أما مالك بن نويرة فإنه ندم على ما فعل لاتباعه سجاح وتحير في أمره وسار خالد بن الوليد بعد أن فرغ من فزارة وغطفان وأسد وطيء يريد البطاح، وبها مالك بن نويرة قد تردد عليه أمره، وتخلفت الأنصار عن خالد وقالوا ما هذا بعهد الخليفة إلينا إن نحن فرغنا من بزاخة أن نقيم حتى يكتب إلينا فتركهم خالد ومضى، وندمت الأنصار ولحقوه ثم سار حتى قدم البطاح فلم يجد فيها أحدا، وكان مالك بن نويرة قد فرقهم ونهاهم عن الاجتماع فلما قدم خالد البطاح بث السرايا وأمرهم بداعية الإسلام وأن يأتوه بكل من لم يجب، وإن امتنع أن يقتلوه، فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر من بني ثعلبة بن يربوع، وكان فيهم أبو قتادة، فشهد أنهم قد أذنوا وأقاموا وصلوا، وقال قوم إنهم لم يفعلوا ذلك، فلما اختلفوا في أمرهم أمر خالد بن الوليد بحبسهم فحبسوا في ليلة باردة وأمر مناديا فنادى أدفئوا أسراكم، وهي في لغة كنانة القتل فظن القوم أنه أراد القتل ولم يرد إلا الدفء فقتلوهم فقتل ضرار بن الأزور مالكا، وسمع خالد الداعية فخرج وقد فرغوا منهم فقال: إذا أراد الله أمرا أصابه١.
زواج خالد٢
تزوج خالد أم تميم امرأة مالك بن نويرة، ولما وصل الخبر إلى المدينة قال عمر لأبي بكر: إن سيف خالد فيه رهق٣ وأكثر عليه في ذلك، فقال يا عم: تأول فأخطأ فارفع لسانك عن خالد فإني لا أشيم٤ سيفا سله الله على الكافرين وودى مالكا، وكتب إلى خالد أن يقدم عليه ففعل ودخل المسجد وعليه قباء وقد غرز في عمامته أسهما فقام عمر فنزعها وحطمها، وقال له: قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته والله لأرجمنك بأحجارك وخالد لا يكلمه يظن أن رأي أبي بكر مثله، ودخل على أبي بكر فأخبره الخبر واعتذر إليه فعذره، وتجاوز عنه وعنفه في التزويج الذي كانت عليه العرب من كراهته أيام الحرب فخرج خالد وعمر جالس، فقال: هلم إلي يا ابن أم شملة فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلمه، وقدم أخوه متمم بن نويرة على أبي بكر يطالب بدم أخيه ويسأله أن يرد عليهم سبيهم فأمر أبو بكر برد السبي وودى مالكا من بيت المال، غير أن سير ويليام موير يقول في كتابه "الخلافة " طبعة ١٩٢٤ صفحة ٢٦ إن أبا بكر أمر برد الأسرى لكنه رفض أن يدي مالكا من غير أن يشير إلى المصدر الذي استند إليه في الرفض، وهذا يخالف ما جاء في تاريخ الطبري والكامل لابن الأثير وأسد الغابة، فقد ورد في هذه المراجع أن أبا بكر أمر برد السبي وودى مالكا، وقد كانت زوجة مالك بن نويرة غاية الجمال، وكان خالد بن الوليد يحبها فقتل زوجها مالكا ليتزوجها مع أنه أقر بالإسلام، وقال مالك عندما أمر خالد بقتله: إن هذه التي قتلتني يريد زوجته، وهذا الذي استوجب غضب عمر على خالد، وكان يريد أن يرجمه باعتباره زانيا.
стр. 37
وفي زواج خالد بزوجة مالك بن نويرة يقول أبو نمير السعدي:
ألا أقل لحي أوطئوا بالسنابك١ ... تطاول هذا الليل من بعد مالك
قضى خالد بغيا عليه بعرسه ... وكان هوى فيها قبل ذلك
فأمضى هواه خالد غير عاطف ... عنان الهوى عنها ولا متمالك
فأصبح ذا أهل وأصبح مالك ... إلى غير أهل هالكا في الهوالك
كان ممن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الحارث بن ربعي أخو بني سلمة وقد كان عاهد الله أن لا يشهد مع خالد بن الوليد حربا أبدا بعدها وكان يحدث أنهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح قال: فقلنا: إنا المسلمون، فقالوا: ونحن المسلمون، قلنا: فما بال السلاح معكم؟ قالوا: فما بال السلاح معكم؟ قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح، قال فوضعوها ثم صلينا وصلوا، وكان خالد يعتذر في قتله أنه قال وهو يراجعه: ما إخال٢ صاحبكم إلا وقد كان يقول كذا وكذا، قال أو ما تعده لك صاحبا؟ ثم قدمه وضرب عنقه وعنق أصحابه.
стр. 38
موقعة اليمامة١ آخر سنة ١١هـ وبدء سنة ٦٣٣ م
كان خالد بن الوليد يحارب المرتدين في اليمامة من أتباع مسيلمة، واليمامة موطن بني حنيفة في وسط شبه جزيرة العرب وفي اتجاه الشرق قليلا، الشرق منها يوالي البحرين وبني تميم، والغرب يوالي أطراف اليمن والحجاز والجنوب نجران، والشمال أرض نجد، وطول اليمامة عشرون مرحلة وهي على أربعة أيام من مكة، بلاد نخل وزرع.
بلغ عدد جيوش مسيلمة ٤٠. ٠٠٠٠ مقاتل وهؤلاء هم الذين سار خالد لمحاربتهم.
كان مسيلمة رجلا صغير الجسم دميم الوجه له كفاءة تؤهله للزعامة، وكان قد قدم إلى النبي ﷺ في وفد بني حنيفة واجتمع برسول الله ﷺ ثم رجع إلى قومه وادعى أنه شريك رسول الله في النبوة، فاتبعه بنو حنيفة، وكتب مسيلمة إلى رسول الله يذكر أنه شريكه في النبوة وأرسل كتابا مع رسولين فسألهما رسول الله عنه فصدقاه، فقال لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما، وكان كتاب مسيلمة:
من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد فإني أشركت معك في الأمر وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها ولكن قريش قوم يعتدون. ٢
فكتب إليه رسول الله:
"بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب أما بعد فالسلام على من اتبع الهدى فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين" ٣
فلما مات رسول الله وبعث أبو بكر السرايا إلى المرتدين أرسل عكرمة بن أبي جهل في عسكر إلى مسيلمة، وأتبعه شرحبيل بن حسنة فاستعجل وانهزم وأقام شرحبيل بالطريق حين أدركه الخبر وكتب عكرمة إلى أبي بكر بالخبر، فكتب إليه أبو بكر:
لا أرينك ولا تراني، لا ترجعن فتوهن الناس، امض إلى حذيفة وعرجفة فقاتل أهل عمان ومهرة ثم تسير أنت وجندك لا تستبرئون الناس حتى تلقى بها مهاجر بن أبي أمية باليمن وحضرموت٤.
وكتب إلى شرحبيل بالمقام إلى أن يأتي خالد فإذا فرغوا من مسيلمة تلحق بعمرو بن العاص تعينه على قضاعة.
فلما رجع خالد من البطاح إلى أبي بكر واعتذر إليه فقبل عذره وأوعب معه المهاجرين
стр. 39
والأنصار، وعلى الأنصار - ثابت بن قيس بن شماس - وعلى المهاجرين - أبو حذيفة وزيد بن الخطاب - وأقام خالد بالبطاح ينتظر وصول البعث إليه، فلما وصلوا إليه سار إلى اليمامة بجيشه لملاقاة العدو.
ولما بلغ مسيلمة دنو خالد ضرب عسكره بعقرباء، وخرج إليه الناس وخرج مجاعة بن مرارة في سرية يطلب ثأرا لهم في بني عامر - فلم يكن يقصد قتال المسلمين - فأخذه المسلمون وأصحابه وقتلهم خالد واستبقاه لشرفه في بني حنيفة وكانوا ما بين أربعين إلى ستين وترك مسيلمة الأموال وراء ظهره.
وفي صباح اليوم التالي التقى الجيشان بسهل عقرباء وقال شرحبيل بن مسيلمة: يا بني حنيفة قاتلوا فإن اليوم يوم الغيرة فإن انهزمتم تستردف النساء سبيات وينكحن غير خطيبات، فقاتلوا عن أحسابكم وامنعوا نساءكم فاقتتلوا بعقرباء١.
وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حنيفة، وكانت مع عبد الله بن حفص بن غانم فقتل فقالوا لسالم: نخشى عليك من نفسك فقال: بئس حامل القرآن أنا إذا٢.
وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس وكان أول من لقي المسلمين نهار الرجال بن عنفوة، فقتله زيد بن الخطاب واشتد القتال ولم يلق المسلمون حربا مثلها قط وانهزم المسلمون وخلص بنو حنيفة إلى مجاعة وإلى خالد فزال خالد عن الفسطاط ودخلوا إلى مجاعة وهو عند زوجة خالد يحرسها فأرادوا قتلها فنهاهم مجاعة عن قتلها وقال أنا لها جار فتركوها وقال لهم: عليكم بالرجال فقطعوا الفسطاط وحاق٣ الخطر بالمسلمين في هذه الساعة وأخذ بعضهم يحث على القتال ويستفز الهمم، فقال ثابت بن قيس:
بئس ما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين، اللهم إني أبرأ إليك مما يصنع هؤلاء - يعني أهل اليمامة - وأعتذر إليك مما يصنع هؤلاء - يعني المسلمين - ثم قاتل حتى قتل.
وقال زيد بن الخطاب:
لا تحوز بعد الرجال، والله لا أتكلم اليوم حتى نهزمهم، أو أقتل فأكلمه بحجتي، غضوا أبصاركم، وعضوا على أضراسكم أيها الناس واضربوا في عدوكم وامضوا قدما.
وقال أبو حذيفة:
يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال.
وقد كانت لهذه الكلمات الحماسية أثرها في النفوس فحمل خالد في الناس حتى ردهم إلى أبعد مما كانوا واشتد القتال وقاتل العدو قتال المستميت، وكانت الحرب يومئذ تارة للمسلمين، وتارة لبني حنيفة، وقتل سالم وأبو حذيفة وزيد بن الخطاب وغيرهم من كبار المسلمين.
стр. 40
ولما رأى خالد ما الناس فيه واختلاط جيشه، أراد أن يميزهم لتدب فيهم روح الغيرة فقال:
امتازوا أيها الناس لنعلم بلاء كل حي ولنعلم من أين نؤتى ١.
وكان أهل البوادي قد جنبوا المهاجرين والأنصار، وجنبهم المهاجرين والأنصار، فلما امتازوا قال بعضهم لبعض: اليوم يستحى من الفرار فما رئي يوم أعظم نكاية، غير أن القتل كان في المهاجرين والأنصار وأهل القرى أكثر منه في البوادي.
وثبت مسيلمة فدارت رحاهم عليه، وأدرك خالد أن الحالة لا تهدأ إلا إذا قتل مسيلمة فحمل عليهم ودعا إلى البراز ونادى بشعار المسلمين يومئذ وكان يا محمداه فلم يبرز إليه أحد إلا قتله، وحمل على مسيلمة ففر وفر أصحابه، وصاح خالد في الناس فهجموا عليهم فكانت الهزيمة، ونادى المحكم بن الطفيل وهو أحد قواد بني حنيفة المشهورين: يا بني حنيفة الحديقة، الحديقة ثم رماه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بسهم فوضعه في نحره فقتله، وكان ممن دخل الحديقة مسيلمة، وقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة، فتردد المسلمون خوفا عليه، ثم احتملوه فألقوه، فلما أشرف على الحديقة من الجدار اقتحم فقاتلهم عن باب الحديقة التي كانت مغلقة حتى فتحها للمسلمين فاندفع المسلمون إليها كالسيل الجارف، فأغلق الباب عليهم بعد دخولهم جميعا، ورمى بالمفتاح من وراء الجدار حتى لا يتمكن أحد من الخروج فاقتتلوا قتالا شديدا وقتل مسيلمة، قتله وحشي مولى جبير بن مطعم ورجل من الأنصار كلاهما قد أصابه، ووحشي هذا هو قاتل حمزة كما تقدم في السيرة النبوية، فولت بنو حنيفة عند قتله منهزمة وأخذهم السيف من كل جانب حتى قتلوا عن آخرهم وأخبر خالد بقتل مسيلمة فخرج بمجاعة يرسف في الحديد ليدله على مسيلمة وأخذ يكشف له عن جثث القتلى حتى عثر عليه، فقال مجاعة لخالد: ما جاءك إلا سرعان الناس وإن جماهير الناس لفي الحصون، فقال ويلك ما تقول؟ قال: هو والله الحق فهلم لأصالحك عن قومي، وكان خالد نهكته الحرب وأصيب معه من أشراف الناس من أصيب فقد رق وأحب الدعة والصلح، ثم قال مجاعة: أنطلق إليهم فأشاورهم وننظر في هذا الأمر فأرجع إليك فانطلق ودخل الحصون، وليس فيها إلا النساء والصبيان، ومشيخة فانية ورجال ضعفى فظاهر الحديد على النساء وأمرهن أن ينشرن شعورهن وأن يشرفن على رؤوس الحصون حتى يرجع إليهم ثم رجع فأتى فقال: قد أبوا ما صالحتك عليه وقد أشرف لك بعضهم نقضا علي وهم مني براء - فنظر خالد إلى رؤوس الحصون وقد اسودت - ولكن إن شئت صنعت شيئا فعزمت على القوم، قال: ما هو؟ قال: تأخذ مني ربع السبي وتدع ربعا، فقال قد فعلت، قال: قد صالحتك٢. فلما فرغ فتحت الحصون فإذا ليس فبها إلا النساء والصبيان والشيوخ فقال خالد لمجاعة: ويحك خدعتني. قال: قومي ولم أستطع إلا ما صنعت.
стр. 41
وقيل: صالحه خالد على الذهب والفضة والسلاح ونصف السبي ولما عرض هذا الصلح عارض قوم من بني حنيفة، ومنهم سلمة بن عمير الحنفي فإنه أبى إلا الحرب وتجنيد أهل القرى والعبيد غير أن مجاعة أصر على الصلح وكتب خالد كتاب الصلح وهذا نصه:
هذا ما قاضى عليه خالد بن الوليد مجاعة بن مرارة وسلمة بن عمير وفلانا وفلانا: قاضاهم على الصفراء، والبيضاء، ونصف السبي والحلقة والكراع وحائط من كل قرية ومزرعة على أن يسلموا ثم أنتم آمنون بأمان الله ولكم ذمة خالد بن الوليد، وذمة أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ وذمم المسلمين على الوفاء١.
ثم وصل كتاب أبي بكر إلى خالد أن يقتل كل محتلم لكنه وصل متأخرا لأن خالدا كان قد صالحهم فوفى لهم ولم يغدر، والذي أوصل كتاب أبي بكر هو سلمة بن سلامة بن وقش.
وحشرت بنو حنيفة إلى البيعة والبراءة مما كانوا عليه إلى خالد، وخالد في عسكره.
محاولة اغتيال خالد
لما اجتمعت بنو حنيفة للبيعة، قال سلمة بن عمير لمجاعة استأذن لي على خالد أكلمه في حاجة له عندي ونصيحة، وقد أراد أن يفتك به فأذن له، فأقبل سلمة بن عمير مشتملا على السيف يريد ما يريد، فقال خالد: من هذا المقبل؟ قال مجاعة: هذا الذي كلمتك فيه وقد أذنت له، قال: أخرجوه عني، فأخرجوه عنه ففتشوه فوجدوا معه السيف فلعنوه وشتموه وأوثقوه وقالوا: لقد أردت أن تهلك قومك، وايم الله ما أردت إلا تستأصل بنو حنيفة، وتسبى الذرية والنساء، وايم الله لو أن خالدا علم أنك حملت السلاح لقتلك وما نأمنه إن بلغه أن يقتل الرجال ويسبي النساء بما فعلت فأوثقوه وجعلوه في الحصن وتتابع بنو حنيفة على البراء مما كانوا عليه وعلى الإسلام.
وعاهدهم سلمة على أن لا يحدث حدثا ويتركوه فأبوا ولم يثقوا بحمقه أن يقبلوا منه عهدا، فأفلت ليلا فعمد إلى عسكر خالد فصاح به الحرس وفزعت بنو حنيفة فأتبعوه فأدركوه في بعض الحوائط، فشد عليهم بالسيف، فاكتنفوه بالحجارة وأجال السيف على حلقه فقطع أوداجه٢.
стр. 42
زواج خالد للمرة الثانية١
تقدم عند ذكر قصة مالك بن نويرة أن خالد بن الوليد تزوج أم تميم امرأة مالك بعد قتله، وأن أبا بكر لما استدعاه إليه عنفه على ذلك لكنه في هذه المرة أراد أن يتزوج أيضا بابنة مجاعة فعرض عليه ذلك، فقال له مجاعة: مهلا إنك قاطع ظهري، وظهرك معي عند صاحبك قال: أيها الرجل زوجني فزوجه، فبلغ ذلك أبا بكر، فكتب إليه كتابا شديد اللهجة وهذا ما جاء فيه:
لعمري يا ابن أم خال إنك لفارغ تنكح النساء وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجف بعد.
فلما نظر خالد في الكتاب جعل يقول: هذا عمل الأعيسر يعني عمر بن الخطاب.
ثم ذهب وفد من بني حنيفة إلى أبي بكر وقص عليه ما كان من أمر مسيلمة، وسألهم عن بعض أسجاع مسيلمة فقالوا له شيئا منها فقال: ويحكم إن هذا الكلام ما خرج إلا من إل ولا بر فأين يذهب بكم؟
خسائر بني حنيفة: قتل بعقرباء ٧٠٠٠، وبالحديقة نحو ٧٠٠٠، وفي الطلب نحو منها، وكانت موقعة عقرباء أعظم مواقع أهل الردة.
خسائر المسلمين: قتل من المهاجرين والأنصار من المدينة ٣٦٠ ومن المهاجرين من غير المدينة ٣٠٠ أو يزيدون عدا الجرحى.
стр. 43
أسماء من قتل باليمامة من مشهوري الصحابة
أبو حبة بن غزية الأنصاري.
أبو دجانة الأنصاري.
أبو عقيل البلوي.
أبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي.
جنادة بن عبد الله المطلبي القرشي.
زرارة بن قيس الأنصاري.
السائب بن عثمان بن مظعون الجمحي.
السائب بن العوام أخو الزبير لأبويه.
سعد بن جماز الأنصاري.
سلمة بن مسعود بن سنان الأنصاري.
شجاع بن وهب الأسدي.
صفوان بن عمرو.
ضرار بن الأزور الأسدي.
الطفيل بن عمرو الدوسي.
عامر بن ثابت بن سلمة الأنصاري.
عائذ بن ماعص الأنصاري.
عباد بن بشر الأنصاري.
عباد بن الحارث الأنصاري.
عبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي.
عبد الله بن عبد الله بن أبي سلول.
عبد الله بن عتيك الأنصاري.
عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى العامري.
علي بن عبيد الله بن الحارث.
стр. 44
عمارة بن حزم الأنصاري.
عمير بن أوس بن عتيك الأنصاري.
فروة بن النعمان.
قيس بن الحارث بن عدي الأنصاري.
مالك بن أمية السلمي.
مالك بن عمرو السلمي.
مالك بن أوس بن عتيك الأنصاري.
مسعود بن سنان الأسود.
معن بن عدي بن الجد البلوي.
النعمان بن عصر بن الربيع البلوي.
هريم بن عبد الله المطلبي القرشي.
ورقة بن إياس بن عمرو الأنصاري.
الوليد بن عبد شمس بن المغيرة المخزومي ابن عم خالد.
يزيد بن أوس.
يزيد بن ثابت أخو زيد بن ثابت.
стр. 45
أسجاع١ مسيلمة ٢
كان مسيلمة يصانع قومه ويلاطفهم مع ادعائه النبوة ليلتفت قومه حوله وليكثر أتباعه وأنصاره، وقد ساعده على ذلك نهار الرحال بن عنفوة الذي كان قد هاجر إلى النبي ﷺ وقرأ القرآن وفقه في الدين وبعثه معلما لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة، لكنه ما لبث أن انضم إلى مسيلمة وصدقه في الظاهر. لذلك قيل إنه كان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة وهو الذي شهد أن محمدا ﷺ شهد لمسيلمة أنه رسول الله، وقد اتفق المؤرخون على أن مسيلمة ادعى النبوة قبل وفاة رسول الل، هـ غير أن الأستاذ مرجوليث يزعم أنه تنبأ قبل مبعث رسول الل، هـ وهذا من الغرابة بمكان وليس في التاريخ ما يؤيد زعمه، فما الذي ألجأه إلى ذلك؟ إن السبب الذي دعاه إلى ذلك هو نفس السبب الذي دفعه إلى الاعتراض والطعن في السيرة النبوية لتشويهها إنه يريد أن يفهم القارئ أن رسول الله هو الذي قلد مسيلمة وحذا حذوه فادعى النبوة وهو يعلم حق العلم أن مسيلمة كذاب وأنه مقلد طامع في الملك ولهذا قدم إلى النبي ﷺ في وفد بني حنيفة وسأله أن يشركه معه في النبوة فأبى وحاول أن يضاهي القرآن تغريرا بعقول السذج من قومه فجاء كلامه سخيفا.
وإنا بعد ذلك نورد من أسجاعه ما عثرنا عليه ليتبين القارئ هذا المتنبئ ومبلغ علمه
١- والليل الدامس٣ والذئب الهامس٤ ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس٥
٢- والليل الأطحم٦ والذئب الأدلم٧ والجذع الأزلم٨ مانتهكت أسيد من محرم.
٣- إن بني تميم قوم طهر لقاح لا مكروه عليهم ولا إتاوة، نجاورهم ماحيينا بإحسان نمتعهم من كل انسان فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن.
٤- والشاء والوانها وأعجبها السود وألبانها والشاه السوداء واللبن الابيض إنه لعجب محفص وقد حرم المذق فما لكم لا تمجعون.
٥- ياضفدع ابنة ضفدعين مقي ماتنقين أعلاك في الماء واسفلك في الطين لا الشارب تمنعين
стр. 46
ولا الماء تكدرين١
٦- والمبذرات زرعا والحاصدات حصدا والذاريات قمحا والطاحنات طحنا والخابزات خبزا والثاردات ثردا واللاقمات لقما وإهالة وسمنا، لقد فضلتم على أهل الوبر وماسبقكم أهل المدر ريفكم فامنعوه والباغي فنائوه٢٣.
أعمال مسيلمة المشؤمة
لما ادعى مسيلمة النبوة لم يكتف قومه بسماع أسجاعه لتصديقه فيما يدعي ولا سيما أنه كان يبلغهم معجزات النبي التي بهرت ألباب العرب فكانوا يأتون إليه ملتمسين منه المعونة عند الحاجة وليروا قدرته على إتيان المعجزات كجميع الأنبياء فكان يرى نفسه مضطرا إلى إجابة مطالبهم وإلا كذبوه وسخروا منه وانصرفوا من حوله فحاول أن يظهر لهم بعض أعماله بيد أنه لم يوفق في واحد منها ويا ليته لم يوفق فقط بل كانت تأتي أعمال بعكس المقصود. وهذا خذلان وخزي من الله تعالى ليتجلى للخلق كذبه وشؤمه على أتباعه.
أتته امرأة فقالت: إن نخلنا لسحق٤ وإن آبارنا لجرز٥ فادع الله لمائنا ونخلنا كما دعا محمد ﷺ لأهل هزمان فسأل نهارا عن ذلك فذكر أن النبي ﷺ دعا لهم وأخذ من ماء آبارهم فتمضمض منه ومجه في الآبار ففاضت ماء وأنجبت كل نخلة وأطلعت فسيلا قصيرا مكمما ففعل مسيلمة مثله فغار ماء الآبار ويبس النخل والعياذ بالله.
وقال له نهار: أمرر يدك على أولاد بني حنيفة مثل محمد ففعل وأمر يده على رؤوسهم وحنكهم فقرع كل صبي مسح رأسه ولثغ٦ كل صبي حنكه.
وجاء أبو طلحة النمري فسأله عن حاله فأخبره أنه يأتيه رجل في ظلمة فقال: أشهد أنك الكاذب وأن محمدا صادق ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر٧ فقتل معه يوم عقرباء كافرا.
وقالوا لمسيلمة تتبع حيطانهم كما كان محمد يصنع فصل بها. فدخل حائطا من حوائط اليمامة فتوضأ فقال نهار لصاحب الحائط: ما يمنعك من وضوء الرحمن فتسقي به حائطك حتى يروى ويبتل كما صنع بنو المهرية - أهل بيت من بني حنيفة - وكان رجل من المهرية قدم على النبي ﷺ فأخذ وضوءه فنقله إلى اليمامة فأفرغه في بئره ثم نزع وسقى وكانت أرضه تهوما فرويت وجزأت فلم تلف
стр. 47
إلا خضراء مهتزة ففعل الرجل فعادت يبابا لا ينبت مرعاها.
وأتاه رجل فقال: ادع الله لأرضي فإنها مسبخة كما دعا محمد لسلمى على أرضه فقال: ما يقول يا نهار فقال: قدم عليه سلمى وكانت أرضه سبخة١ فدعا له وأعطاه سجلا٢ من ماء ومج له فيه فأفرغه في بئره ثم نزع فطابت وعذبت ففعل ذلك فانطلق الرجل ففعل بالسجل كما فعل سلمى فغرقت أرضه فما جف ثراها ولا أدرك ثمرها. وأتته امرأة فاستجلبته إلى نخل لها يدعو لها فيها فجذت كبائسها٣ يوم عقرباء كلها.
هذه بعض أعمال مسيلمة المشئومة التي أراد الله أن يفضحه بها وقد أشرنا إلى أن مستر مرجوليث زعم أن مسيلمة ادعى النبوة قبل النبي ﷺ لكن هناك ما يثبت عكس زعمه فإنه حاول تقليد الإسلام فأخفق فمن ذلك أن عبد الله بن النواحة كان يؤذن له وكان الذي يقيم له حجير بن عمير فيزيد في صوته ويبالغ لتصديق نفسه وتصديق نهار وتضليل من كان قد أسلم٤.
стр. 48
ردة أهل البحرين١ سنة ١١هـ "٦٣٢ - ٦٣٣ م "
بينما كان خالد بن الوليد يواصل انتصاراته من شمال شبه الجزيرة العربية إلى وسطها كانت الجيوش التي أرسلها أبو بكر تحارب القبائل المرتدة والثائرة في الجهات الأخرى. وكان المنذر بن ساوى العبدي عاملا على البحرين في زمن رسول الله غير أنه مرض فمات بعد النبي ﷺ بقليل فارتد بعده أهل البحرين وارتدت بكر.
وكان الجارود بن المعلى قدم على رسول الله ﷺ في وفد عبد قيس سنة عشر فأسلم وكان نصرانيا ففرح النبي ﷺ بإسلامه فأكرمه وقربه. وبعد أن تفقه في الدين رده إلى قومه عبد القيس "١ " فلما توفي رسول الله بلغه أنهم قالوا: لو كان محمد نبيا لم يمت فجمعهم وقال لهم:
أتعلمون أنه كان لله أنبياء فيما مضى؟ قالوا: نعم. قال فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا. قال فإن محمدا ﷺ قد مات كما ماتوا وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ". فأسلموا وثبتوا على إسلامهم٢.
وكان أبو بكر بعث العلاء بن الحضرمي على قتال أهل الردة بالبحرين فلما كان بحيال اليمامة لحق به ثمامة بن أثال الحنفي في مسلمة بني حنيفة ولحق به أيضا قيس بن عاصم المنقري وانضم إليه عمرو والأبناء وسعد بن تميم والرباب لحقته في مثل عدته فسلك بهم الدهناء حتى كانوا في بحبوحتها نزل وأمر الناس بالنزول في الليل فنفرت إبلهم بأحمالها فما بقي عندهم بعير ولا زاد ولا ماء فلحقهم من الغم ما لا يعلمه إلا الله ووصى بعضهم بعضا فدعاهم العلاء فاجتمعوا إليه فقال: ما هذا الذي غلب عليكم من الغم؟.
فقالوا: كيف نلام ونخن إن بلغنا غدا لم تحم الشمس حتى نهلك؟.
فقال: لن تراعوا أنتم المسلمون وفي سبيل الله وأنصار الله فأبشروا فوالله لن تخذلوا.
стр. 49
كرامة العلاء بن الحضرمي ١
كان العلاء بن الحضرمي مجاب الدعوة فلما صلى الجيش صلاة الصبح جثا العلاء لركبتيه وجثا الناس فنصب في الدعاء ونصبوا معه فلمع لهم سراب الشمس فالتفت إلى الصف. فقال رائد ينظر ما هذا ففعل ثم رجع فقال: سراب فأقبل على الدعاء ثم لمع لهم آخر فكذلك ثم لمع لهم آخر. فقال: ماء فقام وقام الناس فمشوا إليه حتى نزلوا إليه فشربوا واغتسلوا فما ارتفع النهار حتى أقبلت الإبل من كل وجه فأناخت وشربت ولم يكن بهذا المكان غدير ولا ماء قبل اليوم ثم ساروا فنزلوا بهجر وأرسل العلاء إلى الجارود يأمره أن ينزل بعبد القيس على الحطم مما يليه وسار هو فيمن معه حتى نزل عليه فيما بلى هجر.
تجمع المشركون كلهم إلى الحطم بن ربيعة إلا أهل دارين وتجمع المسلمون كلهم إلى العلاء بن الحضرمي٢.
حرب الخنادق
كان كل فريق متخوفا من الآخر فخندق المسلمون والمشركون ولبثوا يتراوحون القتال ويراجعون إلى خنادقهم شهرا.
جيش العدو يلهو ويسكر
- طال مكث الجيشين في الخندق ففي ذات ليلة سمع المسلمون في عسكر المشركين ضوضاء شديدة فأرسل العلاء عبد الله بن حذف ليأتيهم بخبر القوم فعاد وأخبرهم أن القوم سكارى فخرج المسلمون عليهم واقتحموا الخندق ووضعوا السيوف فيهم واستولى المسلمون على ما في العسكر وقتل الحطم قتله قيس ابن قيس بن عاصم بعد أن قطع عفيف بن المنذر التيمي ساقه وقسم العلاء الأنفال ونفل رجالا من أهل البلاء ثيابا. فأعطى ثمامة بن أثال الحنفي خميصة ذات أعلام كانت للحكم يباهي بها وهي التي كانت سببا في قتله٣.
المسير إلى دارين وكرامة أخرى للعلاء٤
ثم قصد معظم الجيش إلى دارين وهي فرضة بالبحرين وإن ما بين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسفر البحر في بعض الحالات. فركبوا إليها السفن ولحق باقي الجيش ببلاد قومهم فكتب
стр. 50
العلاء إلى من ثبت على إسلامه من بكر وائل يأمرهم بالقعود للمنهزمين والمرتدين بكل طريق ففعلوا وجاءت رسلهم إلى العلاء بذلك فأمر أن يؤتى من وراء ظهره فندب الناس إلى دارين وقال لهم:
قد أراكم الله من آياته في البر لتعتبروا بها في البحر فانهضوا إلى عدوكم واستعرضوا البحر.
وبعد ذلك ارتحلوا واقتحموا البحر على الخيل والإبل وغير ذلك وفيهم الماشي على قدميه ودعا ودعوا وهذا دعاؤهم:
يا أرحم الراحمين يا كريم يا حليم يا أحد يا صمد يا حي يا محيي الموتى يا حي يا قيوم. لا إله إلا أنت يا ربنا.
فاجتازوا ذلك الخليج بإذن الله يمشون على رمل فوقه ماء يغمر أخفاف الإبل١.
стр. 51
انتصار المسلمين وهزيمة المشركين
التقى المسلمون والمشركون واقتتلوا قتالا شديدا فانتصر المشركون وانهزم المشركون. وأكثر المسلمون القتل فيهم وغنموا وسبوا فبلغ نفل الفارس ستة آلاف والراجل ألفين وقال في ذلك عفيف بن المنذر:
ألم تر أن الله ذلل بحره ... وأنزل بالكفار إحدى الجلائل
دعونا الذي شق البحار فجاءنا ... بأعجب من فلق البحار الأوائل١
وجاء في أسد الغابة أن العلاء بن الحضرمي هو من حضرموت حليف حرب بن أمية وقد خاض البحر بكلمات قالها ودعا بها.
إسلام راهب
كان مع المسلمين راهب من أهل هجر فأسلم فقيل له: ما حملك على الإسلام؟ قال: ثلاثة أشياء خشيت أن يمسخني الله بعدها:
١- فيض في الرمال.
٢- تمهيد أثباج البحر٢.
٣- دعاء سمعته في عسكرهم في الهواء سحرا:
اللهم أنت الرحمن الرحيم لا إله غيرك والبديع فليس قبلك شئ والدائم غير الغافل الحي الذي لا يموت وخالق ما يرى وما لا يرى وكل يوم أنت في شأن علمت كل شئ بغير تعلم.
فعلمت أن القوم لم يعاونوا بالملائكة إلا وهم على حق فكان أصحاب النبي ﷺ يسمعون هذا منه بعد٣ ولم يرو لنا التاريخ اسم هذا الراهب الذي أسلم.
كتاب العلاء لأبي بكر
كتب العلاء إلى أبي بكر بهزيمة أهل الخندق وقتل الحطم وهذا نص الكتاب:
أما بعد فإن الله تبارك اسمه سلب عدونا عقولهم وأذهب ريحهم بشراب أصابوه من النهار، فاقتحمنا عليهم خندقهم فوجدناهم سكارى فقتلناهم إلا الشريد وقد قتل الله الحطم٤.
فكتب إليه أبو بكر: أما بعد فإن بلغك عن بني شيبان بن ثعلبة تمام على ما بلغك وخاض فيه
стр. 52
المرجفون فابعث إليهم جندا فأوطئهم وشرد بهم من خلفهم فلم يجتمعوا ولم يصر ذلك من إرجافهم إلى شيء.
ردة أهل عمان ومهرة١
عمان اسم كورة عربية على ساحل بحر اليمن والهند تشتمل على بلدان كثيرة ذات نخل وزروع إلا أن حرها يضرب به المثل. قال الزجاجي سميت عمان بعمان بن إبراهيم الخليل وعمان أرض جبلية يكتنفها الجبل الأخضر وسلسلة جبال أخرى صغيرة بالقرب من ساحل البحر وعاصمتها الآن مسقط على الخليج الفارسي.
ومهرة. قال صاحب معجم البلدان: بالفتح والسكون هكذا يرويه عامة الناس والصحيح مهرة بالتحريك وجدته بخطوط جماعة من أئمة العلم القدماء لا يختلفون فيه٢ هذا ما أثبته ياقوت في معجمه غير أن دائرة المعارف الإسلامية كتبتها بالكون هكذا Mahra وكتاب القرون الوسطى لجامعة كامبردج الجزء الثاني وكان الواجب أن تصحح بالتحريك، Mahara كذلك وقع في نفس هذا الخطأ مستر موير في كتاب الخلافة. وتقع مهرة في الجنوب الشرقي من شبه جزيرة العرب على المحيط الهندي بين حضرموت وعمان.
نبغ بعمان ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي وكان يسامى في الجاهلية الجلندي وادعى النبوة وغلب على عمان مرتدا والتجأ جيفر بن الجلندي رئيس أهل عمان وعباد إلى الجبل والبحر ثم بعث جيفر إلى أبي بكر يطلب منه النجدة فأرسل إليه حذيفة بن محصن الغلفاني من حمير وأرسل عرفجة البارقي من الأزد إلى مهرة فإذا قربا من عمان كاتبا جيفرا فمضيا إلى ما أمرا به وكان أبو بكر بعث عكرمة إلى مسيلمة باليمامة واتبعه شرحبيل بن حسنة وأمرهما بما أمر به حذيفة وعرفجة فإذا فرغا منه سارا إلى اليمن فلحقهما عكرمة قبل عمان فلما وصلوا رجاما وهي قريب من عمان كاتبوا جيفرا وعبادا وبلغ لقيطا مجئ الجيش فجمع جموعه وعسكر بدبا وخرج جيفر وعباد من موضعهما الذي كانا فيه فعسكرا بصحار وأرسلا إلى حذيفة وعكرمة وعرفجة فقدموا عليهما وكاتبوا رؤساء مع لقيط وانفضوا عنه ثم التقوا على دبا فاقتتلوا قتالا شديدا كانت الغلبة فيه للقيط ورأى المسلمون الخلل والمشركون الظفر وبينما هم كذلك جاءت المسلمين النجدات من بني ناجية وعليهم الخريت بن راشد ومن عبد القيس وعليهم سيحان بن صوحان وغيرهم فقوى الله المسلمين فولى المشركون الأدبار وقتل منهم في المعركة نحو "١٠. ٠٠٠ " وسبوا الذراري وقسموا الأموال وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر مع عرفجة وكان الخمس ٨٠٠ رأس، وبقي حذيفة يسكن الناس ويحفظ النظام٣.
أما مهرة فإن عكرمة بن أبي جهل سار إليهم بعد أن فرغ من عمان ومعه جيوش من ناجية وعبد
стр. 53
القيس وراسب وسعد فاقتحم بلادهم فوجد جمعين من مهرة أحدهما مع رجل منهم يقال له شخريت والآخر مع مصبح أحد بني محارب ومعظم الناس معه غير أنهما كانا مختلفين فكاتب عكرمة شخريتا قبل أن يحاربه فأجابه وأسلم وانضم اليه ثم كاتب المصبح الذي كان معه معظم الناس فلم يجب اغترارا بكثرة جيشه فسار إليه مع شخريت وحاربه فانهزم المرتدون وقتل رئيسهم وأصاب المسلمون كثيرا من الغنائم ومما أصابوا "٢٠٠٠ " نجيبة وأرسل عكرمة خمس الغنائم إلى أبي بكر مع شخريت واشتدت شوكة عكرمة وأسلم المرتدون١.
ردة اليمن٢
اتد قيس بن عبد يغوث بن مكشوح باليمن ثانية لما بلغه وفاة رسول الله مع أنه كان اشترك هو وفيروز وداذويه في قتل الأسود العنسي كما تقدم ذكره فلما ارتد أراد التخلص من فيروز وداذويه فخدعهما ودعاهما إلى طعام صنعه لهما فدخل عليه داذويه فقتله وأما فيروز فلما هم بالدخول سمع امرأتين على سطحين تتحدثان فقالت إحداهما: هذا مقتول كما قتل داذويه ففر إلى جبل خولان وهم أخوال فيروز فامتنع بهم وكتب إلى أبي بكر يخبره وعمد قيس إلى تفريق الأنباء فلما علم فيروز جد في حربه وأرسل إلى بني عقيل بن ربيعة وإلى عك يستمدهم فمدوه بالرجال فخرج بهم وبمن اجتمع عنده فلقوا قيسا بالقرب من صنعاء فاقتتلوا قتالا شديدا انهزم قيس وأصحابه. وبينما هم كذلك قدم عكرمة بن أبي جهل من مهرة مع جيشه وقدم أيضا المهاجر بي أبي أمية في جمع من مكة والطائف وبجيلة مع جرير إلى نجران فانضم إليه فروة بن مسيك المرادي فأقبل عمرو بن معدي كرب الذي كان قد ارتد حتى دخل على المهاجر من غير أمان فأوثقه المهاجر وأخذ قيسا أيضا فأوثقه وسيرهما إلى أبي بكر فقال لقيس:
يا قيس قتلت عباد الله واتخذت المرتدين وليجة٣ من دون المؤمنين فانتفى قيس من أن يكون قارف من داذويه شيئا وكان قتله سرا فتجافى له عن دمه.
وقال لعمرو بن معدي كرب:
أما تستحي أنك كل يوم مهزوم أو مأسور. لو نصرت هذا الدين لرفعك الله ٤.
فقال: لا جرم لأقبلن ولا أعود فخلى أبو بكر سبيله.
ورجعا إلى عشائرهما فسار المهاجر من نجران والتقت الخيول على أصحاب العنسي فاستأمنوا فلم يؤمنهم وقتلهم بكل سبيل ثم سار إلى صنعاء فدخلها وكتب إلى أبي بكر بذلك.
стр. 54
ردة حضرموت وكندة١
حضرموت صقع ببلاد العرب قيل: سمي بحضرموت بن قحطان لأنه أول من نزله وكان اسم هذا الرجل عامرا فكان إذا حضر حربا أكثر من القتل فصاروا يقولون عند حضوره حضرموت ثم جرى ذلك عليه لقبا وسكنوا الضاد للتخفيف وجعلوا الاسم مركبا مزجيا على الأشهر ثم صاروا يقولون للأرض التي كانت بها هذه القبيلة حضرموت ثم أطلق على البلاد نفسها.
تحد حضرموت غربا باليمن وشرقا بعمان وشمالا بالدهناء وقال ياقوت وهي ناحية واسعة في شرقي عدن بقرب البحر وحولها رمال كثيرة تعرف بالأحقاف٢.
كان الأشعث بن قيس قدم على النبي ﷺ في وفد كندة من حضرموت فأسلموا وسألوا أن يبعث عليهم رجلا يعلمهم السنن ويجبي صدقاتهم فأنفذ معهم زياد بن لبيد البياضي عاملا للنبي ﷺ يجبيهم فلما مات رسول الله نكص الأشعث عن بيعة أبي بكر ﵁ ونهاه ابن امرئ القيس بن عابس فلم ينته فكتب زيا د إلى أبي بكر بذلك فكتب أبو بكر إلى المهاجر بن أبي أمية وكان على صنعاء بعد قتل العنسي أن يمد زيادا بنفسه ويعينه على المرتدين بمن عنده من المسلمين. فجمع زياد جموعه وأوقع بمخاليفه فنصره الله عليهم حتى تحصنوا بالنجير٣ بعد أن رموه فحصرهم فيه ثم قدم إليه عكرمة بجيشه فأعيوا عن المقام في الحصن فاجتمعوا إلى الأشعث وسألوه أن يأخذ لهم الأمان فأرسل إلى زياد بن لبيد يسأله الأمان حتى يلقاه ويخاطبه فأمنه فلما اجتمع به سأله أن يؤمن أهل النجير ويصالحهم فامتنع عليه وراده حتى آمن سبعين رجلا منهم وفيهم أخو قيس وبنو عمه وأهله ونسى نفسه وأن يكون حكمه في الباقي نافذا فخرج سبعون فأراد قتل الأشعث وقال له: أخرجت نفسك من الأمان بتكملة عدد السبعين فسأله أن يحمله إلى أبي بكر ليرى فيه رأيه وفتحوا له حصن النجير وكان فيه كثير فعمد إلى أشرافهم نحو ٧٠٠ رجل فضرب أعناقهم ولام القوم الأشعث وقالوا لزياد: إن الأشعث غدر بنا، أخذ الأمان لنفسه وأهله وماله ولم يأخذ لنا وإنما نزل على أن يأخذ لنا جميعا. وأبى زياد أن يوارى جثث من قتل وتركهم للسباع وكان هذا أشد على من بقي من القتل وبعث السبي مع نهيك بن أوس بن خزيمة وكتب إلى أبي بكر: إنا لم نؤمنه إلا على حكمك وبعث الأشعث في وثاق وماله معه ليرى فيه رأيه فأخذ أبو بكر يقرع الأشعث ويقول له: فعلت فعلت. فقال الأشعث: استبقني لحربك وسأله أن يرد عليه زوجته وقد كان خطب أم فروة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر لما قدم على رسول الله فزوجه وأخرها إلى أن يقدم الثانية. فحقن أبو بكر دمه بعد أن أسلم أمامه ورد عليه أهله وقال له انطلق فليبلغني عنك خير ٤.
ولما تزوج الأشعث أم فروة اخترط٥ سيفه ودخل سوق الإبل فجعل لا يرى جملا ولا ناقة إلا
стр. 55
عرقبه وصاح الناس كفر الأشعث فلما فرغ طرح سيفه وقال: إني والله ما كفرت ولكن زوجني هذا الرجل أخته ولو كان ببلادنا لكانت لنا وليمة غير هذه. يا أهل المدينة انحروا وكلوا. ويا أصحاب الإبل تعالوا خذوا أثمانها. فما رؤيت وليمة مثلها١.
стр. 56
مسير خالد إلى العراق وصلح الحيرة١ سنة ١٢هـ - ٦٣٣ م
كان المثنى بن حارثة الشيباني ممن حارب وانتصر في البحرين فاستأذن أبا بكر أن يغزو العراق فأذن له فكان يغزوهم قبل قدوم خالد فتقدم نحو الخليج الفارسي وأخضع القطيف ثم قاد جيشه إلى دلتا الفرات وبلغ عد جيشه ٨٠٠٠ مقاتل لكنه وجد مقاومة من جيش العدو فأرسل أبو بكر إلى خالد بن الوليد وهو باليمامة يأمره بالمسير إلى العراق. وقد أخمدت الثورة في جميع العرب في أوائل السنة الثانية عشرة الهجرية فاهتم أبو بكر بتوجيه الجنود إلى جهات أخرى فأرسل جيشين إلى الشمال وأمر على أحدهما خالدا ومعه المثنى للزحف نحو الأبلة ثم الزحف نحو الحيرة وأمر على الجيش الثاني عياضا ووجهه إلى دومة بين الخليج الفارسي وخليج العقبة ثم بالمسير إلى الحيرة أيضا فإذا سبق أحدهما الآخر كان أميرا على صاحبه. أما عياض الذي كانت وجهته دومة فقد عوقه العدو مدة طويلة وأما خالد فإنه لم يلق مقاومة في طريقه إلى العراق كما لقي عياض وانضم إليه عدد كبير من البدو فتقوى بهم وكثر جيشه حتى صار عدده ١٠. ٠٠٠مقاتل عدا جيش المثنى البالغ عدده ٨٠. ٠٠٠ وكان الجميع تحت قيادة خالد٢، فكان أول من لاقاه هرمز وكان العرب يبغضونه لظلمه ويضربونه مثلا فيقولون: أكفر من هرمز فكتب إليه خالد قبل خروجه:
أما بعد فأسلم تسلم أو أعقد لنفسك وقومك الذمة وأقرر بالجزية وإلا فلا تلومن إلا نفسك فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة.
وقد جعل هرمز على مقدمته قباذ وأنو شجان وكانا من أولاد أردشير الأكبر فسمع بهم خالد فمال بالناس إلى كاظمة فسبقه هرمز إليها فقدم خالد فنزل على غير ماء. فقال له أصحابه في ذلك: ما نفعل؟ فقال لهم: لعمري ليصيرن الماء لأصبر الفريقين وأكرم الجندين وتقدم خالد إلى الفرس وأرسل الله سحابة فأغدرت وراء صف المسلمين فقويت قلوبهم.
موقعة ذات السلاسل٣
خرج هرمز ودعا خالدا إلى البراز وأوطأ أصحابه على الغدر بخالد فبرز إليه خالد ومشى نحوه راجلا ونزل هرمز أيضا وتضاربا فاحتضنه خالد وحمل أصحاب هرمز فما شغله ذلك عن قتله وانهزم الفرس بعد أن قتل منهم عدد عظيم وسميت الموقعة ذات السلاسل لأن فريقا من جند الفرس قد قرنهم هرمز بالسلاسل خوفا من فرارهم. ونجا قباذ وأنوشجان وأخذ خالد سلب هرمز وكانت
стр. 57
قلنسوته بمئة ألف لأنه كان قد تم شرفه في الفرس وكانت هذه عاداتهم إذا تم شرف الإنسان تكون قلنسوته بمائة ألف وكانت القلنسوة مفصصة بالجواهر وبعث خالد بالفتح والأخماس إلى أبي بكر ومما غنمه المسلمون في ميدان القتال فيل فأرسل إلى المدينة مع الغنائم. فلما طيف به ليراه الناس جعل ضعيفات النساء يقلن أمن خلق الله هذا؟ فرده أبو بكر.
حصن المرأة وحصن الرجل١
ثم صار خالد حتى نزل بموضع الجسر الأعظم بالبصرة وخرج المثنى بن حارثة حتى انتهى إلى حصن المرأة فخلف المثنى بن حارثة عليه أخاه فحاصرها ومضى المثنى إلى زوجها وهو في حصنه المسمى حصن الرجل فحاصره واستنزلهم عنوة٢ فقتلهم وغنم أموالهم. ولما بلغ المرأة ذلك صالحت المثنى وأسلمت فتزوجها المثنى وكان هذا الحصن قصرا واسم المرأة كما جاء في البلاذري كامور زاد بنت نرسي لأن أبا موسى الأشعري قد نزل بها فزودته خبيصا فجعل يكثر أن يقول أطعمونا من خبيص المرأة فغلب على اسمها.
وقد نال كل فارس في يوم ذات السلاسل ١٠٠٠ درهم والراجل الثلث.
стр. 58
انهزام الفرس ثانيا موقعة الثنى١ صفر سنة ١٢هـ - سنة ٦٣٣م
لما وصل خبر انهزام هرمز إلى المدائن عاصمة الفرس أرسل ملكهم أردشير جيشا آخر وأمر عليه قارن بن قريانس. فلما انتهى إلى المذار انضم إلى الجيش المنهزم ورجعوا ومعهم قباذ وأنو شجان ونزلوا الثنى وهو نهر متفرع من الدجلة والتقوا بالمثنى الذي كان قد توقف عند الثنى فأحدق الخطر بالمثنى فوافاه خالد والتقوا في الوقت المناسب ودارت رحى القتال بينهم وانتهى الأمر بفرار الفرس وقتل مهم نحو ٣٠. ٠٠٠ سوى من غرق وفر من نجا منهم بالقوارب. وقد كان النهر عائقا في سبيا اقتفاء أثر العدو غير أن الغنائم كانت عظيمة وقتل كل رجل قادر على الحرب وأسر النساء وأخذ الجزية من الفلاحين وصاروا ذمة وصارت أرضهم لهم وكان في السبي أبو الحسن البصري وكان نصرانيا وأمر على الجند سعيد بن نعمان وعلى الجزية سويد بن مقرن المزني.
أما قارن بن قريانس أمير جيش الفرس الذي أرسله أردشير لإمداد هرمز فقد قتله معقل بن الأعشى بن النباش وقتل عاصم أنو شجان وقتل عدي بن حاتم قباذ وكان قارن قد تم شرفه ولم يقاتل المسلمون بعده أحدا تم شرفه في الأعاجم. وزاد سهم الفارس يوم الثنى على سهمه في ذات السلاسل.
موقعة الولجة٢ شهر صفر سنة ١٢هـ - إبريل سنة ٦٣٣ م
اضطرب البلاط الملكي في فارس من جراء انتصارات العرب وتحدثوا فيما بينهم بأنه يجب محاربة العرب بعرب مثلهم يعرفون خططهم الحربية. فجند الملك جيشا عظيما من قبيلة بكر والقبائل الأخرى الموالية له تحت قيادة قائد مشهور منهم يدعى الأندرزغر وكان فارسيا من مولدي السواد. وأرسل بهمن جاذويه في أثره ليقود جيوش الملك وحشر الأندرزغر من بين الحيرة وكسكر ومن عرب الضاحية وتقدمت الجيوش المتحدة نحو الولجة بالقرب من ملتقى النهرين.
أما خالد فقد ترك فرقة لحراسة الأراضي التي غزاها في الدلتا وسار للقاء العدو من الثنى فاشتبك الجيشان في الولجة في قتال طويل عنيف وقد انتصر المسلمون فيه بفضل تدابير قائدهم الذي باغت العدو وأجهده بكمين في ناحيتين وكمين من الخلف وكانت الهزيمة كاملة ففر الفرس وفر
стр. 59
العرب الموالون لهم بعد أن قتل وأسر منهم عدد عظيم ومضى الأندرزغر منهزما فمات عطشا في الفلاة وبذل خالد الأمان للفلاحين فعادوا وصاروا ذمة وسبى الذراري المقاتلة ومن أعانهم.
خطبة خالد١
قام خالد في الناس خطيبا يرغبهم في بلاد العجم. ويزهدهم في بلاد العرب وقال:
ألا ترون إلى الطعام كرفغ التراب وبالله لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إلى الله ولم يكن إلا للمعاش لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به ونولي الجوع والإقلال ممن تولاه ممن اثاقل عما أنتم عليه.
موقعة أليس٢ شهر ربيع الأول سنة ١٢هـ - أيار مايو سنة ٦٣٣ م
انقسمت قبيلة بني بكر في القتال إلى قسمين قسم مع خالد وقسم مع الفرس
ولما أصاب خالد يوم الولجة من أصاب من بكر بن وائل من أنصارهم الذين أعانوا أهل الفرس غضب لهم نصارى قومهم فكاتبوا الأعاجم وكاتبهم الاعاجم فاجتمعوا إلى أليس وعليهم عبد الأسود العجلي وكان أشد الناس على أولئك النصارى مسلمو بني عجل.
كتب أردشير ملك الفرس إلى بهمن جاذويه وهو بقسيانا: أن سر حتى تقدم أليس بجيشك إلى من اجتمع بها من فارس ونصارى العرب فقدم بهمن جاذويه وجابان وسار جابان نحو أليس وهي في منتصف الطريق بين الحيرة والأبلة.
ثم انطلق بهمن إلى أردشير ليعرف رأيه ويتلقى أمره فوجده مريضا فبقي ملازما البلاط.
أما جابان فإنه مضى حتى أتى أليس فنزل بها. وكان خالد قد بلغه تجمع عبد الأسود ومن معهم فسار إليهم وهو لا يشعر بدنو جابان وترك عند الحفير فرقة قوية لحماية ظهره وبرز أمام الصف ونادى رؤساءهم إلى البراز له فبرز له مالك بن قيس فقال له خالد يا بن الخبيثة ما جرأك علي من بينهم وليس فيك وفاء؟ فضربه وقتله، ونشبت الحرب بين الفريقين واقتتلوا قتالا شديدا.
نهر الدم٣
ولما وجد خالد شدة مقاومة العدو قال:
اللهم إن لك علي إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقي منهم أحدا قدرنا عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم.
стр. 60
وأخيرا لم يستطع الفرس مقاومة المسلمين ففروا منهزمين فأمر خالد مناديه في الناس الأسر، الأسر. لا تقتلوا إلا من امتنع.
فأقبلت الخيول بهم أفواجا مستأسرين يساقون سوقا وقد وكل بهم رجالا يضربون أعناقهم في النهر فجرت الدماء في النهر فسمى لذلك نهر الدم وبعث خالد بالخبر مع رجل يدعى جندلا من بني عجل إلى أبي بكر يخبره بفتح أليس وبقدر الفيء وبعدة السبي وبما حصل من الأخماس وبأهل البلاد من الناس وأمر أبو بكر لجندل بجارية من ذلك السبي. وبلغ قتلى العدو من أليس ٧٠. ٠٠٠ كما ذكر الطبري وكما جاء في شعر أبي مقرن الأسود بن قرطبة حيث قال:
قتلنا منهم سبعين ألفا ... بقية حربهم نخب الأسار
موقعة أمغيشيا وهدمها١
لما فرغ خالد من أليس سار إلى أمغيشيا وكانت مصرا كالحيرة فغزا أهلها وأعجلهم أن ينقلوا أموالهم فغنم جميع ما فيها وقد جلا أهلها وتفرقوا في السواد وبلغ سهم الفارس ١٥٠٠ سوى الذي نفله أهل البلاء. أرسل إلى أبي بكر بالفتح ومبلغ الغنائم. فلما بلغ ذلك أبا بكر قال: أعجزت النساء أن يلدن مثل خالد وفي رواية عدا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله أعجزت النساء أن ينسلن٢ مثل خالد.
стр. 61
حصار الحيرة وتسليمها١ ربيع الأول سنة ١٢هـ - أيلول سنة ٦٣٣ م
سار خالد من أمغيشيا إلى الحيرة وحمل الرجال والرحال والأثقال في السفن فخرج مرزبان الحيرة حاكمها الفارسي ويدعى الأزاذبة وأرسل ابنه فقطع الماء عن السفن وذلك بسد الفرات فبقيت السفن على الأرض فسار خالد في خيل نحو ابن الأزاذبة فلقيه على فم فرات بادقلى فقتله وقتل أصحابه غير أن المدينة كانت محصنة بأربعة حصون فأبت التسليم فحصرهم وقاتلهم المسلمون فاقتحموا الدور والديورة وأكثروا القتل فنادى القسيسون والرهبان يا أهل القصور ما يقتلنا غيركم فنادى أهل القصور المسلمين. قد قبلنا واحدة من ثلاث: إما الإسلام أو الجزية أو المحاربة.
أما الأزاذبة فإنه هرب إذ بلغه موت أردشير.
وهذه أسماء قصور الحيرة التي تحصنوا فيها:
١- القصر الأبيض وفيه إياس بن قبيصه الطائي وكان ضرار بن الأزور محاصرا له.
٢- قصر الغريين وفيه عدي بن عدي وكان ضرار ابن الخطاب محاصرا له.
٣- قصر ابن مازن وفيه ابن أكال وكان ضرار بن مقرن المزني محاصرا له.
٤- قصر ابن بقيله وفيه عمرو بن عبد المسيح بن بقيله، وكان المثنى محاصرا له.
خرج هؤلاء الرؤساء الأربعة من قصورهم فأرسلهم المسلمون إلى خالد فكان أول من طلب الصلح عمرو بن عبد المسيح فصالحوه على ١٩٠. ٠٠٠ وأهدوا إليه الهدايا وبقوا على دينهم. وبعث خالد بالفتح والهدايا إلى أبي بكر مع الهذيل الكاهلي فقبلها أبو بكر من الجزاء وكتب إلى خالد: أن أحسب لهم هديتهم من الجزاء وخذ بقية ما عليهم فقو بها أصحابك.
стр. 62
محاورة بين خالد بن الوليد وعمرو بن عبد المسيح ١
لما مثل عمرو بن عبد المسيح أمام خالد قال له خالد:
- كم أتى عليك؟
- مئون من السنين
- فما أعجب ما رأيت؟
- رأيت القرى منظومة ما بين دمشق والحيرة تخرج المرأة من الحيرة فلا تزود إلا رغيفا فتبسم خالد وقال:
- هل لك من شيخك إلا عمله. خرفت والله يا عمرو. ثم أقبل على أهل الحيرة وقال: ألم يبلغني أنكم خبثة خدعة مكرة فما لكم تتناولون حوائجكم بخرف لا يدري من أين جاء؟ فتجاهل له عمرو وأحب أن يريه من نفسه ما يعرف به عقله ويستدل به على صحة ما حدث به فقال:
- وحقك أيها الأمير إني لأعرف من أين جئت
- فقال: من أين جئت
- فقال عمرو: أقرب أم أبعد؟
- ما شئت
- من بطن أمي
- فأين تريد؟
- أمامي
- وما هو؟
- الآخرة
- فمن أين أقصى أثرك
- من صلب أبي
- ففيم أنت؟
- في ثيابي
стр. 63
- أتعقل؟
- إي والله وأقيد
- إنما أسألك
- فأنا أجيبك
- أسلم أنت أم حرب؟
- بل سلم
- فما هذه الحصون؟
- بنيناها للسفيه نحسبه حتى ينهاه الحليم
- قتلت أرض جاهلها. وقتل أرض عالمها والقوم أعلم بما فيهم
- فقال عمرو: أيها الأمير النملة أعلم بما في بيتها من الجمل بما في بيت النمل
стр. 64
خالد يتناول السم١ الزعاف٢ فلا يؤثر فيه
ذكرنا كرامتين للعلاء بن الحضرمي، والآن نذكر كرامة لخالد بن الوليد ولم يكن أحدهما ساحرا ولا كاهنا. بل كان كل منهما بطلا مقداما فقد كان مع عمرو بن عبد المسيح بن بقيلة خادم معه كيس فيه سم فأخذه خالد ونثره في يده وقال: لم تستصحب هذا؟ قال: خشيت أن تكون على غير ما رأيت فكان أحب إلي من مكروه أدخله على قومي، فقال خالد: لن تموت نفسه حتى تأتي على أجلها، وقال: بسم الله خير الأسماء، رب الأرض ورب السماء الذي لا يضر مع اسمه داء الرحمن الرحيم فابتلع خالد السم، فقال عمرو: والله يا معشر العرب لتملكن ما أردتم، ما دام أحد منكم هكذا لم يكن لابتلاع السم أي تأثير في خالد فلم يمرض ولم يمت مع أن عمرو بن عبد المسيح كان قد أعده للانتحار.
وصالح خالد أهل الحيرة ففرضت عليهم الجزية عدا رجال الدين واشتغل المسلمون بحماية المدينة من الهجوم عليها. وكان لعبد المسيح الذي مر ذكره ابنة تدعى كرامة فتمسك خالد بتسليمها إلى شويل لأنه كان رآها شابة فمال إليها فوعده النبي ﷺ ذلك فلما فتحت الحيرة طلبها وشهد له شهود بوعد النبي ﷺ أن يسلمها إليه وعلى ذلك سلمها له خالد فاشتد ذلك على أهل بيتها وقرابتها، فقالت لهم: اصبروا فإنما هذا رجل أحمق. رآني في شبيبتي فظن أن الشباب يدوم فافتدت منه بألف درهم ورجعت إلى أهلها.
صلاة الفتح٣
لما فتح خالد الحيرة صلى صلاة الفتح ثماني ركعات لا يسلم فيهن وقال:
لقد قاتلت يوم مؤتة فانقطع في يدي تسعة أسياف وما لقيت قوما كقوم لقيتهم من أهل فارس وما لقيت من أهل فارس كأهل أليس.
وبعد أن احتل خالد الحيرة مكث فيها عاما عين عمالا لجباية الخراج وأمراء للثغور وتم صلح الحيرة بدفع مبلغ ٦٠٠. ٠٠٠ درهم جزية وهو مبلغ قليل لكنه كان في نظر العرب مبلغا عظيما.
الفرس وشرب الخمر
ذكر خالد في كتبه إلى الفرس غير مرة الخمر، فمما جاء في أحد كتبه إليهم: ألا فقد جئتكم
стр. 65
بقوم يحبون الموت كما تحبون شرب الخمر١ وهذا يدل على أن الخمور كانت منتشرة عندهم، وأنهم كانوا يقبلون على شربها حتى عني خالد بذكرها.
متاعب الفرس الداخلية
وفي هذه الأثناء كانت الفرس تعاني كثيرا من المتاعب الداخلية بعد ملكها أردشير وذلك أن شيري بن كسرى قتل كل من كان يناسبه إلى كسرى بن قباذ ولهذا اقتصر همهم على حماية المدائن عاصمة ملكهم وما جاورها إلى نهر شير الذي هو فرع من نهر الفرات وكان المثنى يهدد هذه الناحية لكنه توقف عن الزحف لأن أبي بكر نهى عن التقدم إلا أن تحمى ظهور المسلمين.
стр. 66
فتح الانبار١
موقعة ذات العيون
أنبار هي فيروز سابور القديمة، مدينة شهيرة في العراق من ولاية بغداد بينها وبين بغداد عشرة فراسخ وهي إلى غربيها على الفرات قرب مخرج نهر عيسى وبابل في شماليها وتبعد عنها نحو ثمانين ميلا. قيل سميت بالأنبار لأنه كان يجمع فيها أنابير الحنطة والشعير والتبن وأنابير جمع أنبار.
سار خالد على تعبئته إلى الأنبار وعلى مقدمته الأقرع بن حابس فحاصرها المسلمون وقد تحصن أهل الأنبار وخندقوا عليهم وأشرفوا من حصنهم وعلى جنودهم شيرزاد صاحب ساباط وطاف خالد بالخندق وأنشب القتال وأوصى رماته أن يقصدوا عيون جيش العدو فرموا رشقا واحدا ثم تابعوا فأصابوا ألف عين فسميت تلك الوقعة "ذات العيون" وتصايح القوم ذهبت عيون أهل الأنبار، فلما رأى ذلك شيرزاد أرسل يطلب الصلح على أمر لم يرضه خالد فرد رسله ونحره من إبل العسكر كل ضعيف وألقى الإبل في أضيق مكان في الخندق حتى ردمه بها وجاز هو وأصحابه فوقها فاجتمع المسلمون والمشركون في الخندق فأرسل شيرزاد إلى خالد يطلب منه الصلح على ما أراد فصالحه على أن يلحقه بمأمنه من غير أن يأخذ شيئا من المتاع. وخرج شيرزاد إلى بهمن جاذويه، ثم صالح خالد من حول الأنبار وأهل كلواذى.
فتح عين التم ر٢
لما فرغ خالد من الأنبار استخلف عليها الزبرقان بن بدر وسار إلى عين التمر وهي قلعة على حدود الصحراء على مسيرة ثلاثة أيام غربا وبها مهران بن بهرام جوبين في جمع عظيم من العجم وعقة بن أبي عقة في جمع عظيم من العرب وتغلب وإياد وغيرهم فلما سمعوا بخالد قال عقة لمهران: إن العرب أعلم بقتال العرب فدعنا وخالدا قال: صدقت فأنتم أعلم بقتال العرب وإنكم لمثلنا في قتال العجم فخدعه وارتقى به وقال: إن احتجتم إلينا أعناكم فلامه أصحابه من الفرس على هذا القول فقال لهم إنه قد جاءكم من قتل ملوككم وفل حدكم فاتقيته بهم. فإن كانت لهم على خالد فهي لكم. وإن كانت الأخرى لم يبلغوا منهم حتى يهنوا فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم ضعفاء فاعترفوا بفضل الرأي، وسار عقة إلى خالد فعبأ خالد جنده وبينما كان عقة يقيم صفوفه حمل عليه خالد بنفسه فاحتضنه وأخذه أسيرا كما احتضن هرمز من قبل في موقعة ذات السلاسل. فانهزم الفرس من
стр. 67
غير قتال وأكثر المسلمون فيهم الأسر فسألوه الأمان فأبى فنزلوا على حكمه فأخذهم أسرى وقتل عقة ثم قتلهم أجمعين وسبى كل من في الحصن وغنم ما فيه، ووجد في بيعتهم أربعين غلاما يتعلمون الإنجيل علة مذهب نسطور، وكان عليهم باب مغلق فكسره عنهم وقسمهم بين القواد، وكان منهم أبو زياد مولى ثقيف ونصير أبو موسى بن نصير وأرسل الوليد بن عقبة إلى أبي بكر بالخبر والأخماس.
стр. 68
موقعة دومة الجندل١ شهر رجب سنة ١٢هـ - أيلول/سبتمبر سنة ٦٣٣ م
دومة الجندل مدينة بينها وبين دمشق خمس ليال وبعدها من المدينة خمس عشرة ليلة وهي أقرب بلاد الشام إلى المدينة وبقرب تبوك، وكان رسول الله ﷺ خرج لغزوها في ربيع الأول سنة خمس "يولية سنة ٢٦٢م " وكانت أول غزوات الشام.
وكان أبو بكر قد أرسل جيشين إلى الشمال وأمر على أحدهما خالدا، ووجهته نحو الأبلة ثم الزحف على الحيرة وأمر على الثاني عياضا ووجهته إلىثم المسير إلى الحيرة، فإذا سبق أحدهما الآخر كان أميرا على الحيرة، إلا أن عياضا الذي كانت وجهته دومة عوقه العدو مدة طويلة ولم يستطع الإنضمام إلى خالد فلما أرسل خالد بن عقبة إلى أبي بكر بخبر، فتح عين التمر اهتم أبو بكر فأرسل الوليد لمساعدة عياض، وكان خالد لما فرغ من عين التمر أتاه كتاب عياض يستمده، فسار خالد إليه تاركا القعقاع على الحيرة وكان بدومة رئيسان أكيدر بن عبد الملك والجودي بم ربيعة يساعدهما بنو كلب وقبائل أخرى من صحراء الشام.
ولما سمع أكيدر بقدوم خالد تخوف وبادر بالتسليم إلا أن خالدا أسره وضرب عنقه ثم أخذ ما كان معه. ثم هاجم عياض القبائل المعادية من جهة الشام وخالد من جهة فارس فانهزم العدو شر هزيمة وأخذ الجودي أسيرا فقتله وقتل الأسرى وأخذ حصونهم وسبى الذرية والسرح٢ فباعهم واشترى خالد ابنة الجودي وكانت موصوفة بالجمال وتزوجها في ميدان القتال! ثم رجع إلى الحيرة وكان يريد محاربة أهل المدائن فمنعه من ذلك كراهية مخالفة أبي بكر.
стр. 69
البعوث إلى العراق١ شهر شعبان سنة ١٢هـ - تشرين الأول/أكتوبر سنة ٦٣٣م
لقد شجع غياب خالد الفرس ومن والاهم من العرب ولا سيما بني تغلب على مناوشة٢ المسلمين وطمع الأعاجم وكاتبهم عرب الجزيرة غضبا لعقة الذي قتله خالد بعين التمر إلا أن القعقاع استطاع الدفاع عن الأنبار ولما قدم خالد خرج وعلى مقدمته الأقرع بن حابس واستخلف على الحيرة عياض بن غنم وهاجم الفرس على الشاطئ الشرقي للفرات فهزمهم وقتل قوادهم وهاجم البدو على الشاطئ الغربي ليلا وهم نيام فقتلهم وسبى الذرية وأرسل الغنائم إلى المدينة.
стр. 70
موقعة الفراض ١
إنهزام الفرس والروم والبدو شهر ذي القعدة سنة ١٢هـ - كانون الثاني/يناير سنة ٦٣٤م
ثم قصد خالد إلى الفراض تخوم٢ الشام والعراق والجزيرة فأفطر بها رمضان في تلك السفرة التي اتصلت فيها الغزوات فلما اجتمع المسلمون بالفراض حميت الروم واغتاظت واستعانوا بمن يليها من مسالح أهل فارس واستمدوا تغلب وإيادا والنمر فأمدوهم وناهضوا خالدا حتى إذا صار الفرات بينهم قالوا: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم قال خالد: بل اعبروا إلينا قالوا: فتنحوا حتى نعبر فقال خالد: لا نفعل ولكن اعبروا أسفل منا فقالت الروم وفارس بعضهم لبعض احتسبوا ملككم، هذا رجل يقاتل على دين وله عقل وعلم والله لينصرن ولنخذلن، ثم لن ينتفعوا بذلك. فعبروا أسفل من خالد. فلما تتاموا قالت الروم: امتازوا حتى نعرف اليوم ما كان من حسن أو قبيح من أينا يجيء ففعلوا واقتتلوا قتالا شديدا طويلا، ثم إن الله هزمهم وقتل يوم الفراض في المعركة وفي الطلب ١٠٠. ٠٠٠ كما رواه الطبري، وأقام خالد على الفراض بعد الوقعة عشرا ثم أذن بالجوع إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القعدة.
قال مستر موير في كتابه الخلافة عند ذكر هذه الموقعة صفحة ٦١ طبعة سنة ١٩٤٢: إن هذا العدد "١٠٠. ٠٠٠ " خرافي ويريد بذلك أنه عدد عظيم غير معقول إلا أن المؤرخين لم يذكروا عدد جيش خالد ولا عدد جيش العدو والذي نعلمه أن جيش العدو كان عظيما لأنه كان جيش متحد مؤلف من ثلاثة جيوش: جيش الفرس والروم والعرب الذين انضموا إليهم فإذا كانت الموقعة انتهت بانهزام هذه الجيوش انهزاما تاما فلا بد أن يكون عدد القتلى كبيرا فإن لم يكن مئة ألف بالضبط كما رواه الطبري فهو يقرب من ذلك.
قال القعقاع يصف موقعة الفراض:
لقينا بالفراض جموع روم ... وفرس غمها طول السلام
بدنا جمعهم لما التقينا ... وبيتنا بجمع بني رزام
فما فتئت جنود السلم حتى ... رأينا القوم كالغنم السوام
стр. 71
خالد يحج سرا١ شهر ذي الحجة سنة ١٢هـ - شباط/فبراير سنة ٦٣٤م
لما أيقن خالد من انهزام العدو اشتاق إلى زيارة مكة وإلى تأدية فريضة الحج متخفيا من غير أن يستأذن أبا بكر فأمر جيشه بالعودة إلى الحيرة وتظاهر بأنه سائر في مؤخرة الجيش فبدأ رحلته إلى مكة ومعه عدة من أصحابه لخمس بقين من ذي القعدة ولم يكن معه دليل فاخترق الصحراء مسرعا رغما عن صعوبة الطريق.
ولما أدى فريضة الحج عاد إلى الحيرة في أوائل فصل الربيع فكانت غيبته على الجند يسيرة فما وصلت إلى الحيرة مؤخرة الجيش حتى وافاهم خالد مع صاحب الساقة فقدما معا وخالد وأصحابه محلقون وقد كان تكتمه شديدا حتى إنهم ظنوا أنه كان في هذه المدة بالفراض ولم يعلم أبو بكر بحج خالد مع أنه كان في الحج أيضا غير أنه بعد قليل بلغه الخبر فاستاء جدا وعتب عليه وكانت عقوبته أن صرفه إلى الشام ليمد جموع المسلمين باليرموك فأرسل إليه كتابا هذا نصه:
سر حتى تأتي جموع المسلمين باليرموك فإنهم قد شجوا٢ وأشجوا٣ وإياك أن تعود لمثل ما فعلت فإنه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجاك ولم ينزع الشجى من الناس نزعك فليهنئك أبا سليمان النية والخطوة فأتمم يتمم الله عليك ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل وإياك أن تدل بعمل فإن الله له المن وهو ولي الجزاء.
وفي هذه السنة سنة ١٢ هـ تزوج عمر ﵁ عاتكة بنت زيد وفيها مات أبو مرثد الغنوي وهو أبو مرثد كناز بن الحصين الذي حمل اللواء في بعث حمزة وكان أول لواء عقده رسول الله ﷺ وفيها مات أبو العاص بن الربيع في ذي الحجة وكان من الأسرى يوم بدر ثم أسلم وهو زوج زينب بنت رسول الله وهو ابن خالتها هالة بنت خويلد ﵂ أخت خديجة أم المؤمنين وأوصى إلى الزبير وتزوج علي ﵇ ابنته أمامة بنت زينب بنت رسول الله وفيها اشترى عمر أسلم مولاه بالناس في هذه السنة أبو بكر واستخلف على المدينة عثمان بن عفان كما ذكر ذلك الواقدي.
стр. 72
غزو الشام١ سنة ١٢ - ١٣هـ - ٦٣٣- ٦٣٤م
بعد أن عاد أبو بكر من الحج وجه الجنود إلى الشام تحت قيادة خالد بن سعيد بن العاص، وكان أول لواء عقده إلى الشام، وهو من الذين أسلموا قديما وهاجر إلى الحبشة إلا أن أبا بكر عزله قبل أن يسير وكان سبب عزله أنه تأخر عن بيعة أبي بكر شهرين ولقي علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان فقال يا أبا الحسن: يا بني عبد مناف أغلبتم عليها؟ فقال علي: أمغالبة ترى أم خلافة؟.
فأما أبو بكر فلم يحقدها عليه وأما عمر فاضطغنها٢ عليه فلما ولاه أبو بكر لم يزل به عمر حتى عزله عن الإمارة وجعله رداء للمسلمين بتيماء٣ وأمره أن لا يفارقها إلا بأمره وأن يدعو من حوله من العرب إلا من ارتد وأن لا يقاتل من قاتله فاجتمع إليه جموع كثيرة من الروم وعلى ذلك أمره أبو بكر بالإقدام بحيث لا يؤتى من خلفه فتقدم شمالا نحو البحر الميت فسار إليه بطريق الروم، ويدعى باهان ولما وجد أنه تقدم كثيرا كتب إلى أبي بكر يستمده.
وكان قد قدم إلى أبي بكر بالمدينة جيوش المسلمين من اليمن بعد أن هزموا المرتدين وكانوا على استعداد للحرب في جهات أخرى فأرسل أبو بكر عكرمة بن أبي جهل والوليد بن عقبة لإمداد خالد في الشمال.
أسرع خالد بن سعيد في أوائل فصل الربيع للغزو ناسيا ما أمره به أبو بكر من عدم الزحف فوقع في شرك٤ باهان جهة دمشق وكان قد وصل إلى مرج الصفر٥ شرقي بحيرة طبرية فأطبق عليه العدو من الخلف ومنعه من التقهقر وقتل ابنه سعيد في المعركة وفر خالد بفلول جيشه إلى المدينة وبقي عكرمة رداء٦ للجيش بدل خالد فرد عنهم باهان وجنوده أن يطلبوه وأقام من الشام على قرب.
ثم أمر أبو بكر يزيد بن أبي سفيان على جيش عظيم هو جمهور من انتدب إليه فيهم سهيل بن عمرو في أمثاله من أهل مكة وشيعه ماشيا وأوصاه وغيره من الأمراء.
وصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان٧
كان مما قاله أبو بكر ليزيد:
إني وليتك لأبلوك وأجربك وأخرجك فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك وإن أسأت
стр. 73
عزلتك فعليك بتقوى الله فإنه يرى من باطنك مثل الذي من ظاهرك وإن أولى الناس بالله أشدهم توليا له وأقرب الناس من الله أشدهم تقربا إليه بعمله وقد وليتك عمل خالد فإياك وعبية الجاهلية فإن الله يبغضها ويبغض أهلها وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير وعدهم إياه وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضا وأصلح نفسك يصلح لك الناس وصل الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به ولا ترينهم فيروا خيلك ويعلموا علمك وأنزلهم في ثروة عسكرك وامنع من قبلك من محادثتهم وكن أنت المتولي لكلامهم ولا تجعل سرك لعلانيتك فيختلط أمرك وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار وتنكشف عنك الأستار وأكثر حرسك وبددهم في عسكرك وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك فمن وجدته غفل عن حرسه فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط وأعقب بينهم بالليل واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة فإنهما أيسرهما لقربهما من النهار ولا تخف من عقوبة المستحق ولا تلجن فيها ولا تسرع إليها ولا تخذلها مدفعا ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسدهم ولا تتجسس عليهم فتفضحهم ولا تكشف الناس عن أسرارهم واكتف بعلانيتهم، ولا تجالس العباثين وجالس أهل الصدق والوفاء وأصدق اللقاء ولا تجبن فيجبن الناس، واجتنب الغلول١ فإنه يقر بالفقر ويدفع النصر وستجدون أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم له.
وهذه من أحسن الوصايا وأكثرها نفعا لولاة الأمر فإنه يذكر فيها واجبات القائد نحو جنده ونحو عدوه ومنع تعرض القائد للمتدينين الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع احتراما لدينهم.
وقد انقسم الجيش إلى ثلاثة أقسام كل قسم مؤلف من ٥٠٠٠ مقاتل وأمر على اثنين منهما شرحبيل بن حسنة الذي كان قد قدم من عند خالد بن الوليد إلى أبي بكر وعلى الثالث عمرو بن العاص وعين لكل جيش وجهته في الشام فوجه عمرا إلى أيلة على رأس خليج العقبة، ومن ثم لغزو جنوب الشام أو فلسطين ووجه يزيد وشرحبيل إلى تبوك ثم غزوا أوساط الشام، وحمل معاوية بن أبي سفيان لواء أخيه يزيد وانضم خالد بن سعيد متطوعا إلى جيش شرحبيل وكان تعيين الأمراء الثلاثة في شهر صفر سنة ١٣هـ - نيسان إبريل سنة ٦٣٤ م، ثم لما وصلت الجيوش الأخرى إلى المدينة أرسلهم أبو بكر لإمداد جيوش الشام وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وعلى ذلك كان عدد الجيوش التي أرسلت أربعة وكان أبو عبيدة أميرا عليهم جميعا وبلغ عدد الجيش الزاحف ٢٤٠٠٠ بما في ذلك جيش عكرمة، وخرج نحو ألف من الصحابة في جيش الشام ومن بينهم ١٠٠ ممن شهدوا موقعة بدر بخلاف جيش العراق فإن المهاجرين لم يقاتلوا فيه.
سار أبو عبيدة على باب من البلقاء فقاتله أهله ثم صالحوه فكان أول صلح في الشام.
стр. 74
الظروف الملائمة لفتح الشام
كان امبراطور الروم يبعث إلى القبائل العربية في جنوبي فلسطين إعانة مالية سنوية غير أنه اضطر بسبب ما أنفقه على الجيش في محاربة الفرس إلى قطع الإعانة عنهم مراعيا في ذلك الاقتصاد في النفقات وعلى ذلك اعتبرت هذه القبائل أنفسها أحرارا غير مقيدين بمحالفتهم الروم فانضموا إلى المسلمين، ثم إن أهل الشام أيضا أرهقتهم زيادة الضرائب فضلا عما كانوا يلاقونه من الاضطهادات الدينية ولذلك لم يحركوا ساكنا وقد كانوا يفضلون حكم العرب لحسن معاملتهم وعدلهم في أحكامهم كل هذه كانت ظروفا ملائمة للمسلمين المهاجمين.
استعداد هرقل١
وصل أمراء المسلمين إلى الشام فأخذ عمرو طريق المعرقة ونزل بالعربة وهي واد بين البحر الميت وخليج العقبة ونزل أبو عبيدة الجابية ونزل يزيد البلقاء ونزل شرحبيل الأردن وقيل بصرى. فبلغ الروم ذلك فكتبوا إلى هرقل وكان في القدس فقال: أرى أن تصالحوا المسلمين فوالله لأن تصالحوهم على نصف ما يحصل من الشام ويبقوا لكم نصفه مع بلاد الروم أحب إليكم من أن يغلبوكم على الشام ونصف بلاد الروم فتفرقوا عنه وعصوه فجمعهم وسار بهم إلى حمص فنزلها وأعد الجنود والعساكر وأراد إشغال كل طائفة من المسلمين بطائفة من جنوده لكثرة عسكره لتضعف كل فرقة من المسلمين عمن بإزائها فأرسل إلى عمرو أخاه تذارق لأبيه وأمه فخرج نحوهم في ٩٠. ٠٠٠ وبعث من يسوقهم حتى نزل صاحب الساقة ثنية جلق بأعلى فلسطين، وبعث جرجة بن توذار نحو يزيد بن أبي سفيان فعسكر بإزائه، وبعث الدراقص فاستقبل شرحبيل بن حسنة، وبعث الفبقار بن نسطوس في ٦٠. ٠٠٠ نحو أبي عبيدة فهابهم المسلمون وكاتبوا عمرا أن ما الرأي؟ فأجابهم: أن الرأي لمثلنا الاجتماع فإن مثلنا إذا اجتمعنا لا يغلب من قلة فإن تفرقنا لا تقوم كل فرقة بمن استقبلها لكثرة عدونا، وكتبوا إلى أبي بكر فأجابهم مثل جواب عمرو، وقال: إن مثلكم لا يؤتى من قلة إنما يؤتى العشرة آلاف إذا أتوا من تلقاء الذنوب فاحترسوا من الذنوب واجتمعوا باليرموك متساندين وليصل كل رجل منكم بأصحابه.
وكان جميع فرق المسلمين ٢١. ٠٠٠ سوى عكرمة في ٦٠٠٠، وبلغ ذلك هرقل فكتب إلى بطارقته أن اجتمعوا لهم، واجتمع المسلمون باليرموك كما أمرهم أبو بكر واجتمع الروم هناك أيضا وعليهم التذارق وعلى المقدمة جرجة وعلى مجنبتيه الدراقص وباهان ولم يكن قد وصل بعد إليهم وعلى الحرب الفيقار فنزلوا الواقوصة وهي على ضفة اليرموك وصار الوادي خندقا لهم، وإنما أراد باهان وأصحابه أن تستفيق الروم ويأنسوا بالمسلمين وانتقل المسلمون عن عسكرهم الذي اجتمعوا به فنزلوا عليهم بحذائهم٢ على طريقهم وليس للروم طريق إلا عليهم، فقال عمرو: أيها الناس أبشروا
стр. 75
حصرت والله الروم وقل ما جاء محصور بخير١ وأقاموا صفرا وشهري ربيع لا يقدرون منهم على شيء من الوادي والخندق ولا يخرج عليهم الروم إلا ردهم المسلمون، وكان قتال المسلمين لهم على تساند أمير على أصحابه لا يجمعهم أحد حتى قدم خالد بن الوليد من العراق وكان القسيسون والرهبان يحرضون الروم.