Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
وَهُمْ الْبَكَّاءُونَ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزْنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ.
وَأُطْلِقَ عَلَى الْجَيْشِ جَيْشَ الْعُسْرَةِ عِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَاحْتِسَابِ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ.
فَهَبَّ الْمُسْلِمُونَ يَسْتَجِيبُونَ لِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ فِي طَلِيعَةِ الْمُتَصَدِّقينَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ فَتَصَدَّقَ بِمَائتي أَوْقِيَّةٍ ذَهَبًا فَقَالَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي لا أَرَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوْفِ إِلا مُرْتَكِبًا إِثْمًا فَمَا تَرَكَ لأَهْلِهِ شَيْئًا.
فَقَالَ الرَّسُول ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: ((هَلْ تَرَكْتَ لأَهْلِكَ شَيْئًا)) ؟ فَقَالَ: نَعَمْ تَرَكْتُ لَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّا أَنْفَقْتُ وَأَطْيَبُ. قَالَ: ((كَمْ)) ؟ قَالَ: مَا وَعَدَ اللهُ وَرَسُولَهُ مِنْ الرِّزْقِ وَالْخَيْرِ وَالأَجْرِ.
وَمَضَى الْجَيْشُ إِلى تَبُوكَ وَهَنَاكَ أَكْرَمَ اللهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ فَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلاةِ وَرَسُولِ اللهِ ﷺ غَائِبٌ فَأَمَّ الْمُسْلِمِينَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ وَمَا كَادَتْ تَتِمُّ الرَّكْعَةُ الأُولَى حَتَّى لَحِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمُصَلِّينَ وَاقْتَدَى بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ وَصَلَّى خَلْفَهُ.
وَلَمَّا لَحِقَ النَّبِيُّ ﷺ بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى جَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ يَقُومُ بِمَصَالِحِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَكَانَ يَنْهَضُ مَعَهُنَّ وَيَخْرُجُ لِحَاجَتِهِنَّ إِذَا خَرَجْنَ وَيَحُجُّ مَعَهُنَّ إِذَا حَجَجْنَ وَيَجْعَلُ عَلَى هَوَادِجِهِنَّ الطَّيَالِسَةُ وَيَنْزِلُ بِهِنَّ فِي الأَمَاكِنِ الَّتِي تَسُرُّهُنَّ.
وَتِلْكَ مَنْقَبَةٌ مِنْ مَنَاقِبِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ وَلَقَدْ بَلَغَ مِنْ بَرِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ بِالْمُسْلِمِينَ وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ بَاعَ أَرْضًا بَأَرْبَعِينَ أَلْفِ
стр. 3292
دِينَارٍ فَقَسَمَهَا كُلَّهَا فِي بَنِي زُهْرَةَ وَفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا بَعَثَ إِلى أَمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَنْ بَعَثَ هَذَا الْمَالَ؟ فَقِيلَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ. فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهُ ﷺ : ((لا يَحْنُوا عَلَيْكُنَّ مِنْ بَعْدِي إِلا الصَّابِرُونَ)) .
بَقِيتْ دَعْوةُ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ بَأَنْ يُبَارِكَ اللهُ لَهُ حَتَّى صَارَ أَغْنَى الصَّحَابَةِ فَقَدْ أَخَذَتْ تِجَارَتهُ تَنْمُو وَتَزْدَادُ وَصَارَتْ قَوَافِلُه تَتَرَدَّدُ ذَاهِبَةً مِنْ الْمَدِينَةِ أَوْ رَاجِعَةً إِلَيْهَا تَحْمِلُ الْبُرَّ وَالدَّقِيقَ وَالدُّهْنَ وَالثِّيَابَ وَالآنِيَةَ وَالطِّيْبَ وَكُلَّ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ.
وَلا غَرَابَةَ فَقَدْ دَعَا لَهُ النَّبِيِّ ﷺ بَأَنْ يُبَارَكَ لَهُ فِي مَالِهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ الْمَالَ لَمْ يَفتِنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَلَمْ يُغَيِّرهُ فَكَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوهُ بَيْنَ مَمَالِيكِه لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ وَفِي يَوْمٍ مَا أُتِيَ بِطَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ قُتِلَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرِ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي فَمَا وَجَدْنَا لَهُ إِلا كَفنًا إِنْ غَطَّى رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلاهُ وَإِنْ غَطَّى رِجْلِيهِ بَدَا رَأْسُهُ ثُمَّ بَسَطَ اللهُ لَنَا مِنْ الدُّنْيَا مَا بَسَطَ وَإِنِّي لأَخْشَى أَنْ يَكُونَ ثَوَابُنَا قَدْ عُجِّلَ لَنَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي وَيَنْشَجُ حَتَّى عَافَ الطَّعَامَ طُوبَى لِعَبْدِ الرَّحْمَن بن عَوْفٍ وَأَلْفُ غِبْطَةٍ.
فَقَدْ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ وَحَمَل جَنَازَتَه خَالُ رَسُولِ اللهِ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ.
وَصَلَّى عَلَيْهِ ذُو النُّورَيْنِ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانٍ وَشَيَّعَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِّي بنْ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ يَقُولُ: لَقَدْ أَدْرَكْتَ صَفْوَهَا وَسَبَقْتَ زَيْفَهَا يَرْحَمُكَ اللهُ. انْتَهَى.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا مَنْ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ مَكِّنْ مَحَبَّتَكَ فِي قُلُوبِنَا
стр. 3293
وَقَوِّهَا وألْهِمْنَا ذِكرَكَ وَشُكْرَكَ وَأَعِنَّا عَلَى الْقِيَامِ بِطَاعَتِكَ وَالاِنْتِهَاءِ عَنْ مَعْصِيَتِكَ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِدُعَائِنَا بَابَ الْقُبُولِ وَالإِجَابَةِ فَإِنَّا نَدْعُوكَ دُعَاءَ مَنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ وَتَصَرَّمَتْ آمَالِهِ وَبَقِيَتْ آثَامُهِ وَانْسَبَلَتْ دِمْعَتُه وَانْقَطَعَتْ مُدَّتُهُ دُعَاءَ مَنْ لا يَرْجُو لِذَنْبِهِ غَافِرًا غَيْرَكَ وَلا لِمَا يُؤْمِّلُهُ مِنْ الْخَيْرَاتِ مُعْطِيًا سِوَاكَ، وَلا لِكَسْرِهِ جَابِرًا إِلا أَنْتَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
الْمَوْتُ يَفْجَعُ بَعْدَ الْعَيْنِ بِالأَثْرِ ... فَمَا الْبُكَاءُ عَلَى الأَشْبَاحِ وَالصُّورِ
أَنْهَاكَ أَنْهَاكَ لا آلُوكَ مَوْعِظَةً ... عَنْ نَوْمَةٍ نَابَ اللَّيْثِ وَالظُّفُرِ
فَالْعُمُر يَفْنِى وَإِنْ طَالَتْ مُسَالَمَةً ... وَالْبَيْضُ وَالسُّودُ مِثْلَ الْبِيضِ وَالسَّمُرِ
وَلا هَوَادَةَ بَيْنَ الرَّأْسِ تَأْخُذُهُ ... يَدُ الضِّرَابِ وَبَيْنِ الصَّارِمِ الذَّكْرِ
فَلا تَغُرَّنْكَ مِنْ دُنْيَاكَ نَوْمَتُهَا ... فَمَا صِنَاعَةُ عَيْنَيِهَا سِوَى السَّهَرِ
مَا لِلَّيالِي أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَنا ... مِنَ اللَّيَالِي وَغَالَتْهَا يَدُ الْغِيَرِ
فِي كُلِّ حِينٍ لَهَا فِي كُلِّ جَارِحَةٍ ... مِنَّا جِرَاحٌ وَإِنْ زَاغَتْ عَنِ النَّظَرِ
تَسُرُّ بِالشَّيْءِ لَكِنْ كَيْ تَغُرَّ بِهِ ... كَالأَيْمِ ثَارَ إِلى الْجَانِي مِنَ الزَّهْرِ
كَمْ دَوْلَةٍ وُلِّيَتْ بِالنَّصْرِ خَدْمَتُهَا ... لَمْ تَبْقَ مِنْهَا وَسَلْ دُنْيَاكَ عَنْ خَبَرِ
هَوَتْ بِدَارًا وَفَلَّْت غَرْبَ قَاتِلِهِ ... وَكَانَ غَصْبًا عَلَى الأَمْلاكِ ذَا أَثَرِ
وَاِسْتَرْجَعَتَ مِنْ بَنِي سَاسَانَ مَا وَهَبَتْ ... وَلَمْ تَدَعْ لِبَنِي يُونَانَ مِنْ أَثَرِ
وَأَلْحَقَتْ أُخْتَهَا طَمْسًا وَعَادَ عَلَى ... عَادٍ وَجُرْهُمْ مِنْهَا نَاقِضُ الْمِرَرِ
وَمَا أَقَالَتْ ذََوِي الْهَيْئَاتِ مِنْ يَمَنٍ ... وَلا أَجَارَتْ ذَوِي الْغَايَاتِ مِنْ مُضَرِ
وَمَزَّقَتْ سَبَأً فِي كُلِّ قَاصِيَةٍ ... فَمَا الْتَقَى رَائِحٌ مِنْهُمْ بِمُبتَكِرِ
وَأَنْفَذَتْ فِي كُلَيْبٍ حَكَمَهَا وَرَمَتْ ... مُهَلْهِلاً بَيْنَ سَمْعِ الأَرْضِ وَالْبَصَرِ
وَلَمْ تَرُدَّ عَلَى الضَّلِيلِ صِحَّتَهُ ... وَلا ثَنَتْ أَسَدًا عَنْ رَبِّهَا حَجَرِ
وَدَوَّخَتْ آلَ ذُبيانٍ وَإِخْوَاتَهُمْ ... عَبْسًا وَغَصَّتْ بَنِي بَدْرٍ عَلَى النَّهْرِ
стр. 3294
.. وَأَلْحَقَتْ بِعَدِيٍّ بِالْعِرَاقِ عَلَى ... يَدِ ابْنِهِ أَحْمَرَ الْعَينَيْنِ وَالشَّعْرِ
وَأَهْلَكَتْ إِبْرَوِيزًا بِابْنِهِ وَرَمَتْ ... بِيَزْدَجِرْدٍ إِلى مَروٍ فَلَمْ يُحُرِ
وَبَلَّغتْ يَزْدَجِرْدَ الصِّينَ وَاِخْتَزَلَتْ ... عَنْهُ سِوَى الْفُرْسِ جَمْعَ التُّرْكِ وَالْخَزَرِ
وَلَمْ تَرُدَّ مَوَاضِي رُسْتُمٍ وَقَنَا ... ذِي حَاجِبٍ عَنْهُ سَعْدًا فِي ابْنَهِ الْغَيْرِ
يَوْمَ الْقَلِيبِ بَنُو بَدْرٍ فَنُوا وَسَعَى ... قَلِيبُ بَدْرٍ بِمَنْ فِيهِ إِلى سَقَرِ
وَأَخْفَرَتْ فِي الأَمِينِ الْعَهْدِ وَاِنْتَدَبَتْ ... لِجَعْفََرٍ بِابْنِهِ وَالأَغْبُدِ الْغُدُرِ
وَمَا وَفَتْ بِعُهُودِ الْمُسْتَعِينِ وَلا ... بِمَا تَأَكَّدَ لِلْمُعتَزِّ مِنْ مِرَرِ
وَأَوْثَقَتْ فِي عُرَاهَا كُلَّ مُعْتَمَدٍ ... وَأَشْرَقَتْ بِقَذَاهَا كُلَّ مُقْتَدِرِ
وَرَوَّعَتْ كُلَّ مَأْمُونٍ وَمُؤْتَمَنٍ ... بِذَيلِ زَبَّاءَ لَمْ تَنْفِِْر مِنَ الذُّعْرِ
وَأَعثَرَت آلَ عَبَّادٍ لَعالَهُمُ ... وَأَسْلَمَتْ كُلَّ مَنْصُورٍ وَمُنْتَصِرِ
بَنِي الْمُظَفَّرِ وَالأَيّامُ - لا نَزَلَتْ ... مَرَاحِلٌ وَالْوَرَى مِنْهَا عَلَى سَفََرِ
سُحْقًا لِيَوَمِْكُمُ يَوْمًا وَلا حَمَلَتْ ... بِمِثْلِهِ لَيْلَةٌ فِي غَابِرِ الْعُمُرِ
مَنْ لِلأَسِرَّةِ أَوْ مَنْ لِلأَعِنَّةِ أَوْ ... مَنْ لِلأَسِنَّةِ يُهْدِيهَا إِلى الثُّغَرِ
مَنْ لِلظِّبَا وَعَوَالِي الْخَطِ قَدْ عُقِدَتْ ... أَطْرَافُ أَلْسُنِهَا بِالْعِيِّ وَالْحَصَرِ
وَطَوَّقَتْ بِالْمَنَايَا السُّودِ بِيضَهُمُ ... فَأعْجَبْ لِذَاكَ وَمَا مِنْهَا سِوَى الذِّكْرِ
مَنْ لِلْيَرَاعَةِ أَوْ مَنْ لِلْبَرَاعَةِ أَوْ ... مَنْ لِلسَّمَاحَةِ أَوْ لِلنَّفْعِ وَالضَّرَرِ
أَوْ دَفْعِ كَارِثَةٍ أَوْ رَدْعِ آزِفَةٍ ... أَوْ قَمْعِ حَادِثَةٍ تَعْيِي عَلَى الْبَشَرِ
وَيبْ السَّمَاحِ وَوَيْبَ الْبَأَ لَوْ سَلِمَا ... وَحَسْرَةُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا عَلَى عُمَرِ
سَقَتْ ثَرَى الْفَضْلِ وَالْعَبَّاسِ هَامِيَةٌ ... تُعْزَى إِلَيْهِمْ سَمَاحًا لا إِلى الْمَطَرِ
ثَلاثَةٌ مَا رَأَى السَّعْدَانُ مِثْلَهُمُ ... وَأَخْبَرَ وَلَوْ عَزَّزا فِي الْحُوتِ بِالْقَمَرِ
ثَلاثَةٌ كَذَوَاتِ الدَّهْرِ مُنْذُ نَأَوْا ... عَنِّي مَضَى الدَّهْرُ لَمْ يَرْبَعْ وَلَمْ يَحِرِ
стр. 3295
.. وَمَرَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ أَطْيَبُهُ ... حَتَّى التَّمَتُّعُ بِالآصَالِ وَالْبُكَرِ
أَيْنَ الْجَلالُ الَّذِي غَضّتْ مَهابَتُهُ ... قُوُبَنَا وَعُيُونُ الأَنْجُمِ الزُّهُرِ
أَيْنَ الإِبَاءُ الَّذِي أَرْسُوا قَوَاعِدَهُ ... عَلَى دَعَائِمَ مَنْ عِزٍّ وَمِنْ ظَفَرِ؟
أَيْنَ الْوَفاءُ الَّذِي أَصْفَوا شَرَائِعِهُ ... فَلَمْ يَرِدْ أَحَدٌ مِنْهَا عَلى كَدَرِ
كَانُوا رَوَاسِيَ أَرْضِ اللهِ مُنْذُ مَضُوا ... عَنْهَا اِسْتَطَارَتْ بِِمَنْ فِيهَا وَلَمْ تَقِرِ
كَانُوا مَصَابِيحَهَا دَهْرًا فَمُنْذُ خَبَوْا ... صَارَ الْخَلِيقَةُ يَاللهِ فِي مَرَرِ
مَنْ لِي مَنْ بِهِمْ إِنْ أَظْلَمَتْ نُوبٌ ... وَلَمْ يَكُنَ لَيلُهَا يُفْضِي إِلى سَحَرِ
مَنْ لِي وَلا مَنْ بِهِمْ إِنْ أَطْبَقَتْ مِحَنٌ ... وَلَمْ يَكُنْ وِزْرُهَا يَدْعُو إِلى صَدَرِ
عَلَى الْفَضَائِلِ إِلا الصَّبْرُ بَعْدَهُمْ ... سَلامُ مُرْتَقِبٍ لِلأَجْرِ مُنْتَظِرِ
يَرْجُو عَسَى وَلَهُ فِي أُخْتِهَا أَمَلٌ ... وَالدَّهْرُ ذُو عَتَبٍ شَتَّى وَذُو غِيَرِ
رَرَّطْتُ آذَانَ مَنْ فِيهَا بِفَاضِحَةٍ ... عَلَى الْحَِسانِ حَصَى الْيَاقُوتِ وَالدُّرَرِ
سَيَّارَةٌ فِي أَقَاصِي الأَرْضِ قَاطِعَةً ... شَقَاشِقاً هَدَرَتْ فِي الْبَدْوِ وَالْحَضَرِ
مُطَاعَةُ الأَمْرِ فِي الأَلْبَابِ قَاضِيَةٌ ... مِنَ الْمَسَامِعِ مَا لَمْ يُقْضَ مِنْ وَطَرِ
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْألُكَ نَفْسًا مُطْمَئِنَّةً، تُؤْمِنُ بِلِقَائِكَ وَتَرْضَى بِقَضَائِكَ، وَتَقْنَعُ بِعَطَائِكَ، يَا أَرْأَفَ الرَّائِفِينَ، وَأَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ.
موعظة:
عن معاوية بن أبي سفيان، ﵄، أنه قال: سَمِعْتُ رسول الله ? يَقُولُ فِي خُطبة في أحد العيدين: «الدُّنْيَا دَارُ بَلاءٍ ومنزل قَلقٍ وعَناءٍ، وقد نَزَعَتْ عنها نفوسُ السُّعداء، وانتُزعت بالكُرْهِ مِنْ أَيْدي الأَشْقياء، فَأسْعَدُ النَّاس بها أَرْغَبُهُم عنها، وأشقاهُم بها أرغَبُهم فيها، هي الغاشَّةُ لمن انْتَصَحَها، وَالْمُغْوية لِمَنْ أَطَاعَهَا، وَالْخَاتِرَة لمن انقادَ لها. فالفائِز مَنْ أَعْرَضَ عنها، والهالكُ مَنْ رَاغِبٌ فِيهَا. طُوبى لِعَبْدٍ اتَّقى فيها رَبَّه، وناصَحَ نَفْسَه، وقدَّم توبَتَه، وَأَخَّرَ شَهْوَتَه مِنْ قبَل أَنْ تَلْفِظَه الدُّنْيَا إِلى الآخرة، فَيُصْبحَ فِي بَطْنِ مُوحِشَةٍ غَبراء، مُدْلَهِمَّةٍ ظلماء لا يستطيعُ
стр. 3296
أن يَزِيدَ في حَسَنَة، وَلا يَنْقُصَ مِنْ سَيِّئَة، ثُمَّ يُنْشَرُ فَيُحْشَرُ إِمَّا إلى جَنَّةٍ يَدُومُ نَعِيمها، وَإِمَّا إِلى نَارٍ لا يَنْفَدُ عَذَابُها.
وعن ابن عمر ﵁ أَنَّهُ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله يقول في خطبته: «يا أَيُّهَا النَّاس إِنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُ التواء لا دَارُ استواء، ومَنزل تَرَح، لا منزل فَرَح. مَنْ عَرَفَهَا لَمْ يَفْرَحِ لِرَخَاءٍ، وَلَمْ يحزَن لشقاء أَلا وَإِنَّ الله خلَقَ َالدُّنْيَا دَارَ بَلْوَى، والآخرةَ دَارِ عُقْبَى فجعلَ بَلْوَى الدُّنْيَا لِثوابِ الآخرةِ
سَبَبًا وَثَوَابَ الآخرة مِنْ بَلْوَى الدُّنْيَا عِوَضًا، فيأخذ لِيُعْطي، وَيُبْتَلى لِيَجْزي. إِنَّهَا لَسَرِيعَةُ الذَّهَابِ، وَشِيكَةُ الانْقِلاب، فاحْذَرُوا حَلاوَةَ رِضَاعِهَا لِمَرَارَةِ فِطَامِهَا، وَاهْجُرُوا لَذِيذَ عَاجِلِها لِكَرِيهِ آجِلِهَا وَلا تَسْعَوا فِي عُمْرَانِ دَارٍ قَدْ قَضَى الله خَرَابَها وَلا تُوَاصِلُوهَا، وَقَدْ أَرَادَ الله مِنْكُمْ اجْتِنَابِهَا، فَتَكُونُوا لِسُخْطِهِ مُتَعَرِّضِينَ، وَلِعُقُوبَتِه مُسْتَحِقِّينَ.
هُوَ الْمَوْتُ مَا مِنْهُ مَفَرٌّ لِهَارِبٍ
وَهَلْ هَرَبي يَوْمًا مِنْ اللَّيْلِ يَنْفَعُ
وَأَيُّ اجْتِمَاعِ لا يُبَدَّدُ شَمْلُهُ
وَأَيُّ فُؤَادٍ بِالرَّدَى لا يُرَوَّعُ
حَيَاتُكَ كَالأَضْغَاثِ وَالْحِلْم مُزْعِجٌ
وَيَعْقِبُهُ الْمَوْتُ الذِي لَيْسَ يُدْفَعُ
لَقَدْ جِئْتَ مُضْطرًا وَتَرْجَعُ كَارِهًا
وَلَمْ يَخْتَلِفْ شَأْنًا مَجِيءٌ وَمَرْجِعُ
إِذَا اتَّسَخَ السِّربَالُ أَوْرَثَّ نَسْجُهُ
فَلا بُدَّ لِلسِّرْبَالِ بِالنَّزْعِ يُخْلَعُ
أَرَى الرُّوحَ تَأْوِي الْجِسْمَ مَا دَامَ عَامِرًا
وَتُخْلِيهِ مِنْ بَعْدِ إِنْهِيَارٍ وَتُقْلِعُ
إِذَا طَالَ عُمْرُ الْمَرْءِ طَالَ عَنَاؤُهُ
стр. 3297
.. وَأَشْقَاهُ مِنْ أَحْبَابِهِ مَنْ يُوَدِّعُ
وَعَاثَتْ تَصَارِيفُ الزَّمَانِ بِجِسْمِهِ
فَفِي كُلِّ يَوْمٍ جَانِبٌ يَتَضَعْضَعُ
تَسَاقَطُ أَسْنَانٌ وَيَضْعَفُ نَاظِرٌ
وَتَقْصُرُ خُطْوَاتٌ وَيَثْقُلُ مَسْمَعُ
أَرَى الْوَقْتُ وَالدَّاءِ الْعُظَال يَلُوكُنَا
لِتَبْلَعَنَا الأَرْضُ الَّتِي لَيْسَ تَشْبَعُ
نَوَائِبُهُ الأَنْيَابُ تَفْرِي قُلُوبَنَا
وَفِيهَا أَمَانِينَا سَرَابٌ مُشَعْشِعُ
وَمَاذَا يُرْجِي الْحَيُّ إِنْ جُذَّ أَصْلُهُ
وَشُذِّبَ عَنْهُ فَرْعُهُ الْمُتَفَرِّعُ
وَمَا عُذْرُ مَنْ تُؤْدِي اللَّيَالِي بِبَعْضِهِ
إِذَا كَانَ بِالدُّنْيَا يُغَزُّ وَيُخْدَعُ
وَلَمْ أَرَى كَالدُّنْيَا وَلَمْ أَرَى كَلْبَهَا
تَجُورُ عَلَيْهِ وَهُوَ بِالأم مُولَعُ
إِذَا عَرَفَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ أَهَانَهَا
وَيَحْيَى حَيَاةَ الزَّاهِدِينَ وَيَقْنَعُ
تَوَالَتْ مَلايينُ الْمَلايينِ قَبْلَنَا
عَلَى سُنَنِ الأَجْيَالِ تَقْفُوا وَتَتْبَعُ
قَوَافِلُ يَحْدُوهَا الزَّمَانُ بِلَحْنِهِ
وَمَا لَحْنُهُ إِلا الأَنِينُ الْمُرَجَّعُ
стр. 3298
.. أَرَى الْمَوْتَ لا يَثْنِيهِ نُبْلٌ وَسُؤْدَدُ
وَلا مَحْتَدٌ زَاكٍ وَشَأْن مُرفعُ
وَلا خُلُقٌ زَاكٍ وَلا عَبْقَرِيَّةٌ
وَهَلْ خَلْقٌ عِنْدَ الْمَنِيَّةِ يَشْفَعُ
وَمَا الْمَوْتُ إِلا قُوَّةٌ تَنْحَنِي لَهَا
ظُهُورُ جَمِيعُ الأَقْوِيَاءِ وَتَرْكَعُ
وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
قِصَّةٌ لثابت بن قيس الأنصاري
هَوُ أَحَدُ السَّابِقِينَ إِلى الإِسْلامِ فِي يَثْرِبَ إِذْ مَا كَادَ يَسْتَمِعُ إِلى آيِ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ يُرَتِّلها الدَّاعِيَةُ الْمَكَّيُّ الشَّابُّ مُصْعَبُ بن عُمَيْرٍ بِصَوْتِهِ الشَّجِيِّ وَجَرْسِهِ النَّدِيَّ حَتَّى أَسَرَ الْقُرْآنُ سَمْعَه بِحَلاوَةَ وَقْعِه، وَمَلَكَ قَلْبَهُ بَرَائِع بَيَانِهِ، وَخَلَبَ لُبَّهُ بِمَا حَفَلَ بِهِ مِنْ هَدْيٍ وَتَشْرِيع.
فَشَرَحَ اللهُ صَدْرَه للإِيمَانِ وَأَعْلَى قَدْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ بِالإِنْضِوَاءِ تَحْتَ لِوَاءِ نَبِيِّ الإِسْلامِ.
وَلَمَّا قَدِمَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ الله وَسَلامُه عَلَيْهِ إِلى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرًا اسْتَقْبَلَهُ ثَابِتُ بن قَيْسٍ فِي كَوْكَبَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ فُرْسَانِ قَوْمِهِ أَكْرَمَ اسْتِقْبَالٍ، وَرَحَّبَ بِهِ وَبِصَاحِبِهِ الصِّدِّيقْ أَجْمَلَ تَرْحِيبٍ وَخَطَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ خُطْبَةً بَلِيغَةً افْتَتَحَهَا بِحَمْدِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَى نَبِيِّه ...
وَاخْتَتَمَهَا بِقَوْلِهِ:
(وَإِنَّا نُعَاهِدُكَ - يَا رَسُولُ اللهِ - عَلَى أَنْ نَمْنَعَكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا وَأَوْلادَنَا وَنِسَاءَنَا فَمَا لَنَا لِقَاءَ ذَلِكَ) ؟ .
فَقَالَ ﵊:
((الْجَنَّةِ)) ...
стр. 3299
فَمَا كَادَتْ كَلِمَةُ «الْجَنَّةِ» تُصَافِحُ آذَانَ الْقَوْم حَتَّى أَشْرَقَتْ وجُوهُهم بِالْفَرْحَةِ وَزَهِتْ قَسَمَاتُهُمْ بِالْبَهْجَةِ، وَقَالُوا:
رَضِينَا يَا رَسُولَ اللهِ ... رَضِينَا يَا رَسُولَ اللهِ ...
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ جَعَلَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ ثَابِتَ بن قَيْسٍ خَطِيبَهُ، كَمَا كَانَ حَسَّانُ بِنْ ثَابِتٍ شَاعِرَه.
فَصَارَ إِذَا جَاءَتْهُ وُفُودُ الْعَرَبَ لِتَفَاخِرَهُ أَوْ تُنَاظِرَهُ بِأَلْسِنَةِ الْفُصَحَاءِ الْمَقَاوِل مِنْ خُطَبَائِهَا وَشعرائِها نَدَبَ لَهُمْ ثَابِتَ بنَ قَيْسٍ لِمُصَاوَلَةِ الْخُطَبَاءِ وَحَسَّانَ بن ثَابِتٍ لِمُفَاخَرَةِ الشُّعَرَاءِ.
وَلَقَدْ كَانَ ثَابِتُ بن قَيْسٍ مُؤْمِنًا عَمِيقَ الإِيمَانِ تَقِيًّا صَادِقَ التَّقْوَى، شَدِيدَ الْخَشْيَةِ مِنْ رَبِّهِ، عَظِيمَ الْحَذَرِ مِنْ كُلِّ مَا يُغْضِبُ اللهَ جَلَّ وَعَزَّ.
فلقد رآه رسولُ الله ? ذاتَ يومٍ هَلِعًا جَزِعًا ترتعِدَ فرائصُهُ خوفًا وخشية.
فقال: ((ما بكَ يا أبا محمد)) ؟!
فقال: أخْشَى أنْ أكونَ قَدْ هَلكتُ يا رسول الله ...
قال: ((وَلِمَ)) ؟!
قال: لقد نهانا الله جَلَّ وَعَزَّ عن أَنْ نُحِبَّ أَنْ نُحْمَدَ بِمَا لَمْ نَفْعَلْ، وَأَجِدُني أحبُّ الْحَمْدَ ... ونهانا عن الْخُيلاءِ وأجِدُني أحبُّ الزَّهْوَ.
فَمَا زَالَ الرَّسُولُ صَلَواتُ الله وَسَلامُه عَلَيْهُ يُهدِّئ مِنْ رَوْعِه حَتَّى قَالَ: ((يَا ثَابِتُ، أَلا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا ...
وَتُقْتَلَ شَهِيدًا ...
وَتَدْخُلَ الْجَنَّة)) ... ؟
فَأَشْرَقَ وَجْهُ ثَابِتٍ بِهَذِهِ الْبُشْرَى وَقَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ الله ... بَلَى يَا رَسُولَ الله.
فَقَالَ ﵊: ((إِنَّ لَكَ ذَلِكَ)) .
стр. 3300
وَلَمَّا نَزَل قَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ .
تَجَنَّبَ ثَابِتُ بن قَيْسٍ مَجَالِسَ رَسُولِ الله ? - على الرَّغْمِ مِنْ شِدَّةِ حُبِّهِ لَهُ، وَفَرْطِ تَعَلُّقِهِ بِهِ -.
وَلَزِمَ بَيْتَه حَتَّى لا يَكَادُ يَبْرَحه إِلا لأَدَاءِ الْمَكْتُوبَةِ. فَافْتَقَدَه النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: ((مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِهِ)) ؟
فَقَالَ رَجُلٌ مِن الأَنْصَارِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. وَذَهَبَ إِلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي مَنْزِلِه مَحْزُونًا مُنْكِّسًا رَأْسَهُ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ . قَالَ: شَرٌّ. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟! قَالَ: إِنَّكَ تَعْرِفُ أَنِّي رَجُلٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ، وَأَنَّ صَوْتِي كَثِيرًا مَا يَعْلُو عَلَى صَوْتِ رَسُولِ اللهِ ? وَقَدْ نَزَلِ مِنْ الْقُرْآنِ مَا تَعْلَمُ، وَمَا أَحْسَبُنِي إِلا قَدْ حَبِطَ عَمَلِي وَأَنَّنِي مِنْ أَهْلِ النَّارِ.
فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ الله وَسَلامُهُ عَلَيْهِ، وَأَخْبرَهُ بِمَا رَأَى وَمَا سَمِعَ فَقَالَ: ((اذْهَبْ إِلَيْهِ وَقُلْ لَهُ: لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)) . فَكَانَتْ هَذِهِ بِشَارَةً عُظْمَى لِثَابِتٍ ظَلَّ يَرْجُو خَيْرَهَا طُوَالَ حَيَاتِه.
وَقَدْ شَهِدَ ثَابِتُ بنُ قَيْسٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ? الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا سِوَى بَدْرٍ، وَأَقْحَمَ نَفْسَهُ فِي غِمَارِ الْمَعَارِكِ طَلِبًا لِلشَّهَادَةِ الَّتِي بِشَّرَهُ بِهَا النَّبِيِّ، فَكَانَ يخطِئُها فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَهِيَ قَابَ قَوْسَيْنَ مِنْهُ أَوْ أَدْنَى ...
إِلى أَنْ وَقَعَتْ حُرُوبُ الرِّدَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَمُسَيْلَمَةَ الْكَذَّابِ عَلَى عَهْدِ الصِّدِّيقِ ﵁.
وَلَقَدْ كَانْ ثَابِتُ بنُ قَيْسٍ إِذْ ذَاكَ أَمِيرًا لِجُنْدِ الأَنْصَارِ، وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ أَمِيرًا لِجُنْدِ الْمُهَاجِرِينَ، وَخَالِدُ بنُ الْوَلِيدِ قَائِدًا لِلْجَيْشِ كُلِّه: أَنْصَارِهِ وَمُهَاجِرِيه وَمَنْ فِيهِ مِنْ أَبْنَاءِ الْبَوَادِي.
стр. 3301
وَلَقَدْ كَانَتْ الرِّيحُ وَالدَّوْلَةُ فِي جُلِّ الْمَعَارِكِ لِمُسَيْلَمَةَ وَرِجَالِهِ عَلَى جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى بَلَغَ بِهِمْ الأَمْرُ أَن اقْتَحَمُوا فُسْطَاطَ خَالِد بن الْوَلِيدِ، وَهَمُّوا بِقَتْلِ زَوْجَتِهِ أُمُّ تَمِيمٍ، وَقَطَعُوا حِبَالَ الْفِسْطَاطِ وَمَزَّقُوه شَرَّ مُمَزِّقٍ.
فَرَأَى ثَابِتُ بنُ قَيْسٍ يَوْمَذَاكَ مَنْ تَضَعْضُعِ الْمُسْلِمِينَ مَا شَحَنَ قَلْبَهُ أَسَىً وَكَمَدًا وَسَمِعَ مِنْ تَنَابُزِهِمْ مَا مَلأَ صَدْرَهُ هَمًّا وَغَمًّا ...
فَأَبْنَاءُ الْمُدُنِ يَرْمُونَ أَهْلَ الْبَوَادِي بِالْجُبْنِ، وَأَهْلِ الْبَوَادِي يَصفُونَ أَبْنَاءَ الْمُدُنِ بِأَنَّهُمْ لا يُحْسِنُونَ الْقِتَالَ وَلا يَدْرون مَا الْحَرْبُ ... عِنْدَ ذَلِكَ تَحنَّط ثَابِتٌ وتكفَّنَ وَوَقَفَ عَلَى رؤوسِ الأَشْهَادِ.
وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مَا هَكَذَا كُنَّا نُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ الله ?. بِئْسَ مَا عَوَّدَتم أَعْدَاءَكُم مِنْ الْجُرْأَةِ عَلَيْكُمْ ...
وَبِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَنْفُسَكُمْ مِنْ الانْخِذَالِ لَهُم ...
ثُمَّ رَفَعَ طَرْفَهُ إِلى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأَ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هُؤَلاءِ مِن الشِّرْكِ (يَعْنِي مُسَيْلَمَةَ وَقَوْمَه) . وَأَبْرَأَ إِلَيْكَ مِمَّا يَصْنَعُ هَؤُلاءِ (يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ) .
ثُمَّ هَبَّ هَبَّة الأَسَدِ الضَّارِي كَتِفًا لِكَتِفٍ مَع الْغُرِّ الميامين: الْبراءِ بن مَالِكٌ الأَنْصَارِي، وَزَيْدِ بن الْخَطَّابِ أَخِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذََيْفَة، وَغَيْرِهم وَغَيْرِهم مِنْ الْمُؤْمِنِينَ السَّابِقِين ... وَأَبْلَى بَلاءً عَظِيمًا مَلأَ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ حَمِيَّةً وَعَزْمًا، وَشحَنَ أَفْئِدَةِ الْمُشْرِكِينَ وَهْنًا وَرُعْبًا.
وَمَا زَال يُجَالِدُ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ وَيُضَارِبُ بِكُلِّ سِلاحٍ حَتَّى أَثْخَنَتْه الْجِرَاحَ فَخَرَّ صَرِيعًا عَلَى أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ قَرِيرَ الْعَيْنِ بِمَا كَتَبَ الله لَهُ مِنْ الشَّهَادَةِ الَّتِي بَشَّرَ بِهَا حَبِيبُه رَسُولُ اللهِ ?، مَثْلُوجَ الصَّدْرِ بِمَا حَقَّقَ الله على يَدَيْهِ
стр. 3302
لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ النَّصْرِ ...
وَكَانَتْ عَلَى ثَابِتٍ دِرْعٌ نَفِيسَةٌ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِين فَنَزَعَهَا عَنْهُ وَأَخَذَهَا لِنَفْسِهِ.
وَفِي اللَّيْلَةِ التَّالِيَةِ لاسْتِشْهَادِهِ رَآهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي مَنَامِهِ فَقَالَ لِلرَّجُلُ: أنَاَ ثَابِتٍ بنُ قَيْسٍ، فَهَلْ عَرَفْتَنِي؟
فَقَالَ: إِنِّي أُوصِيكَ بِوَصِيَّةِ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ هَذَا حُلُمٌ فَتُضَيِّعَهَا ...
إِنِّي لَمَا قُتِلْتُ أَمْسٍ مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ صِفَتُه كَذَا وَكَذَا، فَأَخَذَ دِرْعِي وَمَضَى بِهَا نَحْوَ خِبَائِهِ فِي أَقْصَى الْمُعَسْكَرِ مِنْ الْجِهَةِ الْفُلانِيَّةِ، وَوَضَعَهَا تَحْتَ قِدْرٍ لَهُ، وَوَضَعَ فَوْقَ الْقِدْرِ رَحْلاً فَائْتِ خَالِدَ بن الْوَلِيدَ وَقُلْ لَهُ: أَنْ يَبْعَثَ إِلى الرَّجُلِ مَنْ يَأْخُذُ الدِّرْعَ مِنْهُ فَهِيَ مَا تَزَالُ فِي مَكَانِهَا.
وأوصيكَ بِأُخْرَى، فَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ هَذَا حُلُمُ نَائِمٍ فَتُضَيِّعَهَا ...
قُلْ لِخَالِدٍ: إِذَا قَدِمْتَ عَلَى خَلِيفَة رَسُولِ اللهِ ? فِي الْمَدِينَةِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ عَلَى ثَابِتِ بن قَيْسٍ مِنْ الدَّيْنِ كَذَا وَكَذَا ... وَإِنَّ فُلانًا وَفُلانًا مِنْ رَقِيقِهِ عَتِيقَان، فَلْيَقْضِ دِينِي وَلْيُحَرِّرْ غُلامَيَّ ... فَاسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ، فَأَتَى خَالِدَ بن الْوَلِيدِ فَأَخْبَرَهُ بِمَا سَمِعَ وَمَا رَأَى ...
فَبَعَثَ خَالِدٌ من يُحْضِرُ الدِّرْعَ مِنْ عِنْدِ آخِذِهَا فَوَجَدَهَا فِي مَكَانِهَا وَجَاءَ بِهَا كَمَا هِيَ.
وَلَمَّا عَادَ خَالِدٌ إِلى الْمَدِينَةِ حَدَّثَ أَبَا بَكْر ﵁ بِخَبَرِ ثَابِتِ بنِ قَيْسِ وَوَصِيَّتِهِ فَأَجَازَ الصِّدِّيقُ وَصيَّتَهُ وَمَا عُرِفَ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَلا بَعْده أُجِيزَتْ وَصِيَّتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ سِوَاه.
стр. 3303
اللَّهُمَّ انْهَجْ بِنَا مَنَاهِجَ الْمُفْلِحِينَ وَأَلْبِسْنَا خِلَعَ الإِيمَانِ وَالْيَقِينَ وَخُصَّنَا مِنْكَ بِالتَّوْفِيقِ الْمُبِين وَوَفِّقْنَا لِقَوْلِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ وَخَلِّصْنَا مِنْ الْبَاطِلِ وَابْتِدَاعِهِ وَكُنْ لَنَا مُؤَيِّدَا وَلا تَجْعَلْ لِفَاجِرٍ عَلَيْنَا يَدًا وَاجْعَلْ لَنَا عَيْشًا رَغَدًا وَلا تُشْمِتْ بِنَا عَدُوًا وَلا حَاسِدًا وَارْزُقْنَا عَلْمًا نَافِعًا وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً، وَفَهْمًا ذَكِيًا وَطَبْعًا صَفِيًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
قصة للنْعمان بنُ مقرِّنٍ الْمَزَنِيّ
كانت قبيلةُ مُزَينَةَ تَتَخِذوا منازلَها قَرِيبًا مِنْ يَثْرِبْ عَلَى الطَّرِيقِ الممتدة بين المدينةِ ومكة.
وكان الرسولُ صلواتُ الله وسلامُه عليه قد هاجرَ إلى المدينةِ، وَجَعَلَتْ أخبارُه تَصِلُ تِبَاعًا إِلى مُزَيْنَةَ مع الْغَادِينَ وَالرَّائِحينَ فَلا تسمعُ عَنْهُ إِلا خَيْرًا.
وفي ذاتِ عَشِيَّةٍ، جَلَسَ سِيِّدُ الْقَوْمِ، النعمانُ بن مقرِّنٍ الْمَزَنيُّ فِي ناديه مع إخوتِهِ وَمَشْيَخَةِ قَبِيلَتِهِ فَقَالَ لَهُمْ: يا قوم والله ما عَلِمْنا عن محمدٍ إِلا خيرًا، ولا سمعنا من دَعْوَتِهِ إِلا مَرْحَمَةً وَإِحْسَانًا وَعَدلاً، فَمَا بَالُنَا نُبْطئُ عنه والناسُ إليه يُسْرِعُون؟!
ثم أَتْبَعَ يقول: أَمَّا أَنَا فقد عَزَمْتُ عَلَى أَن أَغْدُو عَلَيْهِ، إِذَا أَصْبَحْتُ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ مَعِي فَلْيَتَجَهَّزْ.
وَكَأَنَّمَا مَسَّتْ كلماتُ النُّعْمَانِ وَتِرًا مُرْهَفًا في نفوسِ القوم، فما إن طَلَع الصباحُ حَتَّى وَجَدَ إِخْوَتَهُ الْعَشْرَةَ، وأربعمائة فارسٍ من فرسان مُزَيْنَةَ قَدْ جَهَّزوا أَنْفُسَهُمْ لِلْمُضِيِّ معه إلى يَثْرِبَ لِلِقَاءِ النَّبِيِّ صلواتُ الله وسلامهُ عليه، والدُّخُولِ في دينِ الله.
стр. 3304
بَيْدَ أَنَّ النَّعْمَانَ اسْتَحْيَا أَنْ يَفِدَ مَعَ هَذَا الْجَمعِ الْحَاشِدِ عَلَى النَّبِيِّ ? دُونَ أَنْ يَحْمِلَ لَهُ وَللمسلمين شيئًا في يده.
لَكِنَّ السَّنَةَ الشَّهْبَاءَ الْمُجْدِبَةِ الَّتِي مَرَّتْ بِهَا مُزَيْنَةُ لَمْ تَتْرُكْ لَهَا ضَرْعًا ولا زَرْعًا.
فطاف النُّعْمَانُ بِبَيْتِهِ وَبُيُوتِ إِخْوَتِهِ وَجَمَعَ كُلَّ مَا أَبْقَاهُ لَهُمْ الْقَحْطُ مِنْ غُنِيمَاتٍ وَسَاقَهَا أَمَامَهُ وَقَدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ الله ?، وَأَعْلَنَ هُوَ وَمَنْ معه إسلامَهم بينَ يَدَيْهِ.
اهتَزَّتْ يثربُ من أقصاها إلى أقصاها فَرَحًا بالنُّعْمَانِ بن مُقَرِّنٍ وَصَحْبِهِ، إِذْ لَمْ يَسْبِقْ لِبَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الْعَرَبِ أَنْ أَسْلَمَ مِنْهُ أَحَدَ عَشَرَ أَخًا مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ ومعهم أربعُمائةِ فارس.
وَسُرَّ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ بِإسْلامِ النَّعْمَانِ أبلغَ السُّرورِ.
انْضَوَى النَّعْمَانُ بنُ مُقَرِّنٍ تَحْتَ رَايِةِ رَسُولِ اللهِ ?، وَشَهِدَ مَعَهُ غَزَوَاتِهِ كُلِّهَا غَيْرَ وَانٍ وَلا مُقَصِّرٍ.
وَلَمَّا أَلَتِ الْخِلافَةُ إِلى الصِّدِّيقَ وَقَفَ مَعَهُ هُوَ وَقَوْمُهُ مِنْ بَنِي مُزَيْنَةَ وَقْفَةً حَازِمَةً كَانَ لَهَا أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي الْقَضَاءِ عَلَى فِتْنَةِ الرِّدَّةِ.
وَلَمَّا صَارَتِ الْخِلافَةُ إِلى الْفَارُوقِ كَانَ لِلنعمانِ بن مقرِّنٍ في عَهْدِهِ شَأْنٌ مَا يَزَالُ التَّارِيخُ يَذْكُرُهُ بِلِسَانٍ نَدِيٍّ بِالْحَمْدِ رَطِيبٍ بِالثَّنَاءِ.
فَقُبَيْلَ الْقَادِسِيَّةِ أَرْسَلَ سَعْدُ بن أَبِي وَقَّاصٍ قَائِدُ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ وَفْدًا إِلى كِسْرَى يَزْدَجُرْدَ بِرِئَاسَةِ النُّعْمَانِ بن مُقَرِّنٍ لِيَدْعُوهُ إِلى الإِسْلامِ.
стр. 3305
ولما بلغوا عاصمةَ كِسْرَى في المدائن استأذنوا بالدُّخولِ عليه فأَذِنَ لهم، ثم دَعا التَّرْجُمَانَ فَقَالَ لَهُ: سَلْهُمْ ما الذي جاءَ بِكم إِلى دِيَارِنَا وَأَغْرَاكُمْ بِغَزْوِنَا؟! لَعَلَّكُمْ طَمِعْتُمْ بِنَا وَاجْتَرَأْتُمْ عَلَيْنَا لأَنَّنَا تَشَاغَلْنَا عنكم، ولم نَشَأْ أَنْ نَبْطِشَ بِكُمْ.
فالْتَفَتَ النَّعْمَانُ بنُ مُقَرِّنٍ إِلى مَنْ مَعَهُ وَقَالَ: إِنْ شِئْتُمْ أَجَبْتُهُ عَنْكُمْ، وَإِنْ شَاءَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَكَلَّمَ آثَرْتُهُ بِالْكلام.
فَقَالُوا: بَلْ تَكَلَّمْ، ثم الْتَفَتُوا إِلى كِسْرَى وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الرَّجُل يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِنَا فَاسْتَمِعْ إِلى مَا يَقُول.
فَحَمِدَ النُّعْمَانُ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الله رَحِمَنَا فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولاً يَدُلُّنَا عَلَى الْخَيْرِ وَيَأْمرُنَا بِهِ، وَيُعَرِّفُنَا الشَّرَّ وَيَنْهَانَا عَنْهُ. وَوَعَدَنَا - إِنْ أَجَبْنَاهُ إِلى مَا دَعَانَا إِلَيْهِ - أَنْ يُعْطِينَا الله خَيْرِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
فَمَا هُوَ إِلا قَلِيلٌ حَتَّى بَدَّلَ الله ضِيقَنَا سِعَةً، وَذِلَّتَنَا عِزَّةً، وَعَدَاوَاتِنَا إِخَاءً وَمَرْحَمَةً.
وَقَدْ أَمَرَنَا أَنْ نَدْعُوَ النَّاسَ إِلى مَا فِيهِ خَيْرُهُمْ وَأَنْ نَبْدَأَ بِمَنْ يُجَاوِرُنَا. فَنَحْنُ نَدْعُوكُم إِلى الدُّخُولِ فِي دِينَنَا وَهُوَ دِينٌ حَسَّنَ الْحَسَنَ كُلَّهُ وَحَضَّ عَلَيْهِ، وَقَبَّح الْقَبِيحَ كُلَّهُ وَحَذَّرَ مِنْهُ، يَنْقُلُ مُعْتَنِقِيهِ مِنْ ظَلامِ الْكُفْرِ وَجُورِه إِلى نُورِ الإِيمَانِ وَعَدْلِهِ.
فَإِنْ أَجْبُتُمونا إلى الإِسْلامِ خَلَّفَنَا فِيكُمْ كِتَابَ الله وَأَقَمْنَاكُمْ عَلَيْهِ، عَلَى أَنْ تَحْكُموا بِأَحْكَامِهِ، وَرَجَعْنَا عَنْكُمْ وَتَرَكْنَاكُمْ وَشَأْنَكم.
فَإِنْ أَبَيْتُمُ الدُّخُولَ فِي دِينِ اللهِ أَخَذْنَا مِنْكُمْ الْجِزْيَةَ وَحَمَيْنَاكُمْ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِعْطَاءَ الْجِزْيَةِ حَارَبْنَاكُمْ.
стр. 3306
فَاسْتَشَاطَ يَزْدَجُرْدُ غَضَبًا وَغَيْظًا مِمَّا سَمِعَ، وَقَالَ: إِنِّي لا أَعْلَمُ أُمَّةً فِي الأَرْضَ كَانَتْ أَشْقَى مِنْكُمْ وَلا أَقَلَّ عَدَدًا، وَلا أَشَدَّ فُرْقَةً، وَلا أَسْوَأُ حَالاً.
وَقَدْ كُنَّا نَكِلُ أَمْرَكُمْ إِلى وُلاةِ الضَّوَاحِي فَيَأْخُذُونَ لَنَا الطَّاعَةَ منكم ...
ثُمَّ خَفَّفَ شَيْئًا مِنْ حِدَّتِهِ وَقَالَ: فَإِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ هِي الَّتِي دَفَعَتْكُمْ إِلى الْمَجِيءِ إِلَيْنَا أمَرْنَا لَكُمْ بِقُوتٍ إِلى أَنْ تُخْصِبَ دِيَارُكم، وَكَسَوْنَا سَادَتَكُمْ وَوُجوهَ قَوْمِكم، وَمَلَّكْنَا عَلَيْكُمْ مَلْكًا مِنْ قِبَلِنَا يَرْفِقُ بِكِمْ.
فَرَدَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْوَفْدِ رَدًّا أَشْعَلَ نَارَ غَضَبِهِ مِنْ جديدٍ فَقَالَ: لَوْلا أَنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمْ.
قُومُوا فَلَيْسَ لَكُمْ شَيْءٌ عِنْدِي، وَأَخْبِرُوا قَائِدَكُمْ أَنِّي مُرْسِلٌ إِلَيْهِ (رُسْتُمَ) حَتَّى يَدْفِنَهُ وَيَدْفِنَكُمْ مَعَهُ فِي خَنْدَقِ الْقَادِسِيَّةِ.
ثُمَّ أَمَرَ فَأُتِيَ لَهُ بِحِمْلِ تُرَابٍ وَقَالَ لِرِجَالِهِ: حَمِّلُوهُ عَلَى أَشْرَفِ هَؤُلاءِ وَسُوقُوهُ أَمَامَكم عَلَى مَرأىً مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ أَبْوَابِ عَاصِمَةِ مُلْكِنَا.
فَقَالُوا لِلْوَفْدِ: مَنْ أَشْرَفُكُمْ؟ فَبَادَرَ إِلَيْهِمْ عَاصِمُ بنُ عُمَرَ وَقَالَ: أَنَا فَحَمَّلُوهُ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمَدَائِن، ثُمَّ حَمَّلَهُ عَلَى نَاقَتِهِ وَأَخَذَهُ مَعَهُ لِسَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَبَشَّرَهُ بَأَنَّ الله سَيَفْتَحُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ دِيَارَ الْفُرْسِ وَيُمَلِّكُهُمْ تُرَابَ أَرضِهِم.
ثُمَّ وَقَعَتْ مَعْرَكَةُ الْقَادُسِيَّةِ، وَاكْتَظَّ خَنْدَقُهَا بِجُثَثِ آلافِ الْقَتْلَى، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا كَانُوا مِنْ جُنُودِ كِسْرَى.
لَمْ يَسْتَكِنِ الْفُرْسُ لِهَزِيمَةِ الْقَادِسِيَّةِ، فَجَمَعُوا جُمُوعَهُمْ وَجَيَّشُوا جُيُوشَهمْ.
стр. 3307
حَتَّى اكْتَمَلَ لَهُمْ مَائَةٌ وَخَمْسُونَ أَلْفًا مِنْ أَشِدَّاءِ الْمُقَاتِلِينَ.
فَلَمَّا وَقَفَ الْفَارُوقُ عَلَى أَخْبَارِ هَذَا الْحَشْدِ الْعَظِيمِ، عَزَمَ عَلَى أَنْ يَمْضِي إِلى مُوَاجَهِةِ هَذَا الْخَطَرِ الْكَبِيرِ بِنَفْسِهِ.
وَلِكِنَّ وُجُوهَ الْمُسْلِمِينَ ثَنوْهُ عَنْ ذَلِكَ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَ قَائِدًا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا الأَمْرِ الْجَلِيل.
فَقَالَ عمرُ: أَشِيرُوا عَلَيَّ بِرَجُلٍ أُوَلِّيهِ ذَلِكَ الثَّغْرَ.
فَقَالُوا: أَنْتَ أَعْلَمُ بِجُنْدِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: وَاللهِ لأُوَلِّيَنَّ عَلَى جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ رَجُلاً يَكُونُ - إِذَا الْتَقَى الْجَمْعَانِ - أَسْبَقَ مِنْ الأَسِنَّةِ، وَهُوَ النُّعْمَانُ بنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ.
فَقَالُوا: هُوَ لَهَا.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَقُول:
مِنْ عَبْدِ الله عمَر بنِ الْخَطَّابِ إِلى النُّعْمَانِ بنِ مُقَرِّن.
أَمَّا بَعْد، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ جُمُوعًا مِن الأَعَاجِمِ، كَثِيرَةً قَدْ جَمَعوا لَكُمْ بِمَدِينَةِ (نَهَاوَنْد) فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَسِرْ بَأَمْرِ اللهِ، وَبِعَوْنِ اللهِ، وَبِنَصْرِ اللهِ بِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلا تُوطِئْهُمْ وَعْرًا فَتُؤْذِيهِمْ ... فَإِنَّ رَجُلاً وَاحِدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ.
هَبَّ النُّعْمَانِ بن مُقَرِّنٍ بِجَيْشِهِ لِلِقَاءِ الْعَدِوِّ، وَأَرْسَلَ أَمَامَهُ طَلائِعَ مِنْ فُرْسَانِهِ لِتَكْشِفَ لَهُ الطَّرِيقَ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ الْفُرْسَانُ مِنْ (نَهَاوَنْدَ) تَوَقَّفَتْ خُيُولَهُمْ، فَدَفَعُوهَا فَلَمْ تَنْدَفِعْ، فَنَزَلُوا عَنْ ظُهُورِهَا لِيعَرِفُوا الْخَبَرَ فَوَجَدُوا فِي حَوَافِرِ الْخَيْلِ شَظَايَا مِنْ الْحَدِيدِ تُشْبِهُ رُؤوسَ الْمَسَامِيرِ فَنَظَرُوا فِي الأَرْضِ فَإِذَا الْعَجَمُ قَدْ نَثَرُوا فِي الدُّرُوبِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلى (نَهَاوَنْدَ) حَسَكَ الْحَدِيدِ، لِيَعوقوا الْفُرْسَانَ وَالْمُشَاةَ عَنْ الْوُصُولِ إِلَيْهَا.
стр. 3308
أَخْبَرَ الْفُرْسَانُ النُّعْمَانَ بِمَا رَأَوْا، وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَمُدَّهُمْ بِرَأْيِهِ، فَأَمَرَهُمْ بَأَنْ يَقِفُوا فِي أَمَاكِنِهِمْ، وَأَنْ يُوقِدُوا النِّيرَانَ فِي اللَّيْلِ لِيَرَاهُمُ الْعَدُوُّ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَظَاهُرُونَ بِالْخَوْفِ مِنْهُ وَالْهَزِيمَةِ أَمَامَه لِيُغْرُوهُ بِاللِّحَاقِ بِهِمْ وَإِزَالَةِ مَا زَرَعَهُ مِنْ حَسَكِ الْحَدِيدِ.
وَجَازَتْ الْحِيلَةُ عَلَى الْفُرْسِ، فَمَا إِنْ رَأَوْا طَلِيعةَ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ تَمْضِي مُنْهَزِمَةً أَمَامَهُمْ حَتَّى أَرْسَلُوا عُمَّالَهُمْ فَكَنَسُوا الطُّرُيَق مِنَ الْحَسَكِ فَكَرَّ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ وَاحْتَلُّوا تِلْكَ الدُّرُوبَ.
عَسْكَرَ النُّعْمَانُ بنُ مُقَرِّنٍ بِحَيْشِهِ عَلَى مَشَارِفِ (نهاوند) وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يُبَاغِتَ عَدُوَّهُ بِالْهُجُومِ، فَقَالَ لِجُنُودِهِ: إِنِّي مُكَبَّرٌ ثَلاثًا، فَإِذَا كَبَّرْتُ الأُولَى فَلْيَتَهَيَّأْ مَنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَهَيَّأ، وَإِذَا كَبَّرْتَ الثَّانِيَةَ فَلْيَشْدُدْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ سِلاحَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا كَبَّرْتَ الثَّالِثَةَ، فَإِنِّي حَامِلٌ عَلَى أَعْدَاءِ اللهِ فاحْمِلُوا مَعِي.
كَبَّرَ النُّعْمَانُ بن مُقَرِّنٍ تَكْبِيرَاتِهِ الثَّلاثِ، وَانْدَفَعَ فِي صِفُوفِ الْعَدُوِّ كَأَنَّهُ الليثُ عَادِيًا، وَتَدَفَّقَ وَرَاءَهُ جُنُودُ الْمُسْلِمِينَ تَدَفُّقَ السَّيْلِ وَدَارَتْ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ رَحَى مَعْرَكَةٍ ضَرُوسِ قَلَّمَا شَهِدَ تَارِيخُ الْحُرُوبِ لَهَا نَظِيرًا.
فَتَمَزَّقَ جَيْشُ الْفُرْسِ شَرَّ مُمَزَّقٍ وَمَلأَتْ قَتْلاهُ السَّهْلَ وَالْجَبَلَ وَسَالَتْ دِمَاؤُهُ فِي الْمَمَرَّاتِ وَالدُّروبِ فَزَلِقَ جوادُ النُّعْمَانِ بن مُقَرِّنٍ بِالدِّمَاءِ فَصُرِعَ وَأُصِيبَ النُّعْمَانُ نَفْسُه إِصَابَةً قَاتِلَةً، فَأَخَذَ أَخُوهُ اللواءَ مِنْ يَدِهِ، وَسَجَّاهُ بِبُرْدَةِ كَانَتْ مَعَهُ وَكَتَمَ أَمْرَ مَصْرَعِهِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَمَّا تَمَّ النَّصْرُ الْكَبِيرُ الذِي سَمَّاهُ الْمُسْلِمُونَ (فَتْحَ الْفُتُوح) ...
سَأَلَ الْجُنُودُ الْمُنْتَصِرُونَ عَنْ قَائِدِهِمْ الْبَاسِلِ النَّعْمَانِ بنِ مُقَرِّنٍ، فَرَفَعَ أَخُوهُ الْبُرْدَةَ عَنْهُ وَقَالَ: هَذَا أَمِيرُكُمْ، قَدْ أَقَرَّ اللهُ عَيْنَهُ بِالْفَتْحِ، وَخَتَمَ لَهُ بِالشَّهَادَةِ.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ وَعَمَلَنا مِن الرِّيَاءِ وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ وَأَعْيُنَنَا مِنْ الْخِيَانَةِ وَآذَانَنَا عَنْ الاسْتِمَاعِ إِلى مَا لا يُرْضِيكَ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ
стр. 3309
وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(وداع راحل)
أَهَاجَكَ الوجد أَمْ شَاقَتْكَ آثَارُ ... كَانَتْ مَغَانِي نِعْمَ الأَهْلُ وَالدَّارُ
وَمَا لِعَيْنِكَ تَبْكِي حُرْقَةً وَأَسَى ... وَمَا لِقَلِبْكَ قَدْ ضَجَّتْ بِهِ النَّارُ؟
عَلَى الأَحِبَّةِ تَبْكِي أَمْ عَلَى طَلَلٍ ... لَمْ يَبْقَ فِيهِ أَحِبَّاءٌ وَسُمَّارُ؟
وَهَلْ مِن الدَّهْرِ تَشْكُو سُوءَ عِشْرَتِهِ ... لَمْ يُوفِ عَهْدًا وَلَمْ يَهْدَأْ لَهُ ثَارُ؟
هَيْهَاتَ يَا صَاحِبِي آسَىَ عَلَى زَمَنٍ ... سَادَ الْعَبِيدُ بِهِ وَاقْتِيدَ أَحْرَارُ
أَوْ أَذْرِفُ الدَّمْعَ فِي حُبِّ يُفَارُقِنِي ... أَوْ فِي اللَّذَائِذِ وَالآمَالُ تَنْهَارُ
فَمَا سَبَتْنِيَ قَبْلَ الْيَوْمِ غَانِيَةٌ ... وَلا دَعَانِي إِلى الْفَحْشَاءِ فُجَّارُ
أَمَتُّ فِي اللهِ نَفْسًا لا تُطَاوِعُنِي ... فِي الْمَكْرُمَاتِ لَهَا فِي الشَّرِّ إِضْرَارُ
وَبِعْتُ فِي اللهِ دُنْيًا لا يَسُودُ بِهَا ... حَقٌّ وَلا قَادَهَا فِي الْحُكْمِ أَبْرَارُ
وَإِنَّمَا حُزْنِي فِي صِبْيَةٍ دَرَجُوا ... غُفْلٍ عَنْ الشَّرِّ لَمْ يُوقَدْ لَهُمْ نَارُ
قَدْ كُنْتُ أَرْجُو زَمَانًا أَنْ أَقُودَهُمُ ... لِلْمَكْرُمَاتِ فَلا ظُلْمٌ وَلا عَارُ
وَالآنَ قَدْ سَارَعَتْ دَرْبِي إِلى كَفَنٍ ... يَوْمًا سَيَلْبَسُهُ بَرَّ وَجَبَّارُ
بِاللهِ يَا صِبْيَتِي لا تَهْلِكُوا جَزَعًا ... عَلَى أَبِيكُمْ طَرِيقُ الْمَوْتِ أَقْدَرُ
تَرَكْتُكُمْ فِي حِمَى الرَّحْمَنِ يَكْلَؤُكم ... مَنْ يَهْدِهِ اللهُ لا يُوبِقُهُ أَوْزَارُ
وَأَنْتُم يَا أُهَيْلَ الْحَيِّ صِبْيَتُكُمْ ... أَمَانَةُ عِنْدَكُمْ هَلْ يُهْمَلُ الْجَارُ؟
أَفْدِي بِنَفْسِيَ أُمًا لا يُفَارِقُهَا ... هُمُّ وَتَنْهَارُ حُزْنًا حِينَ أَنْهَارُ
فَكَيْفَ تَسْكُنُ بَعْدَ الْيَوْمِ مِنْ شَجَنٍ ... يَا لَوْعَةَ الثُّكْلِ مَا فِي الدَّارِ دَيَّارُ
وَزَوْجَةً مَنَحَتْنِي كُلَّ مَا مَلَكَتْ ... مِنْ صَادِقِ الْوِدِّ: تَحْنَانٌ وَإِيثَارً
عِشْنَا زَمَانًا هَنِيًّا مِنْ تَوَاصُلُنَا ... فَكَمْ يُؤَرّقُ بَعْدَ الْعِزِّ إِدْبَارُ
стр. 3310
.. وَإِخْوَةً جَعَلُونِي بَعْدَ فَقْدِ أَبِي ... أَبًا لآمَالِهِمْ رَوْضٌ وَأَزْهَارُ
أَسْتَوْدِعُ اللهَ صَحْبًا كُنْتَ أَذْخَرُهُمْ ... لِلنَائِبَاتِ لَنَا أُنْسٌ وَأَسْمَارُ
الْمُلْتَقَى فِي جِنَا الْخُلْدِ إِنْ قُبِلَتْ ... مِنَّا صَلاةٌ وَطَاعَاةٌ وَأَذْكَارُ
وَفَّقَنَا اللهُ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ لِلتَّمَسُّكِ بِكِتَابِهِ، وَالْمُسَارَعَةِ إِلى امْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَهْيهِ، وَالْوُقُوفِ عِنْدَ حَدَّهِ، وَالْفَكُرِ فِي أَمْثَالِهِ وَمُعْجِزهِ، وَالتَّبَصَّرُ فِي نُورِ حِكَمِهِ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
قِصَّةٌ لِصُهَيْبُ الرُّومِي
لانْتِسَابِ صُهَيْبٍ إِلى الرُّومِ قِصَّةٌ مَا تَزَالُ تَعِيهَا ذَاكِرَةُ التَّارِيخِ، وَتَرْوِيهَا أَسْفَارُه.
فَقَبْلَ الْبِعْثَةِ بِحَوَالِي عَقْدَيْنِ مِن الزَّمَانِ كَانَ يَتَوَلَّى مُلْكَ (الأَبُلَّةِ) سَنَّانُ بن مَالِكٍ النُّمَيْرِيُّ، مِنْ قَبْلِ كِسْرَى مَلِكَ الْفُرْسِ.
وَكَانَ أَحَبَّ أَوْلادِهِ إِلَيْهِ طِفْلٌ لَمْ يُجَاوِزِ الْخَامِسَةِ مِنْ عُمُرِه، دَعَاهُ صُهَيْبًا. كَانَ صُهَيْبٌ أَزْهَرَ الْوَجْهِ، أَحْمَرَ الشَّعْرِ، مُتَدَفِّقَ النَّشَاطِ ذَا عَيْنَيْنِ تَتَّقِدَانِ فِطْنَةً وَنَجَابَةً.
وَكَانَ إِلى ذَلِكَ مِمْرَاحًا، عَذْبَ الرُّوحَ، يُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى قَلْبِ أَبِيهِ وَيَنْتَزِعُ مِنْهُ هُمُومَ الْمُلْكِ انْتِزَاعًا.
مَضَتْ أُمُّ صُهَيْبٍ مَع ابْنِهَا الصَّغِير وَطَائِفَةٍ مِنْ حَشَمِهَا وَخَدَمِهَا إِلى قَرْيَةِ (الثَّنِيِّ) مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ طَلَبًا لِلرَّاحَةِ وَالاسْتجمام، فأغارت على القريةِ سَرِيَّةٌ مِنْ سَرَايَا جَيْشِ الرُّومِ، فَقَتَلَتْ حُرَّاسَها، وَنَهَبَتْ أَمْوَالَهَا، وَأَسَرَتْ ذَرَارِيَّهَا.
فَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَسَرَتْهُمْ صُهَيْبٌ.
بِيعَ صُهَيْبٌ فِي أَسْوَاقِ الرَّقِيقِ بِبِلادِ الرُّومِ، وَجَعَلَتْ تَتَدَاوَلُهُ الأَيْدِي فَيَنْتَقِلُ
стр. 3311
مِنْ خِدْمَةِ سَيِّدٍ إِلى آخَرَ شَأْنُهُ فِي ذَلِكَ كَشَأْنِ الآلافِ الْمُؤَلَّفَةِ مِنْ الأَرِقَّاءِ الذِينَ كَانُوا يَمْلأُونَ قُصُورَ بِلادِ الرُّومِ.
وَقَدْ أَتَاحَ ذَلِكَ لِصُهَيْبٍ أَنْ يَنْفُذَ إِلى أَعْمَاق الْمُجْتَمَعِ الرُّوِمِيِّ، وَأَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ مِنْ دَاخِلِه، فَرَأَى بِعَيْنَيْهِ مَا يُعَشِّشُ فِي قُصُورِهِ مِنَ الرَّذَائِلِ وَالْمُوبقات وَسَمِعَ بِأُذُنَيْهِ مَا يُرْتَكَبُ فِيهَا مِنْ الْمَظَالِمِ وَالْمَآثِمِ. فَكَرِهَ ذَلِكَ الْمُجْتَمَعِ وَازْدَرَاه.
وَكَانَ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ:
إِنَّ مُجْتَمَعًا كَهَذَا لا يُطَهِّرُهُ إِلا الطُّوفَانُ.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ صُهَيْبًا قَدْ نَشَأَ فِي بِلادِ الرُّومِ وَشَبَّ عَلَى أَرْضِهَا وَبَيْنَ أَهْلِيهَا.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ نَسِيَ الْعَرَبِيَّةَ أَوْ كَادَ يَنْسَاهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنْ بَالِهِ قَطُّ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحْرَاءِ، وَلَمْ تَفْتُرْ أَشْوَاقُهُ لَحْظَةً إِلى الْيَوْمِ الذِي يَتَحَرَّرُ فِيهِ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ، وَيَلْحَقُ بِبَنِي قَوْمِهِ.
وَقَدْ زَادَهُ حَنِينًا إِلى بِلادِ الْعَرَبِ فَوْقَ حَنِينِهِ، أَنَّهُ سَمِعَ كَاهِنًا مِنْ كَهَنَةِ النَّصَارَى يَقُولُ لِسَيِّدٍ مِنْ أَسْيَادِهِ:
لَقَدْ أَطَلَّ زَمَانٌ يَخْرُجُ فِيهِ مِنْ مَكَّةَ فِي جَزِيزَةِ الْعَرَبِ نَبِيٌّ يُصَدِّقُ رِسَالَةَ عِيسَى بن مَرْيَمَ، وَيُخْرِجُ النَّاسِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ.
ثُمَّ أُتِيحَتِ الْفُرْصَةُ لِصُهَيْبٍ فَوَلَّى هَارِبًا مِنْ رِقِّ أَسْيَادِهِ، وَيَمَّمَ وَجْهَهُ شَطْرَ مَكَّةَ أُمِّ الْقُرَى وَمَوْئِلِ الْعَرَبِ، وَمَبْعَثِ النَّبِيِّ الْمُرْتَقِبَ.
وَلَمَّا أَلْقَى عَصَاهُ فِيهَا أَطْلَقَ النَّاسُ عَلَيْهِ اسْمَ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ لِلُكْنَةِ لِسَانِهِ وَحُمْرَةِ شَعْرِهِ.
стр. 3312
وقد حالَفَ صُهَيْبٌ سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ مَكَّةَ هُوَ عَبْدُ الله بنُ جُدْعَانٍ وَطَفِقَ يَعْمَلُ فِي التِّجَارَةِ، فَدَرَّتْ عَلَيْهِ الْخَيْرَ الْوَفِيرَ وَالْمَالَ الْكَثِيرَ.
غَيْرَ أَنَّ صُهَيْبًا لَمْ تُنْسِهِ تجارَتُهُ وَمَكَاسِبُهُ حَدِيثَ الْكَاهِنِ النَّصْرَانِي فَكَانَ كُلَّمَا مَرَّ كلامُه بِخَاطِرِهِ يُسَائِلُ نَفْسَهُ فِي لَهْفَةٍ: مَتَّى يَكُونُ ذَلِكَ؟! وَمَا هُوَ إِلا قَلِيلٌ حَتَّى جاءَهُ الجوابُ.
فَفِي ذَاتِ يَوْمٍ عَادَ صُهَيْبٌ إِلى مَكَّةَ مِنْ إِحْدَى رَحَلاتِهِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ مُحَمَّدَ بن عَبْدِ الله قَدْ بُعِثَ وَقَامَ يَدْعُو النَّاسَ إِلى الإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، وَيَحُضَّهُمْ عَلَى الْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ.
فَقَالَ: أَلَيْسَ هُوَ الذِي يُلَقِّبُونَهُ بِالأَمِين؟!
فَقِيلَ لَهُ: بَلَى.
فَقَالَ: وَأَيْنَ مَكَانَهُ.
فَقِيلَ لَهُ: فِي دَارِ الأَرْقَمِ بن أَبِي الأَرْقَمِ عِنْدَ الصَّفَا ... وَلَكِنْ حَذَارِ مَنْ أَنْ يَرَاكَ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَإِنْ رَأَوْكَ فَعَلُوا بِكَ ... وَفَعَلُوَا، وَأَنْتَ رَجُلٌ غَرِيبٌ لا عَصَبِيَّةَ لَهُ تَحْمِيهِ، وَلا عَشِيرَةَ عِنْدَهُ تَنْصُرُه.
مَضَى صُهَيْبٌ إِلى دَارِ الأَرْقَمِ حِذَرًا يَتَلَّفَتُ، فَلَمَّا بَلَغَهَا وَجَدَ عِنْدَ الْبَابِ عَمَّارَ بن يَاسِرٍ، وَكَانَ يَعْرِفُهُ مِنْ قَبْلَ، فَتَرَدَّدَ لَحْظَةً ثُمَّ دَنَا مِنْهُ وَقَالَ: مَا تُرِيدُ يَا عَمَّار؟
فَقَالَ عَمَّارٌ: بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ؟
فَقَالَ صُهَيْبٌ: أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَأَسْمَعَ مِنْهُ مَا يَقُولُ. فَقَالَ عَمَّارٌ: وَأَنَا أُرِيدُ ذَلِكَ أَيْضًا.
فَقَال صُهَيْبٌ: إِذَنْ نَدْخُلُ مَعًا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ.
стр. 3313
دَخَلَ صُهَيْبُ بن سَنَّانٍ الرُّومِيُّ وَعَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ عَلَى رَسُولِ الله ? وَاسْتَمَعا إِلى مَا يَقُولُ، فَأَشْرَقَ نُورُ الإِيمَانِ فِي صَدْرَيْهِمَا، وَتَسَابَقَا فِي مَدِّ أَيْدِيهِمَا إِلَيْهِ، وَشَهِدَا أَنْ لا إِلهَ إِلا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورسولُهُ، وَأَمْضَيَا سَحَابَةَ يَوْمِهِمَا عِنْدَهُ، يَنْهَلانِ مِنْ هَدْيِهِ وَيَنْعُمَانِ بِصُحْبَتِهِ.
ولما أَقْبَلَ اللَّيْلُ، وَهَدَأَتَ الْحَرَكَةُ، خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ تَحْتَ جُنْحِ الظَّلامِ، وَقَدْ حَمَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِن النُّورِ فِي صَدْرِهِ مَا يَكْفِي لإِضَاءَةِ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا.
تحمَّلَ صُهَيْبٌ نَصِيبَهُ مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ مَعَ بِلالٍ وَعَمَّارٍ وَسُمَّيَةَ وَخَبَّابٍ وَغَيْرِهم مِنْ عَشَرَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَاسَى مِنْ نَكَالِ قُرَيْشٍ مَا لَوْ نَزَلَ بِجَبَلِ لِهَدَّه، فَتَحَمَّلَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِنَفْسٍ مُطْمَئِنَّةٍ صَابِرَةٍ، لأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ طَرِيقَ الْجَنَّةِ مَحْفُوفٌ بِالْمَكَارِه.
ولما أَذِنَ الرسولُ لأَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلى الْمَدِينَةِ، عَزَمَ صُهَيْبٌ عَلَى أَنْ يَمْضِيَ فِي صُحْبَةِ الرَّسُولِ وَأَبِي بَكْر، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا شَعَرَتْ بِعَزْمِهِ عَلَى الْهِجْرَةِ فَصَدَّتْهُ عَنْ غَايَتِه، وَأَقَامَتْ عَلَيْهِ الرُّقَبَاءِ حَتَّى لا يَفْلِتَ مِنْ أَيْدِيهم، وَيَحْمِلَ مَعَهُ مَا دَرَّتْهُ عَلَيْهِ التِّجَارَةُ مِنْ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ.
ظَلَّ صُهَيْبٌ بَعْدَ هِجْرَةِ الرَّسُولِ وَصَاحِبِه يَتحَيَّنُ الْفُرَصَ لِلَّحَاقِ بِهِمَا فَلَمْ يُفْلِحْ إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُ الرُّقَبَاءِ سَاهِرَةً عَلَيْهِ مُتَيَقِّظَةً لَهُ، فَلَمْ يَجِدْ سَبِيلاً غَيْرَ اللُّجُوءِ إِلى الْحِيلَةِ.
فَفِي ذَاتِ لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ أَكْثَرَ صُهَيْبٌ مِنْ الْخُرُوجِ إِلى الْخَلاءِ كَأَنَّهُ يَقْضِي الْحَاجَةَ، فَكَانَ لا يَرْجِعُ مِنْ قَضَاءَ حَاجَتِهِ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهَا.
فَقَالَ بَعْضُ رُقَبَائِهِ لِبَعْضٍ: طَيِّبُوا نَفْسًا فَإِنَّ اللاتَ وَالْعُزَّى شَغَلاهُ بِبَطْنِهِ، ثُمَّ أَوَوْا إِلى مَضَاجِعِهِمْ وَأَسْلَمُوا عُيُونَهم إِلى الْكَرَى.
стр. 3314
فَتَسَلَّلَ صُهَيْبٌ مِنْ بَيْنِهِمْ وَيَمَّمَ وَجْهَهُ شَطْرَ الْمَدِينَةِ.
لَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ عَلَى رَحِيلِ صُهَيْبٍ حَتَّى فَطِنَ لَهُ رُقَبَاؤُهُ، فَهَبُّوا مِنْ نَوْمِهِمْ مَذْعُورِين، وَامْتَطَوْا خُيُولَهُمْ السَّوَابِقَ، وَأَطْلَقُوا أَعِنَّتَهَا خَلْفَهُ حَتَّى أَدْرَكُوه.
فَلَمَّا أَحْسَّ بِهِمْ، وَقَفَ عَلَى مَكَانٍ عَالٍ وَأَخْرَجَ سِهَامِهِ مِنْ كِنَانَتِهِ وَوَتَرَ قَوْسَهُ وَقَالَ:
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ - وَاللهِ - أَنِّي مَنْ أَرْمَى النَّاسِ وَأَحْكَمِهِمْ إِصَابَةً.
وَوَاللهِ لا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَ بِكُلِّ سَهْمٍ مَعِيَ رَجُلاً مِنْكُمْ.
ثُمَّ أَضْرِبُكُمْ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِيِ شَيْءٌ مِنْهُ.
فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: وَاللهَ لا نَدَعُكَ تَفُوزُ مِنَّا بِنَفْسِكَ وَبِمَالِكَ ... لَقَدْ أَتَيْتَ مَكَّةَ صُعْلُوكًا فَقِيرًا فَاغْتَنَيْتَ وَبَلَغْتَ مَا بَلَغْتَ.
فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ تَرَكْتُ لَكُمْ مَالِي، أَتُخَلُّونَ سَبِيلِي؟
قَالُوا: نَعَمْ.
فَدَلَّهم عَلَى مَوْضِعِ مَالِهِ فَأَخْذُوهُ مِنْهُ، ثُمَّ أَطْلَقُوا سَرَاحَهُ.
أَخَذَ صُهَيْبٌ يُعِدُّ السَّيْرَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ فَارًّا بِدِينِهِ إِلى الله.
غَيْرَ آسِفٍ عَلَى الْمَالِ الذِي أَنْفَقَ فِي جَنْيِهِ زَهْرَةَ الْعُمْر.
وَكَانَ كُلَّمَا أَدْرَكَهُ الْوَنَى وَأَصَابَهُ التَّعَبُ اسْتَفَزَّهُ الشَّوْقُ إِلى رَسُولِ اللهِ ? فَيَعُودُ إِلَيْهِ نَشَاطُه، وَيُوَاصِلُ سَيْرَهُ.
стр. 3315
فَلَمَّا بَلَغَ قُبَاءَ رَآه الرَّسُولُ صَلَواتُ الله عليه وسلامُه مُقْبلاً فَهَشَّ لَهُ وَبَشَّ وَقَالَ:
«رَبِحَ الْبَيْعُ يَا أَبَا يَحْيَى رَبِحَ الْبَيْعُ» . وَكَرَّرَهَا ثَلاثًا.
فَعَلَتِ الْفَرْحَةُ وَجْهَ صُهَيْبٍ وَقَالَ: وَاللهِ مَا سَبَقَنِي إِلَيْكَ أَحَدٌ يَا رَسُولَ الله.
وَمَا أَخْبَرَكَ بِهِ إِلا جِبْرِيلٌ.
حَقًّا لَقَدْ رَبِحَ الْبَيْعُ ...
وَصَدَّقَ ذَلِكَ وَحْيُ السَّمَاء ...
وَشَهِدَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ... حَيْثُ نَزَلَ فِي صُهَيْبٍ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ فَطُوبَى لِصُهَيْبِ بن سنَّانٍ الرُّومِيِّ، وَحُسْنُ مَآبٍ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا قَبْلَ أَنْ تَشْهَدَ عَلَيْنَا الْجَوَارِحَ وَنَبِّهْنَا مِنْ رَقَدَاتِ الْغَفَلاتِ فَأَنْتَ الْحَلِيمُ الْمُسَامِحُ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
مَوْعِظَةٌ: عِبَادَ اللهِ إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَانَتْ بِفِرَاق فَيَا وَيْحَ مَنْ كَانَ بِهَا جُلَّ اشْتِغَالِهِ، كَيْفَ يَطْمَئِنُّ الْعَاقِلُ إِلَيْهَا مَعَ تَحقَّقِهِ بِدُنُوِّ ارْتِحَالِهِ. كَيْفَ يَنْخَدِعُ الْيَوْمَ بِبَوَارِقَهَا مَنْ هُوَ غَدًا مُرْتَهِنٌ بَأَعْمَالِهِ كَيْفَ يَغْتَرُّ فِيهَا بِإِمْهَالِهِ وَإِمْهَاله لَمْ يَنْشَأْ إِلا عَنْ إِهْمَالِهِ.
كَيْفَ يَبِيتُ آمِنًا فِي تَوَسَّعِ آمَالِهِ. وَهُوَ لا يَدْرِي مَا يَطْرُقُ مِنْ بَغْتَةِ آجَالِهِ أَفَمَا تَرَوْنَ طَيْفَ الشَّبِيبَةَ قَدْ رَحَلَ؟ وَكَثِيرًا مَا حَلَّ بِالشَّبَابِ الْمَنُونِ. قَالَ بَعْضُهُمْ:
مَوْعِظَة: الْعُمْرُ أَمَانَةٌ أَتْلَفَتَ شَبَابَهِ فِي الْخِيَانَةِ، وَكُهُولَتَهُ فِي الْبَطَالةِ، وَفِي الشَّيْخُوخَةِ تَبْكِي وَتَقُولُ: عُمْرِي قَدْ ضَاعَ، مَتَى أَفْلَحَ الْخَائِنُ فِيمَا اشْتَرَى أَوْ
стр. 3316
بَاعَ، أَنْتَ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا صَحِيحَ الْجِسْمِ، وَفِي طَلَبِ الآخِرَةِ بِكَ أَوْجَاعِ كَمْ تُعُرِّجْ عَنْ سُبُل التَّقْوَى يَا أَعْرَجَ الْهِمَّةِ، يَا مَنْ يَبْقَى فِي الْقَاعِ، يَا مَنْ عَلَى عُمْرِهِ لَيْلُ الْغَفْلَةِ طَلَعَ فَجْرُ الْمَشِيبِ.
أَمَا تَرَوْنَ الشَّيْبَ قَدْ نَزَلَ وَقَبِيحٌ مَعَ الشَّيْبِ الْمُجُونُ. أَمَا تَرَوْنَ سَيْفَ الأَجَلِ قَدْ قَطَعَ الأَمَلَ فَإِلى مَتَى تُؤَمَّلُونَ فِي الْبَقَاءِ وَتَطْمَعُونَ.
أَمَا تَرَوْنَ رِيَاحَ الرَّحِيلَ تَهُبُّ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ وَسَبِيلٍ فَلِمَ لا تَرْكَبُونَ سُفنَ التَّوْبَةِ وَتُقْلِعُونَ.
أَمَا تَرَوْنَ أَشْرَاطَ السَّاعَةِ فِي كُلِّ حَال تُنَادِي بِفَصِيحِ الْمَقَالِ: يَا أَهْلَ الدُّنْيَا لا مَقَامَ لَكُمْ فَإِلى مَتَى لا تَرْجِعُونَ. هَلْ الأَعْمَارُ فِي الاعْتِبَارِ إِلا أَعْوَامٌ. وَهَلْ الأَعْوَامُ إِلا أَيَّامٌ.
وَهَلْ الأَيَّامُ إِلا سَاعَاتٌ كَالسُّفُُنُ يُنَادِي لِسَانُ سَيْرَهَا: يَا أَهْلَ الدُّنْيَا لا مَقَامَ. وَهَلِ السَّاعَةُ إِلا أَنْفَاسٌ تُحْصِيهَا الْحَفَظَةُ بِأَمْرِ الْمَلِكِ الْعَلام.
فَمَنْ كَانَ هَذَا أَسَاسَهُ كَيْفَ يَفْرَحُ بِدَار عَمَارُهَا فِي الْحَقِيقَةِ خَرَابٌ.
فَالسَّعِيدُ مَنْ أَضْمَرَ نُفْسَهُ مِنَ الْمَحْوِ وَأَخَفَّ ظَهْرَهُ مِنَ الأَوْزَارِ وَالتَّبِعَاتِ وَاعْتَبَرَ بِمَنْ مَضَى مِنَ الأُمَمِ الْمَاضِيَةِ أُوْلى النَّجْدَةِ وَالْهِمَمِ الْعَالِيَةَ.
نُثِرَ: وَالله سِلْكُهمْ بَعْدَ انْتِظَامِهِ. وَتَفَرَّقَ شَمْلُهُمْ بَعْدَ إِلْتِئَامِهِ وَعَادُوا كَمَنْ مَضَى مِنَ الأَقْرَانِ كَأَنَّمَا يَقْظَتُهُمْ كَانَتْ مَنَام. هَكَذَا الدُّنْيَا ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ .
فَرَحِمَ اللهُ عَبْدًا أَقْبَلَ عَلَى الْبَاقِي وَأَعْرَضَ عَن الْفَانِي مِنَ الْحُطَامِ. وَجَعَلَ لِشَارِدِ النَّفْسِ مِنَ التَّقْوَى أَقْوَى زِمَام. وَاجْتَنَبَ الظُّلْم فَإِنَّ الظُّلْمَ يُخْرُجُ مِنَ النُّورِ إِلى الظَّلامِ. فَنَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ تَوْفِيقًا يُقَرِّبُنَا مِنَ الْحَلالِ وَيُبْعِدُنَا عَن الْحَرَامِ. وَطَرِيقًا إِلى الْخَيْرَاتِ لِنَتَمَسَّكَ بِالزَّمَامِ. وَأَمْنًا يَوْمَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ يُبَلِّغُنَا غَايَةَ الْمُنَى. قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلا: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ .
стр. 3317
اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ سِرَّنَا وَعَلانِيَّتِنَا وَتَسْمَعُ كَلامَنَا وَتَرَى مَكَانَنَا لا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِنَا نَحْنُ الْبُؤَسَاءُ الْفُقَرَاءُ إِلَيْكَ الْمُسْتَغِيثُونَ الْمُسْتَجِيرُونَ بِكَ نَسْأَلُكَ أَنْ تُقَيِّضَ لِدِينِكَ مَنْ يَنْصُرُهُ وَيُزُيلُ مَا حَدَثَ مِنَ الْبِدَعِ وَالْمُنْكَرَاتِ، وَيُقِيمُ عَلَمَ الْجِهَادِ وَيَقْمَعُ أَهْلَ الزَّيْغِ وَالْكُفْرِ وَالْعِنَادِ، وَنَسْأَلُكَ أَنْ تَغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
شِعْرًا: ... فِيمَ الرُّكُونُ إِلى دَارِ حَقِيقَتُهَا
كَالطَّيْفِ فِي سِنَةٍ وَالظِّلِّ مِنْ مُزَنِ
دَارِ الْغُرُورِ وَمَأْوَى كُلِّ مُرْزِيَةٍ
وَمَعْدِنِ الْبُؤْسِ وَاللَّوَاءِ وَالْمِحَنِ
الزُّورُ ظَاهِرُهَا وَالْغَدرُ حَاضِرُهَا
وَالْمَوْتُ آخِرُها وَالْكَوْنُ في الشَّطَّنِ
تُبِيدُ مَا جَمَعَتْ تُهِينُ مَنْ رَفَعْتَ
تَضرُّ مَنْ نَفَعَتْ فِي سَالِفِ الزَّمَنِ
النَّفْسُ تَعْشِقُهَا وَالْعَيْنُ تَرْمُقَها
لِكَوْنِ ظَاهِرهَا فِي صُورَةِ الْحَسَنِ
سَحَّارةٌ تُحْكِمُ التَّخْيِيلَ حَتَّى يُرَى
كَأَنَّهُ الْحَقُّ إِذْ كَانَتْ مِنْ الْفِتَنِ
إِنَّ الإِله بَرَاهَا كَيْ يُمَيْزُ بِهَا
بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ أَهْلَ الْحُمْقِ وَالْفِطَنِ
فَذُو الْحَمَاقَةِ مَنْ قَدْ ظَلَّ يَجْمَعُهَا
يُعَانِيَ السَّعْيَ مِنْ شَامٍ إِلى يَمَنِ
стр. 3318
مُشَمِّرًا يَرْكَبُ الأَخْطَارَ مُجْتَهِدًا
لأَجْلِهَا يَسْتَلِينُ الْمَرْكَبَ الْخَشِنِ
وَذُو الْحِجَا يَقْلِهَا زُهْدًا وَيَنْبُذُهَا
وَرَاءَه نَبْذَةَ الأَقْذَارِ فِي الدِّمَنِ
يَرْمِي بِقَلْبٍ بَصِيرٍ فِي مَصَائِرِهَا
فَلا يُصَادِفُ غَيْرَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ
يَجُولُ بِالْفِكْرِ فِي تَذْكَارِ مَنْ صَرَعَتْ
مِنْ مُؤْثِرِيهَا بِسَعْيِ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ
مِمَّنْ أَشَادَ مَبَانِيهَا وَأَحْكَمَهَا
لِيَسْتَجِنَّ مِنْ الأَقْدَارِ بِالْجُنَنِ
نَالُوا مَكَارِمَهَا أَحْيَوا مَعَالِمَهَا
سَلُّوا صَوَارِمَهَا لِلْبَغْيِ وَالظَّغَنِ
رَقَوْا مَنَابِرَهَا قَادُوا عَسَاكِرَهَا
بِقُوَّةٍ وَابْتَنَوا الأَمْصَارَ وَالْمُدُنِ
وَعَبَّدُوا النَّاسَ حَتَّى أَصْبَحُوا ذُلُلاً
لأَمْرِهِمْ بَيْنَ مَغْلُوبٍ وَمُمْتَهَنِ
وَجَمَعُوا الْمَالَ وَاسْتَصْفَوا نَفَائِسَهُ
لِمُتْعَةِ النَّفْسِ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَنِ
حَتَّى إِذَا امْتَلَئُوا بِشْرًا بِمَا ظَفِرُوا
وَمُكَّنُوا مِنْ عُلاهَا أَبْلَغَ الْمِكَنِ
نَادَاهُمُوا هَادِمُ اللذَّاتِ فَاقتَحَمُوا
стр. 3319
.. سُبْلَ الْمَمَاتِ فَأَضْحَوا عِبْرَةَ الْفِطَنِ
تِلْكَ الْقُبُورُ وَقَدْ صَارُوا بِهَا رِمَمًا
بَعْدَ الضَّخَامَةِ في الأَجْسَامِ وَالسِّمَنِ
بَعْدَ التَّشَهِّي وَأَكْلِ الطَّيِّبَاتِ غَدَا
يَأْكُلْهُمْ الدُّودُ تَحْتَ التُّرْبِ وَاللَّبِنِ
تَغَيَّرَتْ مِنْهُمْ الأَلْوَانُ وَانْمَحَقَتْ
مَحَاسِنُ الْوَجْهِ وَالْعَيْنَيْنِ وَالْوُجَنِ
خَلَتْ مَسَاكِنَهُمْ عَنْهُمْ وَأَسْلَمَهُمْ
مَنْ كَانَ يَنْصُرُهُمْ في السِّرِّ وَالْعَلَنِ
وَعَافَهُم كُلُّ مَنْ قَدْ كَانَ يَأْلَفُهم
مِنْ الأَقَارِبِ وَالأَهْلِينَ وَالْخِدَنِ
مَا كَانَ حَظُّهُمْ مِنْ عَرْضِ مَا اكْتَسَبُوا
غَيْرَ الْحَنُوطِ وَغَيْرَ الْقُطْنِ وَالْكَفَنِ
تِلْكَ الْقُصُورُ وَتِلْكَ الدُّورُ خَاوِيَةٌ
يَصِيحُ فِيهَا غُرَابُ الْبَيْنِ بِالْوَهَنِ
فَلَوْ مَرَرْتَ بِهَا وَالْبُومُ يَنْدُبُهَا
فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لَمْ تَلْتَذَّ بِالْوَسَنِ
وَلا تَجَمَّلْتَ بِالأَرْيَاشِ مُفْتَخِرًا
وَلا افْتَتَنْتَ بِحُبِّ الأَهْلِ وَالسَّكَنِ
وَلا تَلَذَّذْتَ بِالْمَطعُومِ مُنْهَمِكَا
وَلا سَعِيت لِدُنْيَا سَعَيَ مُفْتَتَنِ
стр. 3320
.. وَلا اعْتَبَرْتَ إِذَا شَاهَدْتَ مُعْتَبَرًا
تَرَاهُ بِالْعَيْنِ أَوْ تَسْمَعْهُ بِالأُذُنِ
إِنَّ الْمَوَاعِظَ لا تُغْنِي أَسِيرَ هَوَى
مُقْفَّلَ الْقَلْبِ فِي حَيْدٍ عَنْ السُّنَنِ
مُسْتَكْبِرًا يَبْطُرُ الْحَقَّ الصَّرِيحَ إِذَا
يُلْقَى إِلَيْهِ لِفَرْطِ الْجَهْلِ وَالشَّنَنِ
يُمَنِّيُ النَّفْسَ أَمْرًا لَيْسَ يُدْرِكُه
إِنَّ الأَمَانِيَّ مِقْطَاعٌ عَنْ الْمِنَنِ
يَكْفِي اللَّبِيبَ كِتَابُ اللهِ مَوْعِظَةً
كَمَا أَتَى فِي حَدِيثِ السَّيِّدِ الْحَسَنِ
مُحَمَّدٍ خَيْرِ خَلْقِ اللهِ قُدْوَتِنَا
مُطَهِّرِ الْجَيْبِ عَنْ عَيْبٍ وَعَنْ دَرَنِ
عَلَيْهِ مِنَّا صَلاةُ اللهِ دَائِمَةً
مَا سَارَتْ الرِّيحُ بِالأَمْطَارِ وَالسُّفُنِ
وَالآلِ وَالصَّحْبِ مَا غَنَّتْ مُطَوَّقَةٌ
وَمَا بَكَتْ عَيْنُ مُشْتَاقٍ إِلى وَطَنِ
قِصَّة لِزَيْدِ بن حَارِثَةْ
مَضَتْ سُعْدَى بِنْتُ ثَعْلَبَةَ تَبْتَغِي زِيَارَةَ قَوْمِهَا بَنِي مَعْنٍ، وَكَانَتْ تَصْحَبُ مَعَهَا غُلامَهَا زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ الْكَعْبِيَّ.
فَمَا كَادَتْ تَحُلُّ فِي دِيَارِ قَوْمِهَا حَتَّى أَغَارَتْ عَلَيْهِمْ خَيْلٌ لِبَنِي الْقَيْنِ فَأَخَذُوا الْمَالَ وَاسْتَاقُوا الإِبْلِ، وَسَبَوْا الذَّرَارِي، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنِ احْتَمَلُوهُ مَعَهُمْ وَلَدُهَا زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ.
стр. 3321
وَكَانَ زَيْدٌ - إِذْ ذَاكَ - غُلامًا صَغِيرًا يَدْرُجُ نَحْوَ الثَّامِنَةِ مِنْ عُمْرِهِ، فَأَتَوْا بِهِ سَوْقَ عُكَاظٍ وَعَرَضُوهُ لِلْبَيْعِ فَاشْتَرَاهُ ثَرِيٌّ مِنْ سَادَةِ قُرَيْشٍ هُوَ حَكِيمُ بن حِزَامِ بن خُوَيْلِدٍ بَأَرْبِعِمَائَةِ دِرْهَمٍ.
وَاشْتَرَى مَعَهُ طَائِفَةً مِنْ الْغُلْمَانِ، وَعَادَ بِهِمْ إِلى مَكَّةَ.
فَلَمَّا عَرَفَتْ عَمَّتُهُ خَدِيجَةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ بِمَقْدِمِه، زَارَتْهُ مُسَلِّمَةً عَلَيْهِ، مُرَحِّبَةً بِهِ، فَقَالَ لَهَا: يَا عَمَّة، لَقَدْ ابْتَعْتُ مِنْ سُوقِ عُكاظ طائفةً من الغِلمان فاخْتَارِي أَيًّا منهم تَشَائينَهُ، فهو هَدِيَّةٌ لَكِ.
فَتَفَرَّسَتِ السَّيِّدَةُ خَدِيجَةُ وُجُوهَ الْغُلْمَانِ ... وَاخْتَارَتْ زَيْدَ بن حَارِثَةَ، لِمَا بَدَا لَهَا مِنْ عَلامَاتِ نَجَابَتِهِ، وَمَضَتْ بِهِ.
وَمَا هُوَ إِلا قَلِيلٌ حَتَّى تَزَوَّجَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلَدٍ مِنْ مُحَمَّدِ بن عَبْدِ الله، فَأَرَادَتْ أَنْ تُطْرِفَهُ وَتُهْدِي لَهُ، فلمْ تَجِدْ خيرًا من غلامِها الأثيرِ زيدِ بن حارِثَةَ، فَأَهْدَتْهُ إِلَيْهِ.
وَفِيمَا كَانَ الغلامُ الْمَحْظُوظُ يَتَقَلَّبُ في رِعَايَةِ محمدِ بنِ عَبْدِ الله، وَيَحْظَى بِكَرِيمِ صُحْبَتِهِ، وَيَنْعُمُ بِجَمِيلِ خِلالهِ.
كانت أُمُّهُ المفجوعةُ بفَقْدِهِ لا تَرْفَأْ لَهَا عَبْرَةٌ وَلا تَهْدَأْ لها لَوْعَةٌ وَلا يَطْمَئِنُّ لها جَنْبٌ.
وَكَانَ يُزِيدُهُا أسىً على أساها أنها لا تَعْرِفُ أَحَيٌّ هو فَتَرْجُوهُ أَمْ مَيْتٌ فَتَيْأَسُ مِنْهُ.
أما أبوه فأخذ يَتَحَرَّاهُ في كلِّ أَرْضٍ، وَيُسَائِلُ عنه كلَّ رَكْبٍ ويَصُوغُ حنينَه إليه شِعْرًا حَزِينًا تَتَفَطَّرُ له الأكباد حيث يقول:
стр. 3322
بكَيْتُ عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلْ
أَحَيٌّ فَيُرَجَّى أَمْ أَتَى دُونَه الأَجَلْ؟
فَوَ اللهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَسَائِلٌ
أَغَالَكَ بَعْدِي السَّهْلُ أَمْ غَالَكَ الْجَبَلْ
تُذْكِّرُنِيهِ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا
وَتُعْرِضُ ذِاكْرَاهُ إِذَا غَرْبُهَا أفَلْ
سَأُعْمِلُ نَصَّ الْعِيسِ في الأَرْضِ جَاهِدًا
وَلا أَسْأَمَ التَّطْوَافَ أَوْ تَسْأَمَ الإِبِلْ
حَيَاتِي أَوْ تَأتِي عَلَيَّ مَنِيَّتِي
فَكُلُّ امْرِئٍ فَانٍ وَإِنْ غَرَّهُ الأَمَلْ
وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
فَصْلٌ: وَفِي مُوسِمٍ مِنْ مَوَاسِمِ الْحِجِّ قَصَدَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِ زَيْدٍ وَفِيمَا كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، إِذَا هُمْ بِزَيْدٍ وِجْهًا لِوَجْهٍ، فَعَرَفُوهُ وَعَادُوا إِلى دِيَارِهِمْ أَخْبَرُوا حَارِثَةَ بِمَا رَأَوْا وَحَدَّثُوهُ بِمَا سَمِعُوا.
فَمَا أَسْرَعَ أَنْ أَعَدَّ حَارِثَةُ رَاحِلَتَهُ، وَحَمَلَ مِنَ الْمَالِ مَا يَفْدِي بِهِ فَلَذَةَ الْكَبِدِ، وَقُرَّةَ الْعَيْنِ، وَصَحَبَ مَعَهُ أَخَاهُ كَعْبًا، وَانْطَلَقَا مَعًا يُغِذَّانِ السَّيْرَ نَحْوَ مَكَّةَ. فَلَمَّا بَلَغَاهَا دَخَلا عَلَى مُحَمَّدِ بن عَبْدِ اللهِ وَقَالا لَهُ:
يَا ابنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْتُمْ جِيرَانُ الله، تَفُكُّونَ الْعَانِيَ، وَتُطْعِمُونَ الْجَائِعَ، وَتُغِيثُونَ الْمَلْهُوفَ.
وَقَدْ جِئْنَاكَ فِي ابْنِنَا الذِي عِنْدَكَ وَحَمَلْنَا إِلَيْكَ مِنْ الْمَالِ مَا يَفِي بِهِ. فَامْنُنْ عَلَيْنَا وَفَادِهِ لَنَا بِمَا تَشَاءُ.
فَقَالَ مُحَمَّد: ((وَمَنْ ابْنُكُمَا الذِي تَعْنِيَانِ)) ؟
стр. 3323
فَقَالَ: غُلامُكَ زَيْدُ بنُ حَارِثَة.
فَقَالَ: ((وَهَلْ لَكُمَا فِيمَا هُوَ خَيْرٌ مِنَ الْفِدَاءِ)) ؟
فَقَالا: وَمَا هُوَ؟!
فَقَالَ: ((أَدْعُوهُ لَكُمْ، فَخَيَّرُوهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَإِنْ اخْتَارَكُمْ فَهُوَ لَكُمْ بِغَيْرِ مَالٍ وَإِنْ اخْتَارَنِي فَمَا أَنَا - والله - بِالذِي يَرْغَبُ عَمَّنْ يَخْتَارُه)) .
فَقَالا: لَقَدْ أَنْصَفْتَ وَبَالَغْتَ فِي الإِنْصَافِ.
فَدَعَا مُحَمَّدٌ زَيْدًا وَقَالَ:
((مَنْ هَذَانِ)) ؟
قَالَ: هَذَا أَبِي حَارِثَةُ بنُ شُرَاحِيلَ، وَهَذَا عَمِّي كَعْبٌ.
فَقَالَ: ((قَدْ خَيَّرْتُكَ: إِنْ شِئْتَ مَضَيْتَ مَعَهُمَا، وَإِنْ شِئْتَ أَقَمْتَ مَعِي)) .
فَقَالَ - فِي غَيْرِ إِبْطَاءٍ وَلا تَرَدُّدٍ -: بَلْ أُقِيمَ مَعَكَ.
فَقَالَ أَبُوهُ: وَيْحَكَ يَا زَيْدُ، أَتَخْتَارُ الْعُبُودِيَّةَ عَلَى أَبِيكَ وَأُمِّكَ؟!
فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ شَيْئًا، وَمَا أَنَا بِالذِي يُفَارِقُهُ أَبَدًا.
فَلَمَّا رَأَى مُحَمَّدٌ مِنْ زَيْدٍ مَا رَأَى، أَخَذَ بِيَدِهِ وَأَخْرَجَهُ إِلى الْبَيْتَ الْحَرَامِ وَوَقَفَ بِهِ بِالْحِجْرِ عَلَى مَلاءٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَقَالَ:
((يَا مَعْشَرَ قُرَيْش اشْهَدُوا أَنَّ هَذَا ابْنِي يَرِثُنِي وَأَرِثُه)) ...
فَطَابَتْ نَفْسُ أَبِيهِ وَعَمِّهِ، وَخَلَّفَاهُ عِنْدَ مُحَمَّدِ بن عَبْدِ اللهِ، وَعَادَ إِلى قَوْمِهِمَا مُطْمَئِنِّي النَّفْسَ مُرْتَاحِي الْبَالِ.
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَصْبَحَ زَيْدُ بنُ حَارِثَهَ يُدْعَى بِزَيْدِ بن مُحَمَّدٍ، وَظَلَّ يُدْعَى كَذَلِكَ حَتَّى بُعِثَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ وَأَبْطَلَ الإِسْلامَ التَّبَنِّي حَيْثُ نَزَلَ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ فَأَصْبَحَ يُدْعَى: زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ.
стр. 3324
وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ زَيْدٌ - حِينَ اخْتَارَ مُحَمَّدًا عَلَى أُمِّهِ وَأَبِيهِ - أَيَّ غُنْمٍ غَنِمَهُ.
وَلَمْ يَكُنْ يَدْرِي أَنَّ سَيِّدَهُ الذِي آثَرَهُ عَلَى أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ هُوَ سَيِّدُ الأَوَّلِينَ وَالآخَرِينَ، وَرَسُولُ الله إلى خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ.
وَمَا خَطَرَ لَهُ بِبَالٍ أَنَّ دَوْلَةً لِلسَّمَاءِ سَتَقُومُ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ فَتَمْلأُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِق وَالْمَغْرِبِ بِرًّا وَعَدْلاً، وَأَنَّهُ هُوَ نَفْسَهُ سَيَكُونُ اللَّبِنَةَ الأُولى فِي بِنَاءِ هَذِهِ الدَّوْلَة العظمى ...
لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَدُورُ فِي خَلَدِ زَيْدٍ ... وَإِنَّمَا هُوَ فَضْلُ اللهُ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ... وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَمْضِ عَلَى حَادِثَةِ التَّخْيِيرِ هَذِهِ إِلا بِضْعُ سِنِينَ حَتَّى بَعَثَ الله نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا بِدِينِ الْهُدَى وَالْحَقِّ، فَكَانَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ من الرِّجَال.
وَهَلْ فَوْقَ هَذِهِ الأَوَّلِيَّةِ أَوَّلِيَّةٌ يَتَنَافَسَ فِيهَا الْمُتَنَافِسُون؟!
لَقَدْ أَصْبَحَ زَيْدُ بن حَارِثَةَ أَمِينًا لِسِرِّ رَسُولِ اللهِ، وَقَائِدًا لِبُعُوثِهِ وَسَرَايَاهُ وَأَحَدَ خُلَفَائِهِ عَلَى الْمَدِينَةَ إِذَا غَادَرَهَا النَّبِيُّ ﵊.
وَكَمَا أَحَبَّ زَيْدٌ النَّبِيَّ وَآثَرَهُ عَلَى أُمِّهِ وَأَبِيهِ، فَقَدْ أَحَبَّهُ الرَّسُولُ الْكَرِيمِ صَلَوَاتُ اللهُ عَلَيْهِ وَخَلَطَهُ بِأَهْلِهِ وَبَنِيهِ، فَكَانَ يَشْتَاقُ إِلَيْهِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، وَيَفْرَحُ بِقُدُومِهِ إِذَا عَادَ إِلَيْهِ، وَيَلْقَاهُ لِقَاءٌ لا يَحْظَى بِمِثْلِهِ أَحَدٌ سِوَاهُ.
فَهَا هي ذي عائِشَةُ رِضْوَانُ الله عليها تُصَوِّرُ لنا مَشْهَدًا من مَشَاهِدِ فَرْحَةِ رَسُولِ الله ? بِلِقَاءِ زَيْدٍ فَتَقُولُ: (قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللهِ
стр. 3325
فِي بَيْتِي فَقَرَعَ الْبَابَ، فَقَامَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ عُرْيَانًا - لَيْسَ عَلَيْهِ إِلا مَا يَسْتُرُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ - وَمَضَى إِلى الْبَابِ يَجُرُّ ثَوْبَهُ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ. وَاللهِ مَا رَأَيْتُ رَسُولُ اللهِ عُرْيَانًا قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ.
وَقَدْ شَاعَ أَمْرُ حُبِّ النَّبِيِّ لِزَيْدٍ بَيْن الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَفَاضَ، فَدَعَوْهُ (بَزِيدِ الْحُبِّ) وَأَطْلَقُوا عَلَيْهِ لَقبِ (حِبِّ) رَسُولِ الله، وَلَقَّبُوا ابْنَهُ أُسَامَةَ مِنْ بَعْدِهِ بِحِبِّ رَسُولِ اللهِ وَابْنِ حِبِّه.
وفي السنة الثامنة من الهجرة شاء الله - تَبَارَكَتْ حِكْمَتُه - أن يَمْتَحِنَ الحبيبَ بفراقِ حبيبِه.
ذلك أنَّ الرسولَ صلواتُ الله وسلامُه عليه، بَعَثَ الحارِثَ بن عُمَيْرٍ الأزْدِيَّ بِكِتَابٍ إِلى مَلِكِ بُصْرَى يدعوه فيه إلى الإِسْلامِ، فَلَمَّا بلغَ الحارثُ (مُؤْتَةَ) بشرقي الأردن، عَرَضَ له أحدُ أمراءِ الغساسِنَةِ شُرْحَبِيلُ بنُ عمرو فأخَذَه، وشدَّ عليه وثاقه، ثم قَدَّمَهَ فَضَرَبُ عُنُقَه.
فاشتدَّ ذلك على النبيِّ صَلواتُ اللهِ وسلامُه عليه إذ لم يُقْتَلْ له رسولٌ غَيْرُه.
وَجهَّزَ جَيْشًا مِنْ ثَلاثةِ آلافِ مُقَاتِلٍ لِغَزْوِ مُؤْتَةَ وَوَلَّى على الجيشِ حبيبَه زَيدَ بنَ حارِثَةَ، وَقَالَ: إِنْ أُصِيبَ زيدٌ فَتَكُونُ الْقِيَادَةُ لِجَعْفَرِ بنِ أبي طالب، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرُ كَانتْ إلى عبدِ الله بنِ رَوَاحَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ عَبْدُ الله فَلَيَخْتَرَ المسلمون لأنفسهم رجلاً منهم.
مضى الجيشُ حتى وصَلَ إلى (معان) بشرقي الأُرْدُن.
стр. 3326
فَهَبَّ هِرْقَلُ ملكُ الرومِ على رأسِ مائةِ ألفِ مُقَاتِلٍ للدفاعِ عَنْ الْغَسَاسِنَة وَانضمَّ إليه مَائةُ أَلْفٍ مِنْ مُشْرِكي العرب، وَنَزَلَ هذا الجيشُ الْجَرَّارُ غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْ مواقع المسلمين.
باتَ المسلمون في (معان) ليلتين يتشاورون فيما يصنعون.
فقال قائلٌ: نَكْتُبُ إلى رسولِ الله وَنُخْبِرُهُ بِعَدَدِ عَدُوِّنا وَنَنْتَظِرُ أَمْرَه.
وقال آخر: والله - يا قوم - إِنَّنَا لا نُقَاتِلُ بَعَدَدٍ وَلا قُوَّةٍ وَلا كُثْرَةٍ وَإِنَّمَا نُقَاتِلُ بِهَذَا الدِّينِ.
فَانْطَلِقُوا إِلى مَا خَرَجْتُمْ لَهُ.
وقد ضَمِنَ الله لَكُمْ الْفَوْزَ بِإِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ: إِمَّا الظَّفَرُ وَإِمَّا الشَّهَادة.
ثُمَّ الْتَقَى الجمعان على أرضِ مُؤتَةَ، فقاتَلَ المسلمون قِتَالاً أَذْهَلَ الرُّومَ وَمَلأَ قُلُوبَهُمْ هَيْبَةً لِهَذِهِ الآلافِ الثلاثةِ التي تَصَدَّتْ لِجَيْشِهِمْ الْبَالِغِ مائتي ألفٍ.
وجالَدَ زيدَ بن حارِثَةَ عن رَايَةِ رسولِ الله ? جِلادًا لم يَعْرِفْ له تاريخُ الْبُطُولاتِ مَثِيلاً حَتَّى خَرَّقَتْ جَسَدَهُ مِئَاتُ الرِّمَاحِ فَخَرَّ صَرِيعًا يَسْبَحُ فِي دِمَائِهِ.
فَتَنَاوَلَ مِنْهُ الرَّايَةَ جَعْفَرُ بنُ أَبِي طالبٍ وَطَفِقَ يَذُودَ عنها أَكْرَمَ الذَّوْدِ حَتى لَحِقَ بصاحبه.
فتناول منه الرايةَ عبدُ الله بنُ رَوَاحَةَ فَنَاضَلَ عنها أَبْسَلَ النِّضَالِ حَتَّى انْتَهَى إلى ما انْتَهَى إليه صاحباه.
فأَمَّرَ النَّاسُ عليهم خالدَ بنَ الْوَلِيدِ - وكان حَدِيثَ إِسْلامٍ - فانْحَازَ بالجيش، وأنقذه من الفناءِ الْمُحَتَّمِ.
стр. 3327
بلغت رسولَ الله ? أنباءُ مُؤْتَةَ، وَمَصْرَعُ قَادَتِهِ الثَّلاثَةِ فَحَزِنَ عَلَيْهِمْ حُزْنًا لَمْ يَحْزَنْ مِثْلَهُ قَطُّ.
وَمَضَى إِلى أهليهم يُعَزِّيهِمْ بِهِمْ.
فلما بَلَغَ بَيْتَ زَيْدِ بنِ حارِثَةَ لاذَتْ بِهِ ابْنَتُهُ الصَّغِيرَةُ وَهِيَ مُجْهِشَةٌ بِالْبُكَاءِ فَبَكَى رَسُولُ اللهِ ? حَتَّى انْتَحَب.
فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بنُ عُبَادَة:
مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟!
فَقَالَ ﵊:
((هذا بُكاءُ الحبِيبِ على حبيبِه)) .
اللَّهُمَّ ثَبَّتْ مَحَبَّتِكَ في قُلُوبِنَا وَقَوِّهَا وَارْزُقْنَا الْقِيَامَ بِطَاعَتِكَ وَجَنِّبْنَا مَا يُسْخِطُكَ وَأَصْلِحْ نِيَّاتِنَا وَذُرِّيَاتِنَا وَأَعِذْنَا مِنْ شَرِّ نُفُوسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا وَأَعِذْنَا مِنْ عَدُوِّكَ وَاجْعَلْ هَوَانَا تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُكَ ﷺ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
مَوْعِظَةٌ
عِبَادَ اللهِ إِنَّ طَاعَةَ اللهِ صَلاحٌ في الأَرْضِ لِهَذَا أَمَرَ بِالطَّاعَاتِ، وَهَذِهِ الطَّاعَاتِ تُرْضِي اللهَ سُبْحَانَهُ لأَنَّهَا شُكْرٌ لَهُ عَلَى نِعَمِهِ الْمُتَوَالِيَاتِ، فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَحُثَّ عَلَيْهَا وَأَنْ نَأْمُرَ مَنْ تَرَكَ الطَّاعَةَ أضنْ يَعُودَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَتْ مِنْ فَرَائِضِ الدِّينِ كَالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ، وَأَنْ نَنْكِرَ عَلَى مَنْ رَأَيْنَاهُ يَقْتَرِفُ مَعْصِيَةَ مِنْ الْمَعَاصِي، لأَنَّ الْمَعَاصِي بِكُلِّ أَنْوَاعِهَا شُرُورٌ وَأَضْرَارٌ
стр. 3328
وَفَسَادٌ وَلَهَا شُؤْمٌ قَدْ يَعُمُّ الدُّنْيَا وَيَفْعَلُ الأَفَاعِيلَ الْعِظَامِ فِي بَنِي الإِنْسَانِ وَمِنْ آثَارِهَا الْمُضرَّةِ بِالْقَلْبِ وَالْبَدَنِ: أَنَّهَا إِفْسَادٌ لِلْعَقْلِ فَإِنَّ الْعَقْلَ نُورٌ وَالْمَعْصِيَةُ تُطْفِئُ نُورَ الْعَقْلِ وَمِنْهَا أَنَّ الْمَعَاصِي مَدَدٌ مِنْ الإِنْسَانِ يَمُدُّ بِهَا عَدُوَّهُ عَلَيْهِ وَجَيْشٌ يُقَوِّيهِ بِهِ عَلَى حَرْبِهِ وَمِنْهَا أَنَّهَا تُوهِنُ الْقَلْبَ وَالْبَدَنَ وَمِنْهَا أَنَّهَا تَزْرَعُ أَمْثَالهَا مِنْ الْمَعَاصِيَ وَمِنْهَا أَنَّهَا تَمْحَقُ بَرَكَةَ الْعُمْرِ وَمِنْهَا أَنَّهَا تُسَبِّبُ شَمَاتَةَ الأَعْدَاءِ وَمِنْهَا أَنَّهَا تُعَسِّرُ عَلَى الإِنْسَانِ أُمُورَهُ، وَمِنْهَا أَنَّهَا تُسَبِّبُ الْوَحْشَة بَيْنَ الْعَاصِي وَبَيْنَ أَهْلَ الْخَيْرِ وَمِنْهَا أَنَّهَا تُذْهِبُ الْحَيَاءَ وَمِنْهَا أَنْ تَسْتَدْعِي نِسْيَانَ اللهِ لِعَبْدِهِ وَتَرْكِهِ، وَمِنْهَا أَنَّهَا تُطْفِئُ مِنْ الْقَلْبَ نَارَ الْغَيرَةِ وَمِنْهَا أَنَّهَا تُضْعِفُ فِي الْقَلْبِ تَعْظِيمَ الرَّبِّ وَمِنْهَا أَنَّهَا تُعْمِي بَصِيرَةَ الْقَلْبِ وَتَطْمِسُ نُورَهُ وَمِنْهَا أَنَّهَا تُسْقِطُ الْجَاهَ وَالْمَنْزِلَةَ عِنْدَ اللهِ إِلى مَالا نِهَايَةَ لَهُ مِنْ الأَضْرَارِ لِهَذَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَنْهَي عَنِ الْمَعَاصِي لاسِيَّمَا إِذَا كَانَتْ مِنْ كِبَارِ الْمَعَاصِي، وَلا تَنْسَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَعَنَهُمْ اللهُ لَمَّا فَقَدُوا الْغَيرَةَ عَلَى انْتِهَاكِ الْحُرمَاتِ وَلا تَنَاهَوْ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَتَأَمَّل أَحْوَالَ الأُمَم وَمَا حَلَّ بِهَا مِنْ الْعُقُوبَاتِ بِأَسْبَابِ الذُّنُوبِ قاَلَ تَعَالى: ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ .
وَذَكَرَ ابنُ كَثِيرٍ أَنَّ فِي سَنَةِ سَبْع وَتِسْعِينَ وَخَمْسُمائة ٥٩٧ اشْتَدَّ الْغَلاءُ بَأَرْضِ مَصْرَ فَهَلَكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ جِدّاً مِنْ الْفُقَرَاءِ وَالأَغْنِيَاءِ ثُمَّ أَعْقَبَهُ فَنَاءٌ عَظِيمٌ حَتَّى حَكَى الشَّيْخُ أَبُو شَامَةَ فِي الذَّيْلِ أَنَّ الْعَادِلَ كَفَّنَ مِنْ مَالِهِ فِي مُدَّةِ شَهْرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ نَحْواً مِنْ مَائَتَيْ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفِ مَيِّتٍ (٢٢٠٠٠٠) وَأُكِلَتِ الْكِلابُ وَالْمَيْتَاتُ فِيهَا بِمَصْرَ وَأُكِلَ مِنْ الصِّغَارِ وَالأَطْفَالِ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَشْوِي الصَّغِيرَ وَالِدَاهُ وَيَأْكُلانِهِ وَكَثُرَ فِي النَّاسَ هَذَا جِدّاً حَتَّى صَارَ لا يُنْكَرُ بَيْنَهُمْ،
стр. 3329
فَلَمَّا فَرَغَتِ الأَطْفَالُ وَالْمَيْتَاتُ غَلَبَ الْقَوِيُّ الضَّعِيفَ فَذَبَحَهُ وَأَكَلَهُ وَكَانَ الرَّجُلُ يَحْتَالُ عَلَى الْفَقِيرِ فَيَأْتِي بِهِ لِيُطْعِمَهُ أَو لِيُعْطِيَهُ شَيْئاً ثُمَّ يَذْبَحَهُ وَيَأْكُلهُ وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَذْبَحُ امْرَأَتَهُ وَيَأْكُلُهَا وَشَاعَ هَذَا بَيْنَهُمْ بِلا إِنْكَارٍ وَلا شَكْوَى بَلْ عَذَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَوُجِدَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَرْبَعُمِائَةِ رَأْسٍ وَهَلَكَ كَثِيرٌ مِنَ الأَطِبَّاءِ الذِينَ يُسْتَدْعَونَ إِلى الْمَرْضَى فَكَانُوا يُذْبَحُونَ وَيُؤْكَلُونَ كَانَ الرَّجُلُ يَسْتَدِعي الطَّبِيبَ ثُمَّ يَذْبَحُه وَيَأْكُلُه. وَقَدْ اسْتَدْعَى رَجُلٌ طَبِيباً حَاذِقاً وَكَانَ الرَّجُلُ مُوسِراً مِنْ أَهْلِ الْمَالِ فَذَهَبَ الطَّبِيبُ مَعَهُ عَلَى وَجَلٍ وَخَوْفٍ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَتَصَدَّقُ عَلَى مَنْ لَقِيَهُ فِي الطَّرِيقِ وَيَذْكُرَ اللهَ وَيُسَبِّحُه وَيُكْثِرُ مِنْ ذَلِكَ فَارْتَابَ بِهِ الطَّبِيبُ وَتَخَيَّلَ مِنْهُ وَمَعَ هَذَا حَمَلَهُ الطَّمَعُ عَلَى الاسْتِمْرَارِ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ دَارَهُ فَإِذَا هِيَ خَرِبَةٌ فَارْتَابَ الطَّبِيبُ أَيْضاً فَخَرَجَ صَاحِبُه فَقَالَ لَهُ:
وَمَعَ الْبُطْءِ جِئْتَ لَنَا بِصَيْدٍ فَلَمَّا سَمِعَهَا الطَّبِيبُ هَرَبَ فَخَرَجَا خَلْفَهُ سِرَاعاً فَمَا خَلَصَ إِلا بَعْدَ جَهْدٍ وَشَرٍّ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَنَةَ ٥٩٧ وَقَعَ وَبَاءٌ شَدِيدٌ بِبِلادِ عَنْزَةَ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَكَانُوا عِشْرِينَ قَرْيَةً فَبَادَتْ مِنْهَا ثَمَانِيَة عَشَرَ لَمْ يَبْقَ دَيَّارٌ وَلا نَافِخُ نَارٍ وَبَقِيَتْ أَنْعَامُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ لا قَانِيَ لَهَا. وَلا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَسْكُنَ تِلْكَ الْقُرَى وَلا يُدْخِلَهَا. بَلْ كَانَ مَنْ اقْتَرَبَ إِلى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْقُرَى هَلَكَ مِنْ سَاعَتِه.
نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ بَأْسِهِ وَعَذَابِهِ وَغَضَبِهِ وَعِقَابِهِ أَمَّا الْقَرْيَتَانِ الْبَاقِيَتَانِ فَلَمْ يَمُتْ مِنْهَا أَحَدٌ وَلا عِنْدَهُمْ شُعُورٌ بِمَا جَرَى عَلَى مَنْ حَوْلَهُمْ بَلْ هُمْ عَلَى حَالِهِمْ لَمْ يُفْتَقَدْ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَسُبْحَانَ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ. انْتَهَى كَلامُه.
وذكر السيوطي ﵀ في تاريخ الخلفاء أن في سنة ٥٢٤ ارتفع سحابٌ
стр. 3330
أَمْطَرَ بَلَدَ الْمَوْصِلِ نَاراً أَحْرَقَتْ من الْبَلَد مَوَاضِعَ كَثِيرَةً وَدُوراً كَثِيرَةً وَظَهَرَ فِيهَا بِبَغْدَاد عِقَابٌ طَيَّارة لَهَا شَوْكَتَانَ وَخَافَ النَّاسُ مِنْهَا وَقَدْ قَتَلَتْ جَمَاعَةَ أَطْفَالٍ.
هَذَا كُلَّهُ مِنْ آثَارِ الْمَعَاصِي قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلا: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ وَمَنْ نَظَرَ إِلى الْحَالَةِ الْيَوْمَ وَمَا ظَهَرَ وَانْتَشَرَ مِنَ الْمَعَاصِي انْتَشَارَ الْوَبَاءِ وَرَأَى النِّعَمَ فِي الْمَزَابِلِ وَرَأَى الْكُتُبَ الدِّينِيَّةِ تُطْرَحُ كَذَلِكَ مَعَ الْقُمَامَةِ وَفِي الشَّوَارِع تُدَاسُ وَلا آمِرَ وَلا نَاهِي مَلأَ الْخَوْفُ مِنْ الْعُقُوبَةِ صَدْرَهُ وَإِنْ كَانَ قَوِيَّ الدِّينِ وَعِنْدَهُ غَيْرَةٌ لِدِينِهِ مَرَضَ مِمَّا رَأَى وَسَمِعَ نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَخُصَّ بِالْعُقُوبَةِ مَنْ فَعَلَهَا وَمَنْ رَضَى بِهَا وَمَنْ عَلِمَ بِهَا وَقَدِرَ عَلَى إِزَالَتِهَا وَلَمْ يَفْعَلْ.
اللَّهُمَّ ابْرِمْ لِهَذِهِ الأُمَّةِ أَمْرَ رُشْدٍ يُعَزُّ فِيهِ أَهْلُ طَاعَتِكَ وَيُذَلُّ فِيهِ أَهْلَ مَعْصِيَتِكَ وَيُؤْمَرُ فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ وَيُنْهَى فِيهِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُزَالُ فِيهِ مَا حَدَثَ مِنْ بِدَعِ وَمُنْكَرَاتٍ وَمَعَاصِي وَيُحْيَا بِهِ بَدَلُهَا مَا أُمِيتَ مِنْ سُنَّةٍ وَغيرَةٍ وَشِيمَةٍ كَرِيمَةٍ وَمُرُوءَةٍ جَمِيلَةٍ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرِ وَبِالإِجَابَةِ جَدِيرٌ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
وقال الشيخ عبد العزيز بن حمد بن ناصر بن مُعَمَّر
يَرْثِي أَهْلَ الدَّرْعِيَّةِ بَعْدَ مَا هَدَمَهَا الظَّالِمُ الطَّاغِيَةُ وَجُنُودُهُ إِبْرَاهِيمُ بَاشَا جَازَاهُ اللهُ بِمَا يَسْتَحِقُّ هُوَ وَأَعْوَانَهُ.
إِلَيْكَ إِلَهَ الْعَرْشِ أَشْكُو تَضَرُّعَا
وَأَدْعُوكَ فِي الضَّرَّاءِ رَبِّي لِتَسْمَعَا
فَكَمْ قَتَلُوا مِنْ فِتْيَةِ الْحَقِّ عُصْبَةً
هُدَاةً وَضَاةًَ سَاجِدِينَ وَرُكَّعَا
следующие страницы →