٢- النواة الخارجية:
يحيط بالنواة الداخلية للأرض غلاف سائل ثقيل القوام يعرف باسم "النواة الخارجية". ويبلغ سمك هذا الغلاف حوالي ألفين ومائة كيلو متر. ومن المحتمل أن تكون المادة المكونة للنواة الخارجية عبارة عن سبيكة من الحديد والنيكل ذات كثافة أقل من كثافة النواة الداخلية. وتحتوي النواة الخارجية على حوالي ١٥% من حجم الأرض وما يقرب من ٢٩% من وزنها، والجدير بالذكر أن درجة الحرارة في النواة تترواح ما بين ٤٠٠٠ ْ، ٥٠٠٠ ْ ف "٢٢٠٠-٢٧٥٠م"، كما أن مقدار الضغط هناك يصل إلى ما بين ثلاثة إلى أربعة ملايين مثل للضغط الجوي هنا على سطح الأرض عند مستوى سطح البحر.
стр. 212
٣- الغشاء:
يقع على مشارف النواة الخارجية نطاق يختلف كثيرًا، وبصورة مفاجئة عن النطاقين السابقين، من حيث صفاته ومكوناته، ويبلغ سمك هذا الغشاء ٢٩٠٠كم. وهذا الغشاء صلب بوجه عام ومتجانس من حيث التركيب، كما أن أهم مكوناته ثاني أكسيد السليكون. ولقد أشار علماء الزلازل إلى وجود تغير فجائي في الصفات الطبيعية على أطراف الغشاء
стр. 213
الخارجي في اتجاه القشرة الأرضية، ويعتبر هذا التغير المفاجئ في تلك الصفات الحد الفاصل بين الغشاء والقشرة الأرضية.
стр. 214
٤- القشرة الأرضية:
الآن وبعد رحلة تزيد على ستة آلاف كيلو متر قطعناها على الصفحات السابقة من مركز الكرة الأرضية نصل إلى الجزء الأسفل من القشرة الأرضية. يتراوح سمك القشرة الأرضية ما بين عشرة أميال وخمسة وعشرين ميلًا "١٦-٤٠ كم" تقريبًا. وفي العادة يكون سمك القشرة الأرضية في قيعان المحيطات والبحار خمسة أميال بينما قد يصل هذا السمك إلى أكثر من خمسة وعشرين ميلًا في اليابس، وكثيرًا ما تغطي القشرة الأرضية في اليابس طبقة رقيقة من فتات الصخور والإسابات النهرية والرمل والبقايا الحيوانية والنباتية، تعرف باسم التربة، بينما تكون هناك أجزاء مكشوفة من القشرة مؤلفة من الحجر الصلد كما هي الحال في بعض مناطق الدرع العربي والدرع الكندي، وتكون مثل هذه المناطق الصخرية واضحة في الدرع العربي ويمكن مشاهدتها على جانبي الطريق المعبد الواصل بين رياض الخبراء، في القصيم، والمدينة المنورة عبر الحناكية.
أما بالنسبة للدرع الكندي فإن المناطق المكشوفة به تكون مغطاة معظم أيام السنة بطبقة من الجليد أو المياه الراكدة. وتبدو طبقة الجليد هذه للمسافرين جوًّا في الأماكن الخالية من السحب، وكأنها طبقة زجاجية شبه شفافة تكسو أديم الصخر الأصم.
وتؤكد الدراسات العلمية أن غالبية الصخور التي تكون القشرة الأرضية جاءت من أصل ناري. لقد كانت تلك الصخور في بداية أمرها سائلة شديدة الحرارة، ثم بردت وتجمدت، تحت أو فوق سطح الأرض.
стр. 215
وتتكون القارات في الغالب من الصخور الغرانيتية، ويطلق على هذه الطبقة اسم "سيال" Sial١ وهي مكونة من نسبة عالية من السيليكا Silica والألمونيوم Aluminium. وتصل كثافة السيال في المتوسط إلى ٢.٧ غم/ سم٣ ويطلق على صخور هذه الطبقة أيضًا اسم الصخور الفلسية Felsicrocks نظرًا لأنها تحتوي على فلسبار Feldspar وسيليكا.
ويتألف الجزء الواقع تحت معظم المسطحات المائية من طبقة من صخور البازلت. وترتكز القارات بصخورها الغرانيتية على نفس هذه الطبقة البازلتية "شكل ٢٧". ويعلو طبقة البازلت غشاء محدود السمك
شكل "٢٧": جزء من القشرة الأرضية والغشاء
من التربة والأعشاب البحرية وبعض التكوينات المرجانية وتعرف هذه الطبقة باسم سيما Sima٢. وهي متجانسة كما هي الحال في السيال. وتتراوح كثافة السيما ما بين ٢.٩ غم/ سم٣ إلى ٣.٧ غم/سم٣ وتعرف كذلك
стр. 216
صخور طبقة السيما باسم الصخور المافية mafia rocks لأنها تحتوي على نسب كبيرة من المغسيوم والحديد، ومن المعروف أن حوالي ثلث مساحة سطح القشرة الأرضية مغطاة بالمسطحات المائية "شكل ٢٨".
شكل "٢٨": توزيع اليابس والماء
стр. 217
الزحزحة القاربة
مدخل
...
ثالثاً: الزحزحة القارية CONTINENTAL DRIFT
إن فكرة الزحزحة القارية ليست قديمة وهي من بنات أفكار القرن السابع عشر الميلادي كما سنرى فيما بعد. ومنذ أن جاءت هذه الفكرة إلى حيز الوجود وحتى سنة ١٩٦٣م وهي لا تتعدى كونها مجرد افتراض وضرب من الحدس والتخمين. والافتراض كما نعرف يحتمل الخطأ والصواب، بعكس النظرية التي تؤخذ كحقيقة مسلم بها، وعلى كل حال فلقد كان
стр. 218
لذلك الافتراض أنصار وكان له معارضون، الأنصار يقدمون الدليل تلو الدليل لإثبات صحة فكرة الزحزحة القارية، والمعارضون يرفضون الفكرة جملة وتفصيلًا ويقولون بأنها ضرب من الخيال. وأخيرًا جاء عام ١٩٦٤م وفجأة بدأ الأنصار يتنفسون الصعداء وتوقف معظم المعارضين عن الطعن في صحة فكرة الزحزحة القارية. لم يعد هؤلاء المعارضون يناصبون تلك الفكرة العداء بل على العكس من ذلك فإنهم بدأوا إعادة النظر فيما قالوه ضدها.
والآن وبعد هذا التمهيد يجدر بنا أن نتساءل عن أمرين على الأقل هما:
- ما هو افتراض الزحزحة القارية؟
- ما الحدث الذي حل في سنة ١٩٦٤م وجعل ذلك الافتراض يكاد يرقى إلى مرتبة النظريات؟
ونظرًا لأن هذين التساؤلين يقبعان على رأس قائمة التساؤلات الأخرى الخاصة بهذا الافتراض فإننا سنعالج كلًّا منهما على حدة كالآتي:
стр. 219
افتراض الزحزحة:
في نهاية العقد الثاني من القرن السابع عشر ذكر فرانسيس بيكون Francis Bacon احتمال اتصال أوروبا وأفريقيا من جهة مع الأمريكتين من جهة أخرى في الماضي السحيق، بمعنى آخر إنه اعتقد أن القارات الأربع السابقة الذكر كانت متصلة ببعضها البعض وبعد مرور أقل من مئتي عام اكتشف أنطونيو سنايدر Antonio Snider وجود شبه كبير بين حفريات النباتات الموجودة على السواحل الغربية للقارة الأوروبية والسواحل الأمريكية المقابلة لها. ولقد شجع هذا الاكتشاف صاحبنا سنايدر بأن
стр. 220
يفترض أن كل القارات كانت في يوم من الأيام متصلة ومكونة كتلة يابس واحدة١.
ثم جاء دور الجيولوجيا لتقول رأيها في هذا الموضوع على لسان إدوارد سويس Edward Susess، الجيولوجي الاسترالي المشهور، وذلك في نهاية القرن التاسع عشر. قال إدوارد بأنه شاهد تطابقًا وتشابهاً كبيراً بين كتل يابس نصف الكرة الجنوبي. وأكد بأن مثل هذا التطابق ربما يعني أن تلك الكتل كانت في يوم من الأيام قارة واحدة كبيرة الحجم، وأطلق إدوارد على تلك القارة التي افترض وجودها في الماضي اسم قارة غندوانا أو غندوانا لاند ٢ Gondwanaland. وكانت قارة غندوانا تضم كلًّا من إفريقيا، جزيرة ملاغاس، الهند، بعض أجزاء من أمريكا الجنوبية، واستراليا.٢
وما إن جاءت سنة ١٩١٠م إلا وعالم ألماني يدعى "الفريد فاغنر" Aifred Wagner يخاطب المحافل العلمية وينادي بأن يابس الكرة الأرضية، قبل حوالي ٢٠٠ مليون سنة، كان كتلة واحدة متماسكة. ونتيجة لأسباب لا داعي لذكرها في هذا المجال، تصدع اليابس وانشطر ونتج عن ذلك وجود قارات جديدة. ثم أخذت هذه القارات تتحرك أفقيًّا في عدة اتجاهات إلى أن استقرت في أماكنها التي نعرفها الآن, وأخذ فاغنر يدعم افتراضه هذا في الأوساط العلمية بتقديم الكثير من الأدلة والإثباتات التي تؤيد صحته. لقد أكد العالم الألماني وجود تطابق في الطبقات الجيولوجية لليابس الواقع
стр. 221
على كلا الشاطئين الشرقي والغربي للمحيط الأطلسي، أضف إلى ذلك فإنه كشف النقاب عن وجود تطابق في الحفريات الموجودة على أو بالقرب من الشاطئين المذكورين. ولاحظ فاغنر أن شكل الساحل الغربي لأفريقيا والساحل الشرقي لأمريكا الجنوبية يوحي بأنهما كانا في يوم من الأيام متلاصقين. ونظرًا لأن فاغنر قد تبنى هذا الافتراض ورمى بكل ثقله خلفه وقام بعدة دراسات من أجل أن يجعل منه نظرية علمية فإنه عرف باسم افتراض فاغنر Wagner Hypothesis.
стр. 222
حقائق سنة ١٩٦٤ م تؤكد فرض فاغنر:
جاء فاغنر بافتراضه السابق الذكر ولم يستطع أن يرفعه إلى مصاف النظريات العلمية تاركًا المجال لغيره ممن يحاولون ذلك. وفي سنة ١٩٦٤م عقدت ندوة في لندن تحت رعاية الجمعية الجغرافية الملكية واشترك فيها لفيف من أساتذة جامعة كامبردج. حيث قدم اثنان من أساتذة تلك الجامعة هما ايفبرت J.E. Everett وسميت A.G. Smith دراسة قيمة عن مقارنة ومطابقة الساحلين الشرقي والغربي للمحيط الأطلسي. ومن أجل أن تكون نتائجهما أكثر دقة حاولا مطابقة حافتي الرصيفين القاريين للساحلين المذكورين. واستعملا في دراستهما تلك الحاسب الآلى. ومما يلفت النظر أن النتائج التي توصل إليها هذان الأستاذان كانت تظهر تطابقًا يكاد يكون كاملًا بين حافتي الرصيفين.١
ولقد حاول بعض العلماء تفسير أسباب حدوث الزحزحة القارية، ومن بين أولئك العلماء هولمز Holmes، وولسن WILSON ويرى هولمز أن المصهورات البركانية التي اندفعت من باطن الأرض في الأزمنة الجيولوجية السحيقة هي المسئولة عن وجود التصدعات في طبقة السيال
стр. 223
المكونة للقارات. أما بروك وولسن فإنهما على الرغم من الإشارة إلى مسألة الزحزحة القارية فإنهما يتخذان من ذلك الحدث نقطة انطلاق لها للكلام عن الألواح التكتونية١ Plate tectonics كما سنرى بعد قليل. ولقد أثبتت الدراسات الحديثة التي أجريت على قيعان المحيطات وجود شواهد تؤيد فكرة زحزحة القارات. ومما تجدر الإشارة إليه أن بوادر تلك الشواهد بدأت تظهر بعد الحرب العالمية الثانية باكتشاف سلاسل وسط المحيط الجبلية Mid-Oceanic Ridges "شكل ٢٩".
وخلاصة لما تقدم، فإنه يمكن القول بأن الجيولوجيين قد أكدوا أن القارات الحالية كانت في نهاية دهر الحياة القديمة وفجر دهر الحياة المتوسطة عبارة عن كتلة قارية واحدة. ولقد أطلق على تلك الكتلة اسم "قارة بانغيا" Pangaea أو "أم القارات" "شكل ٣٠أ". وعندما اقترب عصر الترياسي من نهايته بدأت "أم القارات" في التمزق وأخذت أجزاؤها في الابتعاد عن بعضها البعض بصورة تدريجية وبطيئة، ونجم عن هذا التمزق وجود قارتين عظيمتين هما: "شكل ٣٠ب".
- لوراسيا Laurasia وكانت تضم كلًّا من آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، كما أنها احتلت جزءًا من نصف الكرة الجنوبي.
-غندوانا Gondwana وضمت هذ القارة كل القارات الجنوبية وهي: أمريكا الجنوبية، أفريقيا، استراليا، والقارة المتجمدة الجنوبية. هذا بالإضافة إلى شبه القارة الهندية.
وبعد ذلك، أي في الفترة الواقعة بين أواخر العصر الكريتاسي وبداية زمن الثلاثي بدأت تمزقات جانبية في القارات أهمها:
стр. 224
شكل "٢٩" سلاسل وسط المحيطات الجبلية
стр. 225
- انفصال غرينلند عن أمريكا الشمالية.
- انفصال استراليا عن القارة المتجمدة، بالإضافة إلى ذلك فإن القارات واصلت عملية تباعدها عن بعضها البعض. وأخيرًا التصقت شبه القارة الهندية بقارة آسيا. وأخذت القارات وضعها المألوف لنا حالياً. ويرجع الجيولوجيون أسباب الحركة الديناميكية للقارات إلى أنها مرتكزة على صفائح تكتونية قابلة للحركة في ظل شروط وقواعد معينة.
стр. 226
رابعاً: الصفائح أو الوحدات التكتونية ١
عندما تحدث هزة أرضية، قد يثور بركان ويدفع الحمم والنيران إلى ارتفاعات شاهقة أو تنطلق موجة "تسونامي" بأقصى سرعتها نحو اليابس وتهلك الحرث والنسل، فإن المختصين يربطون هذه الأحداث بنظرية الصفائح التكتونية، وتقسم هذه النظرية الجزء الخارجي من الأرض إلى جزأين هما: الغلاف الصخري Lithosphere، والأسثنوسفير Asthenosphere. ولقد تمكن الإنسان من دراسة بعض أجزاء من الغلاف الصخري وتبين له أن درجة حرارته معقولة وهو صلب القوام. وتحت ذلك الغلاف يقبع الأسثنوسفير الذي يتميز بأن درجة حرارته أعلى من الغلاف السابق، بالإضافة إلى ذلك فإن الأسثنوسفير ليس في حالة سيولة، ولكنه يحتوي على جيوب مليئة بالمصهورات البركانية. وعلى الرغم من صلابة هذه الطبقة إلا أنها أكثر مرونة من الغلاف الصخري، وهي قابلة للحركة أفقيًّا أو رأسيًّا إذا تعرضت لحركات شد أو ضغط شديدين.
стр. 227
من المعروف أن التمييز بين الغلاف الصخري والأسثنوسفير يرتكز على اختلاف الصلابة ودرجة الحرارة بين الاثنين، وهذا يذكرنا بما تكلمنا عنه سابقًا بأن الجزء الخارجي من الأرض يتكون من الغشاء والقشرة الأرضية. زد على ذلك أن التمييز بين الغشاء والقشرة مبني على الصفات الكيماوية لكل منهما. ويضاف إلى ذلك أيضًا أن الغلاف الصخري يضم القشرة الأرضية والجزء الخارجي من الغشاء، كما أن طبقة الأسشنوسفير بقضها وقضيضها تقع كلية في الغشاء كذلك، ومما يسترعي الانتباه في الآونة الأخيرة أن بعض العلماء لاحظوا أن الغلاف الصخري مقسم إلى حوالي اثنتي عشرة وحدة تكتونية أطلقوا على كل منها اسم بلاطة أو صفيحة تكتونية "شكل ٣٠ج". وذكر هؤلاء العلماء أن القارات تعلو تلك الصفائح وملتصقة بها. وتنفصل الصفائح عن بعضها البعض على قمم سلاسل وسط المحيطات الجبلية التي تعتبر أعظم السلاسل الجبلية على سطح الأرض قاطبة. وعلى جوانب الحدود الفاصلة بين الصفائح التكتونية تخرج مصهورات بركانية. وتؤدي هذه لزيادة حركة تلك الصفائح. وتقابل حركة الزيادة هذه عملية استهلاك واختفاء لبعض الألواح أو أجزاء منها، وخاصة عندما يغوص أحدها تحت الآخر ويحتويه الحجاب. ويربط بعض العلماء بين حركة الوحدات التكتونية وحركة تيارات حمل باطنية شديدة تدفع بالمصهورات البركانية نحو وسط الأرض، ولكن على الرغم من احتمال صحة هذا الاعتقاد إلا أن معلوماتنا عن مثل تلك التيارات محدودة ولا تكفي لتحويل الحدث إلى يقين.١
стр. 228
حركات القشرة الأرضية
مدخل
...
خامسًا- حركات القشرة الأرضية:
تتعرض القشرة الأرضية لنوعين من الحركات هما:
стр. 229
أ- حركات رأسية:
وهي تتمثل في تحرك القشرة الأرضية إلى أسفل أو إلى أعلى. ومما تجدر الإشارة إليه هنا أنه حينما تتعرض القشرة لحركة هبوط فإنها تؤدي إلى وجود بحار ضحلة وأرصفة قارية أو منخفضات. وأما عندما تتعرض إلى حركة رفع فإن ذلك يعني، غالبًا، إضافة مساحة جديدة ليابس الكرة الأرضية في الأماكن المغمورة بالمياه، أو نشأة مرتفعات لم تكن موجودة على سطح اليابس من قبل.
ومما يلفت النظر أن هناك مساحات كبيرة من اليابس تتكون من طبقات صخور رسوبية نشأت خلال أزمان سحيقة في قيعان مسطحات مائية واسعة. وفي الوقت نفسه نجد في قيعان بعض المناطق البحرية أشجاراً متحجرة مما يؤكد أنها كانت يومًا ما أرضًا يابسة في زمن سابق.
стр. 230
ب- حركات أفقية:
وهي الحركات المكونة للسلاسل الجبلية الالتوائية أو الانكسارات وتنشأ هذه الحركات نتيجة لعاملي الضغط أو الشد، وغالبًا ما تواكب الحركات الأفقية حركات رأسية وانكسارات وهبوط كتل ونشأة أخاديد. ولقد تعرضت بعض مناطق القشرة لحركات أرضية. وعرفت تلك المناطق باسم "مناطق الحركة"، ومناطق الحركة هذه عبارة عن المناطق التي كانت تشغلها أحواض البحار الجيولوجية القديمة، وهي تمثل مناطق الضعف في القشرة الأرضية. ولقد تميزت تلك المناطق بالتحرك وعدم الثبات، وامتلأت قيعانها وتكونت بدلًا منها جبال التوائية وحواف صخرية. ومن
стр. 231
أهم هذه البحار القديمة بحر تثيس. وكان بحر تثيس هذا في يوم من الأيام يغطي معظم شبه جزيرة العرب، ويمتد منه ذراع يصل إلى جبال الهملايا شرقًا.
وإلى جانب مناطق الضعف في القشرة الأرضية توجد مناطق صلبة ذات مقاومة شديدة للحركات الباطنية. وتتمثل هذه المناطق الصلبة في مجموعة من الدروع الصخرية المنتشرة على سطح القارات كما يلي:
"شكل ٣١".
توزيع الدروع في العالم
ويرجع عمر هذه الدروع إلى ما بين بليون وثلاثة بلايين سنة. ويعتبر كل منها بمثابة نواة كتلة اليابس أو القارة التي يقع فيها. وكما تعتبر مناطق الدروع أقدم مناطق في العالم من حيث النشأة، بالإضافة إلى ذلك فإنها لم تخضع أو تتأثر بحركات الالتواءات والانكسارات إلا نادرًا.
ونظرًا لأننا قد تعرضنا في هذا الفصل حتى الآن لدراسة موضوعات لها ارتباط وثيق بالماضي بشقيه السحيق والقريب، فإننا سوف نقوم بإعطاء فكرة مبسطة عن الحقب والأزمنة والعصور الجيولوجية كما يراها الجيولوجيون حاليًا.
стр. 232
شكل "٣١": الدروع الصخرية في العالم
стр. 233
السجل الجيولوجي
مدخل
...
سادسًا: السجل الجيولوجي:
إن علم الجيولوجيا حديث النشأة. ويعتبر وليام سميث William Smith أول من قام بوضع حجر الأساس للجيولوجيا التاريخية. ولا عجب أن نجد من يطلق على ذلك العالم لقب "أبو الجيولوجيا التاريخية"١ Father of Historical Geology.
أما بالنسبة للأزمنة الجيولوجية واتخاذها كمقياس لتقدير أعمار الطبقات الصخرية، فإنها جاءت إلى حيز الوجود منذ سنة ١٨٣٣م. ثم تلى ذلك تحديد أطوال الأزمنة بالسنوات وذلك في النصف الثاني من القرن الحالي.
يتم تقدير أطوال الأزمنة الجيولوجية وترتيب الطبقات الصخرية من حيث قدمها وتتابعها بطريقة بسيطة. وتتلخص هذه الطريقة في أن الطبقات القديمة تكون في الأسفل وتليها الطبقات الحديثة فالأحدث وهكذا. ولقد وضع الجيولوجيون سجلاً يوضح وينظم الطبقات الصخرية، والأحداث الجيولوجية، والأحافير المختلفة، حسب تتابعها خلال الدهور والأزمنة والعصور. ويعرف هذا السجل باسم السجل الجيولوجي وكثير من هذه الطبقات تحتوي على حفريات. ولقد ذكر وليام سميث أن كل طبقة تحتوي على حفريات معينة تعرف بها وتميزها من غيرها من الطبقات. ولقد قسمت الأزمنة إلى عصور، وأعطي كل زمن أو عصر جيولوجي اسم المنطقة التي وجدت بها الصخور الخاصة به. ولقد أخذت معظم الأزمنة والعصور أسماءها في الماضي من أسماء أماكن في بريطانيا حيث وجدت الطبقات الصخرية الخاصة بها. ولكن هناك بعض العصور لم توجد لها -لسبب أو لآخر- طبقات في بريطانيا. ولذلك فإنها نسبت إلى
стр. 234
أماكن في بلاد أخرى حيث وجدت. ومن أحسن الأمثلة على ذلك العصر البرمي الذي اشتق اسمه من مقاطعة بيرم Pem في روسيا، والعصر الجوارسي الذي سمي نسبة إلى جبال Jura الواقعة في فرنسا.
ومن الملاحظ أنه يوجد هناك اختلاف واضح في التقسيمات الرئيسية والفرعية للماضي منذ أن جمدت الأرض حتى وقتنا الحاضر بالنسبة إلى طبقات الصخور التي تكون القشرة الأرضية. ومن أهم نقاط هذا الاختلاف أن النظام المأخوذ به في بريطانيا يقسم الدهور إلى أزمنة، ويقسم الأزمنة إلى عصور، كما أنه يعتبر وجود أزمنة أربعة هى الرابع والثالث والثاني والأول. أما بالنسبة لنظام التقسيم المعمول به في المحافل العلمية الأمريكية فإنه يتبع التقسيم الأول نفسه في دهر الحياة الحديثة، ثم يلغي وجود العصور فيما بعد ذلك.
والجدير بالذكر أن بعض الكتب العربية يخلط بين الدهور والأزمنة فيقول الزمن الجيولوجي الأول ثم يقول الزمن الميزوزوي. والمعروف أن الميزوزوي ليس بزمن ولكنه دهر١ وهناك أيضًا بعض الكتب الأجنبية تخطئ في الترتيب حيث تضع دهر وتتبعه بالعصر ثم الزمن، والترتيب الصحيح كما نعرف هو الدهر ثم الزمن وبعد ذلك العصر.٢
يتضح لنا، من الجدول السابق، أن أهم الحركات التكتونية الرئسية هي:
стр. 235
شكل "٣٢": السجل الجيولجي
стр. 236
أ- الحركة الهيرونية:
حدثت هذه الحركة منذ أكثر من ستمائة مليون سنة أدت إلى ظهور سلاسل جبلية عرفت بالسلسلة الهيرونية Huronian chain وأدت كذلك إلى انحسار مياه البحار عن كثير من المناطق.
стр. 237
ب- الحركة الكاليدونية:
وقد حدثت في دهر الباليوزوي وذلك خلال العصر السليوري والديفوني. وتتمثل آثار هذه الحركة في مرتفعات كاليدونيا في شمالي اسكتلنده، وقد سميت هذه الحركة نسبة إلى تلك المرتفعات، كما تتمثل في مرتفعات الأبلاش بالولايات المتحدة الأمريكية.
стр. 238
ج- الحركة الهرسينية أو الفارسكية:
وتنسب إلى جبال هارتس في ألمانيا وقد حدثت هذه الحركة في دهر الباليوزوي وذلك في العصرين الكربوني والبرمي، وتنتمي إلى هذه الحركة مرتفعات جنوبي أيرلنده، وجنوبي ويلز، وهضبة المزيتا في أسبانيا وهضبة فرنسا الوسطى، ومعظم مرتفعات استراليا الشرقية.
стр. 239
د- الحركة الألبية:
ابتدأت هذه الحركة مع العصر الجوارسي واستمرت إلى أن بلغت أشدها في عصر الميوسين. ولما كانت هذه الحركة أحدث الحركات الرئيسية التي تعرضت لها قشرة الأرض فإن المرتفعات التي تنتمي إليها هي أعظم المرتفعات وأضخمها على الإطلاق، وترجع عظمة وضخامة مرتفعات هذه الحركة إلى أنها لم تتعرض إلى معاول الهدم الطبيعية، من نحت وحمل وإرساب وتجوية، لمدد طويلة، كما حدث مع مرتفعات كل من الحركة الهرسينية والحركة الكاليدونية، وتنتمي إلى الحركات الألبية جبال الهيمالايا في آسيا وجبال الألب في أوروبا ومنها اكتسبت الحركة اسمها، وجبال أطلس في أفريقيا، وجبال روكي في أمريكا الشمالية، وجبال الأنديز في أمريكا الجنوبية "شكل ٣٢أ"
стр. 240
شكل "٣٢ب": الجبال التي ترجع في نشأتها إلي الحركة الألبية
стр. 241
الالتواءات
مدخل
...
سابعًا: الالتواءات:
سبق أن أشرنا إلى أحواض البحر الجيولوجية، وكيف أن تلك الأحواض غطت قيعانها طبقات سميكة من الإرسابات المختلفة عبر العصور على هيئة طبقات. وبعد ذلك تعرضت تلك الإرسابات إلى حركات ضغط أفقية، فارتفعت القيعان وانحسر الماء عنها وتكونت في بعض أجزائها جبال التوائية مثل جبال الألب وجبال أطلس "٣٢ب".
ويمكن أن نضيف إلى هذا القول أن شدة مقاومة الطبقات الصخرية للحركات الالتوائية تعتمد إلى حد كبير على قوى الضغط الأفقية ونوعية الصخور، وشدة مقاومتها، ونعني بشدة المقاومة هنا مدى تجاوب الطبقات الصخرية، لحركات الضغط المختلفة. ومن الملاحظ أن صخور القشرة الأرضية لا تستجيب لحركات الضغط الجانبية أو الرأسية بدرجة واحدة، وكذلك فإننا نلاحظ أن الصخور شديدة الصلابة تكون عرضة للتصدع والانكسار في حين أن الصخور الأقل مقاومة تتعرض للالتواء والثني والطي، والثنيات أو الطيات عبارة عن تموجات في صخور القشرة الأرضية "شكل٣٣أ". وتتكون كل ثنية من عدة أجزاء "شكل ٣٣ب".
ويجب أن لا يغيب عن أذهاننا ونحن في هذا المقام أن الثنيات مهما اختلفت أنواعها ما هي إلا ثنيات محدبة anticlines أو ثنيات مقعرة Synclines "شكل ٣٤ أ، ب".
فعندما تلتوي الطبقات إلى أعلى في صورة قوسية يسمى الالتواء محدبًا؛ وذلك لأن الطبقات التي تكون طرفي الالتواء تلتقي عند قمته Crest وعندما تلتوي الطبقات إلى أسفل على شكل حوض يسمى الالتواء مقعراً؛ وذلك لأن طرفيه يميلان معاً صوب قاعه، ويعرف الخط الذي يتقاطع
стр. 242
شكل "٣٤" الثنيات المحدبة والمقعرة
стр. 243
مع الزاوية المحصورة بين طرفي أي التواء سواء كان التواء محدبًا أو مقعراً بالمسطح المحوري Axial Plane أو محور الالتواء Fold axis١.
وتقسم الثنيات المحدبة والمقعرة إلى نوعين رئيسيين كالآتي:
стр. 244
١- الثنيات المحدبة والمقعرة المتماثلة Summetrical Folds
وفي هذه الحالة نجد أن محور الثنية ينصف الزاوية المحصورة بين ذراعي الثنية بالتساوي سواء أكانت محدبة أم مقعرة، كما أن المحور يكون عموديًّا على دائرة الأفق، وهذا يعني أن زاويتي ميل الطبقات على كلا جانبي المحور تكون متساوية أو تكاد، بالإضافة إلى ذلك فإن ذراعي الثنية يكونان متشابهين أو متقاربين في الطول "شكل ٣٥أ".
стр. 245
الثنيات المحدبة والمقعرة غير المتماثلة
مدخل
...
٢- الثنيات المحدبة والمقعرة غير المتماثلة Asymmetrical Folds
ومن أهم ما يلاحظ في هذه الحالة أن محور الثنية المحدبة أو المقعرة لا يكون عموديًّا على دائرة الأفق ولا ينصف الزاوية المحصورة بين ذراعي الثنية. بالإضافة إلى ذلك فإن ذراعي الثنية لا يكونان متساويين في الطول ولا متشابهين في الشكل "شكل ٣٥ب".
ومن الملاحظ أن الثنيات المحدبة تكون ظاهرة للعيان أكثر من الثنيات المقعرة. ويرجع ذلك إلى أن الثنيات المقعرة غالبًا ما تكون مغطاة بطبقات رسوبية وصخور منحدرة من أعالي الجبال الالتوائية المجاورة، وبهذا يختفي كثير من معالمها ويصعب ملاحظتها وتتعذر دراستها، وفي ضوء هذه الحقيقة فإننا سنتعرض لدراسة أشكال وخصائص بعض أنواع من الثنيات المحدبة. ويمكن تقسيم الثنيات المحدبة على أساس اختلاف درجة ميل محور والخصائص العامة على النحو التالي:
стр. 246
١- ثنية وحيدة الجانب ١ Monocline Fold or Monoclinal Flexing
من أهم مميزات هذا النوع من الثنيات أنها واسعة الانتشار، بالإضافة إلى ذلك فإنها توجد على مستويات محلية محدودة. ومما يلفت النظر في هذا الطراز أن لها طرفاً أو ذراعاً واحدة فقط. وتكون هذه الذراع إما متكئة أو مائلة. أما الذراع المائلة فإنها تختفي ويصعب تحديدها لأنها تصبح في مستوى الأفق "شكل ٣٦ أ".
стр. 247
٢- ثنية متكئة Overfold
والثنية المتكئة أصلاً عبارة عن ثنية غير منتظمة. وعندما زاد الضغط على طرفها العلوي انثنى تحته طرف الثنية السفلى. ويؤدي هذا الانثناء الزائد على الحد إلى تصدع في الطبقات في الأماكن التي يشتد فيها الالتواء، ويكون الطرف العلوي مائلًا "شكل ٣٦ب".
стр. 248
٣- ثنية نائمة Recumbent overfold
عندما يزيد الضغط الجانبي على الطرف العلوي للثنية المتكئة يصبح هذا الطرف في مستوى الأفق ويضطجع على الطبقات التي تحته مباشرة، وتعرف هذه الثنية أيضاً باسم الثنية المضطجعة. "شكل ٣٦جـ".
стр. 249
٤- ثنية نائمة متصدعة Overthrust
تنشأ هذه الثنية ومثيلاتها نتيجة لحدوث التواءات شديدة في طبقات القشرة الأرضية نتيجة لضغط أفقي زائد، كما هو الحال في الثنية النائمة.