← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

بِمَا يُنَاسِبُ مَالَكَ مِنْ أَعْمَالِ، وَهُوَ الذِي يَبْعَثُكَ بَعْدَ مَوْتِكَ، وَيَسُوقُكَ إِلَى ذَلِكَ المَوْقِف الذِي هَوْلَهُ يُشِيبُ الأَطْفَالُ، وَهُوَ الذِي يُحَاسِبُكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ فِي حَيِاتِكَ الأُولِى مِنَ الأَفْعَالِ، وَهُوَ الذِي يَأْمُرُ بِكَ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، نَعَمْ إِنَّهُ مِنْ أَعْجَبِ العَجَبِ أَنْ يُجَاهِرَ المُؤْمِنُ رَبَّهُ بِالمَعْصِيَةِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَالِكُ دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، إِنَّ البُرْهَان الذِي لا مَغْمَزَ فِيهِ عَلَى أَنَّكِ تَسْتَحِيي مِنْ رَبِّكَ أَيُّهَا المُؤْمِنُ، أَنْ تَكُونَ بَعِيدًا كُلَّ البُعْدِ دَائِمًا عَنْ مَعَاصِي اللهِ، فَتَحْبِسْ لِسَانَكَ عَنِ القَذْفِ وَالكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ وَالغَيْبَةِ، وَالخُلْفِ فِي الوَعْدِ، وَعَنِ المِرَاءِ وَالجِدَالِ وَالاسْتِهْزَاءِ، وَالسُّخْرِيَّةِ بِالنَّاسِ، وَاللَّعْنِ وَالفُحْشِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مَمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ شَرْعًا أَوْ مَكْرُوهٍ، لأنَّ اللِّسَانَ إِنَّمَا خُلِقَ لِتَلاوَةِ كِتَابِ اللهِ وَذِكْرِهِ، وَلِتُرْشِدَ بِهِ خَلْقَ اللهِ، وَتُظْهِرَ بِهِ مَا فِي ضَمِيرَكَ مِنْ حَاجَاتِِِِِِ دِينِكَ وَدُنْيَاكَ، وَتُدَافِعُ بِهِ عَنْ دِينِكَ وَنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ، فَإِذَا اسْتَعْمَلْتَهُ فِي غَيْرِ مَا خُلِقَ لَهُ كَانَ وَبَالاً عَلَيْكَ، وَتَحْبِسُ عَيْنَكَ، لأنَّهَا إِنَّمَا خُلِقَتْ لَكَ لِتَهْتَدِي فِي الظُّلُمَاتِ، وَتَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى قَضَاءِ الحَاجَاتِ، وَتَنْظُرُ بِهَا بِعَيْنِ الاعْتَبارِ إِلَى عَجِائِبِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فَتَعْتَبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الآيَاتِ البَاهِرَاتِ؛ فَاحْفَظْهَا عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْمُحَرَّمَاتِ، مِنْ نَظَرِ إِلَى غَيْرِ مُحْرِمٍ مِنَ النِّسَاءِ، أَوْ إِلَى مُسْلِمٍ بِعَيْنِ الاحْتَقَارِ وَالازْدِرَاءِ، أَوْ إِلَى تِلْفِزْيُونٍ أَوْ إِلَى سِينَمَاءِ، أَوْ إِلِى صُورَةٍ مَليحَةٍ بِشَهْوَةٍ، أَوْ تَطّلِعَ بِهَا عَلَى عَيْبِ مُسْلِم، أَوْ إِلَى بَيْتِ جَار أَوْ غَيْرِ جَارِ مِمَّنْ لا يَرْضَى بِذَلِكَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ المُحَرَّمَاتِ. وَأَمَّا الأُذُنَ فَاحْفَظْهَا عَنْ أَنْ تُصْغِي بِهَا إِلَى اسْتِمَاعِ المَلاهِي وَالمُنْكَرَاتِ، أَوْ إِلَى بِدْعَةٍ أَوْ إِلَى غِيبَةٍ أَوْ فُحْشٍ، أَوْ قَذْفَ مُسْلِمٍ أَوْ

стр. 2697

حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لاسْتِمَاعِكَ كَارِهُونَ، أَوْ إِلَى الخَوْضِ بِالبَاطِلِ، أَوْ ذِكْرِ مَسَاوِئ النَّاسِ، لأَنَّهَا خُلِقَتْ لَكَ لِتَسْمَعَ بِهَا كَلامَ اللهَ وَسُنَّةِ رَسُولَهِ، وَمَا يَنْفَعُكَ فِي دُنْيَاكَ وَأُخْرَاكَ وَلِتَتَوَصَّلَ بِهَا إِلَى الاسِتَفادَةِ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، المُوَصِلَّةِ إِلَى مَرْضَاةِ اللهِ وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، الدَّائِمِ فِي جِوَارِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَإِذَا أَصْغَيْتَ بِهَا إَلَى شَيْءٍ مِنَ المُحَرَّمَاتِ أَوْ المَكْرُوهَاتِ، صَارَ مَا كَانَ عَلَيْكَ، وَانْقَلَبَ مَا كَانَ سَبَبَ فَوْزِكَ سَبَبَ هَلاكِكَ، وَهَذَا غَايَةُ الخُسْرَانِ، وَلا تَظُنُّ أَنَّ الإِثْمَ يَخْتَصُّ بِهِ القَائِلُ دُونَ المُسْتَمِعِ إَلا إِنْ أَنْكَرِ بِلِسَانِهِ، أَوْ بِقَلْبِهِ إِنْ خَافَ، وَإِنْ قَدِرَ عَلَى القِيَامِ وَالابْتِعَادَ عَنْهُمْ، أَوْ قَدِرَ عَلَى قَطْعِ الكَلامِ بِكَلامٍ آخرَ فَلَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ آثِمٌ، وَكَذَلِكَ يَكُفُّ البَطْنَ وَالفَرْجَ عَنِ المُحَرَّمَاتِ، وَاليدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَحَاسَّةَ السَّمْعِ وَالبَصَرِ. شٍعْرًا: ... أَحْبَابَنَا نُوَبُ الزَّمانِ كَثِيرَةُ ... وَأَمَرُّ مِنْهَا رِفْعَةُ السُّفَهَاءِ هَلْ يَسْتَفِيقُ النَّاسُ مِنْ سَكَرَاتِهِمْ ... وَنَرَى النُّذُولَ بِذِلَّةٍ وَبِلاءِ آخر: ... وَقَائِلَةٍ شِبْتُمْ فَقُلْتُ لَهَا شِبْنَا وَفِي هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ أُنْشِبْنَا وَيَا لَيْتَنَا لَمَّا تَقَضَّى شَبَابُنَا خَلَصْنَا وَأَخْلَصْنَا وَلَكِنَّنَا شِبْنَا فَيَا عَجَبًا مِنَّا عَلَى اللهِ نَجْتَرِي وَتَهْوي سَوَافِي الرِّيحِ أَرْوَاحَنَا جُبْنَا وَكَيْفَ أَضْعَنَا بَاقِيًا لِمُعَجَّلٍ سَيَفَنَى لَقَدْ نِلْنَا بِصَفْقَتِنَا غِبْنَا وَكَمْ صَرَفَتْنَا بَيْنَ مَلْهَى وَمَلْعَبٍ فَمَا إِنْ نَكَرْنَا قُبْحَ ذَاكَ وَمَا عِبْنَا ... >?

стр. 2698

ج ... وَنَادِي سِفَاهٍ قَدْ حَضَرْنَا وَإِنَّمَا عَنِ الرُّشْدِ وَالتَّوْفِيقِ يَوْمِئِذٍ غِبْنَا فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَا يَكُونُ جَوَابُنَا إِذا نَحْنُ فِي وَفْدِ القُبُورِ غَدًا أُبْنَا أَيَنْفَعُ إِنْكَارٌ وَذُو العَرْشِ عَالِمٌ بِمُودَعَةٍ صَدْرًا وَمُلْزَمَةٍ ضِبْنَا أَلا لَيْسَ إَلا عَفْوُهُ عَنْ ذُنُوبِنَا فَإِن يَخِبِ التَّقْدِيرُ فِيهِ فَقَدْ خِبْنَا ... >? اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى قَوْلِكَ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَهَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ المُفْلِحِينَ الذِينَ نَوَّرْتَ قُلُوبَهُمْ بِمَعْرِفَتِكَ، وَأَهَّلْتَهُمْ لِخْدْمَتِكِ، وَحَرَسْتَهُمْ مِنْ عَدُوِّكَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. فَصْلٌ في القذف اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ لَمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ أَنَّ القَذْفَ - هُوَ الرَّمْيُ بِالزِّنَا - مُحَرَّمٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وِالإِجْمَاعِ، أَمَّا الكِتَابِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وقال ﷺ : «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» وَعَدَّ مِنْهَا: «قَذْفَ المُحْصَنَاتِ» .

стр. 2699

الحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَمَّا عَظَّمَ جَلَّ وَعَلا أَمْرَ الزِّانِي بِوُجُوبِ جَلْدِهِ، وَكَذَا رَجْمِهِ إِنْ كَانَ مُحْصَنًا، وَأَنَّهُ لا تَجُوزُ مُقَارَنَتَهُ وَلا مُخَالَطَتَهُ عَلَى وَجْهٍ لا يَسْلَمُ فِيهِ مِنَ الشَّرِ، بَيَّنَ تَعَالَى تَعْظِيمَ الإِقْدَامِ عَلَى رَمْيِ الأَعْرَاضِ المُحَصَّنَةِ العَفِيفَةِ بِالزِّنَا، وَشَدَّدَ فِي عُقُوبَتِهِ، فَأَوْجَبَ عَلَى القَاذِفِ إِذَا لَمْ يُقِمْ البَيِّنَةَ عَلَى مَا قَالَ ثَلاثَة أَحْكَامٍ. (أَحَدُهَا) : أَنْ يُجْلَدْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً. (الثَّانِي) : أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ، فَيَكُونُ سَاقِطَ الاعْتِبَارِ فِي النَّاسِ، مُلْغَى القَوْلُ، لا تُسْمَعُ لَهُ كَلِمَةُ، وَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَلَوْ حُدَّ لِلْقَذْفِ حَتَّى يَتُوبَ. (الثَّالِثُ) : أَنَّهُ يَكُونُ فَاسِقًا، لَيْسَ بِعَدْلٍ عِنْدَ اللهِ وَلا عِنْدَ النَّاسِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَعْمَدُ إِلَى امْرَأَةٍ مُتَمَتِّعَةً بِالحَصَانَةِ وَالعِفَّةِ وَالنَّزَاهَةِ، بَعِيدَةً عَنِ الرِّيبَةِ، رُبَّمَا أَنَّهَا لا تَخْطُرُ لَهَا بِبَالٍ، وَلا تُحَدِّثَ بِهَا نَفْسَهَا، وَرُبَّمَا كَانَتْ ذَاتَ دِينٍ، غَافِلَةً عَنْهُ، مُقَضِّيَةً وَقْتَهَا فِي إِصْلاحِ شَأْنِهَا، وَتَدْبِيرِ بَيْتِهَا، وَتَرْبِيَةِ أَوْلادِهَا، وَتَطْهِيرِ نَفْسِهَا، فَيَرْمِيهَا بِالزِّنَا الذِي يَثْلِمُ بِهِ عِرْضَهَا، وَيَجْرَحُهُ، وَيُشِيعُ الفَاحِشَةَ عَلَيْهَا، وَيُشَوِّهُ بِهِ سُمْعَتِهَا وَتَسُوءُ بِهِ حَالُهَا، وَوَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ سَيِّءِ الآثَامِ مَا يُجْلِبُ الهُمُومِ واَلغُمُومِ وَالأَنْكَادِ وَالأَحْزَانِ، وَمَاذَا تَكُونُ نَظْرَةُ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى المَقْذْوفِ وَأُسْرَتِهِ، وَمَاذَا يَكُونُ غَضَبُهُمْ عَلَى القَاذِفِ وَمَنْ سَاعَدَهُ وَنَشَرَ مَعَهُ الفَاحِشَةَ. نَسْأَلُ اللهُ العَافِيَةَ. وَقَالَ سَيَّدُ قُطْب عَلَى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: إِنَّ تَرْكَ الأَلْسِنَةِ تُلْقِي التُّهَمِ عَلَى المُحْصَنَاتِ - وَهُنَّ العَفَيفَاتِ الحَرِائِرُ ثَيِّبَاتٍ أَوْ أَبْكَارًا - بِدُونِ دَلِيل قَاطِع يَتْرُكُ المَجَالَ فَسِيحًا لِكُلِّ مَنْ شَاءِ أَنْ يَقْذِفَ بَرِيئَةً أَوْ بَرِيئًا بِتِلْكَ التُّهْمَةِ النَّكْرَاءِ، ثُمَّ يَمْضِي آمِنًا فَتُصْبِحُ الجَمَاعَةُ وَتُمْسِي وَإِذَا أَعْرَاضُهَا

стр. 2700

مُجَرَّحَةً، وَسُمْعَتُهَا مُلَوَّثَةٌ، وَإِذَا كُلُّ فَرْدٍ فِيهَا مُتَّهَمٌ أَوْ مُهَدَّدٌ بِالاتِهَامِ، وَإِذَا كُلُّ زَوْجٍ فِيهَا شَاكٌّ فِي زَوْجِهِ، وَكُلُّ رَجُلٍ فِيهَا شَكَّ فِي أَصْلِهِ، وَكُلُّ بِيْتٍ فِيهَا مُهَدَّدٌ بِالانْهِيَارِ. وِهِيِ حَالَةٌ مِنَ الشَّكِ وَالقَلَقِ وَالرِّيبَةِ لا تُطَاقُ، ذَلِكَ إِلَى أَنَّ اطِّرَادِ سَمَاعِ التُّهَمِ يُوحِي إِلَى النُّفُوسِ المُتَحَرِّجَةِ مِنْ ارْتِكَابِ الفِعْلَةِ أَنَّ جَوَّ الجَمَاعَةِ كُلُّهُ مُلَوَّثٌ، وَأَنَّ الفِعْلةَ فِيهَا شَائِعَةٌ، فَيُقْدِمُ عَلَيْهَا مَنْ كَانَ يَتَحَرَّجُ مِنْهَا، وَتَهُونُ فِي حِسِّهِ بَشَاعَتُهَا بِكَثْرَةِ تَرْدَادِهَا، وَشُعُورِهِ بِأَنَّ كَثِيرِينَ غَيْرُهُ يَأْتُوونَهَا، وَمَنْ ثَمَّ لا تُجْدِي عُقُوبَةُ الزِّنَا فِي مَنْعِ وُقُوعِهِ، وَالجَمَاعَةُ تُمْسِي وَتُصْبِحُ وَهِي تَتَنَفَّسُ فِي ذَلِكَ الجَوِّ المُلَوَّثِ المُوحِي بِارْتِكَابِ الفَحْشَاءِ. لِهَذِا وَصِيَانَةً لِلأَعْرَاضِ مِنَ التَّهَجُّمِ وَحِمَايَةً لأَصْحَابِهَا مِنَ الآلامِ الفَظِيعَةِ التِي تُصَبُّ عَلَيْهِمْ شَدَّدَ القُرْآنُ الكَرِيمُ فِي عُقُوبَةِ القَذْفِ، فَجَعَلَهَا قَرِيبَةً مِنْ عُقُوبَةِ الزِّنَا.. ثَمَانِينَ جَلْدَةً.. مَعَ إِسْقَاطِ الشَّهَادَةِ، وَالوَصْمِ بِالفِسْقِ.. وَالعُقُوبَةُ الأُولَى: جَسَدِيَّةٌ. وَالثَّانِيَةُ: أَدَبِيَّةٌ فِي وَسَطِ الجَمَاعَةِ، وَيَكْفِي أَنْ يُهْدَرَ قَوْلُ القَاذِفِ فَلا يُؤْخَذُ لَهُ بِشَهَادَةٍ، وَأَنْ يَسْقُطُ اعْتَبَارُهُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَمْشِي بَيْنَهُمْ مُتَّهَمًا لا يُوثَقُ لَهُ بِكَلامٍ. وَالثَّالِثَةُ: دِينِّيةٌ فَهُوَ مُنْحَرِفٌ عَنِ الإِيمَانِ، خَارِجٌ عَنِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيم.. ذَلِكَ إِلا أَنْ يَأْتِي القَاذِفُ بِأَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ بِرُؤْيَةِ الفِعْلَ، أَوْ بِثَلاثَةٍ مَعَهُ إِنْ كَانَ قَدْ رَآهُ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ إِذًا صَحِيحًا، وَيُوقَعُ حَدَّ الزِّنَا عَلَى صَاحِبِ الفِعْلَةِ. وَالجَمَاعَةُ المُسْلِمَةِ لا تَخْسَرُ بِالسُّكُوتِ عَنْ تُهْمَةٍ غَيْرِ مُحًقَّقِةٍ كَمَا تَخْسَرُ بِشُيُوعِ الإِتِّهَامِ وَالتَّرَخُّصِ فِيهِ، وَعَدَمِ التَّحَرُّجِ مِنْ الإِذَاعَةِ بِهِ، وَتَحْرِيضِ الكَثِيرِينِ مِنَ المُتَحَرِجِّينَ عَلَى ارْتِكَابِ الفِعْلَةِ

стр. 2701

التِي كَانُوا يَسْتَقْذِرُونَهَا، وَيَظُنُّونَهَا مَمْنُوعَةً فِي الجَمَاعَةِ أَوْ نَادِرَةٌ. ذَلِكَ فَوْقَ الآلامِ الفَظِيعَةِ التِي تُصِيبُ الحَرَائِرَ الشَّرِيفَاتِ وَالأَحْرَارِ الشُّرَفَاءِ، وَفَوْقَ الآثَارِ التِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا فِي حَيَاةِ النَّاسِ وَطُمَأْنِينَةِ البُيُوتِ. انْتَهَى. اللَّهُمَّ اكْتُبْ فِي قُلُوبِنَا الإِيمَانَ وَأَيِّدْنَا بِنُورٍ مِنْكَ يَا نُورَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، اللَّهُمَّ افْتَحْ لِدُعَائِنَا بَابَ القَبُولِ وَالإِجَابَةِ، وَاغْفِرْ لَنَا بِرَحْمَتِكِ الوَاسِعَةِ إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورِ الرَّحِيمِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. مَوْعِظَةٌ عِبَادَ اللهِ: سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ أَنْ لا يُؤَاخِذَ مُذْنِبًا بِذَنْبٍ اقْتَرَفَهُ، أَوْ جَرِيمَةً اجْتَرَمَهَا، أَوْ جَرِيرَةً ارْتَكَبَهَا إِلا بَعْدَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَتّقُوهُ مِنْ مَحَارِمِهِ، وَيَجْتَنِبُوهُ مِنَ المُوبِقَاتِ المُؤَدِّيَةِ بِهِمْ إِلَى هُوَّةِ الهَلاكِ وَالدَّمَارِ، وَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ جَلَّ وَعَلا إِلَى هَذِهِ الأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةَِ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ ﷺ النَّبِيّ الأُمِيَ ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ الكَرِيم، ﴿قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ، ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ فِيهِ هُدَىً وَتِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ مِمَّا يَحْتَاجُ إليه النَّاسُ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، فَاسْتَمْسَكَ المُسْلَمُونَ مُدَّةً مِنَ الدَّهْرِ بِهَدْيِهِ، وِتَخَلَّقُوا بِآدَابِهِ، فَكَانُوا فِي ذَلِكَ الحِينِ أَهْلَ الحَوْلِ وَالطَّوْلِ وَالقُوَّةِ وَالمَنَعَةِ، تَعْنُوا لَهُمْ الوُجُوهُ، وَتَخْضَعُ لَهُمْ الرِّقَابُ فَلَمْ يَقُمْ لَهُمْ مُنَازِعٌ إَلا ابْتَزُّوا مُلْكَهُ، وَاسْتَبَاحُوا مَكَانَ العِزَّةِ مِنْهُ، وَأَخَذُوا بِطَرْفِي الشَّرْقِ وَالغَرْبِ، وَكَانُوا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، وَيُؤْمِنُونَ بِاللهِ، كَانُوا فِي تِلْكَ الأَزْمَانِ يَعْمَلُونَ بِطَاعَةِ اللهِ وَيَتَّقُونَهُ، وَيُحْسِنُونَ فِي عِبَادَتِهِ وَإِلَى عِبَادِهِ، وَيَصْبِرُونَ عَنْ مَعَاصِيهِ، وِعَلَى أَقْدَارِهِ، فَكَانَ اللهُ مَعهم بِعَوْنِهِ

стр. 2702

وَتَوْفِيقِهِ وَنَصْرِهِ وَتَأْيِيدِهِ وَتَسْدِيدِهِ، يِا عِبَادَ اللهِ كَانَ كُبَرَاءُ النَّاس وَسَادَتُهم في الصَّدْرِ الأَوَّلِ أَشَّدُ النَّاسِ ظُهُورًا بِالتَّمَسُّكِ بِالِّدينِ تَقْتَدِي بِهِمْ العَامَّةُ فِي تَوْحِيدِهم وَعِبَادَاتِهِمْ وَمُعَامَلاتِهِمْ، فَانْعَكَسَتْ عَلَيْنَا الآنَ القَضِيَّةُ، وَصَارَ العَامَّةِ أَشَدُّ تَمَسُّكًا بِالدِّينِ، وَأَرْسَى عَقِيدَةً مِنْ أُولَئِكَ، وَأَصْبَحَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَعَلِّمِينَ الذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُثَقَّفُونَ، يَحْمِلُونَ المُؤَهِّلاتِ المَعْرُوفَةِ أزهَدَ النَّاسُ فِي الدِّينِ، وَأَبْعَدَهم عَنْ تَعَاليمِهِ، نَبَذَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ كَمَا تُنْبَذُ النَّوَاةُ، لا لأنهُم وَقَفُوا عَلَى عَيْبٍ فِي الدِّينِ، أَوْ هَفْوَةٍ فِي أُصُولِهِ، وَلَكِنَّهُمْ مُقَِّدُونَ فِي هَذَا الضَّلالِ لِقَوْمٍ عَرَفُوا ﴿ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ وَرَأَوْا تَكَاليفَ الدِّينِ وَتَعَاليمَهُ لا تَتَّفِقُ مَعَ شَهَوَاتِهِمْ وَمَلاذِهِمْ، فَاتَّخَذُوا الخُرُوجَ عَنْ تَكَاليفِهِ لِلْحُصُولِ عَلَى مَلاذِ الحَيِاةِ، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ . شِعْرًا: ... يَقُولُونُ فِي الإِسْلامِ ظُلْمًا بِأَنَّهُ ... يَصُدّ ذَوِيهِ عِنْ طَرِيقِ التَّقَدُمِ وَلَوْ كَانَ ذَا حَقًّا فَكََيْفَ تَقَدَّمْتْ ... أَوَائِلُهُ فِي عَهْدِهَا المُتَقَدِّمِ وَإِنْ كَانَ ذَنْبُ المُسْلِمِ اليوم جَهْلُهُ ... فَمَاذَا عَلَى الإِسْلامِ مِنْ جَهْلِ مُسْلِمِ هَلْ العِلْمِ فِي الإِسلامِ إلاّ فَرِيضَة ... وَهَلْ أُمَّةٌ سَادَتَ بِغَيْرِ التَّعَلُّمِ لَقَدْ أَيْقَظَ الإِسْلامْ لِلْمَجْدِ وَالعُلا ... بَصَائِرَ أَقْوَامِ عَنِ المََجْدِ نُوَّمِ فَأشْرَقَ نُورُ العِلْمِ مِنْ حُجُرَاتِهِ ... عَلَى وَجِهِ عَصْرٍ بِالجَهَالَةِ مُظْلِمِ وَدَكَّ خُصُونَ الجَاهِلِيِّةِ بِالهُدَى ... وَقَوِّضَ أَطْنَابَ الضَّلالِ المُخَيَّمِ وَأَنْشَطَ بِالعِلْمِ العَزَائِمِ وَابْتَنَى ... لأَهَلْيَهِ مَجْداً لَيْسَ بَالمُتَهَدِّمِ وَأَطْلَقَ أَذْهَانَ الوَرَى مِنْ قِيُودِهَا ... فَطَارَتْ بِأَفْكَارٍ عَلَى المَجْدِ حُوَّمِ وَفَكّ أُسَارَ القَوْمِ حَتَّى تَحَفَّزُو ... نُهُوضًا إِلَى العَلْيَاءِ مِنْ كُلِّ مَجْثِمِ فَخَلُّوا طَرِيقًا لِلْبَدَاوَةِ مَجْهَلا ... وَسَارُوا بِنَهْجٍ لِلْحَضَارَةِ مُعْلمِ

стр. 2703

فدَوَّت بمُسْتَنّ العُلَى نَهَضَاتُهُمْ ... كَزْعَزَعِ رِيحٍ أَوْ كَتَيَّارِ غَيْلَمِ وَعَمَّا قَلِيلٍ طَبَّقَ الأَرْضَ حُكْمُهُ ... بِأَسْرَعَ مِنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ إِلَى الفَمِ وَقَدْ حَاكَتْ الأَفْكَارُ عِنْد اصْطِدَامِهَا ... تَلألُؤَ بَرْقِ العَارِضَ المُتَهَزِّمِ وَلاحَتْ تَبَاشِيرُ الحَقَائِقِ فَانْجَلَتْ ... عَنِ النَّاسِ في الدُّنْيَا شُكُوكَ التَّوَهُمِ فَلَيْسَ لمُثْرٍ نَقْصُهُ حَقّ مُعْدِمٍ ... وَلا عَرَبِيٍ بَخْسُهُ فَضْلَ أَعَجْمِ وَلا فَخْرَ لِلإِنْسَانِ إِلا بِدِينِهِ ... وَلا فَضْلَ إِلا بِالتُّقَى وَالتَّكَرُّمِ آخر: ... هُوَ المَوْتُ فَاصْنَعْ كُلَّ مَا أَنْتَ صَانِعُ وَأَنْتَ لِكَأْسِ المَوْتِ لا بُدَّ جَارِعُ أَلا أَيُّهَا المَرْءُ المُخَادِعُ نَفْسَهُ رُوَيْدًا أَتْدْرِي مَنْ أَرَاكَ تُخَادِعُ وَيَا جَامِعَ الدُّنْيَا لِغَيْرِ بَلاغِهِ سَتَتْرُكُهَا فَانْظُرْ لِمَنْ أَنْتَ جَامِعُ فَكَمْ قَدْ رَأَيْتَ الجَامِعِينَ قَدْ أَصْبَحَتْ لَهُمْ بَيْنَ أَطْبَاقِ التُّرَابِ مَضَاجِعُ لَوْ أَنَّ ذَوِي الأَبْصَارِ يَرْعَوْنَ كُلَمَّا يَرَوْنَ لَمَا جَفَّتْ لِعَينٍ مَدَامِعُ طَغَى النَّاس مِنْ بَعْدِ النَّبِي مُحَمَّدٍ فَقَدْ دَرَسْتَ بَعَدْ النَّبِي الشَّرَائِعُ وَصَارَتْ بُطُونِ المُرْمِلاتِ خَمِيصَةً وَأَيْتَامُهَا مِنْهُمْ طَرِيدٌ وَجَائِعٌ وَإِنَّ بُطُونِ المُكْثِرِينَ كَأَنَّمَا يُنَقْنِقُ فِي أَجْوَافِهِنَّ الضَّفَادِعُ ... >?

стр. 2704

ج ... فَمَا يَعْرِفُ العَطْشَانَ مَنْ طَالَ رِيُّهُ وَلا يَعْرِفُ الشَّبْعَانُ مَنْ هُوَ جَائِعُ وَتَصْرِيفُ هَذَا الخَلْقِ للهِ وَحْدَهُ وَكُلٌّ إليه لا مَحَالَةَ رَاجِعُ وَللهِ فِي الدُّنْيَا أَعَاجِيبُ جَمَّةٌ تَدُلُّ عَلَى تَدْبِيرِهِ وَبَدَائِعُ وَللهِ أَسْرَارُ الأُمُورِ وَإِنْ جَرَتْ بَهَا ظَاهِرًا بَيْنَ العِبَادَ المَنَافِعُ وَللهِ أَحْكَامُ القَضَاءِ بِعِلْمِهِ أَلا فَهُوَ مُعْطٍ مَا يَشَاءُ وَمَانِعُ إِذَا ظَنَّ مَنْ تَرْجُو عَلَيْكَ بِنَفْعِهِ فَدَعْهُ فَإِنَّ الرِّزْقَ فِي الأَرْضَ وَاسِعُ وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا مُنَاهُ وَهَمُّهُ سَبَتْهُ المُنَى وَاسْتَعْبَدَتْهُ المَطَامِعُ وَمَنْ عَقَل اسْتَحْيَى وَأَكْرَمَ نَفْسَهُ وَمَنْ قَنِعَ اسْتَغْنَى فَهْلَ أَنْتَ قَانِعُ لِكُلِّ امْرِءٍ رَأْيَانِ رَأْيٌ يَكُفُّهُ عَنِ الشَّرِ أَحْيَانًا وَرَأْيٌ يُنَازِعُ ... >? اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، نَسْأَلُكَ أَنْ تَكْفِينَا مَا أَهْمَّنَا وَمَا لا نَهْتَمُّ بِهِ، وَأَنْ تَرْزُقَنَا الاسْتَعْدَادِ لِمَا أَمَامَنَا، وَأَنْ تَغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ.

стр. 2705

اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وُجُوهَنَا عَنِ السُّجُودِ لِغَيْرِكَ فَصُنْ وُجُوهَنَا عَنِ المَسْأَلَةِ لِغَيْرِكَ، اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ عَلَى هَوَى وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ فَرُدَّهُ إِلَى الحَقِّ حَتَّى لا يَظِلُّ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ أَحَدٌ اللَّهُمَّ لا تَشْغَلْ قُلُوبَنَا بِمَا تَكَفَّلْتَ لَنَا بِهِ وِلا تَجْعَلْنَا فِي رِزْقِكِ خَوَلاً لِغَيْرِكِ وَلا تَمْنَعْنَا خَيْرَ مَا عِنْدَكَ بِشَرِّ مَا عِنْدَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فَصْلٌ) وَصَرِيحُ القَذْفِ أَنْ يَقُولَ: يَا زَانِي، أَوْ يَقُولُ لَهُ: يَا لُوطِيّ، أَوْ يَا عَاهِرُ، أَوْ يَقُولُ لَهُ: إِنَّكَ قَدْ زَنَيْتَ، أَوْ زَنَى فَرْجُكَ، أَوْ يَا مَنْيُوكُ، أَوْ يَا وَلَدُ الزَّانِي، أَوْ يَا وَلَدَ الزَّانِيَةِ، فَفِي الأَوَّلِ قَذْفٌ لَهُ، وَفِي الأَخِيرَتَيْن قَذْفٌ لأَبِيهِ وأُمِّهِ، أَوْ يَقُولُ لابنتِهَا: يَا ابْنَةَ الزَّانِيَةِ وَكِنَايتُه أي القَذْفُ أَنْ يَقُولَ: يَا قَحْبَةُ، أَوْ يَا فَاجِرَةُ، أَوْ يِا خَبِيثَةُ فَفِي الصَّرِيحِ - إِذَا اجْتَمَعْتْ الشُّرْوطُ - يُحَدُّ ثَمَانِين وَفِي الكِنَايَةِ إِذَا فَسَّرَهَا بِذَلِكَ. وَالشُّرُوطُ المُعْتَبَرَةُ لإِقَامَةِ الحَدِّ (أَحَدُهُمَا) مُطَالَبَةُ المَقْذُوفِ لِلْقَاذِفِ بِحَقِّهِ وَاسْتِدَامَةِ الطَّلَبِ إِلَى إِقَامَةِ الحَدِّ، بِأَنْ لا يَعْفُو، (وَالثَّانِي) أَنْ لا يَأْتِي بِبِيِّنَةٍ عَلَى مَا قَذَفَهُ بِهِ لِمَفْهُومِ قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ وَالشَّّّّّّّرْطِ (الثَّالِثُ) أَنْ لا يُصَدِّقَهُ المَقْذُوف، فَإِنْ صَدَّقَهُ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الحَدُّ لأنَّ تَصْدِيقَهُ لَهُ أَبَلَغُ مِنْ إِقَامَةِ البَيِّنَةِ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لا يُلاعِنَ القَاذِفُ المَقْذُوفَ إِنْ كَانَ القَاذِفُ زَوْجًا، فَإِنْ لاعَنْ سَقَطْ عَنْهُ الحَدُّ وَيُعَزَّرُ بِقَوْلِهِ: يَا كَافِرُ، يَا مُنَافِقُ، يَا سَارِقُ، يَا فَاسِقُ، يَا فَاجِرُ، يَا حِمَارُ، يا تَيْسُ، يَا رَافِضِي، يَا عَدُوَّ اللهِ، يَا جَائِرُ، يَا شَارِبُ الخَمْرِ، يَا كَذَّابُ أَوْ كَاذِبٌ، أَوْ يَا ظَالِمُ، أَوْ يَا خَائِنُ، أَوْ يَا مُخَنَّثُ، أَوْ يَا قَوَّادُ، أَوْ دَيُّوثُ. وَالدَّيُّوثُ هُوَ الذِي يُقِرُّ الفَاحِشَةَ عَلَى أَهْلِهِ، وَالقَوَّادُ هُوَ السِّمْسَارُ فِي الزِّنَا وَبِاللُّغَةِ الشَّعْبِيَّةِ الجَرَّارُ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَاقِعُونُ فِي القَذْفِ الذِي فِي الحَقِيقَةِ عَلَيْهِمْ عُقُوبَتُهُ دُنْيًا وَأُخْرَى. وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكِ أَنَّ النَّاسَ لا يُقِيمُونَ لِهَذَا القَوْل وَزْنًا فَلِهَذَا لا يُسْمَعُ لِهَذَا الحَدِّ ذِكْرٌ وَلا لِلْمُطَالَبَةِ بِهِ، وَهَذَا غَلَطٌ، بَلْ يَنْبَغِي لِلإِنْسَانِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى كَرَامَتِهِ، وَيُطَالِِبَ بِحَقِّهِ، لاسِيَّمَا وَفِي المطَالَبَةِ فِي مِثْلِ حَدِّ

стр. 2706

القَذْفِ ردْعٌ لِهَؤُلاءِ المُطْلِقِينَ لأَلْسِنَتِهِم العِنَانُ فِي الفُحْشِ وَالسَّبِّ وَنَشْرِ هَذِهِ الأَخْلاقِ السَّيِّئَةِ التِي تَضُرُّهُم وَتَضُرُّ غَيْرَهُم فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالْكَلَمَةِ مَا يَتَبَيَّنَ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّار أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْربِ» . وَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بنُ جَبَلُ: يَا رَسُولَ اللهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّار عَلَى وُجُوهُهُم إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» . وفي الحديث: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليوم الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» . وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ وَقَالَ عُقْبَةُ بنُ عَامِرٍ: مَا النَّجَاةُ يَا رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلِيَسَعُكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكِ» . «وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ إِلَى اللهِ القَلْبُ القَاسِي» . إِذَا فَهِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ لِلْكَلامِ شُرُوطًا لا يَسْلَمُ المُتكلّمُ مِنْ الزَّلَلِ إِلا إِذَا عَمِلَ بِهَا بِإِذْنِ اللهِ، وَلا يَعْرَى مِنَ النَّقْصِ إِلا بَعْدَ أَنْ يَسْتَوْفِيهَا بِإِذْنِ اللهِ ذَكَرَهَا العُلَمَاءُ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ. الشَّرْطٌ الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الكَلامُ لِدَاعٍ يَدْعُو إليه أَمَّا الذِي لا دِاعِيَ لَهُ مِنْ جَلْبِ نَفْعِ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ فَتَرْكُهُ أَوْلَى. وَالشَّرْطُ (الثَّانِي) : أَنْ يَأْتِي بِهِ فِي مَوْضِعِهِ، وَيَتَوَخَّى بِهِ إِصَابَةَ فُرْصَتِهِ، بِأَنْ يَتَرَقَّبَهَا وَيَتَحَرَّاهَا. وَالشَّرْطُ (الثَّالِثُ) : أَنْ يَقْتَصِرَ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ الحَاجَةِ. وَالشَّرْطُ (الرَّابِعُ) : أَنْ يَتَخَيَّرَ اللَّفْظَ الذِي يَتَكَلَّمِ بِهِ، فَأَمَّا الذِي لا دَاعِيَ لَهُ مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرِرٍ هَذَيَانٌ، وَمَا لا سَبَبَ لَهُ هَجْرٌ، وَمَنْ سَامَحَ نَفْسَهُ فِي الكَلامِ إِذَا عَرَضَ لَهُ وَهَبَّ فِي خَاطِرِهِ، وَلَمْ يُرَاعِ صِحَّةَ دَوَاعِيهِ، وَإِصَابِةِ مَعَانِيهِ، كَانَ قَوْلُهُ مَرْذُولاً، وَرَأْيُهُ مَعْلُولاً، كَمَا حُكِيَ أَنَّ

стр. 2707

شَابًا كَانَ يُجَالِسُ الأَحْنَفَ وَيُطِيلُ الصَّمْتَ، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ الأَحْنَفُ، فَخَلَتِ الحَلَقَةُ يَوْمًا مِنَ المُتَكلمِين، فَقَالَ الأَحْنَفُ: تَكَلَّمْ يَا ابْنَ أَخِي، فَقَالَ: يَا عَمِّ لَوْ أَنَّ رَجُلاً سَقَطَ مِنْ شَرفِ هَذَا المَسْجِدِ يَضُرُّهُ شَيْءٍ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي لَيْتَنَا تَرَكْنَاكَ مَسْتُورًا. ثُمَّ تَمَثَّلَ الأَحْنَفُ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: ... وَكَائِنْ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِبًا ... ???? ... زَيَادَتُهُ أَوْ نَقْصُهُ فِي التَّكَلُّمِ ... ???? ... لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفُ فُؤَادُهُ ... ???? ... فَلَمْ يَبْقَ إِلا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ ... >? ... ???? فَلِسَانُ العَاقِلُ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، فَإِذَا أَرَادَ الكَلامَ رَجَعَ إِلَى قَلْبِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينًا أَوْ دُنْيَا تَكَلَّمَ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَالقَذْفِ وَالكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ أَمْسَكَ فَلا يُخْرِجُهُ، وَقَلْبُ الجَاهِل مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ، يَتَكَلَّمُ بِكُلِّ مَا عَرَضَ لَهُ، فَالعَاقِلُ يَتَفَكَّرُ وَيَزنُ كَلامَهُ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَرَى أَنَّ فِيهِ لَهُ مَصْلَحَةً، وَلا مَضَرَّةَ فَيهِ عَلَيْهِ. وَقَالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ: مَنْ لَمْ يَعُدَّ كَلامَهُ مِنْ عَمَلِهِ كَثُرَتْ خَطَايَاهُ. وَقَالَ بَعْضُ البُلَغَاءِ: احْبِسْ لِسَانَكَ قَبْلَ أَنْ يَحْبِسَكَ أَوْ يُتْلِفَ نَفْسَكَ. وَقَالَ النَّبيّ ? لِمُعَاذ: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» وَقَالَ بَعْضُهُم: مَنْ كَثُرَ كَلامُهُ كَثُرَتْ آثَامُهُ. فَعَلَيْكَ بِطَرِيقِ السَّلفِ الذِينَ عَمَّرُوا أَوْقَاتَهُمِ بِتَقْوَى اللهِ. ... قُلوُبٌ بِتَقْوَى اللهِ وَالذكر تَعْمُر ... وَأَوْجُهُهُمْ بِالقُرب والبِشْرِ تَزْهُرُ يُنَاجُونَ مَوْلاهُمْ بِفَرْطِ تَضَرُّعٍ ... وَأَدْمُعُهُمْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ تَقْطُرُ آخر: ... صَلَّى الإِلَهُ عَلَى قَوْمٍ شَهدتهُم كَانُوا إِذَا ذَكَرُوا أَوْ ذُكِّرُوا شَهِقُوا ... >?

стр. 2708

.. كَانُوا إِذَا ذَكَرُوا نَارَ الْجَحِيمَ بَكَوْا وَإِنْ تَلا بَعْضُهُمْ تَخْوِيفَهَا صَعِقُوا مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ مِن الشَّيطَانِ يَأْخُذُهُمْ عِنْدَ التِّلاوَةِ إِلا الْخَوْفُ وَالشَّفَقُ صَرْعَى مِن الْحُزْنِ قَدْ سَجَّوْا ثَيَابَهُمُ بَقِيَّةُ الرُّوحِ فِي أَوْدَاجِهِمْ رَمَقُ حَتَّى تَخَالَهُمُ لَوْ كُنْتَ شَاهِدَهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَالاشْفَاقِ قَدْ زَهَقُوا صَانُوا الْعُيُونَ عَنْ الْعَوْرَاتِ جُهْدَهُمُ وَفِي لُحُومِ الْوَرَى وَالْكِذْبِ مَا نَطَقُوا ... >? اللَّهُمَّ ثَبِّتْ مَحَبَّتِكَ فِي قُلُوبِنَا ثُبُوتَ الْجِبَال الرَّاسِيَاتِ وَوَفِّقْنَا لِلْعَمَلِ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ وَاعْصِمْنَا مِنْ الذُّنُوبِ الْمُوبِقَاتِ وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ تَتَلَقَّاهُم الْمَلائِكَةُ بِالْبَشَارَاتِ وَمَتِّعْنَا بِالنَّظَرِ إِلى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وَسَلَّمَ. مَوْعِظَةٌ عِبَادَ اللهِ لَقَدْ ضَاعَتْ أَعْمَارَنَا فِي الْقِيلِ وَالْقَالِ، وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَالْمَدَاهَنَةِ، وَالانْهِمَاكِ فِي الدُّنْيَا، إِلى أَنْ اسْتَلْحَقَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ جُزْءًا مِنْ اللَّيْلِ مُضَافًا إِلى النَّهَارِ، وَكَأَنَّنَا لَمْ نُخْلقَ ْإِلا لِهَذِهِ الأَعْمَالِ، أَفَلا نَسْتَيْقِظُ مِنْ غَفْلَتِنَا، وَنَحْفَظُ أَلْسِنَتِنَا عَنْ نَهْشِ أَعْرَاضِ الْغَوَافِلِ، وَالطَّعْنِ فِي الأَحْسَابِ وَالأَنْسَابِ، وَنَصْرِفَ جَلَّ الأَوْقَاتِ إِلى الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، الَّتِي هِيَ خَيْرٌ عِنْدَ رَبَّنَا ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدّا، وَنَذْكُرَ

стр. 2709

مَوْلانَا الذِي فَضْلُهُ عَلَيْنَا مِدْرَارٌ، فَإِنَّ الذِّكْرَ عَاقِبَتُهُ الْجَنَّةُ دَارُ الْكَرَامَةِ وَالْقَرَارِ، مَعَ رِضَى رَبَّنَا الذِي دُونَهُ كُلُّ ثَوَابٍ، تَاللهِ لَوْ عَرَفْتُمْ قِيمَةِ النَّصِيحَةِ لَبَادَرْتُمْ إِلى الْعَمَلِ بِهَا كُلَّ الْبَدَارِ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ تَذْكُرُ اللهَ أَفْضَلَ مِمَّنْ يُفَرِّقُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةِ وَسَائِرَ الأَمْوَالِ، وَأَفْضَلُ مِنْ أَنْ تُجَاهِدَ الْعَدُوّ فَيَضْرِبَ عُنُقَكَ أَوْ تَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتَكُونَ مِنْ الشُّهَدَاءِ الأَبْرَارِ، كَيْفَ لا وَالذِّكْرُ خَيْرُ الأَعْمَالِ وَأَزْكَاهَا، وَأَرْفَعَهَا لِلدَّرَجَاتِ عِنْدَ مَوْلانَا الْوَهَّابُ حَسْبُ الذَّاكِرِ: أَنْ تَحُفَّهُ الْمَلائِكَةُ، وَتَنْزِلُ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَتَغْشَاهُ الرَّحَمَاتُ، وَمَنْ فِي الْوُجُودِ مِثْلُ الذَّاكِرُ، وَهُوَ وَقْتُ ذِكْرِهِ للهِ يَذْكُرُهُ بَارِئُ الْكَائِنَاتِ، وَمَنْ مِثْلُهُ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ بِالذِّكْرِ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ، يَحْفَظَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَوَسَاوِسَهِ الْفَاتِنَاتِ، وَمَنْزِلَةُ الذَّاكِرِ بَيْنَ الْغَافِلِينَ كَمَنْزِلَةِ الْحَيِّ بَيْنَ الْمَيِّتِينَ، وَذِكْر اللهِ يُنِيرُ الْقَلْبَ، وَيُوقِظَهُ وَيُحْيِيهِ، وَيُزِيلُ رَانَهُ وَيَهْدِيهِ إِلى الْحَقِّ. شِعْرًا: ... وَإِنَّ أَحْسَنَ قَوْلٍ أَنْتَ سَامِعُهُ ... قَوْلٌ تَضَمَّنَ تَوْحِيدَ الذِي خَلَقَا آخر: ... لا يُدْرِكَ الْمَجْدَ إِلا مُخْلِصٌ فَطِنٌ ... يُرْضِي الإِلهَ بِإتْقَانِ الْعِبَادَاتِ آخر: ... لا يُدْرِكَ الْمَجْدَ إِلا مُخْلِصٌ فَطِنٌ ... يُرْضِي الإِلهَ بِإتْقَانِ الْعِبَادَاتِ آخر: ... رَجَاءُ إِلهِ الْخَلْقِ عِنْدِي ذَخِيرَةٌ ... وَلِشِدَّةِ الْعُظْمَى تُعَدُّ الذَّاخَائِرُ عَلَيْكَ بِذِكْرِ اللهِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ ... فَمَا خَابَ عَبْدٌ لِلْمُهَيْمِنِ يَذْكُرُ وَصَلَّى عَلَى خَيْرِ الأَنَامِ مُحَمَّدٍ ... وَأَصْحَابِهِ وَالآلِ مَا دُمْتَ تَقْدِرُ شِعْرًا: ... والذِّكرُ فيه حَيَاةٌ لِلقُلُوبِ كَمَا ... تَحْيَا الْبِلادَ إِذَا مَا جَاءَهَا الْمَطَرُ وَقَالَ الآخر: وَخَيْرُ مَقَامٍ قُمْتَ فِيهِ وَخَصْلَةٍ ... تَحَلَّيْتَها ذِكْرُ الإِلَهِ بِمَسْجِدِ آخر: (أَحِنُّ اشْتِيَاقًا لِلْمَسَاجِدِ لا إِلى) ... قُصُورٍ وَفُرْشٍ بِالطِّرَازِ مُوَشَّحُ

стр. 2710

وَأَمْنَحُ وُدِّي لِلْمَسَاكِينِ صَافِيًا أُجَالِسُهُمْ وَالْهَجْرَ لِلْغَيْرِ أَمْنَحُ فَفِي ذُلِّ نَفْسِي عِزُّهَا وَبِمَوْتِهَا حَيَاةٌ لأَجَلِ الْغَالِي بِالدُّونِ أَسْمِحُ (لَنَا بِاعْتِزَالٍ لَذَّ فِي جَانِبَ الْهَوَى مُجَاوَرَةُ الأَسْفَارِ لِلصَّدْرِ تَشْرَحُ) (فَإِنْ شِئْتَ تَفْسِيرًا مُرَادَ مُحَقِّقٍ وَإِنْ شِئْتَ تَوْحِيدًا بِهِ الْمَرْءُ يُفْلِحُ) (وَإِنْ رَمُتَ كُتبًا لِلْحَدِيثِ وَشَرْحِهِ وَجَدَتَ وَلَمْ يَعْدُوكَ أُنْسٌ وَمَرْبَحُ) (وَإِنْ رُمْتَ آدَابًا وَتَارِيخَ مَنْ مَضَى وَجَدْتَ وَفَاتَ الْوَقْتُ وَالْفِكْرُ يَسْرَحُ (وَإِنْ رُمْتَ كُتبَ الْفِقْهِ أَوْ كُتبَ أَصْلِهِ تَنَاوَلْتَ أَحْكَامًا بِهَا الْقَلْبُ يَفْرَحُ) وَتَسْلَمُ مِنْ قِيلٍ وَقَالَ وَمِنْ أَذَى جَلِيسٍ وَمِنْ وَاشٍ يَنِمُ وَيَجْرَحُ ... >? اللَّهُمَّ أَيْقظَ قُلُوبَنَا وَنَوِّرْهَا بِنُورِ الإِيمَان وَثَبَّتْ فِيهَا مَحَبَّتكَ ثُبُوتَ الِجبَالِ الرَّاسِياتِ وَوَفّقْنَا لِلْعَمَلِ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ وَجَنِّبْنَا جَمِيعَ الْمُوبِقَاتِ وَلا تُزِغْ قُلُوبِنَاَ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَهَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، اللَّهُمَّ افْتَحْ لِدُعَائِنَا بَابَ الْقَبُولِ وَالإِجَابَةِ اللَّهُمَّ صلى عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وَسَلَّمَ. اللَّهُمَّ اعْطِنَا مِنْ الْخَيْرِ فَوْقَ مَا نَرْجُو وَاصْرِفْ عَنَّا مِنْ السُّوءِ فَوْقَ مَا نَحْذَر. اللَّهُمَّ عَلِّقْ قُلُوبَنَا بِرَجَائِكَ وَاقْطَعْ رَجَاءَنَا عَمَّنْ سِوَاكَ. اللَّهُمَّ إِنَّكَ

стр. 2711

تَعْلَمُ عُيُوبَنَا فَاسْتُرْهَا وَتَعْلَمَ حَاجَاتِنَا فَاقْضِهَا كَفَى بِكَ وَلِيًّا وَكَفَى بِكَ نَصِيرًا يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِسُلُوكِ سَبِيلِ عِبَادِكَ الأَخْيَارِ، وَاغْفِرْ لَنَا. (فَصْلٌ) : عِبَادَ اللهِ لَقَدْ أَخْبَرَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلا أَنَّ حَيَاةً أُخْرَى نُجَازَى فِيهَا عَلَى مَا كَانَ مِنْ أَعْمَالٍ، وَلا شَكَّ فِي تِلْكَ الْحَيَاةِ الثَّانِيَةِ، لأَنَّ اللهَ تَعَالى أَخْبَرَ بِهَا فِي كِتَابِهِ، وَأَخْبَرَ بِهَا جَمِيعُ الرُّسُلِ، وَأَخْبَرَ ﷺ بِعَلامَاتٍ دَالَّةٍ عَلَى إقْتِرَابِهَا، يَزْدَادُ بِهَا إِيمَانًا ذُو الْقَلْبِ السَّلِيمِ، وَهَذِهِ الْعَلامَاتُ تَنْقَسِمُ إِلى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ ظَهَرَ وَانْقَضَى، وَهِيَ الأَمَارَاتِ الْبَعِيدَةِ، وَقِسْمٌ ظَهَرَ وَلَمْ يَنْقَضِ، بَلْ لا يَزَالُ فِي ازْدِيَادٍ حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْغَايَةَ ظَهَرَ، وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهِيَ الأَمَارَاتُ الْقَرِيبَةُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي تَعْقِبُهَا السَّاعَةُ، فَإِنَّهَا تَتَابَعُ كَنِظَامِ خَرَزَاتٍ انْقَطَعَ سِلْكُهَا. فَالأُولَى الَّتِي ظَهَرَتْ وَمَضَتْ، مِنْهَا: بِعَثَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَمَوْتُهُ، وَفَتْحُ الْمَقْدِسِ، وَقتْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ ﵁، وَمِنْهَا وَقْعَةُ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لا تَقُومُ السَّاعَةِ حَتَّى تَقْتَتِلُ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعْوَاهَا وَاحِدَةٌ» . وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَسَيُصْلِحُ اللهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» . وَمِنْهَا: مُلْكُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَمَا جَرَى عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ فِي أَيَّامِهِمْ مِنْ الأَذِيَّةِ، كَقَتْلِ الْحُسَيْنِ، وَرَمْي الْكَعْبَةِ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَنَارُ الْحِجَازِ الَّتِي أَضَاءَتْ لَهَا أَعْنَاقُ الإِبِلِ بِبُصْرَى، وَمِنْهَا خُرُوجُ كَذَّابِيْنَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَدَّعِي أَنَّهُ نَبِيّ، وَمِنْهَا كُثْرَةُ الْمَالِ، وَكَثْرَةُ الزَّلازِلْ. الثَّانِيَةُ: الْعَلامَاتُ الْمُتَوَسِّطَةِ، مِنْهَا: قَوْلُهُ ﷺ : «لا تَقُومُ السَّاعَةِ حَتَّى يَكُونُ أَسْعَدُ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعَ بن لُكَع» . وَاللكَعُ الْعَبْدُ

стр. 2712

الأَحْمَقُ وَاللئِيمُ، وَالْمَعْنَى: لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ اللئَامُ وَالْحَمْقَى وَنَحْوَهُمْ رُؤَسَاءُ النَّاسِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ أَنَسٍ، وَقَوْلُهُ ﷺ : «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عُبَّادٌ وَجُهَّالٌ وَقُرَّاءٌ فَسَقَةٌ» . وَفِي لَفْظٍ: «فُسَّاقٌ» . رَوَاهُ أَبُو نَعِيمٍ، وَالْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ. وَمِنْهَا: أَنْ يُرَى الْهِلالُ سَاعَةَ يَطْلُعُ، فَيُقَالُ: لِلَيْلَتَيْنِ لِكِبَرِهِ، رَوَى مَعْنَاهُ الطَّبَرَانِي عَنْ ابن مَسْعُودٍ، وَفِي لَفْظٍ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ انْتِفَاخُ الأَهِلَّةِ» . أَي: عِظَمُهَا. وَمِنْهَا انْحِسَارُ الْفُرَاتِ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بن الْحَارِثِ بن نَوْفَلَ قَالَ: كُنْتُ وَاقِفًا مَعَ أُبِّيِ بِنْ كَُعْبٍ ﵁ فَقَالَ: لا يَزَالُ النَّاسُ مُخْتَلِفَةٌ أَعْنَاقُهُمْ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا. قُلْتُ: أَجَلْ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ جَبَلِ مِنْ ذَهَبٍ، فَإِذَا سَمِعَ بِهِ النَّاسُ سَارُوا إليه، فَيَقُولُ مَنْ عِنْدَهُ: لَئِنْ تَرَكَنَا النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْهُ لَيُذْهَبَنَّ بِهِ كُلَّهُ» . قَالَ: «فَيَقْتَتِلُونَ عَلَيْهِ، فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مَائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَمِنْهَا مَا فِي حَدِيثِ ابن مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ تَسْلِيمُ الْخَاصَّةِ، وَفُشُوّ التِّجَارَةِ، حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيّ. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ السَّلامُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِي، وَعَنْ حُذَيْفَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مِنْ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ مُشَارَكَةُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي التِّجَارَةِ، وَالتَّسْلِيمُ لِلْمَعْرِفَةِ» . أَخْرَجَهُ أَبُو نَعِيمٍ، وَعَنْ ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 2713

وَسَلَّمَ: «إِنَّّّّّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُسَلِّمَ الرَّجُلَ عَلَى الرَّجُلِ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلا لِلْمَعْرِفَةِ» . رَوَاهُ أَحَمْدَ. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ تَسْلِيمُ الخَاصَّةِ، وَفُشُوِّ التِّجَارَةِ، حَتَّى تُعْينُ المَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ، وَشِهَادَةُ الزُّورِ، وَظُهُورِ القَلْمِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَمِنْهَا مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمْ الصَّدَقَةَ كُتِمَتْ وَغُلَّتْ، وَاسْتُؤْجِرَ عَلَى الغَزْوِ، وَأخْرِبَ العَامِرُ، وَعُمِرَ الخَرَابُ، وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَتَمَرَّسُ بِأَمَانَتِهِ فَإِنَّكَ وَالسَّاعَةُ هَاتَيْنِ» . رَوَاهُ الطَبَرَانِي. وَعَنِ ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَكتنى المَسَاجِدَ، وَيُعْمَرَ خَرَابٌ، وَيُخَرَّبَ عُمْرَانٌ» . الحَدِيثُ رَوَاهُ الطَبَرَانِي، وَعَنْ عَلِيّ بنِ أَبِي طَالِب ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ سُوءُ الجِوَارِ، وَأَنْ تَجْلِبُ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، وَالتَّعْلِيمَ لِغَيْرِ اللهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدُ، وَالحَاكِمُ. وَمِنْهَا تَقْلِيدُ الأَجَانِبِ، وَقَدْ وَقَعَ، حَتَّى أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ تَرَكُوا الدِّينَ، وَلاسِيَّمَا بَعْضُ المُتَدَيِّنِينَ، وَرَأَوْا التَّقَدُّمَ فِي تَقْلِيدِ الكَفَرَةِ، وَرَبَائِبَ الكَفَرَةِ وَمِنْهَا لَعْنُ آخِرِ هَذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلَهَا، وَقَدْ حَصَلَ، وَمِنْهَا اتِّخَاذُ المَسَاجِدِ طُرُقًا، وَمِنْهَا مَا قَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا وَهُوَ مَرْفُوعٌ إِلَى النَّبِيَ ﷺ حُكْمًا أَنَّهُ قَالَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ، يَهْرَمُ فِيهَا الكَبِيرُ وَيَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً، إِذَا تُرِكَ مِنْهَا شَيْءٌ قِيلَ تُرِكَتْ السُّنَّةُ» قَالُوا: وَمَتَى ذَاكَ؟ قَالَ: «إِذَا ذَهَبَتْ عُلَمَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ قُرَّاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُم، وَكَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُم، وَالتُمِسَتْ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، وَتُفُقِّهِ لِغيْرِ الدِّينِ» .

стр. 2714

قُلْتُ: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ اليوم يَتَعَلَّمُونَ لأجْلِ الحُصُولَ عَلَى شَهَادَةَ المَاجِسْتِير أَو الدكتوراه أو البكاريُوس أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لا لأجْلِ إِزَالَةِ الجهل عن نفسِهِ وَنَفْع المسلمين بِتَعْلِيمهم بل لأجلِ الدُّنْيَا فَهْوَ تَعَلُّمٌ لِغَيْرِ الدِّينَ نسأل الله العافية وهؤلاء يَنْطَبِقُ عليهم قول الشاعر: ... هَوِّنْ عَلَيْكَ فَمَا تَعْدُ شَهَادَتُهُمْ ... جَوَازَ سَفْرٍ إِلَى نَيْلِ الوُرَيْقَاتِ فَهَذَا الحَدِيثُ عَلَمٌ مِنْ أَعْلامِ نُبُوَّتِهِ ﷺ وَصِدْقِ رِسَالَتِهِ، فَإِنَّ كُلَّ فَقَرَةٍ مِنْ فَقَرَاتِهِ قَدْ تَحَقَّقَتْ فِي العَصْرِ الحَاضِرِ عَصْرُ المَلاهِي وَالمُنْكَرَاتِ وَالفِتَنِ وَالشُّرُورِ، وَالسُّفُورِ والتلفزيون والفِيديُواتِ وَالمذَايِيعِ وَالكُراتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا أَلْهَى وَأَشْغَلَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ. شِعْرًا: ... يَا مَنْ بِدُنيَاهُ اِشتَغَلْ قَدْ غَرَّهُ طُولُ الأَمَلْ المَوْتُ يَأْتِي بَغتَةً وَالصَّدْرُ صُنْدُوقُ العَمَلْ ... >? قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلا: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ . وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عن سُلَيْمَانَ مَوْقُوفًا، وَالحَسَنُ بنُ سُفْيَانَ، وَابْنُ عَسَاكِرَ مَرْفُوعًا: «إِذَا ظَهَرَ القَوْلُ، وَخُزِنَ العَمَلُ، وَائْتلَفَتْ الأَلْسُنُ، وَاخْتَلَفَتْ القُلُوبُ، وَقَطَعَ كُلُّ ذِي رَحِم رَحِمَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لَعَنَهُمْ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ» . وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالحَاكِمُ، وَابْنُ مَاجَة عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ

стр. 2715

مَرْفُوعًا: «إِذَا كَانَتْ الفَاحِشَةُ فِي كِبَارِكُم، وَالمُلْكُ في صِغَارِكُمْ، وَالعِلْمُ في مُرَادِكُمْ، وَالمُدَاهَنَةَ فِي خِيَارِكُمْ» ، يَعْنِي فَتَقْرُبُ إِقَامَةُ السَّاعِةِ. وَمِنْهَا مَا فِي صَحِيحِ البُخَارِي وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَلا أُحَدِّثَكُمْ بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لا يحدثكم به أحد غيري؟ سمعت رسول ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أنَ ْيُرْفَعَ العِلْمُ، وَيَكْثُرُ الجَهْلُ، وَيَكْثُر الزِّنَا، وَيَكْثُرُ شُرْبُ الخَمْرِ، وَيَقِلُّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرُ النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ» وَمِنْ أَمَارَاتِهَا تَضْيِيعُ الأَمَانَةِ، وَإِضَاعَتُهَا تَوْسِيدُ الأَمْرِ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، وَمِنْهَا فُشُوِّ الرِّبَا وَقَدْ عَمَّ. وَقَالَ أَحَدُ العلماء رحمه الله تعالى في معرض كلام له: وَإِنْ تَشَوَّفْتُمْ إِلَى سَمِاع الأَعْذَار، وَتَشَوَّقْتُمْ إِلَى جِمَاع الأَمْرِ الذِي هُوَ سَبَبٌ لِقَوْلِي حَذَارِ حَذَارِ، فَأَلْقُوا السَّمْعَ لِمَا أَقُولُ وَتَدَبَّرُوا مَا أَوْرَدْتُهُ مِنْ الشَّوَاهِد وَالنُّقُول، أليس هَذَا زَمَانُ الصَّبْر، الصَّابِرُ فِيهِ كَقَارِضٍ عَلَى الجَمْرِ، رَأَيْنَا فِيهِ مَا أَنْذَرَ بِهِ الرسول ? وَصَحَّت به الأَحَادِيثُ وَالنُّقُولُ لِكُلِّ سَؤُول، آياتٍ وَعَلاماتٍ مَا كَانَتْ تَقَعُ فِيمَا مَضَى مِنَامَاتٍ، وَيَوَدُّ كُلٌّ أَنَّهُ عَنْدَ المُنَى مَاتَ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِي ? بِأَنْ يَلْزَمَ العَالِمُ عِنْدَهَا خَاصَّةَ نَفْسِهِ وَيَدَعِ العَوَامْ، مِنْ ذَلِكَ الشُّحُّ المُطَاعُ وَدُنْيًا مُؤْثَرَةْ، وَهَوَى لَهُ ذُو اتِّبََاع، وَإِعْجَابُ كُلُّ ذِي رَأْي بِرَأْيِهِ وَذَلِكَ عَيْنِ الابتداع، قَدْ مَرَجَتِ الأَمَانَاتُ وَالعُهُود، وَكَثُرَ القَائِلُونَ بِالزُّورِ وَالشُّهُود، وَجَمَّ الاخْتِلافُ، وَقَلَّ الائْتِلافُ، وَكُذِّبِ الصَّادِقُ، وَصَدَقَ الكَاذِبُ، وَخُوِّنَ الأَمِينُ، وَائْتُمِنَ الخَائِنُ، وَنَطَقَ الرُّوَيْبِضَةَ، وتكلم الرجُل التافِهُ في أَمْرِ العَامَّةْ، وَتَعَلَّمَ المُتَعَلَّمُ لِغَيْرِ العَمَل، وَكَانَ التَّفَقُهُ لِلدُّنْيَا وَلَيْسَ لَهُ فِي الآخِرَةِ أَمَل، وَأُهِينَ الكَبِيرُ، وَقَدِّمَ الصَّغِير، وَرُفِعَتِ الأَشْرَارُ،

стр. 2716

وَوُضِعَتِ الأَخْيَار فلا يُتْبَعُ العليم، ولا يُسْتَحَى مِنَ الحليم، واتُّخِذَتِ البدعة سُنَّة فلا يُغَيِّرها مَنْ مَرَّ، وَصَارَ الموت إلى العلماء أَحَبُّ مِنَ الذَّهَبِ الأَحْمَر، وَاسْتَعْلَى الجُهَالُ عَلَى العُلماء، وقَهَرَ السُّفَهَاءُ الحُلماءُ، وَوُلِيَ الدِّينُ غَيْرَ أَهْلِهِ، وَظَهَرَ الفُحْشُ مِنْ كُلِّ جَاهِلٍ عَلِى قَدْرِ جَهْلِهِ. انْتَهِى. ... الله أكْبَرَ فِي الدِّفَاعِ سَأَبْتَدِي ... وَهُوَ المُعِينُ عَلَى نَجَاحِ المَقْصَدِ وَهُوَ الذِي نَصَرَ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا ... وَسَيَنْصُرُ المُتَّبِعِينَ لأَحْمَدَ وَبِهِ أَصُولُ عَلَى جَمِيعِ خُصُومِنَا ... وَأَعُدُّهُ عَوْنًا عَلَى مَنْ يَعْتَدِي سَأَسُلُّ سَهْمًا فِي كِنَانِةِ وَحْيِهِ ... وَبِهِ أَشُدُّ عَلَى كَتائبِ حُسَّدِي وَبِهِ سَأَجْدَعُ أَنْفَ كُلِّ مُكَابِرٍ ... وَبِهِ سَأَرْصُدُ لِلْكَفُورِ المُلْحِدِ وَسَأَسْتَجِيرُ بِذِي الجَلالِ وَذِي العُلا ... فَلَنْ أُضَامَ إِذَا اسْتَجَرْتُ بِسَيِّدِي وَسَأَسْتمِدُّ العَوْنَ مِنْهُ عَلَى الذِي ... لَمَزَ الأَحِبَّةَ بِالكَلامِ المُفْسِدِ حَتَّى أُشّتِّتَ شَمْلَهُمْ بِأَدِلَّةٍ ... مِثْلَ الصَّوَاعِقِ فِي السَّحِابِ الأَسْوَدِ وَبِنُورِ وَحْي الله أَكْشِفُ جَهْلَهُمْ ... حَتَّى يُبَيِّنَ عَلَى رُؤُوسِ المَشْهَدِ لا تَلْمِزُونَا يَا خَفَافِيشَ الدُّجَا ... بِتَطَرُّفٍ وَتَسَرُّعٍ وَتَشَدُّدِ لا تَقْذِفُونَا بِالشُّذُوذِ فَإِنَّنَا ... سِرْنَا عَلَى نَهْجِِ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ وَلِكُلِّ قَوْل نَسْتَدِلُّ بِآيَةٍ ... أَوْ بِالحَدِيثِ المُسْتَقِيمِ المُسْنَدِ وَالنَّسْخَ نَعْرِفُ وَالعُمُومَ وَأَنَّنَا ... مُتَفَطِّنُونَ لِمُطْلَقٍ وَمُقَيَّدِ وَنُصُوصُ وَحْي اللهِ نُتْقِنُ فَهْمَهَا ... لا تَحْسِبُونَ الفَهْمَ كَالرأْي الرَّدِي وَإِذَا تَعَارَضَتِ النُّصُوصُ فَإِنَّنَا ... بِأُصُولِ سَادَتِنَا الأئمةِ نَهْتَدِي وَنُحَارِبُ التَّقْلِيدَ طُولَ زَمَانِنَا ... مَعُ حُبِّنَا لِلْعَالِمِ المُتَجَرَّدِ وَكَذَا الأَئِمَّةُ حُبُّهُم مُتَمَكَّنٌ ... مِنْ كُلِّ نَفْسٍ يَا بَرِيَّةُ فَاشْهَدِي وَتَرِقُّ أَنْفُسُنَا لِرُؤْيَةِ مَنْ غَدَا ... فِي رِبْقَةِ التَّقْلِيدِ شِبْهَ مُقَيَّدِ

стр. 2717

ج إِنَّا نَرِى التَّقْلِيدَ دَاءً قَاتِلاً ... حَجَبَ العُقُولَ عَنِ الطَّرِيقِ الأَرْشَدِ جَعَلَ الطَّرِيقَ عَلَى المُقَلِّدَ حَالِكًا ... فَتَرَى المُقَلَّدَ تِائِهًا لا يَهْتَدِي فَلِذَا بَدَأْنَا فِي اجْتِثَاثِ جُذُورِهِ ... مِنْ كُلِّ قَلْبٍ خَائِفٍ مُتَرَدِّدِ وَلَسَوْفَ نَدْمُلُ دَاءَهُ وَجِرَاحَهُ ... بِمَرِاهِمِ الوَحْيِ الشَّرِيفِ المُرْشِدِ نَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ طُولَ حَيَاتِنَا ... فِي كُلِّ حِينٍ فِي الخَفَا وَالمَشْهَدِ وَنُحَارِبُ الشِّرْكِ الخَبِيثَ وَأَهْلَهُ ... حَرْبًا ضَرُوسًا بِاللَّسِانِ وَبِاليدِ وَكَذَلِكَ البِدَعُ الخَبِيثَةُ كُلَّهَا ... نَقْضِي عَلَيْهَا دونَ بَابِ المَسْجِدِ هَذِي طَرِيقَتُنَا وَهَذَا نَهْجُنَا ... فَعَلامَ أَنْتُمْ دُونَنَا بِالمَرْصَدِ لِمَا تَطْعَنُونَا وَتَلْمِزُونَا كَأَنَّنَا ... جِئْنَا بِرَأْيٍ لِلْعَقِيدَةِ مُفْسِدِ أَلِمَذْهَبٍ وَلِعَادَةٍ وَحُكُومَةٍ ... تَتَهَرَّبُونُ مِنَ الحَدِيثِ المُسْنَدِ هَذَا الحَدِيثُ تَلألأتْ أَنْوَارُهُ ... رَغْمَ الجَهُولِ وَرَغْمَ كُلِّ مُقَلِّدِ إِنْ كُنْتُمْ تَتَضَرَّرُونَ بِنُورِهِ ... فَالشَّمْسُ تَطْلَعُ رَغْمَ أَنْفِ الأَرْمَدِ بِاللهِ قُولُوا مَا الذِي أَنْكَرْتُمُوا ... عَلَى البَرِيَّةَ لِلْحَقِيقَةِ تَهْتَدِي هَدَّدْتُمونَا بِالمَذَاهِبِ بِعْدَ مَا ... وَضَحَ الدَّلِيلُ فَبِئْسَ مِِنْ مُتَهَدِّدِ وَيَهْتُمُونَا بِالقَبَائِحِ كُلِّهَا ... وَعَرَضْتُمُونَا بِالقَنَاعِ الأَسْوَدِ وَرَفَعْتَمُونَا لِلْوُلاةِ تَشَفِّيًا ... وَفَرَحْتُمُوا بِتَهَدُّدٍ وَتَوَعُّدِ لاكِنَّنَا لُذْنَا بِبَابِ إِلَهِنَا ... فَأَرَاحَنَا مِنْ كُلِّ خِصْمٍ مُعَْتَدِ وَجَلا الحقيقةَ لِلْمَلأ فَخَسَأْتُمُوا ... وَالسُّوءُ يَظْهَرُ مِنْ خَبِيثِ المَقْصَدِ يَا مَعْشَرِ الإِخْوَانِ سِيرُوا ... وَأَبْشِرُوا وَثِقُوا بِنَصْرِ الوَاحِدِ المُتَفَرِّدِ وَلِتُعْلِنُوهَا لِلْبَرِيَّةِ كُلِّهَا ... إِنَّا بِغَيْرِ مُحَمَّدٍ لا نَقْتَدِي لا نَطْلُبُ الدُّنْيَا وَلا نَسْعَى لَهَا ... اللهُ مَقْصَدُنَا وَنِعمَ المَقْصَدِ لَيْسَ المَنَاصِبُ هَمَّنَا وَمُرَادُنَا ... كَلا وَلا ثَوْبِ الخَدِيعَةِ نَرْتَدِي إِنَّا لنَسعْى فِي صَلاحِ نُفُوسِنَا ... بِعلاجِ أَنْفُسِنَا المَرِيضَةِ نَبْتَدِي

стр. 2718

وَنُحِبُّ أَنْ نَهْدِي البَرِيَّةِ كُلِّهَا ... نَدَعُ الْقَرِيب قَبِيلَ نُصْحِ الأَبْعَدِ وَبِوَاجِبِ المعروفِ نأْمر قَوْمَنَا ... وَنَقُومُ صَفَّا في الطَّرِيقِ المُفْسِدِ لَو تُبْصِرُ الإِخْوانَ في حَلَقَاتِنَا ... مِنْ عَالِمٍ أَوْ طالب مسترشدِ لَرَأَيْتَ عِلْمًا وَإِتِّبَاعًا صَادِقًا ... لِلسُّنَّةِ الغَرَّاءِ دُونَ تَرَدُّدِي أَنْعِمْ بطلاب الحديثِ وأَهْلِهِ ... وَأجِلُّهُم عن كل قَوْلِ مُفْسِدِ هُمْ زِينةُ الدُّنْيَا مَصَابِيحُ الهُدَى ... طُلَعُوا عَلَى الدُّنْيَا طُلُوع الغَرْقَدِ وَرِثُوا النَّبِيِّ فَأَحْسَنُوا فِي إِرْثِهِ ... وَحَمَوْهُ مِنْ كَيْدِ الخَبِيثِ المُعْتَدِي سَعِدُوا بِهَدْي مُحَمَّدٍ وَكَلامِهِ ... وَسِوَاهُمُ بِكَلامِهِ لَمْ يَسْعُدِ وَالدِّينُ قَالَ اللهُ قَالَ رَسُوله ... وَهُمْ لِدِينِ اللهِ أَفْضَلُ مُرْشِدِ وَالفِقْهُ فَهْمُ النَّصِ فَهْمًا وَاضِحًا ... مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَتَأْوِيلٍ رَدِيْ لا تَحْسَبَنَّ الفَقْه مَتْنًا خَالِيًا ... مِنْ كُلِّ قَولٍ لِلْمُشَرِّعِ مُسْنَدِ فَعَلَيْكَ بِالوَحْيَيْنِ لا تَعْدُوهُمَا ... وَاسْلُكْ طَرِيقهُمَا بِفهْمِ جَيِّدِ فَإِذَا تَعَذَّرَ فَهْمُ نَصٍّ غَامِضٍ ... فَاسْتَفْتِ أَهْلَ الذِّكْرِ كَالمُسْتَرْشِدِ بِالبَيَّنَاتِ وَالزَّبُورِ فَإِنَّهُ ... مِنْ أَمْرِ رَبَّكَ فِي الكِتابِ فَجَوِّدِ وَاعلم بأنَّ مَن اقْتَدَى بِمُحَمَّدٍ ... سَيَنَاله كَيْدُ الغُوَاةِ الحُسَّدِ وَيَذوق أَنْواعَ العَدَاوةِ وَالأَذَى ... مِنْ جَاهِلٍ وَمُكَابِرٍ وَمُقَلَّدِ فَاصْبِرْ عَلَيْهِ وَكُنْ بِرَبَّكَ وَاثِقًا ... هَذَا الطَّرِيقُ إِلَى الهُدَى وَالسُّؤْدَدِ مَوْعِظَةٌ عِبَادَ اللهِ انْتَبِهُوا وَبَادِرُوا بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، فَإِنَّ أَعْمَارَكُم سَرِيعَةُ الانْصِرَامِ، وَالأَيَّام وَاللَّيالِي تَمُرُّ بِكم مَرَّ السَّحَابِ، وَالدُّنْيَا إِذَا تَأَمَّلَهَا اللَّبِيبُ رَآهَا كَالسَّرَابِ، وَصَدَقَ القَائِلُ فِي وَصْفِهَا حَيْثُ قَالَ: شِعْرًا: ... حَيَاةٌ وَمَوْتٌ وَانْتِظَارُ قِيَامَةٍ ... ثَلاثُ أَفَادَتْنَا أُلُوفَ مَعَانِ فَلا تَمهْرَ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ إِنَّهَا ... تُفَارِقُ أَهْلِيْهَا فِرَاقَ لِعَانِ

стр. 2719

وَلا تَطْلُبَاهَا مِنْ سَنَانٍ وَصَارِمِ ... بِيَوْمِ ضِرَابٍ أَوْ بِيَوْمِ طِعَانِ فَإِنْ شِئْتُمَا أَنْ تَخْلَصَا مِنْ أَذَاتِهَا ... مُحِطًا بِهَا الأَثْقَال وَاتبعانِ وقال آخر: أَلا كُلُّ حَيِّ هَالِكٍ وَابْنُ هَالِكٍ وَذُو نَسَبٍ فِي الهَالِكِينَ عَرِيقُ إِذَا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ لَهُ عَنْ عَدُّوٍّ فِي ثِيَابِ صَدِيقِ ... >? آخر: ... هِيَ الدُّنْيَا تَقُولُ بِمِلْءِ فِيهَا ... حَذَارِ حَذَارِ مِنْ فَتْكِي وَبَطْشِي فَلا يَغْرُوكُمَا مِنِّي إِبْتِسَامٌ ... فَقَوْلِي مُضْحِكٌ وَالفعْلُ مُبْكِي آخر: ... أَقُولُ وَيَقْضِي اللَهُ مَا هُوَ قَاضِي ... وَإِنّي بِمَا يَقْضِي الإِلَهُ لَرَاضِي أَرَى الخَلْقَ يَمْضِي وَاحِدٌا بَعدَ واحِدٍ ... فَيا لَيتَني أَدْرِي لِمَا أَنا مَاضِي كَأَن لَم أَكُن حَيًّا إِذا حُثَّ غَاسِلي ... وَأَسْرَعَ لَفَّيْ ثِيابِ بَياضِي أَعْوَامٌ سَرِيعَةُ المُرُورِ، وَشُهُورٌ تَقْتَفِي إِثْرَ شُهُورٍ وَعِبَرٌ بَيْنَ ذَلِكَ تَتْرَى، فَعَلامَ الغُرُورُ، فَلا تَغْتَرُّوا بِالدُّنْيَا فَقَدْ نَهَاكُمْ اللهُ عَنِ الاغْتِرَارِ بِهَا وَضُرِبَتْ لَكُمْ بِأَخْذِ أَمْثَالِكُم الأَمْثَالُ، أَرَتْكُمْ عِيَانًا كَيْفَ تَقَلَّبَتْ بِأَهْلِهَا الأَحْوَالُ، وَخَدَعَتْهُمْ الآمَالُ، حَتَّى انْتَهَتْ لَهُمْ الآجَالُ، قَبْلَ أَنْ يَحْصُلُوا عَلَى مَا سَيَتَمَنَّوْنَهُ مِنْ صَالِحِ الأَعْمَالِ، فَاسْتَيْقِظُوا مِنْ نَوْمِكُمْ، وَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُم عَلَى مَا اكْتَسَبَتْهُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالمَعَاصِي الثِّقالِ، فَأَيُّ نَفْسٍ مِنَّا لَمْ تَحْمِلْ ظُلْمًا، وَأَيُّ جَارِحَةًَ مِنْ جَوَارِحِنَا لَمْ تَقْتَرِفُ إِثْمًا، وَأَيُّ عَمَل مِنْ أَعْمَالِنَا يَلِيقُ بِذَلِكَ المَقَامُ، وَأَيُّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِنَا تَمَحَّضَ لِلطَّاعَةِ وَخَلا مِنَ الآثَامِ، لَقَدْ جَنَيْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا بِالذُّنُوبِ جِنَايَة عَظِيمَةً،

стр. 2720

فَلَيِّنُوا قُلُوبِكُمْ بِذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَاتِ، لَعَلَّهَا تَلِينُ، وَعِظُوهَا بِذِكْرِ القَبْرِ وَفِتْنَتِهِ فَإِنَّهُمَا لَحَقُّ اليقِين، وَذَكِّرُوهَا {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ، {يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} ، {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً} ، {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} شِعْرًا: ... وَفِي دُونِ مَا عَايَنْتَ مِنْ فَجَعَاتِهَا إِلَى دَفْعِهَا دَاعٍ وَبِالزُّهْدِ آمِرُ ج فَجُدَّ وَلا تَغْفَلُ وَكُنْ مُتَيَقِّظًا فَعَمَّا قَلِيلِ يَتْرُكُ الدَّارَ عَامِرُ وَشَمِّرْ وَلا تَفْتُرْ فَعُمْرُكَ زَائِلٌ وَأَنْتَ إِلَى دَارِ الإِقَامَةِ صَائِرُ وَلا تَطْلُبِ الدُّنْيَا فَإِنَّ نَعِيمَهَا وَإِنْ نِلْتَ مِنْهَا غِبَّهُ لَكَ ضَائِرُ أَمَا قَدْ نَرَى فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ يَرُوحُ عَلَيْنَا صَرْفُهَا وَيُبَاكِرُ تَعَاوَرَنَا آفَاتُهَا وَهُمُومُهَا وَكَمْ قَدْ نَرَى يَبْقَى لَهَا المُتَعَاوِرُ فَلا هُوَ مَغْبُوطٌ بِدُنْيَاهُ آمِنٌ وَلا هُوَ عَنْ تَطْلابِهَا النَّفْسَ قَاصِرُ ... >? اللَّهُمَّ أَيْقَظْنَا مِن سَنَةِ الغَفْلَةِ ونَبِّهْنَا لاِغْتِنَامِ أَوقَاتِ المُهْلَةِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا لِكِتَابِكَ مِنَ التَّالِينَ وَلَكَ بِهِ مِنَ العَامِلِينَ وَبِمَا صَرَّفْتَ فِيهِ مِنَ الآيَاتِ مُنْتَفِعِينَ، وَإِلَى لَذِيذِ خِطَابِهِ مُسْتَمِعِينَ، وَلأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ

стр. 2721

خَاضِعِينَ وَبِالأَعْمَالِ مُخْلِصِينَ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدْ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) : وَمِنْ عَلامَاتِ السَّاعَةِ المُتَوَسِّطَةِ مَا أَخْبَرِ بِهِ ﷺ مِنَ الفِتَنِ التِي تَقَعُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرُّ الرَّجُلُ عَلَى القَبْرِ فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا القَبْرِ، وَلَيَْس بِهِ الدِّيْنُ إِلا البَلاءُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. شِعْرًا: ... يَبكِي رِجَالٌ عَلَى الحَيَاةِ وَقَدْ ... اشْتَقْتُ يَا قَوْمِي إِلَى قُرْبِِ الأَجَلْ مِن قَبلِ أَنْ تَعْرُضْ لِقَلْبِي فَتْنَةٌ ... فَتَصْرِفُهُ عَنْ طَاعَةِ المَوْلَى الأجَلْ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيّ ﷺ : «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْتِيَّنَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يَدْرِي القَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَتَلَ، وَلا المَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ» ، وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْعَدَوِيِّ عَنْ يُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: هَاجَتْ رِيحٌ حَمْرَاءُ بِالْكُوفَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ هُجَيْرَا إِلا: يَا عَبْدَ اللَّهِ بنَ مَسْعُودٍ جَاءَتْ السَّاعَةُ، قَالَ: فَقَعَدَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: إِنَّ السَّاعَةَ لا تَقُومُ حَتَّى لا يُقْسَمَ مِيرَاثٌ، وَلا يُفْرَحَ بِغَنِيمَةٍ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَنَحَّاهَا نَحْوَ الشَّامِ، فَقَالَ: عَدُوٌّ يَجْمَعُونَ لأَهْلِ الإِسْلامِ، وَيَجْمَعُ لَهُمْ أَهْلُ الإِسْلامِ. قُلْتُ: الرُّومَ تَعْنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَتَكُونُ عِنْدَ ذَاكُمْ الْقِتَالِ رَدَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَيَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ، لا تَرْجِعُ إِلا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجُزَ بَيْنَهُمْ اللَّيْلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ، لا تَرْجِعُ إِلا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجُزَ بَيْنَهُمْ اللَّيْلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ، لا تَرْجِعُ إِلا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يمسوا،

стр. 2722

فَيَفِيءُ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ كُلُّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، فَإِذَا كَانَ اليوم الرَّابِعِ نَهَدَ إليهمْ بَقِيَّةُ أَهْلِ الإِسْلامِ، فَيَجْعَلُ اللَّهُ الدَّبْرَةَ عَلَيْهِمْ، فَيَقْتَتِلُونَ مَقْتَلَةً، إِمَّا قَالَ: لا يُرَى مِثْلُهَا، وَإِمَّا قَالَ: لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، حَتَّى إِنَّ الطَّائِرَ لَيَمُرُّ بِجَنَبَاتِهِمْ فَمَا يُخَلِّفُهُمْ حَتَّى يَخِرَّ مَيْتًا، فَيَتَعَادُّ بَنُو الأَبِ كَانُوا مِائَةً، فَلا يَجِدُونَهُ بَقِيَ مِنْهُمْ إِلا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ، فَبِأَيِّ غَنِيمَةٍ يُفْرَحُ، أَوْ أَيُّ مِيرَاثٍ يُقَاسَمُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعُوا بِبَأْسٍ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَجَاءَهُمْ الصَّرِيخُ إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَلَفَهُمْ فِي ذَرَارِيِّهِمْ، فَيَرْفُضُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَيُقْبِلُونَ فَيَبْعَثُونَ عَشَرَةَ فَوَارِسَ طَلِيعَةً. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي لأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ، وَأَلْوَانَ خُيُولِهِمْ، هُمْ خَيْرُ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، أَوْ مِنْ خَيْرِ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. شِعْرًا: نَنْسَى المَنَايَا عَلَى أَنَّا لَهَا غَرَضُ فَكَمْ أُنَاسٍ رَأَيْنَاهُمْ قَدِ اِنْقَرَضُوا إِنَّا لَنَرْجُو أُمُورًا نَسْتَعِدُّ لَهَا وَالمَوْتُ دُونَ الَّذِي نَرْجُوهُ مُعْتَرِضُ لِلَّهِ دُرُّ بَنِي الدُّنْيَا لَقَدْ غُبِنُوا لِمَا اطْمَأَنُّوا بِهِ مِنْ جَهْلِهِمْ وَرَضُوا مَا أَربَحَ اللَهُ فِي الدُّنْيَا تِجَارَةَ إِنْـ سَانٍ يَرَى أَنَّهَا مِنْ نَفْسِهِ عِوَضُ لَبِئْسَتِ الدَّارُ دَارًا لا نَرَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِهَا نَاصِحًا لَمْ يَعْدُهُ غَرَضُ ... >?

стр. 2723

.. مَا بَالُ مَنْ عَرَفَ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةَ لا يَنْكَفُ عَنْ عَرَضِ الدُّنْيَا وَيَنْقَبِضُ تَصِحُّ أَقْوَالُ أَقْوَامٍ بِوَصْفِهِمُ وَفِي القُلُوبِ إِذَا كَشَّفتْهَا مَرَضُ وَالنَّاسُ فِي غَفْلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ وَكُلُّهُمْ عَنْ جَدِيدِ الأَرْضِ مُنْقَرِضُ وَالحَادِثَاتُ بِهَا الأَقْدَارُ جَارِيَةٌ وَالمَرْءُ مُرْتَفِعٌ فِيهَا وَمُنْخَفِضُ يَا لَيْتَ شِعْرِي وَقَدْ جَدَّ الرَّحِيلُ بِنَا حَتَّى مَتَى نَحْنُ فِي الغِرَّاتِ نَرْتَكِضُ نَفْسُ الحَكِيمِ إِلَى الْخَيْرَاتِ سَاكِنَةٌ وَقَلبُهُ مِنْ دَوَاعِي الشَرِّ مُنْقَبِضُ اصْبِرْ عَلَى الحَقِّ تَسْتَعذِبْ مَغَبَّتَهُ وَالصَّبْرُ لِلْحَقِّ أَحْيَانًا لَهُ مَضَضُ وَما اِستَرَبْتَ فَكُنْ وَقَّافَةً حَذِرًا قَدْ يُبرَمُ الأَمْرُ أَحْيَانًا فَيَنْتَقِضُ ... >? مَوْعِظَةٌ عِبَادَ اللهِ اتَّقُوا اللهِ وَبَادِرُوا بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ أَنْ يُغْلَقَ عَنْكُمُ البَابَ، وَابْتَدِرُوا الأَوْبَةَ قَبْلَ أَنْ يُرْخَى دُونَكُمْ حِجَابُهَا، وَانْتَهِزُوا فُرَصَ الحَيَاةِ فَقَدْ اقْتَرَبْتْ السَّاعَةُ وَتَضَاعَفَ اقْتِرَابُهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ﴾ فَيَا عِبَادَ اللهِ تَذَكَّرُوا مَوَاقِفَ الخَلائِقِ بَيْنَ يَدَي العَزِيزِ الجَبَّارِ فِي يَوْمِ يُحَرَّرُ فِيهِ الحِسَابُ، وَأَعِدُّوا لِلْحِسَابِ صَوَابَ الجَوَابِ، فَلا بُدَّ أَنْ يُطْلَبُ مِنْكُمْ عَلَى كُلُّ مَسْأَلٍة جَوَابُهَا،

стр. 2724

وَاجْتَنِبُوا التَّسْوِيفَ فَإِنَّ سُيُوفَ المَنِّيَةِ قَاطِعَة، يَا مَعْشَرِ المُسَوِّفِينَ أَظَنَنْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الدُّنْيَا مُخَلَّدُون، وأنتمُ مَعَ العَاصِينَ قَاعِدُونَ، كَمْ مَرَّتْ بِكُمْ مَوَاسِمُ الطَّاعَاتِ، وَأَنْتُمْ عَنِ اسْتِغْلالِهَا بِالبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ رَاقِدُونَ، فَمَا بَالُكَ أَيُّهَا الغَافِلُ تُسَارِعُ فِي مُتَابَعَةِ هَوَاكَ، مَعَ أَنَّكَ فِي العِبَادَةِ مُتَكَاسِل، وَتُتْلَى عَلَيْكَ آيَاتُ مَوْلاكَ وَأَنْتَ عَنْهَا مُعْرِضٌ إِعْرَاضَ الجَاهِلَ تَسْمَعُ المَلاهِي فَتَمِيلُ إليها بِقَلْبِكَ وَتُبْصِرُ المَنَاهِي مِنْ تِلفزيُون وَفِديو وَسِينمَاء وَسَافِرَاتٍ وَصُور فَلا تَتَحَرَّكُ وَلا تَتَمَعَّرَ، هَلْ أَنْتَ مُكَذّبٌ بِالتَّحْرِيم، أَوْ مُتَشَّكِكٌ فِي البَعْثِ وَعَذَاب القَبْرِ وَالحِسَابَ وَالصِّرَاطِ وَالمِيزَانِ، فَيَا مُؤْمِنًا بِيَوْمِ الحِسَابِ تَهَيأ لِلْمُحَاسَبَةِ، وَيَا مُذْعِنًا بِحُقُوقِ الرَّبِ اسْتَعِدَّ لِلْمُطَالَبَةُ وَيَا طَوَيلَ الأَمَلِ كَمْ آمَالٍ أَصْبَحَتْ خَائِبَة، فَكَأنَّكَ بِالمَوْتِ وَقَدْ نَزَلَ بِسَاحَتِكَ وَنَزَلْتَ فِي القَبْرِ مَعَ عَمَلِكَ وَحُشِرْتَ وَعُرِضْتَ عَلَى عَالم سَرِِيرَتِكَ وَعَلانِيَّتِكَ وَكَأَنَّكَ بِالحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالحِسَابِ بَيْنَ يَدَي اللهِ ، وَكَأَنَّكَ بِالأَهْوَالِ وَالمَخَاوُفِ وَقَدْ أَحَاطَتْ وَاشْتَدَّ الخَوْفُ وَالوَجَلُ وَكَأَنَّكَ بِالجَحِيمِ وَقَدْ سُعِّرَتْ وَقَدْ أُزْلِفَتْ، فَالبِدَارَ قَبْلِ انْقِضَاءَ الأَعْمَارِ. شِعْرًا: ... يَا وَيْحَ مَنْ أَنْذَرَهُ شَيْبُهُ ... وَهُوَ عَلَى غَيّ الصِّبَا مُنْكَمِشْ يَعْشُوا إِلَى نَارِ الهَوَى بَعْدَمَا ... أَصْبَحَ مِنْ ضُعْفَ القُوَى يَرْتَعِشْ لَمْ يَهَبِ الشَّيْبَ الذِي مَا رَأَى ... نُجُومَهُ ذُو اللُّبِ إِلا ارْتَعَشْ فَذَاكَ إِنْ مَاتَ فَسُحْقًا لَهُ ... وَإِنْ يَعِشْ عُدَّ كَمَنْ لَمْ يَعِشْ فَهَاكَ كَأْسُ النُّصْحِ فَاشْرَبْ وَجُدْ ... بِفَضْلِهِ الكَأْسِ عَلَى مَنْ عَطِشْ آخر: ... تَجرّدْ مِنَ الدّنيا فإنّك إنّما ... خَرجْتَ إلى الدُّنيا وأنتَ مُجَرَّدُ وَتُبْ مِنْ ذُنُوبٍ مُوبِقَاتٍ جَنَيْتَهَا ... فَمَا أَنْتَ فِي دُنْيَاكَ هَذِي مُخَلَّدُ آخر: ... وَمِنْ عَجَبِ الدُّنْيَا كُوني وَصَبْوَتِي ... إليها عَلَى سِنِّي كَأَنّي وَلِيدُهَا أُجَارِي اللَّيَالِي لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ ... مُشِيحًا كَأَنِّي تِرْبُهَا وَطَرِيدُهَا اللَّهُمَّ اهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَوَفِّقْنَا لِلْفِقْهِ فِي دِينِكَ القَوِيمِ،

стр. 2725

واجعلنا مِنَ العَامِلِينَ بِهِ قَوْلاً وَفِعْلاً الدَّاعِينَ إليه، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. موعظة: عِبَادَ اللهِ مَا نَدمَ مَنْ أَطَاعَ اللهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ، وَلا عَادَتْ الطَّاعَاتُ عَلَى صَاحِبِهَا إِلا بِالخَيْرِ وَالبَرَكَةِ فِي كُلِّ آنٍ، وَالعُصَاةُ فِي كُلِّ زَمَنٍ هُمْ المَمْقُتُونَ مَهْمَا ابْتَسَمْتْ لَهُمْ الدُّنْيَا وَقَضُوا فِيهَا بَعْضَ مَآرِبِهِمْ، وَمَهْمَا هَامُوا بِحُبِّهَا وَأَحْكَمُوا أَسَالِيبَ جَمْعِهَا، فَإِنَّ الدُّنْيَا لا تَبْتَسِمُ لِفَاسِقٍ إِلا لِتَسْحَقَهُ، وَلا تَفْتَحُ ذِرَاعَيْهَا لِمُقْبِلٍ عَلَيْهَا إِلا لِتُحْرِقَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ فَمَاذَا غَرَّكَ فِيهَا أَيُّهَا المِسْكِينُ، إِنْ كَانَ الذِي غَرَّكَ فِيهَا كَثْرَةُ النَّقْدَيْنِ أَوْ مَا نَابَ مَنَابَهُمَا مِنْ أَوْرَاقٍ، فَإِنَّ الجَنَّةَ حَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ، وَتُرَابُها الزَّعْفَرَانُ، وَبِنَاؤُهَا الذَّهَبُ وَالفِضَّةُ، وَالدُّرُ وَاليَاقُوتُ، وَإِنْ كَانَ الذِي غَرَّكَ مِنْهَا فَوَاكِهُهَا وَمَطْعُومَاتِهَا وَمَا حَوْتَ مِنْ مَتَاعٍ، فَإِنَّ فِي الجَنَّةِ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَإِنْ كَانَ الذِي غَرَّكَ جَمَالُ نِسَائِهَا، فَإِنَّ فِي الجَنَّةِ: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ ، ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾ لَوْ ظَهَرَ بَنَانُ إِحْدَاهُنَّ عَلَى الدُّنْيَا لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ فِي خَدِّهَا أَصْفَى مِنَ المِرْآةِ، وَتُسَرُّ بِمُشَاهَدَتِهَا سُرُورًا لا يَعْلَمُ قَدْرَهُ إِلا اللهُ، لا تَنْظُرُ إِلا إليها وَلا تَنْظُرُ إِلا إليك، لا تَتَكَلَّمْ إِلا بِمَا يَسُرُّكَ، تَأْمُرُهَا فَتَخْضَعُ، وَتُحَدِثُّهَا فَتَسْمَعُ، إِذَا تَكَلَّمَتْ أَطْرَبَتْ، لا تَفْتَخِرُ عَلَيْكَ بِحُسْنِهَا وَجَمَالِهَا، وَلا تَمُنُّ بِجَمِيلِ صُنْعِهَا، لا تَنْفُرُ مِنْكَ وَلا تَغْضَبُ، وَلا تَلْهُو عَنْكَ وَلا تَصْخَبُ، الجَمَالُ كِسَاؤُهَا، وَالكَمالُ رِدَاؤُهَا، وَالوُدُّ وَالوَفَاءُ مِنْ طَبْعِهَا، لا يَعْلُو صَوْتُهَا عَلَى صَوْتِكَ، وَلا تَجْتَهِدُ إِلا فِي مَرْضَاتِكَ، هَادِئَةً، سَاكِنَةً رَاضِيَةً. تِلْكَ وَأْمَثالُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ المَعْلُومِينَ، مِن قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾

стр. 2726

إلى قوله: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أَيُّهَا المسلمون، لَقَدْ فَازَ وَالله مِنِ اجْتَهَدَ فِيمَا يُنَجِّيهِ، وَخَابَ مَنْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ فِيمَا يُخْزِيهِ، وَأَنْتُم الآنَ في فُسْحَةٍ مِنْ أَجَلِكُمْ، وَصِحَّةٍ مِنْ أَبْدَانِكُمْ، وَاكْتِمَالٍ مِنْ عُقُولِكُمْ، وَآخِرُ الأَجَلِ غَائِبٌ عَنْكُمْ، وَلا تَدْرُونَ كَيْفَ حَالُكُم بَعْدَ يَوْمِكم فَسَارِعُوا {إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ} مِنْ قَبْلِ أَنْ يَفْقِدَ البَدَنُ صِحَّتَهُ، وَيَقُولُ الحَقُّ كَلِمَتَهُ، فَيَنْقَضِي الأَجَلُ، وَيُخْتَمُ عَلَى العَمَلِ، فَلا يُنْقَصُ فِيهِ وَلا يُزَادُ، وَلا يُعَدَّلُ فِيهِ شَيْءٍ إِلَى المَعَادِ، تَقُولُ: لَيْتَنِي أَطَعْتُ، وَمَا هِي بِنَافِعَةٍ، وَلَيْتَنِي مَا عَصَيْتُ، وَلَيْسَتْ بِدَافِعَةٍ، إِذًا فَأَضْيَعُ النَّاسِ وَأَخْسَرُهم صَفْقَةً مَنْ سَوَّفَ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ، وَأَشَدُّهُمْ خُسْرَانًا مَنْ لَمْ يُبَادِرْ فِي التَّوْبَةِ مِنْ ذَنْبِهِ، قَالَ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} وَفِي الحَدِيثِ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» . رَوَاهُ البُخَارِيّ. إِلَى اللهِ تُبْ قَبْلَ انْقِضَا زَمَنِ العُمْرِ ... ???? ... أُخَيَّ وَلا تَأْمَنْ مُسَاوَرَةَ الدَّهْرِ ... ???? ... لَقْدَ حَدَّثْتَكَ الحَادِثَاتِ نُزُولَهَا ... ???? ... وَنَادَتْكَ إَلا أَنَّ سَمْعَكَ ذُو وَقْرِ ج ... ???? ... تَنُوحُ وَتَبْكِي لِلأَحِبَّةِ أَنْ مَضُوا ... ???? ... وَنَفَسَكَ لا تَبْكِي وَأَنْتَ عَلَى الأَثْرِ جج ... >? ... ???? آخر: ... وَمَا حَالاتُنَا إِلا ثَلاثُ ... شَبَابٌ ثُمَّ شَيْبٌ ثُمَّ مَوْتُ وَآخِرُ مَا يُسَمَّى المَرْءُ شَيْخًا ... وَيَتْلُوهُ مِنْ الأَسْمَاءِ مَيْتُ آخر: ... إِنِّي أَبُثُّكَ مِنْ حَدِيثِي ... وَالحَدِيثُ لَهُ شُجُونْ غَيَّرْتُ مَوْضِعَ مَرْقَدِي ... لَيْلاً فَفَارَقَنِي السُّكُونْ

стр. 2727

ججج قُلْ لِي فَأَوَّلُ لَيْلَةٍ ... فِي القَبْرِ كَيْفَ تَرَى تَكُونُ آخر: ... فَبَادِرْ إِلَى الخَيْرَاتِ قَبْلَ فَوَاتِهَا ... وَخَالِفْ مُرَادَ النَّفْسِ قَبْلَ مَمَاتِهَا سَتَبْكِي نُفُوسٌ فِي القِيَامَةِ حَسْرَةً ... عَلَى فَوْتِ أَوْقَاتٍ زَمَانَ حَيَاتِهَا فَلا تَغْتَرِرْ بِالعِزِّ وَالمَالَ وَالمُنَى ... فَكَمْ قَدْ بُليْنَا بِانْقَلابِ صِفَاتِهَا آخر: ... إِذَا مَرِضْنَا نَوَيْنَا كُلَّ صَالِحَةٍ وَإِنْ شُفِينَا فَمِنَّا الزَّيْغُ وَالزَّلَلُ نُرْضِي الإلَهَ إِذَا خِفْنَا وَنُسْخِطُهُ إِذَا أَمِنَّا فَمَا يَزْكُوا لَنَا عَمَلُ ... >? اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِسَبِيلِ الطَّاعَةِ، وَثَبِّتْنَا عَلَى إِتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَلا تَجْعَلَنَا مِمَّنْ عَرَفَ الحَقَّ وَأَضَاعَهُ، وَاخْتِمْ لَنَا بِخَيْرٍ مِنْكَ يَا كَرِيمُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) في ذكر بعض الأحاديث التي وردت في الفتن وما يقع في آخرالزمان عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّهُ قاَلَ: إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكم أَن يَعْلَم أَصَابَتْهُ الفِتْنَة أَمْ لا؟ فَلْيَنْظُرْ فَإْنِ كَانَ رَأَى حَلالاً كَانَ يَرَاهُ حَرَامًا فَقَدْ أَصَابَتْهُ الفِتْنَةُ، وَإِنْ كَانَ يَرَى حَرَامًا يَرَاهُ حَلالاً فَقَدْ أَصَابَتْهُ. رَوَاهُ الحَاكِمُ. وَعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا فَزِعًا، مُحْمَرًا وَجْهُهُ، يَقُولُ: «لا إِلَهَ إِلا الله، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليوم مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوَجَ مِثْلُ هَذِهِ» وَحَلَّقَ بأصْبُعِهِ الإِبْهَامَ وَالتِّي تَلِيهَا، قَالَتْ: فَقُلْتَ: يَا رَسُولَ اللهِ

стр. 2728

أَنَهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالبُخَارِيّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذيّ، وَابْنُ مَاجِة. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، يَبِيعُ قَوْمٌ دِينَهُم بِعَرضٍ مِنَ الدُّنْيَا» . رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ عَبْدُ اللهِ بنِ عَمْرُو ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ يُفَارِقُ فِيهَا الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ، تَطِيرُ الفِتْنَةُ فِي قُلُوبِ رِجَالٍ مِنْهُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، حَتَّى يُعَيَّرَ الرَّجُلُ فِيهَا بِصَلاتِهِ، كَمَا تُعَيَّرُ الزَّانِيَةُ بِزِنَاهَا» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِي. قُلْتُ: وَهَذَا الحَدِيثُ فِيهِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلامِ نُبَوَّتِهِ ﷺ وَصِدْقِ رِسَالَتِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ وَقَعَ مَا ذُكِرَ فَفَارَقَ رِجَالٌ آبِاءهُم بِسَبِبِ فِتْنَةِ التلفزيون، وَبِسَبَبِ فِتْنَةِ الكُرَةِ، فَارَقَ رِجَالٌ آبَاءهمُ وَإِخْوانهُم وَزَوْجَاتِهِمْ، نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَعْصِمَنَا مِنْهَا، وَوَقَعَ فِي زَمَانِنَا أَيْضًا أُنَاسٌ يَتَهَكَمُونَ وَيَسْخَرُونَ بِالمُصَلِّينَ، وَمَنْ عَلَيْهَا سِيِّمَا الصَّالِحِينَ مِنْ إِعْفَاءِ لِحْيَةٍ، وَاقْتِنَاءِ كُتُبِ السَّلَفِ، وَكَثرةِ تَلاوَةٍ لِكَلامِ اللهِ، وَالبُخَارِيّ وَمُسْلِم، وَيَرْمُونَهُم بِأَنَّهُم رَجْعِيُّونَ وَمُتَأَخِّرُونَ وَمُنْحَطُّونَ، وَضِدَّهُمْ مِمَّنْ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةِ، حَالِقي اللِّحَى، شُرَّابِ الدُّخَانِ، أَهْلِ الخَنَافِسِ وَالتَّوَالِيتَ، يُسَمُّونَهُم المُتَمَدِّنِينَ المُثَقَّفِينَ، وَهَذَا انْعِكَاسٌ نَسْأَلُ اللهَ العَافِيَةَ وَالثَّبَاتَ عَلَى الإِسْلام ﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ، ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ .

стр. 2729

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدَرِيّ ﵁ قَالَ: بَيْنَا أَعْرَابِيٌّ فِي بَعْضِ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ فِي غَنَمٍ لَهُ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ فَأَخَذَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، فَأَدْرَكَهُ الأَعْرَابِيُّ فَاسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ وَهَجْهَجَهُ فَعَانَدَهُ الذِّئْبُ يَمْشِي، ثُمَّ أَقْعَى مُسْتَثْفِرًا بِذَنَبِهِ يُخَاطِبُهُ، فَقَالَ: أَخَذْتَ رِزْقًا رَزَقَنِيهِ اللَّهُ، قَالَ: وَاعَجَبًا مِنْ ذِئْبٍ مُقْعٍ مُسْتَثْفِرٍ بِذَنَبِهِ يُخَاطِبُنِي، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَتْرُكُ أَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَمَا أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّخْلَتَيْنِ بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ، يُحَدِّثُ النَّاسَ عَنْ نَبَإِ مَا قَدْ سَبَقَ وَمَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ: فَنَعَقَ الأَعْرَابِيُّ بِغَنَمِهِ، حَتَّى أَلْجَأَهَا إِلَى بَعْضِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى ضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ، فَلَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «أَيْنَ الأَعْرَابِيُّ صَاحِبُ الْغَنَمِ» فَقَامَ الأَعْرَابِيُّ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «حَدِّثْ النَّاسَ بِمَا سَمِعْتَ، وَبمَا رَأَيْتَ» فَحَدَّثَ الأَعْرَابِيُّ النَّاسَ بِمَا رَأَى مِنْ الذِّئْبِ، ومَا سَمِعَ مِنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «صَدَقَ آيَاتٌ تَكُونُ قَبْلَ السَّاعَةِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ أَحَدُكُمْ مِنْ أَهْلِهِ فَتُخْبِرَهُ نَعْلُهُ أَوْ سَبوطُهُ أَوْ عَصَاهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ» . رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَعَنْ سَهْل بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ لا يُدْرِكْنِي زَمَانٌ أَوْ لا تُدْرِكُوا زَمَانًا لا يُتْبَعُ فِيهِ العَلِِيم، وَلا يُسْتَحْيَ فِيهِ مِنَ الحَلِيمِ، قُلُوبُهُم قُلُوبُ الأَعَاجِمِ، وَأَلْسِنَتُهُمْ أَلْسِنَةُ العَرَبِ» . رَوَاهُ أَحْمَدَ. وَعَنْ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا

стр. 2730

نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادٌ كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلا مَا أُشْرِبَهُ مِنْ هَوَاهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ. وعن عبدِ اللهِ بن عَمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا عَنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ الفِتَنَ فَأَكْثَرَ فِي ذِكْرَهَا حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الأَحْلاسِ قَالَ: «هِيَ هَرَبٌ وَحَرْبٌ» ، ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ: «دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمِيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِي يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي وَلَيْسِ مِنِّي، وَإِنَّمَا أَوْلِيَائِي المُتَّقُونَ، ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرْكٍ عَلَى ضَلْعٍ، ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاء: «لا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلا لَطِمَتْهُ لَطْمَةً، فَإِذَا قِيلَ انْقَضَتْ تَمَادَتْ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، حَتَّى يَصِيرُ النَّاسُ عَلَى فِسْطَاطَيْنِ، فَسْطَاطِ إِيمَانٍ لا نِفَاقَ فِيهِ، وَفِسْطَاطَ نِفَاقَ لا إِيمَانَ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ ذَاكُمْ فَانْتَظِرُوا الدَّجَالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ غَدِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالحَاكِمُ. وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، وَتَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَة عَظِيمَةٌ، وَدَعْوَاهُمَا وَاِحدَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَنْقُلُ لَبِنَ الْمَسْجِدِ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَكَانَ عَمَّارٌ يَنْقُلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَمَسَحَ عَنْ رَأْسِهِ الْغُبَارَ وَقَالَ: «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ» . رَوَاهُ البُخَارِيّ.

стр. 2731

وعن حَبَّةَ العُرَنِي قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ أَبِي مسْعُودٍ الأَنْصَارِيّ عَلَى حُذَيْفَةَ بنِ اليمَانِ ﵁ أَسْأَلُهُ عَنِ الفِتَنِ فَقَالَ: دُورُوا مَعَ كِتَابَ اللهِ حَيْثُ ما دَارَ، وَانْظُرُوا الفِئَة التِي فِيهَا ابْنُ سُمَيَّةِ فَاتبعُوهَا، فَإِنَّهُ يَدُورُ مَعَ كِتَابَ اللهِ حَيْثُ مَا دَارَ، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: وَمَنْ ابْنُ سُمَيَّة؟ قَالَ: عَمَّارُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَقْتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، تَشْرَبُ شَرْبَةَ ضِيَاحٍ تَكنْ آخِرَ رِزْقَكَ مِنَ الدُّنْيَا» . رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: صَحِيحٌ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودِ ﵁ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فَابْنُ سُمَيَّةَ مَعَ الحَقِّ» . رَوَاهُ الطَّبَرِانِي، وَالبَيْهَقِي. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَبْشِرْ يَا عَمَّارُ، تَقْتُلَكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. قُلْتث: وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثُ عَلَمٌ مِنْ أَعْلامِ نُبُوَّتِهِ ﷺ ، وَصِدْقِ رِسَالَتِهِ، وَمَزِيَّةً لَعَلِيّ وَلِعَمَّارٍ ﵄ وَهُوَ أَنَّهُمَا مَعَ الحَقَّ. وَعَنْ إِسْرَائِيلَ بنَ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنْ - يَعْنِي البَصْرِيّ - يَقُولُ: اسْتَقْبَلَ واللهِ الحَسَنُ بنُ عَلِيّ مُعَاوِيَةَ بِكَتَائِبَ أَمْثَالَ الجِبَالِ، فَقَالَ عَمْرُو بنُ العَاصِ: إِنِّي لأَرَى كَتَائِبَ لا تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة - وَكَانَ وَاللهِ خَيْرَ الرَّجَلُيْنِ -: أَيْ عَمْرُو إِنْ قَتَلَ هَؤُلاءِ هَؤُلاءِ، وَهَؤُلاءِ هَؤُلاءِ مَنْ لِي بِأُمُورِ النَّاسِ، مَنْ لِي بِنَسَائِهِم، مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ فَبَعَثَ إليه رَجُلَيْنِ مَنْ قُرَيْش مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ سُمْرَة، وَعَبْدِ اللهِ بن عَامِر بنِ كُريز، فقالَ: اذْهَبَا إَلَى هَذَا الرَّجُل

стр. 2732

فَاعْرِضَا عَلَيْهِ، وَقُولا لَهُ، وَاطْلُبَا إليه، فَأَتَيَاهُ فَدَخَلا عَلَيْهَ فَتَكَلَّمَا وَقَالا لَهُ، وَطَلَبَا إليه، فَقَالَ لَهُمَا الحَسَنُ بنُ عَلِيّ: إِنَّا بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا المَالِ، وَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّة قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا، قَالا: فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا، وَيَطْلُبَ إليك وَيَسْأَلُكَ، قَالَ: فَمَنْ لَي بِهَذَا؟ قَالا: نَحْنُ لَكَ بِهَ، فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلا قَالا: نَحْنُ لَكَ بِهِ. فَصَالَحَهُ، فَقَالَ الحَسَنُ - أَيْ البَصْرِيّ -: وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ ﵁ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ وَالحَسَنُ بنُ عَلِيّ ﵄ إِلَى جَنْبِهَ، وَهُوِ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى، وَيَقُولُ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بِيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ المُسْلِمِينَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالبُخَارِيّ. وَفِي هَذَا الخَبَرِ أَيْضًا مُعْجزَةٌ حَيْثُ وَقَعَ مِصْدَاقُهُ بِمَا كَانَ مِنْ إِصْلاحِ الحَسَنِ بَيْنَ أَهْلِ العِرَاقِ وَأَهْلِ الشَّامِ. شِعْرًا: ... نَهَارُكَ فِي بَحْرِ السَّفَاهَةِ تَسْبَحُ وَلَيْلُكَ عَن ْنَوْمِ الرَّفَاهَةِ يُصْبِحُ وَفِي لَفْظِكَ الدَّعْوَى وَلَيْسَ إِزَاؤُهَا مِنَ العَمَلِ الزَّاكِي دَلِيلٌ مُصَحَّحُ إِذَا لَمْ تُوَافِقْ قَوْلةً مِنْكَ فِعْلَةٌ فَفِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ حَدِيثِكَ تَفْضَحُ تَنَحَّ عَنِ الغَايَاتِ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا طَرِيقُ الهُوِينَا فِي سُلُوكِكَ أَوْضَحُ ... >?

стр. 2733

.. إِذَا كُنْتَ فِي سِنِّ النَّهْي غَيْرَ صَالِحٍ فَفِي أَيّ سِنِّ بَعْدَ ذَلِكَ تَصْلَحُ ... >? اللَّهُمَّ افْتَحْ لِدُعَائِنَا بَابَ القَبُولِ وَالإِجَابَة، وَارْزُقْنَا صِدْقَ التَّوْبَةِ وَحُسْنَ الإِنَابَةِ، وَيَسِّرْنَا لِلْيُسْرَى وَجَنِّبْنَا العُسْرَى، وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وعلى آله وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. خطبة في ذَمِّ الفِتن لأَحَدِ العُلماء رحمةُ الله عليه الحمد الله الذي ألبس من شاء من عباده ملابس الهداية والتوفيق وألزمهم كلمة التقوى فصارت الطاعة لهم خير أنيس ورفيق. وألهمهم شغل أوقاتهم بالخير فصرفوا كل وقت لما هو به خليق. أحمده حمدًا تفرج به الكروب ويتسع به المضيق، وأشكره شكر عبد إذا سمع المواعظ يفيق. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبد لاذ بجنابه فنجاه من كل كرب وضيق، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله أفضل الخلق ذا النسب العريق اللَّهُمَّ صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه خير عشيرة ورفيق. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن الفتنة نار شديد حزامها جائرة أحكامها، مسمومة سهامها، ممقوتة أيامها، داعية إلى الشرك أعلامها، تغير النعم وتعجل النقم وتقطع التواصل وَتُصَيِّرُ أَهْلَهَا إِلَى التَّبَاغُضِ وَالتدابرَ أو التَّخَاذُلِ يُطْلِعُ الشَّيْطَانُ فِيهَا رأسه، وَيَبَثُّ بها في القلوب وسْوَاسَه فَيَجْعَلُ الآراءَ حَائِرَةْ وَالأحكامَ جَائِرَة

стр. 2734

وَالأهواءَ مُخْتلفةْ وَالأحقادَ مُكْتَنِفَةْ وَجَمَرَاتِ الفُؤَادِ مُوَقَّدَةْ وَطُرُقَاتِ الرَّشَاِد مُؤْصَدَةُ حتى يكون القريب بعيدًا وذُو الأهل والعشيرة وحيدًا. وهل هي إلا نار وقودها الغضب ومذكيها الهوى وطاعة الشيطان والصخب وقادحها الجهل واللعب ومؤججها العناد والكذب وموقدها الأديان والأنفس والأموال ومآل أهلها أشر مآل تصير الديار بلا وقع وتعجز خروقها الراقع موقظها ملعون وقاتلها ومقتولها إلى النار والهون تطمع العدو في أهلها وتقطع المودة من أصلها تقطع سبل الولد والمال وتصير أهلها إلى سوء حال ليلهم سهر ونهارهم كدر. فالله عباد الله أن يوري الشيطان بينكم زنادها أو يورد قلوبكم أقبح ميرادها فيظفر منكم بخبث السرائر ويطحنكم بدواهي الجوائر، ثم تبوءوا في الدنيا بعارها وشارها وفي الآخرة بخسارتها ونارها، ولا تلتذوا في العاجلة بشرب عقارها فتندموا في الآخرة غب إخمارها واحذروا أن تَسْلُكُوا من الفتن سبلها وألزموا كلمة التقوى. وكونوا أحق بها وأهلها وذروا نخوة الحمية ودعوة الجاهلية فقد جعلكم الله بالإسلام إخوانًا وأمركم أن تكونوا على البر والتقوى أعوانًا ولا تكونوا كالذين أرجأوا العمل بسوف وحتى بأسهم بَيْنَهُمْ شديد تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى فقد سمعتم ما وصف الله به نبيه المختار وأصحابه الخيرة الأبرار حين ضرب لهم في كتابه مثلاً وأمركم باتباعه قولاً وعملاً فقال ﷻ : ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ .. إلخ الآية. وقال ?: «إن من الناس أناسًا مفاتيح للخير مغاليق للشر، ومن الناس أناسًا مغاليق للخير مفاتيح للشر، فطوبى لمن جعله الله مفتاحًا للخير وويل لمن كان مغلاقًا للخير مفتاحًا للشر» . وقال ?: «الفتنة راقدة لعن الله موقظها» ، وقال ?:

стр. 2735

«إذا التقى المسلمون بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار» ، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» . وقال ?: «يأتي المقتول يوم القيامة تشخب أوداجه دمًا متعلقًا بالقاتل يقول: يا رب سل عبدك هذا فيم قتلني» . وقال ? في حديث أبي موسى الأشعري: «يكون في آخر الزمن فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا وَيُمْسِي كافرًا، وَيُمْسِي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا» . إن الفتنة أشد من القتل فهي داء ممزوج بالمرارة شاربها وسفينة غارقة في الهلاك راكبها ونار محرقة بلهيبها موقدها ما تحملها قوم إلا ندموا عليها ولا أضرم نارها أحد إلا وقع فيها وهل يضرمها إلا كل سفيه جاهل ولا يصطليها إلا كل حليم عاقل. فتأكل بلهبها أموالهم وتسلم إلى المقابر أبطالهم يهرع إلى أهلها من كل دار شيطانها ويصبح لهم في كل رأس أجواؤها فحينئذٍ تكون الغلبة للشياطين وتكون الظلمة عليهم سلاطين فيؤمِّرون سفهاءهم فيضلون ويخالفون رأي عقالهم فيهلكون أو يَضْمَحِلًُّون. جعلني الله وإياكم ممن أفاق لنفسه وفاق بالتحفظ أبناء جسنه وأعد عدة تصلح لرمسه واستدرك في يومه ما ضيعه في أمسه إن أحلى ما وعظ به الواعظون وتلذذ لخطابه المستمعون كلام من نحن لعفوه وكرمه مؤملون والله تعالى يقول وبقوله يهتدي المهتدون: ﴿فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الآيات بارك الله لي ولكم. اللَّهُمَّ هَبْ لَنَا مَا وَهَبْتَهُ لأَوْلِيَائِكَ وَتَوَّفَنَا وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا وَقَدْ قَبِلْتَ اليسِيرَ مِنَّا وَاجْعَلْنَا يَا مَوْلانَا مِنْ عِبَادِكَ الذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيهِمْ ولا هُمُ يَحْزَنُونَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
следующие страницы →