← Сира

Сира · id 7450

سيرة ابن هشام - ت طه عبد الرؤوف سعد

عبد الملك بن هشام

Полный текст (594 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

محمد رسول الله ﷺ أَرْبَعِينَ سَنَةً بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى١ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا، وَكَانَ اللهُ ﵎ قَدْ أَخَذَ الميثاقَ عَلَى كلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ قبلَه بالإِيمان بِهِ، وَالتَّصْدِيقِ لَهُ، وَالنَّصْرِ لَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ أَنْ يؤدُّوا ذَلِكَ إلَى كلِّ مَنْ آمَنْ بِهِمْ وَصَدَّقَهُمْ، فَأَدَّوْا مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ الحقِّ فِيهِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] . أَيْ ثِقَلَ مَا حَمَّلْتُكُمْ مِنْ عَهْدِي: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] ، فَأَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ جَمِيعًا بِالتَّصْدِيقِ لَهُ، وَالنَّصْرِ لَهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ، وَأَدَّوْا ذَلِكَ إلَى مَنْ آمَنْ بِهِمْ، وَصَدَّقَهُمْ مِنْ أَهْلِ هَذَيْنِ الكتابين. الرؤيا الصادقة أَوَّلَ مَا بُدئ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذُكِرَ الزهريُّ عَنْ عُروة بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ: أَنَّ أولَ مَا بُدئ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ النُّبُوَّةِ، حِينَ أَرَادَ اللَّهُ كَرَامَتَهُ وَرَحْمَةَ الْعِبَادِ بِهِ: الرُّؤْيَا الصادقةُ، لَا يَرَى رسولُ اللَّهِ ﷺ رُؤْيَا فِي نومِه إلَّا جَاءَتْ كَفَلَقِ الصُّبْحِ قالتْ: وَحَبَّبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ الْخَلْوَةَ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يخلوَ وحدَه. سلام الحجر وَالشَّجَرِ عَلَيْهِ، ﷺ : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُبَيْد الله

стр. 212

ابن أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ، وكان واعيةً، عن بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَادَهُ اللَّهُ بِكَرَامَتِهِ، وَابْتَدَأَهُ بِالنُّبُوَّةِ، كَانَ إذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أبعدَ حَتَّى تحسَّرَ عَنْهُ البيوتُ، ويُفضى إلَى شِعاب مَكَّةَ وَبُطُونِ أَوْدِيَتِهَا، فَلَا يَمُرُّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ، إلَّا قَالَ: السلامُ عَلَيْكَ يَا رسولَ اللَّهِ١. قَالَ: فيلتفتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حولَه، وَعَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَخَلْفِهِ، فَلَا يَرَى إلَّا الشجرَ وَالْحِجَارَةَ، فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ يَرَى وَيَسْمَعُ، مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يمكثَ، ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ٢ بِمَا جَاءَهُ مِنْ كَرَامَةِ الله، وهو بحراء في شهر رمضان.

стр. 213

نزول جبريل عَلَيْهِ، ﷺ : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي، وَهْب بْنُ كَيْسان، مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ. قَالَ: سمعتُ عبدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ يَقُولُ لعُبَيد بْنِ عُمَيْر بْنِ قَتادة اللَّيْثَيَّ: حَدِّثْنَا يَا عُبَيْدُ، كَيْفَ كَانَ بدْءُ مَا ابتُدئ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ النُّبُوَّةِ، حِينَ جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇؟ قَالَ: فَقَالَ عُبيد -وَأَنَا حَاضِرٌ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ النَّاسِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي حِراء مِنْ كُلِّ سَنَةٍ شَهْرًا، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تحنَّث بِهِ قريش في الجاهلية. والتحنث: التبرُّر١. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وثَوْر وَمَنْ أَرْسَى ثَبِيرًا مكانَه ... ورَاقٍ ليَرْقَى فِي حِراءَ ونازِلِ التحنث والتحنف: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَقُولُ الْعَرَبُ: التَّحَنُّثُ وَالتَّحَنُّفُ، يريدون الحَنِيفية فيبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا: جَدَفَ وجَدَث. يريدون: القبرَ. قال رؤبةُ بن العَجّاج:

стр. 214

لَوْ كَانَ أَحْجَارِي مَعَ الأجْداف١ يُرِيدُ: الْأَجْدَاثَ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. وَبَيْتُ أَبِي طَالِبٍ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: فَمَّ، فِي مَوْضِعِ: ثُمَّ، يُبْدِلُونَ الْفَاءَ مِنْ الثَّاءِ. قَالَ ابن إسحاق: حدثني وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ: قَالَ عُبَيد: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ٢ ذَلِكَ الشهرَ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، يُطعم مَنْ جَاءَهُ مِنْ الْمَسَاكِينِ، فَإِذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جوارَه، مِنْ شَهْرِهِ ذَلِكَ، كَانَ أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ -إذَا انْصَرَفَ مِنْ جِوَارِهِ- الْكَعْبَةَ، قَبْلَ أَنْ يدخلَ بيتَه، فيطوفُ بِهَا سَبْعًا، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى بَيْتِهِ. حَتَّى إذَا كَانَ الشهرُ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِ مَا أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ، من السنة التي بعثه اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا، وَذَلِكَ الشهرُ: شهرُ رَمَضَانَ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى حِراء، كَمَا كَانَ يَخْرُجُ لجوارِه وَمَعَهُ أهلُه، حَتَّى إذَا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَكْرَمَهُ اللهُ فِيهَا بِرِسَالَتِهِ وَرَحِمَ العبادَ بِهَا، جَاءَهُ جبريلُ ﵇ بأمر الله تعالى.

стр. 215

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : "فَجَاءَنِي جبريلُ، وَأَنَا نَائِمٌ١، بِنَمَطٍ مِنْ دِيباجٍ٢ فيه

стр. 216

كِتَابٌ"، فَقَالَ: اقْرَأْ١، قَالَ: قُلْتُ: "مَا أَقْرَأُ"، قَالَ: "فغتَّني بِهِ٢، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ الموتُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي"؛ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ قُلْتُ: "مَا أَقْرَأُ؟ " قَالَ: "فغتَّني بِهِ، حَتَّى ظننتُ أَنَّهُ الموتُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي"، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: قُلْتُ: "مَاذَا أَقْرَأُ؟ " قَالَ: "فغتَّني بِهِ، حَتَّى ظننتُ أَنَّهُ الموتُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي"، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: فَقُلْتُ: "مَاذَا أَقْرَأُ؟ مَا أَقُولُ ذَلِكَ إلَّا افْتِدَاءً مِنْهُ أَنْ يَعُودَ لِي بِمِثْلِ مَا صَنَعَ بِي". فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١- آخرها] قَالَ: "فَقَرَأْتهَا، ثُمَّ انْتَهَى، فَانْصَرَفَ عَنِّي، وَهَبَبْتُ مِنْ نَوْمِي، فَكَأَنَّمَا كَتَبْتُ فِي قَلْبِي كِتَابًا". قَالَ: "فخرجتُ حَتَّى إذَا كنتُ فِي وسطٍ مِنْ الْجَبَلِ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السماءِ يَقُولُ: يَا محمدُ أَنْتَ رسولُ اللَّهِ، وَأَنَا جبريلُ، قَالَ: فرفعتُ رَأْسِي إلَى السَّمَاءِ أَنْظُرُ، فَإِذَا جبريلُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ صَافٍّ قَدَمَيْهِ٣ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ. قَالَ: فَوَقَفْتُ أَنْظُرُ إلَيْهِ فَمَا أَتَقَدَّمُ وَمَا أَتَأَخَّرُ، وجعلتُ أصرفُ وَجْهِي عَنْهُ فِي آفاقِ السَّمَاءِ، قَالَ: فَلَا أَنْظُرُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا إلَّا رَأَيْتُهُ كَذَلِكَ، فَمَا زلتُ وَاقِفًا مَا أَتَقَدَّمُ أَمَامِي، وَمَا أَرْجِعُ وَرَائِي حَتَّى بَعثَتْ خدِيجةُ رُسلَهَا فِي طَلَبِي، فَبَلَغُوا أَعْلَى مكةَ، وَرَجَعُوا إلَيْهَا، وَأَنَا وَاقِفٌ في مكاني ذلك، ثم انصرف عني". الرسول ﷺ يخبر خديجة ﵂ بنزول جبريل عليه: "وانصرفتُ رَاجِعًا إلَى أَهْلِي، حَتَّى أتيتُ خديجةَ، فَجَلَسْتُ إلَى فَخِذِهَا مُضيفًا إلَيْهَا"، فَقَالَتْ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، أَيْنَ كنتَ؟ فَوَاَللَّهِ لَقَدْ بَعَثَتْ رُسُلِي فِي طَلَبكَ، حَتَّى بَلَغُوا مكةَ وَرَجَعُوا لِي، "ثُمَّ حَدَّثْتهَا بِاَلَّذِي رأيتُ"، فَقَالَتْ: أبشرْ يابن عمِّ واثبُتْ فَوَاَلَّذِي نَفْسُ خَدِيجَةَ بِيَدِهِ إنِّي لأرجو أن تكون نبيَّ هذه الأمة.

стр. 217

خديجة ﵂ تخبر ورقة بن نوفل: ثُمَّ قَامَتْ فَجَمَعَتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا، ثُمَّ انْطَلَقَتْ إلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزى بْنِ قُصي، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهَا، وَكَانَ وَرَقَةُ قَدْ تَنَصَّرَ، وَقَرَأَ الْكُتُبَ، وَسَمِعَ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا أَخْبَرَهَا به رسول الله ﷺ أَنَّهُ رَأَى وَسَمِعَ. فَقَالَ ورقةُ بْنُ نَوْفَلٍ: قدُّوس قُدُّوسٌ، وَاَلَّذِي نَفْسُ ورقةَ بِيَدِهِ لَئِنْ كنتِ صَدَّقْتِينِي يَا خديجةُ لَقَدْ جَاءَهُ الناموسُ١ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى٢، وَإِنَّهُ لنبيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَقُولِي لَهُ: فَلْيَثْبُتْ. فَرَجَعَتْ خَدِيجَةُ إلى رسول الله ﷺ . فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ ورقةَ بْنِ نَوْفَل. فَلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ جوارَه وَانْصَرَفَ، صَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ: بَدَأَ بِالْكَعْبَةِ، فَطَافَ بِهَا. فَلَقِيَهُ ورقةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَهُوَ يطوف بالكعبة. فقال: يابن أَخِي أخبرْني بِمَا رأيتَ وسمعتَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ ورقةُ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّكَ لنبيُّ هَذِهِ الأمة، وقد جَاءَكَ الناموسُ الأكبرُ الَّذِي جَاءَ مُوسَى. ولتُكَذِّبنهْ، ولتُؤذَيَنَّهْ، ولتُخْرَجَنهْ، ولَتُقَاتلنَّهْ٣. وَلَئِنْ أَنَا أدركتُ٤ ذَلِكَ الْيَوْمَ لأنصرنَّ اللهَ نَصْرًا يَعْلَمُهُ. ثُمَّ أَدْنَى رأسَه مِنْهُ، فَقَبَّلَ يافوخَه، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى مَنْزِلِهِ.

стр. 218

تثبُّت خديجة ﵂ من الْوَحْيِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي إسماعيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ حُدِّث عَنْ خَدِيجَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيْ ابْنَ عَم، أَتَسْتَطِيعُ أَنَّ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِكَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ إذَا جَاءَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَتْ: فَإِذَا جَاءَكَ فَأَخْبِرْنِي بِهِ. فَجَاءَهُ جبريلُ ﵇، كَمَا كَانَ يصنعُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لخديجةَ: "يَا خديجةُ، هذا جبريلُ قد جاءني"، قالت: قم يابن عَمِّ فاجلسْ عَلَى فَخذي الْيُسْرَى، قَالَ: فَقَامَ رسول الله ﷺ فجلس عَلَيْهَا، قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَتْ: فتحولْ، فاجلسْ عَلَى فَخِذِي الْيُمْنَى، قَالَتْ: فَتَحَوَّلَ رسولُ الله ﷺ فجلس، على فخذي الْيُمْنَى، فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَتْ: فتحولْ فاجلسْ على حِجْرِي، قَالَتْ: فَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ فِي حِجْرِهَا، قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: فتحسَّرت وَأَلْقَتْ خمارَها وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي حِجْرِهَا، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: هَلْ تَرَاهُ؟ قال: "لا"، قالت: يابن عَمِّ، اُثْبُتْ وأبشرْ، فَوَاَللَّهِ إنَّهُ لَمَلَكٌ وَمَا هَذَا بِشَيْطَانٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدثتُ عبدَ اللَّهِ بْنَ حَسَنٍ١ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: قَدْ سمعتُ أُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتَ حُسين تُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ خَدِيجَةَ، إلَّا أَنِّي سَمِعْتُهَا تَقُولُ: أدخلتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دِرْعِهَا، فَذَهَبَ عندَ ذَلِكَ جِبْرِيلُ، فَقَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إنَّ هَذَا لَمَلَكٌ، وَمَا هُوَ بِشَيْطَانٍ.

стр. 219

ابتداء تنزيل القرآن: متى نزل الْقُرْآنِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فابتُدئ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّنْزِيلِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، بِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١- ٥] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حم?، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] وَذَلِكَ مُلْتقَى رسولِ اللَّهِ ﷺ والمشركين ببدر. تاريخ وقعة بدر: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَين: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ بِبَدْرٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، صبيحةَ سَبْعَ عَشْرةَ مِنْ رَمَضَانَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ تتامَّ الْوَحْيُ إلى رسول الله ﷺ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِاَللَّهِ مُصدِّق بِمَا جَاءَهُ مِنْهُ، قَدْ قَبله بقَبوله، وتحمَّل مِنْهُ مَا حُمِّله عَلَى رضَا الْعِبَادِ وَسَخَطِهِمْ، وَالنُّبُوَّةُ أَثْقَالٌ وَمُؤْنَةٌ، لَا يَحْمِلُهَا، وَلَا يَسْتَطِيعُ بِهَا، إلَّا أَهْلُ الْقُوَّةِ وَالْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ، بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ، لَمَا يَلْقَوْن مِنْ الناسِ، وَمَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ مِمَّا جَاءُوا بِهِ عَنْ اللَّهِ . قَالَ: فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، عَلَى مَا يَلْقَى مِنْ قَوْمِهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالْأَذَى. إسْلَامُ خديجة بنت خويلد: وقوفها بجانبه ﷺ : وَآمَنَتْ بِهِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلد، وصدَّقت بِمَا جَاءَهُ مِنْ اللَّهِ، ووازرَتْه عَلَى أَمْرِهِ، وَكَانَتْ أولَ مَنْ آمَنْ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وصدَّق بِمَا جَاءَ مِنْهُ، فَخَفَّفَ اللَّهُ بِذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا مِمَّا يَكْرَهُهُ مِنْ رَدٍّ عَلَيْهِ وَتَكْذِيبٍ لَهُ، فَيُحْزِنُهُ ذَلِكَ، إلَّا فرَّج اللَّهُ عَنْهُ بِهَا إذَا رَجَعَ إلَيْهَا، تثبِّته وَتُخَفِّفُ عَلَيْهِ، وتصدِّقه وَتُهَوِّنُ عَلَيْهِ أَمْرَ النَّاسِ، رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 220

تبشير خديجة بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوة، عَنْ أَبِيهِ عُروةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أمرتُ أَنْ أبشِّر خديجةَ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، لَا صخبَ فِيهِ وَلَا نَصَبٌ" ١. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: القصب اللؤلؤ المجوف. جبريل يُقرئ خديجة السلام من ربها: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، أن جبريل ﵇ أتى رسولَ الله ﷺ ؛ فَقَالَ: أُقْرِئْ خديجةَ السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا خديجةُ، هَذَا جِبْرِيلُ يقرِئُك السلامَ مِنْ رَبِّكَ"، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: اللهُ السلامُ، وَمِنْهُ السلامُ، وَعَلَى جبريلَ السلامُ. فَتْرَةُ الْوَحْيِ وَنُزُولُ سُورَةِ الضُّحَى: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فتْرةً مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى شقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأَحْزَنَهُ، فَجَاءَهُ جبريلُ بِسُورَةِ الضُّحَى، يُقسم لَهُ رُّبه، وَهُوَ الَّذِي أَكْرَمَهُ بِمَا أَكْرَمَهُ بِهِ، مَا ودَّعه وَمَا قَلاَه، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ١- ٤] يَقُولُ: مَا صَرَمَكَ فَتَرَكَكَ، وَمَا أَبْغَضَكَ مُنْذُ أَحَبَّكَ. ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ . أَيْ لمَا عِنْدِي مِنْ مَرْجِعِكَ إلىَّ، خيرٌ لَكَ مِمَّا عَجَّلْت لَكَ مِنْ الْكَرَامَةِ فِي الدُّنْيَا. ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ من الفُلح فِي الدُّنْيَا، وَالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ. ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٦٨] يُعَرِّفُهُ اللَّهُ مَا ابْتَدَأَهُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ فِي عَاجِلِ أَمْرِهِ، ومَنِّه عَلَيْهِ فِي يُتْمِهِ وعَيْلَته وَضَلَالَتِهِ، وَاسْتِنْقَاذِهِ مِنْ ذَلِكَ كلِّه بِرَحْمَتِهِ٢. تفسير مفردات سُورَةِ الضُّحَى: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَجَى: سُكْنٌ. قَالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ: إذْ أَتَى مَوْهِنًا وَقَدْ نَامَ صَحْبِي ... وَسَجَا الليلُ بالظلامِ البهيمِ٣

стр. 221

وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَيُقَالُ للعَيْن إذَا سَكَنَ طرفُها: سَاجِيَةٌ، وَسَجَا طرفُها. قَالَ جرير: وَلَقَدْ رَمَيْنَك حِينَ رُحْن بِأَعْيُنٍ ... يَقْتُلْنَ مِن خَلَلِ السُّتُورِ سَواجِي وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْعَائِلُ: الْفَقِيرُ. قَالَ أَبُو خِرَاش الهُذلي: إلى بيته يَأوي الضّريكُ إذا شَتا ... ومُستَنبح بالِي الدَّرِيسيْنِ عائلُ١ وَجَمْعُهُ: عَالَةٌ وَعَيْلٌ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ: وَالْعَائِلُ أَيْضًا: الَّذِي يَعُولُ الْعِيَالَ. وَالْعَائِلُ أَيْضًا: الْخَائِفُ. وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: بميزانِ قِسطٍ لَا يُخِسُّ شَعيرةً له ... شاهد من نفسِه غيرُ عائل وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا -إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهَا. وَالْعَائِلُ أَيْضًا الشَّيْءُ المُثْقِل المعيى يَقُولُ الرَّجُلُ: قَدْ عَالَنِي هَذَا الْأَمْرُ: أَيْ أَثْقَلَنِي وَأَعْيَانِي. قَالَ الْفَرَزْدَقُ: تَرَى الغرَّ الجَحَاجِحَ مِنْ قريشٍ ... إذَا مَا الأمرُ فِي الحَدَثانِ عَالاَ٢ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:٩، ١٠] أَيْ لَا تَكُنْ جَبَّارًا وَلَا مُتَكَبِّرًا، وَلَا فحَّاشًا فَظًّا عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] أَيْ بِمَا جَاءَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ نِعْمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ مِنْ النُّبُوَّةِ فحدثْ، أَيْ اذكرْها وادْعُ إلَيْهَا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يذكرُ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى العبادِ بِهِ مِنْ النبوةِ سِرًّا إلَى من يطمئن إليه من أهله.

стр. 222

ابتداء ما افترض الله على النبي ﷺ من الصلاة وأوقاتها وافتُرضت الصلاةُ عَلَيْهِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله عليه وَآلِهِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. افُترضت الصلاة رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ زِيدَتْ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَان عَنْ عُرْوة بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: افتُرضت الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَ مَا افتُرضت عَلَيْهِ، رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، كُلَّ صَلَاةٍ؛ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَتَمَّهَا فِي الحضَر أَرْبَعًا وَأَقَرَّهَا فِي السَّفَرِ عَلَى فَرْضها الأول ركعتين١. جبريل يعلم الرَّسُولَ ﷺ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بعضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الصَّلَاةَ حِينَ افتُرضت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَهَمَزَ لَهُ بِعَقِبِهِ فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ عَيْنٌ؛ فَتَوَضَّأَ جِبْرِيلُ ﵇، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إلَيْهِ، ليُرِيَه كَيْفَ الطَّهور لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا رَأَى جِبْرِيلَ تَوَضَّأَ. ثُمَّ قَامَ بِهِ جبريلُ فَصَلَّى بِهِ، وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَلَاتِهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ جبريلُ ﵇. الرسول ﷺ يُعلم خَدِيجَةَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَدِيجَةَ، فَتَوَضَّأَ لَهَا ليرِيَها كَيْفَ الطَّهورُ لِلصَّلَاةِ كَمَا أَرَاهُ جبريلُ، فَتَوَضَّأَتْ كَمَا تَوَضَّأَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵊، ثُمَّ صَلَّى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵊ كَمَا صَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ فَصَلَّتْ بصلاته٢.

стр. 223

جبريل يعين للرسول ﷺ أوقات الصلاة: قال ابن إسحاق: حدثني عُتبةُ بْنُ مُسْلم مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْر بْنِ مُطعِم، وَكَانَ نَافِعُ كَثِيرَ الرِّوَايَةِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا افتُرضت الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَصَلَّى بِهِ الظُّهْرَ حِينَ مَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظلُّه مثلَه، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشمسُ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ العِشاءَ الآخرةَ حِينَ ذَهَبَ الشَّفقُ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الفجرُ، ثُمَّ جَاءَهُ فَصَلَّى بِهِ الظُّهْرَ مِنْ غَدٍ حِينَ كَانَ ظلُّه مثلَه، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظلُّه مِثْلِيَّهُ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتْ الشمسُ لِوَقْتِهَا بِالْأَمْسِ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثلثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الصُّبْحَ مُسْفِرًا غيرَ مُشْرِقٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، الصلاةُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاتِكَ الْيَوْمَ وَصَلَاتِكَ بِالْأَمْسِ١. ذِكْرُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَوَّلُ ذَكَرٍ أَسْلَمَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ ذَكَرٍ مِنْ النَّاسِ آمن برسول الله وَصَلَّى مَعَهُ وصدَّق بِمَا جَاءَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، رِضْوَانُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وهو يومئذ ابن عشر سنين. نعمة الله على علي بنشأته في كَنَف الرسول: وَكَانَ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّهُ كَانَ فِي حِجْر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قبل الإِسلام. سبب هذه النشأة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عبدُ اللَّهِ بْنُ أبي نَجِيح، عن مُجاهد بن جَبْر بن أَبِي الحَجَّاج، قَالَ: كَانَ مِنْ نعمةِ اللَّهِ عَلَى عليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمِمَّا صَنَعَ الله له، وأراده

стр. 224

بِهِ مِنْ الْخَيْرِ، أَنَّ قُرَيْشًا أَصَابَتْهُمْ أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ ذَا عيالٍ كَثِيرٍ؛ فقال رسول الله ﷺ لِلْعَبَّاسِ عمِّه، وَكَانَ مِنْ أَيْسَرِ بَنِي هَاشِمٍ: يَا عَبَّاسُ، إنَّ أَخَاكَ أَبَا طَالِبٍ كَثِيرُ الْعِيَالِ، وَقَدْ أَصَابَ الناسَ مَا تَرَى مِنْ هَذِهِ الْأَزْمَةِ، فانطلقْ بِنَا إلَيْهِ، فلنخففْ عَنْهُ مِنْ عِيَالِهِ: آخُذُ مِنْ بَنِيهِ رَجُلًا، وَتَأْخُذُ أَنْتَ رَجُلًا، فَنَكِلُهُمَا عَنْهُ؛ فَقَالَ العباسُ: نَعَمْ. فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا أَبَا طَالِبٍ، فَقَالَا لَهُ: إنَّا نُرِيدُ أَنْ نخففَ عَنْكَ مِنْ عِيَالِكَ حَتَّى يَنْكَشِفَ عَنْ النَّاسِ مَا هُمْ فِيهِ؛ فَقَالَ لَهُمَا أَبُو طَالِبٍ: إذَا تَرَكْتُمَا لِي عَقيلًا فَاصْنَعَا مَا شِئْتُمَا، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَقِيلًا وَطَالِبًا١. فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا، فَضَمَّهُ إلَيْهِ، وَأَخَذَ الْعَبَّاسُ جَعْفَرًا فَضَمَّهُ إلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلِيٌّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ ﵎ نَبِيًّا، فاتَّبعه عَلِيٌّ ﵁، وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ؛ وَلَمْ يَزَلْ جَعْفَرٌ عِنْدَ الْعَبَّاسِ حَتَّى أَسْلَمَ واستغنى عنه. الرسول ﷺ وعليّ يخرجان إلى الصلاة في شعب مكة واكتشاف أبي طالب لهما: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أن رسول الله ﷺ كَانَ إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إلَى شِعَابِ مَكَّةَ، وَخَرَجَ مَعَهُ عليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مُسْتَخْفِيًا مِنْ أَبِيهِ أَبِي طَالِبٍ وَمِنْ جَمِيعِ أَعْمَامِهِ وَسَائِرِ قَوْمِهِ، فَيُصَلِّيَانِ الصَّلَوَاتِ فِيهَا، فَإِذَا أَمْسَيَا رَجَعَا فَمَكَثَا كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَا. ثُمَّ إنَّ أَبَا طَالِبٍ عَثَرَ عَلَيْهِمَا يَوْمًا وَهُمَا يُصليان، فَقَالَ لرسولِ اللَّهِ، ﷺ : يابن أَخِي! مَا هَذَا الدينُ الَّذِي أَرَاكَ تَدين بِهِ؟ قَالَ: "أَيْ عَمِّ! هَذَا دِينُ اللَّهِ وَدِينُ مَلَائِكَتِهِ، وَدِينُ رُسُلِهِ، وَدِينُ أَبِينَا إبْرَاهِيمَ –أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ – بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ رَسُولًا إلَى الْعِبَادِ، وَأَنْتَ أَيْ عَمِّ، أحقُّ مَنْ بذلتُ لَهُ النَّصِيحَةَ، ودعوتُه إلَى الهدَى، وأحقُّ مَنْ أَجَابَنِي إلَيْهِ وَأَعَانَنِي عَلَيْهِ"، أَوْ كَمَا قَالَ؟ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: أَيْ ابْنَ أَخِي! إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أفارقَ دِينَ آبَائِي وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ وَاَللَّهِ لَا يُخْلَصُ٢ إلَيْكَ بِشَيْءٍ تَكْرَهُهُ ما بَقيت.

стр. 225

وَذَكَرُوا أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: أَيْ بُنَيَّ! مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: يَا أَبَتِ، آمَنْتُ بِاَللَّهِ وبرسولِ اللَّهِ، وصدقتُه بِمَا جَاءَ بِهِ وصليتُ مَعَهُ لِلَّهِ وَاتَّبَعْتُهُ، فَزَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَمَا إنَّهُ لَمْ يَدْعُك إلَّا إلَى خَيْرٍ فَالْزَمْهُ. إسْلَامُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ثَانِيًا: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَسْلَمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ كَعْبِ بن عبد العُزَّى بن امرئ القيس الكلبي، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أولَ ذَكَرٍ أَسْلَمَ، وَصَلَّى بَعْدَ عَلِيِّ بن أبي طالب. نسب زيد: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ شَرَاحيل بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عَامِرِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ عَوْف بْنِ كِنانة بْنِ بَكْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُذْرَة بْنِ زيْد اللَّاتِ بْنِ رُفَيْدة بْنِ ثَوْر بْنِ كَلْبِ بْنِ وَبْرة. وَكَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ بْنِ خُوَيلد قَدِمَ مِنْ الشَّامِ بِرَقِيقٍ، فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ١ وَصِيفٌ. فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ عَمَّتُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَهِيَ يَوْمئِذٍ عِنْدَ رسول الله ﷺ فقال لَهَا: اخْتَارِي يَا عَمَّةُ أَيَّ هَؤُلَاءِ الْغِلْمَانِ شِئْتِ فَهُوَ لَكَ، فَاخْتَارَتْ زَيْدًا فَأَخَذَتْهُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهَا، فَاسْتَوْهَبَهُ مِنْهَا، فَوَهَبَتْهُ لَهُ، فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَبَنَّاهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أن يُوحى إليه. شعر حارثة أبي زيد عندما فقده: وَكَانَ أَبُوهُ حَارِثَةُ قَدْ جَزِعَ عَلَيْهِ جَزَعًا شَدِيدًا، وَبَكَى عَلَيْهِ حِينَ فَقَدَهُ، فَقَالَ: بكيتُ عَلَى زيدٍ ولمْ أدْرِ مَا فعلْ ... أحَي فيُرْجَى أَمْ أَتَى دونَه الأجلْ فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لسائلٌ أغَالكَ ... بَعْدِي السهلُ أَمْ غالَك الجبلْ وَيَا ليتَ شِعْري هَلْ لَكَ الدهرُ أوبةٌ ... فَحَسْبِي مِنْ الدُّنْيَا رجوعُك لِي بَجَلْ٢؟

стр. 226

تُذَكِّرْنيه الشمسُ عندَ طلوعِها ... وتَعرضُ ذِكْرَاهُ إذَا غربُها أَفَلْ وَإِنْ هَبَّت الأرواحُ هَيَّجنَ ذكرَه ... فياطولُ مَا حزْني عَلَيْهِ وَمَا وَجَل١ سَأُعْمِلُ نَصَّ العيسِ فِي الأرضِ جَاهِدًا ... وَلَا أسأمُ التَّطوَافَ أَوْ تسأمُ الْإِبِلْ٢ حَياتيَ أَوْ تَأْتِي عَلَيَّ مَنِيتي ... فكلُّ امْرِئٍ فانٍ وَإِنْ غرَّه الأملْ٣ ثُمَّ قَدِم عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : "إنْ شئتَ فَأَقِمْ عِنْدِي، وَإِنْ شئتَ فانطلقْ مَعَ أَبِيكَ"، فَقَالَ: بَلْ أُقِيمُ عِنْدَكَ. فَلَمْ يَزَلْ عندَ رسول الله ﷺ حتى بَعَثَهُ اللَّهُ فَصَدَّقَهُ وَأَسْلَمَ، وَصَلَّى مَعَهُ؛ فَلَمَّا أنزل الله : ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] قَالَ: أَنَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ. إسْلَامُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَشَأْنُهُ نَسَبُهُ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَسْلَمَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَاسْمُهُ عَتيق، وَاسْمُ أَبِي قحافة عُثمان بْنِ عَمرو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بن تَيْم بن مُرّة بن لُؤَي بن غالب بن فِهر. اسمه ولقبه: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي بَكْرٍ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَتِيقٌ: لَقَبٌ لحُسنِ وَجْهُهُ وَعِتْقُهُ. إِسْلَامُهُ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَظْهَرَ إسْلَامَهُ، وَدَعَا إلَى الله وإلى رسوله.

стр. 227

إيلاف قريش له وَدَعْوَتُهُ للإِسلام: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ١ رَجُلًا مَأْلَفًا لِقَوْمِهِ، مُحَبَّبًا سَهْلًا، وَكَانَ أنسبَ قُرَيْشٍ لِقُرَيْشٍ، وأعلمَ قُرَيْشٍ بِهَا، وَبِمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَكَانَ رَجُلًا تَاجِرًا، ذَا خُلق وَمَعْرُوفٍ، وَكَانَ رِجَالُ قومِه يَأْتُونَهُ وَيَأْلَفُونَهُ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرِ: لِعِلْمِهِ وَتِجَارَتِهِ وَحُسْنِ مُجَالَسَتِهِ، فَجَعَلَ يَدْعُو إلَى اللَّهِ وَإِلَى الإِسلام مَنْ وَثق بِهِ مِنْ قَوْمِهِ، مِمَّنْ يَغْشَاهُ وَيَجْلِسُ إلَيْهِ. ذِكْرُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِدَعْوَةِ أبي بكر ﵁: عثمان: قَالَ: فَأَسْلَمَ بِدُعَائِهِ -فِيمَا بَلَغَنِي- عثمانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب. الزبير: وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بن عبد العُزَّى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي. عبد الرحمن بن عوف: وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهرة بْنِ كلاب بن مُرة بن كعب بن لؤي. سعد بن أبي وقاص: وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَاسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ: مالك بن أهَيْب بن عبد مناف بن زُهرة بْنِ مُرة بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بن كعب بن لؤي. طلحة: وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْد اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمرو بن كَعْب بن سعد بن تَيْم بْنِ مُرَّة بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَي، فَجَاءَ بِهِمْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَجَابُوا لَهُ فَأَسْلَمُوا وصلُّوا. وَكَانَ رسول الله ﷺ يقول، فِيمَا بَلَغَنِي: "مَا دعوتُ أَحَدًا إلَى الإِسلام إلَّا كَانَتْ فِيهِ عِنْدَهُ كَبْوَة٢، وَنَظَرٌ وَتَرَدُّدٌ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافة، مَا عَكم عَنْهُ حِينَ ذكرتُه له، وما تردد فيه".

стр. 228

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: "بِدُعَائِهِ" عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: عَكَم: تَلَبَّثَ. قَالَ رُؤبة بْنُ العَجَّاج: وانصاعَ وثابَ بِهَا وَمَا عَكَمْ١ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ الثَّمَانِيَةُ الَّذِينَ سَبَقُوا الناسَ بالإِسلام فصَلُّوا وصدَّقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا جَاءَهُ مِنْ اللَّهِ. إسْلَامُ أَبِي عبيدة: ثُمَّ أَسْلَمَ أَبُو عُبَيْدة بْنُ الْجَرَّاحِ، وَاسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّة بْنِ الْحَارِثِ بن فِهْر. إسلام أبي سلمة: وَأَبُو سَلَمة، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الأسَد بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمر بن مخزوم بن يَقَظة بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَي. إسلام الأرقم: وَالْأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ. وَاسْمُ أَبِي الْأَرْقَمِ عَبْدُ مَنَافِ بْنِ أسَد -وَكَانَ أَسَدٌ يُكْنَى أبا جُنْدُب- بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم بن يَقَظة بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤَي. إسلام عثمان بن مظعون وأخويه: وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعون بْنِ حَبيب بْنِ وَهْب بن حُذَافة بن جُمَح بن عَمْرو بن هُصَيْص بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَأَخَوَاهُ قُدامة وعبد الله ابنا مظعون بن حبيب. إسلام عبيدة بن الحارث: وعُبَيْدة بْنُ الْحَارِثِ بْنُ المطَّلب بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصيَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرة بن كعب بن لُؤَي. إسلام سعيد بن زيد وامرأته: وسعيد بن زيد بن عَمرو بن نُفَيْل بْنِ عَبْدِ العُزَّي بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرط بن رياح بن رزاح بن عدي بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ؛ وَامْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفيل بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْط بْنِ رِياح بْنِ رَزَاح بن عَدي بن كعب ابن لُؤَي، أخت عمر بن الخطاب.

стр. 229

إسلام أسماء وعائشة ابنتي أبي بكر وخباب بن الأرت: وأسْماء بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ وَعَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَهِيَ يَوْمئِذٍ صَغِيرَةٌ وخَبَاب بْنُ الأرَت، حَلِيفُ بَنِي زُهْرة. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خَبَّاب بْنُ الأرَتِّ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَيُقَالُ: هُوَ مِنْ خُزَاعَةَ. إسْلَامُ عُمَير وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ الْقَارِّيِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وعُمَيْر بْنُ أَبِي وقَّاص، أَخُو سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شَمْخ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ صَاهلة بْنِ كَاهِلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْل. وَمَسْعُودُ بْنُ القَارِي، وَهُوَ مَسْعُودُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ حَمَالَةَ بْنِ غَالِبِ بْنِ مُحَلِّم بْنِ عَائِذَةَ بْنِ سُبَيْع بْنِ الهَوْن بْنِ خُزَيْمَةَ من القَارَةِ. قال ابن هشام: والقارة: لقب، وَلَهُمْ يُقَالُ: قَدْ أَنْصَفَ القارَةَ مَنْ رَامَاهَا وَكَانُوا قَوْمًا رُماة١. إسْلَامُ سَلِيطٍ وَأَخِيهِ، وَعَيَّاشٍ وَامْرَأَتِهِ وَخُنَيْسٍ وَعَامِرٍ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وسَلِيط بن عَمرو بن عبد شمس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَي بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْر؛ وَأَخُوهُ حَاطِبُ بْنُ عَمرو وعَيَّاش بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمر بن مخزوم بنِ

стр. 230

يَقَظَة بن مُرة بن كعب بن لؤي؛ وَامْرَأَتُهُ أَسَمَاءُ بِنْتُ سَلَامَةَ بْنِ مُخرِّبة التَّمِيمِيَّةُ. وخُنَيْس بْنُ حُذافة بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمرو بْنِ هُصَيْص بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، مِنْ عَنْز بْنِ وَائِلٍ، حَلِيفُ آلِ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْل بْنِ عَبْدِ العُزَّى. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَنْز بْنُ وَائِلِ أَخُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، مِنْ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ. إسْلَامُ ابنيْ جَحْشٍ، وجعفر وامرأته، وحاطب وإخوته وَنِسَائِهِمْ، وَالسَّائِبِ، وَالْمُطَّلِبِ وَامْرَأَتِهِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئاب بْنِ يَعْمَر بن صَبِرة بن مُرة بن كبير بن غَنْم بن دُودَان بن أسد بن خُزَيمة. وَأَخُوهُ أَبُو أَحَمْدَ بْنُ جَحْشٍ، حَلِيفَا بَنِي أُمِّيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ. وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ وَامْرَأَتُهُ أَسَمَاءُ بِنْتُ عُمَيْس بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قُحَافَةَ، مِنْ خَثْعم. وَحَاطِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَعْمَر بْنِ حَبيب بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذافة بْنِ جُمَح بن عمرو بن هُصيْص بن كعب بْنِ لُؤَيٍّ، وَامْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ المُجَلَّل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْس بْنِ عَبْدِ وُدّ بن نَصر بن مالك بن حِسْل بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَي بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهر وأخوه خطَّاب بْنُ الْحَارِثِ، وَامْرَأَتُهُ فُكَيْهة بِنْتُ يَسار. ومَعْمَر بن الحارث بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافة بْنِ جُمَح بن عَمْرو بن هُصَيْص بن كعب بْنِ لُؤَي. وَالسَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعون بْنِ حَبِيب بْنِ وَهْب. والمطَّلِب بْنُ أزْهَر بن عبد عَوْف بن عبد بن الحارث بْنِ زُهْرة بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّة بْنِ كَعْب بْنِ لُؤَي، وَامْرَأَتُهُ: رَمْلَة بِنْتُ أَبِي عوف بن ضُبَيْرة بْنِ سَعيد بْنِ سَهْم بْنِ عَمْرو بْنِ هُصَيْص بن كعب بن لُؤَي. إسلام نعيم: والنَّحَّام، وَاسْمُهُ نُعَيْم بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أسَد، أخو بني كعب بن لؤي. نسب نعيم: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ نُعَيم بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أسَيْد بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بْنِ لُؤَيِّ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ النَّحَّام؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ نَحْمَه فِي الْجَنَّةِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: نَحْمه: صوته أو حِسّه. إسلام عامر بن فهيرة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، مَوْلَى أبي بكر الصديق ﵁.

стр. 231

نسبه: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَامِرُ بْنُ فُهَيْرة مُوَلَّد من مُوَلِّدي الأسَيْد، أسْوَد اشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ منهم. إسلام خالد بن سيد ونسبه وإسلام امرأته: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عبد مناف بن قُصي بْنِ مُرَّة بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَامْرَأَتُهُ أمَيْنة بنت خَلَف بن أسعد بن عامر بْنِ بَيَاضة بْنِ سُبَيْع بْنِ جُعْثُمة بْنِ سَعْدِ بْنِ مُلَيْح بْنِ عَمرو، مِنْ خُزاعة. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: هُمَيْنة بِنْتُ خَلَفٍ. إسلام حاطب وأبي حذيفة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَاطِبُ بْنُ عَمرو بْنِ عبد شمس بن عبد وُدّ بن نَصر بن مالك بن حِسْل عامر بن لُؤَي بن غالب بن فِهْر، وَاسْمُهُ مُهْشِم فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، بْنِ عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصي بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرة بن كعب بن لُؤَي. إسلام واقد وشيء من خبره: وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَرِين بْنِ ثَعْلبة بْنِ يَرْبوع بْنِ حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تَمِيمٍ، حَلِيفُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: جَاءَتْ بِهِ بَاهِلَةُ، فَبَاعُوهُ مِنْ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْل، فَتَبَنَّاهُ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ . [الأحزاب: ٥] قَالَ: أَنَا وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فِيمَا قَالَ أَبُو عَمرو الْمَدَنِيُّ. إسْلَامُ بَنِي الْبَكِيرِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَالِدٌ وَعَامِرٌ وَعَاقِلٌ وَإِيَاسٌ بَنُو البُكَيْر بْنِ عَبْدِ يَاليل بْنِ ناشِب بْنِ غِيَرَة بْنِ سَعْدِ بْنِ لَيْث بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةِ بْنِ كِنَانَةِ حَلْفَاءُ بَنِي عدي بن كعب. إسلام عمار: بْنُ يَاسِرٍ حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ عَنْسِيٌّ من مذحج. إسلام صهيب: قال ابن إسحاق: صهيب بْنُ سِنَانٍ أَحَدُ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ حَلِيفُ بني تيم بن مرة. نسب صهيب: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: النَّمِرُ بْنُ قَاسِطِ بْنِ هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، وَيُقَالُ: أَفْصَى بْنُ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدٍ؛ وَيُقَالُ: صُهَيْبٌ: مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ. وَيُقَالُ: إنَّهُ رُومِيٌّ. فَقَالَ بعضُ مَن ذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، إنَّمَا كَانَ أَسِيرًا فِي

стр. 232

أَرْضِ الرُّومِ، فاشتُرِيَ مِنْهُمْ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : "صُهَيب سابق الروم" ١. مباداة رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ قومَه، وما كان منهم: أَمْرُ اللَّهِ لَهُ ﷺ بِمُبَادَاةِ قَوْمِهِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ دَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ أرْسالًا مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، حَتَّى فَشَا ذكرُ الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ، وتُحدث بِهِ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أَمَرَ رسولَه ﷺ أَنْ يَصْدعَ بِمَا جَاءَهُ مِنْهُ، وَأَنْ يباديَ النَّاسَ بِأَمْرِهِ، وَأَنْ يدعوَ إلَيْهِ، وَكَانَ بَيْنَ مَا أَخْفَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرَهُ وَاسْتَتَرَ بِهِ إلَى أَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِإِظْهَارِ دِينِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ -فِيمَا بَلَغَنِي- مِنْ مَبْعَثِهِ؛ ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] ٢. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ . معنى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] : قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اصْدَعْ: افْرُقْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. قَالَ أَبُو ذُؤيْب الهُذَلي، وَاسْمُهُ خُوَيْلد بْنُ خَالِدٍ، يَصِفُ أُتُنَ٣ وحْش وفحلَها: وكأنهنَّ رِبابَة وَكَأَنَّهُ يَسَر ... يفيضُ عَلَى القِداحِ ويَصْدُعُ٤ أَيْ يُفَرِّق عَلَى الْقِدَاحِ وَيُبَيِّنُ أنصباءَها. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَقَالَ رُؤبَة بْنُ العَجَّاج: أنتَ الحليمُ والأميرُ المنتقمْ ... تَصدَعُ بالحقِّ وتَنْفِي مَنْ ظَلَمْ

стр. 233

وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. خُرُوجُ الرَّسُولِ ﷺ بأصحابه للصلاة في الشِّعْب: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا صَلَّوْا، ذَهَبُوا فِي الشِّعَابِ، فَاسْتَخْفَوْا بِصَلَاتِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، فبيْنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أصحاب رسول الله ﷺ فِي شِعْب مِنْ شِعاب مَكَّةَ، إذْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ نَفَرٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَنَاكَرُوهُمْ، وَعَابُوا عَلَيْهِمْ مَا يَصْنَعُونَ حَتَّى قَاتَلُوهُمْ، فَضَرَبَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَوْمَئِذٍ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ بلَحْي بَعِيرٍ١ فشجَّه، فَكَانَ أَوَّلَ دَمٍ هُرِيقَ في الإِسلام. عداوة قومه ومساندة أبي طالب له: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا بادَى رسولُ اللَّهِ ﷺ قومَه بِالْإِسْلَامِ وصدَع بَهْ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ قَوْمُهُ، وَلَمْ يردُّوا عَلَيْهِ -فِيمَا بَلَغَنِي- حَتَّى ذَكَرَ آلِهَتَهُمْ وَعَابَهَا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ أَعْظَمُوهُ وَنَاكَرُوهُ، وَأَجْمَعُوا خلافَه وَعَدَاوَتَهُ، إلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ بالإِسلام، وَهُمْ قَلِيلٌ مستَخْفُون، وحَدِب٢ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عمُّه أَبُو طَالِبٍ، وَمَنَعَهُ وَقَامَ دونَه، وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، مُظْهِرًا لأمرِه، لَا يَرُدُّهُ عَنْهُ شَيْءٌ. فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يُعْتِبهم٣ مِنْ شَيْءٍ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ، مِنْ فراقَهم وعَيب آلِهَتِهِمْ، وَرَأَوْا أَنَّ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ قَدْ حَدِب عَلَيْهِ، وَقَامَ دونَه، فَلَمْ يُسْلِمْهُ لَهُمْ، مَشَى رِجَالٌ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ إلَى أَبِي طَالِبٍ، عُتبة وشَيْبة ابْنَا رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصي بْنِ كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بْنِ غَالِبٍ. وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بْنِ قُصي بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كعب بن لُؤَي بن غالب بن فهر. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي سُفْيَانَ صَخْر.

стр. 234

قال ابن إسحاق: وأبو البَخْتري، اسمه العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو البَخْتري: الْعَاصِ بْنُ هَاشِمٍ١. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزي بْنِ قُصَيِّ بْنِ كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي. وَأَبُو جَهْلٍ -وَاسْمُهُ عَمْرو، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ- بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الله بن عمر بن مخزوم بن يَقَظة بْنِ مُرة بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَالْوَلِيدُ بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مُرة بن كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. ونُبَيْه ومُنَبه ابْنَا الْحَجَّاجِ بْنِ عَامِرِ بْنِ حُذيفة بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْم بن عَمرو بن هُصيْص بن كعب بْنِ لُؤَيٍّ. وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْعَاصِ بْنُ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَهْم بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْص بن كعب بن لؤي. وفد قريش يعاتب أبا طالب: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَوْ مَنْ مَشَى مِنْهُمْ. فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، إنَّ ابْنَ أَخِيكَ قَدْ سَبَّ آلِهَتَنَا، وَعَابَ دينَنا، وسفَّه أحلامَنا، وضلَّل آباءَنا؛ فَإِمَّا أَنْ تكفَّه عَنَّا، وَإِمَّا أَنَّ تُخَلِّيَ بينَنَا وَبَيْنَهُ، فَإِنَّكَ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ، فنَكْفِيكه. فَقَالَ لَهُمْ أَبُو طَالِبٍ قَوْلًا رَفِيقًا وَرَدَّهُمْ رَدًّا جميلًا، فانصرفوا عنه. الرسول ﷺ يستمر في دعوته: وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ يُظهر دينَ اللَّهِ، وَيَدْعُو إلَيْهِ، ثُمَّ شَرَى٢ الأمرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حَتَّى تَبَاعَدَ الرِّجَالُ وَتَضَاغَنُوا٣، وَأَكْثَرَتْ قُرَيْشٌ ذِكرَ رسول الله ﷺ بينَها، فتذامروا فيه، وحضَّ بعضُهم بعضًا عليه٤.

стр. 235

رجوع الوفد إلى أبي طالب مرةً ثانيةً: ثُمَّ إنَّهُمْ مَشَوْا إلَى أَبِي طَالِبٍ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا طَالِبٍ، إنَّ لَكَ سِنًّا وَشَرَفًا وَمَنْزِلَةً فِينَا، وَإِنَّا قَدْ اسْتَنْهَيْنَاكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ فَلَمْ تَنْهه عَنَّا، وَإِنَّا وَاَللَّهِ لَا نصبرُ عَلَى هَذَا مِنْ شَتْم آبَائِنَا، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا، وَعَيْبِ آلِهَتِنَا، حَتَّى تَكُفَّهُ عَنَّا، أَوْ نُنَازِلَهُ وَإِيَّاكَ فِي ذَلِكَ، حَتَّى يهَلَك أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ -أَوْ كَمَا قَالُوا لَهُ- ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ، فَعَظُمَ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فِرَاقُ قَوْمِهِ وَعَدَاوَتُهُمْ، وَلَمْ يَطِبْ نَفْسًا بِإِسْلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لهم ولا خِذلانه. ما دار بين الرسول ﷺ وأبي طالب: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بن المغيرة بن الأخْنَس أنه حُدِّث: أن قُرَيْشًا حِينَ قَالُوا لِأَبِي طَالِبٍ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، بَعَثَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال له: يابن أَخِي، إنَّ قومَك قَدْ جَاءُونِي، فَقَالُوا لِي كذا وكذا، الذي كَانُوا قَالُوا لَهُ، فَأَبْقِ عليَّ وَعَلَى نَفْسِكَ، وَلَا تُحمّلْني مِنْ الْأَمْرِ مَا لَا أُطِيقُ؛ قَالَ: فَظَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لِعَمِّهِ فِيهِ بَدَاءً١ أَنَّهُ خَاذِلُهُ ومُسْلِمُه، وَأَنَّهُ قَدْ ضَعُف عَنْ نُصْرَتِهِ وَالْقِيَامِ مَعَهُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَمُّ، وَاَللَّهِ لَوْ وَضَعُوا الشمسَ فِي يَمِينِي، والقمرَ فِي يَسَارِي٢ عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظهره اللَّهُ، أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ. قَالَ: ثُمَّ اسْتَعْبَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فَبَكَى ثُمَّ قَامَ؛ فَلَمَّا وَلَّى ناداه أبو طالب، فقال: أقبلْ يابن أَخِي؛ قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقال: اذهبْ يابن أَخِي، فقلْ مَا أحببتَ، فَوَاَللَّهِ لَا أسْلمك لشيء أبدًا. قريش تعرض عمارة بن الوليد على أبي طالب: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا حِينَ عَرَفُوا أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَدْ أَبَى خذلانَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِسْلَامَهُ، وَإِجْمَاعَهُ لِفِرَاقِهِمْ فِي ذَلِكَ وَعَدَاوَتِهِمْ، مَشَوْا إلَيْهِ بعُمارة بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالُوا لَهُ -فِيمَا بَلَغَنِي- يَا أَبَا طَالِبٍ، هَذَا عُمارةُ بْنُ الْوَلِيدِ، أنْهدُ٣ فَتًى فِي قُرَيْشٍ وأجملُه، فخذه فلك عَقْلُه ونَصْرُه. واتخذْه ولدًا

стр. 236

فَهُوَ لَكَ وأسلمْ إلَيْنَا ابْنَ أَخِيكَ هَذَا، الَّذِي قَدْ خَالَفَ دينَك ودينَ آبَائِكَ، وَفَرَّقَ جَمَاعَةَ قَوْمِكَ وسفَّه أحلامَهم، فَنَقْتُلَهُ، فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ بِرَجُلِ؛ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَبِئْسَ مَا تَسُومُونَنِي، أَتُعْطُونَنِي ابْنَكُمْ أغذُوه لَكُمْ، وَأُعْطِيكُمْ ابْنِي تَقْتُلُونَهُ؟! هَذَا وَاَللَّهِ مَا لَا يَكُونُ أَبَدًا. قَالَ: فَقَالَ المُطْعِم بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفل بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصي: وَاَللَّهِ يَا أَبَا طَالِبٍ لَقَدْ أَنْصَفَكَ قومُك، وَجَهَدُوا عَلَى التَّخَلُّصِ مِمَّا تَكْرَهُهُ، فَمَا أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمْ شَيْئًا؛ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِلْمُطْعِمِ: وَاَللَّهِ مَا أَنْصَفُونِي، وَلَكِنَّكَ قَدْ أجمعتَ خِذْلَانِي وَمُظَاهَرَةَ الْقَوْمِ عليَّ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ، أَوْ كما قَال. قَالَ: فَحَقَبَ الْأَمْرُ١، وَحَمِيَتْ الحربُ، وَتَنَابَذَ الْقَوْمُ، وبادَى بعضُهم بَعْضًا. شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ فِي المطعم ومن خذله: فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ عِنْدَ ذَلِكَ، يُعَرِّضُ بالمطْعِم بْنِ عَدِيّ، وَيَعُمُّ مَنْ خَذَلَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَمَنْ عَادَاهُ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ، وَيَذْكُرُ مَا سَأَلُوهُ، وَمَا تَبَاعَدَ مِنْ أَمْرِهِمْ: ألا قل لِعَمْرٍو والوليدِ ومُطْعِم ... أَلَا لَيْتَ حظِّي مِنْ حياطتِكم بكرُ٢ مِنْ الخُور حَبْحَاب كثيرٌ رُغاؤه ... يُرَشُ عَلَى الساقَيْن مِنْ بولِه قَطْرُ٣ تَخلّف خالفَ الوِرْدِ لَيْسَ بِلَاحِقِ ... إذَا مَا عَلَا الفَيْفاء قِيلَ لَهُ وَبْرُ٤ أَرَى أخويْنَا مِنْ أَبِينَا وأمِّنا ... إذَا سُئلا قَالَا إلَى غيرِنا الأمرُ بلَى لَهُمَا أَمْرٌ وَلَكِنْ تَجَرجَمَا كَمَا ... جُرْجِمَتْ من رأسِ ذي عَلَقٍ صخرُ٥ أخُصُّ خُصُوصًا عبدَ شَمْسٍ ونوْفلًا ... هُمَا نَبَذَانَا مثلَ مايُنبَذُ الجمرُ هما أغمزَا القومَ فِي أخَوَيْهما ... فَقَدْ أَصْبَحَا مِنْهُمْ أكفُّهما صِفْرُ٦

стр. 237

هُمَا أَشْرَكَا فِي المجدِ مَنْ لَا أَبَا ... لَهُ مِنْ الناسِ إلَّا أَنْ يُرَسَّ لَهُ ذِكْرُ١ وتَيْم وَمَخْزُومٌ وزُهرة منهمُ ... وَكَانُوا لَنَا مَوْلى إذَا بُغيَ النصرُ فواللهِ لَا تنفكُّ مِنَّا عَداوةٌ وَلَا ... منهمُ مَا كَانَ مِنْ نَسْلِنا شَفْر٢ فَقَدْ سَفُهَتْ أحلامُهم وعقولُهم ... وَكَانُوا كجَفْر بئسَ مَا صنعتْ جَفْرُ قَالَ ابْنُ هشام: تركنا منها بيتين أقذع فيهما. قريش تُظهر عداوتها للمسلمين: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا تَذَامَرُوا بينَهم على من في القبائل مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مَعَهُ، فَوَثَبَتْ كلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ فِيهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُعَذِّبُونَهُمْ، وَيَفْتِنُونَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَمَنَعَ اللهُ رسولَه ﷺ مِنْهُمْ بعمِّه أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ قَامَ أَبُو طَالِبٍ، حِينَ رَأَى قُرَيْشًا يَصْنَعُونَ مَا يَصْنَعُونَ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِيَّ الْمُطَّلِبِ فَدَعَاهُمْ إلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، مِنْ مَنْع رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقِيَامِ دونَه؛ فَاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، وَقَامُوا مَعَهُ وَأَجَابُوهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ أَبِي لَهَبٍ، عَدُوِّ اللَّهِ الْمَلْعُونِ. شِعْرُ أَبِي طالب في مدح قومه لنصرته: فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ مِنْ قَوْمِهِ مَا سرَّه فِي جَهْدِهِمْ مَعَهُ، وحَدَبهم عَلَيْهِ، جَعَلَ يَمْدَحُهُمْ وَيَذْكُرُ قَدِيمَهُمْ، وَيَذْكُرُ فضلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ، ومكانَه مِنْهُمْ، لِيَشُدَّ لَهُمْ رَأْيَهُمْ، وليَحْدَبوا مَعَهُ عَلَى أَمْرِهِ، فَقَالَ: إذَا اجتمعتْ يَوْمًا قُرَيْشٌ لِمَفْخَرٍ ... فعبدُ منافٍ سِرُّها وصميمُها٣ وَإِنْ حُصِّلت أشرافُ عَبْدِ مَنَافِهَا ... فَفِي هاشمٍ أشرافُها وقديمُها وَإِنْ فخَرَتْ يَوْمًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا هُوَ ... المصطَفى مَنْ سرِّها وَكَرِيمُهَا تداعتْ قُرَيْشٌ غَثُّها وسمينُها ... عَلَيْنَا فَلَمْ تَظْفَرْ وطاشتْ حلومُها

стр. 238

وَكُنَّا قَدِيمًا لَا نُقِرُّ ظُلَامَةً ... إذَا مَا ثَنَوْا صعْرَ الخدودِ نقيمُها١ وَنَحْمِي حِماها كُلَّ يومٍ كريهةٍ ... ونضربُ عن أحجارِها مَنْ يرومُها بِنَا انْتَعَشَ العُود الذوَاء وَإِنَّمَا ... بأكنافِنا تندَى وتَنْمى أرُومُها٢ الوليد بن المغيرة: كيده للرسول، وموقفه من القرآن ثُمَّ إنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ اجْتَمَعَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَ ذَا سِن فِيهِمْ، وَقَدْ حَضَرَ الْمَوْسِمَ فَقَالَ لَهُمْ: يَا معشرَ قرَيش، إنَّهُ قَدْ حَضَرَ هَذَا الْمَوْسِمُ، وَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ ستقدَمُ عَلَيْكُمْ فِيهِ، وَقَدْ سَمِعُوا بأمرِ صاحبِكم هذْا، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا وَاحِدًا، وَلَا تَخْتَلِفُوا فيكذِّب بعضُكم بَعْضًا، وَيَرُدَّ قولُكم بعضَه بَعْضًا؛ قَالُوا: فَأَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ، فَقُلْ وَأَقِمْ لَنَا رَأْيًا نَقُولُ بِهِ؛ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ فَقُولُوا أَسْمَعْ؛ قَالُوا: نَقُولُ كَاهِنٌ؛ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِكَاهِنِ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْكُهَّانَ فَمَا هُوَ بَزَمْزَمة٣ الْكَاهِنِ وَلَا سَجْعه؛ قَالُوا: فَنَقُولُ: مَجْنُونٌ؛ قَالَ: مَا هُوَ بِمَجْنُونِ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْجُنُونَ وَعَرَفْنَاهُ، فَمَا هُوَ بخَنْقه، وَلَا تَخَالُجِهِ، وَلَا وَسْوَسَتِهِ؛ قَالُوا: فَنَقُولُ: شَاعِرٌ؛ قَالَ: مَا هُوَ بِشَاعِرِ، لَقَدْ عَرَفْنَا الشِّعْرَ كُلَّهُ رجَزَه، وهَزَجه وَقَرِيضَهُ وَمَقْبُوضَهُ ومبسوطه، فما هو بالشعرة قَالُوا: فَنَقُولُ: سَاحِرٌ؛ قَالَ: مَا هُوَ بِسَاحِرِ، لَقَدْ رَأَيْنَا السُّحَّار وسحرَهم، فَمَا هُوَ بنَفْثِهم وَلَا عَقْدِهم٤ قَالُوا؛ فَمَا نَقُولُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ؛ قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ لَحَلَاوَةً وَإِنَّ أصلَه لعَذْقٍ، وَإِنَّ فَرْعَهُ لجَناة -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ لغَدْق٥ -وَمَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ من هذا شيئًا

стр. 239

إلَّا عُرف أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ فِيهِ؛ لَأَنْ تَقُولُوا سَاحِرٌ، جَاءَ بِقَوْلٍ هُوَ سحر يفرِّق به بين المرءِ وابنه، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَأَخِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجَتِهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَعَشِيرَتِهِ. فَتُفَرِّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ، فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ بسُبُل الناس حين قدموا الموسم، ولا يَمُرُّ بِهِمْ أَحَدٌ إلَّا حَذَّرُوهُ إيَّاهُ، وَذَكَرُوا لَهُمْ أَمْرَهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوَلِيدِ بن المغيرة في ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر:١١-١٦] ، أَيْ خَصِيمًا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَنِيدٌ: مُعَانِدٌ مُخَالِفٌ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ: وَنَحْنُ ضرَّابون رأسَ العُنَّد وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ ، [المدثر: ١٧-٢٢] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَسَرَ: كرَّه وَجْهَهُ. قَالَ العَجَّاج: مُضبَّر اللَّحْيين بَسْرًا مِنْهَسا١ يَصِفُ كَرَاهِيَةَ وَجْهِهِ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٣-٢٥] . رد القرآن على صحب الوليد: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي رسوله ﷺ وَفِيمَا جَاءَ بِهِ من الله تعالى وفي النَّفَرِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ يصنِّفون الْقَوْلَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ، الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ، فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، [الحجر: ٩٠-٩٣] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاحِدَةُ العِضين: عِضَة، يَقُولُ: عَضَّوْه: فَرَّقُوهُ. قَالَ رُؤبة بْنُ العُجاج: وَلَيْسَ دينُ اللَّهِ بالمعضَّى وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ له.

стр. 240

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَعَلَ أُولَئِكَ النَّفَرُ يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ لَقُوا مِنْ النَّاسِ، وَصَدَرَتْ العربُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْسِمِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَانْتَشَرَ ذكرُه فِي بلادِ العربِ كلِّها. شعر أبي طالب في معاداة خصومه: فَلَمَّا خَشِيَ أَبُو طَالِبٍ دَهْماءَ الْعَرَبِ أَنْ يَرْكَبُوهُ مَعَ قَوْمِهِ، قَالَ قَصِيدَتَهُ الَّتِي تعوَّذ فِيهَا بِحَرَمِ مَكَّةَ وَبِمَكَانِهِ مِنْهَا، وَتَوَدَّدَ فِيهَا أشرافَ قَوْمِهِ، وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ يُخبرهم وغيرَهم فِي ذَلِكَ مِنْ شِعْرِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْلِم رسولَ الله ﷺ ولا تَارِكُهُ لِشَيْءِ أَبَدًا حَتَّى يَهْلِكَ دونَه، فَقَالَ: وَلَمَّا رأيتُ القومَ لَا وُدَّ فيهمُ ... وَقَدْ قَطَعُوا كلَّ العُرَى وَالْوَسَائِلِ وَقَدْ صَارَحُونَا بالعداوةِ والأذَى ... وَقَدْ طَاوَعُوا أمرَ العدوِّ الْمُزَايِلِ وَقَدْ حَالَفُوا قَوْمًا عَلَيْنَا أظِنَّةً ... يَعَضُّونَ غَيْظًا خلفَنا بالأناملِ صبرتُ لَهُمْ نَفْسِي بِسَمْرَاءَ سَمْحة ... وأبيضَ عَضْب من تُراث المقاولِ١ وأحصرتُ عندَ الْبَيْتِ رَهْطِي وَإِخْوَتِي ... وأمسكتُ مِنْ أثوابِه بالوصائلِ٢ قِيَامًا مَعًا مُسْتَقْبِلِينَ رِتاجَه لُدًى ... حيثُ يَقْضي حلفه كل نافلِ٣ وحيثُ يُنيبخ الْأَشْعَرُونَ ركابَهم ... بمُفْضّي السيولِ مِنْ إسافَ وَنَائِلِ مُوَسَّمة الأعضادِ أَوْ قَصَراتها ... مُخَيَّسة بينَ السَّديس وبازلِ٤

стр. 241

تَرَى الوَدْع فِيهَا والرخامَ وَزِينَةً ... بأعناقِها مَعْقُودَةٌ كالعثاكلِ أَعُوذُ بربِّ الناسِ مِنْ كُلِّ طَاعِنٍ ... عَلَيْنَا بسوءٍ أَوْ مُلح بباطلِ وَمِنْ كاشحٍ يسعَى لَنَا بِمَعِيبَةٍ ... وَمِنْ مُلْحِقٍ فِي الدِّينِ مَا لَمْ نُحاولِ وثَوْرٍ وَمَنْ أرسَى ثَبيرًا مكانَه ... وراقٍ لِيَرْقَى فِي حِراءَ ونازلِ٢ وبالبيتِ، حقّ البيتِ، من فيِ مَكَّةَ ... وباللهِ إنَّ اللهَ لَيْسَ بغافِل وبالحجرِ المسْوَدّ إذْ يَمْسَحُونَهُ ... إذَا اكْتَنَفُوهُ بالضُّحَى وَالْأَصَائِلِ وَمَوْطِئِ إبراهيمَ فِي الصخرِ رَطْبَةٌ ... عَلَى قدميْه حَافِيًا غَيْرَ ناعلِ٣ وأشْواط بينَ المروَتَيْن إلَى الصَّفَا ... وَمَا فِيهِمَا مِنْ صُورةٍ وتَماثلِ٤ وَمنْ حجَّ بيتَ اللهِ مِنْ كلِّ راكبٍ ... وَمِنْ كلِّ ذِي نَذرٍ وَمِنْ كُلِّ رَاجِلِ وبالمشْعَرِ الأقْصَى إذَا عَمدوا لَهُ ... إلالٌ إلَى مفْضَى الشِّراجِ القوابلِ٥ وتَوْقافِهم فوقَ الجبالِ عَشِيّةً ... يُقيمون بِالْأَيْدِي صدورَ الرواحلِ وليلةِ جَمْعٍ والمنازلِ مِنْ مِنى ... وهل فوقها من حُرْمة ومنازلِ٦

стр. 242

وجَمْعٍ إذَا مَا المُقْرَبات أجَزْنَه ... سِراعا كَمَا يخرجنَ مِنْ وقعِ وابلِ١ وبالجمرةِ الْكُبْرَى إذَا صَمدوا لَهَا ... يَؤُمُّون قَذْفًا رأسَها بالجَنادلِ وكِندةَ إذ هُم بالحِصاب عَشِيَّةً ... تُجيز بِهِمْ حُجاجُ بكرِ بنِ وائلِ٢ حَلِيفَانِ شدَّا عَقْدَ مَا احْتَلَفَا لَهُ ... وردَّا عَلَيْهِ عاطفاتِ الْوَسَائِلِ وحَطْمِهم سُمرَ الرماحِ وَسَرْحُهُ ... وشِبْرِقَه وَخْدَ النعامِ الجوافلِ٣ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا مِنْ مَعَاذٍ لِعَائِذٍ ... وَهَلْ مِنْ مُعيذٍ يتقي اللهَ عاذل يُطاع بنا أمرُ العدوِّ ودَّ انَّنَا ... تُسدُّ بِنَّا أبوابُ تُركٍ وكابلِ٤ كذبتمْ وبيتِ اللَّهِ نَتْرُكُ مَكَّةَ ... ونَظْعنُ إلَّا أمرُكمِ فِي بلابلِ٥ كَذَبْتُمْ وبيتِ اللَّهِ نُبْزي مُحَمَّدًا ... ولمَّا نطاعنْ دُونَهُ وَنُنَاضِلْ٦ وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّع حَوْلَهُ ... ونُذْهَل عَنْ أبنائِنا وَالْحَلَائِلِ وَيَنْهَضُ قَوْمٌ فِي الْحَدِيدِ إليكمُ ... نهوضَ الرَّوايا تحتَ ذَاتِ الصَّلَاصِلِ٧ وَحَتَّى تَرَى ذَا الضَّغْنِ يَرْكَبُ رَدْعَه ... من الطَّعنِ فعلَ الأنْكَبِ المتحَامِلِ٨ وإما لعَمْرُ اللَّهِ إنْ جَدَّ مَا أَرَى ... لتَلْتَبِسَنْ أسيافُنا بِالْأَمَاثِلِ بكَفَّيْ فَتًى مِثْلَ الشِّهَابِ سَمَيْدعٍ ... أخى ثقةٍ حامي الحقيقةِ باسل٩

стр. 243

شُهُورًا وَأَيَّامًا وَحَوْلًا مُجَرَّما ... عَلَيْنَا وَتَأْتِي حِجَّةٌ بعدَ قَابِلِ١ وَمَا تركُ قومٍ، لَا أَبَا لَكَ، سَيِّدًا ... يَحُوطُ الذِّمارَ غَيْرَ ذَرْب مُوَاكِل٢ وأبيضُ يُستسقَى الغمامُ بِوَجْهِهِ ... ثمالُ الْيَتَامَى عِصْمةٌ لِلْأَرَامِلِ٣ يلوذُ بِهِ الهُلاَّف مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... فهم عندَه في رَحْمةٍ وفواضلِ لَعَمْري لَقَدْ أَجْرَى أسَيد وبَكْرُه ... إلَى بُغضِنا وَجَزَّآنَا لِآكُلْ وعثمانُ لَمْ يَرْبع عَلَيْنَا وقُنفُذ ... وَلَكِنْ أطاعَا أمرَ تِلْكَ القبائلِ٤ أَطَاعَا أبَيًّا وابنَ عبدِ يغوثِهم ... وَلَمْ يَرْقُبا فِينَا مَقالةَ قَائِلِ كَمَا قَدْ لَقِينا مِنْ سُبَيْعٍ ونوْفلٍ ... وَكُلٌّ تولَّى مُعْرِضًا لَمْ يُجَامِلْ فَإِنْ يُلْقيا أَوْ يُمكن اللهُ مِنْهُمَا ... نَكِلْ لَهُمَا صَاعًا بصاعِ المُكايل وَذَاكَ أَبُو عَمْرٍو أَبَى غيرَ بُغْضِنا ... ليظْغنا فِي أهلِ شاءٍ وجاملِ٥ يُنَاجِي بِنَا فِي كلِّ مَمْسَى ومُصْبَح ... فناجِ أَبَا عَمْرٍو بِنَا ثُمَّ خاتِل ويُؤْلى لَنَا باللهِ مَا إنْ يَغُشنا ... بَلى قَدْ نَرَاهُ جَهْرَةً غيرَ حائلِ٦ أَضَاقَ عَلَيْهِ بغضُنا كلَّ تَلْعَةٍ ... مِنْ الأرضِ بَيْنَ أخْشُبٍ فمجادِلِ٧ وسائلْ أَبَا الوليدِ مَاذَا حَبَوْتَنا ... بِسَعْيِك فِينَا معْرِضًا كالمخاتِل وكنتَ امْرَأً مِمَّنْ يُعاش برأيِه ... ورحمتِه فِينَا وَلَسْتَ بجاهلِ

стр. 244

فعتبةُ لَا تسمعْ بِنَا قولَ كاشحٍ ... حسودٍ كذوبٍ مُبْغِضٍ ذِي دَغَاوِلِ١ ومَرَّ أَبُو سُفْيَانَ عَنِّي مُعْرِضًا ... كَمَا مَرَّ قَيْلٌ مِنْ عِظامِ المَقاوِلِ يَفِر إلَى نَجْدٍ وبَرْدِ مياهِه ... ويزعُم أنني لستُ عَنْكُمْ بغافلِ ويخبرُنا فِعْلَ المُناصِح أَنَّهُ ... شَفِيقٌ ويُخفى عارماتِ الدَّوَاخِلِ٢ أمِطْعمُ لَمْ أخْذُلْك فِي يومِ نجدةٍ ... وَلَا مُعْظِم عندَ الأمورِ الْجَلَائِلِ وَلَا يومَ خَصْمٍ إذَا أَتَوْكَ ألِدَّةً ... أولِى جَدَل مِنْ الخصومِ المَساجل٣ أمُطْعِمُ إنَّ القومَ سَامُوكَ خُطَّةً ... وَإِنِّي متىِ أوكَلْ فلستُ بوائلِ٤ جَزَى اللهُ عَنَّا عبدَ شمسٍ ونَوْفَلًا ... عقوبةَ شَرٍّ عَاجِلًا غيرَ آجِلِ بميزانِ قِسْطٍ لَا يُخَسُّ شَعِيرَةً ... لَهُ شاهدٌ مِنْ نفسِه غيرَ عَائِلٍ٥ لَقَدْ سَفُهتْ أحلامُ قومٍ تبدَّلوا ... بَنِي خلفٍ قَيْضًا بِنَا والغَياطل٦ ونحنُ الصميمُ مِنْ ذؤابةِ هَاشِمٍ ... وَآلِ قُصَيٍّ فِي الخُطوبِ الْأَوَائِلِ وسهمٌ وَمَخْزُومٌ تَمَالَوْا وألَّبُوا ... عَلَيْنَا العِدَا مِنْ كلِّ طِمْل وخاملِ٧ فعبدُ مَنَافٍ أَنْتُمْ خيرُ قومِكم ... فَلَا تُشركوا فِي أمرِكم كلَّ واغِلِ٨ لعَمْري لَقَدْ وهنتمُ وعَجَزْتم ... وَجِئْتُمْ بِأَمْرٍ مُخْطئ للمفاصلِ٩

стр. 245

وكنتم حديثًا حَطْبَ قدرٍ وأنتم الـ ... ـآن حِطابُ أقدُرٍ ومَراجل ليَهْنِئْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ عقوقُنا ... وخذلانُنا وتركُنا فِي المعَاقلِ فَإِنْ نَكُ قومًا نَثئِر مَا صنعتمُ ... وتَحتلبوها لِقْحَةً غيرَ باهلِ١ وَسَائِطُ كَانَتْ فِي لُؤيِّ بْنِ غالبٍ ... نَفَاهُمْ إلَيْنَا كلُّ صَقْرٍ حُلاحِل٢ وَرَهْطُ نُفَيل شَرُّ مَنْ وطئَ الحصىَ ... وَأَلْأَمُ حافٍ مِنْ مَعد ونَاعل فأبلغْ قُصيا أَنْ سيُنشر أمرُنا ... وبَشِّر قُصَيًّا بعدَنا بِالتَّخَاذُلِ وَلَوْ طرَقت لَيْلًا قُصيًّا عظيمةٌ ... إذًا مَا لَجَأْنَا دونَهم فِي المَداخلِ وَلَوْ صَدقوا ضَرْبًا خلالَ بيوتِهم ... لكنَّا أُسًى عندَ النساءِ المَطافِل٣ فكلُّ صديقٍ وابنِ أختٍ نعدُّه ... لَعَمْري وَجَدْنا غِبَّه غيرَ طَائِلِ سِوَى أنَّ رَهْطًا مِنْ كلابِ بنِ مُرة ... بَراء إلَيْنَا مِنْ معقَّةِ خاذلِ٤ وهَنَّا لَهُمْ حَتَّى تبددَّ جمعُهم ... ويَحْسُر عَنَّا كُلَّ باغٍ وجاهلِ وَكَانَ لَنَا حوضُ السقايةِ فيهمُ ... ونحنُ الكُدى مِنْ غالبٍ والكَواهلِ٥ شَبَابٌ مِنْ المطيِّبين وهاشمٍ ... كبِيضِ السيوفِ بينَ أيدِي الصَّياقِل

стр. 246

فَمَا أَدْرَكُوا ذَحْلًا وَلَا سَفَكُوا دَمًا ... وَلَا حَالَفُوا إلَّا شِرارَ الْقَبَائِلِ بضرْبٍ تَرَى الفِتيانَ فِيهِ كَأَنَّهُمْ ... ضَوَارِي أسودٍ فَوْقَ لحمٍ خَرادِلِ١ بَنِي أمَةٍ محبوبةٍ هِنْدِكيَّةٍ ... بَنِي جُمَح عُبَيْد قيسِ بنِ عاقلِ٢ وَلَكِنَّنَا نَسْلٌ كرامٌ لِسَادَةٍ ... بِهِمْ نُعِيَ الأقوامُ عندَ البَواطلِ وَنِعْمَ ابنُ أختِ القومِ غيرَ مُكَذَّبٍ ... زُهَير حُسامًا مُفْرَدًا مِنْ حَمائل أشَمُّ مِنَ الشُّمِّ البهاليلِ ينتَمِي ... إلَى حَسَبٍ فِي حَوْمةِ المجدِ فَاضِلِ لعَمْري لَقَدْ كُلفتُ وَجْدًا بِأَحْمَدَ ... وإخوتِه دَأبَ المحِبِّ المواصلِ فَلَا زَالَ فِي الدُّنْيَا جَمَالًا لأهلِها ... وزَيْنًا لِمَنْ وَالَاهُ ربُّ المَشاكلِ فَمَنْ مِثلُه فِي النَّاسِ أيُّ مُؤَمَّلٍ ... إذَا قَاسَهُ الحكامُ عندَ التفاضلِ حَلِيمٌ رشيدٌ عَادِلٌ غيرُ طائشٍ ... يُوَالِي إلَاهًا ليسَ عَنْهُ بغافلِ فواللهِ لَوْلَا أن أجيءَ بسُبَّةٍ ... تُجَرُّ عَلَى أشياخِنا فِي المحافلِ لَكِنَّا اتَّبَعْنَاهُ عَلَى كلِّ حَالَةٍ ... مِنْ الدهرِ جِدًّا غَيْرَ قولِ التهازلِ لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابنَنا لَا مُكذَّبٌ ... لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بقوْلِ الْأَبَاطِلِ فَأَصْبَحَ فِينَا أَحَمْدٌ فِي أرومةٍ ... تُقَصِّر عَنْهُ سَوْرةُ المتطاولِ٣ حَدِبْتُ بِنَفْسِي دونَه وحَميْتُه ... ودافعتُ عَنْهُ بالذُّرَا والكَلاكِلِ٤ فَأَيَّدَهُ ربُّ العبادِ بنصرِه ... وأظهرَ دِينًا حقُّه غيرُ باطلِ رِجَالٌ كِرَامٌ غيرُ ميلٍ نَماهُمُ ... إلَى الخيرِ آبَاءٌ كرامُ المحاصلِ٥ فَإِنْ تكُ كَعْبٌ مِنْ لُؤي صُقَيْبة ... فَلَا بُدّ يومًا مرةً من تَزايُلِ٦

стр. 247

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا صَحَّ لِي مِنْ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ ينكر أكثرها. الرسول ﵇ يستسقي لأهل المدينة ويود لو أن أبا طالب حي ليرى ذَلِكَ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، قَالَ: أَقْحَطَ أهلُ الْمَدِينَةِ، فأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَيْهِ، فَصَعِدَ رسولُ اللَّهِ ﷺ الْمِنْبَرَ فَاسْتَسْقَى١ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ مِنْ الْمَطَرِ مَا أَتَاهُ أهلُ الضَّوَاحِي٢ يَشْكُونَ مِنْهُ الْغَرَقَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا" ٣، فَانْجَابَ السَّحَابُ عَنْ الْمَدِينَةِ فَصَارَ حَوَالَيْهَا كَالْإِكْلِيلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَدْرَكَ أَبُو طَالِبٍ هَذَا الْيَوْمَ لَسَرَّهُ"، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: كَأَنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْتَ قَوْلَهُ: وأبيضُ يُسْتَسْقَى الغمامُ بوجهِه ... ثمالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ للأراملِ قَالَ: "أَجَلْ". قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَوْلُهُ "وَشَبْرِقَهٌ" عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. ذكر الْأَسْمَاءُ الَّتِي وَرَدَتْ فِي قَصِيدَةِ أَبِي طَالِبٍ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْغَيَاطِلِ: مِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بنْ هَصيص، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ. ومُطْعِم بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وزُهير بْنُ أَبِي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم، أمه عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَسِيدٌ، وبِكْره: عَتَّاب بْنُ أَسِيدِ بْنِ أَبِي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ. وَعُثْمَانُ بْنُ عُبيد اللَّهِ، أَخُو طَلْحَةَ بْنِ عُبيد اللَّهِ التيْمي. وقنفذ بن عُمَير بْنِ جُدْعان بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْم بْنِ مُرَّةَ. وَأَبُو الْوَلِيدِ عتبة بن ربيعة. وأبو الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثَّقَفِيُّ، حَلِيفُ بَنِي زُهرة بن كلاب.

стр. 248

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْأَخْنَسُ؛ لِأَنَّهُ خَنَسَ بِالْقَوْمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَإِنَّمَا اسْمُهُ أُبَيٌّ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عِلَاجٍ، وَهُوَ عِلاج بْنُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَوْف بْنِ عُقْبَةَ. وَالْأَسْوَدُ بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مَنَافِ بْنِ زُهرة بْنِ كِلَابٍ. وسُبيع بْنُ خَالِدٍ، أَخُو بَلْحَارث بْنِ فِهْرٍ. ونَوْفل بْنُ خُوَيْلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيٍّ، وَهُوَ ابْنُ الْعَدَوِيَّةِ. وَكَانَ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ الَّذِي قَرَنَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْد اللَّهِ ﵄ فِي حَبْلٍ حِينَ أَسْلَمَا، فَبِذَلِكَ كَانَا يُسَمَّيَانِ الْقَرِينَيْنِ؛ قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇ يَوْمَ بَدْرٍ. وَأَبُو عَمْرٍو قُرْظة بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. "وقومٌ عَلَيْنَا أظنَّة": بَنُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ عدَّد أَبُو طَالِبٍ فِي شِعْرِهِ مِنْ الْعَرَبِ. انْتِشَارُ ذِكْرِ الرَّسُولِ خارج مكة: فَلَمَّا انْتَشَرَ أمرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَرَبِ، وَبَلَغَ الْبُلْدَانَ، ذُكر بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِنْ الْعَرَبِ أَعْلَمَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ ذُكر، وَقَبْلَ أَنْ يُذكر مِنْ هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَذَلِكَ لِمَا كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، وَكَانُوا لَهُمْ حُلَفَاءَ، وَمَعَهُمْ فِي بلادِهم. فَلَمَّا وَقَعَ ذِكْرُهُ بِالْمَدِينَةِ، وَتَحَدَّثُوا بِمَا بَيْنَ قُرَيْشٍ فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ. قَالَ أَبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَت١، أَخُو بَنِي واقف: نسب ابن الْأَسْلَتِ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: نَسَبُ ابنُ إسْحَاقَ أبا قيس هذا ههنا إلَى بَنِي وَاقِفٍ، وَنَسَبُهُ فِي حَدِيثِ الْفِيلِ إلَى خَطْمة؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَنْسِبُ الرَّجُلَ إلَى أَخِي جَدِّهِ الَّذِي هُوَ أَشْهَرُ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيدة: أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ عَمْرٍو الغِفارى مِنْ وَلَدِ نُعَيْلة أَخِي غِفار وَهُوَ غِفار بْنُ مُلَيْل، ونُعَيلة بْنُ مُلَيل بْنِ ضَمْرة بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ، وَقَدْ قَالُوا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ السُّلَمي وَهُوَ مِنْ وَلَدِ مَازِنِ بْنِ مَنْصُورٍ وسُلَيْم بْنِ مَنْصُورٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَأَبُو قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ: مِنْ بَنِي وَائِلٍ؛ وَوَائِلٌ، وَوَاقِفٌ، وخَطْمة إخْوَةٌ مِنْ الْأَوْسِ. شِعْرُ ابْنُ الْأَسْلَتِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ الرَّسُولِ ﷺ : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ أَبُو قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ: وَكَانَ يُحِبُّ قُرَيْشًا، وَكَانَ لهم صهرًا، كانت عنده أرنب بنت

стр. 249

أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ قُصي، وَكَانَ يُقِيمُ عِنْدَهُمْ السِّنِينَ بِامْرَأَتِهِ قَصِيدَةً يُعَظِّمُ فِيهَا الْحُرْمَةَ، وَيَنْهَى قُرَيْشًا فِيهَا عَنْ الْحَرْبِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْكَفِّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَيَذْكُرُ فضلَهم وأحلامَهم، وَيَأْمُرُهُمْ بالكفِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ويذكِّرهم بلاءَ اللَّهِ عِنْدَهُمْ، وَدَفْعَهُ عَنْهُمْ الْفِيلَ وَكَيْدَهُ عَنْهُمْ، فَقَالَ: يَا رَاكِبًا إمَّا عَرَضتَ فبلِّغنْ ... مُغَلغلَةً عَنِّي لُؤيَّ بنَ غالبِ١ رَسُولُ امْرِئٍ قَدْ رَاعَهُ ذَاتُ بَيْنِكُمْ ... عَلَى النأيِ محزونٍ بذلكِ ناصبِ٢ وَقَدْ كَانَ عِنْدِي للهمومِ معَرَّسٌ ... فَلَمْ أقضِ مِنْهَا حَاجَتِي وَمَآرِبِي٣ نُبِّيتُكم شَرْجَيْن كُلَّ قبيلةٍ ... لَهَا أزْمَلٌ مِنْ بَيْنِ مُذْكٍ وحاطبِ٤ أُعِيذُكُمْ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ صنعِكم ... وشرِّ تَبَاغِيكُمْ ودسِّ العقاربِ وإظهارِ أخلاقٍ ونجْوَى سَقِيمَةٍ ... كوخزِ الْأَشَافِي وقعُها حقُّ صَائِبِ٥ فذكرْهمْ باللهِ أولَ وهلةٍ ... وَإِحْلَالِ أَحْرَامِ الظباءِ الشوازبِ٦ وَقُلْ لَهُمْ وَاَللَّهُ يحكمُ حُكْمَهُ ... ذَرُوا الحربَ تذهبْ عَنْكُمْ فِي المَراحبِ٧ مَتَى تَبْعَثُوهَا تَبْعَثُوهَا ذَمِيمَةً ... هِيَ الغُولُ للأقصينَ أَوْ للأقاربِ٨ تُقطِّعُ أَرْحَامًا وتُهلك أُمَّةً ... وَتَبْرِي السَّديفَ من سَنام وغاربِ٩

стр. 250

وَتَسْتَبْدِلُوا بالأتحميةِ بعدَها ... شَليلًا وَأَصْدَاءً ثيابَ المحاربِ١ وبالمسكِ والكافورِ غُبْرًا سَوَابِغًا ... كَأَنَّ قَتِيرَيْها عيونُ الجنادبِ٢ فإياكمُ والحربَ لَا تَعْلَقَنَّكُمْ ... وحَوْضًا وَخِيمَ الماءِ مُرَّ المشاربِ تَزَيَّنَ للأقوامِ ثُمَّ يَرَوْنَها ... بعاقبةٍ إذْ بَيَّنَتْ، أمَّ صاحبِ٣ تحرِّق لَا تُشْوِي ضَعِيفًا وَتَنْتَحِي ... ذَوِي العزِّ مِنْكُمْ بالحُتوف الصوائبِ٤ أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا كَانَ فِي حربِ داحس ٍ ... فَتَعْتَبِرُوا أَوْ كَانَ فِي حربِ حاطبِ وَكَمْ قَدْ أَصَابَتْ مِنْ شريفٍ مُسَوَّدٍ ... طويلِ العمادِ ضيفُه غيرُ خائِب عظيمِ رمادِ النارِ يُحمَدُ أمرُه ... وَذِي شيمةٍ محضٍ كريمِ المضاربِ٥ وَمَاءِ هُريق فِي الضلالِ كَأَنَّمَا ... أَذَاعَتْ بِهِ ريحُ الصَّبا والجنائبِ يُخبِّركم عَنْهَا امْرُؤٌ حقُّ عَالِمٌ ... بأيامِها والعلمُ علمُ التجاربِ فَبِيعُوا الحرابَ مِلْمُحَارِبِ وَاذْكُرُوا ... حسابَكمُ واللهُ خيرُ محاسبِ وَلِيُّ امرئٍ فاختار دينًا فلا يَكنْ ... عليكم لي رَقِيبًا غيرُ ربِّ الثواقبِ٦ أَقِيمُوا لَنَا دِينًا حَنِيفًا فَأَنْتُمْ ... لَنَا غَايَةٌ قَدْ يُهتَدى بالذوائبِ٧ وَأَنْتُمْ لِهَذَا الناسِ نُورٌ وعصمةٌ ... تُؤَمُّون، والأحلامُ غيرُ عوازبِ٨ وَأَنْتُمْ، إذَا مَا حُصِّل الناسُ، جَوْهَرٌ ... لَكُمْ سُرَّةُ البطحاءِ شُمُّ الأرانبِ٩ تَصُونُونَ أَجْسَادًا كِرَامًا عَتِيقَةً ... مهذَّبةَ الأنسابِ غيرَ أشائبِ١٠
следующие страницы →