← Сира

Сира · id 7450

سيرة ابن هشام - ت طه عبد الرؤوف سعد

عبد الملك بن هشام

Полный текст (594 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَهَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ بَعْدَ أَبِي سَلَمَةَ: عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَة بْنِ غَانِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْف بْنِ عُبَيد بْنِ عَدي بْنِ كَعْبٍ. ثُمَّ عَبْدُ الله بن جَحْش بن رِئاب بن يَعْمُر بْنِ صَبرة بْنِ مُرة بْنِ كَثِيرِ بْنِ غَنْم بن دُودان بن أسد بن خُزَيمة، حَلِيفُ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، احْتَمَلَ بِأَهْلِهِ وَبِأَخِيهِ عَبْدِ بْنِ جَحْش، وَهُوَ أَبُو أَحْمَدَ وَكَانَ أَبُو أَحْمَدَ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ، وَكَانَ يَطُوفُ مَكَّةَ، أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا، بِغَيْرِ قَائِدٍ، وكان شاعرًا، وكانت عنده الفَرْعَة بنت أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمَيْمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ فغُلِّقت دَارُ بَنِي جَحْش١ هِجْرَةً، فَمَرَّ بِهَا عُتبة بْنُ رَبِيعَةَ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهِيَ دَارُ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ الْيَوْمَ الَّتِي بالردْم، وَهُمْ مُصعِدون إلَى أَعَلَى مَكَّةَ، فَنَظَرَ إلَيْهَا عُتبة بْنُ رَبِيعَةَ تخفقَ أبوابُها يَبابًا٢ لَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ، فَلَمَّا رَآهَا كَذَلِكَ تَنَفَّسَ الصُّعَداء، ثُمَّ قَالَ:

стр. 387

وَكُلُّ دَارٍ وَإِنْ طَالَتْ سلامتُها ... يَوْمًا ستُدركُها النكْباءُ والحُوبُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ لأبي دُؤاد الإيادي في قصيدة له. والحوب: التوجع. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: أَصْبَحَتْ دَارُ بَنِي جَحْشٍ خَلَاءً مِنْ أَهْلِهَا! فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَمَا تَبْكِي عَلَيْهِ من قُلّ ابن قُلّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: القُل: الْوَاحِدُ. قَالَ لَبيد بْنُ رَبِيعَةَ: كُلُّ بَنِي حُرَّةٍ مُصِيرُهُمْ ... قُلّ وَإِنْ أكثرتْ مِنْ العَددِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ: هَذَا عَمَلُ ابْنِ أَخِي هَذَا، فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَشَتَّتْ أمرَنا وَقَطَعَ بَيْنَنَا. فَكَانَ مَنْزِلُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، وعامر ابني رَبِيعَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَأَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ، عَلَى مُبْشَرِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زُنْبُرٍ بقُباء، فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ثُمَّ قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ أرْسالًا، وَكَانَ بنو غَنم بن دُودَانَ أَهْلَ إسْلَامٍ، قَدْ أَوْعَبُوا إلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هِجْرَةً رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، وَأَخُوهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ، وعُكاشة بْنُ مِحصن، وشُجاع وعقبة ابنا وهب، وأرَبد بْنُ حُمَيِّرَة. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ ابْنُ حُمَيْرَة. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ومُنْقذ بْنُ نُباتة، وَسَعِيدُ بْنُ رُقَيش، ومُحرِز بْنُ نَضلة، وَيَزِيدُ بْنُ رُقَيش، وَقَيْسُ بْنُ جَابِرٍ، وعَمرو بْنُ مِحصن، وَمَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، وَصَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، وثَقْف بْنُ عَمْرٍو، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَكْثَمَ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ عُبيد، وتمَّام بْنُ عُبيدة، وسَخْبَرة بْنُ عُبَيْدة، ومحمد بن عبد الله بن جَحْش. ومن نسائهم: زينب بنت جَحش، وأم خبيب بِنْتُ جَحْش، وجُذَامة بِنْتُ جَنْدَل، وَأُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ مِحْصن، وَأُمُّ حَبِيبٍ بِنْتُ ثُمامة، وَآمِنَةُ بنت رُقيشَ، وسَخْبَرة بنت تميم، حَمْنة بنت جحش. وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْش بْنِ رِئاب، وَهُوَ يَذْكُرُ هِجْرَةَ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيمة مِنْ قَوْمِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ وَإِيعَابُهُمْ فِي ذَلِكَ حَيْنَ دُعوا إلَى الْهِجْرَةِ: وَلَوْ حلفتْ بَيْنَ الصَّفَا أمُّ أَحُمَدٍ ... ومَرْوتها باللهِ بَرَّتْ يمينُها لنحنُ الْأُلَى كُنَّا بِهَا ثُم لَمْ نزلْ ... بمكةَ حَتَّى عَادَ غَثًّا سمينُها بِهَا خيَّمت غَنْم بنُ دُودانَ وابتنتْ ... وَمَا إِنْ غَدتْ غَنْم وخف قطينُها١

стр. 388

إلَى اللَّهِ تَغْدُو بَيْنَ مَثْنى وواحدٍ ... ودينُ رسولِ اللَّهِ بالحقِّ دينُها وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ أَيْضًا: لَمَّا رَأَتْنِي أمُّ أحمدَ غَادِيًا ... بذمةِ مَنْ أَخْشَى بغَيْبٍ وأرهبُ تَقُولُ: فَإِمَّا كنتَ لَا بدَّ فَاعِلًا ... فيممْ بِنَا البلدانَ ولتَنْأَ يثربُ فَقُلْتُ لَهَا: بَلْ يثربُ اليومَ وجهُنا ... وما يشاءُ الرحمنُ فالعبدُ يركبُ إلَى اللهِ وَجْهِي وَالرَّسُولِ وَمَنْ يُقمْ ... إلَى اللهِ يَوْمًا وجهُه لَا يُخيَّبُ فَكَمْ قَدْ تَرَكْنَا مِنْ حميمٍ مُناصحٍ ... وناصحةٍ تَبْكِي بدمعٍ وتندُبُ تَرَى أَنَّ وِترًا نَأْيُنَا عَنْ بلادِنا ... ونحنُ نَرَى أَنَّ الرغائبَ تُطْلَبُ دعوْتُ بَنِي غَنْمٍ لحقْنِ دمائِهم ... وَلِلْحَقِّ لَمَّا لَاحَ للناسِ مَلْحبُ١ أَجَابُوا بحمدِ اللهِ لَمَّا دعاهمُ ... إلَى الحقِّ داعٍ وَالنَّجَاحُ فأوْعبوا وَكُنَّا وَأَصْحَابًا لَنَا فَارَقُوا الهدَى ... أَعَانُوا عَلَيْنَا بِالسِّلَاحِ وأجْلَبوا كَفَوْجَيْن: أمَّا مِنْهُمَا فمُوفّق ... عَلَى الحقِّ مَهْدِيٌّ، وَفَوْجٌ مُعَذَّبُ طغَوْا وتمنوْا كِذْبَةً وأزلَّهم ... عَنْ الحقِّ إبْلِيسُ فَخَابُوا وخُيبوا وَرِعْنا إلَى قولِ النبيِّ مُحَمَّدٍ ... فَطَابَ وُلاةُ الحقِّ مِنَّا وطُيِّبوا٢ نمتْ بِأَرْحَامٍ إلَيْهِمْ قريبةٍ ... وَلَا قربَ بِالْأَرْحَامِ إذْ لَا نُقَرَّبُ فأيُّ ابنِ أختٍ بعدَنا يأمننَّكم ... وأيةُ صِهْر بعدَ صِهريَ ترْقَبُ ستعلمُ يَوْمًا أَيُّنَا إذْ تُزَايِلُوا ... وزُيل أمرُ الناسِ للحقِّ أصوبُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ "وَلْتَنْأَ يَثْرِبَ"، وَقَوْلُهُ "إذْ لَا نَقْرَبُ"، عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: "إذْ" إذَا، كَقَوْلِ اللَّهِ : ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ: ٣١] قَالَ أَبُو النَّجْمِ العِجْلي: ثُمَّ جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا إذْ جَزَى ... جنَّات عدنٍ فِي العَلالِيِّ والعُلاَ

стр. 389

هجرة عُمر وقصة عياش وهشام مَعَهُ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ عُمر بْنُ الْخَطَّابِ، وعَيَّاش بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ، حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ. فَحَدَّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: اتعَدْتُّ، لَمَّا أَرَدْنَا الْهِجْرَةَ إلَى الْمَدِينَةِ، أَنَا وعَيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ التَّناضِبَ مِنْ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ، فَوْقَ سَرِف وَقُلْنَا: أَيُّنَا لَمْ يُصْبِحْ عِنْدَهَا فَقَدْ حُبس فَلْيَمْضِ صَاحِبَاهُ. قَالَ: فَأَصْبَحْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ عِنْدَ التَّناضِب، وحُبس عنا هشام، وفُتن فافتتن. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ نَزَلْنَا فِي بَنِي عَمرو بْنِ عَوْفٍ بقُباء، وَخَرَجَ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ إلَى عَيَّاش بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَكَانَ ابْنَ عَمِّهِمَا وَأَخَاهُمَا لِأُمِّهِمَا، حَتَّى قَدِمَا عَلَيْنَا الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَكَلَّمَاهُ وَقَالَا: إنَّ أمَّك قَدْ نَذَرَتْ أَنْ لَا يَمس رأسَها مُشط حَتَّى تَرَاكَ، وَلَا تَسْتَظِلَّ مِنْ شَمْسٍ حَتَّى تَرَاكَ، فرقَّ لَهَا، فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَيَّاشُ، إنَّهُ وَاَللَّهِ إنْ يُرِيدَكَ الْقَوْمُ إلَّا لِيَفْتِنُوكَ عَنْ دِينِكَ فاحذرْهم، فَوَاَللَّهِ لَوْ قَدْ آذَى أمَّك القملُ لَامْتَشَطَتْ، وَلَوْ قَدْ اشْتَدَّ عَلَيْهَا حرُّ مَكَّةَ لَاسْتَظَلَّتْ. قَالَ: فَقَالَ: أَبَرُّ قَسَمَ أُمِّي، وَلِي هُنَالِكَ مَالٌ فَآخُذُهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالًا، فَلَكَ نِصْفُ مَالِي وَلَا تَذْهَبْ مَعَهُمَا. قَالَ: فَأَبَى عَلَيَّ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمَا؛ فَلَمَّا أَبَى إلَّا ذَلِكَ؛ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَمَّا إذْ قَدْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ، فَخُذْ نَاقَتِي هَذِهِ، فَإِنَّهَا نَاقَةٌ نَجِيبَةٌ ذَلُولٌ، فَالْزَمْ ظهرَها، فَإِنْ رَابَكَ مِنْ الْقَوْمِ ريْب، فانجُ عَلَيْهَا. فَخَرَجَ عَلَيْهَا مَعَهُمَا، حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يابن أَخِي، وَاَللَّهِ لَقَدْ استغلظتُ بَعِيرِي هَذَا، أَفَلَا تُعْقِبني عَلَى نَاقَتِكَ هَذِهِ؟ قَالَ: بلَى. قَالَ: فَأَنَاخَ، وَأَنَاخَا لِيَتَحَوَّلَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا استَوَوْا بِالْأَرْضِ عدَوَا عَلَيْهِ، فَأَوْثَقَاهُ وَرَبَطَاهُ ثُمَّ دَخَلَا بِهِ مَكَّةَ، وَفَتَنَاهُ فافتُتن. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي بِهِ بعضُ آلِ عَيَّاش بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: أَنَّهُمَا حَيْنَ دَخَلَا بِهِ مَكَّةَ دَخَلَا بِهِ نَهَارًا مُوثَقًا، ثُمَّ قَالَا: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، هَكَذَا فَافْعَلُوا بِسُفَهَائِكُمْ، كَمَا فَعَلْنَا بِسَفِيهِنَا هَذَا. كتاب عمر إلى هشام بن العاص: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ، قَالَ: فَكُنَّا نَقُولُ: مَا اللَّهُ بِقَابِلٍ مِمَّنْ افتُتن صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَلَا تَوْبة، قَوْمٌ عَرَفُوا اللَّهَ، ثُمَّ رَجَعُوا إلَى الْكُفْرِ لِبَلَاءٍ أَصَابَهُمْ. قَالَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لأنفسِهم. فَلَمَّا

стр. 390

قَدِم رسول الله ﷺ الْمَدِينَةَ، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ، وَفِي قَوْلِنَا وَقَوْلِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ، وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ . قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَكَتَبْتهَا بِيَدِي فِي صَحِيفَةٍ، وَبَعَثْتُ بِهَا إلَى هشام بن العاص قال: فقال هشام بن العاص: فَلَمَّا أَتَتْنِي جَعَلْتُ أَقْرَؤُهَا بِذِي طُوَى١، أُصَعِّدُ بِهَا فِيهِ وأصَّوَّب وَلَا أَفْهَمُهَا حَتَّى قُلْتُ: اللَّهُمَّ فَهمْنيها. قَالَ: فَأَلْقَى اللهُ تَعَالَى فِي قَلْبِي أَنَّهَا إنَّمَا أُنْزِلَتْ فِينَا، وَفِيمَا كُنَّا نَقُولُ فِي أَنْفُسِنَا وَيُقَالُ فِينَا. قَالَ: فَرَجَعْتُ إلَى بَعِيرِي، فَجَلَسْتُ عَلَيْهِ، فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بالمدينة. أمر الوليد بن الوليد مع عَيَّاشٍ وَهِشَامٍ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ: مَنْ لِي بعَيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: أَنَا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِهِمَا، فَخَرَجَ إلَى مَكَّةَ، فَقَدِمَهَا مُسْتَخْفِيًا، فَلَقِيَ امْرَأَةً تَحْمِلُ طَعَامًا فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ تُرِيدِينَ يَا أَمَةَ اللَّهِ؟ قَالَتْ: أُرِيدُ هَذَيْنِ الْمَحْبُوسَيْنِ -تَعْنِيهِمَا- فَتَبِعَهَا حَتَّى عَرَفَ مَوْضِعَهُمَا، وَكَانَا مَحْبُوسَيْنِ فِي بَيْتٍ لَا سَقْفَ لَهُ؟ فَلَمَّا أَمْسَى تَسَوَّرَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ أَخَذَ مَرْوة٢ فَوَضَعَهَا تحتَ قَيْدَيْهِمَا، ثُمَّ ضَرَبَهُمَا بِسَيْفِهِ فَقَطَعَهُمَا، فَكَانَ يُقَالُ لِسَيْفِهِ: "ذُو المرْوة" لِذَلِكَ، ثُمَّ حَمَلَهُمَا عَلَى بَعِيرِهِ، وَسَاقَ بِهِمَا، فَعَثَرَ فدَميت إصبُعه، فَقَالَ: هَلْ أنتِ إلَّا إصبعٌ دَمَيْتِ ... وَفِي سبيلِ اللهِ مَا لَقيت ثُمَّ قَدِمَ بِهِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ. مَنَازِلُ الْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَزَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَيْنَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَمَنْ لَحِقَ بِهِ مِنْ أَهْلِهِ وَقَوْمِهِ، وَأَخُوهُ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ وَعَمْرٌو وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا سُرَاقَةَ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، وخُنَيس بْنُ حُذافة السَّهْمي -وَكَانَ صِهْرَهُ عَلَى ابْنَتِهِ حَفْصة بِنْتِ عُمَرَ، فَخَلَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بعده-

стр. 391

وسعيد بن زيد بن عَمرو بن نُفَيل، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ، حَلِيفٌ لَهُمْ؛ وخَؤْليّ بْنُ أَبِي خَوْلِيّ؛ وَمَالِكُ بْنُ أَبِي خَوْلِيّ، حَلِيفَانِ لَهُمْ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو خَوْلِيٍّ: مِنْ بَنِي عِجْلِ بْنِ لُجَيم بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَنُو البُكير أَرْبَعَتُهُمْ: إيَاسُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَعَاقِلُ بْنُ البُكير، وَعَامِرُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَحُلَفَاؤُهُمْ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ، عَلَى رِفَاعَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زنْبَر، فِي بَنِي عَمرو بْنِ عَوْف بقُباء، وَقَدْ كَانَ مَنْزِلُ عَيَّاش بْنِ أَبِي ربيعة معه عليه حين قدما المدينة. ثُمَّ تَتَابَعَ الْمُهَاجِرُونَ، فَنَزَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ، وصُهيب بْنُ سِنَانٍ عَلَى خُبَيْب بْنِ إِسَافٍ أَخِي بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بالسُّنْح١، وَيُقَالُ: بَلْ نَزَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبيد اللَّهِ عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرارة، أَخِي بَنِي النَّجَّارِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وذُكر لِي عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النهْدي أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ صُهيبًا حَيْنَ أَرَادَ الْهِجْرَةَ قَالَ لَهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: أَتَيْتنَا صُعلوكًا حَقِيرًا، فَكَثُرَ مالُك عِنْدَنَا، وبلغتَ الَّذِي بلغتَ، ثُمَّ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ بِمَالِكَ ونفسِك، وَاَللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ؛ فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْب: أَرَأَيْتُمْ إنْ جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي أَتُخْلُونَ سَبِيلِي؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: رَبِحَ صُهيب؛ ربح صهيب. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَزَلَ حمزةُ بنُ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَأَبُو مَرْثَد كَنَّاز بْنُ حِصْن. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ، ابْنُ حُصَيْن وابنه مرثد الغنويان، حليف حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وأنَسة، وَأَبُو كَبْشة٢، موليا رسول الله ﷺ على كُلثوم بن هِدْم، أخي بني

стр. 392

عَمْرِو بْنِ عَوْف بقُباء وَيُقَالُ بَلْ نَزَلُوا عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثمة وَيُقَالُ: بَلْ نَزَلَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرارة، أَخِي بَنِي النَّجَّارِ. كُلُّ ذَلِكَ يُقَالُ. وَنَزَلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَأَخُوهُ الطُّفَيل بن الحارث، والحُصَيْن بن الحارث، ومِسْطَح بْنُ أثَاثة بْنِ عَبّاد بْنِ الْمُطَّلِبِ، وسُوَيْبط بْنُ سَعْدِ بْنِ حُرَيْملة، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ وطُلَيب بْنُ عُمَير، أَخُو بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ، وخَبّاب، مَوْلَى عُتبة بْنِ غَزْوَانَ، عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، أَخِي بَلْعِجْلَانَ بقباء. وَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي رِجَالٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ أَخِي بِلْحَارث بْنِ الْخَزْرَجِ، فِي دَارِ بِلْحارث بْنِ الخزرج. وَنَزَلَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَأَبُو سَبْرة بْنُ أَبِي رُهْم بْنِ عَبْدِ العُزى، عَلَى مُنْذِر بن محمد بن عُقْبة بن أحَيْحة بن الجُلاح بالعُصبة، دار بني جحجبي. وَنَزَلَ مُصْعَب بْنُ عُمَير بْنِ هَاشِمٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ عَلَى سَعْدِ بْنِ مُعاذ بْنِ النُّعْمَانِ، أَخِي بَنِي عَبْدِ الأشْهل، فِي دار بني عبد الأشْهل. وَنَزَلَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتبة بْنِ رَبِيعَةَ، وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيفة سَائِبَةٌ١ لثُبَيْتة بِنْتِ يَعَار بن زيد بن عُبَيْد بن زيد بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرو بْنِ عوف بن مالك بن الأوْس، سيبته فانقطع إلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبة بْنِ رَبِيعَةَ فَتَبَنَّاهُ، فَقِيلَ: سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَيُقَالُ: كَانَتْ ثُبَيْتة بِنْتُ يَعار تَحْتَ أَبِي حُذيفة بْنِ عُتْبَةَ فَأَعْتَقَتْ سَالِمًا سَائِبَةً. فَقِيلَ: سَالِمٌ مولى أبي حذيفة. منزل عتبة بن غزوان: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَزَلَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرٍ عَلَى عَبَّاد بْنِ بِشْرِ بْنِ وَقْش أَخِي بَنِي عَبْدِ الأشْهل، فِي دَارِ عبد الأشهل.

стр. 393

وَنَزَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى أوْس بْنِ ثَابِتِ بْنِ المنذِر، أَخِي حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ فِي دَارِ بَنِي النَّجَّارِ، فَلِذَلِكَ كَانَ حَسَّانٌ يحبُّ عُثْمَانَ وَيَبْكِيهِ حَيْنَ قُتل. وَكَانَ يُقَالُ: نَزَلَ الأعزابُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثمة، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عَزَبا، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. هِجْرَةُ الرَّسُولِ ﷺ : وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بمكةَ بعدَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَن لَهُ فِي الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يتخلفْ مَعَهُ بِمَكَّةَ أَحَدٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلَّا مَنْ حُبس أَوْ فُتن، إلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحافة الصِّدِّيقُ ﵄ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ كَثِيرًا مَا يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَعْجَلْ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لَكَ صَاحِبًا"، فَيَطْمَعُ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يكونَه. قريش تتشاور في أمره ﵇: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قد صَارَتْ لَهُ شِيعة وَأَصْحَابٌ مِنْ غَيْرِهِمْ بغيرِ بَلَدِهِمْ، وَرَأَوْا خُرُوجَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلَيْهِمْ، عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ نَزَلُوا دَارًا، وَأَصَابُوا مِنْهُمْ مَنَعَة، فَحَذِرُوا خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ، وَعَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَجَمَعَ لِحَرْبِهِمْ. فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ النَّدْوَةِ وَهِيَ دَارُ قُصَي بْنِ كِلَابٍ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَقْضِي أَمْرًا إلَّا فِيهَا يَتَشَاوَرُونَ فِيهَا مَا يَصْنَعُونَ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْنَ خَافُوهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَصْحَابِنَا، عن ابن أَبِي نَجيح، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جُبير أَبِي الْحَجَّاجِ، وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أَجَمَعُوا لِذَلِكَ، واتَّعدوا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيَتَشَاوَرُوا فِيهَا فِي أمرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَدَوْا فِي الْيَوْمِ الَّذِي اتَّعدوا لَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يسمى يوم الرحمة، فَاعْتَرَضَهُمْ إبْلِيسُ فِي هَيْئَةِ شَيْخٍ جَلِيلٍ، عَلَيْهِ بَتْلَةٌ١، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الدَّارِ فَلَمَّا رَأَوْهُ وَاقِفًا عَلَى بَابِهَا؟ قَالُوا: مَنْ الشَّيْخُ؟ قَالَ: شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ٢ سَمِعَ بِاَلَّذِي اتَّعدتم له فحضر معكم ليسمع

стр. 394

مَا تَقُولُونَ، وَعَسَى أَنْ لَا يُعدمكم مِنْهُ رأيًا ونصحًا، قالوا: أجل فادخل مَعَهُمْ، وَقَدْ اجْتَمَعَ فِيهَا أَشْرَافُ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وشَيْبة بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: طُعَيمة بْنُ عَدِيٍّ، وجُبَيْر بنُ مُطْعِم، وَالْحَارِثُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفل. وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَي: النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدة. وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى: أَبُو البَخْتَرِيّ بْنُ هِشَامٍ، وزَمْعَة بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزام. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ. وَمِنْ بَنِي سَهْم: نُبيه ومُنبَّه ابْنَا الْحَجَّاجِ. وَمِنْ بَنِي جُمَح: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ. وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا يُعَدُّ مِنْ قُرَيْشٍ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، فَإِنَّا وَاَللَّهِ مَا نَأْمَنُهُ عَلَى الْوُثُوبِ عَلَيْنَا فِيمَنْ قَدْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِنَا، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا. قَالَ: فَتَشَاوَرُوا ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: احْبِسُوهُ فِي الْحَدِيدِ، وَأَغْلِقُوا عَلَيْهِ بَابًا، ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ مَا أَصَابَ أَشْبَاهَهُ مِنْ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ، زُهَيْرًا وَالنَّابِغَةَ، وَمَنْ مَضَى مِنْهُمْ، مِنْ هَذَا الْمَوْتِ، حَتَّى يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ. فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لَا وَاَللَّهِ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ. وَاَللَّهِ لَئِنْ حَبَسْتُمُوهُ كَمَا تَقُولُونَ لَيَخْرُجَنَّ أَمْرُهُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ الَّذِي أَغْلَقْتُمْ دُونَهُ إلَى أَصْحَابِهِ، فَلَأَوْشَكُوا أَنْ يَثِبُوا عَلَيْكُمْ، فيُنزِعوه مِنْ أَيْدِيكُمْ، ثُمَّ يُكَاثِرُوكُمْ بِهِ، حَتَّى يَغْلِبُوكُمْ عَلَى أمرِكم، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، فَانْظُرُوا فِي غَيْرِهِ. فتشاوروا. ثم قال

стр. 395

قَائِلٌ مِنْهُمْ: نُخْرِجُهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَنَنْفِيهِ مِنْ بِلَادِنَا، فَإِذَا أُخْرِجَ عَنَّا فَوَاَللَّهِ مَا نُبَالِي أَيْنَ ذَهَبَ وَلَا حَيْثُ وَقَعَ، إذَا غَابَ عَنَّا وَفَرَغْنَا مِنْهُ، فَأَصْلَحْنَا أَمْرَنَا وَأَلْفَتْنَا كَمَا كَانَتْ، فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لَا وَاَللَّهِ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، أَلَمْ تَرَوْا حُسنَ حَدِيثِهِ، وحلاوةَ مَنْطِقِهِ، وغَلبته عَلَى قُلُوبِ الرِّجَالِ بِمَا يَأْتِي بِهِ، وَاَللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَا أَمِنْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَى حَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ، فَيَغْلِبَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَحَدِيثِهِ حَتَّى يُتَابِعُوهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَسِيرُ بِهِمْ إلَيْكُمْ حَتَّى يَطَأَكُمْ بِهِمْ فِي بِلَادِكُمْ، فَيَأْخُذَ أمرَكم مِنْ أَيْدِيكُمْ، ثُمَّ يَفْعَلَ بِكَمْ مَا أَرَادَ، دَبِّرُوا فِيهِ رَأْيًا غَيْرَ هَذَا. قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: وَاَللَّهِ إنَّ لِي فِيهِ لَرَأْيًا مَا أَرَاكُمْ وَقَعْتُمْ عَلَيْهِ بعدُ قَالُوا: وَمَا هُوَ يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ أَرَى أَنْ نَأْخُذَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى شَابًّا جَلِيدًا نَسِيبًا وَسِيطًا فِينَا، ثُمَّ نُعطي كُلَّ فَتًى مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا ثُمَّ يَعْمِدوا إلَيْهِ، فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَيَقْتُلُوهُ، فَنَسْتَرِيحَ مِنْهُ. فَإِنَّهُمْ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ جَمِيعًا، فَلَمْ يَقْدِرْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى حَرْبِ قَوْمِهِمْ جَمِيعًا، فَرَضُوا مِنَّا بِالْعَقْلِ، فَعَقَلْنَاهُ لَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: الْقَوْلُ مَا قَالَ الرَّجُلُ، هَذَا الرَّأْيُ الَّذِي لَا رَأْيَ غَيْرُهُ، فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ عَلَى ذلك وهم مجمعون له. استخلافه لعلي: فَأَتَى جبريلُ ﵇ رسولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا تَبِتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى فراشِك الَّذِي كنتَ تَبِيتُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ عَتْمَة مِنْ اللَّيْلِ اجْتَمَعُوا عَلَى بَابِهِ يَرْصُدُونَهُ مَتَى يَنَامُ، فَيَثِبُونَ عَلَيْهِ؟ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَانَهُمْ، قَالَ لعليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: نَمْ عَلَى فِرَاشِي وتَسَجَّ بِبُرْدي هَذَا الحَضْرمي الْأَخْضَرِ، فَنَمْ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَخْلُص إلَيْكَ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ مِنْهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَامُ فِي بُرْدِه ذَلِكَ إذَا نَامَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بن زياد، عن محمد بن كعب القُرظي قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعُوا لَهُ، وَفِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ وَهُمْ عَلَى بَابِهِ: إنَّ مُحَمَّدًا يزعُم أَنَّكُمْ إنْ تَابَعْتُمُوهُ عَلَى أَمْرِهِ، كُنْتُمْ مُلُوكَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، ثُمَّ بُعثتم مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، فجُعلت لَكُمْ جِنان كَجِنَانِ الْأُرْدُنِّ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ لَهُ فِيكُمْ ذَبْح، ثُمَّ بُعثتم مِنْ بعدِ مَوْتِكُمْ، ثُمَّ جُعلت لَكُمْ نَارٌ تُحرقون فِيهَا. قَالَ: وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُراب فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ، أنتَ أحدُهم. وَأَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أبصارِهم عَنْهُ، فَلَا يَرَوْنَه، فَجَعَلَ يَنثرُ ذَلِكَ الترابَ عَلَى رءوسِهم وَهُوَ يَتْلُو هؤلاءِ الْآيَاتِ مِنْ يس: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] حَتَّى فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رجل إلا قد وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى حَيْثُ أَرَادَ أَنْ يذهبَ، فَأَتَاهُمْ آتٍ مِمَّنْ لم يكن معهم، فقال:

стр. 396

ما تنتظرون ههنا؟ قَالُوا: مُحَمَّدًا: قَالَ: خَيَّبَكُمْ اللَّهُ! قَدْ وَاَللَّهِ خَرَجَ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ مَا تَرَكَ مِنْكُمْ رَجُلًا إلَّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رأسِهِ تُرَابًا، وَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، أَفَمَا تَرَوْنَ مَا بِكُمْ؟ قَالَ: فَوَضَعَ كلُّ رجلٍ مِنْهُمْ يدَه عَلَى رأسِه، فَإِذَا عَلَيْهِ ترابٌ ثُمَّ جَعَلُوا يتطلَّعون فَيَروْن عَلِيًّا عَلَى الْفِرَاشِ مُتَسَجِّيًا بِبُرْد رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُونَ: وَاَللَّهِ إنَّ هذا لمحمد نائم عَلَيْهِ بُرْدُه. فَلَمْ يَبْرَحُوا كَذَلِكَ حَتَّى أَصْبَحُوا١ فَقَامَ عَلِيٌّ ﵁ عَنْ الْفِرَاشِ فَقَالُوا: وَاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ صدَّقنا الَّذِي حَدَّثَنَا. ما نزل فِي تَرَبُّصِ الْمُشْرِكِينَ بِالنَّبِيِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ القرآنِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَمَا كَانُوا أَجْمَعُوا لَهُ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ، وَقَوْلِ اللَّهِ : ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣٠، ٣١] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَنُونُ: الْمَوْتُ. وَرَيْبُ الْمَنُونِ: ما يريب ويعرض مِنْهَا. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الهُذَليُّ: أَمِنْ المنُون ورَيْبها تتوجَّعُ ... والدهرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزعُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وأذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ عند ذلك في الهجرة. أبو بكر يطمع في المصاحبة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ رَجُلًا ذَا مَالٍ، فَكَانَ حَيْنَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تعجلْ، لَعَلَّ اللَّهَ يَجِدُ لَكَ صَاحِبًا، قَدْ طَمِعَ بِأَنْ يَكُونَ رسول الله ﷺ إنما يَعْنِي نَفْسَهُ، حَيْنَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَابْتَاعَ رَاحِلَتَيْنِ، فَاحْتَبَسَهُمَا فِي دارِه، يَعْلِفُهُمَا إعْدَادًا لِذَلِكَ. حديث الهجرة إلَى الْمَدِينَةِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مَنْ لا أتهم، عن عروة بن الزبير،

стр. 397

عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لَا يُخطئ رسولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يأتيَ بيتَ أَبِي بَكْرٍ أحدَ طَرَفَيْ النَّهَارِ، إمَّا بُكْرَةً وَإِمَّا عَشِيَّةً، حَتَّى إذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي أُذِنَ فِيهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، وَالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ مِنْ بَيْنِ ظهريْ قَوْمِهِ، أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ، فِي سَاعَةٍ كَانَ لَا يَأْتِي فِيهَا: قَالَتْ: فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: مَا جَاءَ رسولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ السَّاعَةَ إلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ. قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ، تَأَخَّرَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ سَرِيرِهِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إلَّا أَنَا وَأُخْتِي أسماءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أخرجْ عَنِّي مَنْ عندَك. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ، وَمَا ذَاكَ؟ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ وَالْهِجْرَةِ. قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: الصُّحْبَةَ. قَالَتْ: فَوَاَللَّهِ مَا شَعُرْتُ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي يَوْمئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ هَاتَيْنِ رَاحِلَتَانِ قَدْ كُنْتُ أَعْدَدْتهمَا لِهَذَا. فَاسْتَأْجَرَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَرْقَطِ -رَجُلًا مِنْ بَنِي الدُّئَلِ بْنِ بَكْرٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَهْم بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ مُشْرِكًا -يَدُلُّهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ، فَدَفَعَا إلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، فَكَانَتَا عنده يرعاهما لميعادهما. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمْ يَعْلَمْ فِيمَا بَلَغَنِي، بِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ، حَيْنَ خَرَجَ، إلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَآلُ أَبِي بَكْرٍ. أَمَا عَلِيٌّ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ -فِيمَا بَلَغَنِي- أَخْبَرَهُ بِخُرُوجِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ بعدَه بِمَكَّةَ، حَتَّى يؤدِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الودائعَ، الَّتِي كَانَتْ عندَه لِلنَّاسِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِمَكَّةَ أَحَدٌ عندَه شَيْءٌ يُخْشَى عَلَيْهِ إلَّا وَضَعَهُ عِنْدَهُ، لِمَا يُعْلَمُ مِنْ صِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ ﷺ . فِي الْغَارِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخُرُوجَ، أَتَى أَبَا بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، فَخَرَجَا مِنْ خَوْخَةٍ لِأَبِي بَكْرٍ فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ، ثم عمدا إلَى غَارٍ بِثَوْرٍ -جَبَلٍ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ- فَدَخَلَاهُ، وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يتسمَّع لَهُمَا مَا يَقُولُ الناسُ فِيهِمَا نهارَه، ثُمَّ يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْخَبَرِ وَأَمَرَ عامرَ بنَ فُهيرة مَوْلَاهُ أَنْ يَرْعَى غنمَهُ نهارَه، ثُمَّ يُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا، يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى فِي الغارِ. وَكَانَتْ أسماءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ تَأْتِيهِمَا مِنْ الطَّعَامِ إذَا أَمْسَتْ بِمَا يُصْلِحُهُمَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي بعضُ أهلِ الْعِلْمِ، أَنَّ الحسنَ بنَ أَبِي الْحَسَنِ البَصْريَّ قَالَ: انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ إلَى الْغَارِ لَيْلًا، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

стр. 398

قبلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فلَمِس الْغَارَ، لِيَنْظُرَ أَفِيهِ سَبُعٌ أَوْ حَيَّةٌ، يَقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بنفسِهِ. من قام بشأن الرسول ﷺ فِي الْغَارِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْغَارِ ثَلَاثًا وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ فِيهِ حين فقدوه مائةَ نَاقَةٍ، لِمَنْ يَرُدُّهُ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَكُونُ فِي قُرَيْشٍ نهارَه مَعَهُمْ، يَسْمَعُ مَا يَأْتَمِرُونَ بِهِ، وَمَا يَقُولُونَ فِي شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ. ثُمَّ يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى فَيُخْبِرُهُمَا الْخَبَرَ. وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرة مولَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، يَرْعَى فِي رُعْيانِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِذَا أَمْسَى أَرَاحَ عَلَيْهِمَا غنمَ أَبِي بَكْرٍ. فَاحْتَلَبَا وَذَبَحَا، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ غدَا مِنْ عِنْدِهِمَا إلَى مَكَّةَ، اتَّبَعَ عامرُ بنُ فُهَيْرة أثرَه بِالْغَنَمِ حَتَّى يُعَفِّى عَلَيْهِ، حَتَّى إذَا مَضَتْ الثلاثُ، وَسَكَنَ عَنْهُمَا الناسُ أَتَاهُمَا صاحبُهما الَّذِي اسْتَأْجَرَاهُ ببعيريْهما وَبَعِيرٍ لَهُ، وَأَتَتْهُمَا أسماءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ﵂ بسُفْرتهما، وَنَسِيَتْ أَنْ تَجْعَلَ لَهَا عِصامًا١ فَلَمَّا ارْتَحَلَا ذَهَبَتْ لِتُعَلِّقَ السّفرةَ، فَإِذَا لَيْسَ لَهَا عِصام، فَتَحِلُّ نِطاقها فَتَجْعَلُهُ عِصامًا، ثُمَّ عَلَّقَتْهَا بِهِ. سَبَبُ تَسْمِيَةِ أَسْمَاءَ بِذَاتِ النِّطَاقِ: فَكَانَ يُقَالُ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: ذَاتُ النِّطَاقِ، لِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَمِعْتُ غيرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، وَتَفْسِيرُهُ: أَنَّهَا لَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تُعَلِّقَ السُّفْرَةَ شَقَّتْ نِطَاقَهَا بِاثْنَيْنِ: فعلقت السفرة بواحد، وانتطَقَتْ بالآخر. راحلة الرسول: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا قَرَّب أَبُو بَكْرٍ، ﵁، الرَّاحِلَتَيْنِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدَّمَ لَهُ أفضَلَهما، ثُمَّ قَالَ: اركبْ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي فَقَالَ رسول الله ﷺ : أني لَا أَرْكَبُ بَعِيرًا لَيْسَ لِي قَالَ: فَهِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ مَا الثمنُ الَّذِي ابْتَعْتهَا بِهِ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: قَدْ أخذتُها بِهِ. قَالَ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ٢. فَرَكِبَا وَانْطَلَقَا وَأَرْدَفَ أَبُو بَكْرٍ الصدِّيق ﵁ عامرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مَوْلَاهُ خلفَه، ليخدمَهما في الطريق.

стр. 399

أبو جهل يضرب أسماء: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحُدثت عَنْ أسماءَ بنتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁، أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوكَ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاَللَّهِ أَيْنَ أَبِي؟ قَالَتْ: فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ، وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا؟ فَلَطَمَ خدي لطمةً طرح منها قُرطي. الجني الذي تغنى بمقدمه ﷺ : قَالَتْ: ثُمَّ انْصَرَفُوا. فَمَكَثْنَا ثلاثَ ليالٍ، وَمَا نَدْرِي أينَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْجِنِّ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، يَتَغَنَّى بِأَبْيَاتٍ مِنْ شَعَرِ غِناءَ الْعَرَبِ، وَإِنَّ النَّاسَ لَيَتْبَعُونَهُ، يَسْمَعُونَ صوتَه وَمَا يَرَوْنَه حَتَّى خَرَجَ مِنْ أَعَلَى مَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ: جَزَى اللَّهُ ربُّ الناسِ خيرَ جزائهِ ... رَفِيقَيْنِ حلاَّ خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ هُمَا نَزَلَا بالبَرِّ ثُمَّ تَرَوَّحَا ... فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رفيقَ محمدِ لِيهْنِ بنو كَعْبٍ مكانُ فتاتِهم ... ومقعدُها لِلْمُؤْمِنَيْنِ بِمَرْصَدِ نَسَبُ أُمِّ مَعْبَدٍ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُمُّ مَعْبَدِ بِنْتُ كَعْبٍ، امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي كَعْبٍ، مِنْ خزاعة وقوله، "حلاَّ خيمَتَيْ" و "هما نَزَلَا بِالْبَرِّ ثُمَّ تَرَوَّحَا" عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ﵄ فَلَمَّا سَمِعْنَا قوله، عرفنا

стр. 400

حَيْثُ وَجْه رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّ وَجْهَه إلَى الْمَدِينَةِ وَكَانُوا أَرْبَعَةً: رسولُ الله ﷺ وأبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ وعامرُ بْنُ فُهَيْرة مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أرْقَطْ دَلِيلُهُمَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَبْدُ الله بن أرَيْقط. موقف آل أبي بكر بعد الهجرة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّاد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَاهُ عَبَّادًا حَدَّثَهُ عَنْ جَدَّتِهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ، احْتَمَلَ أَبُو بَكْرٍ مَالَهُ كلَّه، وَمَعَهُ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ سِتَّةُ آلَافٍ، فَانْطَلَقَ بِهَا مَعَهُ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيْنَا جَدي أَبُو قُحَافَةَ، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قَدْ فَجَعَكُمْ بِمَالِهِ مَعَ نَفْسِهِ. قَالَتْ: قُلْتُ: كَلَّا يَا أَبَتِ! إنَّهُ قَدْ تَرَكَ لَنَا خَيْرًا كَثِيرًا. قَالَتْ: فَأَخَذْتُ أَحْجَارًا فَوَضَعْتهَا فِي كُوَّةٍ فِي الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ أَبِي يَضَعُ مَالَهُ فِيهَا، ثُمَّ وَضَعْتُ عَلَيْهَا ثَوْبًا، ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، ضَعْ يَدَكَ عَلَى هَذَا الْمَالِ. قَالَتْ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَا بَأْسَ، إذَا كَانَ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا فَقَدْ أَحْسَنَ، وَفِي هَذَا بَلَاغٌ لَكُمْ. لا وَاَللَّهِ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئًا وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أن أسكن الشيخ بذلك. سراقة بن مالك: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ سُرَاقة بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم، قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مكةَ مُهَاجِرًا إلَى المدينة، جعلت قريش فيه مائةَ نَاقَةٍ لِمَنْ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ. قَالَ: فبَيْنا أَنَا جَالِسٌ فِي نَادِي قَوْمِي إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ منا، حتى وقف علينا، فقال: والله قد رأيتُ رَكَبة ثَلَاثَةً مَرُّوا عليَّ آنِفًا، إنِّي لَأَرَاهُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ: فَأَوْمَأْتُ إلَيْهِ بِعَيْنِي: أَنْ اُسْكُتْ، ثُمَّ قُلْتُ: إنَّمَا هُمْ بَنُو فلان، يبتغون ضالة بهم، قَالَ: لَعَلَّهُ، ثُمَّ سَكَتَ. قَالَ: ثُمَّ مَكَثْتُ قَلِيلًا، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ بَيْتِي، ثُمَّ أَمَرْتُ بِفَرَسِي، فقُيد لِي إلَى بَطْنِ الْوَادِي، وَأَمَرْتُ بِسِلَاحِي، فَأُخْرِجَ لِي مِنْ دُبُر حُجْرَتِي، ثُمَّ أَخَذْتُ قِداحي الَّتِي أَسَتَقْسِمُ بِهَا، ثُمَّ انْطَلَقْتُ، فَلَبِسْتُ لَأْمَتِي ثُمَّ أَخَرَجْتُ قِداحي فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ "لَا يَضُرُّهُ". قَالَ: وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَرُدَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ، فَآخُذَ المائة النَّاقَةِ، قَالَ: فَرَكِبْتُ عَلَى أَثَرِهِ، فَبَيْنَمَا فَرَسِي يَشْتَدُّ بِي عَثَرَ بِي، فَسَقَطْتُ عَنْهُ قَالَ: فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: ثُمَّ أَخَرَجْتُ قِدَاحِي فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ "لَا يَضُرُّهُ"، قَالَ: فَأَبَيْتُ إلَّا أَنْ أَتَّبِعَهُ، قَالَ: فَرَكِبْتُ فِي أَثَرِهِ فَبَيْنَا فَرَسِي يَشْتَدُّ بِي، عَثَرَ بِي، فَسَقَطْتُ عَنْهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: ثُمَّ أَخَرَجْتُ قِدَاحِي فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ "لَا يَضُرُّهُ" قَالَ: فَأَبَيْتُ إلَّا أَنْ أَتَّبِعَهُ فَرَكِبْتُ فِي أَثَرِهِ، فَلَمَّا بَدَا لِي الْقَوْمُ وَرَأَيْتهمْ

стр. 401

عَثَرَ بِي فَرَسِي، فَذَهَبَتْ يَدَاهُ فِي الْأَرْضِ، وسقَطْت عَنْهُ ثُمَّ انْتَزَعَ يَدَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ، وَتَبِعَهُمَا دُخَانٌ كالإِعصار. قَالَ: فَعَرَفْتُ حَيْنَ رَأَيْتُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ مُنع مِنِّي، وَأَنَّهُ ظَاهِرٌ. قَالَ: فَنَادَيْتُ الْقَوْمَ: فَقُلْتُ: أَنَا سُراقة بْنُ جُعْشُم: اُنْظُرُونِي أكلمْكم، فَوَاَللَّهِ لَا أَرَيْبُكُمْ وَلَا يَأْتِيكُمْ مِنِّي شَيْءٌ تَكْرَهُونَهُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: "قُلْ لَهُ: وَمَا تَبْتَغِي مِنَّا؟ " قَالَ: فَقَالَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: قُلْتُ: تَكْتُبُ لِي كِتَابًا يَكُونُ آيَةً بَيْنِي وَبَيْنَكَ. قَالَ: "اُكْتُبْ له يا أبا بكر". قَالَ: فَكَتَبَ لِي كِتَابًا فِي عَظْم، أَوْ فِي رُقعة، أَوْ فِي خزَفة، ثُمَّ أَلْقَاهُ إليَّ، فَأَخَذَتْهُ، فَجَعَلْتُهُ فَي كِنانتي، ثُمَّ رَجَعْتُ، فسكتُّ فَلَمْ أَذْكُرْ شَيْئًا مِمَّا كَانَ حَتَّى إذَا كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَرَغَ مِنْ حُنَين وَالطَّائِفِ، خَرَجْتُ وَمَعِي الْكِتَابَ لَأَلْقَاهُ، فَلَقِيتُهُ بالجِعِرَانة. قَالَ: فَدَخَلْتُ فِي كَتِيبَةٍ مِنْ خَيْلِ الْأَنْصَارِ. قال: فجعلوا يقرعونني بالرماح ويقولون: إلَيْكَ مَاذَا تُرِيدُ؟ قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ، وَاَللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى سَاقِهِ فِي غِرْزِهِ كَأَنَّهَا جُمَّارة. قَالَ: فَرَفَعْتُ يَدِي بِالْكِتَابِ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كِتَابُكَ، أَنَا سُراقة بْنُ جُعْشُم قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرٍّ، ادْنُهْ"، قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَأَسْلَمْتُ. ثُمَّ تَذَكَّرْتُ شَيْئًا أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ فَمَا أَذْكُرُهُ، إلَّا أَنِّي قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الضَّالَّةُ مِنْ الإِبل تَغْشَى حِيَاضِي، وَقَدْ مَلَأْتهَا لإِبلي، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي أَنْ أَسْقِيَهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، فِي كُلِّ ذَاتِ كَبد حَرَّى أَجْرٌ". قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إلَى قَوْمِي فسُقت إلَى رَسُولِ الله ﷺ صدقتي. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بن مالك بن جعشم. طريق الهجرة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا خَرَجَ بِهِمَا دَلِيلُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أرْقَط، سَلَكَ بِهِمَا أَسْفَلَ مَكَّةَ، ثُمَّ مَضَى بِهِمَا عَلَى السَّاحِلِ، حَتَّى عَارَضَ الطَّرِيقَ أَسْفَلَ مِنْ عُسْفان، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا عَلَى أَسْفَلِ أمَج، ثُمَّ اسْتَجَازَ بِهِمَا، حَتَّى عَارَضَ بِهِمَا الطَّرِيقَ، بَعْدَ أَنْ أَجَازَ قُدَيدًا، ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ، فَسَلَكَ بِهِمَا الخَرَّار، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا ثَنِيَّة الْمَرَّةِ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا لِقْفا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ؟ لَفْتا. قَالَ مَعْقِل بْنُ خُوَيلد الْهُذَلي: نَزِيعًا مُحْلِبًا مِنْ أَهْلِ لَفْت ... لِحَيٍّ بَيْنَ أثْلةَ والنِّحامِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أجاز بهم مَدْلَجة لِقْف ثُمَّ اسْتَبْطَنَ بِهِمَا مَدْلجة مَحَاجَّ -ويقال: مِجاج

стр. 402

فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا مَرْجِح مَحاجِ، ثُمَّ تَبَطَّنَ بِهِمَا مَرْجِح مِنْ ذِي الغَضَوين -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْعُضْوَيْنِ- ثم في ذِي كَشْر، ثُمَّ أَخَذَ بِهِمَا عَلَى الجَداجَد، ثُمَّ عَلَى الأجْرد ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا ذَا سَلَم مَن بَطْنِ أَعْدَاءِ مَدْلِجَة تِعْهِن١: ثُمَّ عَلَى العَبابيد؛ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: العَبابيب: وَيُقَالُ: العِثْيانة. يُرِيدُ: الْعَبَابِيبَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا الفاجَّة، وَيُقَالُ: القاحَّة، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ هبط بهما العَرْج وقد أبطأ عليهم بعضُ ظَهْرِهِمْ، فَحَمَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ، يُقَالُ لَهُ: أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ، عَلَى جَمَلٍ لَهُ -يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الرَّداء- إلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُ غُلَامًا لَهُ، يُقَالُ لَهُ: مَسْعُودُ بْنُ هُنَيْدة، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمَا دَلِيلُهُمَا مِنْ العَرْج فَسَلَكَ بِهِمَا ثَنية الْعَائِرِ، عَنْ يَمِينِ رَكُوبة -وَيُقَالُ: ثَنِيَّةُ الْغَائِرِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- حَتَّى هبط بهما في رِئْم، ثُمَّ قَدِمَ بِهِمَا قُباء، عَلَى بَنِي عَمرو بْنِ عَوْفٍ، لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، حِينَ اشْتَدَّ الضَّحاء، وَكَادَتْ الشَّمْسُ تَعْتَدِلُ. قُدُومُهُ ﷺ قُبَاءَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمر بْنِ سَاعِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: لَمَّا سَمِعْنَا بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، وَتَوَكَّفْنَا٢ قُدُومَهُ، كُنَّا نَخْرُجُ إذَا صَلَّيْنَا الصُّبْحَ، إلَى ظَاهِرِ حَرَّتنا نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَاَللَّهِ مَا نَبْرَحُ حَتَّى تَغْلِبَنَا الشَّمْسُ عَلَى الظِّلَالِ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ ظِلًّا دَخَلْنَا وَذَلِكَ فِي أَيَّامٍ حَارَّةٍ، حَتَّى إذَا كَانَ اليومُ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَلَسْنَا كَمَا كُنَّا نَجْلِسُ، حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ ظِلٌّ دَخَلْنَا بُيُوتَنَا، وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْنَ دَخَلْنَا الْبُيُوتَ، فَكَانَ أَوَّلُ من رآه رجل من اليهود، قد رَأَى مَا كُنَّا نَصْنَعُ، وَأَنَّا نَنْتَظِرُ قُدُومَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْنَا، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قَيْل٣، هَذَا جَدكُم قَدْ جَاءَ قَالَ: فَخَرَجْنَا إلَى رسول الله ﷺ وهو فِي ظِلِّ نَخْلَةٍ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي مِثْلِ سِنِّهِ وأكثرُنا لَمْ يَكُنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَكِبَهُ النَّاسُ٤ وَمَا يَعْرِفُونَهُ

стр. 403

مِنْ أَبِي بَكْرٍ، حَتَّى زَالَ الظِّلُّ عَنْ رسول الله ﷺ فقام أَبُو بَكْرٍ فَأَظَلَّهُ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفْنَاهُ عِنْدَ ذَلِكَ١. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ -فِيمَا يَذْكُرُونَ- عَلَى كُلْثوم بْنِ هِدْم، أَخِي بَنِي عَمرو بْنِ عَوْف ثُمَّ أَحَدِ بَنِي عُبَيْد وَيُقَالُ: بَلْ نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثمة وَيَقُولُ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى كُلثوم بْنِ هِدْم: إنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِ كُلْثُومِ بْنِ هِدْم جلس الناس فِي بَيْتِ سَعْدِ بْنِ خَيْثمة. وَذَلِكَ أَنَّهُ كان عازبًا لَا أَهْلَ لَهُ، وَكَانَ مَنْزِلُ الْأَعْزَابِ٢ مِنْ أصحاب رسول الله ﷺ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، فَمِنْ هُنَالِكَ يُقَالُ نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثمة، وَكَانَ يُقَالُ لِبَيْتِ سَعْدِ بْنِ خَيْثمةَ: بَيْتُ الْأَعْزَابِ. فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذلك كان، كلا قد سمعنا. وَنَزَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ عَلَى خُبَيْب بْنِ إسَاف، أَحَدِ بَنِي الْحَارِثِ بن الْخَزْرَجَ بالسُّنْح. وَيَقُولُ قَائِلٌ: كَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْر، أَخِي بني الحارث بن الخزرج. وَأَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَأَيَّامِهَا، حَتَّى أَدَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْهَا، لَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ مَعَهُ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ هِدْم.

стр. 404

فَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ إقَامَتُهُ بقُباءٍ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ يَقُولُ: كَانَتْ بقُباءٍ امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا، مُسْلِمَةٌ. قَالَ فَرَأَيْتُ إنْسَانًا يَأْتِيهَا مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَيَضْرِبُ عَلَيْهَا بَابَهَا، فَتَخْرَجُ إلَيْهِ فَيُعْطِيَهَا شَيْئًا مَعَهُ فَتَأْخُذَهُ. قَالَ: فَاسْتَرَبْتُ بِشَأْنِهِ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أَمَةَ اللَّهِ، مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي يَضْرِبُ عَلَيْكَ بَابَكَ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَتَخْرُجِينَ إلَيْهِ فَيُعْطِيَكَ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَأَنْتِ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ لَا زَوْجَ لَكَ؟ قَالَتْ: هَذَا سَهْلُ بْنُ حُنَيْفِ بْنِ وَاهِبٍ، قَدْ عَرَفَ أَنِّي امْرَأَةٌ لَا أَحَدَ لِي، فَإِذَا أَمْسَى عَدَا عَلَى أَوْثَانِ قَوْمِهِ فَكَسَّرَهَا، ثُمَّ جَاءَنِي بِهَا، فَقَالَ: احْتَطِبِي بِهَذَا، فَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَأْثُرُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، حَتَّى هَلَكَ عِنْدَهُ بِالْعِرَاقِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي هَذَا، مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: هِنْدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَهْلِ بن حنيف، ﵁. مَسْجِدِ قُبَاءٍ١: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بقُباءٍ، فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْف، يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، وَأَسَّسَ مَسْجِدَهُ. خروج الرسول من قباء وذهابه إلَى الْمَدِينَةِ: ثُمَّ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يُزْعِمُونَ أَنَّهُ مَكَثَ فِيهِمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ -فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ، فأدركتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ الجمعةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْف، فَصَلَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي فِي بَطْنِ الْوَادِي، وَادِي رانُونَاء، فَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا بِالْمَدِينَةِ. اعْتِرَاضُ الْقَبَائِلِ لَهُ لينزل عِنْدَهَا: فَأَتَاهُ عِتْبان بْنُ مَالِكٍ، وَعَبَّاسُ بْنُ عُبادة بْنِ نَضلة فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقِمْ عِنْدَنَا فِي العَدد والعُدَّة والمَنَعَة؟ قَالَ خَلُّوا سبيلَها: فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، لِنَاقَتِهِ: فخلَّوْا سبيلَها؛ فَانْطَلَقَتْ حَتَّى إذَا وَازَنَتْ دَارَ بَنِي بَيَاضَة، تَلَقَّاهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ، وَفَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي بَيَاضة فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلُمَّ إلَيْنَا، إلَى العَدد والعُدة والمَنَعة؛ قَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، فخلَّوْا سَبِيلَهَا. فَانْطَلَقَتْ، حَتَّى إذَا مَرَّتْ بِدَارِ بَنِي سَاعِدَةَ، اعْتَرَضَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ هَلُمَّ إلَيْنَا إلَى الْعَدَدِ والعُدة والمنَعة؟ قَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، فخلَّوْا سبيلها، فانطلقت. حتى إذا وازنت دار بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، اعْتَرَضَهُ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَة، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هلُم إلَيْنَا إلَى العَدد والعُدة والمَنَعة قَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهَا، فإنها مأمورة، فخلَّوْا سبيلها. فانطلقت

стр. 405

حَتَّى إذَا مَرَّتْ بِدَارِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُمْ أَخْوَالُهُ دِنْيا -أُمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، سَلْمى بِنْتُ عَمْرٍو إحْدَى نِسَائِهِمْ- اعْتَرَضَهُ سَلِيط بْنُ قَيْس، وَأَبُو سَلِيط، أسَيْرة بْنُ أَبِي خَارِجَةَ، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلُمَّ إلَى أَخْوَالِكَ، إلَى العَدد والعُدة والمَنَعة قَالَ: خَلُّوا سبيلَها فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، فخلَّوْا سَبِيلَهَا، فَانْطَلَقَتْ. مَبْرَكَ الناقة: حَتَّى إذَا أَتَتْ دَارَ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ بَرَكَتْ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ، ﷺ ، وَهُوَ يَوْمئِذٍ مِرْبَد١ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُمَا فِي حِجر مُعاذ بْنِ عَفْراء، سَهْل وسُهَيْل ابْنَيْ عَمْرٍو، فَلَمَّا بَرَكَتْ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا لَمْ يَنْزِلْ، وَثَبَتَ فَسَارَتْ غيرَ بِعِيدٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ لَهَا زِمَامَهَا لَا يَثْنِيهَا بِهِ، ثُمَّ الْتَفَتَتْ إلَى خَلْفِهَا، فَرَجَعَتْ إلَى مَبْرَكِهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَبَرَكَتْ فيه، ثم تَحلْحَلت ورزَمت وألقت بجرانِها٢ فَنَزَلَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحْتَمَلَ أَبُو أَيُّوبَ خالدُ بْنُ زَيْد رحلَه، فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهِ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَأَلَ عَنْ المِرْبَد لِمَنْ هُوَ؟ فَقَالَ لَهُ مَعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَسهْل وسُهَيْل ابنيْ عَمْرٍو٣ وَهُمَا يَتِيمَانِ لِي، وَسَأُرْضِيهِمَا مِنْهُ، فاتخذْه مسجدًا.

стр. 406

مسجد المدينة: قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يبنَ مَسْجِدًا، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي أَيُّوبَ حَتَّى بَنَى مَسْجِدَهُ وَمَسَاكِنَهُ، فَعَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُرَغِّبَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْعَمَلِ فِيهِ، فَعَمِلَ فِيهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ: وَدَأَبُوا فِيهِ: فَقَالَ قَائِلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: لَئِنْ قَعَدْنَا والنبيُّ يعملُ ... لذاك منا العمل المضلِّلُ وارتجز المسلمون قوهم يَبْنُونَهُ يَقُولُونَ: لَا عيشَ إلَّا عَيْشَ الْآخِرَهْ ... اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا كَلَامٌ وَلَيْسَ بِرَجَزٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا عيش إلا عيش الآخره، اللهم ارحم المهاجرين والأنصار". عمّار والفئة الباغية: قَالَ: فَدَخَلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَقَدْ أَثْقَلُوهُ باللَّبِن، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَتَلُونِي؟ يَحْمِلُونَ عَلَيَّ مَا لَا يَحْمِلُونَ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ : فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ينفُض وَفْرَته بِيَدِهِ: وَكَانَ رَجُلًا جَعْدًا، وَهُوَ يَقُولُ: "وَيْحَ ابْنَ سُمَية لَيْسُوا بِاَلَّذِينَ يَقْتُلُونَكَ. إنَّمَا تقتلك الفئةُ الباغية". وَارْتَجَزَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَوْمئِذٍ: لَا يَسْتَوِي مَنْ يُعمرُ الْمَسَاجِدَا ... يدأبُ فيه قائمًا وقاعدَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَأَلْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ، عَنْ هَذَا الرَّجَزِ، فَقَالُوا: بَلَغَنَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ارْتَجَزَ بِهِ، فَلَا يُدْرَى: أَهُوَ قَائِلُهُ أَمْ غَيْرُهُ؟. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَخَذَهَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ بِهَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَلَمَّا أَكْثَرَ، ظَنَّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ إنَّمَا يعرِّض بِهِ، فِيمَا حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البكَّائي، عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَقَدْ سَمَّى ابنُ إسحاق الرجلَ٢.

стр. 407

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ قَدْ سمعتُ مَا تقول منذ اليوم يابنَ سُمَيَّةَ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأُرَانِي سَأَعْرِضُ هَذِهِ الْعَصَا لِأَنْفِكَ. قَالَ: وَفِي يَدِهِ عَصًا. قَالَ: فَغَضِبَ رسول الله ﷺ ثم قَالَ: مَا لَهُمْ وَلِعَمَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إلَى النَّارِ، إنَّ عَمَّارًا جِلْدَة مَا بَيْنَ عينيَّ وَأَنْفِي، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ مِنْ الرجل فلم يُستبق فاجتنبوه. قال ابن هشام: وذكر سفيان بن عيينة عَنْ زَكَرِيَّا، عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: إنَّ أَوَّلَ من بني مسجدًا عمار بن ياسر١. الرسول ينزل في بيت أبي أيوب: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ، حَتَّى بُنِيَ لَهُ مَسْجِدُهُ ومساكنُهُ٢، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى مَسَاكِنِهِ مِنْ بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ رَحْمَةُ الله عليه ورضوانه.

стр. 408

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مَرْثد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اليَزَني عَنْ أَبِي رُهْم السَّماعي قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ عليَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي، نَزَلَ فِي السُّفْل وَأَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ فِي العُلو، فَقُلْتُ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إنِّي لَأَكْرَهُ وَأُعْظِمُ أَنْ أَكُونَ فَوْقَكَ، وَتَكُونَ تَحْتِي، فَاظْهَرْ أَنْتَ فَكُنْ فِي العُلْوِ، وَنَنْزِلَ نَحْنُ فَنَكُونَ فِي السُّفْل. فَقَالَ: يَا أَبَا أَيُّوبَ، إنَّ أَرْفَقَ بِنَا وَبِمَنْ يَغْشَانَا، أَنْ نَكون فِي سُفْل الْبَيْتِ. قَالَ: فَكَانَ رسول الله ﷺ في سُفله، وكنا فوقه في المسكن، فقد انْكَسَرَ حُبٌّ١ لَنَا فِيهِ مَاءٌ فَقُمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ بِقَطِيفَةٍ لَنَا، مَا لَنَا لِحَافٌ غيرها، نكشف بِهَا الْمَاءَ، تَخَوُّفًا أَنْ يَقْطُرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ شَيْءٌ فَيُؤْذِيَهُ. قَالَ: وَكُنَّا نَصْنَعُ لَهُ الْعَشَاءَ، ثُمَّ نبعث إلَيْهِ، فَإِذَا رَدَّ عَلَيْنَا فضلَه تَيَمَّمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ مَوْضِعَ يَدِهِ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نَبْتَغِي بِذَلِكَ البركةَ، حَتَّى بَعَثْنَا إلَيْهِ لَيْلَةً بعَشائه وَقَدْ جَعَلْنَا لَهُ بَصَلًا أَوْ ثَوْمًا، فَرَدَّهُ رسول الله ﷺ ولم أَرَ لِيَدِهِ فِيهِ أَثَرًا. قَالَ: فَجِئْتُهُ فَزِعًا، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، رددت عَشاءَك، لم أَرَ فِيهِ موضعَ يَدِكَ، وَكُنْتَ إذَا رَدَدْتُهُ عَلَيْنَا، تَيَمَّمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ موضعَ يَدِكَ، نَبْتَغِي بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ، قَالَ: إنِّي وَجَدْتُ فِيهِ رِيحَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وَأَنَا رَجُلٌ أُنَاجِي، فَأَمَّا أنتم فكلوه، فَأَكَلْنَاهُ، وَلَمْ نَصْنَعْ لَهُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بعدُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَتَلَاحَقَ الْمُهَاجِرُونَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَبْقَ بِمَكَّةَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، إلَّا مَفْتُونٌ أَوْ مَحْبُوسٌ، ولم يوعب أهل هجرة مَكَّةَ بِأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إلَى اللَّهِ ﵎ وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا أَهْلُ دُورٍ مُسَمَّوْن: بَنُو مَظْعُونٍ مِنْ بَنِي جُمَح، وَبَنُو جَحْشِ بْنِ رِئاب، حُلَفَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنُو البُكَير، مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْث، حُلَفَاءُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَإِنَّ دورَهم غُلقت بِمَكَّةَ هِجْرَةً، لَيْسَ فِيهَا ساكن. أبو سفيان يعتدي على دار بني جحش: وَلَمَّا خَرَجَ بَنُو جَحْش بْنِ رِئاب مِنْ دَارِهِمْ. عَدَا عَلَيْهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَبَاعَهَا مِنْ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، أَخِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَلَمَّا بَلَغَ بَنِي جَحْشٍ مَا صَنَعَ أَبُو سُفْيَانَ بِدَارِهِمْ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا تَرْضَى يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ بِهَا دَارًا خيرًا منها في الجنة؟

стр. 409

قَالَ: بَلَى؟ قَالَ: فَذَلِكَ لَكَ. فَلَمَّا افْتَتَحَ رسول الله ﷺ مكة، كَلَّمَهُ أَبُو أَحْمَدَ فِي دارِهم، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رسول الله ﷺ فقال النَّاسُ لِأَبِي أَحْمَدَ: يَا أَبَا أَحْمَدَ، إنَّ رسول الله ﷺ يكره أَنْ تَرْجِعُوا فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِكُمْ أُصِيبَ مِنْكُمْ فِي اللَّهِ ، فَأَمْسَكَ عَنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ: أبلغْ أَبَا سُفيانَ عَنْ ... أَمْرٍ عَوَاقِبُهُ ندامهْ دارَ ابنِ عمِّك بعتَها ... تَقْضِي بِهَا عَنْكَ الغرامهْ وحليفُكم بِاَللَّهِ رَبِّ ... الناسِ مُجْتَهَدُ القَسَامَهْ اذهبْ بِهَا، اذهبْ بِهَا ... طُوِّقْتَها طَوْقَ الحمامهْ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ إذْ قَدِمها شهرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، إلَى صَفَرٍ مِنْ السَّنَةِ الدَّاخِلَةِ، حَتَّى بُنِيَ لَهُ فِيهَا مسجدُه ومساكنهُ، وَاسْتَجْمَعَ لَهُ إسْلَامُ هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَلَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلَّا أَسْلَمَ أهلُها، إلَّا مَا كَانَ مِنْ خَطْمة، وَوَاقِفٍ، وَوَائِلٍ، وَأُمَيَّةَ، وَتِلْكَ أَوْسُ اللَّهِ، وَهُمْ حَيٌّ من الأوس، فإنهم أقاموا على شركهم. خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَكَانَتْ أَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -نَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ نَقُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، مَا لَمْ يَقُلْ- أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ، فحمِد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فقدِّموا لِأَنْفُسِكُمْ. تَعَلَّمنُ وَاَللَّهِ ليُصْعَقَنَّ أحدُكم ثُمَّ لَيَدَعَنَّ غنمَه لَيْسَ لَهَا راعٍ، ثُمَّ ليقولنَّ لَهُ ربُّه وَلَيْسَ لَهُ تَرجمان وَلَا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ دُونَهُ: أَلَمْ يَأْتِكَ رَسُولِي فبلَّغك، وَآتَيْتُكَ مَالًا وَأَفْضَلْتُ عَلَيْكَ، فَمَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ، فَلَيَنْظُرَنَّ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَا يَرَى شَيْئًا، ثُمَّ لَيَنْظُرَنَّ قُدَّامَهُ فَلَا يَرَى غَيْرَ جَهَنَّمَ. فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقِيَ وَجْهَهُ مِنْ النَّارِ وَلَوْ بِشِق مِنْ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، فَإِنَّ بِهَا تُجزى الْحَسَنَةُ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، إلَى سَبْعِ ماِئَةِ ضَعْفٍ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وبركاته". قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَطَبَ رسولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: "إنَّ الحمدَ لِلَّهِ، أحمدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهِ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضلل فَلَا هاديَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إنَّ أحسنَ الحديثَ كِتَابُ اللَّهِ ﵎، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَيَّنَهُ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَدْخَلَهُ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْكُفْرِ، وَاخْتَارَهُ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ أَحَادِيثِ النَّاسِ، إنَّهُ أحسنُ الْحَدِيثِ وأبلغهُ، أَحِبُّوا مَا أَحَبَّ

стр. 410

اللَّهُ، أَحِبُّوا اللَّهَ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ، وَلَا تملُّوا كلامَ اللَّهِ وذِكْرَه، وَلَا تَقْسُ عَنْهُ قلوبُكم، فَإِنَّهُ مِنْ كُلِّ مَا يَخْلُقُ اللَّهُ يختار ويصطفي، وقد سَمَّاهُ اللَّهُ خِيرته مِنْ الْأَعْمَالِ وَمُصْطَفَاهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَالصَّالِحَ مِنْ الْحَدِيثِ، وَمِنْ كُلِّ مَا أُوتِيَ النَّاسُ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، فَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشركوا بِهِ شَيْئًا، وَاتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَاصْدُقُوا اللَّهَ صَالِحَ مَا تَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ، وتحابُّوا بِرُوحِ الله بينكم إن الله يغضب أن يُنْكَسَ عهدُهُ، والسلام عليكم". الرسول يوادع اليهود وكتابه بين المسلمين: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَادَعَ فِيهِ يَهُودَ وَعَاهَدَهُمْ، وأقرَّهم عَلَى دِينِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَشَرَطَ لَهُمْ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَثْرِبَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ، فَلَحِقَ بِهِمْ، وَجَاهَدَ مَعَهُمْ، إنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ، الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رِبْعَتِهم يَتَعَاقَلُونَ بَيْنَهُمْ، وَهُمْ يَفدون عَانيهم١ بِالْمَعْرُوفِ والقِسط بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَبَنُو عَوْفٍ عَلَى رِبْعتهم يَتَعَاقَلُونَ معاقِلَهم٢ الْأُولَى، كُلُّ طَائِفَةٍ تَفدي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَبَنُو سَاعِدَةَ عَلَى رِبْعَتهم يَتَعَاقَلُونَ معاقلَهم الأولى وكل طائفة منهم تَفْدي عانيها بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو الْحَارِثِ عَلَى رِبْعتهم يَتَعَاقَلُونَ معاقلَهم الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَفدي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو جُشَم على رِبْعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة مِنْهُمْ تَفْدي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو النَّجَّارِ عَلَى رِبْعَتهم يَتَعَاقَلُونَ معاقلَهم الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو عَمْرو بْنِ عَوْف عَلَى رِبْعَتهم يَتَعَاقَلُونَ معاقلَهم الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَفْدي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو النَّبِيت على رِبْعتهم يتعاقلون معاقلَهم الأولى، وكل طائفة تَفْدي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو الأوْس عَلَى رِبْعتهم يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تفْدي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا بَيْنَهُمْ أَنْ يُعطوه بِالْمَعْرُوفِ فِي فِداء أَوْ عَقْلٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: المفْرَح: المثقَّل بالدَّيْن وَالْكَثِيرُ العيال. قال الشاعر:

стр. 411

إذا أنت لم تبرح تؤدي أَمَانَةً ... وتحملُ أُخْرَى أفرَحَتْك الودائعُ وَأَنْ لَا يُحَالِفَ مؤمنٌ مَوْلَى مُؤْمِنٍ دونَه وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ، أَوْ ابْتَغَى دَسِيعَةَ١ ظُلم، أَوْ إثْمٍ، أَوْ عُدْوَانٍ، أَوْ فَسَادٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَلَوْ كَانَ وَلدَ أَحَدِهِمْ، وَلَا يَقتلُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا فِي كَافِرٍ، وَلَا ينصرُ كَافِرًا عَلَى مُؤْمِنٍ وَإِنَّ ذِمَّةَ اللَّهِ وَاحِدَةٌ يُجير عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ مَوَالِي بَعْضٍ دُونَ النَّاسِ، وَإِنَّهُ مَنْ تَبِعَنَا مِنْ يَهُودَ فَإِنَّ لَهُ النَّصْرَ وَالْأُسْوَةَ، غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مُتَنَاصَرِينَ عَلَيْهِمْ وإنَّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ لَا يُسَالَمُ مُؤْمِنٌ دُونَ مؤمنٍ فِي قِتَالٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إلَّا عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ كُلَّ غَازِيَةٍ غَزَتْ مَعَنَا يُعقب بَعْضُهَا بَعْضًا وإن المؤمنين يبيء بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا نَالَ دماءَهم فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ عَلَى أَحْسَنِ هَدْي وَأَقْوَمِهِ، وَإِنَّهُ لَا يُجِيرُ مُشْرِكٌ مَالًا لقريش ولا نفسًا، وَلَا يَحُولُ دُونَهُ عَلَى مُؤْمِنٍ وَإِنَّهُ مَنْ اعْتَبَطَ٢ مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَينة فَإِنَّهُ قَوَدٌ بِهِ إلَّا أَنْ يَرْضَى وليُّ الْمَقْتُولِ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ كَافَّةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ إلَّا قِيَامٌ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَقَرَّ بِمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَآمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ يَنْصُرَ مُحْدِثًا وَلَا يُؤْوِيهِ، وَأَنَّهُ مَنْ نَصَرَهُ أَوْ آوَاهُ، فَإِنَّ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللَّهِ وَغَضَبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَإِنَّكُمْ مَهْمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ، فَإِنَّ مردَّه إلَى اللَّهِ ، وَإِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِنَّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ، وَإِنَّ يهودَ بَنِي عَوْف أُمَّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ، وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ، إلَّا مَنْ ظَلم وأثِم، فَإِنَّهُ لَا يُوتِغ٣ إلَّا نفسَه، وأهلَ بَيْتِهِ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي النَّجَّارِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي الْحَارِثِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف، وإن ليهود بني ساعدة مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي جُشَم مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي الأوْس مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي ثَعْلبة مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف، إلَّا مَنْ ظَلم وأثِم، فَإِنَّهُ لَا يُوتغ إلَّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَإِنَّ جَفْنةَ بَطْنٌ مِنْ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّ لِبَنِي الشُّطَيْبة مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف، وَإِنَّ الْبِرَّ دُونَ الْإِثْمِ وَإِنَّ مَوَالِيَ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّ بِطَانَةَ يَهُودَ كَأَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّهُ لَا يَخْرَجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِنَّهُ لَا يُنْحَجَزُ على نار جُرْح، وَإِنَّهُ مَنْ فَتَكَ فَبِنَفْسِهِ فَتَكَ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ، إلَّا مِنْ ظَلَمَ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى أَبَرِّ هَذَا وَإِنَّ عَلَى الْيَهُودِ نفقتَهم وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ نفقتَهم وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النَّصْرَ عَلَى مَنْ حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم

стр. 412

النُّصْحَ وَالنَّصِيحَةَ، وَالْبِرَّ دُونَ الإِثم، وَإِنَّهُ لَمْ يَأْثَمْ امْرُؤٌ بِحَلِيفِهِ وَإِنَّ النَّصْرَ لِلْمَظْلُومِ وَإِنَّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ، وَإِنَّ يَثْرِبَ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَإِنَّ الْجَارَ كَالنَّفْسِ غَيْرَ مُضار وَلَا آثِمٌ، وَإِنَّهُ لَا تُجار حُرمة إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا، وَإِنَّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ اشْتِجَارٍ يُخاف فَسَادُهُ، فَإِنَّ مردَّه إلَى اللَّهِ ، وَإِلَى مُحَمَّدٍ رسول الله ﷺ وإن اللَّهَ عَلَى أَتْقَى مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَأَبَرِّهِ وَإِنَّهُ لَا تُجار قُرَيْشٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النَّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ، وَإِذَا دُعوا إلَى صُلْحٍ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ، فَإِنَّهُمْ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ، وَإِنَّهُمْ إذَا دُعوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، إلَّا مَنْ حَارَبَ فِي الدِّينِ، عَلَى كُلِّ أُنَاسٍ حصتهم في جَانِبِهِمْ الَّذِي قِبَلهم وَإِنَّ يَهُودَ الْأَوْسِ، مَوَالِيَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ، عَلَى مِثْلِ مَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، مَعَ الْبِرِّ الْمَحْضِ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مَعَ الْبِرِّ الْمُحْسِنُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَإِنَّ الْبِرَّ دُونَ الْإِثْمِ، لَا يَكْسِبُ كَاسِبٌ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى أَصْدَقِ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَأَبَرِّهِ وَإِنَّهُ لَا يَحُولُ هَذَا الْكِتَابُ دُونَ ظَالِمٍ وَآثِمٍ، وَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ آمِنٌ وَمَنْ قَعَدَ آمِنٌ بِالْمَدِينَةِ، إلَّا مَنْ ظَلم أَوْ أثِم، وَإِنَّ اللَّهَ جَارٌ لِمَنْ بَرَّ وَاتَّقَى، وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١. الْمُؤَاخَاةُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ والأنصار: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ والأنصار٢

стр. 413

فَقَالَ -فِيمَا بَلَغَنَا، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ نَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ: "تآخَوْا فِي اللَّهِ أخَوَيْن أخَوَيْن ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: هَذَا أَخِي. فَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ سيد المرسلين، وَإِمَامَ الْمُتَّقِينَ، وَرَسُولَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي لَيْسَ لَهُ خَطِيرٌ١ وَلَا نَظِيرٌ مِنْ الْعِبَادِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَخَوَيْنِ، وَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ ﷺ وَعَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَزَيْدُ بن حارثة، مولى رسول الله ﷺ أَخَوَيْنِ، وَإِلَيْهِ أَوْصَى حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ حَيْنَ حَضَرَهُ الْقِتَالُ إنْ حَدَثَ بِهِ حَادِثُ الْمَوْتِ وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ذُو الْجَنَاحَيْنِ، الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ، وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، أَخَوَيْنِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَوْمئِذٍ غَائِبًا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَخَارِجَةُ بْنُ زُهَير، أَخُو بَلْحَارث بْنِ الخَزرج، أَخَوَيْنِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وعِتْبان بْنُ مَالِكٍ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْف بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْف بْنِ الْخَزْرَجِ أَخَوَيْنِ، وَأَبُو عُبيدة بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن الجراح، واسمه عامر بن عبد الله، وَسَعْدُ بنُ مُعاذ بْنِ النُّعْمَانِ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الأشْهَل، أَخَوَيْنِ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْف، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ، أَخُو بَلْحارث بْنِ الْخَزْرَجِ، أخَوَيْن، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَسَلَامَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْش، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، أَخَوَيْنِ، وَيُقَالُ: بَلْ الزُّبَيْرُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَلِيفُ بَنِي زُهرة، أَخَوَيْنِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وأوْس بْنُ ثَابِتِ بْنِ المنذِر، أَخُو بَنِي النَّجَّارِ، أَخَوَيْنِ. وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْد اللَّهِ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، أَخُو بَنِي سَلَمة، أَخَوَيْنِ. وَسَعْدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْل، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَخُو بَنِي النَّجَّارِ. أَخَوَيْنِ. ومُصْعَب بْنُ عُمَير بْنِ هَاشِمٍ، وَأَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيد، أَخُو بَنِي النَّجَّارِ: أخَويْن. وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتبة بْنِ رَبِيعَةَ، وعَبَّاد بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْش، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، أَخَوَيْنِ. وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، أَخُو بَنِي عَبْدِ عَبْس، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: أَخَوَيْنِ. وَيُقَالُ: ثَابِتُ بْنُ قَيْس بْنِ الشمَّاس، أَخُو بَلحارث بْنِ الْخَزْرَجِ خَطِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، أَخَوَيْنِ. وَأَبُو ذَر، وهو بُرَيْر بن جُنادة الغِفاري، والمُنْذِر بْنُ عَمْرٍو المُعْنِق لِيَمُوتَ٢، أَخُو بَنِي سَاعِدَةَ بن كعب بن الخزرج: أخوين.

стр. 414

فَقَالَ -فِيمَا بَلَغَنَا، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ نَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ: "تآخَوْا فِي اللَّهِ أخَوَيْن أخَوَيْن ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: هَذَا أَخِي. فَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ سيد المرسلين، وَإِمَامَ الْمُتَّقِينَ، وَرَسُولَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي لَيْسَ لَهُ خَطِيرٌ١ وَلَا نَظِيرٌ مِنْ الْعِبَادِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَخَوَيْنِ، وَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ ﷺ وَعَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَزَيْدُ بن حارثة، مولى رسول الله ﷺ أَخَوَيْنِ، وَإِلَيْهِ أَوْصَى حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ حَيْنَ حَضَرَهُ الْقِتَالُ إنْ حَدَثَ بِهِ حَادِثُ الْمَوْتِ وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ذُو الْجَنَاحَيْنِ، الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ، وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، أَخَوَيْنِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَوْمئِذٍ غَائِبًا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَخَارِجَةُ بْنُ زُهَير، أَخُو بَلْحَارث بْنِ الخَزرج، أَخَوَيْنِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وعِتْبان بْنُ مَالِكٍ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْف بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْف بْنِ الْخَزْرَجِ أَخَوَيْنِ، وَأَبُو عُبيدة بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن الجراح، واسمه عامر بن عبد الله، وَسَعْدُ بنُ مُعاذ بْنِ النُّعْمَانِ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الأشْهَل، أَخَوَيْنِ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْف، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ، أَخُو بَلْحارث بْنِ الْخَزْرَجِ، أخَوَيْن، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَسَلَامَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْش، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، أَخَوَيْنِ، وَيُقَالُ: بَلْ الزُّبَيْرُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَلِيفُ بَنِي زُهرة، أَخَوَيْنِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وأوْس بْنُ ثَابِتِ بْنِ المنذِر، أَخُو بَنِي النَّجَّارِ، أَخَوَيْنِ. وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْد اللَّهِ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، أَخُو بَنِي سَلَمة، أَخَوَيْنِ. وَسَعْدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْل، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَخُو بَنِي النَّجَّارِ. أَخَوَيْنِ. ومُصْعَب بْنُ عُمَير بْنِ هَاشِمٍ، وَأَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيد، أَخُو بَنِي النَّجَّارِ: أخَويْن. وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتبة بْنِ رَبِيعَةَ، وعَبَّاد بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْش، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، أَخَوَيْنِ. وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، أَخُو بَنِي عَبْدِ عَبْس، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: أَخَوَيْنِ. وَيُقَالُ: ثَابِتُ بْنُ قَيْس بْنِ الشمَّاس، أَخُو بَلحارث بْنِ الْخَزْرَجِ خَطِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، أَخَوَيْنِ. وَأَبُو ذَر، وهو بُرَيْر بن جُنادة الغِفاري، والمُنْذِر بْنُ عَمْرٍو المُعْنِق لِيَمُوتَ٢، أَخُو بَنِي سَاعِدَةَ بن كعب بن الخزرج: أخوين.

стр. 415

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرارة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بِئْسَ الْمَيِّتُ أَبُو أُمَامَةَ، لَيَهُودُ وَمُنَافِقِي الْعَرَبِ يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صَاحِبُهُ، وَلَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي وَلَا أصحابي من الله شيئًا. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عُمر بْنِ قَتادة الْأَنْصَارِيُّ: أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ أَبُو أُمَامَةَ، أَسْعَدُ بْنُ زُرارة، اجْتَمَعَتْ بَنُو النَّجَّارِ إلى رسول الله ﷺ وَكَانَ أَبُو أُمَامَةَ نَقِيبَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ هَذَا قَدْ كَانَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ، فَاجْعَلْ مِنَّا رَجُلًا مَكَانَهُ يُقِيمُ مِنْ أَمْرِنَا مَا كَانَ يُقِيمُ فَقَالَ رسول الله ﷺ لهم: أَنْتُمْ أَخْوَالِي، وَأَنَا بِمَا فِيكُمْ، وَأَنَا نَقِيبُكُمْ وَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَخُصَّ بِهَا بعضَهم دُونَ بَعْضٍ. فَكَانَ مِنْ فَضْلِ بَنِي النَّجَّارِ الَّذِي يَعُدُّون عَلَى قَوْمِهِمْ، أَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نقيبهم. خبر الأذان: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، وَاجْتَمَعَ إلَيْهِ إخْوَانُهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، وَاجْتَمَعَ أَمْرُ الْأَنْصَارِ، اسْتَحْكَمَ أَمْرُ الإِسلام، فَقَامَتْ الصَّلَاةُ، وفُرضت الزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ، وَقَامَتْ الْحُدُودُ، وفُرض الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَتَبَوَّأَ الإِسلام بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ هُمْ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ. وَقَدْ كَانَ رسول الله ﷺ حين قَدِمَهَا إنَّمَا يَجْتَمِعُ النَّاسُ إلَيْهِ لِلصَّلَاةِ لِحِينِ مَوَاقِيتِهَا، بِغَيْرِ دَعْوَةٍ، فهمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْنَ قَدِمَهَا أَنْ يَجْعَلَ بُوقًا كَبُوقِ يَهُودَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ، لِصَلَاتِهِمْ، ثُمَّ كَرِهَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِالنَّاقُوسِ، فَنُحِتَ ليُضرب بِهِ لِلْمُسْلِمَيْنِ لِلصَّلَاةِ. رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زيد الْأَذَانِ: فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إذْ رَأَى عبدُ الله بن زَيْد بن ثعلبة بن عَبْدِ رَبِّه، أَخُو بَلْحارث بْنِ الْخَزْرَجِ، النِّدَاءَ فأتي رسولَ الله ﷺ فَقَالَ لَهُ: يَا رسولَ اللَّهِ، إنَّهُ طَافَ بيِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ طائفٌ: مَرَّ بِي رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ، يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَتَبِيعُ هَذَا النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ، اللَّهُ أكبرُ، اللَّهُ أكبرُ، أشهدُ أَنَّ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أشهدُ أَنَّ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أشهدُ أَنَّ

стр. 416

مُحَمَّدًا رسولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصلاةِ، حَيَّ عَلَى الصلاةِ، حَيَّ عَلَى الفلاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أكبرُ، اللَّهُ أكبرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. فَلَمَّا أخبرَ بِهَا رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِهَا عَلَيْهِ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهَا، فَإِنَّهُ أنْدَى١ صَوْتًا مِنْكَ. فَلَمَّا أذَّن بِهَا بِلَالٌ سَمِعَهَا عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَجُرُّ رداءَه، وَهُوَ يَقُولُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَأَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَلِلَّهِ الحمدُ على ذلك. رؤيا عمر: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ محمدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عَبْدِ رَبِّه، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وذكر ابن جُرَيْج، قَالَ لِي عَطَاءٌ: سَمِعْتُ عُبَيْد بْنَ عُمَيْر اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: ائْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِالنَّاقُوسِ لِلِاجْتِمَاعِ لِلصَّلَاةِ، فَبَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ خَشَبَتَيْنِ لِلنَّاقُوسِ، إذا رَأَى عمرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْمَنَامِ: لَا تَجْعَلُوا النَّاقُوسَ، بَلْ أذِّنوا لِلصَّلَاةِ فَذَهَبَ عُمَرُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُخْبِرَهُ بِاَلَّذِي رَأَى، وَقَدْ جَاءَ النبيَّ ﷺ الوحيُ بِذَلِكَ، فَمَا رَاعَ عُمَرُ إلَّا بِلَالٌ يؤذِّن، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْنَ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ: قَدْ سبقك بذلك الوحي. ما كان يدعو به بلال قبل الفجر: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، قَالَتْ: كَانَ بَيْتِي مِنْ أطولِ بَيْتٍ حولَ الْمَسْجِدِ، فَكَانَ بِلَالٌ يؤذن عليه الفجرَ كُلَّ غَداة، فَيَأْتِي بسَحَر، فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَيْتِ يَنْتَظِرُ الْفَجْرَ، فَإِذَا رَآهُ تمطَّى، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أحمدُك وأستعينُك عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يُقِيمُوا عَلَى دِينِكَ. قَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا عَلِمْتُهُ كان يتركها ليلةً واحدةً. أمر أبي قَيْسِ بْنُ أَبِي أَنَسٍ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا اطمأنَّت بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ داره، وأظهر الله بها دينَه،

стр. 417

وسرَّه بِمَا جَمَعَ إلَيْهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ قَالَ أَبُو قَيْسٍ صِرْمة بْنُ أَبِي أَنَسٍ أَخُو بَنِي عَدِي بْنِ النجار. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو قَيْسٍ، صِرْمة بْنُ أَبِي أَنَسِ بْنِ صِرْمة بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْم بْنِ عَدِي بن النجار. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَجُلًا قَدْ ترهَّب فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَبِسَ المُسوح، وَفَارَقَ الْأَوْثَانَ، وَاغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَتَطَهَّرَ مِنْ الْحَائِضِ مِنْ النِّسَاءِ، وَهَمَّ بِالنَّصْرَانِيَّةِ، ثُمَّ أَمْسَكَ عَنْهَا وَدَخَلَ بَيْتًا لَهُ فَاِتَّخَذَهُ مَسْجِدًا لَا تَدْخُلُهُ عَلَيْهِ فِيهِ طامِثٌ وَلَا جُنُبٌ، وَقَالَ: أَعْبُدُ ربَّ إبْرَاهِيمَ، حَيْنَ فَارَقَ الأوثانَ وكَرِهها، حَتَّى قَدِمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ المدينةَ، فَأَسْلَمَ وحَسُنَ إسلامهُ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَكَانَ قوَّالًا بالحقِّ معظِّمًا لِلَّهِ فِي جَاهِلِيَّتِهِ، يَقُولُ أَشْعَارًا فِي ذَلِكَ حِسَانًا -وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: يقولُ أَبُو قَيْسٍ وَأَصْبَحَ غَادِيًا ... أَلَا مَا استطعتُمْ مِنْ وَصَاتي فافعلُوا فَأُوصِيكُمْ بِاَللَّهِ والبِر وَالتُّقَى ... وأعراضِكم، والبرُّ بِاَللَّهِ أوَّلُ وإنْ قومُكم سَادُوا فَلَا تَحْسُدُنّهُمْ ... وَإِنْ كنتمُ أَهْلَ الرياسةِ فاعدِلُوا وَإِنْ نزلتْ إحْدَى الدَّوَاهِي بقومِكم ... فأنفُسَكم دُونَ العشيرةِ فاجعلُوا وَإِنْ نابَ غُرْم فادحٌ فارفِقُوهُمُ ... وَمَا حَمَّلُوكم فِي الملمَّاتِ فاحملُوا وَإِنْ أنتمُ أمْعَرتُمُ فتعفَّفُوا وَإِنْ ... كَانَ فضلُ الْخَيْرِ فِيكُمْ فأفضلُوا١ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: وَإِنْ نَابَ أَمْرٌ فَادِحٌ فارفدوهُمُ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو قَيْس صِرْمة أَيْضًا: سَبِّحُوا اللَّهَ شرقَ كُلِّ صباحٍ ... طَلَعَتْ شمسُه وَكُلِّ هلالِ عَالِمَ السِّر وَالْبَيَانِ لَدَيْنَا ... لَيْسَ مَا قال ربُّنا بضلالِ

стр. 418

وَلَهُ الطيرُ تستريدُ وَتَأْوِي ... فِي وكورٍ مِنْ آمناتِ الجبالِ١ وَلَهُ الوحشُ بالفلاةِ تَرَاهَا ... فِي حِقافٍ وَفِي ظلالِ الرمالِ٢ وَلَهُ هَوَّدَت يهودُ ودانتْ ... كلَّ دينٍ إذَا ذكرتَ عُضَالِ٣ وَلَهُ شَمَّسَ النَّصَارَى وَقَامُوا ... كلَّ عيدٍ لربِّهم واحتفالِ٤ وله الراهبُ الحبيسُ تراه ... رَهْنَ بُؤْسٍ وَكَانَ ناعمَ بالِ٥ يَا بَنِيَّ -الأرحامَ لَا تَقْطَعُوهَا ... وصِلُوها قَصِيرَةً مِنْ طِوالِ٦ وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي ضِعافِ الْيَتَامَى ... رُبَّما يُسْتَحلُّ غيرُ الحلالِ وَاعْلَمُوا أَنَّ لليتيمِ وَلِيًّا ... عالِمًا يَهْتَدِي بغيرِ السؤالِ ثُمَّ مالَ اليتيمِ لَا تَأْكُلُوهُ ... إنَّ مالَ اليتيمِ يَرْعَاهُ وَالِي يَا بنيَّ -التخومَ لَا تَخْزلوها ... إنَّ خَزْلَ التُّخوم ذُو عُقَّالِ٧ يَا بنيَّ -الأيامَ لَا تأمَنُوها ... واحذَروا مَكْرَها ومَرَّ اللَّيَالِي وَاعْلَمُوا أَنَّ مَرَّها لنفادِ الْـ ... ـخَلْقِ مَا كانَ مِنْ جديدٍ وَبَالِي وَاجْمَعُوا أمرَكم عَلَى البِرِّ وَالتَّقْـ ... ـوَى وتَرْكِ الخَنَا وأخذِ الحلالِ وَقَالَ أَبُو قَيْسٍ صِرْمة أَيْضًا يَذْكُرُ مَا أَكْرَمَهُمْ اللَّهُ ﵎ بِهِ مِنْ الْإِسْلَامِ وَمَا خَصَّهُمْ اللَّهُ بِهِ مِنْ نُزُولِ رَسُولِهِ ﷺ عَلَيْهِمْ: ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرةَ ... حِجَّةً يذكِّرُ لَوْ يَلْقى صَدِيقًا مواتِيَا ويَعْرِضُ فِي أهلِ المواسمِ نفسَه ... فلم يرَ مَنْ يُؤوِي وَلَمْ يَرَ دَاعِيَا فَلَمَّا أَتَانَا أظهرَ اللَّهُ دينَه ... فأصبحَ مَسْرُورًا بطيبةَ راضِيَا وَأَلْفَى صِدِّيقًا واطمأنتْ بِهِ النَّوى ... وَكَانَ لَهُ عَوْنًا مِنْ الله باديَا

стр. 419

يَقُصُّ لَنَا مَا قَالَ نوحٌ لقومهِ ... وَمَا قَالَ مُوسَى إذْ أجابَ المنادِيَا فَأَصْبَحَ لَا يَخْشَى مِنْ النَّاسِ وَاحِدًا ... قَرِيبًا وَلَا يَخشى مِنْ الناسِ نَائِيَا بذلْنا لَهُ الأموالَ مِنْ حِل مالِنا ... وأنفسَنا عندَ الوغَى والتَّآسِيَا وَنَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ ... ونعلمُ أَنَّ اللَّهَ أفضلُ هاديَا نعادِي الَّذِي عادَى مِنْ الناسِ كلِّهم ... جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ الحبيبَ المُصافيَا أَقُولُ إذَا أدْعوك فِي كُلِّ بَيْعَةٍ: تباركتَ قَدْ أكثَرتُ لاسمِك داعيَا أقولُ إذَا جاوَزْتُ أَرْضًا مَخُوفَةً: حَنَانَيْك لَا تُظْهِرْ عَلَيَّ الأعَادِيَا ... فَطَأْ مُعْرِضًا إنَّ الحُتُوفَ كَثِيرَةٌ وَإِنَّكَ لَا تُبقي لنفسِك بَاقِيَا ... فَوَاَللَّهِ مَا يدرِي الْفَتَى كيفَ يتَّقي إذَا هُوَ لَمْ يجعلْ لَهُ اللَّهُ واقيَا ... وَلَا تَحْفِلُ النخلُ المُعِيمةُ ربَّها إذا أصبحت رِيا وأصبح تاويَا١ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْبَيْتُ الَّذِي أَوَّلُهُ: فَطَأْ مُعْرِضًا إنَّ الحتوفَ كَثِيرَةٌ وَالْبَيْتُ الَّذِي يَلِيهِ: فَوَاَللَّهِ مَا يَدْرِي الْفَتَى كَيْفَ يتَّقي لِأَفْنُونَ التَّغْلبي، وَهُوَ صُرَيْم بْنُ مَعْشَر، فِي أَبْيَاتٍ له. عداوة اليهود: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ونصبتْ عندَ ذَلِكَ أحبارُ يهودَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ العداوةَ، بَغْيًا وَحَسَدًا وَضِغْنًا، لِمَا خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْعَرَبَ مِنْ أَخْذِهِ رَسُولَهُ مِنْهُمْ، وَانْضَافَ إلَيْهِمْ رجالٌ مِنْ الأوْس وَالْخَزْرَجِ، مِمَّنْ كَانَ عَسِيَ٢ عَلَى جَاهِلِيَّتِهِ، فَكَانُوا أَهْلَ نِفَاقٍ عَلَى دِينِ آبَائِهِمْ مِنْ الشِّرك وَالتَّكْذِيبِ بِالْبَعْثِ، إلَّا أَنَّ الْإِسْلَامَ قَهَرَهُمْ بِظُهُورِهِ وَاجْتِمَاعِ قومِهم عَلَيْهِ، فَظَهَرُوا بِالْإِسْلَامِ، وَاِتَّخَذُوهُ جُنَّة مِنْ الْقَتْلِ وَنَافَقُوا فِي السِّرِّ، وَكَانَ هَوَاهُمْ مَعَ يهودَ، لِتَكْذِيبِهِمْ النبيَّ ﷺ وَجُحُودِهِمْ الْإِسْلَامَ، وَكَانَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ هُمْ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيَتَعَنَّتُونَهُ، وَيَأْتُونَهُ باللَّبس، ليَلْبِسوا الحقَّ بِالْبَاطِلِ، فَكَانَ الْقُرْآنُ يَنْزِلُ فِيهِمْ فِيمَا يَسْأَلُونَ عَنْهُ، إلَّا قَلِيلًا مِنْ الْمَسَائِلِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، كَانَ الْمُسْلِمُونَ يسألون عنها.

стр. 420

[من بني النضير] : حُيَيّ بْنُ أخْطَب، وَأَخَوَاهُ أَبُو يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، وجُدَيّ بْنُ أَخْطَبَ، وَسَلَّامُ بْنُ مشْكم، وَكِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الحُقَيق، وسلاَّم بن أبي الحُقَيق، وأبو رَافِعٍ الْأَعْوَرُ -وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، بِخَيْبَرٍ- وَالرَّبِيعُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الحُقيق، وعَمرو بْنُ جَحَّاش، وكعْب بْنُ الْأَشْرَفِ، وَهُوَ مِنْ طَيِّئ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي نَبْهان، وَأُمُّهُ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو، حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وكَرْدَم بْنُ قَيْسٍ، حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الأشرف فهؤلاء من بني النضير. ومن بني ثعلبة بن الفِطْيَوْن١: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُوريا الْأَعْوَرُ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْحِجَازِ فِي زَمَانِهِ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِالتَّوْرَاةِ مِنْهُ وَابْنُ صَلُوبا، ومُخَيْريق، وَكَانَ حَبْرَهُمْ، أَسْلَمَ. وَمِنْ بَنِي قَينُقاع: زَيْدُ بْنُ اللَّصِيت -وَيُقَالُ: ابْنُ اللُّصَيْت، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَسَعْدُ بنُ حُنَيف، وَمَحْمُودُ بْنُ سَيْحان، وعُزَيْز بْنُ أَبِي عُزَيز، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَيْف. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ابْنُ ضَيْف. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وسُوَيْد بْنُ الْحَارِثِ، وَرِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، وفِنْحاص، وأشْيَع، ونُعمان بْنُ أضَا، وَبَحْرِيّ بْنُ عَمْرٍو، وشَأس بْنُ عَدِيٍّ، وَشَأْسُ بْنُ قَيْس، وَزَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ، ونُعمان بْنُ عَمرو، وسُكِين بْنُ أَبِي سُكَين، وعَدي بْنُ زَيْدٍ، وَنُعْمَانُ بْنُ أَبِي أوْفَى، أَبُو أَنَسٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ دَحْية، وَمَالِكُ بْنُ صَيْف. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ابْنُ ضَيْفٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَعْبُ بْنُ رَاشِدٍ، وعازَر، وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَخَالِدٌ وأزَار بْنُ أَبِي أزَار. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: آزِرُ بْنُ آزِرُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَرَافِعُ بْنُ حَارِثَةَ، وَرَافِعُ بْنُ حُرَيْملة. وَرَافِعُ بْنُ خَارِجَةَ، وَمَالِكُ بْنُ عَوْف، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلام بْنِ الْحَارِثِ، وَكَانَ حَبْرَهم وَأَعْلَمَهُمْ، وَكَانَ اسْمُهُ الحُصَيْن، فَلَمَّا أَسْلَمَ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عبدَ اللَّهِ. فَهَؤُلَاءِ من بني قَيْنُقَاع. وَمِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ: الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا بْنُ وَهْب، وعَزَّال بْنُ شَمْوِيِل، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَهُوَ صَاحِبُ عَقد بَنِي قُرَيْظَةَ الَّذِي نُقض عَامَ الْأَحْزَابِ، وشَمويل بْنُ زَيْدٍ، وجَبَل بْنُ عَمْرِو بْنِ سُكَينة، والنَّحَّام بْنُ زَيْدٍ، وقَرْدم بْنُ كَعْبٍ، وَوَهْبُ بْنُ زَيْدٍ، وَنَافِعُ بْنُ أبي نافع، وأبو نافع، عَدي بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَوْف، وكَرْدَم بْنُ زَيْدٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ حَبيب، وَرَافِعُ بْنُ رُمَيْلة، وجَبل بْنُ أَبِي قشَيْر، وَوَهْبُ بْنُ يَهوذا، فهؤلاء من بني قريظة.

стр. 421

وَمِنْ يَهُودِ بَنِي زُريق: لَبِيد بْنُ أعْصم، وَهُوَ الَّذِي أخذَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن نسائِه١. وَمِنْ يهودِ بَنِي حَارِثَةَ: كِنَانَةُ بْنُ صُورِيا. وَمِنْ يَهُودِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْف: قَرْدم بن عمرو. وَمِنْ يَهُودِ بَنِي النَّجَّارِ: سِلْسِلة بْنُ بَرْهام. فَهَؤُلَاءِ أَحْبَارُ الْيَهُودِ، أَهْلُ الشُّرُورِ وَالْعَدَاوَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَأَصْحَابُ الْمَسْأَلَةِ، والنصْب لأمْر الإِسلام الشرورَ لِيُطْفِئُوهُ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلام ومُخَيْريق.

стр. 422

إسلام عبد الله بن سلاَم: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَم، كَمَا حَدَّثَنِي بعضُ أهلهِ عَنْهُ وَعَنْ إسْلَامِهِ حَيْنَ أَسْلَمَ، وَكَانَ حَبْرًا عَالِمًا، قَالَ: لَمَّا سمعتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عرفتُ صفتَه وَاسْمَهُ وزمانَه الَّذِي كُنَّا نتوكَّف١ لَهُ، فكنتُ مُسِرًّا لِذَلِكَ صَامِتًا عَلَيْهِ، حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا نَزَلَ بقُباء، فِي بَنِي عَمْرو بْنِ عَوْفٍ، أَقْبَلَ رَجُلٌ حَتَّى أَخْبَرَ بِقُدُومِهِ، وَأَنَا فِي رَأْسِ نَخْلَةٍ لِي أَعَمَلُ فِيهَا، وَعَمَّتِي خَالِدَةُ ابْنَةُ الْحَارِثِ تَحْتِي جَالِسَةٌ، فَلَمَّا سَمِعْتُ الْخَبَرَ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كبَّرْتُ؟ فَقَالَتْ لِي عَمَّتِي، حَيْنَ سَمِعَتْ تَكْبِيرِي: خَيَّبَكَ اللَّهُ، وَاَللَّهِ لَوْ كنتَ سمعتَ بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ قَادِمًا مَا زدْتَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: أَيْ عَمَّةُ، هُوَ وَاَللَّهِ أَخُو مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وعلى دينه، بُعث بما بُعث به. فَقَالَتْ: أَيْ ابْنَ أَخِي، أَهُوَ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نُخبر أَنَّهُ يُبعث مَعَ نَفْس السَّاعَةِ؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: نَعَمْ. قَالَ: فَقَالَتْ: فَذَاكَ إذن. قَالَ: ثُمَّ خرجتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأسلمتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إلَى أهل بيتي، فأمرتهم فأسلموا. تكذيب قومه له: قَالَ: وَكَتَمْتُ إسْلَامِي مِنْ يَهُودَ، ثُمَّ جِئْتُ رسول الله ﷺ فقلت لَهُ: يَا رسولَ اللَّهِ، إنَّ يَهُودَ قومٌ بُهْتٌ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُدخلَني فِي بعضِ بيوتِك، وتغيِّبني عَنْهُمْ، ثُمَّ تَسْأَلُهُمْ عَنِّي حَتَّى يُخْبِرُوكَ كَيْفَ أَنَا فِيهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي، فَإِنَّهُمْ إنْ عَلِمُوا بِهِ بَهَتُونِي وَعَابُونِي. قَالَ: فَأَدْخَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ بُيُوتِهِ، وَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَكَلَّمُوهُ وَسَاءَلُوهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّ رَجُلٍ الحُصَيْن بْنُ سَلَامٍ فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، وحَبْرنا وَعَالِمُنَا. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ قَوْلِهِمْ خَرَجْتُ عَلَيْهِمْ، فَقُلْتُ لَهُمْ: يَا معشرَ يَهُودَ، اتَّقُوا اللَّهَ وَاقْبَلُوا مَا جَاءَكُمْ بِهِ، فَوَاَللَّهِ إنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ إنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ، فَإِنِّي أشهدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُومِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَأَعْرِفُهُ، فَقَالُوا: كذبتَ ثُمَّ واقعوا بِي. قَالَ: فَقُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَلَمْ أُخْبِرْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ بُهْت، أَهْلُ غَدْرٍ وَكَذِبٍ وَفُجُورٍ! قَالَ: فأظهرتُ إسْلَامِي وَإِسْلَامُ أَهْلِ بَيْتِي، وَأَسْلَمَتْ عمتي خالدةُ بنت الحارث، فحسن إسلامُها.

стр. 423

من حديث مخيريق: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ مُخَيْريق، وَكَانَ حَبْرًا عَالِمًا، وَكَانَ رَجُلًا غَنِيًّا كَثِيرَ الْأَمْوَالِ مِنْ النَّخْلِ، وَكَانَ يَعْرِفُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِصِفَتِهِ، وَمَا يَجِدُ فِي عِلْمِهِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ إلْفُ دِينِهِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَكَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، وَاَللَّهِ إنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ نصرَ مُحَمَّدٍ عَلَيْكُمْ لحقٌّ. قَالُوا: إنَّ اليومَ يَوْمُ السَّبْتِ، قَالَ: لَا سبتَ لَكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ سلاحَه، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ بِأُحُدٍ، وَعَهِدَ إلَى مَنْ وراءَه مِنْ قَوْمِهِ: إنْ قُتلت هَذَا الْيَوْمَ، فَأَمْوَالِي لِمُحَمَّدٍ ﷺ يَصْنَعُ فِيهَا مَا أَرَاهُ اللَّهُ. فَلَمَّا اقْتَتَلَ الناسُ قَاتَلَ حَتَّى قُتل. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ -فِيمَا بَلَغَنِي-يَقُولُ: مُخَيْريق خيرُ يهود. وقبض رسول الله ﷺ أموالَه، فَعَامَّةُ صدقاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بالمدينة منها. حديث صَفِيَّةَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمرو بْنِ حَزْم قَالَ: حُدثت عَنْ صَفية بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أحَبَّ وَلَدِ أَبِي إلَيْهِ، وَإِلَى عَمِّي أَبِي: يَاسِرٍ، لَمْ ألْقَهما قَطُّ مَعَ وَلَدٍ لَهُمَا إلَّا أَخَذَانِي دُونَهُ، قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَنَزَلَ قُبَاء فِي بَنِي عَمرو بْنِ عَوْفٍ غَدَا عَلَيْهِ أَبِي، حُيي بْنُ أَخْطَبَ، وَعَمِّي أَبُو يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، مُغَلَّسَيْن. قَالَتْ: فَلَمْ يَرْجِعَا حَتَّى كَانَا مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. قَالَتْ: فأتَيا كَالَّيْن كَسْلَانَيْنِ سَاقِطَيْنِ يَمْشِيَانِ الهوينَى. قَالَتْ: فهشِشْتُ إلَيْهِمَا كَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ، فَوَاَللَّهِ مَا التفتَ إليَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، مَعَ مَا بِهِمَا مِنْ الغَمِّ. قَالَتْ: وَسَمِعْتُ عَمِّي أَبَا يَاسِرٍ، وَهُوَ يَقُولُ لِأَبِي، حُييّ بْنِ أخْطَب: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاَللَّهِ: قَالَ: أَتَعْرِفُهُ وتُثْبته؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا فِي نفسِك مِنْهُ؟ قَالَ: عداوتُهُ والله ما بَقِيتُ. المنافقون بالمدينة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّنْ انْضَافَ إلَى يَهُودَ مِمَّنْ سُمِّيَ لَنَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: مِنْ الْأَوْسِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي لَوْذان بْنِ عمرو بن عوف: زُوَيّ بن الحارث. ومن بني حُبيب بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: جُلاس بْنُ سُوَيْد بن الصامت وأخوه الحارث بن سُوَيْد. وجُلاس الَّذِي قَالَ -وَكَانَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ رسول الله ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، لَئِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ صَادِقًا لَنَحْنُ شَر مِنْ الحُمُر، فرَفع ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عميرُ بنُ سَعْدٍ، أَحَدُهُمْ، وَكَانَ فِي حِجر جُلاس، خَلَفَ جُلاس عَلَى أُمِّهِ بَعْدَ أبيه،

стр. 424

فَقَالَ لَهُ عُمَيْر بْنُ سَعْدٍ: وَاَللَّهِ يَا جُلاس، إنَّكَ لأحبُّ النَّاسِ إليَّ، وَأَحْسَنُهُمْ عِنْدِي يَدًا، وَأَعَزُّهُمْ عليَّ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَلَقَدْ قُلْتَ مَقَالَةً لَئِنْ رفعتُها عَلَيْكَ لأفضحَنَّك، وَلَئِنْ صَمتُّ عَلَيْهَا لَيَهْلِكَنَّ دِينِي، وَلَإِحْدَاهُمَا أيسرُ عليَّ مِنْ الْأُخْرَى. ثُمَّ مَشَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَ جُلاس، فَحَلَفَ جُلاس بِاَللَّهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ كَذَبَ عليَّ عُمَيْر، وَمَا قلتُ مَا قَالَ عُمَيْر بْنُ سَعْدٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَلِيمُ: الْمُوجِعُ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ إبِلًا: وتَرْفعُ مِنْ صُدورٍ شَمرْدَلات ... يَصُكُّ وجوهَها وهجٌ أليمُ١ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمُوا أَنَّهُ تَابَ فحسُنت توبتُه، حَتَّى عُرف مِنْهُ الخيرُ والإِسلام. وَأَخُوهُ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْد، الَّذِي قَتَلَ المجذَّرَ بنَ زِياد البلوي، وقيسَ بن زيد، أحد بني ضُبَيْعة، يَوْمَ أُحُدٍ. خَرَجَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مُنَافِقًا، فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ عَدَا عَلَيْهِمَا، فَقَتَلَهُمَا ثُمَّ لَحِقَ بِقُرَيْشٍ. قَالَ ابنُ هِشَامٍ: وَكَانَ المجذَّر بن زياد قَتَلَ سُوَيْدَ بْنَ صَامِتٍ فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ طَلَبَ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيد غرةَ المجذَّر بن زياد، لِيَقْتُلهُ بِأَبِيهِ، فَقَتَلَهُ وحدَه، وَسَمِعْتُ غيرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ قَيْسَ بْنَ زَيْدٍ، أَنَّ ابْنَ إسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي قَتْلَى أُحُدٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَتل سُوَيدَ بْنَ صَامِتٍ معاذُ بْنُ عَفْراء غِيلةً، فِي غَيْرِ حَرْبٍ، رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ قَبْلَ يومَ بُعَاثٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ -فيما يذكرون- قد أمر عمر بن الْخَطَّابِ بِقَتْلِهِ إنْ هُوَ ظَفِرَ بِهِ، فَفَاتَهُ، فَكَانَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ بَعَثَ إلَى أَخِيهِ جُلاس يَطْلُبُ التَّوْبَةَ، لِيَرْجِعَ إلَى قَوْمِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ فِيهِ -فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ ابْنِ عباس:

стр. 425

﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦] إلى آخر القصة. وَمِنْ بَنِي ضُبَيْعة بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْف بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، بِجَاد بن عثمان بن عامر. وَمِنْ بَنِي لَوْذان بْنِ عَمْرو بْنِ عَوْف: نَبْتَل بْنُ الْحَارِثِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ رسول الله، ﷺ -فيما بَلَغَنِي: "مَنْ أحبَّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الشَّيْطَانِ، فَلْيَنْظُرْ إلَى نَبْتَل بْنِ الْحَارِثِ"، وَكَانَ رَجُلًا جَسِيمًا أَذْلَمَ١ ثَائِرَ شَعْرِ الرَّأْسِ، أَحْمَرَ الْعَيْنَيْنِ أسْفَع٢ الخدَّين، وَكَانَ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَحَدَّثُ إلَيْهِ فَيَسْمَعُ مِنْهُ، ثُمَّ يَنْقُلُ حَدِيثَهُ إلَى الْمُنَافِقِينَ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ: إنَّمَا مُحَمَّدٌ أذُن، مَنْ حَدَّثَهُ شَيْئًا صَدَّقَهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٦١] . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بعضُ رِجَالِ بَلْعجلان أَنَّهُ حُدِّث: أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَى رسولَ الله ﷺ فقال لَهُ إنَّهُ يَجْلِسُ إلَيْكَ رَجُلٌ أَذْلَمُ، ثائرُ شعرِ الرَّأْسِ، أسْفَع الْخَدَّيْنِ أَحْمَرُ الْعَيْنَيْنِ، كَأَنَّهُمَا قِدْران مِنْ صُفْر، كَبِدُهُ أَغْلَظُ مِنْ كبدِ الْحِمَارِ، يَنْقُلُ حديثَك إلَى الْمُنَافِقِينَ، فاحذرْه. وَكَانَتْ تِلْكَ صفةُ نَبْتَل بْنِ الْحَارِثِ، فِيمَا يَذْكُرُونَ. وَمِنْ بَنِي ضُبَيعة: أَبُو حَبِيبَةَ بْنُ الأزْعَر، وَكَانَ مِمَّنْ بَنَى مسجدَ الضِّرَارِ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، ومُعَتِّب بْنُ قُشَير، وَهُمَا اللَّذَانِ عَاهَدَا اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لنصدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ ... إلَخْ الْقِصَّةِ. ومُعَتِّب الَّذِي قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ شيء ما قُتلنا ههنا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤] إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ. وَهُوَ الَّذِي قَالَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنا أَنْ نأكلَ كنوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وأحدُنا لَا يَأْمَنُ أَنْ يذهَب إلَى الْغَائِطِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] والحارث بن حاطب.
следующие страницы →