَلَكَ، وأمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَامِلٌ بِهِ١.
وِلَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ :
ابن إسحاق يحدد الميلاد: قال حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البكَّائي عن محمد بن إسحاق قال: وُلد رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، لاثنتيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شهر ربيع الأول، عامَ الفيل٢.
стр. 142
قال ابن إسحاق: وحدثني المطَّلب بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمة عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَده قَيْس بْنِ مَخْرمة. قَالَ:
وُلدت أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عام الفيل: فنحن لِدَتَانِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي صالحُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ يَحْيَى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سَعْدِ بْنِ زُرَارة الْأَنْصَارِيِّ. قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ شِئْتُ مِنْ رِجَالِ قَوْمِي عَنْ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَغُلَامٌ يفعَة، ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ، أَعْقِلُ كُلَّ مَا سَمِعْتُ، إذْ سَمِعْتُ يَهُودِيًّا يَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ عَلَى أطَمَة بيثْرب: يَا معشرَ يَهُودِ! حَتَّى إذَا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ، قَالُوا لَهُ: وَيْلَكَ مَا لَكَ؟! قَالَ: طَلَعَ الليلةُ نَجمُ أَحْمَدِ الَّذِي وُلد به.
قال ابن إسْحَاقَ: فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَقُلْتُ: ابْنُ كَمْ كَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مَقْدَم رَسُولِ اللَّهِ – ﷺ الْمَدِينَةَ؟ فَقَالَ: ابْنُ سِتِّينَ، وَقَدِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ – ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، فَسَمِعَ حَسَّانُ مَا سَمِعَ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ.
إعْلَامُ جده لولادته وما فعله به: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا وَضَعَتْهُ أُمُّهُ ﷺ أَرْسَلَتْ إلَى جَدِّه عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: أَنَّهُ قَدْ وُلد لَكَ غُلَامٌ، فَأْتِهِ فانظرْ إلَيْهِ، فَأَتَاهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ، وحَدَّثَتْه بِمَا رَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ، وَمَا قِيلَ لَهَا فيه، وما أمرت به أن تسمِّيَه.
فَيَزْعُمُونَ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَخَذَهُ، فَدَخَلَ بِهِ الْكَعْبَةَ فَقَامَ يَدْعُو اللَّهَ، وَيَشْكُرُ لَهُ مَا أعطاه١.
стр. 143
ثُمَّ خَرَجَ بِهِ إلَى أُمِّهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهَا، والتُمس لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرُّضعاءُ١.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَرَاضِعُ. وَفَى كِتَابِ اللَّهِ ﵎ فِي قِصَّةِ مُوسَى ﵇: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ ٢ [القصص: ١٢] .
مرضعته حليمة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَاسْتَرْضَعَ لَهُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. يُقَالُ لَهَا: حَلِيمَةُ ابنة أبي ذُؤيْب.
نسب مرضعته: وَأَبُو ذُؤيْب: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ شِجْنَة بن جابر بن رِزام بن
стр. 144
نَاصِرَةَ بْنِ فُصَيَّة بْنِ نَصْرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكرمة بن خَصَفة بن قَيْس بن عَيْلان.
زوج حليمة ونسبه: وَاسْمُ أَبِيهِ الَّذِي أَرْضَعَهُ ﷺ – الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ العُزَّى بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ مَلان بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ فُصَيَّة بْنِ نَصْرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ١.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَيُقَالُ: هِلَالُ بْنُ نَاصِرَةَ.
أولاد حليمة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَإِخْوَتُهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ: عَبْدُ الله بن الحارث، وأنَيْسة بنت الحارث، وخِذامة٢ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَهِيَ الشَّيْمَاءُ، غَلَبَ ذَلِكَ عَلَى اسْمِهَا فَلَا تُعرف فِي قَوْمِهَا إلَّا بِهِ. وَهُمْ لِحَلِيمَةِ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، أُمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَذْكُرُونَ أَنَّ الشَّيْمَاءَ كَانَتْ تَحْضُنُهُ مع أمها إذْ كان عندهم.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي جَهْم بْنُ أَبِي جَهْم مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبِ الجُمحي، عَنْ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أو عمن حدثه عنه قال:
стр. 145
حديث حليمة: كَانَتْ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤيب السَّعْدية، أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ١، تُحدِّث: أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ بَلَدِهَا مَعَ زَوْجِهَا، وَابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ تُرْضِعُهُ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، تَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ، قَالَتْ: وَذَلِكَ فِي سَنَةٍ شَهْبَاءَ، لَمْ تُبقِ لَنَا شَيْئًا: قَالَتْ: فَخَرَجَتْ عَلَى أَتَانٍ لِي قمْراء، مَعَنَا شَارِفٌ لَنَا، وَاَللَّهِ مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةٍ، وَمَا نَنَامُ لَيلَنا أجمعَ مِنْ صَبِيِّنَا الَّذِي مَعَنَا، مِنْ بُكَائِهِ مِنْ الْجَوْعِ، مَا فِي ثَدْيَيَّ مَا يُغْنِيهِ، وَمَا فِي شَارِفِنَا مَا يغدِّيه -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: يغذِّيه٢- وَلَكِنَّا كُنَّا نَرْجُو الغَيْث وَالْفَرَجَ، فَخَرَجْتُ عَلَى أَتَانِي تِلْكَ، فَلَقَدْ أدَمْتُ٣ بالرَّكْب، حَتَّى شقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ضَعْفًا وعَجَفًا، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ نَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ، فَمَا مِنَّا امْرَأَةٌ إلَّا وَقَدْ عُرض عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فتأباه، إذا قيل لها
следующие страницы →