← История

История · id 7479

أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح الديني والعمراني في جزيرة العرب وغيرها

محمد حامد الفقي

Полный текст (115 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. والعاقبة للمتقين. ولا عدوان إلا على الظالمين. والصلاة والسلام الأتمان الأكملان الطيبان الطاهران على سيد الأنبياء وأشرف المرسلين، وأفضل الخلق أجمعين: محمد عبد الله ورسوله، الذي ختم الله به الرسالة، فلا نبي بعده، وختم بكتابه الكتب، فهو المرجع والموئل لكل من طلب الهداية إلى الصراط المستقيم، وجعل شرعته آخر الشرائع وأقومها، لأنها أكملها وأجمعها لكل علم وهدى، وخلق، واعتقاد وعمل يحبه الله تعالى، ويبلغ صاحبه به أعلى الدرجات، وأرفع منازل السعادة والفوز في الدنيا والآخرة، والشقي كل الشقاء من تنكب سبيله، واتخذ إلهه هواه، وعمدته الرأي والاستحسان وحجته ما قال فلان، وما اخترع علان، فإن كل ذلك لا يغني من الحق شيئا، وهو بعد لا ينجي من هول سؤال القبر، وما بعده من مواقف الحساب التي لا ينجي منها إلا القرآن: إيمانا وعلما وعملا والرسول ﷺ معرفة، وحبا خالصا، وطاعة واتباعا. اللهم اجعلنا بفضلك من أولئك الناجين، وآتنا هذه الحجة القويمة، واجعل لنا منها يوم القيامة نورا بين أيدينا وبأيماننا، وأتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير. "أما بعد" فهذه نبذة لطيفة في بيان حقيقة الدعوة الوهابية، وإمامها وشيعتها وأنصارها، أقدمها في هذه الورقات، راجيا أن أكون قد وفقت

стр. 2

لإزاحة حجب الأوهام والأباطيل، والأخطاء، والأكاذيب عن هذه الدعوة وعن إمامها وشيعتها وأنصارها، حتى يعرفها العالم الإسلامي على حقيقتها، ويروها في لونها الحقيقي مجردة عن الزغل، والغش والخداع وإنما حملني على ذلك، كثرة ما رأيت وما سمعت من تخبط كثير من الناس في شأنها، ما بين مفرط، ومقصر. وإن من شر ما منى به المسلمون الجرأة على إلقاء القول بدون تحقق، ورمي التهم الشنيعة في وجوه الأبرياء بدون تروٍّ ولا تثبت، ولقد غلب هذا الخلق الذميم على بعض المتعلمينٍ حتى أصبحوا يقلدون العامة في كل شائعة، ويطلقون ألسنتهم بما لا يليق من القول على غير علم ولا بصيرة، وبلا تفكير في عاقبة ذلك ونتيجته في الدنيا والآخرة، ولا واقفين عند قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ - وفي قراءةِِ: فتثبتوا- ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] وقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [قّ:١٨] وقول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل فيما رواه أحمد والترمذي والنسائي "أمسك عليك لسانك"، فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "ثكلتك أمك. وهل يَكُبُّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" وقوله ﷺ "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرقين" رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. أسال الله العافية من كل هذا، وأن يقينا شر أنفسنا وسيئات أعمالنا، ويجعلنا بمنه وكرمه من المؤمنين المخلصين الفائزين في الدنيا والآخرة.

стр. 3

وأن يوفق المسلمين جميعا ملوكا وأمراء، وزعماء، وقادة، وعلماء، وعامة في مشارق الأرض ومغاربها: إلى توحيد كلمتهم، وربط قلوبهم برباط الإيمان الخالص، والتوحيد النقي الصافي، وأن يعيذهم من كل أنواع الشرك وعمله ومن كل ما يقرب إلى النار. وإنما أتاح لي هذه الفرصة، ومهد لي في نشر هذه الكلمة: أن تحطمت عن القلوب قيود التقليد الأعمى والعصبية، وخلصت الأفكار إلى جو البحث الصحيح في سرور واطمئنان، حين ألقيت مقاليد الرياسة الدينية إلى رجل العصر، ومقيل العلم من كبوته، قوي القلب والنفس، ماضي العزيمة، صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي، شيخ الأزهر الحالي، أطال الله أيام رياسته، ليحقق للأمة آمالا للأزهر والإسلام تعيد إليهما عزهما المسلوب وشرفهما المضيع، وليتضح للناس نور الهداية الإسلامية في ظل نصير العلم والدين، الناهض بأمته إلى أعلى درجات الإنسانية الكاملة، صاحب الجلالة ملك مصر المفدى، الملك فؤاد الأول، أدام الله نصره وتأييده صالحا مصلحا، وخادماً للإسلام أمينا، وأقر عين جلالته بولي عهده صاحب السمو الملكي أمير الصعيد الأمير فاروق. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وصحبه الخيرة الأبرار، وآل بيته الطيبين الأطهار. القاهرة في العاشر من ذي القعدة سنة ١٣٥٤. وكتبه محمد حامد الفقي رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية بالقطر المصري

стр. 4

مدخل ... ١- الوهابية: نسبة إلى الإمام المصلح، شيخ الإسلام، محمد بن عبد الوهاب مجدد القرن الثاني عشر، وهي نسبة على غير القياس العربي فلقد كان الصحيح أن يقال: "المحمدية" إذ أن اسم صاحب هذه الدعوة، والقائم بها هو "محمد" لا "عبد الوهاب" على أننا نتجاوز عن هذا الخطأ العربي، ونماشي العامة الآن، لننظر كيف، ولماذا أطلق هذا اللقب على هذه الدعوة، والقائمين بها؟ علّنا نقف بالقارئ على بعض السر الذي دعا إلى استعماله، ثم إلى شيوعه في الأقطار العربية وغيرها، إلا نجدا، وما يتصل بها. فإن من أعجب العجب أنك لا تجد لهذا اللقب أثرا فيها، ولا عند النجديين النازحين عنها إلى غيرها للتجارة، أو الإقامة والاستيطان، لا بل الأعجب من هذا أنهم يستنكرون ذلك ممن يخاطبهم به، أو ينسبهم إليه وأنهم جميعا من ملكهم، وأمرائهم، ومشايخهم- الذين أكثرهم من آل الشيخ محمد، وتجارهم وعامتهم يطلقون على أنفسهم، من حيث الوطن والقطر "نجديين" ومن حيث المذهب والعقيدة "حنابلة". ٢- وإنهم لحنابلة متعصبون لمذهب الإمام أحمد في فروعه، ككل أتباع المذاهب الأخرى، فهم لا يدّعون – لا بالقول، ولا بالكتابة-: أن الشيخ ابن عبد الوهاب أتى بمذهب جديد، ولا اخترع علما غير ما كان عند السلف الصالح، وإنما كان عمله وجهاده لإحياء العمل بالدين الصحيح، وإرجاع الناس إلى ما قرره القرآن في توحيد الآلهية والعبادة لله وحده: ذلاً وخضوعا، ودعاء ونذرا، وحلفا وتوكلا، وطاعة لشرائعه، وفي توحيد الأسماء والصفات، فيؤمن بآياتها كما وردت، لا يحرف ولا يؤول، ولا

стр. 5

يشبه ولا يمثل، على ما ورد في لفظ القرآن العربي المبين وما جاء عن الرسول ﷺ ، وما كان عليه الصحابة وتابعوهم والأئمة المهتدون من السلف والخلف رضوان الله عليهم في كل ذلك، وأن تحقيق شهادة "أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" لا يتم على وجهه الصحيح إلا بهذا. ٣- اجلس إلى أي نجدي في أي مكان يكون. مهما كان مركزه، ومهما بلغت معلوماته: من الملك إلى أقل تاجر، ومن شيخ القضاة إلى أبسط عامي، فإنك لا تكاد تجلس إليه حتى يبدأ في الحديث عن الشيخ محمد، وعن مؤلفات الشيخ محمد، وجهاد الشيخ محمد، وما قام به من إصلاح، وما أنقذ الناس به من الشرك والوثنية إلى التوحيد والهداية الإسلامية. وهم في كل هذا لا يجري على ألسنتهم إلا "شيخ الإسلام محمد" أو "الشيخ" فقط، أو "آل الشيخ" وقَل أن تسمع باسم والده "عبد الوهاب". ٤- من هذا نعلم أن منبت هذا اللقب وشيوعه كان ولا بد بعيداً عن البيئات والأوساط النجدية قديما وحديثا ٥- إذن فمن أين نشأ هذا اللقب. وأين نبت، وكيف شاع هذا الشيوع؟ ٦ - يغلب على ظني أنه نشأ في الأقطار والأوساط التي كانت تبذل أقصى جهدها لحرب هذه الدعوة والقضاء عليها، في أيام حروبها الأولى، حين كان الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، وحين كان ولده سعود الكبير ينشران من جناحي هذه الدعوة، ويبسطان من نفوذها على الجزيرة وما حولها، إلى أطراف العراق والشام. كما سيجئ بيان ذلك إن شاء الله.

стр. 6

٧- فبدهي أنه كان من أعظم الأسلحة، وأنكى ما يستخدمه قادة هذه الحروب والمضرمون لنارها: الدعاية السياسية بالصاق أشنع التهم، وأقبح الجرائم زورا وبهتانا- بمؤسسها وشيعته فلو أنهم أطلقوا عليها "المحمدية" لكان ذلك لقبا جميلا مشوقا. فعمدوا إلى إطلاق لقب "وهابي" لتنفير الناس من هذه الجماعة، وتشويه سمعتهم الطيبة، حتى يكثر أعداؤهم، ويقل أنصارهم وبذلك يظفر أولئك المحاربون بهم، ويتقلص ظل دعوتهم التي بهرت بجمالها عقول الناس، وأخذت تمتد بسرعة عظيمة، حتى أصبح لها من الاتباع والأنصار من لا يحصون كثرة. وكانوا في القوة بحيث هزموا جيوش الدولة العثمانية العظيمة في مواقع عدة. وما زالوا بها حتى أزالوا سلطانها عن الحرمين الشريفين. ٨ - والسر في هذا الامتداد، وهذه القوة يرجع إلى جمال هذه الدعوة، وبساطتها، وأنها في غير حاجة إلى أدلة جديدة ولا براهين مخترعة، فإنها تعتمد على صريح القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية الكريمة. والقرآن بين أظهر الناس –محفوظا ومكتوبا- قائم بحمد الله لم يذهب، ولكن العقول هي التي ذهبت عنه، فحين وُجهت إليه توجهت، وحين كشف لها عن نوره أقبلت عليه تقتبس منه الهداية والرحمة. ٩- وكان من أهم ما خدم به الشيخ ابن عبد الوهاب الناس: أن رفع عن قلوبهم غشاوة الجهل، وكابوس التقليد الأعمى لكل ناعق على غير هدى ولا بصيرة. ١٠ - فحارب الأمية بكل ما استطاع من قوة، وكان يلزم كل أتباعه

стр. 7

تعلم القراءة والكتابة مهما كانت سنه، ومهما كانت منزلته، حتى كان الأمراء يقرؤون مثل بقية الناس. فصار منهم العلماء المدرسون كالإمام سعود الكبير، فإنه كان له درس يلقيه في التوحيد، فوق أعمال الإمارة. ١١ - وكان تعليمه إياهم الكتابة في القرآن وحفظه، كما يصنع مع صبية المكاتب، ثم وضع الرسائل السهلة العبارة، القريبة إلى عقول البسطاء في بيان التوحيد وما يحققه ويقويه، وما يهدمه وينقضه: من الاعتقاد والقول والعمل، وكان كل اعتماده في مؤلفاته- في الرسائل الصغيرة، والكتب الكبيرة، في عقيدة التوحيد وغيرها-: على الكتاب العزيز والسنة الصحيحة، وكان يلزم الناس أن يحفظوا القرآن ثم يطالعوا هذه الرسائل ويحفظوها، فكان ذلك من أقوى الأسباب لانتشار هذه الدعوة وسرعة انتقالها إلى ما وصلت إليه من بقاع الأرض، وذلك طبعا كان يستند إلى سيف آل سعود ونصرتهم. ١٢ - وإني أسوق إليك نبذا بسيطة من كلام الشيخ ﵀ لترى فيها تلك الروح القوية والطريقة البسيطة السهلة التي كانت من أنجع الطرق في نشر التوحيد الصحيح. ١٣ - إذ يقول في رسالة الثلاثة الأصول: "اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل"الأولى" العلم وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة "الثانية" العمل به "الثالثة" الدعوة إليه "الرابعة" الصبر على الأذى فيه. والدليل قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالْعَصْر إِنَّ الْإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ

стр. 8

آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١-٣] إلى أن قال: "اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم: أن تعبد الله وحده مخلصا له الدين. وبذلك أمر الله جميع الناس. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ومعنى "يعبدوني" يوحدوني. وأعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة. وأعظم ما نهى عنه الشرك، وهو دعوة غير الله معه. والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء: ٣٦] فإذا قيل لك: ما الأصول التي يجب على الإنسان معرفتها؟ فقل: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمد ﷺ إلى أن قال: وأنواع العبادة التي أمر الله بها: مثل الإسلام، والإيمان، والإحسان. ومنه الدعاء والخوف والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستعاذة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من العبادة التي أمر الله بها، كلها لله" ١٤ - ثم ساق الأدلة من القرآن والسنة على كل نوع من هذه الأنواع، ثم بين الأصلين الآخرين: معرفة حقيقة الإسلام، ثم معرفة النبي ﷺ بنبذة لطيفة، تصور النبي ﷺ عند العامي صورة تملأ نفسه بحبه وتعظيمه وطاعته، وهذه الرسالة يحرص عليها أهل نجد جد الحرص، ولا تلقى نجديا كبيرا ولا صغيرا إلا وهو يحفظها عن ظهر قلب, ومن النقص الكبير عدم حفظها ١٥ - وقال الشيخ في رسالة القواعد الأربعة "اعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة فإذا دخل

стр. 9

الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة. فإذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل، وصار صاحبه من الخالدين في النار عرفت أن أهم ما عليك هو معرفة ذلك، لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة. وذلك بمعرفة أربع قواعد، ذكرها الله في كتابه: "الأولى" أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ كانوا مقرين بأن الله تعالى هو الخالق الرزاق المدبر، وأن ذلك لم يدخلهم في الإسلام – ثم ساق الدليل على ذلك من القرآن "القاعدة الثانية" أنهم يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة عند الله، ثم ذكر الدليل على كل من الشفاعة والتقرب من آيات القرآن "القاعدة الثالثة" أن النبي ﷺ ظهر على أناس متفرقين في عباداتهم: منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين. ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار. ومنهم من يعبد الشمس والقمر. فقاتلهم رسول الله ﷺ ولم يفرق بينهم، ثم ساق الدليل أيضا على ذلك من القرآن الكريم "القاعدة الرابعة" أن مشركي زماننا أغلظ شركا من الأولين، لأن الأولين كانوا يشركون في الرخاء، ويخلصون في الشدة ومشركو زماننا شركهم دائم في الرخاء والشدة. والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥] "الأصل الأول" إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو الشرك بالله، وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى بكلام يفهمه أبلد العامة، ثم صار على أكثر الأمة ما صار: أظهر الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين والتقصير في

стр. 10

حقوقهم. وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين وأتباعهم "الأصل الثاني" أمر الله بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرق، وبين الله هذا بيانا شافيا تفهمه العوام، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم، فهلكوا، ويزيده وضوحا ما وردت به السنة في ذلك، ثم صار الأمر بالناس إلى أن أصبح الافتراق في الدين هو أهدى السبل إلى الله، وأعظمها عنده ثوابا، وصار الأمر بالرجوع إلى الكتاب والسنة والاجتماع على ذلك لا يقوله إلا زنديق أو مجنون. "الأصل الثالث" من تمام الاجتماع: السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبدا حبشيا، فبين النبي ﷺ هذا بكل نوع من البيان شرعا وقدرا، ثم صار هذا الأمر مجهولا عند أكثر من يدعي العلم، فكيف العمل به؟ "الأصل الرابع" بيان العلم والعلماء، والفقه والفقهاء، وبيان من تشبه بهم، وليس منهم، وقد بين الله تعالى هذا الأصل بحكاية ما كان عليه بنو إسرائيل في صورة التشنيع والتوبيخ في أول سورة البقرة من قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠] إلى الآية ١٣٣، وغير هذا من الآيات في ذم الجهل والجهلاء، ومدح العلم والعلماء، وقد صرح النبي ﷺ بكلام كثير في ذلك يفهمه العامي البليد، فضلا عن أهل العلم، ثم صار هذا من أغرب الأشياء، وصار العلم والفقه هو البدع والضلالات والآراء

стр. 11

والاختلافات، وخيار ما عندهم لَبس الحق بالباطل، وصار العلم الذي فرضه الله على الخلق ومدحه وأثنى على أهله، وهو معرفة الله بأسمائه وصفاته وحقوقه الخالصة، ومعرفة دينه، وأنبيائه، ورسله وثوابه، وعقابه وجنته، وناره، لا يتفوه به إلا من يصفونه بأنه زنديق أو مجنون، وصار كل من أنكره وعاداه وصنف في التحذير منه هو العالم الفقيه. "الأصل الخامس" بيان الله لأوليائه. وتفريقه بينهم وبين المتشبهين بهم من أعداء الله المنافقين والفجار، ويكفي في هذا آيات آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] وفي سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٤، ٥٥] وفي سورة يونس: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] . ثم صار الأمر عند أكثر من يدعي العلم وهداية الخلق وحفظ الشرع: أن الأولياء لا يكونون إلا من المهابيل والمجاذيب، التاركين للصلاة، المضيعين لحدود الله، ومن كان على شاكلتهم من الطبَّالين والزمارين، والرقاصين الذين اتخذوا آيات الله هزواً، واتخذوا دينهم لعبا ولهواً، واحتفالا بموالد الموتى وأعيادهم الجاهلية مما أصبح معلوما لكل ذي عينين "الأصل السادس" رد السنة السيئة التي وضعها الشيطان في ترك

стр. 12

القرآن والسنة، واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة بدعوى أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق، ثم اخترعوا للمجتهد شروطا وأوصافا لعلها لا توجد في أبي بكر وعمر. وإذا لم يجتمع في الإنسان هذه الأوصاف المستحيلة كان فرضا عليه حتما الإعراض عن القرآن والحديث، وأخذ دينه من المتون والشروح والحواشي، ومن طلب الهدى من القرآن والحديث فهو إما زنديق أو مجنون، سبحانك هذا بهتان عظيم، والأمر برد هذه الشبهة الملعونة، وبيان وجوه ردها لا يكاد يحصى من القرآن الكريم والسنة النبوية، حتى أصبح من ضروريات الدين ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: من الآية٢٦] ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يّس:٧-١١] ١٨ -وفي رسالة أخرى يقول الشيخ ﵀:- "اعلم أن نواقض الإسلام عشرة "الأول" الشرك في عبادة الله تعالى. قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:١١٦] وقال ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: من الآية٧٢] ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو للقبر، أو لنحو ذلك "الثاني" من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة

стр. 13

ويستغيث بهم، ويستمد مددهم ويتوكل عليهم "الثالث" من لم يكفر المشركين الذين يفعلون ما تقدم، أو يشك في كفرهم أو صحح مذهبهم. "الرابع" من اعتقد أن هدى غير النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكم الله ورسوله. وقوانين البشر على ما أنزل الله. "الخامس" من أبغض شيئا مما جاء به النبي ﷺ . ولو عمل به. "السادس" من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ وما ذكر من ثواب أو عقاب. والدليل قوله تعالى ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] "السابع" السحر ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر والدليل قوله تعالى ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] "الثامن" مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] "التاسع" من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ ، للعمل بمنام أو ما يدّعونه من مكاشفة أو غير ذلك. فهو كافر "العاشر" الإعراض عن دين الله تعالى: لا يتعلمه ولا يعمل به. والدليل قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢] ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره

стр. 14

وكلها من أعظم ما يكون خطرا، وأكثر ما يكون وقوعا، فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلم. ١٨- وقال في كتاب كشف الشبهات:- "اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وهو دين الرسل الذين أرسلهم إلى عباده، فأولهم نوح ﵇، أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين وَدًَّا، وسُواعَ، وَيغُوث، وَيَعُوق، ونَسْرًا. وآخر الرسل محمد ﷺ وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين أرسله الله إلى قوم يتعبدون، ويحجون، ويتصدقون، ويذكرون الله، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، ويقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده: مثل الملائكة وعيسى وأمه مريم، وأناس غيرهم من الصالحين وغير الصالحين، فبعث الله محمداً ﷺ يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد، وهو محض حق الله، لا يصلح منه شيء لغير الله. ١٩- ثم أخذ الشيخ يشرح هذه القاعدة ويبسطها بذكر الآيات القرآنية التي فيها حكاية اعتراف المشركين بأن الله هو خالقهم ورازقهم وحده، وأنه سبحانه لم يقبل ذلك منهم حتى يكون مقرونا بتوحيد الالهية الذي هو إفراد العبادة والدعاء، والذبح، والنذر، والحلف لله وحده، وضرب الأمثال لذلك بما عليه أكثر الناس اليوم، وذكر اعتراضاتهم وأجاب عنها واحدا واحدا، بعبارة سهلة لطيفة، قريبة إلى عقل العامي وفكره.

стр. 15

٢٠- ثم وضع كتاب التوحيد أبسط من هذه وأوسع، ذكر فيه أنواع التوحيد بقسميه: توحيد العلم والمعرفة، وتوحيد الإرادة والمحبة والتعظيم والعبادة، وذكر في توحيد الأسماء والصفات جملا قيمة مؤيدة بآيات الذكر الحكيم والأحاديث النبوية والصريحة في استواء الله على عرشه، وعلوه على خلقه وأمثال هذه الصفات على ما يليق به سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وذكر في هذا الكتاب نواقض التوحيد من السحر، والتمائم وعبادة الجن، وغير ذلك. ٢١- ثم وضع لبيان أنواع الشرك حتى يحذرها المؤمن-: كتاب مسائل الجاهلية، ذكر فيه مائة وثمانية وعشرين مسألة، مما كان معروفا من أعمال أهل الجاهلية، وهدمه الإسلام، ثم رجع الناس إليه، معرضين عما في القرآن والسنة من آيات التحذير منه، لكنهم أحيوه بأسماء أخرى اخترعتها لهم الشياطين، ليلبسوا عليهم دينهم، ويفتنوهم عن عقيدتهم الصحيحة، التي نزل بها القرآن وشرحها النبي ﵊، وغير ذلك من الكتب والرسائل التي كان يبعث بها إلى الأمراء والعلماء، إما ابتداء، وإما جوابا على أسئلة كانوا يوردونها عليه. ٢٢- من هذا يتبين واضحا حقيقة هذه الدعوة، وأنها أولى أن تسمى الدعوة "السلفية المحمدية" لأنها لم تخرج في جملتها وتفصيلها عن الإسلام الصحيح الذي بعث به جميع الأنبياء، وخصوصا خاتمهم وأشرفهم سيدنا محمد ﷺ . ٢٣- وإن أهم ما كان يعنى به الشيخ محمد في دعوته هو توحيد الآلهية والعبادة الذي هو حق الله تعالى على عباده شكراً منهم لله على

стр. 16

ما أنعم عليهم بصفة ربوبيته، فإنه ربهم وحده باعتقادهم وفي الواقع، فالواجب أن يكون هو معبودهم وحده، كما قال ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذريات:٥٦-٥٨] . ٢٤- ولقد خلق الله عباده على الفطرة حنفاء يعرفون ربهم فيعبدونه، فمازالت بهم الشياطين حتى أفسدت عليهم فطرهم بالأهواء والفتن، ووضعت في طريق معرفتهم لله عقبات حجبت عن قلوبهم نور المعرفة الصحيحة، فاتخذوا من دونه أنداداً يحبونهم كحب الله، ويطيعونهم في غير ما أمر الله باسم المشايخ والعلماء، وآلهة يعبدونهم ويدعونهم في شدائدهم، ويلجأون إليهم في مهماتهم، باسم الأولياء، والشفعاء، والوسائط والوسائل من أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وما عندهم بها من علم ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ [لنجم: ٢٨] ولقد لبس عليهم الشياطين حتى زعموا أن هذه الظنون التي يمليها سدنة أولئك الأنداد والأولياء، ويتأكلون منها-: علوما يقينية، وأخبارا حقيقية، يشكون في كل شيء ثبت بالعيان ولا يشكون فيها، وذلك لأن الشياطين قد أفسدت عليهم فطرهم وحجبت بصائرهم بغشاوات من العمه والغي والفساد، فكل ما جاء على خلاف معتقدهم هذا نبذوه، وعادوه، وأبغضوا القائم به، وحاربوه بكل ما عندهم من قوة، ولو قد تبين لهم الحق وقامت عليهم الحجة! فهم محجوبون على عقولهم، لا يقدرون على فكّها من الأغلال والقيود، فلو جاءتهم كل آية لا يؤمنون ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ

стр. 17

يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام:٢٥] ٢٥- فوظيفة الرسل صلوات الله تعالى عليهم، ووظيفة أتباعهم السالكين لسبيلهم الوارثين لعلومهم وهديهم، هي كسر هذه الأغلال عن القلوب وإرجاعها إلى حالتها الفطرية، سليمة صافية ترى كل شيء على حقيقته فترى الحق حقا والباطل باطلا، وسلاحهم لذلك ما يوحي الله تعالى من علوم، وما ينزِّل من هداية ورحمة، وما يصف نفسه به من صفات حسنى بأسلوب ونظام يملأ القلوب إجلالا له، وحبا خالصا، ليعبدوه مخلصين له الدين حنفاء. ٢٦- كذلك قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر الهجري، ومن قبله قام بهذه الوظيفة علماء مخلصون صادقون، ولا تزال في هذه الأمة طائفة قائمة على الحق لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى يأتي أمر الله، كما أخبر بذلك الرسول الصادق ﷺ . ٢٧ - ومن أبرز هؤلاء وأظهرهم في القرنين السابع والثامن شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله، فإن هذين الإمامين الجليلين قاما في وقتهما بجهاد ما كان مستوليا على الأمة من الجبت الطاغوت، فقام عباد هذه الطواغيت يدفعون عن أنفسهم وعن طواغيتهم بكل ما استطاعوا: تلك الصواعق التي كان يرسلها هذان الإمامان من سماء علمهما، وما زالت الحرب بين حزب الرحمن وحزب الشيطان على أشدها حتى اخترمت المنية شيخ الإسلام ابن تيمية حبيسا في قلعة دمشق التي كانت

стр. 18

تحاول يد الظلم القاسية تقييد علمه، وإطفاء نوره، ولكن الله غالب على أمره، فكان يبعث علمه، من طاقات السجن، وكان التلاميذ، ورواد منهله العذب يجلسون تحتها بمحابرهم وأوراقهم وهو يملي عليهم من حفظه، ثم قام من بعده ذلك التلميذ البار، وخلفه في جهاده حتى ملأوا الدنيا علما، وكبت الله حزب عدوه، وأذلهم في مواطن عدة. ٢٨- وما انقضى القرن الثامن الهجري حتى كان الجو العلمي مكهربا بنظريات ابن تيمية وابن القيم، ولم يستطع حزب الطواغيت أن يحط من قدر هذين المجاهدين، ولا أن يفل من سلاحهما على كثرة ما بذل من أنواع الجهود وما اتخذ من أسباب الأذى. ٢٩- ولقد كان من أضعف سلاحهم: الكذب والافتراء، الدال على نذالة في النفوس وحقارة، وأنه لم يبق عندهم من صفات الرجولة شيء، فقد قالوا عن شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه مجسم ومشبه الله بخلقه، إذ قالوا كذباً أنه قال: إن الله ينزل كنزولي هذا –ونزل درجتين من المنبر- كما اتهموه هو وتلميذه ابن القيم بأنهما يحقران عباد الله الصالحين وآل بيت النبي الطاهرين، وينكران كرامات الأولياء المتقين، وقالوا غير ذلك من الأكاذيب والمفتريات التي لا تروج إلا على من فقد كل شيء من الذوق والإحساس، أما من كمله الله بالعقل والتمييز فإنه يرجع إلى كتبهم المنتشرة في كل البلاد، فلا يجد فيها إلا تنزيها لله تعالى بما نزه هو نفسه، وتوضيحا لما في القرآن والسنة النبوية من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وصواعق مرسلة على الجهمية والمعطلة، ويرى فيها جموع الجيوش الإسلامية حشدت

стр. 19

لغزو أولئك المعطلة والجهمية، تسمهم بميسم الصغار والهوان، وتقطع لسنتهم الكاذبة، التي تقول على الله وفي الله بالهوى والرأي لا بالعلم والبرهان. ٣٠- ومهما حاول أولئك الطواغيت وعبادهم، زعزعة العقلاء الأحرار، والمفكرين الصادقين عن حب شيخ الإسلام ابن تيمية ومن تبعه قديما وحديثا، فلن يفلحوا أبدا، بل كل يوم يزداد حقهم ظهورا، وعلمهم نورا، لأنهم يستمدون ذلك من نور القرآن والسنة، ولا يخرجون عنهما قيد شعرة، ولأنهم مع الحق، والحق لا يفنى ولا يزول. ٣١ - وعلى نهج شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم سلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، لكنه كان قد هيئ له من الظروف ما لم يتهيأ للشيخين، فبلاد نجد البدوية غير مصر والشام التي كانت تعج بالملوك والأمراء والجيوش والقواد، والمدارس، والحضارات، وتكايا المتصوفة المختلفة، والقضاة، والعلماء المدرسين في جميع المذاهب، وما كان باقيا من آثار عقيدة العبيديين وعلومهم الزائفة، والنجديون كانوا –ولا يزالون- يعظمون أهل العلم، ويوقرونهم، ولا يصدر الأمير إلا عن ما يقول العالم، فكان مقام العلماء في نفوس الناس يحمل الأمراء على الرغبة في الاعتزاز بهم، ومن أجل هذا وجد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب من بين أمراء نجد من يرحب به، ويؤيه، وينصره، ويضع سيفه وملكه تحت تصرفه. ٣٢- فكان أن قوي ساعد الشيخ، وارتفع صوته، وعلا ذكره وجاء إليه الناس أفواجا، وكان أن امتد سلطان دعوة التوحيد حتى خفقت راية

стр. 20

الإسلام في ظلها في كل نواحي نجد وأغرى ذلك البلاد المجاورة فقامت تخطب وُدَّ هذه الراية، وتتطلع بشوق عظيم إليها، ورفع الإسلام طرفة الكسير إليها في رجاء وضراعة، يستمد من قوتها أن تتداركه، لتقيله من عثرته، وترفع عن ظهره كابوس البدع والضلالات التي ناء بها، فسرعان ما لبى السعوديون السلفيون ضراعته، وذهبوا يكسرون تلك الأغلال الشركية عنه، ويهدمون هذه الطواغيت والأنصاب التي كادت تقضي عليه، واستخلصوا الإسلام في هذه البلاد والنواحي من براثن أعدائه، فما لبث أن قام أعداء الأنبياء من شياطين الجن والإنس يتصايحون بالويل والثبور، ويتنادون: ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨] ٣٣- لكنهم أضعف ناصراً وأقل عدداً، فلجأوا إلى الدولة العثمانية يستنصرون بقوتها وبجيشها، ويستفزون ملوكها وقوادها بأساليب الخدع وأنواع الإغراء: بأنها حامية الإسلام، وأن أولئك النجديين يفسدون قلوب الناس، ويغيرون عقائدهم، ويريدون تحويلهم عن الطريق الموروثة، والسبل التي وجدوا عليها الآباء والأجداد، ويحقرون شعائر الدين بهدم قباب المشايخ والأولياء الكبار، التي أطبقت الأجيال على تعظيمها والتبرك بها، وأن قعود الدولة عن رد هؤلاء المعتدين يذهب بهيبتها من نفوس المسلمين، ويحقر من شأنها عندهم، فلا تبقى صاحبة الحق في دعوى الخلافة عليهم. ٣٤- وما زالوا بالعثمانيين يتوسلون إلى ملوكهم وقضاتهم وشيوخ إسلامهم وقواد جيشهم ووزرائهم حتى بعثت جيشا لمحاربة السعوديين، فما لبث أن

стр. 21

أوقع الله الرعب في قلوبهم فولوا الأدبار، ثم أعادت الكرة فكان نصيب هذه الحملة كالأولى، وهكذا دَحر جيش الموحدين جيش العثمانيين في مواقع عدة، حتى انتهى الأمر بهم إلى دخول الحجاز آمنين، محلقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون، وأزالوا ما كان به من آثار، وهدموا ما كان على قبور آل البيت وغيرهم في مقبرة المعلاة من قباب، وأبطلوا ما كان في مكة من شرور ومظالم، فكان دخولهم الحجاز أكبر صاعقة على رؤوس عباد القبور، ودعاة الموتى، وأئمة البدعة والمتأكلين بهذه الآثار، فضاعفوا جهودهم في الكيد للموحدين، ورأت الدولة العثمانية من ناحيتها أن ذلك قضاء تام على سلطانها ونفوذها، وأن هؤلاء النجديين الموحدين لا يقفون عند هذا الحد؛ فإنهم لا يزالون يرسلون بعض السرايا لأطراف الشام؛ ويبعثون بالكتب والرسائل إلى ولاة الشام والعراق وزعمائها وعلمائها يدعونهم فيها إلى تحقيق كلمة الإخلاص، وتحقيق أتباع الإسلام والرسول ﷺ علما وعملا؛ وأن هذه الدعاية التي يقومون بها معقولة مقبولة؛ وأنها لا بد واجدة من كثير من الناس تحبيذاً لها، وإقبالا على اعتناق ما تدعوا إليه من عقائد وأعمال؛ وهاهم قد وضعوا أيديهم على الحرمين الشريفين قبلة العالم الإسلامي، ومحط آماله، ومجتمع وفوده كل عام لأداء مناسك الحج، فهما كمنبر عام يتلقى المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ما يلقى من فوقه بالقبول الحسن؛ وينظرون إليه بعين الإجلال والاحترام، بل هما بمثابة مفتاح لقلوب المسلمين؛ من أمسك به فقد أخذ بمجامع هذه القلوب، وتمكنت فيها هيبته والطاعة له والانضواء تحت رايته حقيقة أو تقليداً.

стр. 22

٣٥- وملوك العثمانيين إنما كانت خلافتهم الوهمية تعتمد على هذين الحرمين؛ وفخرهم إنما هو بحمايتهما وخدمتهما؛ وأعذب الألقاب في أسماعهم وأضخمها "سلطان البرين والبحرين، وخادم الحرمين الشريفين" ويعتقدون أن جمهور المسلمين لا يقر لهم بهذه السلطة الوهمية في الخلافة إلا بهذه الحماية والخدمة. ٣٦- أما وقد بسط السعوديون سلطانهم على هذه البقاع المقدسة، وقبضوا بأيديهم على مفتاح قلوب المسلمين؛ فهم بهذا يريدون ولا بد منازعة العثمانيين هذه الخلافة، سناد عزهم، وعماد ملكهم؛ وهم لا بد ساعون إليها إما قريباً أو بعيدا، وتمكن هذا الوهم. ٣٧- وما كانت هذه الخلافة العثمانية الضعيفة إلا نكبة على الإسلام والمسلمين؛ لأنها لم تكن في وقت من أوقاتها تعمل على تدعيم بناء الصرح الإسلامي، ولا على تقوية الوشيجة الإسلامية بين المسلمين، بل ما كانت تعمل إلا لإرضاء نعرات سلاطينها وزعمائها، وقضاء مآربهم من الرياسة أو الشهوات، وما كانت فتوحها لأجل نشر الإسلام وتعميم نوره في البلاد التي تفتحها، وإلا لبقي لذلك آثار خالدة كبقية آثار الفتوح الإٍسلامية الأخرى؛ وإنما كانت حروبها في أغلب الأحوال للملك والرياسة فقط، ولذلك فإننا نراها صمّت آذانها عن صراخ المسلمين بالأندلس الذين كانت تصبُّ على رءوسهم صواعق العذاب من المسيحية الظالمة، وما كان نصر الإسلام ودفع المسيحية عن محقه في الأندلس يكلف العثمانيين في ذلك الحين كبير مجهود، لأن دولتهم كانت في أوج قوتها وعزتها، وأنت إذا تتبعت أحداث العثمانيين وأعمالهم

стр. 23

في الدولة الإسلامية لوجدته على ما ذكرت لك، إلا قليلا لا يذكر بجانب إساءاتهم إلى الإسلام. ٣٨- على أنه يغلب على ظني أنهم ما كانوا يعمدون إلى هذه الإساءات ولا يقصدونها، وإنما كان يقع منهم ذلك عن جهل، وعدم معرفة لنتائجه، فقد كان أكثر علمائهم لا يعرفون من الإسلام إلا قشوراً لاخير فيها، ولا يفقهون من الدين إلا بعض كتب الخلاف والجدل، وما يسمونه بعلم الكلام وفلسفته اليونانية، وكانت عنايتهم بالدين منصرفة إلى زخرفة المساجد وتزويق المصاحف، وتجويد كتابة الدلائل والبردة ونحو ذلك، وكانت فئة أهل الطرق البكتاشية والمولوية والنقشبدنية والرفاعية وغيرها صاحبة السلطان التام النافذ على الملوك فمن دونهم، وحسبك بأبي الهدى الصيادي وسلطانه على السلطان عبد الحميد – دليلا على ذلك، وما تمكنت هذه الطائفة المدعية التصوف من دولة أو بلد أو جماعة إلا ألقت بها في مهاوي التهلكة السيحقة، وقضت على سلطان الإسلام والقرآن فيها بالفناء. ٣٩- وما ظنك بعقلية تعتقد أن سلطانها لا تشتد أواصره، ولا تقوى دعائمه إلا إذا كان شيخ الطريقة البكتاشية أو المولوية هو الذي يتفضل بالباس الملك الجديد والخليفة ما يزعمونه البردة في حفل حاشد من الجمهور والدهماء؟ أي عقلية هذه العقلية؟ وأي تأثير في نفوس الجمهور ينطبع لهذا الشيخ الذي لا يعرف من الدين إلا إتقان رقصة المولوية على الناى والمزمار؟ وأي خلافة هذه الخلافة التي تسمد سلطانها ونفوذها من أولئك المشايخ

стр. 24

الذين هم أبعد الناس عن هداية القرآن، وسنن النبي صلى الله ﵊!!. ٤٠ - لقد خدع أولئك الشيوخُ ملوك آل عثمان شر خديعة، وغشوهم ِأعظم غش، إذ أوغروا صدورهم على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وشوهوا وجهها الجميل بما كذبوه عليها، وألصقوه بها من الفِرى والبهتان، حتى قامت هذه الدولة التي تدعي الخلافة الإسلامية تحارب الدعوة الإسلامية!! ٤١ - ولو أن ملوك العثمانيين قبلوا في ذلك الحين دعوة الحق، واستجابوا لصوت القرآن وداعي التوحيد، وأحيوا العمل والحكم بما أنزل الله في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ لعادت خلافتهم إسلامية حقيقية، والتفَّ المسلمون بقلوبهم وأرواحهم حولها، وسرت فيها روح العظمة والقوة، وتوطدت دعائمها، فما كانت تستطيع أن تنال منها ما نالت تلك المعاول التي سلطها عليها أعداء الإسلام أخيراً فقوضوا بناءها المتداعي، وذهبوا بخيالها الذي كان كالعهن المنفوش، وأصبح المسلمون بعد هذه الأحداث بلا خلافة يعتزون بها، حتى ولو كانت صورية، وقرَّت عيون دول الفرنج التي كانت هذه الخلافة غصة في حلوقها، وقذى في عيونها. ٤٢ - ولعل الله يهيئ للمسلمين ملكا عادلا مسلما صحيح الإسلام، عظيم النفوذ واسع السلطان يرجع للإسلام خلافته ومجده في ظله، والله بعباده رءوف رحيم. ٤٣ - استجاب العثمانيون لدعاة السوء الخادعين الغاشين، فقاموا يحاربون دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، واستنصروا عليهم بالسيف والقلم، والمدفع

стр. 25

واللسان، واستخدموا لذلك كل من يقدرون على استخدامه؛ فقام كل بما وظف له. ٤٤ - فأما رجال اللسان والقلم فأخذوا يشوهون سمعة هذه الدعوة وشيوخها وأتباعها، ويصمونهم بأقبح الصفات، وينبزونهم بأشنع الألقاب، وينسبون إليهم أعظم الجرائم. ٤٥ - فمرة يصفون شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب بأنه مدع الاجتهاد والإمامة في الدين، ومحدثٌ مذهباً جديدا غير المذاهب المعروفة، وأنه بهذا يحتقر الأئمة ولا يعترف لهم بالإمامة، ويدعي أنه أعلم منهم وأولى بالإمامة والفضل. ٤٦ - وليت شعري: ماذا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أو غيره من أهل العلم الأكفاء، أن يسلك إلى العلم طريق الأئمة المجتهدين، ويرجع في كل الأحكام إلى الكتاب والسنة، وما كان عليه الصحابة ﵃؟ وما فائدة القرآن الكريم والحديث النبوي إذا لم يكن بقاؤهما ليتعلم الناس في كل عصر منهما الإسلام الصحيح والدين الحق؟ وما قيمة ما ثبت عن علماء السلف جميعاً ﵃ من شديد النهي والتحذير عن التقليد الأعمى لأقوال الرجال والعصبية لفلان على فلان؟ أمن المعقول أن نتبعهم في القول الفلاني، ورأيهم في الحكم الفلاني ونخالفهم في هذا النهي والتحذير الشديد عن التقليد؟ لا، بل إنهم ليكفرون من اتبعه وعمل به وحققه. ٤٧ - فإن كانوا يزعمون أن الله تعالى قد أغلق أبواب الهداية من القرآن والحديث فليأتونا بدليل على ذلك، وإن كانوا يزعمون أن الله لم يشأ خلق العقول التي تفهم دينه الذي حفظه وأبقاه إلى قيام الساعة محجة واضحة للمؤمنين،

стр. 26

وحجة قائمة على الكافرين، فقد ضيقوا فضل الله الواسع، وما يجترئ على هذه المقالة إلا جاحد أو غبي، وإن كانوا يزعمون أن القرآن أصعب على الأفهام وأبعد عن عقول أهل هذا الزمان، فذلك والله أبطل الباطل، فأين عذوبة القرآن وسلاسة معانية؟ وسهولة ألفاظه وإعجاز مبانيه، من الكتب التي زعموا أنها الدين والتوحيد في كلامها المعقد، وعباراتها المشوشة، ومعانيها المظلمة، التي يصرف طلابها فيها السنين ولا يخلصون منها بطائل؟!! ٤٨ - وإن زعموا أن الفِطَر قد فسدت، والقلوب قد تغيرت، والأفهام قد صدأت، فنقول لهم: نعم، في هذا صدقتم، ولكن ما أفسد الفطر إلا علومكم العقيمة، وكتبكم المشوشة وطرائقكم الملتوية، ومذاهبكم المعقدة، وأحزابكم وأذكاركم المبتدعة، ومخادعتكم الناس: بأن الله قد فرق الإسلام شيعاً ومذاهب، فرضٌ واجب تقليد واحد بعينه منها والتعصب له، والحمية الجاهلية في الدفاع عن حقه وباطله، وصوابه وخطأه!!؟ ٤٩ - نعم فسدت الفطر بما تغرسون في نفوس النشء من أن هذه الآية الظاهرة المعنى الواضحة الدلالة، ليست على مذهب فلان، ولا على طريقة فلان، وهذا الحديث الصحيح الثابت المحكم، لم يأخذ به فلان، وأخذ به فلان، فجعلتم القرآن والسنة عِضِين، آمنتم بما وافق أهواءكم منها ورددتم ما خالفه، وألزمتم الناس ذلك، ففسدت الفِطَر والعقول، وصدأت الأفهام والقرائح، وكيف لا تفسد الفطر ولا تسود القلوب من كل هذا، وقد حلتم بينها وبين غذائها النافع، وروحها وريحانها الذي لا تجده إلا في أصدق الحديث وأطيبه، وأنفعه وأوضحه وأبينه: من قول الله وقول الرسول صلى الله عليه وسلم

стр. 27

٥٠ - فليس القرآن ببعيد المعنى، وليست السنة بمستعصية على طالبيها، وإن كل ذلك لسهل ويسير ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [قّ: ٣٧] ٥١ - فاغسلوا أيها الجامدون قلوبكم وعقولكم من هذه الزبالات، ونقوها من هذه الوساخات، واطردوا ما فيها من الظلمات بنور القرآن والسنة تروا العجب من آيات الله وهدايته ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا؟﴾ [محمد:٢٤] ٥٢ - بلى، يارب إنه على القلوب أقفالها من طاغوت التقليد الأعمى، والعصبية الجهلاء، فاكسر اللهم بفضلك تلك الأقفال، وطهر القلوب من هذه العصبية، واهد قومي فإنهم لا يعلمون. ٥٣ - شنع عبدة الطواغيت على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بدعوى الاجتهاد، وهي المحمدة كل المحمدة، التي حقٌ على كل مسلم أن يسلك سبيلها بالعلم الصحيح مع الإخلاص واللجأ إلى الله مالك القلوب أن يهدي قلبه، ويشرح صدره، وكذلك صنع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويصنع غيره من المؤمنين المخلصين في كل عصر ومصر. ٥٤ - لم تلق هذه التهمة رواجا عند الناس، ولم يأبه لها الجمهور، وعدها العقلاء حسنة لا سيئة، فقام دعاة الفتنة وعبدة الطاغوت يرمونه وشيعته بشنيعة أفظع، وفرية أدخل في البهتان، إذ قالوا: إنه يبغض رسول الله ﷺ ، وأنه وشيعته يحرمون قول: "أشهد أن محمداً رسول الله" ويمنعون من الصلاة على النبي ﷺ ، ويقولون: عصا أحدنا خير منه ﷺ ، وأنهم يبغضون الأولياء والصالحين، ويحقرون آل بيت النبي، ويحرمون زيارة

стр. 28

المقابر، ويخربون المساجد، ويهينون شعائر الإسلام، بهدم القباب والقبور، ويكفرون المسلمين، إلى غير ذلك مما سودوا به الصحف. ٥٥ - والله يعلم: أن أشد الناس حبا للرسول ﷺ ، وتعظيما له وتوقيراً لآل بيته الطاهرين، وإحياء لسنته، تمسكا بدينه وشريعته: هم أولئك النجديون أتباع الشيخ محمد، بل لا أرى أحداً من أهل الأرض اليوم أحرص على الصلاة على النبي ﷺ منهم. ٥٦ - اقرأ كتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، صغيرها وكبيرها، وكتب أولاده وأحفاده، وكتب العلماء الآخرين من النجديين، ومنشورات الأمراء، فلا يمكن أن يمر بك فيها ذكر النبي إلا وتجد الصلاة عليه ﷺ ، محال أن تجد في أحدها لفظ "محمد" مجردة جافة، تقرع أذن المسلم وقلبه فتؤلمه، بل تجد فيها من تبجيل النبي ﷺ ما ينبئ عن حب خالص وتعظيم حقيقي تقر به عيون أحباب الرسول ﷺ . ٥٧ - لقد كنت ألقي في محطات الإذاعة الأهلية بمصر من سنتين مضتا محاضرات في سيرة النبي ﷺ ، وكنت كلما ذكرت اسمه صليت عليه طبعا، اتباعا لما أمر به الله ورسوله، وكنت كلما لقيت واحدا من سامعي هذه المحاضرات يظهر لي الضجر والسِأم من كثرة ذكر الصلاة على النبي ﷺ ، وينصح لي باختصار ذلك، وطبعا كنت أحاول إقناعه بوجهة نظري، فكان القليل هو الذي يقتنع، والكثير يصر على قوله، وما كنت ألتفت إليه، بل أود لو يكون كل حديثي في سيرة النبي ﷺ ليكون أكثر قولي صلاة عليه.

стр. 29

٥٨ - هذا وقد حضرت مجالس لا تحصى لجلالة الملك عبد العزيز آل سعود، ولسمو ولي عهده الأمير سعود، ولسمو نائبه على الحجاز الأمير فيصل، ولغيرهم من علماء وعامة، وكنت شديد الملاحظة، فما كان أكثر ذكرهم للنبي ﷺ ، ولا يمكن أبدا أن يذكر أحد منهم اسمه الشريف مجرداً عن الصلاة والسلام عليه، وما حفظت أبداً على واحد منهم أنه تركه ولو سهواً. ٥٩ - ولقد كتب الأستاذ المرحوم أمين الرافعي بك مثل هذه الملاحظة في جريدة الأخبار بعد عوده من الحج في إحدى السنين، وحضوره مجلس جلالة الملك، والأمراء، فانظر بالله، أمثل هؤلاء يقال عنهم: إنهم يكرهون النبي ﷺ ، ويحرمون الصلاة عليه؟ اللهم إن هذا بهتان عظيم من أعداء رسول الله ﵊، ثم تنبه لما سيتلى عليك من خطب الملك ابن السعود وكتبه في القسم الثاني إن شاء الله. ٦٠ - أما دعوى تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم، فليس عليها من حجة ولا برهان، وما هي إلا دعوى مجردة، نطقت به ألسنة الفساد، مثل ما اتهم المشركون النبي ﷺ وأصحابه بانتهاك الأشهر الحرم وما كانت حروب رسول الله ﷺ إلا دفعاً لشرورهم، وتعظيما لحرمات الله. كذلك ما كان قتال النجديين إلا جهادا في سيبل الله، وهدما لآثار الوثنية. فمن وقف في سبيل تنفيذ ذلك حاربوه. فمن خلى بينهم وبين هذه الطواغيت لم يتعرضوا له، كما سيأتيك من أخبار حروبهم وجهادهم ما فيه أوضح الأدلة على ذلك ثم هذا إمامهم، والذي هو أعظم ملك قام

стр. 30

بنصر هذه الدعوة الإسلامية، وأيدها حتى امتد سلطانها، جلالة الملك عبد العزيز آل سعود، وهذا موقفه بالأمس في الحرب اليمنية. وكل العالم يشهد أنه طالما صبر على الأذى، ودفعه بالحسنى، محاولا حقن الدماء الإسلامية، واتقاء الفتن، ومازال كذلك حتى أرغم على خوض غمارها، فكان النصر حليف جيشه، رغم كل الجهود التى بذلت، ثم كان أن لجأ الإمام يحيى إلى طلب الصلح. وشرط الإمام يحيى من شروط جائرة، منها أن يرجع الجيش السعودي إلى بلاده، ويخلى كل بلد وبقعة احتلها بلا مقابل، ولا غرامة مالية، فقبل جلالة الملك ذلك، وأرغم جيشه على التقهقر والعودة، فعادوا وهم يبكون على ترك ما أخذوه بحد سيوفهم، ولكن طاعة الملك عندهم كانت أعز من كل شيء فهذه مواقف هذا الملك العظيم كلها سلم إلا إذا اضطر وأكره على دفع الأذى. فبعد هذا يقال: إنهم يستحلون الدماء والأموال الإسلامية؟! سبحانك هذا بهتان عظيم. ٦١ - لم يكن شيء من هذه الحقائق يغيب عن عقول الناس وأذهانهم بعد أن انتشرت كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأولاده، وأقبل كثير من الناس عليها يقرؤونها بشغف وإخلاص، ولكن عبدة الطاغوت هم الذين أقض مضاجعهم، وأوقد نار الغيظ في قلوبهم ما رأوا من سرعة انتشار هذا الدعوة، وأنها كادت أن تطهر الجزيرة من زيفهم الكاذب ودجلهم الباطل، وتقضى على سلطانهم الوهمى، فقاموا يجلبون عليها بكل ما أوتوا من قوة، وينفثون سمومهم في العقول لإبقائها على مرضها وفسادها،

стр. 31

واستغلوا جهل ملوك الأستانة ونعرتهم وخلافتهم، وأخذوا يهولون من شأن هذه الحركة الإسلامية الإصلاحية، ويخوفونهم عاقبة انتشارها: أن تقضي على دولتهم، وتأتى على ملكهم من الأساس، وكان ضعف عقولهم وخمود فكرهم في البحث في علوم الدين، وانقيادهم الأعمى لمدعى التصوف قد هيأ مرتعاً خصباً لدعاة السوء، ونافخي بوق الفتنة. فقام كثير من أدعياء العلم في مصر والحجاز والآستانة ينصرون هذه الدعاية السياسية ضد حركة الإصلاح الوهابية السلفية. ٦٢ - وكان لأولئك الأدعياء من سلطان آل عثمان وأنصارهم وشيعتهم ما استعانوا به فأعانهم، على طبع الآلاف المؤلفة من هذه الكتب والرسائل، وتوزيعها على الناس ونشرها في الأمصار الإسلامية، وبذلوا كل جهد في ترويجها بما أوتوا من قوة وسلطان، فلم يلبث العامة الذين لا يعلمون من الدين شيئا إلا تقاليد لا قيمة لها، ولا يعرفون العلم إلا إذا كان من كتاب مطبوع، ولا يقيمون وزنا للقول إلا إذا كان مقدماً له بمقدمة "تأليف العالم العلامة، الحبر البحر الفهامة، القطب الرباني، والفرد الصمداني". وما إلى ذلك من تهاويل تدهش العامي فيخر لها عقله وقلبه ساجدا وهو لا يدري. ٦٣ - ثم ما زالت هذه الدعاية السيئة بالكتب والخطب والدروس: تفعل فعلها وبجانبها قوة السيف والمدفع تحصد في جند السعوديين حصداً، وتطاردهم من بلد ومن واد إلى واد حتى كان من قضاء الله أن خمدت جذوة هذه الدعوة حينا من الدهر

стр. 32

٦٤ - هذه هي العوامل الحقيقية –فيما أعلم وأعتقد- التي شوهت دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وجعلت هذا اللقب عند العامة مماثلا ليهودي أونصراني، لا بل لقد سمعت بأذني من يقول: أن النصراني واليهودي خير من الوهابي، وسمعته من بعض من ينتسب إلى العلم، ومنهم من لفت نظره إلى ما في هذه المقالة من خطر، فإن قائلها لا علم له بأصول هذه الدعوة ولا معرفة عنده لحقيقتها، فمنهم من أنصف من نفسه، وطلب الكتب، فحين قرأها صار من أشد الدعاة إليها ومن أقوى أنصارها. ٦٥ - ذلك يدلكم يا إخواني على مقدار تأثير هذه الدعاية السياسية وبلوغها بأساليبها الشيطانية في افتراء الكذب وإلصاق التهم الشنيعة بهذه الدعوة أن وقر في وهم الجمهور الإسلامي الكره الشديد والمقت لهذه الدعوة وكل من يمت إليها بسبب، بل لقد جعلوه سبة لكل مطعون عليه في دينه عندهم. ٦٦ - والدليل على أن الكره إنما كان عن وهم لا حقيقة له في الواقع ودعاوى باطل لا تعتمد على حجة ولا برهان: أنه بمجرد أن قامت دولة التوحيد على ساعد الإمام الكبير، والبطل العظيم عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي آل سعود، وامتد سلطانها على شبه الجزيرة وانبعث منها نور العدل الإسلامي في البلاد، وقامت حدود الله، وظهر الهدى والرحمة في العمل بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ونشر الهدية السنية والتحفة النجدية بالعربية في مصر وما حولها، وبالأردية في الهند وبالملايو في جاوه، وغيرها من كتب التوحيد للشيخ وآله ما لبث الجمهور

стр. 33

الإسلامي أن عدل رأيه وبدأ ينظر إلى ما كان يلقى على سمعه من المنابر وما يَقرأ في الكتب والصحف عن هذه الدعوة بحذر، ولا يأخذه على علاّته، ثم ما لبث أن تبين العقلاء ما في هذه الكتب من الباطل والكذب والبهتان، وازدادوا إيمانا بهذه الحقيقة حين فتحت أبواب الحجاز، وذهبت الوفود الإسلامية وهم يرتجفون من هول ما قد كانوا يتوهمون أنه سيرونه في الحجاز من المنكرات والشنائع التي قيل، إن الحكومة السعودية أحدثتها، فإذا بهم يرون بلادا عمها الأمن بكل مظاهره، وشملها الخير من جميع نواحيه، ويرون قوما مؤمنين يبذلون أقصى ما في وسعهم للترحيب بوفد الله وضيوفه، ويرون ملكا ديمقراطياً مسلما، كواحد من رعيته في لباسه ومظهره وتواضعه وأخلاقه، ويجلسون إليه فيسمعون منه عن الإسلام والمسلمين وعن الرسول ﷺ والأئمة، والكتب الدينية، وغير ذلك من الشئون الإسلامية، في فصاحة نادرة، وقوة بيان، وحجة واضحة، وجلال الملك، وأبهة الدولة، ما تأخذهم روعته ويجذبهم بحلاوته، فينصرفون من مجلس جلالته وكلهم إيمان بأن كل ما سمعوا على منابر الفتنة، وما قرأوا في كتب الدجل والبهتان كذب صراح، وباطل محقق، وإن من أظلم الظلم أن تؤخذ هذه الجماعة الموحدة الداعية إلى التوحيد بذلك الإفك الذي سودت به هذه الصحائف. ٦٧ - ثم رجعوا إلى بلادهم وكلهم ألسنة بالحمد والثناء على ما رأوا في الحجاز من حكومته وشعبه وملكه، بردّ هذه المفتريات التي ملأت أوهام العامة والدهماء، وها أنا ذا أسوق إليك ترجمة الإمام العظيم، المجاهد الكبير،:الشيخ محمد بن عبد الوهاب لتعرف مكانته العلمية، ومنزلته الدينية:

стр. 34

شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: ٦٨ - ولد في بلدة العُيينَة سنة ١١١٥ هجرية ونشأ بها. ٦٩ - كان جده الشيخ سليمان بن محمد من كبار علماء نجد، المشهورين بالعلم والفضل، والورع والتقوى، وكرم الأخلاق، وكثرة البذل، وإكرام الفقراء من طلبة العلم وغيرهم من الوافدين إليه، وإليه تطمح أنظار طلاب العلم والفقه الحنبلي، ومنتجع السائلين والمستفتين من مختلف جهات نجد ونواحيها. ٧٠ - تولى وظيفة الفتوى في نجد، وتتلمذ له أكثر علماء نجد في علمي التفسير والحديث، والعلوم الدينية الأخرى المعروفة في هذه الأصقاع، وكان لشدة شغفه بنشر العلم وتعليمه: يؤوي طلاب العلم وفقراء التلاميذ في داره، وينفق عليهم من خالص ماله، وكان ذا هيبة ونفوذ لدى الولاة والأمراء في مختلف جهات نجد، فكان ملاذا وملجأ لكل المظلومين وما زال في حياته محطا للمتعافين واللاجئين حتى توفاه الله تعالى. ٧١ - ثم خلفه في علمه ومنزلته وإقبال الناس عليه ولده الشيخ عبد الوهاب، فكان مثالا للعدل والفضل، وألف عدة رسائل في الفقه والتفسير، وكان مشهوراً عند الناس بالتواضع وسهولة الأخلاق، وكرم الطباع، ولين العريكة، ولي القضاء في العيينة، في إمرة عبد الله بن محمد بن معمر الذي كانت العيينة في زمنه على حال حسنة من العمران والرخاء، وكان يقرأ لطلاب العلم في مسجد العيينة دروسا في الفقه والتفسير والحديث. ٧٢ - ما كاد ولده محمد يشب عن الطوق، ويحسن الكلام حتى أخذ

стр. 35

في إقرائه القرآن الكريم وتعليمه القراءة والكتابة، فرأى الوالد من ولده ما أدهشه من سرعة حفظه، وحدة ذهنه وتوقد ذكائه، فأتم حفظ القرآن قبل بلوغه السنة العاشرة، وجلس في مجلس والده يتلقى علوم التفسير والفقه والحديث، فبزَّ تلاميذ والده الذين كانوا أكبر منه سناً وأسبقَ منه إلى الطلب، وكان فوق ما يتلقى على والده من الدروس يقرأ وحده فيما كانت تصل إليه يده من كتب العلم والدين، وقد جعل الله تعالى له من قوة ذكائه وحدَّة ذهنه عوناً كبيرا على تدبر القرآن الكريم، حين كان يقرؤه مجرداً عن التفسير ويتلوه للذكر والموعظة. ٧٣ - ففتح الله عليه من ذلك باباً في فقه كتابه عرف منه مقاصد القرآن الكريم، وغايته التي يرمي إليها من معرفة الله وإجلاله وإكباره وإخلاص الدين كله له وحده لا شريك له، وشرح الله صدره بمعرفة مبادئ التوحيد الصحيح ومعرفة نواقضه، وأخذ يقايس بين ما يراه في آيات القرآن من الدين والإيمان، وبين ما يرى عليه الناس من تعظيم القبور والأحجار والأشجار والتبرك بها والطواف حولها والنذر لها والاعتقادات السخيفة في المقبورين من الصالحين وغير الصالحين، ودعائهم في الشدائد، والاستشفاء بهم من الأمراض، وطلب كشف الكربات، وتفريج الضائقات، والحلف بهم أوثق الايمان، والاستعاذة بالجن، والذبح لهم، وصنع الطعام وجعله في زوايا الدور المظلمة والخربات بقصد شفاء المرضى، وجلب النفع ودفع الضر، وتعليق التمائم والتعاويذ والحجب والفتنة بالسحر لجذب قلوب المحبين وصرفها، وغير ذلك من الطلاسم

стр. 36

والكتابات التي فيها عبادة الشياطين والكواكب: الذي ينسبونه كذباً وزوراً إلى سليمان النبي ﵇، أو إلى جعفر الصادق من آل البيت ﵃، أو إلى غير هؤلاء من الصالحين، وإنما هو من عمل اليهود وكفرهم الذين اتبعوه، وأعرضوا به عن الحق المنزل من عند الله على موسى وعيسى وخاتم الأنبياء. ٧٤ -نظر الشيخ إلى كل هذا، وقارن بينه وبين هداية القرآن، وما وضح من عقيدة وإيمان، فوجد الفرق بينهما كما بين السماء والأرض، وما بين الظلمات النور، والموت والحياة، والعمى البصر. ٧٥ - وقد كان أكثر هذه العقائد الزائفة والأعمال الضالة، وافدا ًعلى نجد وغير نجد من بلاد العجم: كربلاء والكاظمية والأهواز وغيرها من بلاد الشيعة الرافضة، التي هي معقل عبادة القبور، ومنبع العقائد الشركية في المقبورين وآثار الصالحين، ولقد كان سلف هؤلاء الأولون يضمرون في نقوسهم نزغات وثنية مجوسية، ونزعات سياسية فارسية، يحرصون على تحقيق كل منهما. ويعملون عليه، ويبذلون ما يستطيعون فيه، ويسلكون إلى أغراضهم من ذلك كل طريق، وكان الإسلام في أول نشأته قوى الشوكة، عظيم السلطان. صارم القضاء، لا يتهاون مع من يشم منه رائحة هذه النزعات الخبيثة، والنزعات الشيطانية، فكان أولئك الفرس- لهذا- يستخفون باسم الإسلام ويمهدون لتحقيق نزغاتهم باسم حب على بن أبي طالب وآل بيته وبنيه وعترته، وراج ذلك على بعض قصار العقول فشايعوهم على أعمالهم، ومالؤوهم على بغيهم، ورفعوا القبور التي سواها علي

стр. 37

رضي الله عنه بأمر النبي ﷺ ، وعلقوا عليها الستور، وزخرفوها بكل ما وصلت إليه أيديهم ليجذبوا قلوب العامة إلى تعظيمها، ويزخرفوا للجهال عبادتها، وسنُّوا لها أعياداً ومواسم يبالغون في الاحتفال بها، وما كان عملهم هذا إلا محاربة للإمام الشهيد على بن أبي طالب وولده الإمام الشهيد الحسين وعترتهم وآل بيتهم ﵃، ومشاقة لله ورسوله، وإتباعا لغير سبيل المؤمنين. ٧٦ - وآية ذلك أن أظهر المبتدعين لهذه البدع والمؤسسين لها والمدافعين عنها والباذلين في سبيلها الأموال الوفيرة: هم العبيديون بنو عبيد الله القدَّاح اليهودي، المزورون نسبهم كذباً وتمويهاً إلى السيدة الطاهرة فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي عنها ليستروا أفعالهم الشنيعة، وجرائمهم المنكرة بهذا النسب المتبرئ منهم ٧٧ - ويدل أوضح الدلالة على كذبهم في هذا الانتساب: أن وزراءهم وقادة الرأي في دولتهم كانوا يهوداً أو نصارى، وأنهم أقصوا المسلمين من علماء وقواد، بل عذبوهم، ونكلوا بهم أشد التنكيل. ٧٨ - وهل رأيت أغرب من أن يكون يعقوب بن كلس اليهودي إماما من أئمة الخلافة ومؤلفا، وزعيما للعلماء والمدرسين، في الأزهر، بل مبتدع فكرة التدريس، ليتعلم فيه دعاة ضلالهم وكفرهم ما ينشرونه على الناس. ولكن الله رد كيدهم في نحورهم، وجعل الأزهر بعد أكبر حصن للإسلام يدفع عادياتهم ويتخرج فيه علماء السنة، وأئمة الدين الحق في القديم والحديث.

стр. 38

٧٩ - ولقد كان من سابق قضاء الله الذي لا مرد له: أن راجت تعاليم أولئك الأعاجم وشيعتهم من اليهود على كثير من العامة، ونفق سوقها في البيئات التي لم يتمكن من قلبها نور الإسلام وهدايته. فكان من آثارها توهين العقيد الإسلامية، التي أساسها إخلاص العبادة لله، التي يقول الله فيها ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] ٨٠ - كانت نجد في ذلك الحين مباءة للأوثان والطواغيت التي لا يحصيها العد، كغيرها من الأمصار الإسلامية- وكان للقلوب تعلق شديد بهذه الطواغيت؛ لطول الأمد عليها، إذ نشأ فيها الصغير، وشاب فيها الكبير، وتلقاها الخالفون عن السالفين من آبائهم، وأخذوها بالوراثة التي امتزجت بنفوسهم في جميع أدوار حياتهم. وليس في الناس من يقوم بالإنكار على هذه المبتدعات، ولا من يرد الناس عنها إلى الدين الصحيح، إما لتعلق بها وحرص عليها، لأنها مورد رزق، وسبيل رياسة، وذلك شأن متصوفة الزمن، وسدنة المقابر، والموظفين في خدمتها وترويج عبادتها، وهؤلاء أضر خلق الله على الناس. ٨١ - وإما لجهل بحقيقة الإسلام، وما بعث به الرسول عليه والصلاة والسلام، وتعوضهم عن ذلك بما حفظوا أو قرؤوا من بعض الكتب المحشوة بما يزيد هذه البلايا رواجا. والرؤساء والأمراء لا هَمَّ لهم إلا جمع الدنيا وتحصيل لذاتها ومتاعها من كل طريق وبكل وسيلة. فكان المسلم

стр. 39

السليم القلب، العارف لربه وعبادته، ولنبيه وهديه وسنته إذا تأمل في هذه الحال تفطر فلبه حسرة. ٨٢ - وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد فتح الله له إلى الهداية الإسلامية بابا من تدبر آيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي صلى الله عليه ويسلم، وعرف ما يدعو إليه الإسلام من إخلاص الدين لله، وأن أهل العيينة وما جاورها، وما بعد عنها من البلاد النجدية وغيرها منغمسون في هذه البدع والخرافات الشركية، فأخذته عليهم الشفقة والرحمة، وذهب يدعو إلى الله سرا، ويعظ أصدقاءه وإخوانه، فاستمع بعض من أراد الله هدايتهم لكلام الشيخ وقبل نصيحته. وكان للشيخ من الأخلاق والسجايا الكريمة والعزوف عن زينة الدنيا ومتاعها، والإقبال على العبادة، وكثرة مدارسة العلم وإكرام طلابه، ما حببه إلى كثير من الناس. ٨٣ - لكنه أدار نظره فإذا الميدان واسع المدى، وإذا جند الباطل كثير، وأنصاره أشداء، وتوغل هذه العقائد في النفوس جعل انتزاعها منها أمرا عسيرا، ثم ذكر أن هذه الجاهلية الثانية قد لا تقل عن الجاهلية الأولى في العناد، والعصبية، والحرص على تراث الآباء والأجداد، والفتنة بالمترأسين بالباطل في الدين، والمتعالمين فيه بالجهل والرياء، وأن النبي صلى لله عليه وسلم لقي من الجاهلية الأولى ألوان الأذى، وصنوف الشدائد، وما تغلب عليها وهدم أركانها وقوض دعائمها إلا بالعلم الصحيح الكثير الطيب، والذي كان ينزل به الروح الأمين على قلبه ﷺ ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، وبجانب هذا العلم الحديد، فيه بأس شديد، ومنافع للناس الذين

стр. 40

لا يلين الكلم الطيب، والنصح الخالص قلوبهم ورءوسهم. ولا تستطيع الموعظة الحسنة أن تستخرج من رءوسهم شياطين الفتنة وطواغيت الشرك والوثنية، فلصوت الحديد عندئذ وبريقه النفع الكثير في تنفير تلك الشياطين من عشها، وطردها من أو كارها. ٨٤ - وأين للشيخ هذا العلم، والحديد؟ فأما العيينة فما فيها من العلم لا يساوى شيئا، ولا يغنى شيئا، وها هو ذا قد استوعبه كله؛ فلم يبق فيها شيء من العلم إلا وهو في صدره وعلى لسانه. وأما الحديد فأين يجده، وأمير العيينة كغيره من عبيد الشهوات والدنيا؟ فليبحث أولا عن العلم، ثم ليكن من فضل الله بعدُ أن يهيئ للعلم أميرا يؤيده، وسيفا يقوم بجانبه يحرسه. لا بد من انتجاع العلم في غير بلده، ولا بد من الرحلة سعيا وراءه حيث يكون. ٨٥ - تجهز للرحلة إلى البلاد المقدسة ليؤدى فريضة الحج أولا، ثم ليغترف من بحر العلم في الحرمين فوصلها وأدى نسكه وقضى تفثه، وأشبع روحه من مناسك الحج ومشاعره، ثم انقلب يشبع نفسه من العلم، فجلس إلى علماء الحرم المكي، وسمع لحديثهم في العلوم الدينية، والظاهر أنه لم يرقه ما يقولون. ولم يجد من نفسه إقبالا على دروسهم وعلومهم. إذ خرج من مكة مبادراً يقصد شطر طيبة مدينة الرسول ﷺ ، فيمم مسجدها أول مسجد أسس على التقوى، وصلى فيه، ثم سلم بعد على المصطفى سيد الخلق ﷺ وعلى صاحبيه، أبي بكر وعمر ﵄. ثم ذهب يطلب العلم.
следующие страницы →