← Сира

Сира · id 7450

سيرة ابن هشام - ت طه عبد الرؤوف سعد

عبد الملك بن هشام

Полный текст (594 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فَلَمَّا خَلَا بعضُهم بِبَعْضٍ قَالُوا: لَنْ تَجِدُوا مُحَمَّدًا أقربَ مِنْهُ الآنَ، فَمَنْ رَجُلٌ يَظْهَرُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فَيَطْرَحَ عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيُرِيحَنَا مِنْهُ؟ فَقَالَ عَمرو بْنُ جَحَّاشِ بْنِ كَعْبٍ: أَنَا فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْخَبَرُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ، وَفِيمَا أَرَادَ هُوَ وَقَوْمُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . ادِّعاؤهم أَنَّهُمْ أَحِبَّاءُ اللَّهِ: وَأَتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ نعمانُ بْنُ أَضَاءَ، وبَحْري بْنُ عَمرو، وَشَأْسُ بْنُ عَدي، فَكَلَّمُوهُ وَكَلَّمَهُمْ رسولُ اللَّهِ ﷺ وَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ، وحذَّرهم نِقْمته، فَقَالُوا، مَا تُخوفنا يَا مُحَمَّدُ، نَحْنُ وَاَللَّهِ أبناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، كَقَوْلِ النَّصَارَى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ . إنْكَارُهُمْ نُزُولَ كتاب من بعد موسى: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَدَعَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يهودَ إلَى الْإِسْلَامِ وَرَغَّبَهُمْ فِيهِ، وَحَذَّرَهُمْ غيرَ اللَّهِ وَعُقُوبَتَهُ، فأبَوْا عَلَيْهِ، وَكَفَرُوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَسَعْدُ بْنُ عُبادة، وَعُقْبَةُ بْنُ وَهْبٍ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاَللَّهِ إنكم لتعلمون أنه رسول الله، لقد كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهُ لَنَا قبلَ مَبْعَثِهِ وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَتِهِ؟ فَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْملة، وَوَهْبُ بْنُ يَهُوذا: مَا قُلْنَا لَكُمْ هَذَا قَطُّ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ بعدَ مُوسَى وَلَا أَرْسَلَ بَشِيرًا وَلَا نَذِيرًا بعدَه. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . ثُمَّ قَصَّ عَلَيْهِمْ خبرَ مُوسَى وَمَا لَقِيَ مِنْهُمْ، وَانْتِقَاضَهُمْ عَلَيْهِ وَمَا رَدُّوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ حَتَّى تَاهُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً عُقُوبَةً. رُجُوعُهُمْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي حُكْمِ الرَّجْمِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي ابنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنة، مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، يحدِّث سعيدَ بْنَ المسيَّب، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ أَحْبَارَ يَهُودَ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتِ المِدْراس، حَيْنَ قدم رسول الله ﷺ المدينةَ، وَقَدْ زَنَى رجلٌ مِنْهُمْ بَعْدَ إحْصَانِهِ بِامْرَأَةٍ مِنْ يهودَ قَدْ أَحْصَنَتْ، فَقَالُوا: ابْعَثُوا بِهَذَا الرجلِ وَهَذِهِ الْمَرْأَةِ إلَى مُحَمَّدٍ، فَسَلوه كَيْفَ الْحُكْمُ فِيهِمَا، وَوَلُّوهُ الْحُكْمَ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ عَمِلَ فِيهِمَا بِعَمَلِكُمْ مِنْ التَّجْبِيَةِ -وَالتَّجْبِيَةُ: الْجَلْدُ بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ مَطْلى بقارٍ، ثُمَّ تُسَوَّد

стр. 457

وُجُوهُهُمَا ثُمَّ يُحملان عَلَى حِمَاريْن وَتُجْعَلُ وُجُوهُهُمَا مِنْ قِبلِ أَدْبَارِ الْحِمَارَيْنِ- فَاتَّبِعُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ مَلِك، وَصَدِّقُوهُ: وَإِنْ هُوَ حَكَمَ فِيهِمَا بِالرَّجْمِ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى مَا فِي أَيْدِيكُمْ أَنْ يَسْلبَكُموه، فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ هَذَا رَجُلٌ قَدْ زَنَى بَعْدَ إحْصَانِهِ بِامْرَأَةٍ قَدْ أَحْصَنَتْ، فَاحْكُمْ فِيهِمَا، فَقَدْ وَلَّيْنَاكَ الْحُكْمَ فِيهِمَا. فَمَشَى رسولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى أحبارَهم فِي بَيْتِ المدْرَاس فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَخْرِجُوا إليَّ علماءَكم، فَأُخْرِجَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي بعضُ بَنِي قُرَيْظة: أَنَّهُمْ قَدْ أَخَرَجُوا إلَيْهِ يَوْمئِذٍ، مَعَ ابْنِ صُوريا، أَبَا يَاسِرِ بْنِ أخْطَب، وَوَهْبَ بْنَ يَهُوذا، فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ عُلَمَاؤُنَا. فَسَأَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى حَصَّل أمرَهم، إلَى أَنْ قَالُوا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيَّا: هَذَا أَعْلَمُ مَنْ بقيَ بِالتَّوْرَاةِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مِنْ قَوْلِهِ: "وَحَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي قُرَيْظَةَ"، إلَى: "أَعْلَمُ مَنْ بَقِيَ بِالتَّوْرَاةِ" مِنْ قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ، وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ. فَخَلَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ غُلَامًا شَابًّا مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنا، فألَظَّ بِهِ١ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المسألة، يقول له: يابن صُوريا، أنْشُدك اللَّهَ وأذكِّرك بأيامِهِ عِنْدَ بَنِي إسرائيلَ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ حَكَمَ فِيمَنْ زنَى بَعْدَ إحصانهِ بِالرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، أَمَا وَاَللَّهِ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إنَّهُمْ لَيَعْرِفُونَ أَنَّكَ لَنَبِيٌّ مُرْسَل وَلَكِنَّهُمْ يَحْسُدُونَكَ. قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهِمَا فرُجما عِنْدَ بَابِ مَسْجِدِهِ فِي بَنِي غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ: ثُمَّ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ابْنُ صُوريا، وَجَحَدَ نُبُوَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أَيْ: الَّذِينَ بَعَثُوا مِنْهُمْ مَنْ بَعَثُوا وَتَخَلَّفُوا، وَأَمَرُوهُمْ بِهِ مِنْ تَحْرِيفِ الْحُكْمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ ، أي: الرجم، ﴿فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١] إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي محمدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رَكَانة عن إسماعيل عن إبْرَاهِيمَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجْمِهِمَا، فرُجما بِبَابِ مَسْجِدِهِ، فَلَمَّا وجدَ اليهوديُّ مَسَّ الحِجارة قَامَ إلَى صَاحِبَتِهِ فَجَنَأَ عَليْها٢، يَقِيهَا مَسَّ الحجارةِ، حتى قُتلا جميعًا،

стр. 458

قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي تَحْقِيقِ الزِّنَا مِنْهُمَا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسان، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمر عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا حكَّموا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهِمَا، دَعَاهُمْ بِالتَّوْرَاةِ وَجَلَسَ حَبْر مِنْهُمْ يَتْلُوهَا، وَقَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، قَالَ: فَضَرَبَ عبدُ اللَّهِ بْنُ سَلام يَدَ الحَبْر ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ آيَةُ الرَّجْمِ، يَأْبَى أَنْ يتلوَها عَلَيْكَ. فَقَالَ لهم رسول الله ﷺ : "وَيْحَكُمْ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ مَا دَعَاكُمْ إلَى تَرْكِ حُكم اللَّهِ وَهُوَ بِأَيْدِيكُمْ؟ " قَالَ: فَقَالُوا: أَمَا وَاَللَّهِ إنَّهُ قَدْ كَانَ فِينَا يُعمل به، حتى زنا رَجُلٌ مِنَّا بَعْدَ إحْصَانِهِ، مِنْ بُيُوتِ الْمُلُوكِ وَأَهْلِ الشَّرَفِ، فَمَنَعَهُ الْمُلْكُ مِنْ الرَّجْمِ، ثُمَّ زنا رَجُلٌ بَعْدَهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَرْجُمَهُ، فَقَالُوا: لَا وَاَللَّهِ، حَتَّى تَرْجُمَ فُلَانًا، فَلَمَّا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ اجْتَمَعُوا فَأَصْلَحُوا أَمْرَهُمْ عَلَى التَّجْبِيَةِ، وَأَمَاتُوا ذِكْرَ الرَّجْمِ وَالْعَمَلَ بِهِ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أمرَ اللَّهِ وَكِتَابَهُ وَعَمِلَ بِهِ"، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمَا فرُجما عندَ بَابِ مَسْجِدِهِ. وقال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا. ظُلْمُهُمْ فِي الدِّيَةِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي داودُ بن الحُصَيْن عن عكْرمة، عن ابن عَبَّاسٍ: أَنَّ الْآيَاتِ مِنْ الْمَائِدَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] إنما نزلت فِي الدِّيَةِ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَيْنَ بَنِي قُريظة، وَذَلِكَ أَنَّ قَتْلَى بَنِي النَّضِيرِ، وَكَانَ لَهُمْ شَرَفٌ، يُؤَدُّونَ الديةَ كَامِلَةً، وَأَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانُوا يُؤَدُّونَ نصفَ الدِّيَةِ، فَتَحَاكَمُوا فِي ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَحَمَلَهُمْ رسولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الحقِّ فِي ذَلِكَ، فَجَعَلَ الديةَ سَوَاءً. قَالَ ابْنُ إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان. رغبتهم في فتنة الرسول ﷺ : قال ابن إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَابْنُ صَلُوبَا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُوريا، وشَأس بْنُ قَيْسٍ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إلَى مُحَمَّدٍ، لَعَلَّنَا نَفْتِنَهُ عَنْ دِينِهِ، فَإِنَّمَا هُوَ بَشَرٌ، فأتَوْه، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَشْرَافُهُمْ وَسَادَتُهُمْ، وَأَنَّا إنْ اتَّبَعْنَاكَ اتَّبَعَتْكَ يَهُودُ، وَلَمْ يُخَالِفُونَا، وَأَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَعْضِ قَوْمِنَا خُصُومَةٌ، أَفَنُحَاكِمُهُمْ إلَيْكَ فَتَقْضِيَ لَنَا عَلَيْهِمْ، وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنُصَدِّقُكَ، فَأَبَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ .

стр. 459

إنكارهم نبوةَ عِيسَى ﵇: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وأتى رسولَ الله ﷺ نفرٌ مِنْهُمْ: أَبُو يَاسِرِ بْنُ أخْطب، وَنَافِعُ بْنُ أَبِي نَافِعٍ وَعَازِرُ بْنُ أَبِي عَازِرٍ، وَخَالِدٌ، وَزَيْدٌ، وَإِزَارُ بْنُ أَبِي إزَارٍ، وأشْيع. فَسَأَلُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنْ الرُّسُلِ؟ فَقَالَ رسول الله ﷺ : ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . فَلَمَّا ذَكر عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وَقَالُوا: لَا نُؤْمِنُ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَلَا بِمَنْ آمَنَ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩] . ادِّعَاؤُهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ: وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رافعُ بْنُ حَارِثَةَ، وَسَلَامُ بْنُ مِشْكم، وَمَالِكُ بْنُ الصيْف، وَرَافِعُ بْنُ حُرَيملة، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، ألستَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ، وَتُؤْمِنُ بِمَا عِنْدَنَا مِنْ التَّوْرَاةِ، وَتَشْهَدُ أَنَّهَا مِنْ اللَّهِ حَقٌّ؟ قَالَ: بلَى، وَلَكِنَّكُمْ أَحْدَثْتُمْ وَجَحَدْتُمْ مَا فِيهَا مِمَّا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ الْمِيثَاقِ فِيهَا، وكتمتُم مِنْهَا مَا أُمِرْتُمْ أَنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ، فبَرئْتُ مِنْ إحداثِكم قَالُوا: فَإِنَّا نَأْخُذُ بِمَا فِي أَيْدِينَا، فَإِنَّا عَلَى الهدَى وَالْحَقِّ، وَلَا نُؤْمِنُ بِكَ، وَلَا نَتَّبِعُكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ . إِشْرَاكُهُمْ بِاللَّهِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ النَّحَّامُ بْنُ زَيْدٍ، وقَرْدَم بْنُ كَعْبٍ، وبَحْري بْنُ عَمْرو، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، أَمَا تَعْلَمُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا غيرَه؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، بِذَلِكَ بُعثت، وَإِلَى ذَلِكَ أَدْعُو". فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ وَفِي قَوْلِهِمْ: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . نهْيُ الله المؤمنين عَنْ مُوَادَّتِهِمْ: وَكَانَ رفاعةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ، وسُوَيد بْنُ الْحَارِثِ قَدْ أَظْهَرَا الإِسلام ونافقا، فكان رجال من المسلمين يوادونهم. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] . إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ .

стр. 460

سُؤَالُهُمْ عَنْ قِيَامِ السَّاعَةِ: وَقَالَ جَبَل بْنُ أَبِي قُشَيْر، وشَمْوِيل بْنُ زَيْد، لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا محمدُ، أَخْبِرْنَا، مَتَى تقومُ الساعةُ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَمَا تَقُولُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: "أَيَّانَ مُرْسَاها" مَتَى مُرْسَاهَا، قَالَ قَيْسُ بْنُ الحُدَادِيَّةِ الخُزاعي: فجئتُ ومُخْفَى السِّرِّ بَيْنِي وبينَها لِأَسْأَلَهَا أَيَّانَ مَنْ سَارَ راجعُ؟ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، ومُرساها: منهاها، وجمعه: مَرَاسٍ. وقال الكُمَيْت بْنُ زَيْدٍ الْأَسْدِيُّ: وَالْمُصِيبِينَ بابَ مَا أَخْطَأَ النَّا ... سُ ومُرْسَى قَوَاعِدِ الإِسلامِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. ومُرْسَى السَّفِينَةِ حَيْثُ تَنْتَهِي. وحَفِي عَنْهَا -عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ- يَقُولُ: يسألونك عنها كأنك حَفِيّ بهم تخبرهم بِمَا لَا تُخْبِرُ بِهِ غَيْرَهُمْ. والحَفِيُّ: البَرُّ الْمُتَعَهِّدُ. وَفِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] وَجَمْعُهُ: أَحْفِيَاءُ. وَقَالَ أُعْشَى بَنِي قَيْس بْنِ ثَعْلَبَةَ: فَإِنْ تَسْأَلِي عَنِّي فَيَا رُبُّ سائلٍ ... حَفِي عَنْ الأعشَى بِهِ حيثُ أصْعدا١ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْحَفِيُّ أَيْضًا: المُستحفي عَنْ عِلْمِ الشَّيْءِ، الْمُبَالِغِ فِي طَلَبِهِ. ادِّعَاؤُهُمْ أَنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وأتى رسولَ الله ﷺ : سلاَّمُ بنُ مِشْكم، وَنُعْمَانُ بْنُ أَبِي أَوْفَى أَبُو أَنَسٍ، وَمَحْمُودُ ثم ابن دِحْية، وَشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ، وَمَالِكُ بْنُ الصَّيف، فَقَالُوا لَهُ: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وَقَدْ تَرَكْتَ قبلَتنا، وَأَنْتَ لَا تَزْعُمُ أَنَّ عُزيرًا ابْنُ اللَّهِ؟ فأنزل الله في ذلك في قَوْلِهِمْ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] إلى آخر القصة. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُضَاهِئُونَ: أَيْ: يُشاكل قولُهم قولَ الَّذِينَ كَفَرُوا، نَحْوَ أَنْ تحدِّث بِحَدِيثٍ فيحدث آخر بمثله، فهو يضاهيك.

стр. 461

طَلَبُهُمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وأتى رسولَ الله ﷺ محمودُ بْنُ سَيْحان، ونُعمان بْنُ أَضَاءَ، وبَحْري بن عمرو، وعُزَيْز بن أبي عُزَيْز، وسَلاَّم بْنُ مِشْكم، فَقَالُوا: أحقٌّ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ هَذَا الَّذِي جِئْتَ بِهِ لَحَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ فَإِنَّا لَا نَرَاهُ مُتَّسِقًا كَمَا تَتَّسِقُ التَّوْرَاةُ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا وَاَللَّهِ إنَّكُمْ لَتَعْرِفُونَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَوْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ والجنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ مَا جَاءُوا بِهِ"، فَقَالُوا عند ذلك، وهم جميع: فنحاص، وعبدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا، وَابْنُ صَلُوبَا، وَكِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الحُقَيق، وأشيْع، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وشَمْوِيل بْنُ زَيْدٍ، وَجَبَلُ بْنُ سُكَينة: يَا مُحَمَّدُ، أَمَا يعلِّمك هَذَا إنْسٌ وَلَا جِنٌّ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا وَاَللَّهِ إنَّكُمْ لتعلمون أنه من عند اللَّهِ. تَجِدُونَ ذَلِكَ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ؟ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَصْنَعُ لِرَسُولِهِ إذا بعثه ما يشاء ويقدره مِنْهُ عَلَى مَا أَرَادَ، فأنزلْ عَلَيْنَا كِتَابًا مِنْ السَّمَاءِ نَقْرَؤُهُ وَنَعْرِفُهُ، وَإِلَّا جِئْنَاكَ بِمِثْلِ مَا تَأْتِي بِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ وَفِيمَا قَالُوا: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الظَّهِيرُ: العَوْن. وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: تَظَاهَرُوا عَلَيْهِ، أَيْ تَعَاوَنُوا عَلَيْهِ. قَالَ الشَّاعِرُ: يَا سَمِىَّ النبيِّ أصبحتَ لِلدِّينِ قَوَّامًا وللإِمام ظهيرَا ... أَيْ عَوْنا وَجَمْعُهُ ظُهراء. سُؤَالُهُمْ لَهُ ﷺ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حُيي بْنُ أَخْطَبَ، وَكَعْبُ بْنُ أسَد، وَأَبُو رَافِعٍ، وأشْيع، وشَمْويل بْنُ زَيْدٍ، لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَّم حِينَ أَسْلَمَ: مَا تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِي الْعَرَبِ، وَلَكِنَّ -صَاحِبَكَ مَلك، ثُمَّ جَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَصَّ عَلَيْهِمْ مَا جاءَه مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، مِمَّا كَانَ قَصَّ عَلَى قُرَيْشٍ وَهُمْ كَانُوا مِمَّنْ أَمَرَ قُرَيْشًا أَنْ يَسْأَلُوا رسول الله ﷺ عنه، حين بعثوا إليهم النَّضر بْنُ الْحَارِثِ، وعُقبة بْنُ أَبِي مُعَيْط. تهجمهم على ذات الله: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وحُدثت عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبير أَنَّهُ قَالَ: أَتَى رهطٌ مِنْ يَهُودَ إلى رسول الله ﷺ فَقَالُوا: يَا محمدُ، هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الخلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اُنْتُقِعَ لونُهُ، ثُمَّ سَاوَرَهُمْ غَضَبًا لِرَبِّهِ. قَالَ: فَجَاءَهُ جبريلُ ﵇ فسكَّنه، فَقَالَ: خَفِّضْ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَجَاءَهُ مِنْ اللَّهِ بجوابِ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ .

стр. 462

قَالَ: فَلَمَّا تَلَاهَا عَلَيْهِمْ قَالُوا: فَصِفْ لَنَا يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ خَلْقُه كَيْفَ ذِراعه؟ كَيْفَ عَضده. فَغَضِبَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِهِ، الْأَوَّلِ، وَسَاوَرَهُمْ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ لَهُ مثلَ مَا قَالَ لَهُ أولَ مَرَّةٍ، وَجَاءَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بجوابِ مَا سَأَلُوهُ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عُتبة بْنُ مُسلم، مَوْلَى بَنِي تَيْمٍ، عَنْ أَبِي سَلَمة بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يُوشِكُ الناسُ أَنْ يَتَسَاءَلُوا بينَهم حَتَّى يَقُولَ قائلُهم: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقُولُوا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ثُمَّ ليتفُل الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وليستعذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشيطان الرجيم". قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الصَّمَدُ: الَّذِي يُصمَد إلَيْهِ، ويُفْزَع إلَيْهِ. قَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ مَعْبد بْنِ نَضْلة تَبْكِي عَمرو بْنَ مَسْعُودٍ، وَخَالِدَ بْنَ نَضْلة، عَمَّيْهَا الْأَسَدِيَّيْنِ، وَهُمَا اللَّذَانِ قَتَلَ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ اللَّخْمِيُّ، وَبَنَى الغَرِيين١ اللَّذيْن بِالْكُوفَةِ عليها: أَلَا بَكَرَ النَّاعِي بَخَيْرَيْ بَنِي أسدْ ... بِعَمْرِو بن مسعود وبالسيِّد الصَّمَدْ ذكر نصارى نجران وما أنزل الله فيهم: مَعْنَى الْعَاقِبِ وَالسَّيِّدِ وَالْأَسْقَفِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وقَدِم على رسول الله ﷺ وفدُ نصارَى نَجران، سِتُّونَ رَاكِبًا، فِيهِمْ أربعةَ عشرَ رجلًا من أشرافهم، وفي الأربعةَ عشرَ مِنْهُمْ ثلاثةُ نَفَرٍ إلَيْهِمْ يَئُولُ أمرُهم: الْعَاقِبُ، أميرُ الْقَوْمِ وَذُو رَأْيِهِمْ، وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ، وَاَلَّذِي لَا يُصْدرون إلَّا عَنْ رَأْيِهِ، وَاسْمُهُ عبدُ الْمَسِيحِ وَالسَّيِّدُ لَهُمْ، ثِمَالُهُمْ٢ وصاحبُ رَحْلهم ومجتَمعهم، وَاسْمُهُ الأيْهم، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، أَحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، أسْقُفهم وحَبْرهم وإمامهم، وصاحب مِدْرَاسِهم.

стр. 463

وَكَانَ أَبُو حَارِثَةَ قَدْ شَرُف فِيهِمْ، وَدَرَسَ كتبَهم، حَتَّى حَسُن عِلْمُهُ فِي دِينِهِمْ، فَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ شَرَّفُوهُ وَمَوَّلُوهُ وَأَخْدَمُوهُ، وبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ، وَبَسَطُوا عَلَيْهِ الْكَرَامَاتِ، لِمَا يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي دينهم. إسْلَامِ كُوز بْنِ عَلْقَمَةَ: فَلَمَّا رَجَعُوا إلَى رسول الله ﷺ من نَجْرَانَ، جَلَسَ أَبُو حَارِثَةَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ موجِّهًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَى جَنْبِهِ أَخٌ لَهُ، يُقَالُ لَهُ: كُوز بْنُ عَلْقَمَةَ -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: كُرْزٌ- فَعَثَرَتْ بَغْلَةُ أَبِي حَارِثَةَ، فَقَالَ كُوزٌ: تَعِسَ الْأَبْعَدُ: يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : فَقَالَ لَهُ أَبُو حَارِثَةَ: بَلْ وأنت تَعستْ! فَقَالَ: وَلِمَ يَا أَخِي؟ قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ، فَقَالَ لَهُ كوز: ما يمنعك منه وأنت تعلم بذا؟ قَالَ: مَا صَنَعَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ، شَرَّفونا ومَولونا وَأَكْرَمُونَا، وَقَدْ أبوْا إلَّا خِلاَفه، فَلَوْ فعلتُ نَزَعُوا مِنَّا كلَّ مَا تَرَى. فَأَضْمَرَ عَلَيْهَا مِنْهُ أَخُوهُ كُوز بْنُ عَلْقَمَةَ، حَتَّى أسلمَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَهُوَ كَانَ يُحدِّث عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا بَلَغَنِي. رُؤَسَاءُ نَجْرَانَ وَإِسْلَامُ ابن رئيس: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رُؤَسَاءَ نَجْرَانَ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ كُتُبًا عندَهم. فَكُلَّمَا مَاتَ رئيسٌ مِنْهُمْ فأفْضَت الرِّيَاسَةُ إلَى غَيْرِهِ، خَتَمَ عَلَى تِلْكَ الكُتب خَاتَمًا مَعَ الْخَوَاتِمِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ وَلَمْ يكسِرها، فَخَرَجَ الرئيسُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَمْشِي فَعَثَرَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: تَعِسَ الْأَبْعَدُ، يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَاسْمُهُ فِي الْوَضَائِعِ -يَعْنِي: الْكُتُبَ- فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَكُنْ لابنهِ هِمَّة إلَّا أَنْ شَدَّ فَكَسَرَ الْخَوَاتِمَ، فَوَجَدَ فِيهَا ذِكْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْلَمَ فحسُن إسلامُهُ وَحَجَّ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: إليكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضينُها ... مُعْترِضًا فِي بطنِها جَنينُها مُخَالِفًا دينَ النَّصَارَى دينُها قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْوَضِينُ: الْحِزَامُ، حِزَامُ النَّاقَةِ، وقالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: وَزَادَ فِيهِ أهلُ الْعِرَاقُ: مُعترضًا فِي بطنِها جنينُها فَأَمَّا أَبُو عُبَيدة فأنشدناه فيه. صلاتهم إلى جهة الْمَشْرِقِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رسول الله ﷺ المدينة، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ مَسْجِدَهُ حَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ، عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الحِبرات١، جُبَب وَأَرْدِيَةٌ، فِي جَمَالِ رِجَالِ بني الحارث بن كعب. قال: يقول

стр. 464

بعضُ مَنْ رَآهُمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمئِذٍ: مَا رَأَيْنَا وَفْدًا مثلَهم، وَقَدْ حَانَتْ صلاتُهم، فَقَامُوا فِي مسجدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصَلُّونَ: فقال رسول الله ﷺ دَعُوهم فصلَّوْا إلى المشرق. أسماؤهم ومعتقداتهم: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَتْ تَسْمِيَةُ الأربعةَ، عشرَ، الَّذِينَ يَئُولُ إلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ: العاقبُ وَهُوَ عَبْدُ الْمَسِيحِ والسَّيد وَهُوَ الأيْهم، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمة أَخُو بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وأوْس والحارث، وزَيْد، وقيْس، ويزيد، وَنَبِيُّهُ، وخوَيْلد، وَعَمْرو، وَخَالِدٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، ويُحَنَّس، فِي سِتِّينَ رَاكِبًا فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَالْعَاقِبُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالْأَيْهَمُ السَّيِّدُ وَهُمْ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ -عَلَى دِينِ الْمَلِكِ، مَعَ اخْتِلَافِ مَنْ أَمَرَهُمْ، يَقُولُونَ: هُوَ اللَّهُ، وَيَقُولُونَ: هُوَ والد اللَّهِ. وَيَقُولُونَ: هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّصْرَانِيَّةِ فَهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ: "هُوَ اللَّهُ" بِأَنَّهُ كَانَ يُحيي الْمَوْتَى، وَيُبْرِئُ الْأَسْقَامَ، وَيُخْبِرُ بِالْغُيُوبِ، وَيَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، ثُمَّ ينفِخ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا، وَذَلِكَ كلُّه بِأَمْرِ اللَّهِ ﵎: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ . وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّهُ وَلَدُ اللَّهِ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ يُعلم، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ، وَهَذَا لَمْ يَصْنَعْهُ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ قَبْلَهُ. وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ: "إنَّهُ ثالثُ ثَلَاثَةٍ" بِقَوْلِ اللَّهِ: فَعَلْنا، وأمرْنا، وخلقْنا، وقَضَيْنا، فَيَقُولُونَ: لَوْ كَانَ وَاحِدًا مَا قَالَ إلَّا فعلتُ، وقضيتُ، وأمرتُ، وخلقتُ وَلَكِنَّهُ هُوَ وَعِيسَى وَمَرْيَمُ، فَفِي كُلِّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ قَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ.. فَلَمَّا كلَّمه الحَبْران، قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أسْلِما" قَالَا: قَدْ أَسْلَمْنَا، قَالَ: "إنَّكُمَا لَمْ تُسلما فأسْلِما"، قَالَا: بلَى، قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ: قَالَ: "كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُمَا مِنْ الإِسلام دُعَاؤُكُمَا لِلَّهِ وَلَدًا، وَعِبَادَتُكُمَا الصَّلِيبَ، وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِيرَ"، قَالَا: فَمَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمَّدُ؟ فَصَمَتَ عَنْهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُمَا. مَا نزل فيهم من القرآن: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَاخْتِلَافِ أَمْرِهِمْ كُلِّهِ، صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، إلى بضع وثمانين آية منها، قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿الم، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١، ٢] فَافْتَتَحَ السُّورَةَ بِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ عَمَّا قَالُوا، وَتَوْحِيدِهِ إياه بِالْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ، رَدًّا عَلَيْهِمْ مَا ابْتَدَعُوا مِنْ الْكُفْرِ، وَجَعَلُوا مَعَهُ مِنْ الْأَنْدَادِ، وَاحْتِجَاجًا بِقَوْلِهِمْ عَلَيْهِمْ فِي صَاحِبِهِمْ، لِيُعَرِّفَهُمْ بِذَلِكَ ضَلَالَتَهُمْ: فَقَالَ: ﴿الم، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ شَرِيكٌ

стр. 465

في أمره ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١، ٢] الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَقَدْ مَاتَ عِيسَى وصُلب فِي قَوْلِهِمْ. وَالْقَيُّومُ الْقَائِمُ عَلَى مَكَانِهِ مِنْ سُلْطَانِهِ فِي خَلْقِهِ لَا يَزُولُ، وَقَدْ زَالَ عِيسَى فِي قَوْلِهِمْ عَنْ مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ بِهِ، وَذَهَبَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ بِالصَّدْقِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ : التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى، والإِنجيل عَلَى عِيسَى، كَمَا أَنْزَلَ الْكُتُبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُ: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ ، أَيْ: الْفَصْلَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْأَحْزَابُ مِنْ أَمْرِ عِيسَى وَغَيْرِهِ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ ، أَيْ: أَنَّ اللَّهَ مُنْتَقِمٌ مِمَّنْ كَفَرَ بِآيَاتِهِ، بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَا، وَمَعْرِفَتِهِ بِمَا جَاءَ مِنْهُ فِيهَا. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ أَيْ: قَدْ عَلِمَ مَا يُرِيدُونَ، وَمَا يَكِيدُونَ، وَمَا يُضَاهُونَ بِقَوْلِهِمْ فِي عِيسَى، إذْ جَعَلُوهُ إلَهًا وَرَبًّا، وَعِنْدَهُمْ مِنْ، عِلْمِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، غِرَّة بِاَللَّهِ، وكُفرًا بِهِ. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ، أَيْ: قَدْ كَانَ عِيسَى مِمَّنْ صُور فِي الْأَرْحَامِ، لَا يَدْفَعُونَ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُونَهُ كَمَا صُور غَيْرُهُ مِنْ وَلَدِ آدَمَ، فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا وَقَدْ كَانَ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى إنْزَاهًا لِنَفْسِهِ، وَتَوْحِيدًا لَهَا مِمَّا جَعَلُوا مَعَهُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الْعَزِيزُ فِي انْتِصَارِهِ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ إذَا شَاءَ، الْحَكِيمُ فِي حُجَّتِهِ وَعُذْرِهِ إلَى عِبَادِهِ. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ، فهن حُجَّةُ الرَّبِّ، وعِصمة الْعِبَادِ، ودَفْع الْخُصُومِ وَالْبَاطِلِ، لَيْسَ لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وَلَا تَحْرِيفٌ عَمَّا وُضِعْنَ عَلَيْهِ: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وَتَأْوِيلٌ، ابْتَلَى اللَّهُ فيهنَّ الْعِبَادَ، كَمَا ابْتَلَاهُمْ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، أَلَّا يُصْرَفن إلَى الْبَاطِلِ، وَلَا يُحرَّفن عَنْ الْحَقِّ. يَقُولُ : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أَيْ: مَيْلٌ عَنْ الْهُدَى، ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ ، أَيْ: مَا تَصَرَّفَ مِنْهُ، لِيُصَدِّقُوا بِهِ مَا ابْتَدَعُوا وَأَحْدَثُوا، لِتَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ، وَلَهُمْ عَلَى مَا قَالُوا شُبْهَةَ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ ، أَيْ: اللَّبْسِ، ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ذَلِكَ عَلَى مَا رَكِبوا مِنْ الضَّلَالَةِ فِي قَوْلِهِمْ: خَلَقْنا وقَضَيْنا. يَقُولُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ أَيْ: الَّذِي بِهِ أَرَادُوا، مَا أَرَادُوا ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فَكَيْفَ يَخْتَلِفُ وَهُوَ قَوْلٌ وَاحِدٌ، مِنْ رَبٍّ وَاحِدٍ. ثُمَّ رَدُّوا تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ عَلَى مَا عَرَفُوا مِنْ تَأْوِيلِ الْمُحَكِّمَةِ الَّتِي لَا تَأْوِيلَ لِأَحَدٍ فِيهَا إلَّا تَأْوِيلٌ وَاحِدٌ، وَاتَّسَقَ بِقَوْلِهِمْ الْكِتَابُ، وصدَّق بعضُه بَعْضًا، فَنَفَذَتْ بِهِ الحُجة، وَظَهَرَ بِهِ الْعُذْرُ، وَزَاحَ بِهِ الْبَاطِلَ، وَدَمَغَ بِهِ الْكُفْرَ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مِثْلِ هَذَا: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ فِي مِثْلِ هَذَا: ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ . أَيْ: لَا تُمِلْ -قُلُوبَنَا، وَإِنْ مِلْنَا بِأَحْدَاثِنَا. ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ بِخِلَافِ مَا قَالُوا: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ ، أَيْ: بِالْعَدْلِ فِيمَا يُرِيدُ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ ، أَيْ: مَا أَنْتَ عَلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ: التَّوْحِيدُ لِلرَّبِّ، وَالتَّصْدِيقُ

стр. 466

لِلرُّسُلِ. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أَيْ: الَّذِي جاءك، أي في أَنَّ اللَّهَ الْوَاحِدَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ ، أَيْ: بِمَا يَأْتُونَ بِهِ مِنْ الْبَاطِلِ مِنْ قَوْلِهِمْ: خَلَقْنا وفَعلْنا وأمَرْنا، فَإِنَّمَا هِيَ شُبهةُ باطلٍ قَدْ عَرَفُوا مَا فِيهَا مِنْ الْحَقِّ: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ ، أَيْ: وَحْدَهُ ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ ﴿أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠] . ما نزل من القرآن فيما اتبعه الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى: ثُمَّ جَمَعَ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ جَمِيعًا، وَذَكَرَ مَا أَحْدَثُوا وَمَا ابْتَدَعُوا، مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] ، إلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ أَيْ: رَبَّ الْعِبَادِ، وَالْمَلِكُ الَّذِي لَا يَقْضِي فِيهِمْ غَيْرُهُ ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ ، أَيْ: لَا إلَهَ غَيْرُكَ ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، أَيْ: لَا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا غَيْرُكَ بِسُلْطَانِكَ وَقُدْرَتِكَ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٦، ٢٧] لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُكَ، وَلَا يَصْنَعُهُ إلَّا أَنْتَ أَيْ: فَإِنْ كُنْتُ سَلَّطْتُ عِيسَى عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي بِهَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ إلَهٌ، مِنْ إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ وَالْخَلْقِ لِلطَّيْرِ مِنْ الطِّينِ، والإِخبار عَنْ الْغُيُوبِ، لِأَجْعَلَهُ بِهِ آيَةً لِلنَّاسِ، وَتَصْدِيقًا لَهُ فِي نُبُوَّتِهِ الَّتِي بَعَثْتُهُ بِهَا إلَى قَوْمِهِ، فَإِنَّ مِنْ سُلْطَانِي وَقُدْرَتِي مَا لَمْ أُعْطِهِ: تمليكَ الْمُلُوكِ بِأَمْرِ النُّبُوَّةِ، وَوَضْعَهَا حَيْثُ شِئْتَ، وَإِيلَاجَ اللَّيْلِ فِي النَّهَارِ، وَالنَّهَارِ فِي اللَّيْلِ، وَإِخْرَاجَ الْحَيِّ مِنْ الْمَيِّتِ، وَإِخْرَاجَ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ، وَرِزْقَ مَنْ شِئْتَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ بِغَيْرِ حِسَابٍ: فَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ أُسَلِّطْ عِيسَى عَلَيْهِ، وَلَمْ أملِّكه إيَّاهُ، أَفَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ عِبرة وبينة! أن لو كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ إلَيْهِ، وَهُوَ فِي عِلْمِهِمْ يَهْرَبُ مِنْ الْمُلُوكِ، وَيَنْتَقِلُ مِنْهُمْ فِي الْبِلَادِ، مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ. مَا نَزَلَ مِنْ القرآن في وعظ المؤمنين وتحذيرهم: ثُمَّ وَعَظَ الْمُؤْمِنِينَ وحذَّرهم، ثُمَّ قَالَ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ أَيْ: إنْ كَانَ هَذَا مِنْ قَوْلِكُمْ حَقًّا، حُبًّا لِلَّهِ وَتَعْظِيمًا لَهُ، ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أَيْ: مَا مَضَى مِنْ كُفْرِكُمْ، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ فَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ وَتَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ، أَيْ: عَلَى كُفْرِهِمْ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ . مَا نزل في خلق عيسى وخبر مريم وزكريا: ثُمَّ اسْتَقْبَلَ لَهُمْ أمرَ عِيسَى ﵇، وكيف كان في بدء ما أراد الله به، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ

стр. 467

عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ أَمْرَ امْرَأَةِ عِمْرَانَ، وقولها: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ، أَيْ: نَذَرْتُهُ فَجَعَلْتُهُ عَتِيقًا، تعبُّده لِلَّهِ، لَا يَنْتَفِعُ بِهِ لِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ ، أَيْ: لَيْسَ الذكر كالأنثى كما جَعَلْتهَا مُحَرَّرًا لَكَ نَذِيرَةً، ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ، يَقُولُ اللَّهُ ﵎: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ بَعْدَ أَبِيهَا وَأُمِّهَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: كفَّلها: ضمَّها. خبر زكريا ومريم ﵉: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فذكَّرها بِالْيُتْمِ، ثُمَّ قَصَّ خبرَها وخبرَ زَكَرِيَّا وَمَا دَعَا بِهِ، وَمَا أَعْطَاهُ إذْ وَهَبَ لَهُ يَحْيَى. ثُمَّ ذَكَرَ مريمَ، وَقَوْلَ الْمَلَائِكَةِ لَهَا: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ يَقُولُ اللَّهُ : ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ ، أَيْ: مَا كُنْتَ مَعَهُمْ ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَقْلَامَهُمْ: سِهَامَهُمْ، يَعْنِي: قِداحهم الَّتِي اسْتَهَمُوا بِهَا عَلَيْهَا، فَخَرَجَ قِدْح زَكَرِيَّا فَضَمَّهَا، فِيمَا قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ البَصري. كفالة جُرَيج مريم: قال ابن إسحاق: كفلها ههنا جُرَيْج الرَّاهِبُ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ نَجَّارٌ، خَرَجَ السَّهْمُ عَلَيْهِ بِحَمْلِهَا، فَحَمَلَهَا، وَكَانَ زَكَرِيَّا قَدْ كَفَلها قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَصَابَتْ بَنِي إسْرَائِيلَ أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَعَجَزَ زَكَرِيَّا عَنْ حَمْلِهَا، فَاسْتَهَمُوا عَلَيْهَا أَيُّهُمْ يكفُلُها فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلَى جُرَيج الرَّاهِبِ بِكُفُولِهَا فكفَلَها. ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ، أَيْ: مَا كُنْتَ مَعَهُمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ فيها. يخبره بخفيِّ ما كتموا عنه مِنْ الْعِلْمِ عندَهم، لِتَحْقِيقِ نُبُوَّتِهِ وَالْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بما يأتيهم به بما أَخْفَوْا مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ، أَيْ: هَكَذَا كَانَ أَمْرُهُ، لَا كَمَا تَقُولُونَ فِيهِ ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أَيْ عِنْدَ اللَّهِ ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥، ٤٦] يُخْبِرُهُمْ بِحَالَاتِهِ الَّتِي يَتَقَلَّبُ فِيهَا فِي عُمْرِهِ، كَتَقَلُّبِ بَنِي آدَمَ فِي أَعْمَارِهِمْ، صِغَارًا وَكِبَارًا، إلَّا أَنَّ اللَّهَ خَصَّهُ بِالْكَلَامِ فِي مَهْدِهِ آيَةً لِنُبُوَّتِهِ، وَتَعْرِيفًا لِلْعِبَادِ بِمَوَاقِعِ قُدْرَتِهِ. ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ .

стр. 468

أَيْ: يَصْنَعُ مَا أَرَادَ، وَيَخْلُقُ مَا يَشَاءُ مِنْ بَشَرٍ أَوْ غَيْرِ بَشَرٍ: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ مِمَّا يَشَاءُ وكيف شاء، ﴿فَيَكُونُ﴾ كما أراد ثُمَّ أَخْبَرَهَا بِمَا يُرِيدُ بِهِ، فَقَالَ: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ﴾ الَّتِي كَانَتْ فِيهِمْ مِنْ عَهْدِ مُوسَى قَبْلَهُ ﴿وَالْإنْجِيلَ﴾ ، كِتَابًا آخَرَ أَحْدَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إلَّا ذِكْرُهُ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُ، ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أَيْ: يُحَقِّقُ بِهَا نُبُوَّتِي، أَنِّي رَسُولٌ مِنْهُ إلَيْكُمْ ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الَّذِي بَعَثَنِي إلَيْكُمْ، وَهُوَ ربكم ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَكْمَهَ: الَّذِي يُولد أَعْمَى. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجَّاج: هَرَّجْتُ فارتدَّ ارْتِدَادَ الأكْمه وَجَمْعُهُ: كُمْه. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَرَّجت: صحتُ بِالْأَسَدِ، وجلبتُ عَلَيْهِ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾ ، أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ مِنْ اللَّهِ إلَيْكُمْ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أَيْ: لِمَا سَبَقَنِي عَنْهَا، ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ ، أَيْ: أُخْبِرُكُمْ بِهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْكُمْ حَرَامًا فَتَرَكْتُمُوهُ، ثُمَّ أُحِلُّهُ لَكُمْ تَخْفِيفًا عَنْكُمْ فَتُصِيبُونَ يُسره وَتَخْرُجُونَ مِنْ تِباعاتِه١ ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ أي: تبريًا من الذي يَقُولُونَ فِيهِ، وَاحْتِجَاجًا لِرَبِّهِ عَلَيْهِمْ ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ، أَيْ: هَذَا الَّذِي قَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَيْهِ وَجِئْتُكُمْ بِهِ ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ وَالْعُدْوَانَ عَلَيْهِ، ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ هَذَا قَوْلُهُمْ الَّذِي أَصَابُوا بِهِ الْفَضْلَ مِنْ رَبِّهِمْ ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ لَا مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يحاجُّونك فِيهِ ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أَيْ هَكَذَا كَانَ قَوْلُهُمْ وَإِيمَانُهُمْ. رَفْعُ عِيسَى ﵇: ثُمَّ ذَكَرَ رفْعَه عِيسَى إلَيْهِ حَيْنَ اجْتَمَعُوا لِقَتْلِهِ، فَقَالَ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَقَرُّوا لِلْيَهُودِ بصَلْبه، كَيْفَ رَفَعَهُ وَطَهَّرَهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ

стр. 469

وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ، إذْ هَمُّوا مِنْكَ بِمَا هَمُّوا ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ثُمَّ الْقِصَّةُ، حَتَّى انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ الْقَاطِعِ الْفَاصِلِ الْحَقِّ، الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ الْبَاطِلُ، مِنْ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى، وَعَمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ، فَلَا تقبلنَّ خَبَرًا غَيْرَهُ. ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ "فَاسْتَمِعْ" ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ ، أَيْ: مَا جَاءَكَ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أَيْ: قَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تمتريَنَّ فِيهِ، وَإِنْ قَالُوا: خُلق عِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكر فَقَدْ خَلقت آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ مِنْ غَيْرِ أُنْثَى وَلَا ذَكَرٍ، فَكَانَ كَمَا كَانَ عِيسَى لَحْمًا وَدَمًا، وشَعْرًا وبَشرًا، فَلَيْسَ خَلْق عِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكر بِأَعْجَبَ مِنْ هَذَا. ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: من بعدما قَصَصْتُ عَلَيْكَ مِنْ خَبَرِهِ، وَكَيْفَ كَانَ أَمْرُهُ، ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ أَبُو عُبَيْدة: نَبْتَهِلْ: نَدْعُو بِاللَّعْنَةِ، قَالَ أعْشَى بَنِي قَيْس بْنِ ثَعْلَبة: لَا تقْعُدَنَّ وَقَدْ أكَّلْتَها حَطبًا ... نعوذُ مِنْ شرِّها يَوْمًا ونبتهلُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. يَقُولُ: نَدْعُو بِاللَّعْنَةِ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: بَهل اللَّهُ فُلَانًا، أَيْ لَعَنَهُ، وَعَلَيْهِ بَهْلةُ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: بُهْلة اللَّهِ، أَيْ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَنَبْتَهِلْ أَيْضًا: نَجْتَهِدْ، فِي الدُّعَاءِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الَّذِي جِئْتُ بِهِ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ مِنْ أَمْرِهِ ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ فَدَعَاهُمْ إلَى النَّصَف، وَقَطَعَ عَنْهُمْ الْحُجَّةَ. إبَاؤُهُمْ الْمُلَاعَنَةَ: فَلَمَّا أَتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ الخبرُ مِنْ اللَّهِ عَنْهُ، والفَصْلُ مِنْ الْقَضَاءِ بينَه وَبَيْنَهُمْ، وَأَمَرَ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ مُلَاعَنَتِهِمْ إنْ رَدُّوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، دَعَاهُمْ إلَى ذَلِكَ، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، دَعْنَا نَنْظُرْ فِي أَمْرِنَا، ثُمَّ نَأْتِيكَ بِمَا نُرِيدُ أَنْ نَفْعَلَ فِيمَا دَعَوْتنَا إلَيْهِ. فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، ثُمَّ خَلَوْا بِالْعَاقِبِ، وَكَانَ ذَا رَأْيِهِمْ، فَقَالُوا: يَا عبدَ المسيح، ماذا ترى؟ فقال: والله أيا مَعْشَرَ النَّصَارَى لَقَدْ عَرَفتم أَنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ بالفَصْل مِنْ خبرِ صاحبِكم،

стр. 470

وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا لَاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ فبقي كبيرُهم، ولا نبت صغيرهم، وإنه الاستئصال مِنْكُمْ إنْ فَعَلْتُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَبَيْتُمْ إلَّا إلْف دينِكم، والإِقامة عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْقَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ، فَوَادِعُوا الرجلَ، ثُمَّ انصرِفوا إلَى بِلَادِكُمْ. فأتَوْا رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَدْ رَأَيْنَا أَلَّا نُلاعنك، وَأَنْ نتركَك عَلَى دينِك وَنَرْجِعَ عَلَى دِينِنَا، وَلَكِنْ ابعثْ مَعَنَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا، يَحْكُمْ بَيْنَنَا فِي أَشْيَاءَ اخْتَلَفْنَا فِيهَا مِنْ أموالِنا، فإنكم عندنا رِضًا. أبو عبيْدة يتولى أمرهم: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ائْتُونِي العَشِية أَبْعَثْ مَعَكُمْ القوىَّ الْأَمِينَ". قَالَ: فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: مَا أحببتُ الْإِمَارَةَ قَطُّ حبِّي إيَّاهَا يومئذٍ، رَجَاءَ أَنْ أكونَ صاحبَها، فرُحْتُ إلَى الظهرِ مُهَجِّرًا، فَلَمَّا صَلَّى بِنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ الظهرَ سَلَّم، ثُمَّ نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يسارِه، فَجَعَلْتُ أتطاولُ لَهُ لِيَرَانِي، فَلَمْ يزلْ يَلْتَمِسُ بِبَصَرِهِ حَتَّى رَأَى أَبَا عُبيدة بْنَ الْجَرَّاحِ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: "اخرجْ مَعَهُمْ، فاقضِ بينَهم بالحقِّ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ"، قَالَ عُمَرُ: فَذَهَبَ بِهَا أَبُو عُبَيْدة. أخبار عن المنافقين: قال ابن إسحاق: وقدم رسولُ الله ﷺ الْمَدِينَةَ -كَمَا حَدَّثَنِي عاصمُ بْنُ عُمر بْنِ قَتادة- وَسَيِّدُ أَهْلِهَا عَبْدُ الله بن أبي بن سَلُولَ العَوْفي ثُمَّ أَحَدُ بَنِي الحُبْلَى، لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ فِي شَرَفِهِ مِنْ قَوْمِهِ اثْنَانِ، لَمْ تَجْتَمِعْ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ قَبْلَهُ وَلَا بعدَه عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ -حَتَّى جَاءَ الإسلامُ-غيرِه، وَمَعَهُ فِي الأوْس رَجُلٌ هُوَ فِي قَوْمِهِ مِنْ الْأَوْسِ شَرِيفٌ مُطَاعٌ، أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ عَمرو بْنِ صَيْفي بْنِ النُّعْمَانِ، أَحَدُ بَنِي ضُبَيْعة بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ أَبُو حَنْظلة، الْغَسِيلُ يومَ أحُد، وَكَانَ قَدْ تَرَهَّبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَبِسَ المُسوح، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الراهب. فشقيا بشرفهما وضَرَّهما. فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَكَانَ قَوْمُهُ قد نظموا له الخرز يتوجوه ثُمَّ يُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِرَسُولِهِ ﷺ وهُم عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قومُه عَنْهُ إلَى الِإسلام ضَغِنَ، وَرَأَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ اسْتَلَبَهُ مُلْكًا. فَلَمَّا رَأَى قَوْمَهُ قَدْ أبَوْا إلَّا الْإِسْلَامِ دَخَلَ فِيهِ كَارِهًا مُصِرا على نفاق وضَغَن. وأما أبو فَأَبَى إلَّا الكفرَ والفراقَ لقومهِ حِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى الِإسلام، فَخَرَجَ مِنْهُمْ إلَى مَكَّةَ ببضعةَ عشرَ رَجُلًا مُفَارِقًا للإِسلام وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 471

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -كَمَا حَدَّثَنِي محمدُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ بَعْضِ آلِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ-: "لَا تَقُولُوا: الرَّاهِبَ، وَلَكِنْ قولوا الفاسق". قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَكَمِ، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ وسَمِعَ، وَكَانَ رَاوِيَةً: أَنَّ أَبَا عَامِرٍ أَتَى رسول الله ﷺ حين قَدِمَ الْمَدِينَةَ، قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى مَكَّةَ فَقَالَ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي جئتَ بِهِ؟ فَقَالَ: "جِئْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إبْرَاهِيمَ"، قَالَ: فَأَنَا عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّكَ لستَ عَلَيْهَا"، قَالَ، بَلَى، قَالَ: إنَّكَ أَدَخَلْتَ يَا مُحَمَّدُ فِي الْحَنِيفِيَّةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا، قَالَ: "مَا فعلتُ، وَلَكِنِّي جِئْتُ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً"، قَالَ: الْكَاذِبُ أَمَاتَهُ اللَّهُ طَرِيدًا غَرِيبًا وَحِيدًا -يُعَرِّضُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ أَنَّكَ جئتَ بِهَا كَذَلِكَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَجَلْ، فَمَنْ كَذَبَ فَفَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِهِ"، فَكَانَ هُوَ ذَلِكَ عَدُوَّ اللَّهِ، خَرَجَ إلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا افْتَتَحَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مكةَ خَرَجَ إلَى الطَّائِفِ. فَلَمَّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطَّائِفِ لَحِقَ بالشام. فمات بها طريدًا غريبًا وحيدًا. وَكَانَ قَدْ خَرَجَ مَعَهُ عَلْقمة بْنُ عُلاثة بْنِ عَوْفِ بْنِ الأحْوص بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، وَكِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ يالِيلَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمير الثَّقَفِيُّ، فَلَمَّا مَاتَ اخْتَصَمَا فِي مِيرَاثِهِ إلَى قَيْصَرَ، صَاحِبِ الرُّومِ. فَقَالَ قَيْصَرُ: يَرِثُ أهلُ الْمَدَرِ أهلَ الْمَدَرِ١، وَيَرِثُ أهلُ الوَبْرِ أهلَ الْوَبَرِ٢، فَوَرِثَهُ كِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ ياليل بالمدر دون علْقمة، قال كعبُ بنُ مَالِكٍ لِأَبِي عَامِرٍ فِيمَا صَنَعَ: معاذَ اللَّهِ مِنْ عَمل خبيثٍ ... كَسَعْيِكَ فِي العشيرةِ عَبْدَ عَمْرٍو فَإِمَّا قُلتَ لِي شرفٌ ونخلٌ ... فَقِدْمًا بعتَ إيمَانًا بكفرِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: فَإِمَّا قُلْتَ لِي شرفٌ ومالٌ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَأَقَامَ عَلَى شَرَفِهِ فِي قَوْمِهِ مُتَرَدِّدًا حتى غلبه الإسلام، فدخل فيه كارهًا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُروة بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أُسَامَةَ بن زيد

стр. 472

بْنِ حَارِثَةَ حِبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: رَكِبَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبادة يَعُودُهُ مِنْ شَكْو أَصَابَهُ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ إكافٌ١، فَوْقَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِية٢، مُخْتَطمة٣ بِحَبْلِ مِنْ لِيفٍ، وَأَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَهُ: قَالَ: فَمَرَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَي، وَهُوَ فِي ظِلِّ مُزَاحمَ أطُمِه٤. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مُزَاحِمٌ: اسْمُ الْأُطُمِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَوْلَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ. فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَذَمم٥ مِنْ أَنْ يُجَاوِزَهُ حَتَّى يَنْزِلَ، فَنَزَلَ فسلَّم ثُمَّ جَلَسَ قَلِيلًا، فَتَلَا الْقُرْآنَ وَدَعَا إلَى اللَّهِ ، وذكَّر بِاَللَّهِ وحذَّر، وبشَّر وَأَنْذَرَ قَالَ: وَهُوَ زَامُّ لَا يَتَكَلَّمُ، حَتَّى إذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَقَالَتِهِ، قَالَ: يَا هَذَا، إنَّهُ لَا أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِكَ هَذَا إنْ كَانَ حَقا فَاجْلِسْ فِي بَيْتِكَ فَمَنْ جَاءَكَ لَهُ فحدثْه إياه، ومن لم يأتك فلا تَغُتَّه٦ بِهِ، وَلَا تَأْتِهِ فِي مَجْلِسِهِ بِمَا يَكْرَهُ منه. قال: قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي رِجَالٍ كَانُوا عنده من المسلمين: بلى، فاغشَنا به، وائتنا في مجالسنا ودورنا وبيوتنا، فهو والله ما نحبُّ وَمِمَّا أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِهِ وَهَدَانَا لَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ حِينَ رَأَى مِنْ خِلَافِ قَوْمِهِ مَا رَأَى: مَتَى مَا يكنْ مولاكَ خَصْمك لَا تَزَلْ ... تَذِلَّ ويَصْرعْك الَّذِينَ تُصارعُ وَهَلْ يَنْهَضُ الْبَازِي بغيرِ جناحِه ... وَإِنْ جُذَّ يَوْمًا ريشُه فَهُوَ واقعُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْبَيْتُ الثَّانِي عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسحاق. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُروة بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أُسَامَةَ، قَالَ: وَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ ، فدخل على سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَفِي وَجْهِهِ مَا قَالَ عَدُوُّ اللَّهِ ابْنُ أُبَيٍّ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ يَا رسولَ اللَّهِ إنِّي لَأَرَى فِي وجهِك شَيْئًا، لَكَأَنَّكَ سَمِعْتَ شَيْئًا تَكْرَهُهُ، قَالَ:"أَجَلْ"، ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ: فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اُرْفُقْ بِهِ. فَوَاَللَّهِ لَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِكَ، وَإِنَّا لنَنْظِمَ لَهُ الْخَرَزَ لنتوِّجَه. فَوَاَللَّهِ إنَّهُ لَيَرَى أَنْ قَدْ سَلَبْتَهُ مُلكًا.

стр. 473

ذِكْرُ مَنْ اعتلَّ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بعد الهجرة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُروة، وعُمر بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُروة، عَنْ عُروة بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا قدِم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، قَدِمَهَا وَهِيَ أَوْبَأَ أرضِ اللَّهِ مِنْ الْحُمَّى. فَأَصَابَ أصحابَه مِنْهَا بلاءٌ وسَقَمٌ. فَصَرَفَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ قَالَتْ: فَكَانَ أبو بكر، عامر بْنُ فُهَيْرَة، وَبِلَالٍ، مَوْلَيَا أَبِي بَكْرٍ، مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ. فَأَصَابَتْهُمْ الْحُمَّى، فدخلتُ عَلَيْهِمْ أَعُودُهُمْ. وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَب عَلَيْنَا الحجابُ. وَبِهِمْ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ مِنْ شِدَّةِ الوَعْك. فدنوتُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ. فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَجِدُكَ يَا أبتِ؟ فَقَالَ: كلُّ امْرِئٍ مُصَبَّح فِي أهلِهِ ... والموتُ أدْنَى مِنْ شِراكِ نَعْلِهِ قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ مَا يَدْرِي أَبِي مَا يَقُولُ: قَالَتْ: ثُمَّ دنوتُ إلَى عَامِرِ بْنِ فُهَيْرة فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَجِدُكَ يَا عَامِرُ؟ فَقَالَ: لَقَدْ وجدتُ الموتَ قبلَ ذَوْقِه ... إنَّ الجبانَ حَتْفهُ مِنْ فَوْقهِ كلُّ امْرِئٍ مُجَاهَدٌ بطَوْقِهِ ... كالثَّوْرِ يَحْمِي جلدهَ برَوْقهِ١ بِطَوْقِهِ يُرِيدُ: بِطَاقَتِهِ. فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَتْ: فقلتُ: وَاَللَّهِ مَا يَدْرِي عَامِرٌ مَا يَقُولُ! قَالَتْ: وَكَانَ بِلَالٌ إذَا تَرَكَتْهُ الْحُمَّى اضْطَجع بِفِنَاءِ الْبَيْتِ ثُمَّ رَفَعَ عقيرتَه فَقَالَ: أَلَا ليتَ شِعْري هَلْ أبيتنَّ لَيْلَةً ... بفَخ وَحَوْلِي إِذْخر وجليلُ٢ وَهَلْ أرِدَنْ يَوْمًا مياهَ مجنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وطُفيل٣ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: شَامَةٌ وَطُفَيْلٌ: جَبَلَانِ بِمَكَّةَ. دُعَاءُ الرَّسُولِ ﷺ بِنَقْلِ وَبَاءِ الْمَدِينَةِ إلَى مَهْيَعَةَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فذكرتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا سَمِعْتُ مِنْهُمْ. فَقُلْتُ: إنَّهُمْ ليهْذُون وَمَا يَعْقِلون مِنْ شِدَّةِ الْحُمَّى. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا المدينةَ كَمَا حَبَّبت

стр. 474

إلَيْنَا مَكَّةَ، أَوْ أَشَدَّ. وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا وَانْقُلْ وَبَاءَهَا إلَى مَهْيَعَة"، ومَهْيَعة: الجُحْفَة. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَكَرَ ابنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمرو بْنِ الْعَاصِ: أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة هو وأصحابُه ثم أَصَابَتْهُمْ حُمَّى الْمَدِينَةِ. حَتَّى جَهدوا مَرَضًا. وَصَرَفَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ ، حَتَّى كَانُوا مَا يُصَلُّونَ إلَّا وَهُمْ قُعُودٌ. قَالَ: فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ يُصلون كَذَلِكَ. فَقَالَ لَهُمْ: "اعْلَمُوا أَنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ". قَالَ: فتجشَّم الْمُسْلِمُونَ الْقِيَامَ عَلَى مَا بِهِمْ مِنْ الضَّعْفِ والسُّقْم التماسَ الْفَضْلِ. بَدْءُ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَهَيَّأَ لِحَرْبِهِ. قَامَ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ جِهَادِ عَدوِّه. وقِتال مَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِمَّنْ يَلِيهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. تَارِيخُ الْهِجْرَةِ: بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هِشَامٍ. قَالَ: حدثنا زياد بن عبد الله البَكَّائي. عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ المَطلِبى. قَالَ: قَدِم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ يومَ الاثنين حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل. لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَهُوَ التَّارِيخُ. فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَرَسُولُ. اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ ابنُ ثلاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ بِثَلَاثَ عشْرة سَنَةً. فَأَقَامَ بِهَا بقيةَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَشَهْرَ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وجُمادَيَيْن، وَرَجَبًا، وشعبان، وشهر رمضان، وشوال، وذا القعدة، وذا الحجة -وولي تلك الحَجّة الْمُشْرِكُونَ- وَالْمُحَرَّمَ، ثُمَّ خَرَجَ غَازِيًا فِي صَفَرَ عَلَى رَأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِهِ المدينة. غَزْوَةُ وَدَّان: وَهِيَ أَوَّلُ غَزَوَاتِهِ ﵊ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سَعْدَ بن عبادة. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتَّى بَلَغَ وَدَّان، وَهِيَ غَزْوَةُ الأبْواء، يُرِيدُ قُرَيْشًا وَبَنِيَّ ضمْرة بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مُناة بْنِ كِنَانَةَ، فَوَادَعَتْهُ فِيهَا بَنُو ضَمْرة، وَكَانَ الَّذِي وَادَعَهُ مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ مَخْشِي بْنُ عَمْرٍو الضَّمْريُّ،

стр. 475

وَكَانَ سيِّدَهم فِي زَمَانِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ رسول الله ﷺ إلى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يلقَ كَيْدًا فَأَقَامَ بِهَا بقيةَ صَفَرٍ، وَصَدْرًا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهِيَ أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا. سَرِيَّةُ عُبَيْدة بْنِ الْحَارِثِ: وَهِيَ أَوَّلُ رَايَةٍ عَقَدَهَا ﵊ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَعَثَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، في مقامِه ذاك بِالْمَدِينَةِ عُبَيْدةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصي، فِي سِتِّينَ أَوْ ثَمَانِينَ رَاكِبًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، لَيْسَ فِيهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ أَحَدٌ، فَسَارَ حَتَّى بَلَغَ مَاءً بِالْحِجَازِ، بِأَسْفَلَ ثنيَّة المُرَّة، فَلَقِيَ بِهَا جَمْعًا عَظِيمًا مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، إلَّا أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَدْ رمَى يَوْمَئِذٍ بِسَهْمٍ، فَكَانَ أَوَّلَ سَهْمٍ رُمي بِهِ في الِإسلام. ثُمَّ انْصَرَفَ القومُ عَنْ الْقَوْمِ، وَلِلْمُسْلِمِينَ حَامِيَةٌ. وَفَرَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَى الْمُسْلِمِينَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرِو الْبَهْرَانِيُّ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرٍ الْمَازِنِيُّ، حَلِيفُ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَلَكِنَّهُمَا خَرَجَا لِيَتَوَصَّلَا بِالْكُفَّارِ. وَكَانَ عَلَى الْقَوْمِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَمرو بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْمَدَنِيِّ: أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِمْ مِكْرَز بْنُ حَفْصِ بن الأخْيَف، أحد بني مَعيص بن عامر بْنِ لُؤَي بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، فِي غَزْوَةِ عُبَيْدة بْنِ الْحَارِثِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ لِأَبِي بَكْرٍ١ ﵁: أمِنْ طَيْفِ سَلْمى بالبطاحِ الدَّمائِثِ ... أرِقْتَ وَأَمْرٍ فِي العشيرةِ حادثِ٢ تَرَى مِنْ لُؤي فِرقةً لَا يصدُّها ... عَنْ الكفرِ تذكيرٌ وَلَا بَعْث باعثِ

стр. 476

رَسُولٌ أَتَاهُمْ صادقٌ فتكَذَّبوا ... عَلَيْهِ وَقَالُوا: لَسْتَ فِينَا بماكِثِ إذَا مَا دَعَوْناهم إلَى الحقِّ أَدْبَرُوا ... وهَرُّوا هَرِيرَ المجْحِراتِ اللواهثِ١ فَكَمْ قَدْ مَتَتْنا فيهمُ بقرابةٍ ... وتَرْكِ التُّقى شَيْءٌ لَهُمْ غيرُ كارثِ٢ فَإِنْ يَرْجِعُوا عَنْ كفرِهم ... وعقوقِهم فَمَا طَيباتُ الحِل مثلُ الخبائثِ وَإِنْ يَرْكَبُوا طغيانَهم وضلالَهم ... فَلَيْسَ عَذَابُ اللَّهِ عَنْهُمْ بلابثِ وَنَحْنُ أَنَاسٌ مِنْ ذؤابةِ غَالِبٌ ... لَنَا العزُّ مِنْهَا فِي الفروعِ الأثائثِ٣ فأولِي بربِّ الراقِصات عشيَّةً ... حَراجيجُ تُحْدَى فِي السَّريحِ الرثائثِ٤ كأدْم ظباءٍ حولَ مَكَّةَ عكَّفٍ ... يَرِدْنَ حِياضَ البئْرِ ذَاتِ النبائثِ٥ لَئِنْ لَم يُفيقوا عَاجِلًا مِنْ ضلالِهم ... ولستُ إذَا آليْتُ قَوْلًا بحانثِ لتَبْتَدِرَنَّهم غَارَةٌ ذاتُ مَصْدَقٍ ... تُحرِّمُ أطهارَ النساءِ الطوامثِ تغادرُ قَتْلَى تَعْصِبُ الطيرُ حولَهم ... ولاترأفُ الكفارَ رأفَ ابنِ حارثِ٦ فأبلغْ بَنِي سَهمٍ لديْك رِسَالَةً ... وَكُلَّ كفورٍ يَبْتَغِي الشَّرَّ بَاحِثِ فإن تَشْعَثوا عِرض عَلَى سوءِ رأيِكم ... فإنِّي مِنْ أعراضِكم غيرُ شاعثِ٧ فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى السَّهْمي، فَقَالَ: أمِنْ رسمِ دارٍ أَقْفَرَتْ بالعَثاعِثِ ... بكيتَ بعينٍ دمعُها غيرُ لابثِ٨

стр. 477

وَمِنْ عَجَبِ الأيامِ والدهرُ كُلُّهُ ... لَهُ عَجَبٌ مِنْ سابقاتٍ وحادثِ لجيشٍ أَتَانَا ذِي عُرامٍ يَقُودُهُ ... عُبَيدةُ يُدْعَى فِي الهياجِ ابنَ حارثِ١ لنتركَ أَصْنَامًا بمكةَ عُكَّفًا ... مواريثَ موروثٍ كريمٍ لوارثِ فَلَمَّا لَقِينَاهُمْ بسُمْرِ رُدَيْنَةٍ وجُرْدٍ ... عِتاقٍ فِي العَجاجِ لَوَاهِثِ٢ وبيضٍ كَأَنَّ المِلحَ فوقَ متونِها ... بأيدِي كمُاةٍ كالليوثِ العوائثِ٣ نقيمُ بِهَا إصْعارَ مَنْ كَانَ مَائِلًا ... وَنَشْفِي الذُّحولَ عَاجِلًا غيرَ لابثِ٤ فكَفُّوا عَلَى خوفٍ شديدٍ وهيْبةٍ ... وَأَعْجَبَهُمْ أَمْرٌ لهمِ أمرُ رائثِ٥ وَلَوْ أَنَّهُمْ لم يفعلوا ناحَ نِسوة ... أيامَى لهم، ن بينِ نسْءٍ وطامثِ٦ وَقَدْ غُودرتْ قتلَى يخبرُ عنهمُ ... حَفِي بِهِمْ أَوْ غافلٌ غيرُ باحثِ٧ فأبلغْ أَبَا بَكْرٍ لَدَيْكَ رِسَالَةً ... فَمَا أَنْتَ عَنْ أعراضِ فِهْر بماكثِ وَلَمَّا تَجِبْ مِنِّي يمينٌ غليظةٌ ... تُجدد حربًا حَلْفةً غيرَحانث قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا بَيْتًا وَاحِدًا، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ لابن الزبعرى. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي رَمْيَتِهِ تِلْكَ فِيمَا يَذْكُرُونَ: أَلَا هَلْ أَتَى رسولَ اللَّهِ أَنِّي ... حَميْتُ صَحَابَتِي بصدورِ نَبْلي أذودُ بِهَا أوائلَهم ذِيَادًا ... بكلِّ حُزُونة وبكلِّ سَهْلِ٨

стр. 478

فَمَا يَعْتَدُّ رَامٍ فِي عَدُوّ ... بسهمٍ يَا رسولَ اللَّهِ قَبْلِي وَذَلِكَ أَنَّ دينَكَ دينُ صِدْقٍ ... وَذُو حَقٍّ أتيتَ بِهِ وعَدْل يُنَجَّى المؤمنوِن بِهِ ويُجزِي ... بهِ الكفارَ عندَ مَقَامِ مَهْلِ١ فَمَهْلًا قَدْ غوِيتَ فَلَا تَعِبْنِي ... غَويَّ الحيِّ وَيْحَك يابنَ جَهْلِ٢ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بالشعر ينكرها لسعد. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَتْ رايةُ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ -فِيمَا بَلَغَنِي- أولَ رَايَةٍ عَقَدَهَا رسولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْإِسْلَامِ، لِأَحَدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَزْعُمُ أَنَّ رسول الله ﷺ بعثه حِينَ أَقْبَلَ مِنْ غَزْوَةِ الْأَبْوَاءِ، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْمَدِينَةِ. سَرِيَّةُ حَمْزَةَ إلَى سَيْفِ البحر: وَبَعَثَ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ حمزةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ إلَى سَيْفِ الْبَحْرِ، مِنْ ناحية الحِيص في ثلاثين راكبًا من المهاجرين، وليس فِيهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ أَحَدٌ، فَلَقِيَ أَبَا جَهْلِ بن هشام بذلك الساحل في ثلاثمائة رَاكِبٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَحَجَزَ بَيْنَهُمْ مَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِيُّ. وَكَانَ مُوَادِعًا لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، فَانْصَرَفَ بعضُ الْقَوْمِ عَنْ بَعْضٍ، وَلَمْ يَكُنْ بينهم قتال. وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: كَانَتْ رَايَةُ حَمْزَةَ أَوَّلَ رَايَةٍ عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَحَدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ أنَّ بَعْثَهُ، وَبَعْثَ عُبَيْدة كَانَا مَعًا، فشُبِّه ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ. وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ حَمْزَةَ قَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا يَذْكُرُ فِيهِ أَنَّ رَايَتَهُ أَوَّلُ رَايَةٍ عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ كَانَ حَمْزَةُ قَدْ قَالَ ذَلِكَ، فَقَدْ صَدَقَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَكُنْ يَقُولُ إلَّا حَقًّا، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ، فَأَمَّا مَا سَمِعْنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَنَا، فعُبَيْدة بْنُ الْحَارِثِ أَوَّلُ مَنْ عُقد لَهُ. فَقَالَ حَمْزَةُ فِي ذَلِكَ، فِيمَا يَزْعُمُونَ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُ هَذَا الشِّعْرَ لِحَمْزَةِ ﵁: أَلَا يَا لَقَوْمي للتحلًّمِ والجهْل ... وللنقْصِ مِنْ رأي الرجالِ وللعَقْلِ

стр. 479

وللراكِبينا بالمظالمِ لَمْ نَطَأ لَهُمْ ... حُرماتٍ مِنْ سَوَامٍ وَلَا أهْلِ١ كَأَنَّا تَبَلْناهم وَلَا تَبْلَ عندَنا لَهُمْ ... غيرُ أَمْرٍ بالعفافِ وبالعدلِ٢ وَأَمْرٍ بإسلامٍ فَلَا يَقْبَلُونَهُ ... وينزِلُ مِنْهُمْ مثلَ منزلةِ الهَزْلِ فَمَا بَرِحوا حَتَّى انتدبْتُ لغارةٍ ... لَهُمْ حَيْثُ حَلُّوا أبْتَغي راحةَ الفَضْلِ بأمرِ رسولِ اللَّهِ أَوَّلُ خافقٍ ... عَلَيْهِ لِوَاءٌ لَمْ يَكُنْ لاحَ مِنْ قَبْلِي لِوَاءٌ لَدَيْهِ النصرُ مِنْ ذِي ... كرامةٍ إلهٍ عَزِيزٍ فعلُهُ أفضلُ الفعلِ عَشِيةَ سَارُوا حَاشِدِينَ وكلُّنا ... مَرَاجِلُهُ مِنْ غيظِ أصحابهِ تَغْلي٣ فلما تراديْنا أَنَاخُوا فعقَّلوا ... مَطَايَا وعَقَّلنا مدَى غَرَضِ النَّبْلِ٤ فَقُلْنَا لَهُمْ: حبلُ الإلهِ نصيرُنا ... وَمَا لَكُمْ إلَّا الضلالةُ مِنْ حَبْلِ فَثَارَ أَبُو جهلٍ هُنَالِكَ بَاغِيًا ... فخابَ وردَّ اللَّهُ كيدَ أَبِي جهلِ وَمَا نحنُ إلَّا فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا ... وَهُمْ مِائَتَانِ بعدَ واحدةٍ فَضل فَيَا لَلُؤَيّ لَا تُطيعوا غَوَاتَكم ... وَفِيئُوا إلَى الِإسلامِ والمنهجِ السهْلِ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُصَبَّ عليكُمُ ... عذابٌ فتَدعوا بالندامةِ والثُّكْلِ فَأَجَابَهُ أَبُو جهَل بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ: عجِبتُ لأسبابِ الحفيظةِ والجهلِ ... وَلِلشَّاغِبِينَ بالخلافِ وبالبُطْلِ وَلِلتَّارِكِينَ مَا وَجَدْنَا جدودَنا ... عَلَيْهِ ذَوِي الأحسابِ والسُّؤْدَد الجزْلِ أَتَوْنَا بإفكٍ كَيْ يُضلِّوا عقولَنا ... وَلَيْسَ مُضلًا إفكَهُم عقلَ ذِي عقلِ فَقُلْنَا لَهُمْ: يَا قومَنا لَا تُخالفوا ... عَلَى قومِكم إنَّ الخلافَ مَدَى الْجَهْلِ فَإِنَّكُمْ إنْ تَفْعَلُوا تَدْعُ نِسوةٌ ... لهنَّ بواكٍ بالرزيةِ والثُّكلِ

стр. 480

وَإِنْ تَرجِعوا عَمَّا فَعَلْتُمْ فَإِنَّنَا ... بَنُو عمِّكمْ أهلُ الحفائظِ والفَضْلِ فَقَالُوا لَنَا: إنَّا وَجَدْنَا مُحَمَّدًا ... رِضًا لِذَوِي الأحلامِ مِنَّا وَذِي العقلِ فلما أبوْا إلا الخلافَ وزيَّنوا ... جِماعَ الأمورِبالقبيحِ مِنْ الفعلِ تيمَّمتُهم بالساحلَيْنِ بِغَارَةٍ لِأَتْرُكَهُمْ ... كالعَصْفِ ليس بذي أصلِ١ فورَّعني مَجْدِيُّ عَنْهُمْ وصُحْبتي ... وَقَدْ وَازَروني بالسيوفِ وبالنبلِ٢ لِإِلٍّ عَلَيْنَا وَاجِبٍ لَا نُضيعُهُ ... أَمِينٌ قَوَاهُ غَيْرُ مُنْتَكثِ الحبلِ فَلَوْلَا ابنُ عَمْرٍو كنتُ غادرتُ مِنْهُمْ ... ملاحمَ لِلطَّيْرِ العُكوفِ بِلَا تَبْل وَلَكِنَّهُ آلَى بِإِلٍّ فقَلَّصتْ ... بأيمانِنَا حَدُّ السيوفِ عَنْ القتلِ فَإِنْ تُبقني الأيامُ أرجعْ عليهمُ ... ببيضٍ رِقاقِ الْحَدِّ مُحْدَثةِ الصقلِ بِأَيْدِي حُماةٍ مِنْ لُؤَيِّ بنِ غالبٍ ... كرامِ الْمَسَاعِي فِي الجُدوبة والمَحْلِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُ هَذَا الشِّعْرَ لِأَبِي جَهْلٍ. غزوة بواط: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأول يريد قريشًا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ السَّائِبَ بن عثمان بن مظعون. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتَّى بَلَغَ بُواط٤، مِنْ نَاحِيَةِ رَضْوَى ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، فَلَبِثَ بِهَا بقيةَ شَهْرِ رَبِيعٍ الآخر وبعض جُمادى الأولى. غزوة العشيرة٥: ثُمَّ غَزَا قُرَيْشًا فَاسْتَعْمَلَ، عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا سَلمة بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ فِيمَا قَالَ ابْنُ هشام.

стр. 481

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَسَلَكَ عَلَى نَقْب بَنِي دِينَارٍ، ثُمَّ عَلَى فَيْفاء الخبَار فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ بِبَطْحَاءِ ابْنِ أَزْهَرَ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ السَّاقِ، فَصَلَّى عِنْدَهَا. فثَمَّ مَسْجِدُهُ ﷺ ، وصُنع لَهُ عِنْدَهَا طَعَامٌ، فَأَكَلَ مِنْهُ، وَأَكَلَ الناسُ مَعَهُ، فَمَوْضِعُ أثافِيِّ البُرْمة مَعْلُومٌ هُنَالِكَ، واستُقِي لَهُ مِنْ مَاءٍ بِهِ يُقَالُ لَهُ: المُشْتَرَب، ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَرَكَ الخلائقَ بِيَسَارِ وَسَلَكَ شُعبةً يُقَالُ لَهَا: شُعبة عَبْدِ اللَّهِ، وَذَلِكَ اسْمُهَا الْيَوْمُ، ثُمَّ صَبَّ لِلْيَسَارِ حَتَّى هَبَطَ يَلْيَل، فَنَزَلَ بِمُجْتَمَعِهِ وَمُجْتَمَعِ الضَّبُوعة، وَاسْتَقَى مِنْ بِئْرٍ بالضَّبوعة، ثُمَّ سَلَكَ الفَرْش: فَرْشَ مَلَل، حَتَّى لَقي الطريقَ بصُحَيْرات الْيَمَامِ، ثُمَّ اعْتَدَلَ بِهِ الطَّرِيقُ، حَتَّى نَزَلَ العُشَيْرةَ مِنْ بَطْنِ يَنْبُع. فَأَقَامَ بِهَا جمادَى الْأُولَى وَلَيَالِيَ من جمادَى الآخرة، وادعَ فِيهَا بَنِي مُدلِج وحلفاءَهم مِنْ بَنِي ضَمْرة، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يلقَ كَيْدًا. وَفِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ قَالَ لِعَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ مَا قَالَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَيْثَم الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْب القُرَظي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَيْثم أَبِي يَزِيدَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَفِيقَيْنِ. فِي غَزْوَةِ الْعُشَيْرَةِ، فَلَمَّا نَزَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَقَامَ بِهَا رَأَيْنَا أُنَاسًا مِنْ بَنِي مُدْلج يَعْمَلُونَ فِي عَيْنٍ لَهُمْ وَفِي نَخْلٍ فَقَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ، هَلْ لَكَ فِي أَنْ تَأْتِيَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، فَنَنْظُرُ كَيْفَ يَعْمَلُونَ قَالَ: قُلْتُ: إنْ شئتَ قَالَ: فَجِئْنَاهُمْ، فَنَظَرْنَا إلَى عَمَلِهِمْ سَاعَةً، ثُمَّ غَشِيَنَا النَّوْمُ. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَعَلِيٌّ حَتَّى اضْطَجَعْنَا فِي صُور مِنْ النَّخْلِ١، وَفِي دَقْعاء٢ مِنْ التُّرَابِ فَنِمْنَا، فَوَاَللَّهِ مَا أهَبَّنا٣ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُنَا بِرِجْلِهِ. وَقَدْ تَتَرَّبْنَا مِنْ تِلْكَ الدَّقْعاء الَّتِي نِمْنَا فِيهَا، فَيَوْمَئِذٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: "مالك يَا أَبَا تُرَابٍ"، لِمَا يَرَى عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ. ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أُحَدِّثُكُمَا بِأَشْقَى النَّاسِ رَجُلين؟ " قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أُحَيْمِرُ ثَمُودٍ٤ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَاَلَّذِي يَضْرِبُكَ يا عليُّ على هذه -وضع يَدَهُ عَلَى قَرْنه- حَتَّى يَبُلَّ مِنْهَا هَذِهِ -وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ-". قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنما سمي

стр. 482

عَلِيًّا أَبَا تُرَابٍ: أَنَّهُ كَانَ إذَا عَتَب على فاطمة في شيءٍ لم يكلمْها، لم يقل لها شيئًا تكرهه، لا أَنَّهُ يَأْخُذُ تُرَابًا فَيَضَعُهُ عَلَى رَأْسِهِ قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا رَأَى عَلَيْهِ الترابَ عَرَفَ أَنَّهُ عَاتِبٌ على فاطمة، فيقول: "مالك يَا أَبَا تُرَابٍ؟ " فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كان. سرية سعد بن أبي وقاص: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ بَعْث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ غَزْوَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فِي ثَمَانِيَةِ رهْط مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، فَخَرَجَ حَتَّى بَلَغَ الْخَرَّارَ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يلقَ كَيْدًا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ذَكَرَ بعضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ بَعْثَ سَعْدٍ هَذَا كان بعد حمزة. غزوه سفوان: وهي غزوة بدر الأولى: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمْ يُقِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ حِينَ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةِ الْعُشَيْرَةِ إلَّا لَيَالِيَ قَلَائِلَ لَا تبلغ العشرحتى أَغَارَ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ عَلَى سَرْح الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طلَبه، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْد بن حارثة، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتَّى بَلَغَ وَادِيًا، يُقَالُ لَهُ: سَفْوان، مِنْ نَاحِيَةِ بَدْرٍ، وَفَاتَهُ كُرْزُ بنُ جَابِرٍ، فَلَمْ يدركْه، وَهِيَ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْأُولَى، ثُمَّ رَجَعَ رسول الله ﷺ إلى الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ بِهَا بقيةَ جُمَادى الْآخِرَةِ وَرَجَبًا وَشَعْبَانَ. سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: وَنُزُولُ: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الكتاب الذي حمله من الرسول: وبعث رسول الله ﷺ عبدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشِ بْنِ رِئاب الْأَسَدِيَّ فِي رَجَبٍ، مَقْفَلَهُ مِنْ بَدْرٍ الْأُولَى، وَبَعَثَ مَعَهُ ثَمَانِيَةَ رَهْطٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، لَيْسَ فِيهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ أَحَدٌ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَنْظُرَ فِيهِ حَتَّى يَسِيرَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ يَنْظُرَ فِيهِ، فَيَمْضِيَ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ، ولا يستكره من أصحابه أحدًا.

стр. 483

وكان أصحاب ابن جحش في هذه السرية: وَكَانَ أصحابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ. ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: أَبُو حُذَيفة بْنُ عُتْبة بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ وَمِنْ حَلْفَائِهِمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، وَهُوَ أَمِيرُ الْقَوْمِ، وعُكَّاشة بْنُ مِحْصن بْنِ حُرْثان، أَحَدُ بَنِي أَسَدِ بْنِ خزَيمة، حَلِيفٌ لَهُمْ. وَمِنْ بَنِي نَوْفَل بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُتبة بْنُ غَزْوان بْنِ جَابِرٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ. وَمِنْ بَنِي زُهْرة بْنِ كِلَابٍ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. وَمِنْ بَنِي عدي بن كعب: عامر بن ربيعة، حليف لَهُمْ مِنْ عَنْز بْنِ وَائِلٍ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَرِين بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبوع، أَحَدُ بَنِي تَمِيمٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَخَالِدُ بْنُ البُكَير، أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْث، حَلِيفٌ لَهُمْ. وَمِنْ بَنِي الحارث بن فهر: سُهَيْل بن بيضاء. ابن جحش يفتح الكتاب: فَلَمَّا سَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ يَوْمَيْنِ فَتَحَ الْكِتَابَ، فَنَظَرَ فِيهِ فَإِذَا فِيهِ: "إذَا نَظَرْتَ فِي كِتَابِي هَذَا فَامْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلة، بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، فترصَّدْ بِهَا قُرَيْشًا وتَعلَم لَنَا مِنْ أخبارِهم". فَلَمَّا نَظَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ فِي الْكِتَابِ، قَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: قَدْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَمْضِيَ إلَى نَخْلة، أرْصُد بِهَا قُرَيْشًا، حَتَّى آتِيَهُ مِنْهُمْ بِخَبَرِ، وَقَدْ نَهَانِي أَنْ أَسْتَكْرِهَ أَحَدًا مِنْكُمْ. فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ الشَّهَادَةَ وَيَرْغَبُ فِيهَا فَلْيَنْطَلِقْ، وَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ؟ فَأَمَّا أَنَا فماضٍ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَضَى وَمَضَى مَعَهُ أصحابهُ، لَمْ يتخلفْ عنه منهم أحد. وَسَلَكَ عَلَى الْحِجَازِ، حَتَّى إذَا كَانَ بمعْدن، فَوْقَ الفُرُع، يُقَالُ لَهُ: بَحْرَانُ، أَضَلَّ سعدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وعتبةُ بْنُ غَزْوَانَ بَعِيرًا لَهُمَا، كَانَا يَعْتَقِبَانِهِ. فَتَخَلَّفَا عَلَيْهِ فِي طَلَبِهِ، وَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وبقيةُ أَصْحَابِهِ حَتَّى نَزَلَ بنَخْلة. فَمَرَّتْ بِهِ عِير لِقُرَيْشِ تَحْمِلُ زَبِيبًا وأدَمًا، وَتِجَارَةً مِنْ تِجَارَةِ قُرَيْشٍ، فيهما عمرو بن الحَضْرَمي. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ الْحَضْرَمِيِّ: عبدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاد، وَيُقَالُ: مَالِكُ بْنُ عَبَّاد، أَحَدُ الصَّدِف، وَاسْمُ الصِّدِف: عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ، أَحَدُ السَّكون بْنِ أَشْرَسَ بْنِ كِنْدة، وَيُقَالُ: كِنْدى. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَخُوهُ نَوْفل بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيَّانِ، وَالْحَكَمُ بْنُ كَيْسان، مَوْلَى هِشَامِ بن المغيرة. فَلَمَّا رَآهُمْ الْقَوْمُ هَابُوهُمْ وَقَدْ نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَأَشْرَفَ لَهُمْ عُكَّاشَة بْنُ مُحْصَنٍ، وَكَانَ قَدْ حَلَقَ رأسَه، فَلَمَّا رَأَوْهُ أَمِنُوا، وَقَالُوا عُمَّارٌ، لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ.. وَتَشَاوَرَ الْقَوْمُ فِيهِمْ وَذَلِكَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، فَقَالَ الْقَوْمُ: وَاَللَّهِ لَئِنْ تَرَكْتُمْ الْقَوْمَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيَدْخُلُنَّ الْحَرَمَ، فَلَيَمْتَنِعُنَّ مِنْكُمْ بِهِ، وَلَئِنْ قتلتوهم لَتَقْتُلُنَّهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَتَرَدَّدَ الْقَوْمُ وَهَابُوا الِإقدام عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شَجَّعُوا أنفسَهم عَلَيْهِمْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَأَخْذِ مَا مَعَهُمْ. فَرَمَى واقدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ

стр. 484

التَّمِيمِيُّ عَمرو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ بِسَهْمِ فَقَتَلَهُ، وَاسْتَأْسَرَ عثمانَ بنَ عبد الله، والحكمَ بن كَيْسان وَأَفْلَتَ القومَ نوفلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَعْجَزَهُمْ. وَأَقْبَلَ عبدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَأَصْحَابُهُ بِالْعِيرِ وَبِالْأَسِيرَيْنِ، حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ. وَقَدْ ذَكَرَ بعضُ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا غَنِمْنَا الْخُمُسَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ اللَّهُ تَعَالَى الْخُمُسَ مِنْ الْمَغَانِمِ، فَعَزَلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُمس الْعِيرِ، وقسَّم سَائِرَهَا بَيْنَ أصحابه. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا قَدمِوا عَلَى رسولِ اللَّهِ ﷺ المدينةَ قَالَ: "مَا أمرتكمِ بِقِتَالٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ". فَوَقَّفَ العيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ. وَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ رسولُ اللَّهِ ﷺ سُقط فِي أَيْدِي الْقَوْمِ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ هَلكوا، وَعَنَّفَهُمْ إخوانُهم مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا صَنَعُوا. وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: قَدْ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، وَسَفَكُوا فِيهِ الدمَ، وَأَخَذُوا فِيهِ الأموالَ، وَأَسَرُوا فِيهِ الرجالَ فَقَالَ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مِمَّنْ كَانَ بمكة: إنما أصابوا في شعبان. وَقَالَتْ يَهُودُ -تَفاءَلُ بِذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ قَتَلَهُ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَمْرٌو، عَمُرَتْ الْحَرْبُ. وَالْحَضْرَمِيُّ: حَضَرَتْ الْحَرْبُ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَقَدَتْ الْحَرْبُ، فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لا لهم. فَلَمَّا أَكْثَرَ الناسُ فِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] ، أَيْ إنْ كُنْتُمْ قَتلتم فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَقَدْ صَدُّوكم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ الْكُفْرِ بِهِ، وَعَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِخْرَاجُكُمْ مِنْهُ وَأَنْتُمْ أهلُهُ، أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ مَنْ قَتَلْتُمْ مِنْهُمْ ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أَيْ قَدْ كَانُوا يَفْتِنُونَ الْمُسْلِمَ فِي دِينِهِ، حَتَّى يَرُدُّوهُ إلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إيمَانِهِ فَذَلِكَ أكبرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْقَتْلِ ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] : أَيْ ثُمَّ هُمْ مُقِيمُونَ عَلَى أَخْبَثِ ذَلِكَ وَأَعْظَمِهِ، غَيْرَ تَائِبِينَ وَلَا نَازِعِينَ. فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَذَا مِنْ الْأَمْرِ، وَفَرَّجَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الشَّفَقِ قبض رسول الله ﷺ الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ، وَبَعَثَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ فِي فداءِ عُثمان بن عبد الله والحكم بن كَيْسان، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا نفديكموهما حتى يقدمَ صاحبانا -يعنى سعد ابن أَبِي وَقَّاصٍ، وعُتبة بْنَ غَزْوان- فَإِنَّا نَخْشَاكُمْ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ تَقْتُلُوهُمَا، نَقْتُلْ صَاحِبَيْكُمْ". فَقَدِمَ سَعْدٌ وَعُتْبَةُ فَأُفْدَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ منهم. فَأَمَّا الْحَكَمُ بْنُ كَيْسان فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَأَقَامَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حتى

стр. 485

قُتل يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا. وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ، فَمَاتَ بِهَا كافرًا. طمع أمير السرية في الأجر وما نزل في ذلك من القرآن: فَلَمَّا تَجَلَّى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ مَا كَانُوا فِيهِ حِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ، طَمِعُوا فِي الْأَجْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَنَطْمَعُ أَنْ تكونَ لَنَا غَزْوَةٌ نُعْطَى فِيهَا أجر المجاهدين؟ فأنزل الله فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] ، فَوَضَعَهُمْ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَعْظَمِ الرَّجَاءِ. وَالْحَدِيثُ فِي هَذَا عَنْ الزُّهْرِيِّ ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وقَد ذَكَرَ بعضُ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: أَنَّ اللَّهَ قَسَمَ الْفَيْءَ حِينَ أحلَّه، فَجَعَلَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ لِمَنْ أفاءَه اللَّهُ، وخُمسًا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَوَقَعَ عَلَى مَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بن جحش صنع في تلك العير. أول غنيمة للمسلمين: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهِيَ أَوَّلُ غَنِيمَةٍ غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ. وعَمرو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَوَّلُ مَنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْحَكَمُ بْنُ كيسان أول من أسر المسلمون. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ فِي غَزْوَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَيُقَالُ: بَلْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ قَالَهَا، حِينَ قَالَتْ قُرَيْشٌ: قَدْ أَحَلَّ. مُحَمَّدٌ وأصحابهُ الشهرَ الْحَرَامَ وَسَفَكُوا فِيهِ الدَم وَأَخَذُوا فِيهِ المالَ، وَأَسَرُوا فِيهِ الرجالَ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هِيَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: تَعُدُّونَ قَتْلًا فِي الْحَرَامِ عَظِيمَةً ... وأعظمُ مِنْهُ لَوْ يَرَى الرشدَ راشدُ صدودُكم عَمَّا يَقُولُ محمدٌ ... وكُفْرٌ بِهِ وَاَللَّهُ راءٍ وشاهدُ وإخراجُكم مِنْ مسجدِ اللَّهِ أهلَه ... لِئَلَّا يُرى للهِ فِي البيتِ ساجدُ فَإِنَّا وَإِنْ عَيَّرتمونا بِقَتْلِهِ ... وَأَرْجَفَ بالِإسلامِ باغٍ وحاسدُ سَقَينا مِنْ ابنِ الحَضرَمي رماحَنا ... بنَخْلَةَ لَمَّا أوقَدَ الحربَ واقدُ دَمًا وابنُ عَبْدِ اللَّهِ عُثْمَانُ بَيْنَنَا ... يُنازعه غُلٌّ مِنْ القدِّ عاندُ١ صَرْفُ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ويقالُ: صُرفت الْقِبْلَةُ فِي شَعْبَانَ عَلَى رَأْسِ ثمانيةَ عشرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدم رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المدينة.

стр. 486

غزوة بدر الكبرى١: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ سَمِع بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ مُقبلًا مِنْ الشَّأْمِ فِي عِير لِقُرَيْشٍ عَظِيمَةٍ، فِيهَا أموالٌ لِقُرَيْشِ وَتِجَارَةٌ مِنْ تِجَارَاتِهِمْ، وَفِيهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ أَرْبَعُونَ، مِنْهُمْ مَخْرَمة بْنُ نَوْفل بْنُ أهَيْب بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهرة، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصُ بْنُ وَائِلِ بْنِ هِشَامٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ هَاشِمٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُروة بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَائِنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، كُلٌّ قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ فَاجْتَمَعَ حديثُهم فِيمَا سقته مِنْ حَدِيثِ بَدْرٍ، قَالُوا: لَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي سُفْيَانَ مُقْبِلًا مِنْ الشَّامِ، نَدَبَ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ وَقَالَ: "هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا أَمْوَالُهُمْ فَاخْرُجُوا إلَيْهَا لَعَلَّ اللَّهَ يُنْفِلُكموها". فَانْتَدَبَ الناسُ، فَخَفَّ بعضُهم وَثَقُلَ بعضُهم، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَظُنُّوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْقَى حَرْبًا. وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ دَنَا مِنْ الْحِجَازِ يُتَحَسَّسُ٢ الأخبارَ وَيَسْأَلُ مَنْ لَقِيَ مِنْ الرُّكْبَانِ تَخَوُّفًا عَلَى أَمْرِ النَّاسِ. حَتَّى أَصَابَ خَبَرًا مِنْ بَعْضِ الرُّكْبَانِ: أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ اسْتَنْفَرَ أصحابَه لَكَ وَلِعِيرِكَ، فَحَذِرَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَاسْتَأْجَرَ ضَمْضَم بْنَ عَمْرو الْغِفَارِيَّ، فَبَعَثَهُ إلَى مكة، وأمره أَنْ يَأْتِيَ قُرَيْشًا فَيَسْتَنْفِرَهُمْ إلَى أموالِهم، ويُخبرهم أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ عَرَضَ لَهَا فِي أَصْحَابِهِ فَخَرَجَ ضَمْضَمُ بْنُ عَمْرٍو سَرِيعًا إلَى مَكَّةَ. رؤيا عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابن عباس، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، قَالَا: وَقَدْ رَأَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَبْلَ قُدُومِ ضَمْضم مَكَّةَ بِثَلَاثِ ليالٍ، رُؤْيَا أَفْزَعَتْهَا. فَبَعَثَتْ إلَى أَخِيهَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المطلب.

стр. 487

فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَخِي، وَاَللَّهِ لَقَدْ رأيتُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا أَفْظَعَتْنِي، وتخوفْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى قَوْمِكَ مِنْهَا شَرٌّ وَمُصِيبَةٌ، فَاكْتُمْ عَنِّي مَا أُحَدِّثُكَ بِهِ؟ فَقَالَ لَهَا: وَمَا رَأَيْتِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَاكِبًا أَقْبَلَ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ، حَتَّى وَقَفَ بالأبطَح، ثُمَّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَلَا انْفِرُوا يَا لَغُدُر لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، فَأَرَى النَّاسَ اجْتَمَعُوا إلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ يَتْبَعُونَهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ حَوْلَهُ مَثَلَ بِهِ١ بَعِيرُهُ على ظهر الكعبة، صَرَخَ بِمِثْلِهَا: أَلَا انْفِرُوا يَا لَغُدُرَ لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ: ثُمَّ مَثَل بِهِ بَعِيرُهُ عَلَى رَأْسِ أَبِي قُبَيْس، فَصَرَخَ بِمِثْلِهَا ثُمَّ أخذَ صَخْرَةً فَأَرْسَلَهَا. فَأَقْبَلَتْ تَهْوي، حَتَّى إذَا كَانَتْ بِأَسْفَلِ الْجَبَلِ ارْفَضَّتْ٢. فَمَا بَقِيَ بيتٌ مِنْ بُيُوتِ مَكَّةَ، وَلَا دارٌ إلَّا دَخَلَتْهَا مِنْهَا فَلِقَةٌ. قَالَ الْعَبَّاسُ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا، وأنتِ فاكتميها، ولا تذكريها لأحد. ثُمَّ خَرَجَ الْعَبَّاسُ، فَلَقِيَ الوليدَ بنَ عُتبة بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ لَهُ صِدِّيقًا: فَذَكَرَهَا لَهُ، وَاسْتَكْتَمَهُ إيَّاهَا. فَذَكَرَهَا الْوَلِيدُ لِأَبِيهِ عُتْبَةَ، فَفَشَا الْحَدِيثُ بِمَكَّةَ، حَتَّى تَحَدَّثَتْ بِهِ قُرَيْشٌ فِي أنديتها. قَالَ الْعَبَّاسُ: فغدوتُ لأطوفَ بِالْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي رَهْط مِنْ قُرَيْشٍ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ بِرُؤْيَا عَاتِكَةَ، فَلَمَّا رَآنِي أَبُو جَهْلٍ قَالَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ إذَا فَرَغْتَ مِنْ طَوَافِكَ فَأَقْبِلْ إلَيْنَا؟ فَلَمَّا فَرَغْتُ أقبلتُ حَتَّى جلستُ مَعَهُمْ، فَقَالَ لِي أَبُو جَهْلٍ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ مَتَى حَدَثَتْ فِيكُمْ هَذِهِ النَّبِيَّةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: تِلْكَ الرُّؤْيَا الَّتِي رَأَتْ عَاتِكَةُ: قَالَ: فَقُلْتُ: وَمَا رَأَتْ؟ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ يَتَنَبَّأَ رِجَالُكُمْ حَتَّى تَتَنَبَّأَ نِسَاؤُكُمْ، قَدْ زَعَمَتْ عَاتِكَةُ فِي رُؤْيَاهَا أَنَّهُ قَالَ: انْفِرُوا فِي ثَلَاثٍ، فَسَنَتَرَبَّصُ بِكُمْ هَذِهِ الثَّلَاثَ، فَإِنْ يكُ حَقًّا مَا تَقُولُ فَسَيَكُونُ، وَإِنْ تَمْضِ الثَّلَاثُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، نَكْتُبْ عَلَيْكُمْ كِتَابًا أَنَّكُمْ أكذبُ أَهْلِ بَيْتٍ فِي الْعَرَبِ. قَالَ الْعَبَّاسُ: فَوَاَللَّهِ مَا كَانَ مِنِّي إلَيْهِ كَبِيرٌ، إلَّا أَنِّي جَحَدْتُ ذَلِكَ، وَأَنْكَرْتُ أَنْ تَكُونَ رَأَتْ شَيْئًا قَالَ: ثُمَّ تفرقنا. فَلَمَّا أمسيتُ، لَمْ تَبْقَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إلَّا أَتَتْنِي، فَقَالَتْ: أَقْرَرْتُمْ لِهَذَا الْفَاسِقِ الْخَبِيثِ أَنْ يَقَعَ فِي رِجَالِكُمْ، ثُمَّ قَدْ تَنَاوَلَ النساءَ وَأَنْتَ تسمعُ، ثُمَّ لَمْ يكن عندك غِيَر لشىء بما سَمِعْتَ، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ وَاَللَّهِ فَعَلْتُ، مَا كَانَ مِنِّي إلَيْهِ مِنْ كَبِيرٍ. وَاَيْمُ اللَّهِ لأتعرضن له، لاكفينَّكُنَّه. قَالَ فغدوتُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ، وَأَنَا حَدِيدٌ مُغْضَب أُرَى أَنِّي قَدْ فاتني منه

стр. 488

أَمْرٌ أحِب أَنْ أدركَه مِنْهُ. قَالَ: فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُهُ، فَوَاَللَّهِ إنِّي لَأَمْشِي نَحْوَهُ أتعرَّضه، لِيَعُودَ لِبَعْضِ مَا قَالَ فَأَقَعَ بِهِ، وَكَانَ رَجُلًا خَفِيفًا، حَدِيدَ الْوَجْهِ، حَدِيدَ اللِّسَانِ، حَدِيدَ النَّظَرِ. قَالَ: إذْ خَرَجَ نَحْوَ بَابِ الْمَسْجِدِ يشتدُّ. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا لَهُ لَعَنَهُ اللَّهُ، أكلُّ هَذَا فَرَق مِنِّي أَنْ أُشَاتِمَهُ! قَالَ: وَإِذَا هُوَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ أَسْمَعْ: صَوْتَ ضَمْضم بْنِ عَمرو الغِفاري، وَهُوَ يَصْرُخُ بِبَطْنِ الْوَادِي وَاقِفًا عَلَى بَعِيرِهِ، قَدْ جَدَّعَ بعيرَه١، وحوَّل رحلَه، وَشَقَّ قَمِيصَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا معشرَ قُريش، اللطيمةَ اللطيمةَ٢ أموالُكم مَعَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ عَرَض لَهَا مُحَمَّدٌ فِي أَصْحَابِهِ، لَا أَرَى أَنْ تدْرِكوها، الغَوْثَ الغَوْثَ. قَالَ: فَشَغَلَنِي عَنْهُ وَشَغَلَهُ عَنِّي ما جاء من الأمر. قريش تتجهز لِلْخُرُوجِ: فَتَجَهَّزَ الناسُ سِرَاعًا، وَقَالُوا: أَيَظُنُّ مُحَمَّدٌ وأصحابُه أَنْ تَكُونَ كَعِيرِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ، كَلَّا وَاَللَّهِ ليعلَمنَّ غَيْرَ ذَلِكَ. فَكَانُوا بَيْنَ رَجُلَيْنِ، إمَّا خَارِجٍ وَإِمَّا بَاعِثٍ مكانَه رَجُلًا. وَأَوْعَبَتْ قريش، فلما يَتَخَلَّفْ مِنْ أشرافِها أحدٌ. إلَّا أَنَّ أَبَا لَهَبِ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَخَلَّفَ، وَبَعَثَ مَكَانَهُ الْعَاصِيَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ قَدْ لَاطَ٣ لَهُ بأربعةِ آلَافِ دِرْهَمٍ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ، أَفْلَسَ بِهَا، فَاسْتَأْجَرَهُ بِهَا عَلَى أَنْ يُجْزِئَ عَنْهُ بَعَثَهُ، فَخَرَجَ عَنْهُ، وَتَخَلَّفَ أَبُو لهب. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عبدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نجيحٍ: أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَانَ أَجْمَعَ الْقُعُودَ، وَكَانَ شَيْخًا جَلِيلًا جَسِيمًا ثَقِيلًا، فَأَتَاهُ عُقبة بْنُ أَبِي مُعَيْط، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِ، بِمَجْمَرَةٍ يَحْمِلُهَا، فِيهَا نَارٌ ومَجْمَر، حَتَّى وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا عَلِيٍّ، اسْتَجْمِرْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ النِّسَاءِ: قَالَ: قَبَّحَكَ اللَّهُ وقبَّح مَا جِئْتَ بِهِ؟ قَالَ: ثُمَّ تَجَهَّزَ فَخَرَجَ مع الناس. ما وقع بين قريش وكنانة من الحرب قبل بَدْرٍ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ جَهَازِهِمْ وَأَجْمَعُوا المسيرَ، ذَكَرُوا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ مِنْ الْحَرْبِ، فَقَالُوا: إنَّا نَخْشَى أَنْ يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، وَكَانَتْ الْحَرْبُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرٍ كَمَا حَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي ابْنٍ لِحَفْصِ بن الأخْيَف، أحد بني

стр. 489

مَعيص بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَي، خَرَجَ يَبْتَغِي ضَالَّةً لَهُ بضَجنان، وَهُوَ غُلَامٌ حَدَثَ فِي رَأْسِهِ ذُؤابة، وَعَلَيْهِ حُلَّة لَهُ، وَكَانَ غُلَامًا وَضِيئًا نَظِيفًا، فَمَرَّ بِعَامِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ المُلَوَّح، أَحَدِ بَنِي يَعْمَر بْنِ عوف بن كعب بن عامر بن لَيْث بن بكر بن عبد مَناة بن كنانة، وَهُوَ بضَجْنان، وَهُوَ سَيِّدُ بَنِي بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ، فَرَآهُ فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا غلامُ؟ قال: أنا ابنٌ لحفصِ بن الأخْيف الْقُرَشِيِّ. فَلَمَّا ولَّى الْغُلَامُ، قَالَ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ: يَا بَنِي بَكْرٍ، مَا لَكُمْ فِي قُرَيْشٍ مِنْ دَمٍ؟ قَالُوا: بَلَى وَاَللَّهِ، إنَّ لَنَا فِيهِمْ لَدِمَاءً، قَالَ: مَا كَانَ رَجُلٌ لِيَقْتُلَ هَذَا الْغُلَامَ برَجُله إلَّا كَانَ قَدْ اسْتَوْفَى دَمَهُ. قَالَ: فَتَبِعْهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، فَقَتَلَهُ بدمٍ كَانَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ؟ فَتَكَلَّمَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ، فَقَالَ عَامِرُ بْنُ يَزِيدَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَدْ كَانَتْ لَنَا فِيكُمْ دِمَاءٌ، فَمَا شِئْتُمْ؟ إنْ شِئْتُمْ فأدُّوا عَلَيْنَا مَا لَنَا قِبَلَكم، وَنُؤَدِّي مَا لَكُمْ قِبَلَنَا، وَإِنْ شِئْتُمْ فَإِنَّمَا هِيَ الدِّمَاءُ: رَجُلٌ بِرَجُلِ، فَتَجَافَوْا عَمَّا لَكُمْ قِبَلَنَا، وَنَتَجَافَى عَمَّا لَنَا قِبَلَكُمْ، فَهَانَ ذَلِكَ الْغُلَامُ عَلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَالُوا: صَدَقَ، رَجُلٌ بِرَجُلِ. فَلَهَوْا عَنْهُ، فَلَمْ يُطْلِبُوا بِهِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا أَخُوهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْص بْنِ الْأَخْيَفِ يَسِيرُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، إذْ نَظَرَ إلَى عَامِرِ بْنِ يزيد بْنِ الملَوَّح عَلَى جَمَلٍ لَهُ، فَلَمَّا رَآهُ أَقْبَلَ إلَيْهِ حَتَّى أَنَاخَ بِهِ، وَعَامِرٌ مُتَوَشِّحٌ سَيْفَهُ، فَعَلَاهُ مِكْرَزٌ بِسَيْفِهِ حَتَّى قَتَلَهُ، ثُمَّ خَاضَ بَطْنَهُ بِسَيْفِهِ؟ ثُمَّ أَتَى بِهِ مَكَّةَ، فَعَلَّقَهُ مِنْ اللَّيْلِ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ. فَلَمَّا أَصْبَحَتْ قُرَيْشٌ رَأَوْا سَيْفَ عَامِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ مُعَلَّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَعَرَفُوهُ فَقَالُوا: إنَّ هَذَا لَسَيْفُ عَامِرِ بْنِ يَزِيدَ، عَدَا عَلَيْهِ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ فَقَتَلَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ. فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ حَرْبِهِمْ، حَجَزَ الإسلامُ بينَ النَّاسِ فَتَشَاغَلُوا بِهِ، حَتَّى أَجَمَعَتْ قُرَيْشٌ المسيرَ إلَى بَدْرٍ، فَذَكَرُوا الَّذِي بينهم وبينَ بني بكر فخافوهم. وَقَالَ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ فِي قَتْلِهِ عَامِرًا: لَمَّا رأيتُ أَنَّهُ هُوَ عَامِرٌ ... تَذَكَّرْتُ أشلاءَ الحبيبِ الملحَّبِ١ وَقُلْتُ لِنَفْسِي: إنَّهُ هُوَ عامرٌ ... فَلَا تَرْهبيه، وَانْظُرِي أيَّ مَرْكبِ وأيقنتُ أَنِّي إنْ أجَلِّلْه ضَرْبَةً ... مَتَى مَا أصبْه بالفُرافرِ يَعْطَبِ خفضتُ لَهُ جَأْشِي وألقيتُ كَلْكَلي ... عَلَى بطلٍ شاكي السلاحِ مُجَرَّب٢

стр. 490

وَلَمْ أَكُ لَمَّا الْتَفَّ رُوعِي وَرُوعُهُ ... عُصَارَةَ هُجُنٍ مِنْ نِسَاءٍ وَلَا أَبِ حَلَلْتُ بِهِ وِتْرِي وَلَمْ أَنْسَ ذَحْلَهُ ... إذَا مَا تَنَاسَى ذَحْلَهُ كُلُّ عَيْهَبِ١ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفَرَافِرُ في غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: الرَّجُلُ الْأَضْبَطُ، وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ: السَّيْفُ، وَالْعَيْهَبُ: الَّذِي لَا عَقْلَ لَهُ، وَيُقَالُ لِتَيْسِ الظِّبَاءِ وَفَحْلِ النَّعَامِ: الْعَيْهَبُ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْعَيْهَبُ: الرَّجُلُ الضَّعِيفُ عَنْ إدْرَاكِ وتره. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا أَجَمَعَتْ قُرَيْشٌ الْمَسِيرَ ذَكَرَتْ الَّذِي كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَنِي بَكْرٍ، فَكَادَ ذَلِكَ يُثْنِيهِمْ، فَتَبَدَّى لَهُمْ إبْلِيسُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ بَنِي كِنَانَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا لَكُمْ جَارٌ مِنْ أَنْ تَأْتِيَكُمْ كِنَانَةُ مِنْ خَلْفِكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَخَرَجُوا سِرَاعًا. خُرُوجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي لَيَالٍ مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي أَصْحَابِهِ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خَرَجَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِثَمَانِ ليالٍ خَلَوْنَ من شهر رمضان، واستعمل عمرو ابن أُمِّ مَكْتُومٍ، وَيُقَالُ اسْمُهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ أَخَا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤي، عَلَى الصَّلَاةِ بِالنَّاسِ، ثُمَّ رَدَّ أَبَا لُبَابَةَ من الروحاء، واستعمله على المدينة. اللواء والرايتان: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَدَفَعَ اللِّوَاءَ إلَى مُصْعَبِ بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بْنِ عَبْدِ الدَّارِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ أبيض. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَايَتَانِ سَوْدَاوَانِ إحْدَاهُمَا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، يُقَالُ لَهَا: الْعُقَابُ، وَالْأُخْرَى مَعَ بَعْضِ الْأَنْصَارِ. عَدَدُ إبِلِ المسلمين إلى بدر: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ إبِلُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بَعِيرًا، فَاعْتَقَبُوهَا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَمَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا، وَكَانَ حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وَأَبُو كَبْشَةَ، وَأَنَسَةُ، مَوْلَيَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَعْتَقِبُونَ بعيرًا.

стр. 491

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَجَعَلَ عَلَى السَّاقة قَيْسَ بْنَ أَبِي صَعْصَعَةَ أَخَا بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ. وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بْنِ معاذ، فيما قال ابن هشام. الطريق إلَى بَدْرٍ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَسَلَكَ طَرِيقَهُ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ، عَلَى نَقْب الْمَدِينَةِ، ثُمَّ عَلَى الْعَقِيقِ، ثُمَّ عَلَى ذِي الحُليفة، ثُمَّ عَلَى أُولَاتِ الجَيْش. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ،: ذات الجيش. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَرَّ عَلَى تُرْبان، ثُمَّ عَلَى مَلَل، ثُمَّ غَميس الحَمام مِنْ مَرَرَيْن، ثم على صُحَيْرات الْيَمَامِ، ثُمَّ عَلَى السَّيالة، ثُمَّ عَلَى فَجِّ الرَّوْحاء، ثُمَّ عَلَى شَنُوكة، وَهِيَ الطَّرِيقُ الْمُعْتَدِلَةُ، حَتَّى إذَا كَانَ بِعِرْقِ الظَّبْيَةِ -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الظَّبْيَةُ: عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ- لَقُوا رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ، فَسَأَلُوهُ عَنْ النَّاسِ فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ خَبَرًا. فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: سلِّم على رسول الله ﷺ قَالَ: أَوَفِيكُمْ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فسلَّم عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْبِرْنِي عَمَّا فِي بَطْنِ نَاقَتِي هَذِهِ. قَالَ لَهُ سَلَمة بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقش: لَا تَسْأَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَأَقْبِلْ عليَّ فَأَنَا أُخْبِرُكَ عَنْ ذَلِكَ. نَزَوْتَ عَلَيْهَا، فَفِي بَطْنِهَا مِنْكَ سَخْلة١، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَهْ أفحشْتَ على الرجل"، ثم أعرض عن سَلمة. وَنَزَلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ سَجْسج وَهِيَ بِئْرُ الرَّوْحاء ثُمَّ ارْتَحَلَ مِنْهَا، حَتَّى إذَا كَانَ بالمنْصَرَف، تَرَكَ طَرِيقَ مَكَّةَ بِيَسَارٍ، وَسَلَكَ ذَاتَ الْيَمِينِ عَلَى النَّازِيَةِ، يُرِيدُ بَدْرًا، فَسَلَكَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا، حَتَّى جَزَع وَادِيًا٢، يُقَالُ لَهُ رُحْقان، بَيْنَ النَّازِيَةِ وَبَيْنَ مَضِيق الصَّفْراء، ثُمَّ عَلَى الْمَضِيقِ، ثُمَّ انْصَبَّ مِنْهُ، حَتَّى إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الصَّفْرَاءِ، بعثَ بَسْبَس بْنَ الجُهَني حليفَ بَنِي سَاعِدَةَ، وعَدِي بْنَ أَبِي الزّغْباء الْجُهَنِيَّ، حَلِيفَ بَنِي النَّجَّارِ، إلَى بَدْرٍ يَتَحَسَّسَانِ لَهُ الْأَخْبَارَ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ رسول الله ﷺ ، وقد قدمها. فلما استقبل في الصَّفراء، وَهِيَ قَرْيَةٌ بَيْنَ جَبَلين، سَأَلَ عَنْ جَبَلَيْهِمَا مَا اسْمَاهُمَا؟ فَقَالُوا: يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا، هَذَا مُسْلح، وللآخر: هذا مُخْزِئ، وَسَأَلَ عَنْ أَهْلِهِمَا فَقِيلَ: بَنُو النَّارِ وَبَنُو حُراق، بَطْنَانِ مِنْ بَنِي غِفار فَكَرِهَهُمَا رسولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُرُورُ بَيْنَهُمَا، وَتَفَاءَلَ بِأَسْمَائِهِمَا وَأَسْمَاءِ٣ أَهْلِهِمَا: فَتَرَكَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالصَّفْرَاءَ بِيَسَارِ، وَسَلَكَ ذَاتَ الْيَمِينِ عَلَى وَادٍ يُقَالُ لَهُ: ذَفِرَان، فجزع فيه، ثم نزل.

стр. 492

وَأَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ قُرَيْشٍ بِمَسِيرِهِمْ لِيَمْنَعُوا عِيرَهُمْ، فَاسْتَشَارَ النَّاسَ، وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ قُرَيْشٍ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَقَالَ وَأَحْسَنُ، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ وَأَحْسَنُ، ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، امضِ لِمَا أَرَاكَ اللَّهُ فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاَللَّهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] . وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، فَوَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إلَى بَرْك الْغِمَادِ١ لَجَالَدْنَا مَعَكَ مِنْ دُونِهِ، حَتَّى تَبْلُغَهُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِهِ. استشارة الْأَنْصَارِ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَشِيرُوا عليَّ أَيُّهَا النَّاسُ" وَإِنَّمَا يُرِيدُ الْأَنْصَارَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَدَدُ النَّاسِ، وَأَنَّهُمْ حِينَ بَايَعُوهُ بِالْعَقَبَةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا بُرآء مِنْ ذمامِك حَتَّى تَصِلَ إلَى دِيَارِنَا، فَإِذَا وَصَلْتَ إلَيْنَا، فَأَنْتَ فِي ذِمَّتِنَا نَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أبناءَنا ونساءَنا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يتخوَّف أَلَّا تَكُونَ الْأَنْصَارُ تَرَى عَلَيْهَا نَصْرَهُ إلَّا مِمَّنْ دَهَمَهُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ عَدُوِّهِ، وَأَنْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إلَى عَدُوٍّ مِنْ بِلَادِهِمْ. فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: وَاَللَّهِ لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَجَلْ": قَالَ: فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عهودَنا وَمَوَاثِيقَنَا، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ فَنَحْنُ مَعَكَ، فَوَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فخُضته لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تخلَّف مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إنَّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُريك مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عينُك، فسِر بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ. فسُر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِ سَعْدٍ، ونشَّطه ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: "سِيرُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاَللَّهِ لَكَأَنِّي الْآنَ أنظر إلى مصارع القوم". ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَفران، فَسَلَكَ عَلَى ثَنايا، يُقَالُ لَهَا: الأصَافِر، ثُمَّ انْحَطَّ مِنْهَا إلَى بَلَدٍ يُقَالُ لَهُ: الدَّبَّة، وَتَرَكَ الحَنَّان بِيَمِينٍ وَهُوَ كَثيب عَظِيمٌ كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ، ثُمَّ نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ بَدْرٍ فَرَكِبَ هُوَ وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الرَّجُلُ هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ: حَتَّى وَقَفَ عَلَى شَيْخ من العرب، فسأله

стр. 493

عَنْ قُرَيْشٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَمَا بَلَغَهُ عَنْهُمْ؟ فَقَالَ الشَّيْخُ: لَا أُخْبِرُكُمَا حَتَّى تُخْبِرَانِي مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إذَا أَخْبَرْتنَا أَخْبَرْنَاكَ". قَالَ: أَذَاكَ بِذَاكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ الشَّيْخُ: فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ صَدَقَ الَّذِي أَخْبَرَنِي، فَهُمْ الْيَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، لِلْمَكَانِ الَّذِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَلَغَنِي أَنَّ قُرَيْشًا خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْبَرَنِي صَدَقَنِي فَهُمْ الْيَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا لِلْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خَبَرِهِ، قَالَ: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَحْنُ مِنْ مَاءٍ"، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ. قَالَ يَقُولُ الشَّيْخُ: مَا مِنْ مَاءٍ، أَمِنْ مَاءِ الْعِرَاقِ؟ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ: ذَلِكَ الشَّيْخُ: سُفْيَانُ الضَّمْري. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا أَمْسَى بَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، إلَى مَاءِ بَدْرٍ، يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ لَهُ عَلَيْهِ -كَمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ- فَأَصَابُوا رَاويةً١ لِقُرَيْشٍ فِيهَا أسْلَم، غُلَامُ بَنِي الحجَّاج، وعَرِيض أَبُو يَسَارٍ، غُلَامُ بَنِي الْعَاصِ بْنِ سَعِيدٍ، فَأَتَوْا بِهِمَا فَسَأَلُوهُمَا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَقَالَا: نَحْنُ سُقَاةُ قُرَيْشٍ، بَعَثُونَا نَسْقِيهِمْ مِنْ الْمَاءِ فَكَرِهَ القومُ خبرَهما، وَرَجَوْا أَنْ يَكُونَا لِأَبِي سُفْيَانَ، فَضَرَبُوهُمَا. فَلَمَّا أَذْلَقُوهُمَا٢ قَالَا: نَحْنُ لِأَبِي سُفْيَانَ، فَتَرَكُوهُمَا. وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْهِ، ثُمَّ سَلَّمَ، وَقَالَ: "إذَا صَدَقَاكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمَا، وَإِذَا كَذَبَاكُمْ تَرَكْتُمُوهُمَا، صَدَقَا، وَاَللَّهِ إنَّهُمَا لِقُرَيْشِ، أَخْبِرَانِي عَنْ قُرَيْشٍ؟ " قَالَا: هُمْ وَاَللَّهِ وَرَاءَ هَذَا الكَثيب الَّذِي تَرَى بالعُدْوة القُصْوى -وَالْكَثِيبُ: العَقَنْقَل- فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَمْ الْقَوْمُ؟ " قَالَا: كَثِيرٌ؟ قَالَ: "مَا عِدَّتُهُمْ؟ " قَالَا: لَا نَدْرِي، قَالَ: "كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ؟ " قَالَا: يَوْمًا تِسْعًا، وَيَوْمًا عَشْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "القوم فيما بين التسعمائة وَالْأَلْفِ". ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: "فَمَنْ فِيهِمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ؟ " قَالَا: عُتْبَةُ بنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو البخْتَري بْنُ هِشَامٍ، وحَكيم بْنُ حِزام، ونوْفل بْنُ خوَيلد، وَالْحَارِثُ بْنُ عامر بن نَوْفل، وطُعَيْمة بن عَدِي بن نَوْفل، والنَّضْر بْنِ الْحَارِثِ، وزَمَعَة بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، ونُبَيه، ومُنَبّه ابْنَا الْحَجَّاجِ، وسُهَيل بْنُ عَمْرٍو، وعَمرو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ. فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "هَذِهِ مَكَّةُ قَدْ أَلْقَتْ إلَيْكُمْ أَفْلَاذَ٣ كَبِدِهَا".

стр. 494

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ بَسْبَس بْنُ عَمْرٍو، وَعَدِيُّ بْنُ أَبِي الزَّغْباء قَدْ مَضَيَا حَتَّى نَزَلَا بَدْرًا، فَأَنَاخَا إلَى تَلٍّ قَرِيبٍ مِنْ الماء، ثم أخذا شَنًّا لهما١ يسقيان فِيهِ، ومَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِيُّ عَلَى الْمَاءِ فَسَمِعَ عَدِيٌّ وَبَسْبَسُ جَارِيَتَيْنِ مِنْ جِوَارِي الْحَاضِرِ٢، وَهُمَا يَتلازمان٣ عَلَى الْمَاءِ، وَالْمَلْزُومَةُ٤ تَقُولُ لِصَاحِبَتِهَا: إنَّمَا تَأْتِي العيرُ غَدًا أَوْ بَعْدَ غدٍ، فَأَعْمَلُ لَهُمْ، ثُمَّ أَقْضِيكَ الَّذِي لَكَ، قَالَ مَجْدِي: صدقتِ، ثُمَّ خلَّص بَيْنَهُمَا. وَسَمِعَ ذَلِكَ عَدي وبَسْبس، فَجَلَسَا عَلَى بَعِيرَيْهِمَا، ثُمَّ انْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فأخبراه بما سمعا. نجاة أبي سفيان بِالْعِيرِ: وَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، حَتَّى تَقَدَّمَ الْعِيرَ حذَرًا، حَتَّى وَرَدَ الْمَاءَ؟ فَقَالَ لِمَجْدِيِّ بْنِ عَمْرٍو: هَلْ أحسستْ أَحَدًا؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَنْكَرَهُ، إلَّا أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَاكِبَيْنِ قَدْ أَنَاخَا إلَى هَذَا التَّلِّ، ثُمَّ اسْتَقَيَا فِي شَنٍّ لَهُمَا، ثُمَّ انْطَلَقَا. فَأَتَى أَبُو سُفْيَانَ مُناخَهما، فَأَخَذَ مِنْ أبعارِ بَعِيرَيْهِمَا، فَفَتَّهُ، فَإِذَا فِيهِ النَّوَى؟ فَقَالَ: هَذِهِ وَاَللَّهِ عَلَائِفُ يَثْرِبَ. فَرَجَعَ إلَى أَصْحَابِهِ سَرِيعًا، فَضَرَبَ وَجْهَ عِيرِهِ عَنْ الطَّرِيقِ، فساحَلَ بِهَا٥، فترك بدرًا بيسار وانطلق حتى أسرع. قَالَ: وَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا نَزَلُوا الجُحْفة، رَأَى جُهَيم بن الصَّلْت بن مَخْرمة بن عبد الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ رُؤْيَا، فَقَالَ: إنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، وَإِنِّي لَبَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقِظَانِ، إذْ نَظَرْتُ إلَى رَجُلٍ قَدْ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ حَتَّى وَقَفَ، وَمَعَهُ بَعِيرٌ لَهُ؟ ثُمَّ قَالَ: قُتل عُتبة بْنُ رَبِيعَةَ، وشَيْبة بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو الْحَكَمِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَف، وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَعَدَّدَ رِجَالًا مِمَّنْ قُتل يَوْمَ بدرِ، مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ ضَرَبَ فِي لَبَّة بَعِيرِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِي الْعَسْكَرِ؟ فَمَا بَقِيَ خِبَاءٌ مِنْ أخْبية الْعَسْكَرِ إلَّا أَصَابَهُ نَضْح مِنْ دَمِهِ. قَالَ: فبلغتْ أَبَا جَهْلٍ؟ فَقَالَ: وَهَذَا أَيْضًا نَبِيٌّ آخَرُ مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ، سَيَعْلَمُ غَدًا مَنْ المقتول إن نحن التقينا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ أَنَّهُ قَدْ أحْرز عِيرَهُ، أَرْسَلَ إلَى قُرَيْشٍ: إنَّكُمْ إنَّمَا خَرَجْتُمْ لتَمنعوا عِيرَكُمْ وَرِجَالَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، فَقَدْ نَجَّاهَا اللَّهُ، فَارْجِعُوا؟ فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: وَاَللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَرِدَ بَدْرًا -وَكَانَ بَدْرٌ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الْعَرَبِ، يجتمع لهم به

стр. 495

سُوقٌ كُلَّ عَامٍ- فَنُقِيمُ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَنَنْحَرُ الجُزر، وَنُطْعِمُ الطَّعَامَ ونُسْقي الْخَمْرَ، وَتَعْزِفُ عَلَيْنَا الْقِيَانُ، وَتَسْمَعُ بِنَا الْعَرَبُ وَبِمَسِيرِنَا وجَمْعنا، فَلَا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها، فامضوا. وَقَالَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيُّ: وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهرة وَهُمْ بالجُحْفة: يَا بَنِي زُهرة، قَدْ نجَّى اللَّهُ لَكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وخَلَّص لَكُمْ صَاحِبَكُمْ مَخْرمة بْنَ نَوْفَلٍ، وَإِنَّمَا نَفَرْتُمْ لِتَمْنَعُوهُ وَمَالَهُ، فَاجْعَلُوا لِي جُبْنَها وَارْجِعُوا، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ لَكُمْ بِأَنْ تخرجوا في ضَيْعة، لَا مَا يَقُولُ هَذَا، يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ. فَرَجَعُوا، فَلَمْ يَشْهَدْهَا زُهْرِيّ وَاحِدٌ، أَطَاعُوهُ وَكَانَ فِيهِمْ مُطاعًا، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ بَطْنٌ إلَّا وَقَدْ نَفر مِنْهُمْ نَاسٌ، إلَّا بَنِي عَدِي بْنِ كَعْبٍ، لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَرَجَعَتْ بَنُو زُهْرَةَ مَعَ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيق، فَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا مِنْ هَاتَيْنِ الْقَبِيلَتَيْنِ أَحَدٌ، وَمَشَى الْقَوْمُ. وَكَانَ بَيْنَ طَالِبِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -وَكَانَ فِي الْقَوْمِ- وَبَيْنَ بَعْضِ قُرَيْشٍ مُحَاوَرَةٌ، فَقَالُوا: واللَه لَقَدْ عَرَفْنَا يَا بَنِي هَاشِمٍ، وَإِنْ خَرَجْتُمْ مَعَنَا، أَنَّ هَوَاكُمْ لَمَعَ مُحَمَّدٍ: فَرَجَعَ طَالِبٌ إلَى مكة مع من رجع، وقال طالب بن أَبِي طَالِبٍ: لَا هُمَّ إمَّا يَغْزُوَنَّ طالبْ ... فِي عُصبةٍ مُحَالِفٌ مُحاربْ فِي مِقْنبٍ مِنْ هَذِهِ المقانبْ ... فَلْيَكُنْ الْمَسْلُوبُ غيرَ السالبْ١ وَلْيَكُنْ الْمَغْلُوبُ غَيْرَ الْغَالِبِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ "فَلْيَكُنْ الْمَسْلُوبُ"، وَقَوْلُهُ: "وَلْيَكُنْ الْمَغْلُوبُ" عَنْ غَيْرِ واحد من الرواة للشعر. قريش تنزل بالعدوة والمسلمون بِبَدْرِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَضَتْ قُرَيْشٌ حَتَّى نَزَلُوا بالعُدْوَة القُصْوَى مِنْ الْوَادِي، خَلْفَ العَقَنْقَل وَبَطْنِ الْوَادِي، وَهُوَ يَلْيَل، بَيْنَ بَدْرٍ وَبَيْنَ العَقَنْقَل الْكَثِيبُ الَّذِي خَلْفَهُ قُرَيْشٌ، والقُلُب٢ بِبَدْرِ فِي العُدْوة الدُّنْيَا مِنْ بَطْنِ يَلْيَل إلَى المدينة. وبعث الله السماء، وكان الوادي دَهْسًا٣، فَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مِنْهَا مَا لَبَّد لَهُمْ الأرضَ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ عَنْ السَّيْرِ، وَأَصَابَ قُرَيْشًا مِنْهَا ما لم يقدروا على أن يرتحلوا جمعه. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يبادرهم إلى الماء، حَتَّى إذَا جَاءَ أَدُنَى مَاءٍ مِنْ بَدْرٍ نزل به.
следующие страницы →