← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 7468

المدخل إلى علم الجغرافيا والبيئة

محمد محمود محمدين

Полный текст (746 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٣- التضاريس: لا شك أن المناطق الجبلية تكون حواجز تفصل بين المناطق المختلفة، فتعوق انتشار الحيوانات، كما أن للمناطق المرتفعة حيواناتها التي تستطيع أن تعايش ظروف هذه المناطق من خفة حركة ومقدرة على السير في المناطق الوعرة مثل الماعز الجبلية واللاما في أمريكا الجنوبية، ومن ناحية أخرى لا تستطيع الحيوانات الضخمة أن تعيش في المناطق الجبلية.

стр. 457

٤- توزيع اليابس: أثر توزيع اليابس والماء في انتشار الحيوانات بحيث نجد تشابهها في نطاقات توزيع الحيوانات في نصف الكرة الشمالي نتيجة اتصال اليابس في كل من قارات العالم القديم آسيا وأفريقيا وأوروبا مما يسر انتقال الحيوانات وانتشارها. ويختلف نصف الكرة الجنوبي في تباعد أجزائه مما نشأ عنه عزلة بين قاراته وبالتالي انفردت كل منها بحيوانات معينة تشتهر بها، وعلى سبيل المثال انفردت قارة استراليا ببعض الحيوانات مما دعا بومان Bowman بوصفها بأنها "متحف أشكال الحياة القديمة". وتنطبق هذه العبارة إلى حد كبير على الحيوانات التي تعيش في استراليا. ففي استراليا يوجد حيوان يضع البيض كالطيور ويغطي جسمه الشعر، ويرضع صغاره، ويصل طوله إلى أكثر من نصف متر، ويطلق على هذا الحيوان بطة بلاتيبس Duck Billed Platypus.

стр. 458

ومن أشهر حيوانات استراليا القنغر أو "الكانغرو" الذي يستطيع العدو بسرعة تصل إلى ٦٤ كم في الساعة. وتنفرد أمريكا الجنوبية بحيواني اللاما والألبكا، ولعل أهم الأسباب في انفراد هاتين القارتين بتلك الحيوانات هو عزلتهما عن بقية يابس العالم، واتساع المساحات المائية التي تفصل بين هاتين القارتين وبقية قارات العالم.

стр. 459

الفصل الثامن: الإنسان والبيئة مدخل ... الفصل الثامن: الإنسان والبيئة يعد الإنسان أهم عامل حيوي وفعال في البيئة، ولقد كرمه الله وفضله على سائر عناصر البيئة، فيقول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [سورة الإسراء: آية ٧٠] . وسخر الله للإنسان كل عناصر بيئته وأمرنا ألا نعثوا في الأرض مفسدين، يقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [سورة الملك: آية ١٥] ، ويقول وقوله الحق: ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [سورة الأعراف: آية ٧٤] . بوأكم في الأرض: أي أسكنكم، وكلمة البيئة مشتقة من بوأ وتبوأ أي أقام وسكن واتخذ منزلًا، وعلى ذلك فبيئة الإنسان هي مكان سكناه وكل ما يحيط به من عناصر طبيعية كالماء والهواء والتربة والكائنات الحية من نبات وحيوان، وعناصر بشرية تشمل الإنسان بأنشطته المتنوعة الزراعية والصناعية وغيرها، وعلى هذا فإن خصائص النظام البيئي تتمثل في احتوائه على كائنات غير حية وكائنات حية وهو نظام معقد مبني على التفاعل بين عناصر مكوناته، وتشكل هذه العناصر المتفاعلة كلًّا متوازناً، لكن الإنسان وهو أكثر كائنات النظام البيئي فاعلية قد زاد نشاطه في استغلال موارد البيئة، فأدى إلى ظهور كثير من المشكلات البيئية،

стр. 460

ولقد مرت علاقة الإنسان ببيئته بتطورات كثيرة بدأت منذ مئات الآلاف من السنين حين كان الإنسان مجرد جامع لثمار النبات وأوراقه وجذوره، وفي هذه المرحلة لم يتعد أثر الإنسان أثر آكلات العشب، ثم تحول الإنسان إلي صائد قناص للحيوانات فأضحى أثره شبيهًا بآكلات اللحوم، تلت ذلك مرحلة استقرار وزراعة، أي مرحلة إنتاج للطعام بعد أن كان مجرد مستهلك، وفي تلك المرحلة أحدث الإنسان بعض تغيرات في بيئته لكنها لم تضر البيئة، ثم جاءت مرحلة الصناعة واستخدام المواد الكيماوية وتلويث الجو بأدخنة المصانع فظهرت مشكلات بيئية عديدة.١ إن الإنسان بطبيعته لا يستطيع العيش بعيداً عن موارد رزقه وعن أفراد جنسه، وبما أن موارد الرزق ليست موزعة بالتساوي على سطح كوكب الأرض فإننا نجد بنى البشر يكثرون في مناطق ويقلون أو ينعدمون في مناطق أخرى. ويختلف تأثيرهم في بيئاتهم تبعًا لأعدادهم وأساليب استغلالهم لموارد البيئة.

стр. 461

توزيع السكان على سطح الأرض والعوامل المؤثرة فيه مدخل ... أولاً: توزيع السكان على سطح كوكب الأرض والعوامل المؤثرة فيه ليس في مقدورنا أن نرجع في دراسة الإنسان إلى ما قبل العصر الحجري حينما احترف الجمع والالتقاط ثم تعلم الصيد واعتصم بالكهوف وكان أسيرا لظروف بيئته والمصادفات. ويقدر بعض الباحثين عدد السكان في العالم لفترة نهاية العصر الحجري القديم بنحو ٥ مليون نسمة، ويبنون تقديرهم هذا على أساس أن عدد السكان كان محدوداً ولم يزد لاعتمادهم على الصيد، والصيد كثير الأخطار وغير مضمون إذ إنه يرتبط بالحيوان والحيوانات تتوزع في مساحات شاسعة وهى سريعة العدو

стр. 462

ويقدر بعض العلماء أن فترة الجمع والالتقاط قد استمرت مدة طويلة جدًّا استغرقت ما بين ٩٨-٩٩% من فترة وجود الإنسان على سطح هذا الكوكب. وتقدم الإنسان خطوة أخرى على درب حضارته الطويل، فاهتدى إلى استئناس الحيوان وكان الكلب هو أول ما استأنسه الإنسان١، ثم بدأت الحيوانات الأخرى تتوالى في أسر الاستئناس، ويقدر عدد الحيوانات التي استأنسها الإنسان ببضعة وأربعين نوعًا. وكان نتيجة استئناس الحيوانات أن أصبح الإنسان حريصًا على حيواناته يحافظ عليها بعد أن كان يطاردها، وهكذا أصبح غذاؤه متوافرًا إلى حد ما، مما أدى إلى زيادة عدد سكان العالم حتى وصل إلى ٢٠ مليونًا في نهاية العصر الحجري الحديث كما قدر العلماء. وتعزى زيادة السكان في العصر الحجري الحديث إلى اكتشاف الزراعة، ويعد هذا الاكتشاف ذا أثر مهم في حياة الإنسان، إذ إنه اكتشف الاستقرار والتعاون والاطمئنان مع اكتشاف الزراعة، ولم يعد الإنسان يعيش تحت رحمة الحيوان صيدًا أو رعيًا، مطاردًا أو مصاحبًا، بل اعتمد على مساحة من الأرض تعطي الزرع سنويًّا فأصبح مورد الغذاء ثابتًا مضمونًا ومتجدداً ويفي بحاجات عدد كبير من البشر.

стр. 463

تطور عدد سكان قارات العالم "بالمليون" ١٦٥٠-١٩٩٩ ١

стр. 464

لقد انتقل الإنسان من حياة تعتمد على الحظ إلى حياة تعتمد على التخطيط، حيث بدأ في إنتاج المواد الغذائية عن طريق التوسع في الزراعة واستئناس الحيوان، ويطلق علماء الآثار على الفترة التي تحول فيها الإنسان إلى إنتاج الطعام عن طريق الزراعة واستئناس الحيوان اسم "حضارة العصر الحجري الحديث Neolithic ". وقد بدأت هذه المرحلة بعد الألف السابعة قبل الميلاد، ولقد نشأت وترعرعت هذه الحضارة في بلاد ما بين النهرين ووادي النيل ووادي نهر السند. وكانت أشهر الحبوب الزراعية الموجودة هناك آنذاك القمح والشعير، ومع ازدياد وسائل إنتاج الطعام ازداد عدد سكان العالم حتى بلغ ١٠٠ مليون في سنة ٣٠٠ ق. م، ووصل عدد سكان الأرض في الألف الأولى بعد الميلاد إلى ٤٠٠ مليون نسمة، وزاد هذا العدد إلى ٤٧٠ مليونًا سنة ١٦٥٠م وفق تقدير ويلكوس الأمريكي Willcox. وتبعا لتقديرات الأمم المتحدة وكارسوندرز Carr Saunders فإن سكان العالم قد تضاعفوا أربع مرات ونصف على مدى ثلاثة قرون أي في الفترة الواقعة ما بين ١٦٥٠، ١٩٥٠م وأصبح عددهم حوالي ٢٥٦٤ مليون نفس "شكل ٧٠". وقدر عدد سكان العالم سنة ٢٠٠٠م "١٤٢١هـ" بأكثر من ٦٠٠٠ مليون نسمة يتوزعون على مساحة من اليابس تقدر بنحو ١٣٥.٨ مليون كم٢ باستثناء القارة القطبية الجنوبية. وتصل نسبة الزيادة الصافية للسكان ١.٧% سنويًّا أو ما يزيد على ٩٠ مليون شخص كل عام.

стр. 465

شكل "٧٠" تطوير عدد سكان العالم

стр. 466

ويتوزع سكان العالم بين السلالات حسب اللون على النحو التالي: توزيع سكان العالم بين السلالات حسب اللون ويتوزع السكان على سطح الأرض توزيعا غير متساو، فمثلا نجد أن ٩٠% من السكان يشغلون مساحة تصل إلى ١٠% من مساحة اليابس. ويعيش غالبية السكان شمالي خط الاستواء، حيث يعيش نحو ٨٠% من سكان العالم بين دائرتي عرض ٢٠ ْو٦٠ ْشمالاً. وأهم تجمعاتهم هي شمال غرب أوروبا وشرقي آسيا، ولا يعيش جنوبي خط الاستواء سوى ١٠% من مجموع سكان العالم، وأول ما يخطر ببالنا أن هناك ارتباطاً وثيقا بين الإنسان وبيئته وأن توزيع السكان على سطح الأرض يمكن تفسيره من قراءة ظروف بيئته، لكننا نرى أن هناك أقاليم لم تتغير طبيعتها ومع ذلك تغير توزيع السكان فيها، ومن أمثلة ذلك أمريكا الشمالية قبل اكتشافها وحالتها الآن. وما نخرج به من دراسة توزيع السكان على سطح الأرض هو أن هناك مجموعة من الظروف الجغرافية الطبيعية والعوامل البشرية تتضامن في تفسير هذا التوزيع.

стр. 467

أثر الظروف والعوامل الجغرافية في توزيع السكان مدخل ... أ- أثر الظروف والعوامل الجغرافية في توزيع السكان إن توزيع السكان على سطح الأرض ليس بالظاهرة البسيطة ولا بالسهلة في طبيعتها وأسبابها، كما أنه لا يمكن ربطها بظاهرة طبيعية واحدة؛ لأنها في الحقيقة نتاج ظروف طبيعية وبشرية متعددة. ولكي ندرك مدى تأثير عناصر هذه الظروف لا بد من أن نربط بين كل عامل وبين توزيع السكان، ويمكن تقسيم الظروف المؤثرة في توزيع السكان إلى مجموعتين: ١- ظروف طبيعية: وهي دائمة التأثير، تأثر بها الإنسان إلى حد كبير ويؤثر فيها بقدر محدود. مثل المناخ، والتضاريس، والنباتات الطبيعية. والموارد المعدنية. ٢- عوامل بشرية: وهي من صنع الإنسان يتحكم فيها ويتأثر بها، مثل: الحرفة، والمواصلات، والحروب، والمشكلات السياسية. وفيما يلي مناقشة لعناصر كل مجموعة من هاتين المجموعتين:

стр. 468

أ- الظروف الطبيعية المناخ: يؤثر المناخ تأثيرا كبيرا في توزيع السكان، فضلا عن تأثيره المباشر في الغطاء النباتي وتوزيع الحيوانات، وهناك من الباحثين من رأى أن المناخ هو الذى صاغ حضارات الشعوب وقاد الهجرات البشرية وحدد ملامح طاقات الشعوب وشخصيتها.١ ويمكن تقسيم المناخ من حيث أثره في توزيع السكان إلى ما يلي:

стр. 469

- مناخات غير مناسبة للإنسان: مثل المناطق الشديدة البرودة، والمناطق شديدة الجفاف. وتتميز هذه المناطق بندرة أو انعدام السكان. - مناخات مناسبة للإنسان: وهي التي تسمح بتجمعات ضخمة من السكان كما هي الحال في المناطق المعتدلة والموسمية. ويمكن أن نناقش أثر المناخ عن طريق مناقشة عناصره على النحو التالى: الحرارة: لا تشجع البرودة استيطان نحو ربع مساحة يابس الكرة الأرضية، وتتمثل المناطق التي يقل السكان فيها بسبب شدة البرودة في شمال أمريكا الشمالية، شمال أوراسيا، والقارة المتجمدة الجنوبية "أنتاركتكا"، ومن المعروف أن نسبة عدد سكان المناطق الباردة التي تقع إلى الشمال من دائرة عرض ٦٠ ْشمالا ومنها: ألاسكا، وشمالي كندا، وغرينلند، وشمال سكنديناوه، تقل عن نصف بالمائة من سكان العالم، ويعتبر المناخ القطبي أحد المناخات المنفرة للإنسان؛ وذلك لانخفاض درجة الحرارة انحفاضا شديدا يجعل الجسم في احتياج متواصل إلي الدفء عن طريق التغذية والملابس والحركة والطاقة، بالإضافة إلى ما تحدثه أشعة الشمس المائلة من تأثير ضار على جسم الإنسان وعينيه أثناء الانقلاب الصيفي أو النهار الطويل في المناطق القطبية، وزد على ذلك بأن المناخ القطبي لا يساعد على إنتاج المواد الغذائية اللازمة للإنسان.١

стр. 470

المطر: يحول الجفاف الناشئ عن قلة المطر دون استغلال ما يقرب من ثلث مساحة يابس الكرة الأرضية، وتصل الكثافة في بعض المناطق إلي شخص واحد لكل عشرة كيلو مترات مربعة كما هي الحال في الصحراء الليبيية، ولا يسكن المناطق الجافة إلا نحو ٤% من مجموع سكان العالم على الرغم من أن نسبة مساحة هذه المناطق تصل إلى ٣٠ % من مساحة اليابس. ومما تجدر الإشارة إليه في دراسة تأثير المناخ في توزيع السكان ما يأتي: - لا تحتم المناخات المتشابهة توزيعا متشابها للسكان، بل تتباين المناطق المتشابهة في ظروفها المناخية من حيث كم السكان وكيفه ويتضح ذلك من مقارنة أوروبا حيث يعيش أكثر من ٧٢٠ مليونا بنفس المناطق المماثلة في الولايات المتحدة، ويتضح ذلك أيضا إذا ما قارنا المناطق الاستوائية في كل من أفريقيا وأمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا حيث يزيد السكان بمنطقة جنوب شرق آسيا التي تعد من المناطق المكتظة بالسكان. - تجذب المناطق المعتدلة المناخ جماعات بشرية تنتمي إلى كل العناصر والسلالات البشرية، فلقد تأقلمت العناصر السوداء والصفراء بسهولة في هذه المناطق، أما المناطق الاستوائية والحارة فحتى الآن لم تستطع العناصر البيضاء أن تتأقلم فيها وخصوصًا العناصر الوافدة من شمال أوروبا. - وللمناخ آثار غير مباشرة في النشاط الاقتصادي للسكان وبالتالي في توزيعهم، وعلى الرغم من أن المناخ لا يحتم على الإنسان نوعا معينا من النشاط البشري إلا أنه عامل تحديد وضبط أكثر منه عامل إجبار، فقد يقل

стр. 471

المطر فيسبب نقصًا في المحصولات الغذائية، وبالتالي تحدث المجاعات ويقل عدد السكان نتيجة لعدم وفاء البيئة بمطالب الإنسان الغذائية. وكذلك ترتبط بعض الأمراض بنطاقات معينة من المناخ مثل مرضى النوم والحمى الصفراء، وذلك في المناطق الاستوائية، ولهذه الأمراض تأثيرها في السكان. التضاريس: إن أي مكان على سطح الكرة الأرضية يكون ارتفاعه إما في مستوى سطح البحر أو أعلى من ذلك أو أقل، وهذه الأماكن بارتفاعاتها المختلفة تجعل من سطح الأرض رقعة متضرسة تبدو على هيئة جبال وسهول وهضاب وأودية ومنخفضات وغيرها، ويقصد بالتضاريس الاختلاف في مناسيب الارتفاع عن سطح البحر، إذ إن كل منطقة على سطح الأرض تبعد عن مركز الأرض بمقدار معين، والاختلاف في البعد عن مركز الأرض يؤدي إلى التباين في التضاريس. ولو أن سطح الأرض كان مستويًا، أي على بعد متساوٍ، من مركزها في جميع أجزائه، لاختفت التضاريس وأصبحت الكرة الأرضية كرة مائية يغلفها الماء بسمك لا يقل عن ٢.٤ كم، وأهم ما نلاحظه على ارتباط توزيع السكان بالتضاريس ما يلي: أ- يسكن الإنسان يابس سطح الأرض. ب- لا تشجع الجبال على الاستقرار إذا كانت شديدة الوعورة أو ذات منحدرات وخوانق عميقة؛ لأن ذلك يؤدي إلى صعوبة الحركة ويساعد على انجراف التربة وانهيارها، كما يؤدي الارتفاع كذلك إلى

стр. 472

انخفاض درجة الحرارة وإلى الإحساس بالبرد القارص، وللارتفاع تأثيره المهم فيما يتعلق بانخفاض نسبة الأوكسجين وانخفاض الضغط الجوي مما يؤدي إلى سرعة الإرهاق حينما يبذل الإنسان مجهودا بسيطا.١ ويؤدي الارتفاع إلى أكثر من ٣٠ ألف قدم إلى الوفاة. وقد أثبتت دراسات كثيرة أن أعداد السكان وكثافتهم تتناقص كلما ارتفعنا عن سطح البحر بسبب الصعوبات الناتجة والمرتبطة بذلك، ويقدر أن أكثر من ٥٦% من سكان العالم يعيشون على ارتفاع لا يزيد على ٢٠٠ متر فوق سطح البحر، وجدير بالذكر أن نسبة هذه الأرض أقل من ٢٨% من مساحة اليابس.٢ ولكي نتعرف على تأثير المرتفعات في توزيع السكان يحسن المقارنة بين أجزاء الولايات المتحدة الأمريكية السهلية الشرقية والجبلية الغربية في العروض المتشابهة، ويتضح لنا من هذه المقارنة أن ٩٠% من السكان يعيشون في المناطق الشرقية ويقل السكان بدرجة ملحوظة في المناطق الجبلية الغربية حيث تمتد جبال روكي وكاسكيد.

стр. 473

ج- ارتبط ظهور الحضارات البشرية القديمة بالمناطق السهلية بسبب سهولة الحركة والاتصال، وتتميز أكثر المناطق المزدحمة بالسكان بأنها أراضٍ سهلية أو شبه سهلية "شكل ٧١". وفي الحقيقة هناك عوامل أخرى إلى جانب العوامل الطبوغرافية، أدت إلى ازدحام المناطق السهلية مثل خصوبة التربة ووفرة المياه واعتدال الظروف المناخية. ولا نستطيع أن نجزم بأن المناطق السهلية مزدحمة بالسكان دائمًا؛ إذ إن هناك استثناء لهذه القاعدة حيث نجد سهولا فسيحة تتميز بقلة السكان مثل سهول سيبريا، والصحراء الكبرى، وسهول الأمزون. ويرجع ذلك إلى عوائق فاق تأثيرها تأثير الناحية الطبوغرافية مما قلل من الكثافة السكانية. إن ما نخرج به من دراسة أثر التضاريس في توزيع السكان هو أنها تسهم في شكل توزيع السكان، ومع ذلك فإن تأثيرها ليس ثابتا أو مطردًا، إذ إن الجبال ليست كلها خالية من السكان حيث تلجأ إليها بعض الجماعات المضطهدة من أجل الحماية، كما أن المناطق السهلية ليست بدائمة الازدحام، كما هي الحال في حوض الأمزون والمناطق الصحراوية والشديدة البرودة كما سبقت الإشارة.

стр. 474

شكل "٧١" توزيع السكان في العالم

стр. 475

النباتات الطبيعية: النبات الطبيعي نتاج عاملين هما التربة والمناخ وإن اختلفا في درجة التأثير، فمثلا يؤثر المناخ في التربة ذاتها إلى جانب تأثيره بدرجة كبيرة في النبات، ولذلك فإننا نجد تطابقا ملحوظا بين توزيع النبات وتوزيع الأقاليم المناخية. والنبات تعبير صادق عن الظروف الطبيعية التي تسود أية منطقة، وقلة النبات في منطقة ما قد تعني أمرين: الأول قلة الأمطار، والأمر الثاني انخفاض درجة الحرارة، فقلة النبات ظاهرة واحدة لكنها تعبر في الحقيقة عن ظاهرتين مختلفتين تمامًا. ونستطيع، بوجه عام، أن نقسم النباتات على سطح الأرض إلى تسعة أقاليم نباتية تندرج تحت ثلاثة أقسام كبرى: أ- غابات "حارة-معتدلة-باردة" ب- حشائش "حارة-معتدلة-باردة" ج- صحارٍ "حارة-معتدلة-باردة" وتعد الغابات المعتدلة أكثر الأقاليم النباتية جذبا للسكان، وكذلك الغابات الحارة التي أزال الإنسان بعض أشجارها واستغلها في الزراعة، ثم تأتي الحشائش الغنية في الجهات الحارة "السفانا" ويلي السفانا من حيث اجتذاب السكان الاستبس ثم أقاليم الحشائش الفقيرة ثم الغابات الباردة وتليها الحشائش الباردة. أما المناطق الصحراوية فهي أقل المناطق سكانا بسبب نقص الماء، والماء عنصر ضروري لنمو النبات، والنبات عماد حياة الإنسان والحيوان.

стр. 476

ومن الحقائق الجديرة بالذكر أن ترتيب صلاحية الأقاليم النباتية لحياة الإنسان لا يحتم توزيع السكان بالترتيب الذي ذكرناه. فهناك عوامل أخرى متعددة تلعب دورا مهما في توزيع السكان أيضا، وعلى سبيل المثال كانت صحراء أتاكاما بأمريكا الجنوبية شبه خالية من السكان منذ زمن بعيد، ولكن عدد السكان بدأ في الزيادة فيها خلال القرن التاسع عشر نتيجة لاكتشاف معدنين مهمين بها هما النحاس والنترات. التربة: قد تتشابه الظروف المناخية والتضاريسية في منطقة ما ومع ذلك يختلف توزيع السكان اختلافا موضعيا، فالتلال البركانية رغم خطورة السكنى بها تجتذب السكان بسبب خصوبة التربة فيها ووفرة مياهها كما هي الحال في جزر جاوه وصقلية واليابان. ولا تجتذب المناطق ذات التكوينات الكلسية السكان، ولا سيما تلك التي تتسرب فيها المياه، كما هي الحال في مناطق الكارست التي لا تصلح للسكنى بسبب تسرب الماء إلى أعماق بعيدة. وإذا حاولنا أن نقارن بين توزيع التربة وتوزيع السكان في العالم فإننا سنجد علاقة واضحة بين التوزيعين، فالتربة الصحراوية وتربة التندرا والتربات الحصوية أو الفقيرة تتفق حدودها مع المناطق النادرة السكان، كما تنخفض كثافة السكان في مناطق تربات اللاتريت بصفة عامة، وتربة البودزول التي يرتبط وجودها بإقليم الغابات المخروطية. الموارد الطبيعية: يقصد بالموارد الطبيعية المعادن ومصادر الطاقة، وتنقسم آثار الموارد المعدنية إلى آثار مباشرة وآثار غير مباشرة، وتتمثل الآثار المباشرة في

стр. 477

اجتذاب السكان للقيام بعمليات التعدين، والآثار المباشرة محدودة التأثير في توزيع السكان؛ لأن حرفة التعدين لا تتطلب كثيرًا من الأيدي العاملة كما هي الحال في الصناعة، ولذلك فإن الموارد الطبيعية قد توجد عمرانًا في مناطق غير معمورة، ولكنها عمومًا لا تؤدي إلى ارتفاع الكثافة السكانية في مساحة متسعة، كما أن العمران التعديني له طابع مؤقت تحدده كمية الاحتياطي من المعادن الموجودة، وإذا نفد المعدن هجرت هذه المناطق. ومن أشهر الأمثلة على ذلك مدينتا تعدين الذهب في غرب استراليا كولجاردي وكالجورلي، وفي مصر جمصة والغردقة اللتان نفد بترولهما، أما الآثار غير المباشرة فهي أكثر أهمية من الآثار المباشرة، إذ إن الموارد التعدينية كثيرا ما تجتذب الصناعة، والصناعة تجتذب السكان، والفحم أكثر المعادن التي تجتذب الصناعة وخصوصا صناعة الحديد والصلب؛ لأنها من الصناعات الأساسية التي تجتذب إلى جوارها عديدًا من الصناعات الأخرى، فالفحم هو أساس توطين الصناعة في معظم الدول الصناعية الكبرى في العالم مثل بريطانيا وفرنسا. ولا يجتذب البترول السكان بالقدر الذي يجتذبهم به الفحم، ويقتصر أثره تقريبًا في اجتذاب السكان على الآثار المباشرة. والبترول قلما يجتذب الصناعة لأسباب عديدة نذكر بعضًا منها: سهولة نقله، استهلاك معظم إنتاجه في النقل والاستخدامات المنزلية، معظم حقوله في مناطق صحراوية لا تغري بالسكن، كما أن كشف البترول جاء متأخرًا بعد أن توطنت الصناعة، إضافة إلى عدم تشجيع الشركات العالمية قيام صناعات بتروكيمائية في مناطق استخراج البترول.

стр. 478

ب- العوامل البشرية المؤثرة في توزيع السكان: تتمثل مجموعة العوامل البشرية التي تؤثر في توزيع السكان في: العادات والتقاليد، والهجرات، والحرف، ووسائل المواصلات والنقل، والحروب والمشكلات السياسية. ١- العادات والتقاليد: تؤثر العادات والتقاليد إلى حد كبير في توزيع السكان، فهناك بعض الشعوب التي تتباهى بكثرة النسل مثل الأقطار الزراعية التي تعتمد على الزراعة الكثيفة، وقد وجد أن نسبة المواليد في بعض هذه الدول تصل إلى ما بين ٤٥ و ٥٠ في الألف. وترتبط الحالة الصحية إلى حد ما بالعادات التي تسود الشعوب، وتختلف نسبة الوفيات باختلاف المستوى الصحي والاجتماعي والاقتصادي، ففي جنوب أفريقيا تصل نسبة الوفيات بين السود إلي ١٠٦ في الألف وبين البيض إلى ٢٧ في الألف. ٢- الهجرات: لا تؤثر الهجرة في تغيير أعداد السكان في العالم؛ إذ إن الإنسان مهما تنقل وهاجر فإن ذلك يكون من بقعة إلى أخرى على سطح الأرض، وبذلك تؤثر الهجرة في زيادة ونقص السكان من قطر إلى آخر ومن قارة إلى أخرى دون أن تؤثر في حجم عدد سكان العالم ككل. ويمكن تقسيم الهجرة إلى: هجرة خارجية وهي تتم بصورة فردية وجماعية من دولة إلى أخرى، ويمكن إرجاع هذه الهجرة لواحد أو أكثر من الأسباب الآتية: الأزمات السياسية أو الدينية، الأزمات الاقتصادية، وتشجيع السياسة الحكومية للنازحين أو الوافدين.

стр. 479

ومن أمثلة الهجرة الخارجية: الهجرة إلى الأمريكتيين والهجرة إلى استراليا وقد أدت الهجرات الخارجية إلى نتائج عديدة مثل استثمار الموارد الطبيعية، والتأثير في تركيب السكان من حيث الجنس والعمر، وظهور بعض المشكلات مثل مشكلة الزنوج في الولايات المتحدة الأمريكية ومشكلة التمييز العنصري في كل من جنوب أفريقيا وروديسيا وفلسطين المحتلة. هجرة داخلية: وهي تتم من منطقة إلى أخرى داخل الدولة الواحدة، وقد تكون الهجرة حركة يومية للسكان، أو حركات قصيرة الأمد أو هجرات موسمية. والهجرة الداخلية أكثر انتشارًا من الهجرة الخارجية، ولا تعترضها مشكلات، ويشجع عليها اتساع الدولة وتعدد أقاليمها ومواردها، والتحول من الزراعة إلى الصناعة، وسياسة الدولة. ٣- الحرف: يرتبط توزيع السكان إلى حد كبير بالحرفة، ولقد تدرج الإنسان في وسائل انتفاعه بسطح الأرض ومواردها، وانتقل من مرتبة الصيد إلى الرعي ثم إلى الزراعة فالصناعة، وأبسط الحرف التي يمارسها الإنسان هي حرفة الجمع والالتقاط حيث لا يقوم بأي مجهود سوى التنقل من ناحية إلى أخرى ليجمع الثمار وجذور النباتات والأعشاب، ولا تزال هناك جماعات تزاول هذه الحرفة حتى وقتنا الحاضر في أواسط أفريقيا. ويلي هذه الحرفة حرفة الصيد في البر أو البحر. وتتطلب حرفة الصيد من الإنسان آلة وقوة جسمانية. وتنتشر هذه الحرفة في الأقاليم القطبية، وتعتبر قبائل الإسكيمو من أشهر رعاة المناطق القطبية، ويكثر الصيادون في بعض الصحاري مثل البوشمن الذين يوجدون في صحراء كلهاري بأفريقيا وكذلك في الغابات الاستوائية.

стр. 480

أما بالنسبة لحرفة الرعي فتنتشر في مساحات فسيحة من سطح الأرض، ويحتاج الشخص الذي يعمل بالرعي إلى مساحة تصل إلى كيلو متر مربع كي يتحصل على ما يسد حاجته من الغذاء والكساء. وتختلف الكثافة بالنسبة للزراعة تبعا للأسلوب السائد "زراعة متنقلة، زراعة واسعة، زراعة كثيفة". أما المناطق الصناعية فهي أشد المناطق ازدحاما بالسكان وقد تصل الكثافة إلى بضعة آلاف في الكيلو متر المربع، ولئن كانت الصناعة تتوطن في المدن وفي مساحات محدودة، إلا أنها تجذب كثيرًا من الريفيين والباحثين عن الأجور المرتفعة، مما يولد تيارًا من الهجرة من الريف إلى مناطق الحضر، وقد شبه أحد الباحثين هذه الظاهرة بأنها نمط من أنماط التعرية السكانية التي تحدث في المناطق الريفية، يقابلها نمط من أنماط "الإرساب" السكاني في المدن والمناطق الصناعية١. ٤- وسائل المواصلات والنقل: لاتخفى آثار تطور وسائل وسبل المواصلات في التوزيع الحالي للسكان، وما عمرت الأمريكتان واستراليا إلا بعد الوصول إليها، ومما يؤيد ذلك تركز السكان على سواحل قارات الدنيا الجديدة حيث الموانئ التي استقر بها أو بالقرب منها المهاجرون القدامى. ويؤدي إنشاء الطرق إلى نمو مدن جديدة مثل مدن قناة السويس: بورسعيد، والإسماعيلية، وكذلك مدن وقرى خط حديد سيبريا. ويبدو من دراسة خطط المدن الحديثة أن العمران يمتد على طول الطرق المائية والسكك الحديدية والطرق البرية في شكل أشرطة من

стр. 481

المساكن والمصانع، ولا شك أن طرق النقل هي بمثابة شرايين تحمل العمران إلى كل مكان تصل إليه. ٥- العامل التاريخي والمشكلات السياسية: تتميز بعض المناطق بتاريخ عمراني طويل على الرغم من فقدانها للكثير من المزايا السابقة التي أسهمت في عمرانها، وعلى سبيل المثال مناطق الاستقبال للهجرات القديمة كما هي الحال في سواحل الأمريكتين وأفريقيا وآسيا حيث نجد أن العامل التاريخي يمكن أن يسهم في تفسير توزيع السكان الحالي، كما أن بعض العناصر السكانية لا تزال تتركز في بعض المناطق التي استقر بها أجدادهم على الرغم من تغير الظروف التي كانت سائدة آنذاك، وكما أن بصمات الماضي لا تخفى على كثير من الباحثين في موضوع توزيع السكان، فإن للحروب والمشكلات السياسية كذلك دورًا كبيرًا في زيادة الهجرة وبالتالي تغيير خريطة توزيع السكان، ومن أمثلة ذلك الحرب العالمية الثانية التي أدت إلى هجرة قدرت بنحو ٣٠ مليونا من البشر، وقد شهدت الهند وباكستان بعد الاستقلال سنة ١٩٤٧م أضخم حركة هجرة قدرت بنحو ١٨ مليونا، وقد تسببت حرب ١٩٤٨م في هجرة العرب من فلسطين، وكذلك أثرت حرب سنة ١٩٦٧م في توزيع السكان في مدن قناة السويس حيث تم تهجيرهم إلى المناطق الداخلية بمصر ولم يعودوا إلا بعد أن توقف القتال وتم بناء مساكن لهم. وقد تسببت المشكلات السياسية والداخلية والصراع على السلطة في هجرات خارجية مؤقتة كما هي الحال في أفغانستان حيث يقدر عدد النازخين فيها بسبب الصراع على السلطة بأكثر من ستة ملايين ١٩٩٣م، كما يقدر عدد الفلسطينيين الذي يعيشون خارج فلسطين بحوالي أربعة ملايين فلسطيني،

стр. 482

ويقدر عدد الصوماليين الذي فروا من بلادهم بسبب الحرب الأهلية بأكثر من ثلاثة أرباع مليون نسمة، ويقدر عدد لاجئي البوسنة والهرسك بأكثر من ٣٠٠ ألف. وجدير بالذكر أن المملكة العربية السعودية قد استضافت أثناء حرب تحرير الكويت في فبراير ١٩٩١م أكثر من مائة ألف لاجئ عراقي وقد عاد أغلبهم إلى العراق وفضل أكثر من ٣٠ ألف عراقي البقاء في ضيافة المملكة. خريطة توزيع السكان في العالم: من دراسة خريطة توزيع السكان في العالم "شكل ٧١" يتضح جليًّا أن هناك مناطق معمورة مزدحمة بالسكان ذات كثافات سكانية عالية١ مثل: منطقة شرقي آسيا، حيث يوجد أكبر تجمع سكاني ويتكون من الصين، وكوريا الشمالية والجنوبية، واليابان وتايوان وتمر دائرة عرض ٣٥ ْشمالًا في وسط هذا التجمع، أما التجمع الثاني فيقع في جنوبي آسيا ويضم الهند وباكستان وبنغلاديش وسري لانكا ويضم هذا التجمع نحو ٢٠% من مجموع سكان العالم، أما التجمع السكاني الثالث فيتركز حول دائرة عرض ٥٠ ْشمالًا ويمتد من بريطانيا غربًا حتى جبال الأورال في الشرق، ويتمثل رابع التجمعات السكانية في شرقي أمريكا الوسطي ويمتد حتى شرقي الولايات المتحدة الأمريكية. وجدير بالذكر أن هذه المناطق الأربع تقع في نصف الكرة الشمالي ويعيش فيها أكثر من أربعة مليارات من السكان، وتقع

стр. 483

ثلاثة من هذه التجمعات السكانية في أوراسيا "أوروبا + آسيا" بينما يقع التجمع السكاني الرابع الأقل حجمًا في شرقي أمريكا الوسطى والولايات المتحدة الأمريكية. وهناك مناطق قليلة السكان كما هي الحال في الصحراء الكبرى بشمالي أفريقيا حيث تقل الكثافة السكانية في بعض المناطق إلى شخص واحد في كل عشرة كيلو مترات، وكذلك الحال في صحاري كلهاري ووسط آسيا واستراليا وصحراء سونورا شمال غربي المكسيك وصحراء أريزونا وموهافي غرب الولايات المتحدة الأمريكية. وتتميز المناطق الشديدة البرودة بندرة سكانها كما هي الحال في شمالي كندا وفي القارة القطبية الجنوبية "أنتاركتكا" حيث تصل مساحتها إلى" أكثر من ١٣ مليون كم٢، ولا يسكنها إلا بضع عشرات من الباحثين والعسكريين. وجدير بالذكر أن خريطة توزيع السكان العالم لا تعرف الاستقرار؛ لأن سكان العالم في ازدياد مستمر حيث يصل معدل الزيادة الطبيعية إلى ١.٧ بالمائة وتحسب على النحو التالي: معدل المواليد لكل ألف من السكان - معدل الوفيات لكل ألف ÷ ١٠ معدل المواليد= عدد المواليد في السنة ÷ عدد السكان × ١٠٠٠ معدل الوفيات= عدد الوفيات في السنة ÷ عدد السكان × ١٠٠٠ وقد يزيد عدد سكان بعض الأقطار نتيجة الهجرة الوافدة، وتعرف الزيادة في عدد السكان بالنمو السكاني، ويحسب معدلها السنوي على النحو التالي: النمو السكاني= الزيادة الطبيعية + صافي الهجرة صافي الهجرة= الهجرة الوافدة - الهجرة المغادرة

стр. 484

وتختلف الزيادة السكانية من قارة إلى أخرى ومن قطر إلى آخر، ويقدر معدل الزيادة السكانية في العالم بنحو ١.٧% "كما سبقت الإشارة" حيث يصل معدل المواليد السنوي إلى ٢٨ بالألف ومعدل الوفيات السنوي إلى ١١ في الألف، ويصل معدل المواليد في أفريقيا إلى ٤٦ في الألف ومعدل الوفيات إلى ١٧ في الألف، وبذلك تكون الزيادة الطبيعية ٢.٩ في المائة، ويصل معدل المواليد في نيجيريا إلى ٥٠ في الألف ومعدل الوفيات ١٨ في الألف، وتصل الزيادة الطبيعية إلى ٣.٢ في المائة، ويصل معدل المواليد في أوروبا إلى ١٤ في الألف، ومعدل الوفيات على ١٠ في الألف، وتصل الزيادة الطبيعية إلى ٠.٤ في المائة. وتنقسم دول العالم وفق تباين معدلات المواليد والوفيات إلى أربعة أنماط وفق نموذج سكاني مرحلى متغير على النحو التالي١. "شكل ٧٢". ١- النمط البدائي: يتمثل هذا النمط بأنه مرحلة تتسم بزيادة المواليد وزيادة الوفيات مما لا يتيح إلا نموًّا منخفضًا في أعداد السكان، وقد عاشت أوروبا هذا النمط قبل الثورة الصناعية، ولا يتمثل هذا النمط حاليًا إلا في بعض الجزر المحيطية المعزولة وبعض مناطق غابات وسط أفريقيا. ٢- نمط النمو السكاني المبكر: يتميز هذا النمط بازدياد معدل المواليد وانخفاض معدل الوفيات، مما ينجم عنه ارتفاع معدل الزيادة الطبيعية إلى أكثر من ٣٠ في الألف أحيانًا، ومن أمثلة هذا النمط المملكة العربية السعودية ومعظم الدول العربية.

стр. 485

٣- نمط النمو السكاني المتزن أو الراشد: يمثل هذا النمط مرحلة نمو سكاني تتسم بقلة معدل المواليد مع انخفاض معدل الوفيات، وبالتالي تكون الزيادة السكانية الطبيعية قليلة، وتقل أحيانًا عن ٢ في المائة، ومن أمثلة هذا النمط هولندا "الزيادة الطبيعية ١١ في الألف" والولايات المتحدة الأمريكية "الزيادة الطبيعية ١١ في الألف" والولايات المتحدة الأمريكية "الزيادة الطبيعية ١٠ في الألف". ٤- نمط الثبات السكاني: يتميز هذا النمط بأنه مرحلة تتسم بقلة المواليد إلى حد كبير، وقلة الوفيات بحيث لا يتيح ذلك إلا معدلًا بطيئًا من النمو السكاني، وفي كثير من الأحيان يستقر مجموع عدد السكان، ولا تحدث زيادة طبيعية بسبب تساوي معدلي المواليد والوفيات، ومن أمثلة هذا النمط فنلندا التي يصل عدل الزيادة السكانية فيها إلى ٠.٤ في المائة.

стр. 486

شكل "٧٢" أنماط النمو السكاني ومراحله

стр. 487

السكان والطعام: لا شك أن ازدياد السكان يتطلب زيادة في إنتاح الطعام، وإذا لم يزد إنتاج الطعام بمعدل ازدياد عدد السكان فإن ذلك يتسبب في قلة نصيب الفرد من الطعام، وبالتالي تعرضه لأمراض سوء التغذية وغيرها من الأمراض، وقد تناول بعض الباحثين هذه القضية وعالجها معالجة تتسم بالتشاؤم، ولعل أشهر هؤلاء هو توماس مالتوس "١٧٦٦-١٨٣٤م" الذي رأى أن قدرة الإنسان على الإنجاب قدرة لا متناهية إذا ما قورنت بقدرة الأرض على إنتاج الغذاء. ويعبر عن ذلك بصيغة رقمية، فالسكان في رأيه يتزايدون وفق هذه القدرة بمتوالية هندسية على النحو التالي: "١، ٢، ٤، ٨، ١٦" ورأى مالتوس أن الزيادة السكانية هي المسئولة عن مشكلات الجوع والبطالة وسوء الأحوال الاقتصادية والصحية، وكان مالتوس من أشد المعارضين لقانون إغاثة الفقراء الذي يدعو إلى مساعدة الفقراء على العيش، وكان يرى أن الثروة هي مكافأة البارعين في صراع الحياة، وكان داروين "صاحب نظرية النشوء والارتقاء" من أشد المعجبين بنظرية مالتوس لأنها تتماشى مع نظريته١. وللأسف فإن كثيرًا من الباحثين يتعاطف مع نظرية مالتوس، لاعتقادهم أن الزيادة السكانية هي سبب كثير من المشكلات، والواقع أن المشكلة السكانية ليست مشكلة السباق بين النمو السكاني المرتفع ونمو الإنتاج المحدود، ولكنها مشكلة سوء تخطيط الموارد وعدم استغلال الإمكانات المتاحة والتقنية الملائمة.

стр. 488

وعلى الرغم من أن نظرية مالتوس قد ثبت فشلها ولم تتحقق مرئياتها، إلا أن هناك أصواتا ما زالت تصف الزيادة السكانية بأنها أشد خطرًا على العالم من أخطار القنابل الذرية، وقد رأى بول إرليش Paul R. Ehrich في كتابه "القنبلة السكانية The Population Bomb" الذي صدر ١٩٧٠م في نيويورك أنه لا سبيل أمام العالم إلا بتحديد النسل وتحفيض عدد البشر إلى حوالي ملياري نسمة ٢٠٢٥م١، ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل اقترح بعض العلماء الاعتماد على مواد كيماوية أو حتى فيروسات مضادة للخصوبة تبث في المياه أو الطعام للتعقيم الجماعي دون أن يدري الناس، واقترح ر. ب. كاولز R.B. Cowles أن تمنح النساء اللآتي لا ينجبن منحة انعدام الأطفال على ألا تدفع هذه المنحة إلا بعد وصولهن إلى سن اليأس، ويطلق على أمثال إرليش، وكاولز وغيرهما "أنصار المالتوسية الجديدة"، وقد أشاع هؤلاء اليأس بين الناس وبين الساسة والحكام، حتى أصبحنا نسمع ما يسمى بقضية "الانفجار السكاني" وهم يشبهون زيادة السكان بالانفجار الذي يدمر كل شيء، وسارع كثير من الدول بوضع برامج لتنظيم الأسرة عن طريق نشر حبوب منع الحمل، وأنفقت بعض الدول على قضية تحديد أو تنظيم النسل والدعاية لها مئات الملايين من الدولارات، وبلغ متوسط ما أنفقته بعض الدول على تلك البرامج بالنسبة للفرد أكثر مما أنفقته على التعليم والصحة ومع ذلك جاءت النتائج مخيبة للآمال.٢ إن الإنسان هو أغلى الثروات التى تملكها المجتمعات، ولقد كرمه الله على سائر مخلوقاته بما فيها موارد البيئة، والمشكلة السكانية ليست إلا

стр. 489

عجز النظام الاجتماعي في استغلال طاقات أبنائه في استثمار موارد البيئة، وعلى مستوى العالم لم يستثمر الإنسان إلا بعض طاقات الكرة الأرضية، إذ إن الأراضي الزراعية لا تمثل في الوقت الحاضر إلا ١٠% من مجموع مساحة اليابس، إلا أنه يمكن استصلاح ٤٠% من مساحة اليابس وإعدادها لإنتاج طعام يكفي أكثر من ٣٥ مليارًا من البشر أي أكثر من خمسة أمثال مجموع سكان العالم، كما أن إنتاج الأسماك من البحار والمحيطات يقدر حاليًا بنحو ٧٠ مليون طن، يمكن أن يزاد بالمستوى التكنولوجي الحالي نفسه إلى ما بين ١٠٠-١٥٠ مليون طن سنويًّا. وينبغي لنا نحن المسلمين ألا ننساق إلى التشاؤم وإلى ترديد عبارات العجز "الانفجار السكاني" و"الخطر السكاني" بل علينا أن نضاعف الجهود وأن نستثمر إمكاناتنا على الوجه الأمثل وأن نعتمد على جهودنا الذاتية ونستخدم كل الطاقات المتاحة من أجل تحقيق التحرر الاقتصادي.

стр. 490

الإنسان واستغلال موارد بيئته مدخل ... ثانيًا: الإنسان واستغلال موارد بيئته بدأت حياة الإنسان على هذا الكوكب بسيطة سهلة. لكن الإنسان دأب منذ أن خلقه الله على ابتكار الوسائل التي تيسر له الحياة وتوفر له المشرب والمأكل والمسكن والملبس. وعلى الرغم من اختلاف الوسائل والسبل التي يحصل بها الإنسان على مطالبه إلا أن هذه الوسائل لا تخرج عن الميادين الستة التالية: الجمع والالتقاط، الصيد، الرعي، الزراعة، التعدين، الصناعة. وتقسم وسائل استغلال الإنسان لموارد بيئته إلى ثلاثة قطاعات أو مراتب هي:

стр. 491

أ- الحرف الأولية: وهي التي تعتمد على موارد البيئة من الطبيعة مباشرة دون تعديل أو تغيير مثل الجمع والالتقاط والصيد وقطع الأخشاب. ب- الحرف الثانوية: وهي حرف تحويلية "صناعة" تعتمد على المنتجات والخامات الزراعية. ج- حرف المرتبة الثالثة: وتتمثل في التجارة والخدمات وتعتمد على منتجات الحرف الأولية والثانوية. ويمكن أن نناقش تطور وسائل الإنسان لاستغلال موارد بيئته على النحو التالي:

стр. 492

حرف الجمع الالتقاط والصيد ونظمها البيئية ... ١- حرف الجمع والالتقاط والصيد ونظمها البيئية: من أقدم حرف الإنسان وأبسطها؛ حيث يعتمد فيها الإنسان على موارد بيئته دون عناء يذكر، فيجمع الثمار البرية وجذور النبات والحشرات. وقد استغرقت هذه المرحلة التي اكتفى فيها الإنسان بالاعتماد على موارد بيئته آلاف السنين. ورغم مرور عشرات الآلاف من السنين على تحول معظم شعوب الأرض عن هذه الحرفة فما زالت بقايا تستحق الذكر من جماعات بشرية كثيرة تعيش على الجمع والالتقاط والصيد "شكل ٧٣". ومن أشهر هذه الجماعات البوشمن والسيمانج والاستراليون الأصليون وسكان تيرادلفويغو، لقد زادت المعرفة بالحيوان وتنوعت أدوات وأساليب الصيد حيث انتهت إلى هؤلاء الأقوام تجارب أجدادهم عبر آلاف السنين وتناقلتها الأجيال، ومما يذكر عن هنود الأتاباسكان Athapascans أن لديهم ١٧٦ أداة للصيد منها ٢٣ لصيد الأسماك. ويشترك

стр. 493

شكل "٧٣": حرفة الجمع والالتقاط

стр. 494

أولئك الذين يعتمدون حتى اليوم على الجمع والالتقاط مع نظرائهم السابقين في أنهم يمارسون عملا واحدا لا يتغير، وأن خزن الطعام بالنسبة لهم أمر صعب غير متيسر، وهكذا فإنهم يستهلكون طعامهم بمجرد حصولهم عليه مباشرة.

стр. 495

٢- حرفة الرعي: في العصر الحجري الحديث تقدم الإنسان خطوة أخرى في طريق استغلال بيئته، لقد استأنس الحيوان ولم يعد يطارده ليقتله، بل أصبح حريصا عليه يهتم به ويرعاه. ولقد أحدث هذا التحول تغييرا كبيرا في المجتمع تردد صداه وامتدت آثاره في بيئة الإنسان الطبيعية. وكانت غالبية الحيوانات التي نجح الإنسان في استئناسها من "العواشب" أي التي تعتمد على العشب في غذائها، وكانت هذه الحيوانات هي التي تقود الإنسان في تحركاتها إلى المناطق العشبية، لكن الإنسان نجح بعد ذلك في توجيه تحركاتها. وعلى الرغم من مرور عشرات الآلاف من السنين على نجاح الإنسان في استئناس الحيوان لأول مرة إلا أن الإنسان لم ينجح في إضافة حيوانات جديدة ذات أهمية كبيرة إلى قائمة الحيوانات المستأنسة منذ انتهاء العصر الحجري حتى الآن.١
следующие страницы →