Полный текст (594 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فحرَّموه؛ لِيُوَاطِئُوا عدَّةَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ الحُرُم. فَإِذَا أَرَادُوا الصَّدَر١ قَامَ فِيهِمْ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ أَحْلَلْتُ لَكَ أَحَدَ الصَّفرَيْن، الصَّفَرَ الْأَوَّلَ، وَنَسَّأَتْ الآخرَ لِلْعَامِ الْمُقْبِلِ٢" فَقَالَ فِي ذَلِكَ عُمَيْر بْنُ قَيْس، جِذْل الطَّعان٣، أحدُ بَنِي فراس بن غَنْم بن ثعلبة بن بالك بْنِ كِنَانَةَ، يَفْخَرُ بالنَّسأة عَلَى الْعَرَبِ:
لَقَدْ علمتْ مَعَد أَنَّ قَوْمِي ... كرامُ الناسِ أَنَّ لَهُمْ كِرَامَا٤
فَأَيُّ الناسِ فَاتُونَا بوِتْر ... وَأَيُّ الناسِ لَمْ نُعْلِكْ لِجَامَا٥
ألسْنا النَّاسئين عَلَى مَعد ... شهورَ الحِلِّ نجعلها حَرامًا؟
стр. 37
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَوَّلُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ: المحرَّم١.
الكناني يحدث في القليس: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ الكنانيُّ حَتَّى أَتَى القلَّيْس فَقَعَدَ٢ فِيهَا -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْنِي أَحْدَثَ فِيهَا- قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ فَلَحِقَ بِأَرْضِهِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ أَبْرَهَةُ فَقَالَ: مَنْ صَنَعَ هَذَا؟ فَقِيلَ لَهُ: صَنَعَ هَذَا رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي تَحُجُّ العربُ إلَيْهِ بِمَكَّةَ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَكَ: "أَصْرِفُ إلَيْهَا حَجَّ الْعَرَبِ" غَضِبَ فَجَاءَ، فَقَعَدَ فيها، أي أنها ليست لذلك بأهْل.
خروج أبرهة لهدم الكعبة: فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ أَبْرَهَةُ وَحَلَفَ: ليسيرنَّ إلَى الْبَيْتِ حَتَّى يهدمَه، ثُمَّ أَمَرَ الْحَبَشَةَ فَتَهَيَّأَتْ وتجهَّزت، ثُمَّ سَارَ وَخَرَجَ مَعَهُ بِالْفِيلِ، وَسَمِعَتْ بِذَلِكَ الْعَرَبُ فَأَعْظَمُوهُ وفَظِعوا بِهِ، وَرَأَوْا جِهَادَهُ حَقًّا عَلَيْهِمْ، حِينَ سَمِعُوا بِأَنَّهُ يُرِيدُ هَدْمَ الكعبة، بيت الله الحرام.
أشراف اليمن يدافعون عن البيت: فَخَرَجَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْيَمَنِ وَمُلُوكِهِمْ يُقَالُ لَهُ: ذُو نَفْر، فَدَعَا قَوْمَهُ، وَمَنْ أَجَابَهُ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ إلَى حَرْبِ أَبْرَهَةَ، وَجِهَادِهِ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَمَا يُرِيدُ مِنْ هَدْمِهِ وَإِخْرَابِهِ، فَأَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ مَنْ أَجَابَهُ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ فَقَاتَلَهُ، فَهُزم ذُو نَفْر وَأَصْحَابُهُ، وَأُخِذَ لَهُ ذُو نَفْر، فَأُتِيَ بِهِ أَسِيرًا، فَلَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُ، قَالَ لَهُ ذُو نَفْر: أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَا تَقْتُلْنِي فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَائِي مَعَكَ خَيْرًا لَكَ مِنْ قَتْلِي، فَتَرَكَهُ مِنْ الْقَتْلِ، وَحَبَسَهُ عِنْدَهُ فِي وَثَاقٍ، وَكَانَ أَبْرَهَةُ رَجُلًا حَلِيمًا.
стр. 38
خثعم تجاهد أبرهة: ثُمَّ مَضَى أَبْرَهَةُ عَلَى وَجْهِهِ ذَلِكَ يُرِيدُ مَا خَرَجَ لَهُ، حَتَّى إذَا كَانَ بِأَرْضِ خَثْعَم١ عَرَض لَهُ نُفَيْل بْنُ حَبِيبٍ الخَثْعمي فِي قَبيلَيْ خَثْعَم: شَهْران ونَاهِس٢، وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، فَقَاتَلَهُ فَهَزَمَهُ أَبْرَهَةُ، وَأُخِذَ لَهُ نُفَيْل أَسِيرًا، فَأُتِيَ بِهِ، فَلَمَّا همَّ بِقَتْلِهِ قَالَ لَهُ نُفَيْل: أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَا تَقْتُلْنِي فَإِنِّي دَلِيلُكَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، وَهَاتَانِ يَدَايَ لَكَ عَلَى قبيلَيْ خَثْعم: شَهْران وَنَاهِسُ بِالسَّمْعِ والطاعة، فخلى سبيلَه.
وَخَرَجَ بِهِ مَعَهُ يدلُّه، حَتَّى إذَا مَرَّ بِالطَّائِفِ خَرَجَ إلَيْهِ مَسْعُودُ بْنُ مُعَتِّب بْنِ مالك بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمرو بْنِ سَعْدِ بْنِ عَوْف بْنِ ثَقِيفٍ فِي رِجَالِ ثَقِيفٍ.
نَسَبُ ثقيف٣: وَاسْمُ ثَقِيف: قَسِيُّ بنُ النَّبيت بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ يَقْدُم بْنِ أفْصَى بْنِ دُعْمىّ بْنِ إيَادِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ.
قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْت الثَّقَفِيُّ٤:
قَوْمِي إيَادٌ لَوْ أنهمْ أمَم ... أَوْ لَوْ أَقَامُوا فتُهْزَل النَّعَمُ٥
قَوْمٌ لَهُمْ ساحةُ العراقِ إذا ... ساروا جميعًا والقطّ والقَلم٦
стр. 39
وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْت أَيْضًا:
فإمَّا تَسْألي عَنِّي لُبَيْنَى ... وَعَنْ نَسَبِي أخَبِّرْك اليَقينَا
فَإِنَّا للنَّبيتِ أَبِي قَسِي ... لمنصورِ بنِ يَقْدُمَ الْأَقْدَمِينَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثَقِيفٌ: قَسِيُّ بْنُ مُنبه بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوازن بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكرمة بْنِ خَصَفَة بْنِ قَيْس بْنِ عَيْلان بن مُضَر بن نزار بن معد بْنِ عَدْنَانَ، وَالْبَيْتَانِ الأوَّلان وَالْآخِرَانِ فِي قَصِيدَتَيْنِ لأمية.
ثقيف تهادن أبرهة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إنَّمَا نَحْنُ عبيدُك سَامِعُونَ لَكَ مُطِيعُونَ، لَيْسَ عِنْدَنَا لَكَ خِلَافٌ، وَلَيْسَ بَيْتُنَا هَذَا الْبَيْتَ الذي تريد -يعنون اللات- إنما نريد الْبَيْتَ الَّذِي بِمَكَّةَ، وَنَحْنُ نَبْعَثُ مَعَكَ مَنْ يَدُلُّكَ عَلَيْهِ، فَتَجَاوَزَ عَنْهُمْ.
اللَّاتُ: وَاَللَّاتُ: بَيْتٌ لَهُمْ بِالطَّائِفِ كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ نَحْوَ تَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النَّحْوِيُّ لِضِرَارِ بْنِ الْخَطَّابِ الفِهْرِي:
وفَرَّت ثَقِيفٌ إلَى لأنها ... بمُنْقَلَب الخائبِ الخاسِر
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ له.
أبو رغال ورجم قبره: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَعَثُوا مَعَهُ أَبَا رِغَالٍ يدلُّه عَلَى الطَّرِيقِ إلَى مَكَّةَ فَخَرَجَ أَبْرَهَةُ وَمَعَهُ أَبُو رِغَالٍ حَتَّى أَنْزَلَهُ المُغَمِّس١، فَلَمَّا أنزله به مات أبو رغال هناك، فَرَجَمَتْ قبرَه العربُ، فَهُوَ الْقَبْرُ الَّذِي يَرْجُمُ الناس بالمغمِّس.
стр. 40
الأسْود بن مقصود يهاجم مَكَّةَ: فَلَمَّا نَزَلَ أَبْرَهَةُ المغَمَّس، بَعَثَ رَجُلًا مِنْ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهُ: الأسْوَد بْنُ مَقْصُودٍ١ عَلَى خَيْلٍ لَهُ، حَتَّى انْتَهَى إلَى مَكَّةَ، فساق إليه أموالَ تِهامة مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ وَأَصَابَ فِيهَا مِائَتَيْ بَعِيرٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدُهَا، فَهَمَّتْ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وهُذَيل ومن كان بذلك الحرم بِقِتَالِهِ، ثُمَّ عَرَفُوا أَنَّهُمْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ به، فتركوا ذلك.
رسول أبرهة إلى مكة: وبعث أبرهة حباطة الْحِمْيَرِيَّ إلَى مَكَّةَ، وَقَالَ لَهُ: سَلْ عَنْ سَيِّدِ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ وَشَرِيفِهَا، ثُمَّ قُلْ لَهُ: إنَّ الْمَلِكَ يَقُولُ لَكَ: إنِّي لَمْ آتِ لِحَرْبِكُمْ، إنَّمَا جِئْتُ لِهَدْمِ هَذَا الْبَيْتِ، فإن لم تتعرضوا دُونَهُ بِحَرْبِ، فَلَا حَاجَةَ لِي بِدِمَائِكُمْ، فَإِنْ هُوَ لَمْ يُرِدْ حَرْبِي فَأْتِنِي بِهِ؛ فَلَمَّا دخل حباطة مَكَّةَ، سَأَلَ عَنْ سَيِّدِ قُرَيْشٍ وَشَرِيفِهَا، فَقِيلَ له: عبد المطلب بن هاشم، فَجَاءَهُ. فَقَالَ لَهُ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَبْرَهَةُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: وَاَللَّهِ مَا نُرِيدُ حَرْبَهُ، وَمَا لَنَا بِذَلِكَ مِنْ طَاقَةٍ، هَذَا بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ وَبَيْتُ خَلِيلِهِ إبْرَاهِيمَ ﵇ -أَوْ كَمَا قَالَ– فَإِنْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ، فَهُوَ بَيْتُهُ وَحَرَمُهُ، وَإِنْ يُخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَوَاَللَّهِ مَا عِنْدَنَا دَفْع عَنْهُ. فَقَالَ لَهُ حباطة: فَانْطَلِقْ مَعِي إلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ آتيه بك.
أنيس يشفع لعبد المطلب: فَانْطَلَقَ مَعَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَمَعَهُ بَعْضُ بَنِيهِ، حَتَّى أَتَى الْعَسْكَرَ، فَسَأَلَ عَنْ ذِي نَفر، وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا، حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَحْبِسِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا ذَا نَفْر هَلْ عِنْدَكَ مِنْ غَناء فِيمَا نَزَلَ بِنَا؟ فَقَالَ لَهُ ذُو نَفْر: وَمَا غَناء رَجُلٍ أَسِيرٍ بيدَيْ مَلِكٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَقْتُلَهُ غُدوًّا أَوْ عَشِيًّا؟! مَا عِنْدَنَا غَناء فِي شَيْءٍ مِمَّا نَزَلَ بِكَ، إلَّا أَنَّ أنَيْسا سَائِسَ الْفِيلِ صَدِيقٌ لِي، وَسَأُرْسِلُ إلَيْهِ فَأُوصِيهِ بِكَ، وأعْظم عَلَيْهِ حَقَّكَ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ لَكَ على الملك، فتكلمه بما بدا لك، ويشبع لَكَ عِنْدَهُ بِخَيْرِ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ. فَقَالَ: حَسْبِي. فَبَعَثَ ذُو نَفْر إلَى أنَيْس، فَقَالَ لَهُ: إنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ سَيِّدُ قُرَيْشٍ، وَصَاحِبُ عِير مَكَّةَ، يُطْعِمُ النَّاسَ بالسَّهل، وَالْوُحُوشَ في رءوس
стр. 41
الْجِبَالِ، وَقَدْ أَصَابَ لَهُ الْمَلِكُ مِائَتَيْ بَعِيرٍ، فاستأذن عَلَيْهِ، وَانْفَعْهُ عِنْدَهُ بِمَا اسْتَطَعْتَ، فَقَالَ: أَفْعَلُ.
فَكَلَّمَ أنَيْس أبرهةَ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ: هَذَا سَيِّدُ قُرَيْشٍ بِبَابِكَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ، وَهُوَ صَاحِبُ عِيرِ مَكَّةَ، وَهُوَ يُطعم النَّاسَ فِي السَّهْلِ، وَالْوُحُوشَ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، فأذنْ لَهُ عليك فيكلمْك في حاجته، قال: فأذن له أبرهة.
الِإبل لي والبيت له رب يحميه: قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أوسمَ الناسِ وَأَجْمَلَهُمْ وَأَعْظَمَهُمْ فَلَمَّا رَآهُ أَبْرَهَةُ أجلَّه وَأَعْظَمَهُ وَأَكْرَمَهُ عَنْ أَنْ يُجْلِسَهُ تحتَه، وَكَرِهَ أَنْ تَرَاهُ الحبشةُ يَجْلِسُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ، فَنَزَلَ أبرهةُ عَنْ سَرِيرِهِ، فَجَلَسَ عَلَى بِسَاطِهِ، وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَيْهِ إلَى جَنْبِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ التُّرْجُمَانُ. فَقَالَ: حَاجَتِي أَنْ يَرُدَّ عليَّ الْمَلِكُ مِائَتَيْ بعير أصابها لي، فلما قال به ذَلِكَ، قَالَ أبرهةُ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: قَدْ كنت أعجبتني حين رأيتُك، ثم زهدتُ فِيكَ حِينَ كَلَّمْتنِي، أَتُكَلِّمُنِي فِي مِائَتَيْ بَعِيرٍ أصبتُها لَكَ، وَتَتْرُكُ بَيْتًا هُوَ دينُك ودينُ آبائك قد جئتُ لهدمه، لَا تُكَلِّمْنِي فِيهِ؟! قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إنِّي أَنَا رَبُّ الْإِبِلِ وَإِنَّ لِلْبَيْتِ رَبًّا سَيَمْنَعُهُ، قَالَ: مَا كَانَ لِيَمْتَنِعَ مِنِّي، قَالَ: أنت وذاك.
الوفد المرافق لعبد المطلب: وَكَانَ -فِيمَا يزعمُ بعضُ أَهْلِ الْعِلْمِ- قَدْ ذَهَبَ مَعَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إلَى أَبْرَهَةَ، حِينَ بعث إليه حباطة، يَعْمَر بنُ نُفاثة بْنِ عَدِيِّ بْنِ الدُّئل بْنِ بَكْرِ بْنِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ -وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ بَنِي بَكْرٍ- وخُوَيلد بْنُ وَاثِلَةَ الْهُذَلِيُّ -وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ هُذَيْلٍ- فَعَرَضُوا عَلَى أَبْرَهَةَ ثلثَ أموالِ تِهَامَةَ، عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُمْ، وَلَا يَهْدِمَ الْبَيْتَ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَكَانَ ذَلِكَ، أَمْ لَا. فردَّ أبرهةُ عَلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الِإبلَ الَّتِي أَصَابَ لَهُ.
قريش تستنصر الله على أَبْرَهَةَ: فَلَمَّا انْصَرَفُوا عَنْهُ، انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إلَى قُرَيْشٍ، فَأَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ مكة، والتحرُّز١ في شَعَفِ الجبال٢ والشِّعاب٣
стр. 42
تَخَوُّفًا عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَرَّة١ الْجَيْشِ، ثُمَّ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَأَخَذَ بحلْقة بَابِ الْكَعْبَةِ، وَقَامَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَدْعُونَ اللَّهَ، وَيَسْتَنْصِرُونَهُ عَلَى أَبْرَهَةَ وجندِه، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ آخذ بحلقة باب الكعبة:
لاهُمَّ إن العبدَ يمـ ... ـنعُ رحلَه فامنعْ حلالَكْ٢
لَا يَغْلِبَنَّ صليبُهم ... ومِحَالُهم غَدْوًا مِحَالَكْ٣
إن كنتَ تاركَهم وقِبـ ... ـلتنا فأمْر مَا بَدَا لَكْ٤
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هذا ما صح له منها.
عكرمة بن عامر يدعو على الأسود: قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عِكْرمة بنُ عَامِرِ بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قُصَي:
لاهُمَّ أخزِ الأسوَدَ بنَ مقصودْ ... الآخذَ الهجْمةَ فِيهَا التقليد٥
стр. 43
بينَ حِراءَ وثَبِيرٍ فالْبِيدْ ... يَحْبِسها وَهِيَ أولاتُ التّطْريدْ١
فضَمَّها إلَى طماطِمٍ سودْ ... أخْفِره يَا ربِّ وَأَنْتَ مَحْمُودْ٢
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هذا ما صَحَّ لَهُ مِنْهَا، وَالطَّمَاطِمُ: الْأَعْلَاجُ٣.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ. ثُمَّ أَرْسَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَلْقَةَ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى شَعَف الْجِبَالِ فتحرَّزوا فِيهَا يَنْتَظِرُونَ ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها.
أبرهة يهاجم الكعبة: فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبْرَهَةُ تهيَّأ لِدُخُولِ مَكَّةَ، وَهَيَّأَ فيلَه، وعبَّى٤ جيشَه -وَكَانَ اسمُ الْفِيلِ مَحْمُودًا- وَأَبْرَهَةُ مُجْمِع لِهَدْمِ الْبَيْتِ، ثُمَّ الِانْصِرَافِ إلَى الْيَمَنِ. فَلَمَّا وَجَّهُوا الْفِيلَ إلَى مَكَّةَ، أَقْبَلَ نُفَيل بن حبيب٥ حتى قام إلى جنب الفيل ثم أخذه بِأُذُنِهِ، فَقَالَ: ابركْ٦ مَحْمُودُ، أَوْ ارْجِعْ رَاشِدًا مِنْ حَيْثُ جِئْتَ، فَإِنَّكَ فِي بَلَدِ اللَّهِ الْحَرَامِ، ثُمَّ أَرْسَلَ أُذُنَهُ. فَبَرَكَ الْفِيلُ، وَخَرَجَ نُفَيْل بْنُ حَبِيبٍ يَشْتَدُّ حَتَّى أصْعَد فِي الْجَبَلِ، وَضَرَبُوا الْفِيلَ لِيَقُومَ فَأَبَى، فَضَرَبُوا فِي رأسه بالطَّبَرْزين٧،
стр. 44
لِيَقُومَ فَأَبَى، فَأَدْخَلُوا محاجَن١ لَهُمْ فِي مَرَاقِّه٢ فَبَزَغُوهُ٣ بِهَا لِيَقُومَ فَأَبَى، فَوَجَّهُوهُ رَاجِعًا إلَى الْيَمَنِ فَقَامَ يُهَرْوِلُ، وَوَجَّهُوهُ إلَى الشَّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَوَجَّهُوهُ إلَى الْمَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك.
عقاب الله لأبرهة وجنده: فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ طَيْرًا مِنْ الْبَحْرِ أَمْثَالَ الْخَطَاطِيفِ والبَلَسان٤: مَعَ كُلِّ طَائِرٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ يَحْمِلُهَا: حَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ، وَحَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ، أَمْثَالُ الْحِمَّصِ والعَدَس٥ لَا تُصِيبُ مِنْهُمْ أَحَدًا إلَّا هَلَكَ، -وَلَيْسَ كُلُّهُمْ أَصَابَتْ- وَخَرَجُوا هَارِبِينَ يَبْتَدِرُونَ الطَّرِيقَ الَّذِي مِنْهُ جَاءُوا، وَيَسْأَلُونَ عَنْ نُفَيْل بْنِ حَبيب، لِيَدُلّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ إلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ نُفَيل حِينَ رَأَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ نِقْمَتِهِ:
أَيْنَ المفرُّ والِإلهُ الطالبُ
والأشرمُ المغلوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: "لَيْسَ الْغَالِبُ" عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ نُفَيْلٌ أَيْضًا:
أَلَا حُيِّيتِ عَنَّا يَا رُدَيْنَا ... نعمناكم مع الِإصباحِ عينَا٦
رُدَيْنةُ لو رأيتِ -ولا ترَيْه ... لذي جَنْب المُحصَّبِ مَا رَأَيْنَا
إذًا لعذرتِني وحمدْتِ أَمْرِي ... وَلَمْ تأسَيْ عَلَى مَا فَاتَ بَيْنا
حَمِدْت اللَّهَ إذْ أبصرتُ طَيْرًا ... وخِفْتُ حِجَارَةً تُلْقَى عَلَيْنَا
وَكُلُّ الْقَوْمِ يَسْأَلُ عَنْ نُفَيل ... كأن عَلَيّ للحُبْشانِ دَيْنَا
стр. 45
فَخَرَجُوا يَتَسَاقَطُونَ بِكُلِّ طَرِيقٍ، ويهلِكون بكلِّ مَهْلِك عَلَى كُلِّ مَنْهل، وَأُصِيبَ أَبْرَهَةُ فِي جَسَدِهِ، وخرجوا به معهمٍ يسقط أنْملة أنْملة١: كُلَّمَا سَقَطَتْ أنْملة، أَتْبَعَتْهَا مِنْهُ مِدَّةٌ تَمُثُّ٢ قَيْحًا وَدَمًا، حَتَّى قَدِمُوا بِهِ صَنْعَاءَ وَهُوَ مِثْلُ فَرْخ الطَّائِرِ، فَمَا مَاتَ حَتَّى انْصَدَعَ صدرهُ عَنْ قَلْبِهِ، فِيمَا يزعُمون.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتبة أنه حُدِّث: أن أولَ ما رُؤيت الحصبةُ والجُدَرِي بِأَرْضِ الْعَرَبِ ذَلِكَ الْعَامَ، وَأَنَّهُ أول ما رُؤي بِهَا مَرَائِرُ الشَّجَرِ: الْحَرْمَلِ وَالْحَنْظَلِ والعُشَر ذَلِكَ العام.
الله ﷻ يذكر حادثة الفيل ويمتن على قريش:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ مِمَّا يَعُدُّ اللَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وَفَضْلِهِ، مَا رَدَّ عَنْهُمْ مِنْ أَمْرِ الْحَبَشَةِ لِبَقَاءِ أَمْرِهِمْ وَمُدَّتِهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ١-٥] وَقَالَ: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ١-٤] أَيْ لِئَلَّا يُغَيِّرَ شَيْئًا مِنْ حَالِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا، لِمَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ الخير لو قبلوه.
تفسير مفردات سورتي الفيل وقريش: قَالَ ابْنُ، هِشَامٍ: الْأَبَابِيلُ الْجَمَاعَاتُ، وَلَمْ تَتَكَلَّمْ لَهَا الْعَرَبُ بِوَاحِدِ عَلِمْنَاهُ٣ وَأَمَّا السِّجِّيل، فَأَخْبَرَنِي يُونُسُ النَّحْوِيُّ وَأَبُو عُبَيْدة أَنَّهُ عِنْدَ الْعَرَبِ: الشَّدِيدُ الصُّلْبُ، قَالَ رُؤبة بْنُ العَجَّاج:
ومسَّهم مَا مسَّ أصحابَ الفيلْ ... ترميهمُ حِجَارَةٌ مِنْ سِجِّيلْ
ولعبتْ طير بهم أبابيل
стр. 46
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ.
ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُمَا كَلِمَتَانِ بِالْفَارِسِيَّةِ، جَعَلَتْهُمَا الْعَرَبُ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا هُوَ سَنْج وجِلّ يَعْنِي بِالسَّنْجِ: الحجر، وبالجل: الطِّينَ، يَعْنِي الْحِجَارَةُ مِنْ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ: الْحَجَرِ وَالطِّينِ. والعَصْف: وَرَقُ الزَّرْعِ الَّذِي لَمْ يُقَصَّب، وَوَاحِدَتُهُ عَصْفَة. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيدة النَّحْوِيُّ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ العُصافة والعَصيفة. وَأَنْشَدَنِي لعَلْقَمة بن عَبَدَة أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ:
تَسقى مَذانبَ قَدْ مَالَتْ عَصيفتُها ... حَدُورُها مَنْ أتِيِّ الماءِ مَطْمومُ١
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ الرَّاجِزُ:
فَصُيِّروا مثلَ كعصْف مَأْكُولِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلِهَذَا البيت تفسير في النحو٢.
وإيلاف قريش: إلفهم الْخُرُوجَ إلَى الشَّامِ فِي تِجَارَتِهِمْ، وَكَانَتْ لَهُمْ خَرْجتان: خَرْجة فِي الشِّتَاءِ، وخَرْجة فِي الصَّيْفِ. أَخْبَرَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ: أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: ألفت الشيء إلْفًا، وآلفته إيلافًا، مَعْنًى وَاحِدٍ: وَأَنْشَدَنِي لِذِي الرُّمَّة:
مِنْ المؤْلِفات الرملَ أدماءُ حُرَّة ... شُعاعُ الضُّحَى فِي لونِها يتوضَّحُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْبٍ الخُزاعى:
المُنْعَمين إذَا النجومُ تغيَّرت ... وَالظَّاعِنِينَ لرحلةِ الْإِيلَافِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ، سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْإِيلَافُ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ لِلْإِنْسَانِ أَلْفٌ مِنْ الْإِبِلِ؛ أَوْ الْبَقَرِ، أَوْ الْغَنَمِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. يُقَالُ: آلَفَ فُلَانٌ إيلَافًا. قَالَ الكُمَيْت بْنُ زَيْدٍ، أَحَدُ بَنِي أَسْدِ بْنِ خُزَيمة بْنِ مُدْرِكة بْنِ إلياس بن مضر بن نزار بن معد:
стр. 47
بعامِ يقول له المؤْلِفو ... نَ هَذَا المُعيم لَنَا المُرْجلُ١
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْإِيلَافُ أَيْضًا: أَنْ يَصِيرَ الْقَوْمُ أَلْفًا، يُقَالُ: آلَفَ الْقَوْمُ إيلَافًا. قَالَ الكُمَيْت بْنُ زَيْدٍ:
وَآلُ مُزيْقياء غَدَاةَ لاقَوْا ... بَنِي سَعْدِ بْنِ ضَبةَ مُؤْلفينا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْإِيلَافُ أَيْضًا: أَنْ تُؤَلِّفَ الشَّيْءَ إلَى الشَّيْءِ فَيَأْلَفُهُ وَيَلْزَمُهُ، يُقَالُ: آلَفْتُهُ إيَّاهُ إيلَافًا. وَالْإِيلَافُ أَيْضًا: أَنْ تصيِّر مَا دُونَ الألف ألفًا، يقال: ألفته إيلافًا.
مصير قَائِدَ الْفِيلِ وَسَائِسَهُ: قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرة بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرارة، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "لَقَدْ رَأَيْتُ قَائِدَ الْفِيلِ وسائسَه بِمَكَّةَ أَعْمَيَيْنِ مُقعَدَيْن يستطعمان الناس".
ما قيل في قصة الفيل من الشعر:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ الْحَبَشَةَ عَنْ مَكَّةَ، وَأَصَابَهُمْ بِمَا أَصَابَهُمْ بِهِ مِنْ النِّقْمَةِ، أَعْظَمَتْ الْعَرَبُ قُرَيْشًا، وَقَالُوا: هُمْ أَهْلُ اللَّهِ، قَاتَلَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَكَفَاهُمْ مئونةَ عدوِّهم، فَقَالُوا فِي ذَلِكَ أَشْعَارًا يَذْكُرُونَ فِيهَا مَا صَنَعَ اللَّهُ بالحبشةِ، وَمَا ردَّ عَنْ قُرَيْشٍ من كيدِهم.
شعر عبد الله بن الزِّبَعْرَى: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى بْنِ عَدِيِّ بن قيس بن عدي بْنِ سَعِيدِ٢ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمرو بْنِ هُصَيْص بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤي بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْر:
تنكَّلوا عَنْ بطنِ مكةَ إنَّهَا ... كَانَتْ قَدِيمًا لَا يُرامُ حريمُها
لَمْ تَخْلُقْ الشعْرى لَيَاليَ حُرِّمَتْ ... إذْ لَا عزيزَ مِنْ الأنامِ يرومُها
стр. 48
سائلْ أميرَ الجيشِ عَنْهَا مَا رَأَى ... ولسوفَ يُنْبِي الْجَاهِلِينَ عليمُها
ستونَ أَلْفًا لَمْ يَئُوبوا أرضَهم ... وَلَمْ يَعِشْ بعدَ الْإِيَابِ سقيمُها
كَانَتْ بِهَا عادٌ وجُرْهم قبلَهم ... وَاَللَّهُ مِنْ فوقِ العبادِ يقيمُها
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: يَعْنِي ابْنُ الزِّبَعْرَى بِقَوْلِهِ:
........ بَعْدَ الإيابِ سقيمُها
أَبْرَهَةَ، إذْ حَمَلُوهُ مَعَهُمْ حِينَ أَصَابَهُ مَا أَصَابَهُ، حَتَّى مات بصنعاء.
شعر ابن الأسْلَت: وَقَالَ أَبُو قَيْس بْنُ الأسْلَت الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ الْخَطميّ، وَاسْمُهُ: صَيْفي قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو قيس: صَيْفيُّ بنُ الأسْلَت ابن جُشَم بْنِ وَائِلِ بْنِ زَيْد بْنِ قَيْسِ بن عامر بْنِ مُرة بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ:
وَمِنْ صُنْعِه يومَ فيل الحبُو ... شِ إذْ كُلَّمَا بَعَثُوهُ رَزَمْ١
محاجنُهم تحتَ أَقرابِه ... وَقَدْ شَرَّموا أنفَه فانخرَمْ٢
وَقَدْ جَعَلُوا سَوْطَه مِغْوَلًا ... إذَا يمَّمُوهُ قَفاه كُلِم٣
فولَّى وأدبرَ أدراجَه ... وَقَدْ باءَ بالظلمِ مَنْ كَانَ ثَمْ
فأرسلَ مِنْ فوقِهم حَاصِبًا ... فلفَّهُمُ مثلَ لفِّ القُزُمْ٤
تحُضُّ عَلَى الصبرِ أحبارُهم ... وَقَدْ ثأجُوا كَثُؤَاجِ الغَنَمْ٥
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْقَصِيدَةُ أَيْضًا تُرْوَى لِأُمَيَّةِ بْنِ أَبِي الصَّلْت.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أبو قيس بن الأسلت:
стр. 49
شعر أبي الصلت الثقفي: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو الصَّلْت١ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الثَّقفي فِي شَأْنِ الْفِيلِ، وَيَذْكُرُ الحنيفيَّة دينَ إبْرَاهِيمَ ﵇. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تُرْوَى لِأُمَيَّةِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الثَّقَفِيِّ:
إنَّ آياتِ ربِّنا ثَاقبات ... لَا يُمارِي فِيهِنَّ إلَّا الكفورُ
خلقَ الليلَ والنهارَ فَكُلٌّ ... مُسْتَبِينٌ حسابُه مقدورُ
ثُمَّ يَجْلُو النهارَ ربُّ رحيم ... بمَهاةٍ شُعاعُها منشورُ٢
حُبِس الفيلُ بالمُغمَّس، حَتَّى ... ظلَّ يَحْبُو كَأَنَّهُ معقورُ
لازمًا حَلْقةَ الجِرانِ كما قُطِّـ ... ـرمن صَخْرٍ كَبْكَب مَحْدُورُ٣
حَوْلَهُ مِنْ مُلُوكِ كِندةَ أبطا ... ل ملاوِيث فِي الحروبِ صُقور
خَلَّفوه ثُمَّ ابذعَرُّوا جَمِيعًا ... كُلُّهُمْ عظمُ ساقِه مكسورُ
كلُّ دينٍ يومَ القيامةِ عندَ اللَّهِ ... إلَّا دِينَ الحنيفةِ بورُ٤
شعر الفرزدق: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ -وَاسْمُهُ هَمَّامُ بْنُ غَالِبٍ أَحَدُ بَنِي مُجَاشع بْنِ دَارم بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظلة بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَناة بْنِ تَمِيمٍ-يَمْدَحُ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَيَهْجُو الحجاجَ بْنَ يوسف، ويذكر الفيلَ وجيشه:
стр. 50
فَلَمَّا طَغَى الحجاجُ حِينَ طَغَى بِهِ ... غنيَ قَالَ: إنِّي مُرْتق فِي السَّلَالِمِ١
فَكَانَ كَمَا قَالَ ابنُ نُوحٍ: سَأَرْتَقِي ... إلَى جَبَلٍ مِنْ خَشْيةِ الماءِ عَاصِمِ٢
رَمَى اللَّهُ فِي جثمانِه مثلَ مَا رَمَى ... عَنْ القبلةِ البيضاءِ ذاتِ الْمَحَارِمِ
جُنُودًا تَسُوقُ الفيلَ حَتَّى أَعَادَهُمْ ... هَباءً، وَكَانُوا مُطْرَخِمي الطرَاخم
نُصِرْتَ كَنَصْرِ البيتِ إذْ سَاقَ فيلَه ... إلَيْهِ عظيمُ الْمُشْرِكِينَ الْأَعَاجِمِ
وَهَذِهِ الأبيات في قصيدة له.
شعر ابن قيس الرقيات: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ عبدُ اللَّهِ بْنُ قَيْس الرقيَّات. أحدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ يَذْكُرُ أبرهةَ -وَهُوَ الْأَشْرَمُ- وَالْفِيلَ:
كاده الأشرمُ الذي جاء بالفيـ ... ـل فولَّى وجيشُه مهزومُ
واستَهلَّتْ عليهمُ الطيرَ بالجنـ ... ـدلِ حتى كأنه مَرْجومُ٤
ذاك من يَغْزُهُ من الناسِ يَر ... جعْ، وَهُوَ فَل مِنْ الْجُيُوشِ ذميمُ٥
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ في قصيدة له.
ولدا أبرهة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا هَلَكَ أَبْرَهَةُ، مَلَّكَ الحبشَةَ ابنُهُ يَكْسُومَ بنُ أَبْرَهَةَ، وَبِهِ كَانَ يُكْنَى، فَلَمَّا هَلَكَ يَكْسُومُ بْنُ أَبْرَهَةَ، مَلَكَ اليمَن فِي الْحَبَشَةِ أَخُوهُ مسروقُ بْنُ أَبْرَهَةَ.
стр. 51
خُرُوجُ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ ومُلك وَهْرِزَ على اليمن:
سيف يشكو لقيصر: فَلَمَّا طَالَ البلاءُ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، خَرَجَ سيفُ بْنُ ذِي يَزن الحميريُّ وَكَانَ يُكْنَى بِأَبِي مُرَّة، حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ، فَشَكَا إلَيْهِ مَا هُمْ فِيهِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ عَنْهُ، وَيليَهم هُوَ، وَيَبْعَثَ إلَيْهِمْ مَنْ شَاءَ مِنْ الرُّومِ، فَيَكُونُ لَهُ مُلْكُ اليمن، فلم يُشْكِه.
النعمان يتشفع لسيف عند كِسْرَى: فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى النعمانَ بنَ المنذِر٢ -وَهُوَ عَامِلُ كِسْرَى٣ عَلَى الحِيرة، وَمَا يَلِيهَا مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ- فَشَكَا إلَيْهِ أَمْرَ الْحَبَشَةِ، فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ: إنَّ لِي عَلَى كِسْرَى وِفادةً فِي كلِّ عَامٍ، فأقمْ حَتَّى يكونَ ذَلِكَ، فَفَعَلَ، ثُمَّ خَرَجَ مَعَهُ فَأَدْخَلَهُ عَلَى كِسْرَى، وَكَانَ كِسْرَى يَجْلِسُ فِي إيوَانِ مجلِسه الَّذِي فِيهِ تاجُه، وَكَانَ تَاجُهُ، مِثْلَ الْقَنْقَل العظيم٤
стр. 52
-فِيمَا يزعمُون- يُضرَبُ فِيهِ الْيَاقُوتُ وَاللُّؤْلُؤُ وَالزَّبَرْجَدُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، مُعَلَّقًا بِسَلْسَلَةِ مِنْ ذَهَبٍ فِي رَأْسِ طَاقَةٍ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ، وَكَانَتْ عنقُه لَا تَحْمِلُ تاجَه، إنَّمَا يُستَر بِالثِّيَابِ حَتَّى يَجْلِسَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ يُدْخِل رأسَه فِي تاجِه، فَإِذَا اسْتَوَى فِي مَجْلِسِهِ كُشفت عَنْهُ الثيابُ، فَلَا يَرَاهُ رَجُلٌ لَمْ يَرَهُ قبلَ ذَلِكَ، إلَّا بَرَكَ هَيبة لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ بَرَكَ.
معاونة كسرى لسيف: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبيدة: أَنَّ سَيْفًا لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ طَأْطَأَ رَأْسَهُ، فَقَالَ الْمَلِكُ: إنَّ هَذَا الأحمقُ يَدْخُلُ عليَّ مِنْ هَذَا الْبَابِ الطَّوِيلِ، ثُمَّ يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ؟! فَقِيلَ ذَلِكَ لِسَيْفِ، فَقَالَ: إنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لهمِّي، لِأَنَّهُ يضيقُ عَنْهُ كلُّ شَيْءٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، غَلَبَتْنا عَلَى بلادِنا الأغربةُ. فَقَالَ لَهُ كِسْرَى: أَيُّ الْأَغْرِبَةِ: الْحَبَشَةُ أَمْ السِّنْدُ؟ فَقَالَ: بَلْ الْحَبَشَةُ، فَجِئْتُكَ لِتَنْصُرَنِي، وَيَكُونُ مُلك بِلَادِي لَكَ، قَالَ: بَعُدَتْ بلادُك مَعَ قِلَّةِ خيرِها، فَلَمْ أَكُنْ لأورِّط جَيْشًا مِنْ فَارِسَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ، ثُمَّ أَجَازَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَافٍ، وَكَسَاهُ كُسْوَةً حَسَنَةً، فَلَمَّا قَبَضَ ذَلِكَ مِنْهُ سَيْفٌ خَرَجَ؛ فَجَعَلَ يَنْثُرُ ذَلِكَ الوَرِقَ لِلنَّاسِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَلِكَ، فَقَالَ: إنَّ لِهَذَا لَشَأْنًا، ثُمَّ بَعَثَ إلَيْهِ، فَقَالَ: عَمَدْتَ إلى حباء الملك ثَنثُره للناسِ، فَقَالَ: وَمَا أصنعُ بِهَذَا؟ مَا جبالُ أَرْضِي الَّتِي جئتُ مِنْهَا إلَّا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ -يرغِّبه فِيهَا- فَجَمَعَ كِسْرَى مَرَازِبته١، فَقَالَ لَهُمْ: مَاذَا تَرَوْن فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ، وَمَا جَاءَ لَهُ؟ فَقَالَ قَائِلٌ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إنَّ فِي سُجُونِكَ رِجَالًا قَدْ حبستَهم لِلْقَتْلِ، فَلَوْ أَنَّكَ بَعَثْتَهُمْ مَعَهُ، فَإِنْ يُهْلَكوا كَانَ ذَلِكَ الَّذِي أَرَدْتَ بِهِمْ، وَإِنْ ظَفِرُوا كَانَ مُلكًا ازدَدْته، فَبَعَثَ مَعَهُ كِسْرَى مَنْ كَانَ فِي سجونه، وكانوا ثمانمائةَ رجلٍ.
انتصار سيف: وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ وَهْرِز، وَكَانَ ذَا سِنّ فِيهِمْ، وَأَفْضَلَهُمْ حَسَبًا وَبَيْتًا، فَخَرَجُوا فِي ثمانِ سَفَائِنَ، فَغَرِقَتْ سَفِينَتَانِ، وَوَصَلَ إلَى سَاحِلِ عَدَنَ ستُّ سَفَائِنَ٢، فَجَمَعَ سَيْفٌ إلَى وَهْرِز مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْ قَوْمِهِ، وَقَالَ لَهُ: رِجْلي مَعَ رِجْلك حَتَّى نَمُوتَ جَمِيعًا، أَوْ نَظْفَرَ جَمِيعًا. قَالَ لَهُ وَهْرِز: أنصفتَ. وَخَرَجَ إلَيْهِ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةَ مَلِكُ الْيَمَنِ، وَجَمَعَ إلَيْهِ جُنْدَهُ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ وَهْرِز ابْنًا لَهُ؟ لِيُقَاتِلَهُمْ، فَيَخْتَبِرَ قِتَالَهُمْ، فقُتل ابنُ وَهْرِز، فَزَادَهُ ذلك
стр. 53
حنقًا عليهم، فلما توافق النَّاسُ عَلَى مَصَافِّهم، قَالَ وَهْرِز: أَرُونِي ملكَهم، فَقَالُوا لَهُ: أَتَرَى رَجُلًا عَلَى الْفِيلِ عَاقِدًا تاجَه عَلَى رَأْسِهِ، بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: ذَاكَ مَلِكُهم، فَقَالَ: اُتْرُكُوهُ، قال: فَوَقَفُوا طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: علامَ هُوَ؟ قَالُوا: قَدْ تَحَوَّلَ عَلَى الْفَرَسِ، قَالَ: اُتْرُكُوهُ. فَوَقَفُوا طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: علامَ هُوَ؟ قَالُوا: قَدْ تَحَوَّلَ عَلَى الْبَغْلَةِ. قَالَ وَهْرِزُ: بنتُ الْحِمَارِ؟! ذُلَّ وذُلَّ مُلْكُه، إنِّي سَأَرْمِيهِ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أصحابَه لَمْ يَتَحَرَّكُوا، فَاثْبُتُوا حَتَّى أوذِنَكم، فَإِنِّي قَدْ أَخْطَأْتُ الرجلَ، وَإِنْ رَأَيْتُمْ القومَ قَدْ اسْتَدَارُوا وَلَاثُوا بِهِ، فَقَدْ أصبتُ الرَّجُلَ، فَاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ. ثُمَّ وَتَرَ قوْسَه، وَكَانَتْ فِيمَا يَزْعُمُونَ لَا يُوترها غيرُه مِنْ شِدَّتِهَا، وَأَمَرَ بِحَاجِبَيْهِ، فعُصبا لَهُ، ثُمَّ رَمَاهُ، فَصَكَّ الياقوتةَ الَّتِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَتَغَلْغَلَتْ النُشَّابةُ فِي رَأْسِهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ قَفَاهُ، ونُكِس عَنْ دَابَّتِهِ، وَاسْتَدَارَتْ الحبشةُ ولاثتْ بِهِ، وَحَمَلَتْ عَلَيْهِمْ الفرسُ، وَانْهَزَمُوا، فقُتلوا وهَربوا فِي كُلِّ وجهٍ، وَأَقْبَلَ وَهْرِز، لِيَدْخُلَ صَنْعَاءَ١، حَتَّى إذَا أَتَى بَابَهَا، قَالَ: لَا تَدْخُلُ رَايَتِي مُنَكَّسَةً أَبَدًا، اهْدِمُوا البابَ، فهُدم، ثم دخلها ناصبًا رايته.
شعر سيف بن ذي يزن في هذه القصة: فَقَالَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ الْحِمْيَرِيُّ:
يظنُّ الناسُ بالْمَلكيـ ... ـنِ أنهما قد التأما٢
стр. 54
وَمَنْ يسمعْ بِلَأْمِهِمَا ... فَإِنَّ الخطبَ قَدْ فَقُمَا١
قَتَلْنَا القَيْل مَسْرُوقًا ... وروَّينا الكثيبَ دَمَا٢
وَإِنَّ القَيْل قَيْل النا ... سِ وَهْرِزَ مُقْسِم قَسَمَا
يَذُوقُ مُشَعْشَعًا حَتَّى ... يُفيء السبيُ والنَّعَما٣
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَأَنْشَدَنِي خَلَّادُ بْنُ قُرة السّدُوسي آخرَها بَيْتًا لأعْشَى بَنِي قَيْس بْنِ ثَعْلَبَةَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وغيرُه مِنْ أَهْلِ العلم بالشعر يُنْكِرها له.
شعر أَبِي الصَّلْتِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، وَقَالَ أَبُو الصلْت بْنُ أَبِي ربيعهَ الثقفىُّ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وتُروى لأميَّة بْن أَبِي الصَّلْت:
لِيَطْلُبَ الوِتْر أمثالُ ابْنِ ذِي يَزَنَ ... رَيَّمَ فِي الْبَحْرِ لِلْأَعْدَاءِ أحوالَا٤
يمَّمَ قَيْصَر لَمَّا حَانَ رحلتهُ ... فَلَمْ يجدْ عندَه بعضَ الَّذِي سالَا
ثُمَّ انْثَنَى نحوَ كِسرى بعدَ عاشرةٍ ... مِنْ السِّنِينَ يُهين النفسَ والمالَا
حَتَّى أَتَى بِبَنِي الأحرارِ يَحْمِلُهُمْ ... إنَّك عَمْرِي لَقَدْ أسرعتَ قِلْقَالَا٥
للهِ دَرهُمُ مِنْ عُصبةٍ خَرَجُوا ... مَا إنْ أرى لهم في الناسِ أمثالاَ
стр. 55
بِيضًا مَرَاذبةً، غُلْبًا أَسَاوِرَةً ... أُسْدًا تُربب فِي الغَيْضاتِ أشبالَا١
يَرمون عَنْ شُدُفٍ كَأَنَّهَا غُبُط ... بِزَمْخَر يُعْجل المرمِيَّ إعْجَالَا٢
أرْسَلْتَ أسْدًا عَلَى سودِ الْكِلَابِ فَقَدْ ... أضحَى شريدُهُمُ فِي الأرضِ فُلَّالَا
فاشربْ هَنِيئًا عَلَيْكَ التاجُ مُرْتَفِقًا ... فِي رَأْسِ غُمدَانَ دَارًا مِنْكَ مِحْلالاَ٣
واشربْ هَنِيئًا فَقَدْ شالتْ نعامتُهم ... وأسبِل اليومَ فِي بُرديْكَ إسْبالاَ٤
تِلْكَ المكارمُ لَا قَعْبان مِنْ لبنٍ ... شِيبا بماءٍ فعادَا بعدُ أبوالَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا صَحَّ لَهُ مِمَّا رَوَى ابْنُ إسْحَاقَ مِنْهَا، إلَّا آخِرَهَا بَيْتًا قَوْلُهُ:
تِلْكَ المكارمُ لَا قَعْبانَ مِنْ لَبَنٍ
فَإِنَّهُ لِلنَّابِغَةِ الْجَعْدِيِّ. وَاسْمُهُ: حِبَّان بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْس٥، أحد بنى جَعْدة بن كعب
стр. 56
ابن رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعة بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكر بْنِ هَوَازِنَ، فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
شعر عدي بن زيد: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ الحِيريُّ، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي تَمِيمٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ أَحَدُ بَنِي امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيد مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَيُقَالُ: عَدِيٌّ مِنْ الْعِبَادِ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ١:
مَا بعدَ صنعاءَ كَانَ يَعْمُرها ... ولاةُ مُلك جَزْلٍ مواهبُها
رفَّعها مَنْ بَنَى لدى قَزَع الـ ... ـمُزْنِ وتَنْدَى مِسْكا مَحاربُها٢
مَحفوفةٌ بالجبالِ دونَ عُرَى الْـ ... ـكائدِ مَا تُرْتَقى غواربُها٣
يأنسُ فِيهَا صوتُ النُّهامِ إذا ... جاوبَها بالعشيِّ قاصِبُها٤
ساقت إليه الأسبابُ جندَ بني الـ ... ـأحرارِ فرسانُها مواكبُها
стр. 57
وفوزت بالبغالِ تُوسَقُ بالـ ... ـحَتْفِ وتَسْعَى بِهَا توالبُها١
حَتَّى رَآهَا الأقْوالُ مِنْ طرفِ الـ ... ـمَنقلِ مُخْضَرَّة كتائبُها٢
يوم يُنادون آل بَرْبر والـ ... ـيكْسوم لَا يُفْلَحنَّ هاربُها٣
وَكَانَ يَوْمُ بَاقِي الْحَدِيثِ وزا ... لت إمَّةٌ ثابت مراتبُها٤
وبُدِّل الفَيْج بالزرافةِ والأيا ... م جُونٌ جَم عَجَائِبُهَا٥
بعدَ بَنِي تُبَّع نَخاوِرة ... قَدْ اطمأنَّت بِهَا مرازُبها٦
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَأَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَرَوَاهُ لِي عَنْ المفضَّل الضَّبِّيِّ، قوله:
يوم ينادون آل بربر واليكسوم
стр. 58
وَهَذَا الَّذِي عَنَى سَطيح بِقَوْلِهِ: "يَلِيهِ إرَمُ ذِي يَزَنَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ عَدَنَ، فَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا مِنْهُمْ بِالْيَمَنِ". وَاَلَّذِي عَنَى شِقٌّ بِقَوْلِهِ: "غُلَامٌ لَيْسَ بِدَني وَلَا مُدَنْ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ ذِي يَزَنْ".
ذِكْرُ مَا انتهى إليه أمر الفُرس باليمن:
مدة مكث الحبشة باليمن: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ وَهْرِز وَالْفُرْسُ بِالْيَمَنِ، فَمِنْ بَقِيَّةِ ذَلِكَ الْجَيْشِ مِنْ الْفُرْسِ: الْأَبْنَاءُ الَّذِينَ بِالْيَمَنِ الْيَوْمَ. وَكَانَ مُلْك الْحَبَشَةِ بِالْيَمَنِ، فِيمَا بَيْنَ أَنْ دَخَلَهَا أَرْيَاطُ إلَى أَنْ قتلت الفرس مسروق بن أبرهة وأخرجت من الْحَبَشَةُ، اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً، تَوَارَثَ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ: أَرْيَاطُ، ثُمَّ أَبْرَهَةُ، ثُمَّ يَكْسُومُ بْنُ أبرهة، ثم مسروق بن أبرهة.
أمراء الفرس باليمن: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ مَاتَ وَهْرِز، فأمَّر كِسْرَى١ ابْنَهُ المرْزُبان بْنِ وَهْرِزَ عَلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ مَاتَ المرْزُبان، فَأَمَّرَ كِسْرَى ابْنَهُ التينُجان بْنَ الْمَرْزُبَانِ عَلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ مَاتَ التينُجان، فَأَمَّرَ كِسْرَى ابْنَ التَّيْنُجَانِ عَلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ عَزَلَهُ وأمَّر بَاذَانَ، فَلَمْ يَزَلْ بَاذَانُ عَلَيْهَا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا النَّبِيَّ ﷺ .
محمد ﷺ يتنبأ بموت كسرى: فَبَلَغَنِي عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ:
كَتَبَ كِسْرَى إلَى بَاذَانَ: أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُريش خَرَجَ بِمَكَّةَ، يزعُم أَنَّهُ نَبِيٌّ فَسِرْ
стр. 59
إلَيْهِ فَاسْتَتِبْهُ، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا فَابْعَثْ إليَّ بِرَأْسِهِ، فَبَعَثَ بَاذَانُ بِكِتَابِ كِسْرَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَتَبَ إلَيْهِ رسول الله ﷺ : "إن اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي أَنْ يُقتل كِسْرَى فِي يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا"١ فَلَمَّا أَتَى باذانَ الكتابُ تَوَقَّفَ لِيَنْظُرَ، وَقَالَ: إنْ كَانَ نَبِيًّا، فَسَيَكُونُ مَا قَالَ، فقتلَ اللَّهُ كِسْرَى فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قُتل عَلَى يدَيْ ابْنِهِ شَيْرَويه، وَقَالَ خَالِدُ بْنُ حِق الشيبانيُّ:
وَكِسْرَى إذْ تَقَسَّمه بَنُوهُ ... بأسيافٍ كَمَا اقتُسِم اللَّحامُ
تمخضتِ المنونُ لَهُ بيومٍ ... أَنَّى، ولكلِّ حاملةٍ تِمَامُ٢
إسْلَامُ بَاذَانَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ بَاذَانَ بَعَثَ بِإِسْلَامِهِ، وَإِسْلَامِ مَنْ مَعَهُ مِنْ الفُرس إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ الرسلُ مِنْ الْفُرْسِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى مَنْ نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: "أنتم منا وإلينا أهلَ البيت".
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَبَلَغَنِي عَنْ الزهريِّ أَنَّهُ قَالَ: فَمِنْ ثَمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَلْمانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ".
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَهُوَ الَّذِي عَنَى سَطِيحٌ بِقَوْلِهِ: "نَبِيٌّ زَكِيٌّ، يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنْ قِبَلِ الْعَلِيِّ"، وَاَلَّذِي عَنَى شِقٌّ بِقَوْلِهِ: بَلْ يَنْقَطِعُ بِرَسُولِ مُرْسَل، يَأْتِي بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ، يَكُونُ المُلك فِي قَوْمِهِ إلَى يوم الفصْل".
стр. 60
كتاب الحجر الذي في اليمن: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِي حَجَر بِالْيَمَنِ -فِيمَا يزعُمون- كِتَابٌ بالزَّبور كُتب فِي الزَّمَانِ الأول: "لمن مُلك ذِمَار١؟ لِحمْير الأخيار٢، ولمن مُلْكُ ذِمار؟ لِلْحَبَشَةِ الْأَشْرَارِ٣، لِمَنْ مُلْكُ ذِمار؟ لِفَارِسَ الْأَحْرَارِ٤، لِمَنْ مُلْكُ ذِمار؟ لِقُرَيْشِ التُّجَّارِ".
وذِمار: الْيَمَنُ أَوْ صَنْعَاءُ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ذَمار: بالفتح، فيما أخبرني يونس.
الأعشى يذكر نبوءة شق وسطيح: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ الْأَعْشَى، أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فِي وُقُوعِ مَا قَالَ سَطِيحٌ وَصَاحِبُهُ:
مَا نظرتْ ذاتُ أشفارٍ٥ كَنَظْرَتِهَا ... حقًّا كما صدقَ الذئبيُّ إذ سَجَعَا
وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ لِسَطِيحِ: الذِّئْبِيَّ؟ لِأَنَّهُ سَطِيحُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مَازِنِ بْنِ ذِئْبٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ في قصيدة له.
стр. 61
قصة ملك الحضر:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي خلَّادُ بْنُ قُرَّة بْنِ خَالِدِ السَّدُوسي عَنْ جَنَّاد، أَوْ عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِالنَّسَبِ: أَنَّهُ يُقَالُ: إنَّ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ مِنْ وَلَدِ سَاطِرون١ مَلِكِ الحَضْر. والحَضْر: حِصْنٌ عَظِيمٌ كَالْمَدِينَةِ، كَانَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَ عَدي بْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ:
وَأَخُو الحَضْر إذْ بناه وإذ دِجْـ ... ـلة يُجْبَى إليه والخابورْ
شاده مرمرًا وجلَّله كِلْـ ... ـسا فللطَّيْرِ فِي ذُراه وُكورْ
لَمْ يَهَبْه ريبُ المنون فبان الْـ ... ـمُلْكُ عَنْهُ فبابُه مهجورْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو دُوَادٍ الإياديُّ٢ فِي قَوْلِهِ:
وَأَرَى الموتَ قَدْ تدلى من الحَضـ ... ـر عَلَى رَبِّ أَهْلِهِ السَّاطُرون٣
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَيُقَالُ: إنَّهَا لخلَف الْأَحْمَرِ، وَيُقَالُ: لحماد الرَّاوية.
سابور يستولي على الحضر: وَكَانَ كِسْرَى سَابُورُ ذُو الْأَكْتَافِ غَزَا ساطِرون ملكَ الحَضْر، فَحَصَرَهُ سَنَتَيْنِ، فَأَشْرَفَتْ بِنْتُ ساطِرون٤ يَوْمًا، فَنَظَرَتْ إلَى سَابُورَ، وَعَلَيْهِ ثِيَابُ دِيبَاجٍ، وَعَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٌ بِالزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ، وَكَانَ جَمِيلًا، فَدَسَّتْ إلَيْهِ، أَتَتَزَوَّجُنِي
стр. 62
إنْ فَتَحْتُ لَكَ بَابَ الحَضْر؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا أَمْسَى ساطِرون شَرِبَ حَتَّى سَكِرَ، وَكَانَ لَا يَبِيتُ إلَّا سَكْرَانَ، فَأَخَذَتْ مَفَاتِيحَ بَابِ الحَضْر مِنْ تحتِ رَأْسِهِ، فَبَعَثَتْ بِهَا مَعَ مولَى لَهَا فَفَتَحَ الْبَابَ، فَدَخَلَ سَابُورُ، فَقَتَلَ ساطِرون، واستباح الحَضْر وخرَّبه١، وسار بِهَا مَعَهُ فَتَزَوَّجَهَا؟ فَبَيْنَا هِيَ نَائِمَةٌ عَلَى فراشها ليلا إذا جَعَلَتْ تَتَمَلْمَلُ لَا تَنَامُ، فَدَعَا لَهَا بشمْع، فَفُتِّشَ فراشَها، فَوُجِدَ عَلَيْهِ وَرَقَةُ آسٍ؛ فَقَالَ لَهَا سَابُورُ: أَهَذَا الَّذِي أسهرَك؟! قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا كَانَ أَبُوكَ يَصْنَعُ بِكِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَفْرِشُ لِي الدِّيبَاجَ، وَيُلْبِسُنِي الحريرَ، وَيُطْعِمُنِي المخَّ، وَيَسْقِينِي الْخَمْرَ، قَالَ: أَفَكَانَ جزاءُ أَبِيكَ مَا صنعتِ بِهِ؟! أَنْتَ إليَّ بِذَلِكَ أسرعُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فرُبطت قُرُونُ رَأْسِهَا بذنَبِ فَرَسٍ، ثُمَّ رَكَضَ الْفَرَسُ، حَتَّى قَتَلَهَا٢، فَفِيهِ يقول أعشى بني قَيس بن ثَعْلبة:
قول أعشى قيس في قصة الحضر:
أَلَمْ ترَ للحَضْر إذْ أهلُه ... بنُعْمَى، وهَل خالدٌ مَنْ نعمْ
أقام به شاهبورُ الجنو ... دَ حولين تضرب فيه القُدُم٣
стр. 63
فَلَمَّا دَعَا ربَّه دَعْوَةً ... أَنَابَ إلَيْهِ فَلَمْ ينتقمْ
وهذه الأبيات في قصيدة له.
قول عدي بن زيد: وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ فِي ذَلِكَ:
والحَضْر صَابَتْ عَلَيْهِ دَاهِيَةٌ ... مِنْ فوقِه أَيِّدٌ مَنَاكِبُهَا١
رَبِيّة لَمْ تُوَقِّ والدَها ... لحَيْنها إذْ أَضَاعَ رَاقِبُهَا٢
إذْ غَبَقَتْه صَهْباءَ صَافِيَةً ... والخمرُ وَهْلٌ يَهيم شاربُها٣
فأسْلمتْ أهلَها بليلتِها ... تظنُّ أَنَّ الرئيسَ خاطبُها
فَكَانَ حَظ العَروسِ إذْ جَشَر الصبْحُ دماءً تجري سَبَائِبها٤
стр. 64
وخُرِّب الحَضْر، واستبيحَ، وقدْ ... أحْرِق فِي خدرِها مشاجبُها١
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
ذِكْرُ ولد نِزار بن معد:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ نِزارُ بْنُ مَعَدٍّ ثلاثةَ نَفَرٍ: مُضر٢ بْنَ نِزار، وربيعةَ بْنَ نِزار، وأَنْمَارَ بْنَ نِزار.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وإياد بن نزار. قال الحارث بْنُ دَوْس الْإِيَادِيُّ، وَيُرْوَى لِأَبِي دُواد الْإِيَادِيِّ، واسمه: جارية بن الحجاج:
وفُتُوٌّ حسن أوجُهم ... مِنْ إيَادِ بْنِ نِزار بْنِ مَعَدٍّ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
فَأُمُّ مُضَرَ وَإِيَادٍ: سَوْدَة بنتُ عَكّ بْنِ عَدْنَانَ. وَأُمُّ رَبِيعَةَ وأنمار: شُقَيْقَة بِنْتُ عَك بْنِ عَدْنَانَ، وَيُقَالُ: جُمْعَة بِنْتُ عَكِّ بْنِ عَدْنَانَ.
أَوْلَادُ أَنْمَارٍ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَنْمَارُ٣ أَبُو خَثْعَم وَبَجِيلَةَ، قَالَ جَرِيرُ بن عبد الله البَجَلي
стр. 65
وَكَانَ سَيِّدَ بَجِيلَةَ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ لَهُ الْقَائِلُ:
لَوْلَا جَرِيرٌ هَلَكَتْ بَجِيلَهُ ... نِعْمَ الْفَتَى، وَبِئْسَتِ القبيلهْ١
وَهُوَ يُنَافِرُ٢ الفُرافِصة٣ الْكَلْبِيَّ إلَى الأقرع بن حابس التميمى:
يَا أقرعَ بْنَ حَابِسٍ يَا أقرعُ ... إنَّكَ إن تَصْرعْ أخاك تُصرع٤
قال:
ابْنَيْ نزارٍ انصُرا أَخَاكُمَا ... إنَّ أَبِي وجدْتُه أَبَاكُمَا
لَنْ يُغلبَ اليومَ أَخٌ وإلاكُما ... وَقَدْ تَيَامَنَتْ، فَلَحِقَتْ بِالْيَمَنِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَتْ الْيَمَنُ: وَبَجِيلَةُ: أَنْمَارُ بْنُ إرَاشِ بْنِ لحْيان بْنِ عَمْرِو بْنِ الغَوْث بْنِ نَبْت بْنِ مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. وَيُقَالُ: إرَاشُ بْنُ عَمْرِو بْنِ لِحْيان بْنِ الغوث. ودار بجيلة وخَثْعَم: يمانية.
стр. 66
ولدا مُضَرَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ مُضَرُ بْنُ نِزَارٍ رَجُلَيْنِ: إلْيَاسَ بْنَ مُضَر، وعَيْلان١ بْنَ مُضَرَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأُمُّهُمَا جُرْهُمِيَّةٌ٢.
أَوْلَادُ إلْيَاسَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ إلْيَاسُ بْنُ مُضَرَ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ: مُدْرِكة بْنَ إلْيَاسَ، وَطَابِخَةَ بْنَ إلْيَاسَ، وقَمَعَة بْنَ إلْيَاسَ، وَأُمُّهُمْ: خِنْدف٣، امرأة من اليمن.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خِنْدف بِنْتُ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ اسْمُ مُدركة عَامِرًا، وَاسْمُ طَابِخَةَ عَمْرًا، وَزَعَمُوا أَنَّهُمَا كَانَا فِي إبِلٍ لَهُمَا يَرْعَيَانِهَا، فَاقْتَنَصَا صَيْدًا، فَقَعَدَا عَلَيْهِ يَطْبُخَانِهِ؟ وعَدَتْ عَادِيَةٌ عَلَى إبِلِهِمَا، فَقَالَ عَامِرٌ لِعَمْرٍو: أَتُدْرِكُ الْإِبِلَ، أَمْ تَطْبُخُ هَذَا الصَّيْدَ؟ فَقَالَ عَمْرٌو: بَلْ أَطْبُخُ، فَلَحِقَ عَامِرٌ بِالْإِبِلِ فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا رَاحَا عَلَى أَبِيهِمَا حَدَّثَاهُ بِشَأْنِهِمَا، فَقَالَ لِعَامِرِ: أَنْتَ مُدْرِكة، وقال لعمرو: وأنت طابخة٤.
وَأَمَّا قَمَعَة فَيَزْعُمُ نُساب مُضَرَ: أَنَّ خُزَاعَةَ مِنْ وَلَدِ عَمرو بْنِ لُحَيّ بْنِ قَمَعة بن إلياس.
стр. 67
حديث عمرو بن لحيّ وذكر أصنام العرب:
عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمرو بْنِ حَزْم عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حُدثتُ أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "رَأَيْتُ عَمْرو بْنَ لُحَي يجرُّ قصْبه١ فِي النَّارِ فَسَأَلْتُهُ عَمَّنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِنْ النَّاسِ، فَقَالَ: هَلَكُوا".
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إبراهيم الْحَارِثِ التَيمِي أَنَّ أَبَا صَالِحٍ السَّمَّانَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، وَيُقَالُ اسْمُهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ يَقُولُ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأَكْثَمَ بْنِ الجَوْن الخُزاعي: "يَا أكثمُ، رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيّ بْنِ قَمَعة بْنِ خنْدِف يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ بِهِ، وَلَا بِكَ مِنْهُ". فَقَالَ أَكْثَمُ: عَسَى أَنْ يَضُرَّنِي شَبَهُهُ يَا رسولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَا، إنَّكَ مؤمنٌ وَهُوَ كَافِرٌ، إنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ غيَّر دِينَ إسْمَاعِيلَ، فَنَصَبَ الْأَوْثَانَ، وبَحَر البحِيرة٢ وسيبَ السائبة، ووصل الوَصِيلة، وحمى الحَامِي".
стр. 68
أصل عبادة الأصنام في أرض العرب:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَمرو بْنَ لُحَيٍّ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الشَّامِ فِي بَعْضِ أُمُورِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ مآبَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، وَبِهَا يَوْمَئِذٍ الْعَمَالِيقُ، وَهُمْ وَلَدُ عِمْلاق. وَيُقَالُ: عِمْليق بْنُ لَاوذ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ، رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا هَذِهِ الْأَصْنَامُ الَّتِي أَرَاكُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا لَهُ: هَذِهِ أَصْنَامٌ نَعْبُدُهَا فنستَمْطرها فتُمطرنا، ونستَنْصرها فتنصُرنا، فقال لهم: ألا تُعْطُونَنِي مِنْهَا صَنَمًا، فَأَسِيرَ بِهِ إلَى أَرْضِ الْعَرَبِ، فَيَعْبُدُوهُ؟ فَأَعْطَوْهُ صَنَمًا يُقَالُ لَهُ: هُبَل، فَقَدِمَ بِهِ مَكَّةَ، فَنَصَبَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِ وتعظيمه١.
سبب عبادة الأصنام:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ أَوَّلَ مَا كَانَتْ عِبَادَةُ الْحِجَارَةِ فِي بَنِي إسْمَاعِيلَ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَظْعَنُ مِنْ مَكَّةَ ظَاعِنٌ مِنْهُمْ، حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ، وَالْتَمَسُوا الفُسَح فِي الْبِلَادِ، إلَّا حَمَلَ مَعَهُ حَجَرًا مِنْ حِجَارَةِ الْحَرَمِ تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ، فَحَيْثُمَا نَزَلُوا وَضَعُوهُ، فَطَافُوا بِهِ كَطَوَافِهِمْ بِالْكَعْبَةِ، حَتَّى سَلَخَ ذَلِكَ بِهِمْ إلَى أَنْ كَانُوا يَعْبُدُونَ مَا اسْتَحْسَنُوا مِنْ الْحِجَارَةِ وَأَعْجَبَهُمْ، حَتَّى خَلَفَ الخُلوف، وَنَسُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَاسْتَبْدَلُوا بِدِينِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ غَيْرَهُ، فَعَبَدُوا الْأَوْثَانَ، وَصَارُوا إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْأُمَمُ قبلهم من الضلالات، وفيهم على
стр. 69
ذَلِكَ بَقَايَا مِنْ عَهْدِ إبْرَاهِيمَ يَتَمَسَّكُونَ بِهَا: مِنْ تَعْظِيمِ الْبَيْتِ، وَالطَّوَافِ بِهِ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْوُقُوفِ عَلَى عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ، وهَدْي البُدْن، وَالْإِهْلَالِ بالحَج وَالْعُمْرَةِ، مَعَ إدْخَالِهِمْ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ. فَكَانَتْ كنانةُ وَقُرَيْشٌ إذَا أهلُّوا قَالُوا: "لَبَّيك اللهمَّ لَبَّيْكَ، لَبيك لَا شَرِيكَ لَكَ، إلَّا شَرِيكٌ هُوَ لَكَ، تملكُه وَمَا مَلَكَ". فَيُوَحِّدُونَهُ بِالتَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يُدخلون مَعَهُ أصنامَهم، وَيَجْعَلُونَ مِلْكَها بِيَدِهِ. يَقُولُ اللَّهُ ﵎ لِمُحَمَّدِ – ﷺ : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] أَيْ مَا يوحدونَني لِمَعْرِفَةِ حقِّي إلَّا جَعَلُوا معي شريكًا في خلقي١.
أصنام قَوْمِ نُوحٍ: وَقَدْ كَانَتْ لِقَوْمِ نُوحٍ أصنامٌ قَدْ عَكفوا عَلَيْهَا، قَصَّ اللَّهُ ﵎ خبَرها عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -فَقَالَ: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ ٢ [نوح: ٢٣، ٢٤]
стр. 70
القبائل العربية وأصنامها: فَكَانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا تَلِكَ الْأَصْنَامَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ وَغَيْرِهِمْ، وَسَمَّوْا بِأَسْمَائِهِمْ حِينَ فَارَقُوا دِينَ إسْمَاعِيلَ: هُذَيْلَ بنَ مُدْركة بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَر، اتَّخَذُوا سُواعًا فَكَانَ لَهُمْ بِرُهاط١. وَكَلْبُ بْنُ وَبْرة مِنْ قُضَاعَةَ اتَّخَذُوا وَدًّا بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ٢.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ:
وَنَنْسَى اللَّاتَ والعُزَّى وَوَدَّا ... ونسلُبها القَلائد والشُّنوفا٣
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا -إنْ شاء الله.
قال ابن هشام: وكَلب بنُ وَبزةَ بْنِ تَغْلِبَ بْنِ حُلْوَان بْنِ عِمران بْنِ الحاف بن قضاعة.
عباد يغوث: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وأنعُم مِنْ طيِّئ، وَأَهْلُ جُرَش من مَذْحج اتخذوا يغوث بجُرش.
قال ابن هشام. ويقال: أنْعَم. وطيّئ بن أدَد بْنِ مَالِكٍ، وَمَالِكٌ: مَذْحج بْنُ أدَد، وَيُقَالُ طيِّئ بْنُ أُدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ كهلان بن سبأ.
عباد يعوق: قال ابن إسحاق: وخَيْوان بطن هَمْدَانَ، اتَّخَذُوا يَعُوقَ بِأَرْضِ هَمْدَانَ مِنْ أَرْضِ اليمن.
стр. 71
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ مَالِكُ بْنُ نَمَط الهَمْداني.
يَريش اللَّهُ فِي الدُّنْيَا ويَبْرى ... وَلَا يَبْرِي يَعوقُ وَلَا يَرِيشُ٢
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أبيات له.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اسْمُ هَمْدَانَ: أوْسَلة بْنُ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أوْسَلة بْنِ الخِيار بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ. وَيُقَالُ: أَوْسَلَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَوْسَلَةَ بْنِ الخِيار. وَيُقَالُ: هَمْدَانُ بْنُ أَوْسَلَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْخِيَارِ بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ.
عباد نسر: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذُو الكُلَاعِ مِنْ حِمْير، اتخذوا نَسْرًا بأرضِ حِمْير.
عباد عميانس: وكانَ لخَوْلان صَنَمٌ يُقَالُ لَهُ: عُمْيَانِس بِأَرْضِ خَوْلان يَقْسِمُونَ لَهُ مِنْ أَنْعَامِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ قَسَمًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ بِزَعَمِهِمْ، فَمَا دَخَلَ فِي حَقِّ عُمْيانس مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي سَمَّوْهُ لَهُ تَرَكُوهُ لَهُ، وَمَا دَخَلَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَقِّ عُمْيانس رَدُّوهُ عليه. وهم في مِنْ خَوْلان، يُقَالُ لَهُمْ: الْأَدِيمُ، وَفِيهِمْ أَنَزَلَ اللَّهُ ﵎ فِيمَا يَذْكُرُونَ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خَوْلان بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، وَيُقَالُ: خَوْلان بْنُ عَمرو بن مُرة بن أدَد بن زَيد بن مِهْسَع بن عَمرو بن عَرِيب بن زَيد بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَيُقَالُ: خَوْلان بْنُ عمرو بن سعد العشيرة بن مَذْحِج.
стр. 72
عباد سعد: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ لِبَنِي مِلْكَان١ -بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيمة بْنِ مُدْرِكة بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضر- صَنَمٌ، يُقَالُ لَهُ: سَعْدٌ: صَخْرَةٌ بفَلاة مِنْ أَرْضِهِمْ طَوِيلَةٌ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مِلكَان بِإِبِلِ لَهُ مُؤَبلة؛ لِيَقِفَهَا عَلَيْهِ، التماسَ بَرَكَتِهِ –فِيمَا يزعُم– فَلَمَّا رَأَتْهُ الْإِبِلُ وَكَانَتْ مَرْعيَّة لَا تُركب، وَكَانَ يُهْراق عَلَيْهِ الدِّمَاءُ نَفَرَتْ مِنْهُ، فَذَهَبَتْ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَغَضِبَ ربُّها المِلْكاني، فَأَخَذَ حَجَرًا فَرَمَاهُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، نفَّرت عليَّ إبِلِي، ثُمَّ خَرَجَ فِي طَلَبِهَا حَتَّى جَمَعَهَا، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ لَهُ قَالَ:
أَتَيْنَا إلَى سعدٍ، ليجمعَ شملَنا ... فَشَتَّتَنَا سَعْدٌ، فَلَا نحنُ مِنْ سعدِ٢
وَهَلْ سعدُ إلَّا صَخْرَةٌ بتَنُوفةٍ ... مِنْ الْأَرْضِ لَا تَدْعُو لِغَي وَلَا رُشْد٣
دوس وصنمهم: وَكَانَ فِي دَوْسٍ صَنَمٌ لِعَمْرِو بْنِ حُمَمة الدَّوْسي.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَأَذْكُرُ حَدِيثَهُ فِي موضعه -إن شاء الله.
ودَوْسُ بنُ عُدْثان بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَهْرَانَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الأسْد بْنِ الْغَوْثِ. وَيُقَالُ: دَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَهْرَانَ بنِ الأسْد بْنِ الغوْث.
стр. 73
عباد هُبَلُ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ اتَّخَذَتْ صَنَمًا عَلَى بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ يُقَالُ لَهُ: هُبَل١.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَأَذْكُرُ حديثَه -إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهِ.
إسَافٌ ونائلة: قال ابن إسحاق: واتخذوا إسَافًا وَنَائِلَةً، عَلَى مَوْضِعِ زَمْزَمَ يَنْحَرُونَ عِنْدَهُمَا، وَكَانَ إسَافٌ وَنَائِلَةٌ رَجُلًا وَامْرَأَةً مِنْ جُرْهُمٍ، هُوَ: إسَافُ بْنُ بَغْي وَنَائِلَةُ بِنْتُ دِيك، فَوَقَعَ إسَافٌ عَلَى نائلةَ فِي الْكَعْبَةِ: فَمَسَخَهُمَا الله حجَرَيْن٢.
حديث عائشة عن إساف ونائلة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمرو بْنِ حَزْم. عَنْ عَمْرة بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرارة أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: مَا زِلْنَا نَسْمَعُ أَنَّ إسَافًا وَنَائِلَةً كَانَا رَجُلًا وَامْرَأَةً مِنْ جُرْهم، أَحْدَثَا٣ فِي الْكَعْبَةِ: فَمَسَخَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى حجَريْن -وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أبو طالب:
وحيث يُنيخُ الأشْعرون رِكابَهم ... بمُفْضَ السيولِ مِنْ إسافٍ ونائِل٤
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ؛ سَأَذْكُرُهَا فِي موضعها إن شاء الله تعالى.
стр. 74
فعل العرب مع أصنامهم: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاِتَّخَذَ أهلُ كلِّ دَارٍ فِي دَارِهِمْ صَنَمًا يَعْبُدُونَهُ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ سَفَرًا تمسَّح بِهِ حِينَ يَرْكَبُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ مَا يَصْنَعُ حِينَ يَتَوَجَّهُ إلَى سَفَرِهِ، وَإِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ تمسَّح بِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالتَّوْحِيدِ، قَالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص: ٥] .
الطواغيت: وَكَانَتْ الْعَرَبُ قَدْ اتَّخَذَتْ مَعَ الْكَعْبَةِ طَواغيت، وَهِيَ بيوتٌ تُعَظِّمُهَا كَتَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ، لَهَا سَدَنَة وحُجَّاب، وتُهْدي لَهَا كَمَا تُهْدي لِلْكَعْبَةِ، وَتَطُوفُ بها كَطَوَافِهَا بِهَا، وَتَنْحَرُ عِنْدَهَا، وَهَى تَعْرف فَضْلَ الْكَعْبَةِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ عَرَفت أَنَّهَا بيت إبراهيم الخليل ومسجده.
العُزَّى وسدنتها وحجابها: فَكَانَتْ لِقُرَيْشِ وَبَنِيَّ كِنَانَةَ: العُزَّى بنَخْلة، وَكَانَ سَدنَتَها وحُجابَها بَنُو شَيْبَانَ مِنْ سُلَيْم، حُلَفَاءِ بَنِي هَاشِمٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حُلَفَاءُ بَنِي أبيِ طَالِبٍ خَاصَّةً، وسُلَيْم: سُلَيْم بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفة بْنِ قيْس بْنِ عَيْلان.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ شَاعِرٌ مِنْ الْعَرَبِ:
لَقَدْ أنْكِحَتْ أسماءُ رأسَ بُقَيْرةٍ ... مِنْ الأدْم أَهْدَاهَا امْرُؤٌ مِنْ بَنِي غَنْم
رَأَى قَدَعًا فِي عَيْنِهَا إذْ يسوقُها ... إلَى غَبْغَبِ العُزى فوسَّع في القَسْم١
стр. 75
وَكَذَلِكَ كَانُوا يَصْنَعُونَ إذَا نَحَرُوا هَدْيًا قسَّموه فيمن حَضَرَهُمْ. والغَبْغَب: المنحَر، ومُهراق الدِّمَاءِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ لِأَبِي خِرَاشٍ الْهُذَلِيِّ وَاسْمُهُ: خُوَيلد ابن مُرة في أبيات له.
من هم السَّدَنَةِ: والسدنةُ: الَّذِينَ يَقُومُونَ بِأَمْرِ الْكَعْبَةِ. قَالَ رُؤبة بْنُ الْعَجَّاجِ:
فَلَا وربِّ الآمناتِ القطَّنِ ... يَعْمرن أمنًا بالحرامِ المأمن
بمحبسِ الهدْي وبيتِ المَسْدَنِ
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ، وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ.
اللَّاتُ وَسَدَنَتُهَا: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ اللاتُ لِثَقِيفِ بِالطَّائِفِ، وَكَانَ سَدنتَها وَحُجَّابَهَا بَنُو مُعَتِّب مِنْ ثَقِيفٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى في موضعه.
مناة وسدنتها: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ مُناة للأوْس وَالْخَزْرَجِ، وَمَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ، عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ المُشَلَّلِ بقُدَيْد.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الكُمَيْت بْنُ زَيْدٍ أَحَدُ بني أسد بْنِ مُدْرِكَةَ:
وَقَدْ آلتْ قبائلُ لَا تُولِّي ... مناةَ ظهورَها مُتَحرِّفينا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ له.
هدم مناة: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَبَعَثَ رسولُ اللَّهِ ﷺ -إلَيْهَا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ فَهَدَمَهَا، وَيُقَالُ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
ذو الخلَصة وعبَّاده وَهَدْمُهُ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ ذُو الْخَلَصة لدَوْس وخَثْعم وبجِيلة، وَمَنْ كَانَ بِبِلَادِهِمْ مِنْ الْعَرَبِ بتَبَالة.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ذُو الخُلُصة. قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ:
لَوْ كنتَ يَا ذَا الخُلص الْمَوْتُورَا ... مِثْلِي وَكَانَ شيخُك الْمَقْبُورَا
لَمْ تنهَ عَنْ قتلِ العُداة زورَا
следующие страницы →