← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

ودرعه مرهونة عَنْدَ يهودى فِي نفقة عياله، وَهُوَ يدعو: اللَّهُمَّ اجعل رزق آل مُحَمَّد قوتًا. وقَالَتْ عَائِشَة ﵂: ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام تباعًا من خَبْزٍ حَتَّى مضى لسبيله، ولو شَاءَ لأعطاه الله ما لا يخطر ببال. وعَنْهَا قَالَتْ: ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا شاة ولا درهمًا ولا بعيرًا ولَقَدْ مَاتَ وما فِي بيتي شَيْء يأكله ذو كبد الا شطرشعير في رف لي. وقَالَ لي: «إني عرض عليَّ ربِّي أن يجعل لي بطحاء مَكَّة ذهبًا، فَقُلْتُ: لا يارب أجوع يَوْمًا وأشبع يَوْمًا، فأما الْيَوْم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وادعوك، وأمَّا الْيَوْم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عَلَيْكَ. وعَنْهَا قَالَتْ: إن كنا آل مُحَمَّدٍ لنمكث شهرًا ما نستوقَدْ نارًا، إن هُوَ إلا التمر والماء. وعَنْهَا قَالَتْ: لم يمتل جوف النَّبِيّ ﷺ شبعًا قط، ولم يبث إِلَى أحد شكوى. وكَانَتْ الفاقة أحب إليه من الغنى،وإن كَانَ ليظِلّ جائعًا يلتوي طول ليلته من الجوع، فلا يمنعه من صيام يوم ولو شَاءَ لسأل ربه جميع كنوز الأَرْض وثمارها ورغد عيشها ولَقَدْ كنت أبكي لَهُ رحمة مِمَّا أرى به وامسح بيدي على بطنه مِمَّا به من الجوع، وأَقُول نفسي لَكَ الفداء، لو تبلغت من الدُّنْيَا بما يقوتك. فَيَقُولُ: «يَا عَائِشَة ما لي وللدنيا، إخواني أولو العزم من الرسل صبروا على ما هُوَ أشد من هَذَا فمضوا على حالهم فقدموا على ربهم وأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم. وأجدني أستحي إن ترفهت فِي معيشتي إن يقصرني غدًا دونهم وما من شَيْء أحب إِلَى من اللحوق بإخواني وإخلائي» . قَالَتْ: فما قام بعد إلا شهرًا ثُمَّ توفي ﷺ . وعن عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: ما رفع رسول الله ﷺ قط غداء لعشاء ولا عشاء قط لغداء. ولا اتخذ من شَيْء زوجين لا قميصين ولا ردائين ولا إزارين ومن النعال، ولا رئي قط فارغًا فِي بيته إما يخصف نعلاً لرجل مسكين أَوْ يخيط ثوبًا لأرملة.

стр. 877

وعن أَنَس بن مالك أن فاطمة ﵍ جاءت بكسرة خبز إِلَى النَّبِيّ ﷺ ، فقَالَ: «ما هَذِهِ الكسرة يَا فاطمة "؟ قَالَتْ: قرص خبزته فلم تطب نفسي حَتَّى أتيك بهذه الكسرة، فقَالَ: «أما إنه أول طعام دخل فم أبيك مُنْذُ ثلاثة أيام. وروى مُسْلِم عَنْ النعمان قال: ذكر عمر ما أصاب النَّاس من الدُّنْيَا، فقَالَ: لَقَدْ رَأَيْت رسول الله ﷺ يظِلّ يلتوي ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه. وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: إن كَانَ ليمر بآل رسول الله ﷺ الأهلة ما يسرج فِي بيت أحد مِنْهُمْ سراج ولا يوقَدْ فيه نار إن وجدوا زيتًا ادهنوا به وإن وجدوًا ودكًا أكلوه. رَوَاهُ أبو يعلى ورواته ثقاة. وعن عَبْد اللهِ بن مسعود قَالَ: نام رسول الله ﷺ على حصير فقام وقَدْ أثر فِي جنبه، قلنا: يَا رَسُولَ اللهِ لو اتخذنا لَكَ وطاء. فقَالَ: «ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظِلّ تحت شجرة ثُمَّ راح وتركها» . رَوَاهُ ابن ماجة والترمذي وحسنه. قَالَ عُمَر بن الْخَطَّاب: دخلت على رسول الله ﷺ وَهُوَ على حصير فجلست فإذا عَلَيْهِ إزاره ولَيْسَ عَلَيْهِ غيره وَإِذَا الحصير قَدْ أثر فِي جنبه. وإذا أَنَا بقبضة من شعير نَحْوَ الصاع وقرظ فِي ناحية الغرفة، وَإِذَا أهاب معلق (الاهاب: الجلد) فابتدرت عيناي. فقَالَ: «ما يبكيك يَا ابن الخطاب "؟ فَقُلْتُ: يَا نبى الله وما لي لا أبكي وَهَذَا الحصير قَدْ أثر فِي جنبك وهذه خزانتك لا أرى إلا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر فِي الثمار والأنهار وأَنْتَ نبي الله وصفوته وهذه خزانتك. قَالَ: «يا ابن الخطاب أما ترضى أن تَكُون لَنَا الآخِرَة ولهم الدُّنْيَا» . رَوَاهُ ابن ماجة بإسناد صحيح والحاكم وقَالَ: على شرط مُسْلِم. روى مُسْلِم فِي صحيحه عَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: توفي رسول الله ﷺ وما فِي رفي من شَيْء يأكله إلا شطر شعير فِي رف لي فأكلت منه حَتَّى طال عليَّ فكلته ففنى.

стр. 878

عَنْ ابن عباس أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ يبيت الليالي المتتابعة طاويًا وأهله لا يجدون عشاء، وكَانَ عامة خبزهم الشعير. عن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يشد صلبه بالحجر من الغرث أي الجوع. بينما عَائِشَة ﵂ تحدث ذات يوم إذ بكت قِيْل لها: ما يبكيك يَا أم الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَتْ: ما ملأت بطني من طعام فشئت أن أبكي إلا بكيت أذكر رسول الله ﷺ وما كَانَ فيه من الجهد. وعَنْهَا أيضًا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَتْ تأتى عَلَيْهِ أربعة أشهر ما يشبع من خبز بر. وعَنْهَا أيضًا: قَالَتْ ما شبع آل مُحَمَّد ثلاثًا من خبز بر حَتَّى قبض وما رفع عَنْ مائدته كسرة فضلاً حَتَّى قبض. عن الحسن (البصرى) قَالَ: خطب رسول الله ﷺ فقَالَ: «والله ما أمسى فِي آل مُحَمَّد صاع من طعام» . وأنها لتسعة أبيات (بيوت زوجاته) وَاللهِ ما قالها استقلالاً لرزق الله ولكن أراد أن تتأسى به أمته.

стр. 879

عن ابن عباس قَالَ: وَاللهِ لَقَدْ كَانَ يأتي على آل مُحَمَّد ﷺ الليالي ما يجدون فيها عشاء. عن عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: ما شبع رسول الله ﷺ فِي يوم مرتين حَتَّى لحق بِاللهِ، ولا رفعنا لَهُ فضل طعام عَنْ شبع حَتَّى لحق بِاللهِ إلا أن نرفعه لغائب فقِيْل لها: ما كَانَتْ معيشتكم؟ قَالَتْ: الأسودان: الماء والتمر. وقَالَتْ: وكَانَ لَنَا جيران من الأنصار لَهُمْ ربائب يسقوننا من لبنها، جزاهم الله خيرًا. عن أَنَس بن مالك أن النَّبِيّ ﷺ لم يجمع لَهُ غذاء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف. اللَّهُمَّ نور قلوبنا بنور الإِيمَان وأعنا على أنفسنا والشيطان وآيسه منا كما آيسته من رحمتك يَا رحمان وآتنا فِي الدُّنْيَا حسُنَّة وَفِي الآخِرَة حسُنَّة وقنا عذاب النار وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين. " فَصْلٌ " عن أَنَس بن مالك قَالَ: شهدت للنبي ﷺ وليمة ما فيها خبز ولا لحم. وعن أَنَس بن مالك قَالَ: ما أعلم رسول الله ﷺ رأى رغيفًا مرفقًا بعينه حَتَّى لحق بربه ولا شاة سميطًا قط. عن عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: ما اجتمَعَ فِي بطن النَّبِيّ ﷺ طعامان فِي يوم قط، إن أكل لحمًا لم يزد عليه، وإن كان تمرًا لم يزد عَلَيْهِ، وإن أكل خبزًا لم يزد عَلَيْهِ. وكَانَ رجلاً مسقامًا، وكَانَتْ الْعَرَب تنعت لَهُ فيتداوى بما تنعت لَهُ الْعَرَب وكَانَتْ العجم تنعت لَهُ فيتداوى. عن أبي نضر قَالَ: سمعت عَائِشَة ﵂ تَقُول: إني لجالسة مَعَ رسول الله ﷺ فِي البيت. فأهدى لَنَا أَبُو بَكْرٍ رجل شاة فإني لا قطعها مَعَ

стр. 880

رسول الله فى ظلمة البيت. فقَالَ لها قائل: أما كَانَ لكم سراج؟ فقَالَتْ: لو كَانَ لَنَا ما يسرج به أكلناه. عَنْ عروة عَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: لَقَدْ مَاتَ رسول الله ﷺ وما شبع من خبز وزيت فِي يوم مرتين. عن عَائِشَة قَالَتْ: بلغني أن الرجل منكم يأكل من ألوان الطعام حَتَّى يلتمس لِذَلِكَ دواء يمرئه. فذكرت نبيكم ﷺ فذاك الذي أبكاني، خَرَجَ من الدُّنْيَا ولم يملأ بطنه فِي يوم طعامين: كَانَ إِذَا شبع من التمر لم يشبع من الخبز، وَإِذَا شبع من الخبز لم يشبع من التمر. عن أَنَس بن مالك قَالَ: ما يرفع بين يدي رسول الله ﷺ شَيْء قط ولا حملت معه طنفسة يجلس عَلَيْهَا. أخبرني الأعرج عَنْ أبي هريرة أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ يجوع. قُلْتُ: لأبي هريرة وكيف ذَلِكَ الجوع؟ قَالَ: لكثرة من يغشاه وأضيافه، وقوم يلزمونه لِذَلِكَ، فلا يأكل طعامًا أبدًا إلا ومعه أصحابه، وأَهْل الحاجة يتبعونه من المسجد. فَلَمَّا فتح الله خيبر اتسع النَّاس بَعْض الاتساع، وفي الأَمْر بعد ضيق والمعاش شديد. هِيَ بلاد ظلف لا زرع فيها، إنما طعام أهلها التمر، وعلى ذَلِكَ أقاموا. ورُوي عَنْ جابر ﵁ قَالَ: حضرنا عرس علي وفاطمة فما كَانَ عرسًا كَانَ أحسن منه حشونا الفراش يعني من الليف وأوتينا بتمر وزيت فأكلنا وكَانَ فراشها ليلة عرسها إهاب كبش. رَوَاهُ الْبَزَار (الاهاب: الجلد) . عن عامر الشعبي قَالَ: قَالَ علي ﵁: لَقَدْ تزوجت فاطمة وما لها ولي فراش غير جلد كبش ننام عَلَيْهِ بالليل ونعلف عَلَيْهِ الناضح بالنَّهَارَ وما لي ولها خادم غيرها.

стр. 881

وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ لما زوجه فاطمة بعث معها بخميلة ووسادة أدم حشوها ليف ورحيين وسقاء وجرتين. فقَالَ علي لفاطمة ذات يوم: وَاللهِ سنوت حَتَّى اشتكيت صدري (المعنى تعبت من إخراج الماء من البئر) وقَدْ جَاءَ الله بسبي فاذهبي فاستخدميه (أي اطلبي منه خادمًا) فقَالَتْ: وأنَا وَاللهِ لَقَدْ طحنت حَتَّى مجلت يدي من الْعَمَل. فأتت النَّبِيَّ ﷺ فقَالَ: «ما جَاءَ بك وما حاجتك أي بنية» . قَالَتْ: جئت لأسلم عَلَيْكَ واستحيت أن تسأله فرجعت. فقَالَ علي: ما فعلت؟ قَالَتْ: استحيت أن أسأله، فأتياه جميعًا فقَالَ علي: يَا رَسُولَ اللهِ: وَاللهِ لَقَدْ سنوت حَتَّى اشتكيت صدري. وقَالَتْ فاطمة: لَقَدْ طحنت حَتَّى مجلت يداي، وقَدْ جاءك الله بسبي وسعة فاخدمنا. فقَالَ: «وَاللهِ لا أعطيكما وادع أَهْل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عَلَيْهمْ ولكني أبيعهم وأنفق عَلَيْهمْ. فرجعا وآتاهما النَّبِيّ ﷺ ، وقَدْ دخلا فِي قطيفتهما إِذَا غطيا رؤسهما تكشفت أقدامهما، وَإِذَا غطيا أقدامهما تكشفت رؤوسهما فثارا فقَالَ:: «مكانكما» . ثُمَّ قَالَ: «ألا أخبركما بخَيْر مِمَّا سألتماني» . قالا: بلى. قَالَ: «كلمَاتَ علمنيهن جبريل تسبحان فِي دبر كُلّ صلاة عشرًا، وتحمدان عشرًا، وتكبران عشرًا. وإذا أويتما إِلَى فراشكما، فسبحا ثلاثًا وثلاثين وأحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين» . وقَالَ: فو الله ما تركتهن مُنْذُ علمنيهن رسول الله ﷺ .

стр. 882

عن بريدة قَالَ: سمَعَ النَّبِيّ ﷺ رجلاً يَقُولُ: اللَّهُمَّ إني أسألك بأني أشهد أَنَّكَ أَنْتَ الله لا إله إلا أَنْتَ الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن لَهُ كفوًا أحد. فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «والذي نفسي بيده لَقَدْ سأل الله باسمه الأعظم الَّذِي إِذَا دعي به أجاب وَإِذَا سئل به أعطى» . أَخْرَجَهُ أبو داود والترمذي. وعن أَنَس ﵁ قَالَ: دعا رجل فقَالَ: اللَّهُمَّ إني أسألك بأن لَكَ الحمد لا إله إلا أَنْتَ الحنان المنان بديع السموات والأَرْض ذو الجلال والإكرام يَا حي يَا قيوم. فقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «أتدرون بما دعا "؟ قَالُوا: الله ورسوله أعْلَمُ. قَالَ: «والذي نفسي بيده لَقَدْ دعا الله باسمه الأعظم الذي إِذَا دعي به أجاب وَإِذَا سئل به أعطى» . أَخْرَجَهُ أصحاب السُّنَن. عن سعد بن أبي وقاص قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دعوة ذي النون إذ دعى وَهُوَ فِي بطن الحوت لا إله إلا أَنْتَ سبحانك إني كنت من الظالمين» . فإنه لم يدع بها رجل مُسْلِم فِي شَيْء قط إلا استجاب لَهُ» . رَوَاهُ الترمذي والنسائي والحاكم وقَالَ: صحيح الإسناد. وعن معاوية بن أبي سفيان قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «من دعا بهؤلاء الكلمَاتَ الخمس لم يسأل الله شَيْئًا إلا أعطاه " لا إله إلا الله، والله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك لَهُ، له الملك وله الحمد وَهُوَ على كُلّ شَيْء قدير، لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة الا بِاللهِ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بإسناد حسن. وعن معاذ بن جبل قَالَ: سمَعَ رسول الله ﷺ رجلاً وَهُوَ يَقُولُ: (يَا ذا الجلال والإكرام) فقَالَ: «قَدْ استجيب لَكَ فسل» . رَوَاهُ الترمذي. قَالَ أحد الْعُلَمَاء: (إن الذكر باعتباره وسيلة القرب من الله هُوَ دَائِمًا دعاء)

стр. 883

وإن الدُّعَاء وَهُوَ التضرع والخضوع لله تَعَالَى وَهُوَ دَائِمًا ذكر) . ولَيْسَ بينهما من فرق إلا فِي اللون والشكل. وقَدْ وردت الآثار بما تَقُول: فقَدْ ورد فِي الأحاديث الشريفة أن الله تَعَالَى يَقُولُ: " من شغله القران وذكري عَنْ مسألتِي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» . وقَدْ ورد فِي القران الكريم عَنْ سيدنا يونس أنه حينما التقمه الحوت نجاه تسبيحه: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وفي سورة "نون " يندم أصحاب الْجَنَّة - الحديقة - التِي طاف عَلَيْهَا طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم.. على أنهم لم يكونوا من المسبحين، وخاطبهم أوسطهم قائلاً: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ . والاستغفار؟ . أنه ذكر لا يتضمن دعاء لفظيًا ولكن الثمرات المترتبة عَلَيْهِ هائلة نفسية. يَقُولُ تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً﴾ . إن الاستغفار ثمرته: (١) المغفرة (٢) والغيث (المطر الذي يروي الأَرْض فينبت الزرع ويروي به النَّاس والأنعام ظمأهم) (٣) وإمداد الله للمستغفر بالأموال. (٤) إمداده بالبنين. وأكثر من ذَلِكَ....

стр. 884

يَقُولُ الله تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ ، من ثماره إِذًا زيادة القوة. اللَّهُمَّ طهر قلوبنا من النفاق وعملنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة وآذاننا عَنْ الاستماع إِلَى ما لا يرضك وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وألحقنا بِالصَّالِحِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. " فَصْلٌ " ولَقَدْ حدث فِي مصر إن أحد الأثرياء الصالحين لم يجد سبيلاً - فِي فترة من الفترات - لري أرضه، وكاد الزرع يصبح حطامًا، فجلس الرجل وسط مزرعته الفسيحة.. وقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتُ.. وقولك الحق: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً﴾ وها أَنَا ذا يَا رب استغفرك راجيًا أن تفيض عَلَيْنَا من رحمتك. ثُمَّ أخذ فِي الاستغفار.. ومضت ساعات وَهُوَ يتابع الاستغفار فِي همة وَفِي ثقة بموعود الله تعالى، وَإِذَا بالسماء تتلبد بالغيوم.. وَإِذَا بالمطر ينزل فياضًا مدرارًا. ومن المعروف أن الصالحين حينما يصبهم ضعف يلجؤون إِلَى الله باستغفار فيتحقق لَهُمْ وعده: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ . ولَيْسَتْ هَذِهِ فحسب ثمار الاستغفار.. وَذَلِكَ أنه أيضًا يمنع أن يصيب الْعَذَاب الإِنْسَان. (٦) ﴿وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ . (٧) ثُمَّ.. يَقُولُ رسول الله ﷺ :

стр. 885

«من لزم الاستغفار جعل الله لَهُ من كُلّ هم فرجًا، ومن كُلّ ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» . وثمار الاستغفار أوسع من ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا والآخِرَة. وألم يقل الرَّسُول ﷺ : «أفضل الدُّعَاء: الحمد لله؟» . والحمد لله، ألَيْسَتْ ذكرًا؟ وإذا كَانَ من الذكر ما هُوَ دعاء، أَوْ إِذَا كَانَ الذكر كله دعاء.. فَإِنَّ الدُّعَاء أيضًا يكون بغير الدُّعَاء اللفظي وبغير الذكر: فلإكثار من التوبة دعاء وذكر، ويترتب على الإكثار منه ما يَقُولُ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ . وإذا أحب الله عبدًا من عباده بسبب الإكثار من التوبة فإنه يترتب على هَذَا الحب آثاره. «فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمَعَ به، وبصره الذي يبصر به، ويده التِي يبطش بها، ورجله التِي يمشئ بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه» . وإذا كَانَتْ التوبة ذكرًا أَوْ دعاء فإن التقوى دعاء نفيس. ألا تَرَى ما يَقُولُ الله تَعَالَى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ ؟ إن الله سُبْحَانَهُ يجعل لَهُ مخرجًا من كُلّ هم وضيق وأزمة بسبب تقواه ويرزقه الله من حيث يدري ولا يدري وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ ييسر سُبْحَانَهُ أموره كُلّهَا.

стр. 886

وَيَقُولُ الله تَعَالَى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ (انتهى) قصيدة: فيها تضرع إِلَى رب العزة والجلال والكبرياء والعظمة: يَا ذَا الْجَلالِ وَيَا ذَا الْجُودِ وَالْكَرَمِ ... قَدْ جِئْتُكَ خَائِفًا مِنْ زَلَّةِ الْقَدَمِ ذَنْبِي عَظِيمٌ وَأَرْجُو مِنْكَ مَغْفِرَةً ... يَا وَاسِعَ الْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ وَالْكَرَمِ دَعَوْتُ نَفْسِى إِلَى الْخَيْرَاتِ فَامْتَنَعَتْ ... وَأَعْرَضَتْ عَنْ طَرِيقِ الْخَيْرِ وَالنِّعَمِ خَسِرْتُ عُمْرِي وَقَدْ فَرَّطْتُ فِي زَمَنِي ... فِي غَيْرِ طَاعَةِ مَوْلاي فَيَا نَدَمِي حَمَلْتُ ثِقْلاً مِنْ الأَوْزَارِ فِي صِغَرِي ... يَا خَجَلِي فِي غَدٍ مِنْ زَلَّةِ الْقَدَمِ رَاحَ الشَّبَابُ وَوَلَّى الْعُمْرِ فِي لَعِبٍ ... وَمَا تَحَصَّلْتُ مِنْ خَيْرِ وَلَمْ أَقُمِِ زَمَانَ عَزْمِي قَدْ ضَيَّعْتُهُ كَسَلاً ... وَالْعُمْرُ مِنِّي انْقَضَى فِي غَفْلَةِ الْحُلُمِ قَدْ انْقَضَتْ عَيْشَتِي بِالذُّلِّ وَاأَسَفِي ... إِنْ لَمْ تَجِدْ خَالِقِي بِالْعَفْوِ وَالْكَرَمِ ذِي حَالَتِي وَانْكِسَارِي لا تُخَيِّبُنِي ... إِذَا وَقَعْتُ ذَلِيلاً حَافِي الْقَدَمِ أَتَيْتُ بِالذُّلِ وَالتَّقْصِير وَالنَّدمِ ... أَرْجُو الرِّضَا مِنْكَ بِالْغُفْرَانِ وَالْكَرَمِ سَارَ المجدُّونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَاجْتَهَدُوا ... يَا فَوْزَهُم غَنِمُوا الْجَنَّاتِ وَالنَّعَمِ شِفَاءُ قَلْبِي ذِكْرُ اللهِ خَالِقِنَا ... يَا فَوْزَ عَبْدٍ إِلَى الْخَيْرَاتِ يَسْتَقِمِ صَفَتْ لأَهْلِ التُّقَى أَوْقَاتُهُم سَعِدُوا ... نَالُوا الْهَنَا وَالْمُنَى بِالْخَيْرِ وَالْكَرَمِ ضَيَّعْتُ عُمْرِي وَلا قَدَّمْتُ لِي عَمَلاً ... أَنْجُو بِهِ يَوْمَ هَوْلِ الْخَوْفِ وَالزَّحَمِ طُوبَى لِعَبْدٍ أَطَاعَ اللهَ خَالِقَهُ ... وَقَامَ جَنْحَ الدُّجَى بِالدَّمْعِ مُنْسَجِمِ ظَهْرِي ثَقِيْلٌ بِذَنْبِي آهِ وَاأَسَفِي ... يَوْمَ اللِّقَاءِ إِذْ الأَقْدَامُ فِي زَحَمِ أَرْجُوكَ يَا ذَا الْعُلا كَرْبِي تُفَرِّجُهُ ... وَاشْفِ بِفَضْلِكَ لِي لِلْوَايَ مَعَ سَقَمِي غَفَلْتُ عَنْ ذِكْرِ مَعْبُودِي وَطَاعَتِهِ ... وَقَدْ مَشِيتُ إِلَى الْعِصْيَانِ فِي هِمَمِ فَاغْفِرْ ذُنُوبِي وَكُنْ يَا رَبِّ مُنْقِذَنَا ... مِن الشَّدَائِدِ وَالأَهْوَالِ وَالتُّهَمِ قَدْ اثْقَلَتْنِي ذُنُوبِي مَا لَهَا أَحَدٌ ... سِوَاكَ يَا غَافِرَ الزَّلاتِ وَاللِّمَمِ كُنْ مُنْجِدِي يَا إِلَهِي وَاعْفُ عَنْ زَلَلِي ... وَتُبْ عَلَيَّ مِن الآثَامِ وَاللِّمَمِ

стр. 887

.. لاحَ الْمَشِيبُ وَوَلَّى الْعُمْرُ فِي لَعِبٍ ... وَصِرْتُ مِنْ كُثْرَةِ الأَوْزَارِ فِي نَدَمِ مَضَى زَمَانِي وَمَا قَدَّمْتُ مِنْ عَمَلٍ ... يَا خَجْلَتِي مِنْ إِلَهِي بَارِيَ النَّسَمِ نَامَتْ عُيُونِي وَأَهْلُ الْخَيْرِ قَدْ سَهِرُوا ... أَجْفَانُهُمْ فِي ظَلامِ اللَّيْلِ لَمْ تَنَمِ قَامُوا إِلَى ذِكْرِ مَوْلاهُم فَقَرَّبَهُمْ ... وَخَصَّهُمْ بِالرِّضَا وَالْفَضْلِ وَالْكَرَمِ وَلَيْسَ لِي غَيْرَ الْخالقِ مِنْ سَنَدٍ ... أَرْجُوهُ يُولِينِي بِالْغُفْرَانَ وَالْكَرَمِ لا ارْتَجِي أَحَدًا يَوْمَ الزِّحَامِ سِوَى ... رَبِّ الْبَرِيَّةِ مَوْلى الْفَضْلِ وَالْكَرَمِ ثُمَّ الصَّلاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرٍ ... مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى الْمَخْصُوصِ بِالْكَرَمِ اللَّهُمَّ انهج بنا مناهج المفلحين وألبسنا خلع الإِيمَان واليقين، وخصنا منك بالتَّوْفِيق المبين، وَوَفِّقْنَا لقول الحق وإتباعه، وخّلصنا مِنَ الْبَاطِلِ وابتداعه، وكن لَنَا مؤيدًا، ولا تجعل لفاجر عَلَيْنَا يدًا، واجعل لَنَا عيشًا رغدًا، ولا تشمت بنا عدوًا ولا حاسدًا، وارزقنا عِلْمًا نافعًا وعملاً متقبلاً، وفهمًا ذكيًا صفيًا وشفاء من كُلّ داء، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يا أرحم الراحمين. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ اجعلنا مكثرين لذكرك مؤدين لحقك حافظين لأَمْرِكَ راجين لوعدك راضين فِي جميع حالاتنا عنك، راغبين فِي كُلّ أمورنا إليك مؤملين لفضلك شاكرين لنعمك، يَا من يحب العفو والإحسان، ويأمر بهما اعف عنا، وأحسن إلينا فإنك بالذي أَنْتَ له أَهْل من عفوك أحق منا بالذي نَحْنُ لَهُ أَهْل من عقوبتك. اللَّهُمَّ ثَبِّتْ رجاءك فِي قلوبنا، واقطعه عمن سواك، حَتَّى لا نرجو غيرك ولا نستعين إلا إياك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ويا أكرم الأكرمين. اللَّهُمَّ أحينا فِي الدُّنْيَا مؤمنين طاعئين وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ تائبين، اللَّهُمَّ أعذنا من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرِّجَال

стр. 888

وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. " فَصْلٌ " اعْلَمْ وَفَّقَنَا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع الْمُسْلِمِين لما يحبه ويرضاه إن السَّلام تحية الْمُؤْمِنِينَ، وشعار الموحدين، وداعية للإخاء والألفة والمحبة بين إخوانهم الْمُسْلِمِين، والسَّلام تحية مباركة، وصفة طيبة كما ذكر الله سُبْحَانَهُ فِي كتابه الكريم قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ . وقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ ، والسَّلام كما أخبر الله تحية أَهْل الْجَنَّة فِي دار النعيم، قَالَ تَعَالَى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ . وابتداء السَّلام سُنَّة مستحبة، ولَيْسَ بواجب وَهُوَ سُنَّة كفاية فَإِنَّ كَانَ المسلم جماعة كفى عنهم واحد يسلم ولو سلموا كلهم كَانَ أفضل، ورفع الصوت بابتداء السَّلام سُنَّة ليسمعه المسلم عليهم، كلهم سماعًا محققًا لحديث: «افشوا السَّلام بينكم» . وإن سلم على أيقاظ ونيام أَوْ سلم على من لا يعلم هل هم إيقاظ أَوْ نيام خفض صوته بحيث يسمَعَ الإيقاظ ولا يوقظ النيام، ولو سلم على إنسان ثُمَّ لقيه على قرب سن أن يسلم عَلَيْهِ ثانيًا وثالثًا وأكثر. ويسن أن يبداء قبل الكلام، لحديث من بدء بالكلام قبل السَّلام فلا تجيبوه. فينبغي لَكَ أيها الأخ أن تنصح كُلّ من ابتدأك بغير السَّلام وتعلمه بالْحَدِيث خُصُوصًا المكلمين لَكَ بالتليفون بقولهم: ألُ ألُ ولا يترك السَّلام إِذَا كَانَ يغلب على ظنه أنه لا يرد عَلَيْهِ.

стр. 889

وإن دخل على جماعة فيهم علماء سلم أَوَّلاً على الجميع، ثُمَّ سلم على الْعُلَمَاء سلامًا ثانيًا تمييزًا لمرتبتهم وَكَذَا لو كَانَ فيهم عَالِم واحد، خصه بالسَّلام ثانيًا. ولا يسلم على امرأة أجنبية غير زوجة لَهُ، أَوْ ذات محرم، إلا أن تَكُون عجوزًا غير حسناء أَوْ تَكُون برزة، والمراد أنها لا تشتهى لأمن الفتنة ويكره السَّلام فِي الحمام ويكره السَّلام على من يأكل وعلى من يقاتل لا اشتغاله. ويكره السَّلام على من يبحثون فِي العلم، وعلى من يؤذن، وعلى من يقيم، ومحدّث بتشديد الدال وخطيب وواعظ ومستمع. ويكره السَّلام على مكرر فقه، ومدرس فِي علم مشروع، أو مباح ويكره السَّلام على من يبحثون فِي العلم. ويكره السَّلام على من يقضى حاجته، ويكره على من يتمتع بأهله وعلى مشتغل بالقضاء، ونحوهم من كُلّ من لَهُ شغل عَنْ رد السَّلام.ويكره أن يخص بَعْض طائفة لقيهم، ألا أن يكون بَعْضهمْ ممن يجب هجره، أَوْ يستحب. وإن بدأ بالسَّلام جميعًا، وجب على كُلّ منهما الرد، ولا ينزع يده من يد من يصافحه، حَتَّى ينزع يده من يده، إلا لحاجة كحيائه منه ونحوه وقَدْ نظم بَعْضهمْ المواضع التِي يكره فيه السَّلام فقَالَ: سَلامُكَ مَكْرُوهٌ عَلَى مَنْ سَتَسْمَعُ ... وَمِنْ بَعْدِ مَا أُبْدِي يُسَنُّ وَيُشْرَعُ مُصَلٍّ وَتَالٍ ذَاكِرٍ وَمُحَدِّثٌ ... خَطِيبٌ وَمَنْ يُصْغِي إِلَيْهِم وَيَسْمَعُ مكرِّرٌ فِقْهٍ جَالِسٌ لِقَضَائِهِ ... وَمَنْ بَحَثُوا فِي الْفِقْهِ دَعْهُمْ لِيَنْفَعُوا مُؤَذِّنٌ أَيْضًا مَعَ مُقِيمٍ مُدَرِّسٍ ... كَذَا الأَجْنَبِيَّاتِ الْفَتَيَاتُ أَمْنَعُ وَلُعَّابُ شِطْرَنْجٍ وَشِبْهٍ بِخَلْقِهِمْ ... وَمَنْ هُوَ مَعَ أَهْلٍ لَهُ يَتَمَتَعُ

стр. 890

.. وَدَعْ كَافِرًا أَيْضًا وَكَاشِفَ عَوْرَةٍ ... وَمَنْ هُوَ فِي حَالِ التَّغَوُّطِ أَشْنَعُ وَدَعْ آكِلاً إِلا إِذَا كُنْتَ جَائِعًا ... وَتَعَلَّمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ يَمْنَعُ كَذَلِكَ أُسْتَاذٌ مُغَنٍ مُطَيِّرٌ ... فَهَذَا خِتَامٌ وَالزِّيَادَةُ تَنْفَعُ (وَزِدْتُ عَلَى هَذَا فَقُلْتُ مُتَمِّمًا ... بِمَا هُوَ مِثْلٌ أَوْ أَشَدُّ فَيُتْبَعُ) (وَمَنْ عِنْدَ تِلْفزْيُونِهِمْ سِينَمَائِهِمْ ... وَمَنْ لِمُذِيعِ الْمُنْكَرَاتِ تَسَمَّعُوا) مُصَوِّرٍ ذِي رُوحٍ وَحَالِق لِحْيَةٍ ... وَمَحْلُوقِهَا مَعَ ذِي الْخَنَافِسِ يَتْبَعُ (وَشَارِبُ دُخَّانٍ وَشَارِبُ شِيشَةٍ ... مُتَوْلِتُ رَاسٍ والْمَجَاهِرُ أَفْظَعُ) (وَشَارِبُ ذِى سُكْرٍ وَلاعِبُ كُورَةٍ ... وَمُصْلِحُ آلاتِ لِلهوِ فَيَمْنَعُ) (وَبَائِعُ آلاتٍ لِلَهْوِ وَمُطْربٍ ... وَمنْ هُوَ في سَبِّ الْغَوَافِلِ يُقْذِعُ) (وَبَائِعُ مَا قَدْ سِيقَ فِيمَا سَطَرْتُهُ ... مُسَاعَدُهُمْ أَوْ مَنْ لِذَاكَ يُشَجِّعُ) اللَّهُمَّ أن نواصينا بيدك وأمورنا ترجع إليك وأحوالنا لا تخفى عَلَيْكَ، وأَنْتَ ملجؤنا وملاذنا، وإليك نرفع بثنا وحزننا وشكايتنا، يَا من يعلم سرنا وعلانيتنا نسألك أن تجعلنا ممن توكل عَلَيْكَ فكفيته، واستهداك فهديته، وهب لَنَا من فضلك العَظِيم وَجُدْ عَلَيْنَا بإحسانك العميم يَا خَيْر من دعاه داع، وأفضل من رجاه راج يَا قاضى الحاجات ومجيب الدعوات هب لَنَا ما سألناه وحقق رجاءنا فيما تمنيناه يَا من يملك حوائج السائلين ويعلم ما فِي صدور الصامتين، أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وصلى الله وسلم على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين " فَصْلٌ " وأما رد السَّلام فَإِنَّ كَانَ المسلم عَلَيْهِ واحدًا، تعين عَلَيْهِ الرد للسلام، وإن كَانُوا جماعة رد السَّلام فرض كفاية عَلَيْهمْ، فَإِنَّ رد واحد مِنْهُمْ سقط

стр. 891

الفرض عَنْ الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم، وإن رد كلهم فهو النهاية فِي الكمال قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ والسَّلام تحية من كَانَ قبلنا من الأَنْبِيَاء، وأتباعهم الْمُؤْمِنِينَ وتحية أبينا إبراهيم ﵇، وضيفيه المكرمين فيما قصه الله عَلَيْنَا فِي القرآن الكريم بقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ . ومن السُنَّة المحبوبة البداءة بالسَّلام، لما ورد عَنْ أبي أمامة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إن أولى النَّاس بِاللهِ من بدأهم بالسَّلام» . رَوَاهُ أبو داود. وفي الْحَدِيث الآخِر: «وخيرهما الذي يبدأ بالسَّلام» . فاحذر عَافَانَا اللهُ وَإِيَّاكَ مِنْ ال. ويستحب أن يسلم عَنْدَ الانصراف من المجلس، لما ورد عَنْ أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «إِذَا انتهى أحدكم إِلَى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم فلَيْسَتْ الأولى بأحق من الآخِرَة» . ويستحب أن يسلم على الصبيان لما ورد عَنْ أَنَس أنه مرَّ على صبيان فسلم عَلَيْهمْ. وقَالَ: كَانَ رسول الله ﷺ يفعله. متفق عَلَيْهِ. شِعْرًا: ... سَابِقِ النَّاسِ بِالسَّلام فَفِي ذَا ... كَ إِذَا مَا اعْتَبَرْتَ خَمْسُ خِصَال كَاشِفُ الرَّيْبِ قَاطِعُ الْعَيْبِ مُحْيِي الْـ ... وِدِ سِتْرُ الأَحْقَادِ وَبَابُ الْوِصَال " موعظة ": إخواني لَيْسَ الأسف على دنيا آخرها الفوات والخراب ولا على أحوال نهايتها التحول والانقلاب، ولا على حطام حلاله حساب وحرامه عقاب، ولا على أعمار يتمنى المرء طولها فإذا طالت ملت، ولا على أماكن كُلَّما امتلأت بأهلها وازدهرت بِهُمْ أدبرت عنهم وخلت مِنْهُمْ.

стр. 892

وإنما الأسف الَّذِي لا يرجى لَهُ خلف وَقْت قتل على فراش السهو والغفلات، وعلى ليال وأيام تمضى فِي إتباع الملذات الفانية والشهوات، وعلى صحف تطوى ثُمَّ لا ترجع فيستدرك ما فات، وعلى نفوس يناديها لسان الشتات، وهي لا تقلع عما هِيَ عَلَيْهِ من الهفوات، وعلى ذنوب محصى صغيرها وكبيرها لا تقابل بالحسنات، وعلى قُلُوب غافلة فِي الغمرات، وعلى أعوام سريع مرورها كلمَعَ الجمرات، وعلى السُنَّة لا تشتغل، وتتلذذ بذكر فاطر السموات ألاترون شهركم كيف يسرع فيه البدار ثُمَّ يعقبه الامحاق فيا خيبة من ضاعت منه الليالى والأَيَّامُ، وغبن فِي ميدان السباق ويا خيبة من ضيع عمره بالقبائح العظام ويا خسارة من كَانَتْ تجارته الذُّنُوب والمعاصى والآثام. شِعْرًا: ... بُكَائِي عَلَى مَا قَدْ مَضَى مِنْ شَيْبَتِي ... وَلَمْ أَحْتَفِظْ فِيهَا عُلُومَ الشَّرِيعَةِ وَأَفْهَمُ مَا قَالَ الإِلهُ وَمَا أَتَى ... عَنْ الْمُصْطَفَى أَعْظمِ بِهَا مِنْ مُصِيبَتِي قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء الواجب على العاقل أخذ العدة لرحيله، فإنه لا يعلم متى يفجؤه أمر ربه، ولا يدري متى يستدعى، وأني رَأَيْت خلقًا كثيرًا غرهم الشباب ونسوا فقَدْ الأقران وألهاهم طول الأمل وَرُبَّمَا قَالَ العَالِم المحض لنفسه: «اشتغل بالعلم ثُمَّ اعمل به» . فيتساهل فِي الزهد بحجة الرَّاحَة ويؤخر الرجَاءَ لتحقيق التوبة ولا يتحاشى من غيبة أَوْ سماعها ومن كسب شبهة يأمل إن يمحوها بالورع وينسى إن الموت قَدْ يبغته. فالعاقل من أعطى كُلّ لحظة حقها من الواجب عَلَيْهِ فَإِنَّ بغته الموت رئي مستعدًا وإن نال الأمل ازداد خيرًا. قَالَ عمر بن عَبْد الْعَزِيز فِي خطبة لَهُ: إِنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بدار قرار دار

стр. 893

كتب الله عَلَى أَهْلِهَا مَنْهَا الظعن، فكم عامر قليل يخرب، وَكَمْ مقيم مغتبط عما قليل يظعن، فأحسنوا رحمكم الله مَنْهَا الرحلة، بأحسن ما يحظركم من النقلة وتزودوا فَإِنَّ خَيْر الزَّاد التَّقْوَى، إنما الدُّنْيَا كفئ ظلال قلص فذهب بين ابن آدم فِي الدُّنْيَا ينافس وبها قرير عين اذ دعاه الله بقدره ورماه بيوم حتفه فسلبه أثاره ودنياه وصير لقوم آخرين مصانعه ومعناه إِنَّ الدُّنْيَا لا تسر بقدر ما تضر أنها تسر قليلاً وتجر حزنًا طويلاً كما قِيْل: من سره زمن سأته أزمان شِعْرًا: ... إِذَا كُنْتَ بِالدُّنْيَا بَصِيرًا فِإِنَّمَا ... بَلاغُكَ مِنْهَا مِثْلُ زَادَ الْمُسَافِرِ إِذَا أَبْقَتِ الدُّنْيَا عَلَى الْمَرْءِ دِينَهُ ... فَمَا فَاتَهُ مِنْهَا فلَيْسَ بِضَائِرِ آخر: ... يَرَى رَاحَةً فِي كَثْرَةِ الْمَالِ رَبُّهُ ... وَكَثْرَةُ مَالِ الْمَرْءِ لِلْمَرْءِ مُتْعِبُ إِذَا قَلَّ مَالَ الْمَرْءِ قَلَّتْ هُمُومُهُ ... وَتَشْعَبُهُ الأَمْوَالُ حِينَ تَشَعَّبُ آخر: ... وَمَا أَجْمَعُ الأَمْوَالَ إِلا غَنِيمَةً ... لِمَنْ عَاشَ بَعْدِي وَاتِّهَامٌ لِرَازِقِي آخر: ... رَضِيتُ مِنَ الدُّنْيَا بِقُوتٍ يُقِيمُنِي ... فَلا ابْتَغِي مِنْ دُونِهِ أَبَدًا فَضْلاً وَلَسْتُ أَرُومُ الْقُوتَ إِلا لأَنَّهُ ... يُعِينُ عَلَى عِلْمٍ أَرُدُّ بِهِ جَهْلا آخر: ... يَا جَامِعًا مَانِعًا وَالْمَوْتُ يَتْبَعُهُ ... مُقَدِّرًا أَيِّ نَابَ فِيِه يُعْلقُهُ الْمَالُ عِنْدَكَ مَخْزُونُ لِوَارِثِهِ ... مَا الْمَالُ مَالُكَ إِلا يَوْمَ تَنْفَقُهُ جَمَعْتَ مَالاً فَفَكِّرْ هَلْ جَمَعْتَ لَهُ ... يَا جَامَعَ الْمَالِ أَيَّامًا تُفَرِّقُهُ لله دَرُّ فَتَىً يَغْدُو عَلَى ثِقَةٍ ... إِنَّ الَّذِي قَسَّمَ الأَرْزَاقَ يَرْزقُهُ فَالْعِرْضُ مِنْهُ مَصُونٌ لا يُدَنِّسُهُ ... وَالْوَجْهُ مِنْهُ جَدِيدٌ لَيْسَ يُخْلِقُهُ إِنَّ الْقَنَاعَةَ مَنْ يَحْلُلْ بِسَاحَتِهَا ... لَمْ يَلْقَى فِي ظِلِّهَا هَمًا يُؤرِّقُهُ آخر: ... يَقُولُ الْفَتَى ثَمَّرْتُ مَالِي وَإِنَّمَا ... لِوَارِثِهِ مَا ثَمَّرَ الْمَالَ كَاسِبُهُ يُحَاسِبُ فِيهِ نَفْسَهُ بِحَيَاتِهِ ... وَيَتْرُكُهُ نَهْبَا لِمَنْ لا يُحَاسِبُهُ شِعْرًا: ... أَيَا لِلْمَنَايَا وَيْحَهَا مَا أَجَدَّهَا ... كَأَنَّكَ يَوْمًا قَدْ تَوَرَدْتَ وِرْدَهَا

стр. 894

.. وَيَا لِلْمَنَايَا مَا لَهَا مِنْ إِقَالَةٍ ... إِذَا بَلَغَتْ مِنْ مُدَّةِ الْحَي حَدَّهَا أَلا يَا أَخَانَا إِنَّ لِلْمَوْتِ طَلْعَةً ... وَإِنَّكَ مُذْ صُوِّرْتَ تَقْصُدُ قَصْدَهَا وَلِلْمَرْءِ عَِنْدَ الْمَوْتِ كَرْبٌ وَغُصَّةٌ ... إِذَا مَرَّتِ السَّاعَاتُ قَرَبْنَ بُعْدَهَا سَتُسْلِمُكَ السَّاعَاتُ فِي بَعْضِ مَرِّهَا ... إِلَى سَاعَةٍ لا سَاعَةٌ لَكَ بَعْدَهَا وَتَحْتَ الثَّرَى مِنِّي وَمِنْكَ وَدَائِعٌ ... قَرِيبَةُ عَهْدٍ إِنْ تَذَكَّرْتَ عَهْدَهَا مَدَدْتَ الْمُنَى طُولاً وَعَرْضًا وَإِنَّهَا ... لَتَدْعُوكَ أَنْ تَهدَا وَأَنْ لا تَمُدَّهَا وَمَالَتْ بِكَ الدُّنْيَا إِلَى اللَّهْوِ وَالصِّبَا ... وَمَنْ مَالَتْ الدُّنْيَا بِهِ كَانَ عَبْدَهَا إِذَا مَا صَدَقْتَ النَّفْسَ أَكْثَرْتَ ذَمَّهَا ... وَأَكْثَرْتَ شَكْوَاهَا وَأَقْلَلْتَ حَمْدَهَا بِنَفْسِكَ قَبْلَ النَّاسِ فَاعْنَ فَإِنَّهَا ... تَمُوتُ إِذَا مَاتَتْ وَتُبْعَثُ حَمْدَهَا وَمَا كُلُّ مَا خَوَّلْتَ إِلا وَدِيعَةٌ ... وَلَنْ تَذْهَبِ الأَيَّامَ حَتَّى تَرُدَّهَا إِذَا أَذْكَرَتْكَ النَّفْسُ دُنْيًا دَنِيَةً ... فَلا تَنْسَ رَوْضَاتِ الْجِنَانِ وَخُلْدَهَا أَلَسْتَ تَرَى الدُّنْيَا وَتَنْغِيصَ عَيْشِهَا ... وَأَتْعَابَهَا لِلْمُكْثِرِينَ وَكَدَّهَا وَأَدْنَى بَنِي الدُّنْيَا إِلَى الْغَيِّ وَالْعَمَى ... لِمَنْ يَبْتَغِي مِنْهَا سَنَاهَا وَمَجْدَهَا هَوَى النَّفْسُ فِي الدُّنْيَا إِلَى أَنْ تَغُولُهَا ... كَمَا غَالَتِ الدُّنْيَا أَبَاهَا وَجَدَّهَا اللَّهُمَّ وَفَّقَنَا للزوم الطَرِيق الَّذِي يقربنا إليك وهب لَنَا نورًا نهتد به إليك، ويسر لَنَا ما يسرته لأَهْل محبتك، وأيقظنا من غفلاتنا وألهمنا رشدنا واسترنا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة، واحشرنا فِي زمرة عبادك المتقين، يَا خَيْر من دعاه داع، وأفضل من رجاه راج، يَا قاضي الحاجات ومجيب الدعوات هب لَنَا ما سألناه وحقق رجاءنا فيما تمنيناه يَا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ما فِي صدور الصامتين، أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك. وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.

стр. 895

"فَصْلٌ" والأحق بالبداءة بالسَّلام أن يسلم الصغير على الكبير، والقليل على الكثير، والراكب على الماشي» . لما ورد عَنْ أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «ليسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير» . متفق عَلَيْهِ. وفي رواية لمسلم "والراكب على الماشي» . ولَقَدْ ورد فِي إفشاء السَّلام وفضله أحاديث كثيرة، مَنْهَا ما رَوَاهُ الْبُخَارِيّ ومسلم وَأَبُو دَاود وابن ماجة عَنْ عَبْد اللهِ بن عمرو بن العاص ﵄ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ أي الإِسْلام خَيْر؟ قَالَ: «تطعم الطعام، وتقرأ السَّلام على من عرفت ولم تعرف» . وأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاود والترمذي، عن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تدخلوا الْجَنَّة حَتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حَتَّى تحابوا، ألا أدلكم على شَيْء إِذَا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السَّلام بينكم» . وروى ابن حبان فِي صحيحه عَنْ البراء ﵁ عَنْ رسول الله ﷺ : «افشوا السَّلام تسلموا» . وأخَرَجَ الترمذي وقَالَ: حسن صحيح عَنْ أبي يوسف عَبْد اللهِ بن سلام ﵁ قَالَ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يَا أيها النَّاس افشوا السَّلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والنَّاس نيام تدخلوا الْجَنَّة بسلام» . وأخَرَجَ الطبراني بإسناد حسن، عَنْ أَنَس ﵁ قَالَ: كنا إِذَا كنا مَعَ رسول الله ﷺ فتفرق بيننا شجرة فإذا التقينا يسلم بعضنا على بَعْض. وأخَرَجَ الطبراني فِي الأوسط بإسناد جيد، وقَالَ: لا يروى إلا بهَذَا الإسناد عَنْ أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أعجز النَّاس من عجز عَنْ الدُّعَاء، وأبخل النَّاس من بخل بالسَّلام» .

стр. 896

ورُوِيَ أيضًا عَنْ عَبْد اللهِ بن معقل ﵁ فِي معاجمه الثلاثة بإسناد جيد قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " أسرق النَّاس الَّذِي يسرق صلاته» . قِيْل: يَا رَسُولَ اللهِ وكيف يسرق صلاته. قَالَ: «لا يتم ركوعها ولا سجودها، وأبخل النَّاس من بخل بالسَّلام» . وأخَرَجَ الإِمَام أحمد والْبَزَار وإسناد الإِمَام أحمد لأ باس به. عَنْ جابر ﵁ أن رجلاً أتى النَّبِيّ ﷺ فقَالَ لفلان فِي حائطي عذقًا وأنه قَدْ آذاني وشق عليَّ مكَانَ عذقه فأرسل إليه ﷺ فقَالَ: بعني عذفك الَّذِي فِي حائط فلان: قَالَ: لا. قَالَ: فهبه لي؟ قَالَ: لا. فقَالَ: بعنيه بعذق فِي الْجَنَّة. قَالَ: لا. فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ما رَأَيْت الَّذِي هُوَ أبخل منك إلا الَّذِي يبخل فِي السَّلام» . وعن أبي الخطاب قتادة: قَالَ: قُلْتُ لأنس: أكَانَتْ المصافحة فِي أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قَالَ: نعم. متفق عَلَيْهِ. وعن البراء بن عازب ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «ما من مُسْلِمِينَ يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا» . رَوَاهُ أبو داود. وعن أَنَس ﵁ قَالَ: قَالَ رجل يَا رَسُولَ اللهِ الرجل منا يلقى أخاه أَوْ صديقه أينحنى لَهُ؟ قَالَ: لا. قَالَ: أفيلتزمه ويقبله؟ قَالَ: لا. قَالَ: فيأخذ بيده ويصافحه. قَالَ: «نعم» . رَوَاهُ الترمذي وقَالَ: حديث حسن إِذَا فهمت ذَلِكَ فاعْلَمْ أن للسلام فَوَائِد عديدة مَنْهَا امتثال سُنَّة المصطفى ﷺ . وقَدْ قَالَ: «من كَانَ من أمتي فليستن بسنتي» . ومنها الْخُرُوج من الحرمة على القول بوجوب ابتدائه وإن كَانَ المعتمد عَلَيْهِ أنه مستحب. ومنها الْخُرُوج من البخل وقَدْ ورد أنه لا يدخل جنة عدن بخيل وقَالَ ﷺ :

стр. 897

«أي داء أدْوى من البخل» . والبخيل بغيض إِلَى الله بغيض إِلَى النَّاس بعيد من الْجَنَّة حبيب إِلَى الشيطان قريب إِلَى النيران. ومنها أن السَّلام يكون من الأسباب التِي تدخل صاحبها فِي الْجَنَّة كما مر فِي حديث عَبْد اللهِ بن سلام وأنه يوجب دخولها كما فِي حديث أبي سرح ﵁ أنه قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أخبرني بشَيْء يوجب الْجَنَّة؟ قَالَ: «طيب الكلام وبذل السَّلام وإطعام الطعام» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وابن حبان فِي صحيحه والحاكم وصححه. ومنها أن بذله من موجبات المغفرة، فقَدْ روى عَنْ أبي سرح بإسناد جيد قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ دلني على عمل يدخلني الْجَنَّة. قَالَ: «إن من موجبات المغفرة بذل السَّلام وحسن الكلام» . شِعْرًا: ... وَكُنْ بَشًّا كَرِيمًا ذَا انْبِسَاطٍ ... وَفِيمَنْ يَرْتَجِيكَ جَمِيلَ رَأْي بَعِيدًا عَنْ سَمَاعِ الشَّرِّ سَمْحًا ... نَقِيَّ الْكَفِّ عَنْ عَيْبٍ وَثَأْي مُعِينًا لِلأَرَامِلِ وَالْيَتَامَى ... أَمِين الْجَيْبِ عَنْ قُرْبٍ وَنَأْي وَصُولاً غَيْرَ مُحْتَشِمٍ زَكِيًّا ... حَمِيدَ السَّعْيِ فِي إِنْجَازِ وَأْي تَلَقَّ مَوَاعِظِي بِقَبُولِ صِدْقٍ ... تَفُزْ بِالأَمْنِ عِنْدَ حُلُولِ لأْي آخر: ... أَطِعْ مَوْلاكَ وَاسْأَلْهُ رِضَاهُ ... وَطِبْ نَفْسًا إِذَا حَكَم الْقَضَاءُ وَكُنْ رَجُلاً عَلَى الطَّاعَاتِ جَلْدًا ... وَشِيمَتُكَ السَّمَاحَةِ وَالسَّخَاءُ يُغَطَّى بِالدِّيَانَةِ كُلُّ عَيْبٍ ... وَكَمْ عَيْبٍ يُغَطِّيهِ السَّخَاءُ وَرِزْقُكَ لَيْسَ يَنْقُصُهُ التَأَنِّي ... وَلَيْسَ يَزِيدُ فِي الرِّزْقَِ الْعَنَاءُ إِذَا مَا كُنْتَ ذَا قَلْبٍ قَنُوع ... فَأَنْتَ وَمُثْرِيٌّ فِيهَا سَوَاءُ اللَّهُمَّ اجعلنا من المتقين الأبرار واسكنا معهم فِي دار الْقَرَار، اللَّهُمَّ وَفَّقَنَا بحسن الإقبال عَلَيْكَ والإصغاء إليك، وَوَفِّقْنَا لِلتَّعَاوُن فِي طَاعَتكَ والمبادرة إِلَى

стр. 898

خدمتك وحسن الآداب فِي معاملتك والتسليم لأَمْرِكَ والرِّضَا بقضائك والصبر على بَلائِكَ وَالشُّكْر لنعمائك. وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين. " فَصْلٌ " ومن ذَلِكَ أن إفشاء السَّلام بين الْمُسْلِمِين يوجب المحبة والألفة والعطف والمحبة شأنها عَظِيم وقدرها جسيم. ومن فَوَائِد السَّلام أداء حق أخيه المسلم ففي صحيح مُسْلِم عَنْ أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «حق المسلم على المسلم ست» . قِيْل: وما هن يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «إِذَا لقيته فسلم عليه» .. الْحَدِيث. ومنها أولويته بِاللهِ لما روى أبو داود والترمذي: أن أولى النَّاس بِاللهِ من بدأهم بالسَّلام. ومنها حوز الفضيلة لما أخَرَجَ الْبَزَار وابن حبان فِي صحيحه عَنْ جابر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والماشيان أيهما بدأ فهو أفضل» . وأخَرَجَ الطبراني فِي الكبير والأوسط وأحد إسنادي الكبير محتج بِهُمْ فِي الصحيح عَنْ الأغر أغر مزينة ﵁ قَالَ: كَانَ رسول الله ﷺ أمر لي بجريب من تمر عَنْدَ رجل من الأنصار فمطلني به فكلمت فيه رسول الله ﷺ . فقَالَ: «اغد يَا أبا بكر فخذ لَهُ من تمره» . فوعدني أَبُو بَكْرٍ المسجد إِذَا صلينا الصبح فوجدته حيث وعدني، فانطلقنا فكُلَّما رأى أبا بكر رجل من بعيد سلم عَلَيْهِ. فقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أما تَرَى ما يصيب القوم عَلَيْكَ

стр. 899

من الفضل لا يسبقك إِلَى السَّلام أحد فكَانَ إِذَا طلع الرجل من بعيد باكرناه بالسَّلام قبل أن يسلم عَلَيْنَا. ومنها إدراك الفضيلة فِي إفشاء السَّلام الَّذِي هُوَ اسم الله وفضل الدرجة بنشرها لما أخَرَجَ البزاربسند جيد قوي والطبراني عَنْ ابن مسعود ﵁ عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «السَّلام اسم من أسماء الله تَعَالَى وضعه فِي الأَرْض، فافشوا السَّلام بينكم فَإِنَّ الرجل المسلم إِذَا مر بقوم فسلم فردوا عَلَيْهِ كَانَ لَهُ عَلَيْهمْ فضل درجة بتذكيره إياهم السَّلام فَإِنَّ لم يردوا عَلَيْهِ رد عَلَيْهِ من هُوَ خَيْر مِنْهُمْ» . ومن فَوَائِد السَّلام حصول الحسنات التي صحت بها الروايات. فأخَرَجَ أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي وحسنه أيضًا عَنْ عمران بن حصين ﵁ قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِيّ ﷺ فقَالَ: السَّلام عليكم. فرد عَلَيْهِ ثُمَّ جلس فقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «عشر» . ثُمَّ جَاءَ آخر فقَالَ: السَّلام عليكم ورحمة الله. فرد عَلَيْهِ فقَالَ: «عشرون» . ثُمَّ جَاءَ آخر فقَالَ: السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فرد فجلس فقَالَ: «ثلاثون» . وَرَوَاهُ أبو داود عَنْ معاذ مرفوعًا بنحوه، وزَادَ ثُمَّ أتى آخر فقَالَ: السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته. فقَالَ: «أربعون» . هكَذَا تَكُون الفضائل ومن فَوَائِد السَّلام حصول السلامة كما فِي حديث البراء المتقدم ويحتمل قوله ﷺ : «أفشوا السَّلام تسلموا» . يعني فِي الدُّنْيَا من الإثُمَّ والبخل أَوْ من أعم من ذَلِكَ من نكبات الدُّنْيَا ومن أهوال الآخِرَة وفضل الله واسع. ومنها تصفيته ود أخيك المسلم فقَدْ روى الطبراني فِي الأوسط عَنْ شيبة الحجبي عَنْ عمه مرفوعًا: «ثلاث يصفين لَكَ ود أخيك: تسلم عَلَيْهِ إِذَا لقيته، وتوسع لَهُ فِي المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه» .

стр. 900

ومنها حصول فضيلة الإِسْلام وخيرته كما فِي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المتقدم وأيضًا من فوائده إحياء سُنَّة أبينا آدم ﵇، فقَدْ روى الْبُخَارِيّ ومسلم عَنْ أبي هريرة ﵁ عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «لما خلق الله آدم» . قَالَ: اذهب فسلم على أولئك - نفر من الملائكة جلوس - فاستمَعَ ما يحيونك فَإِنَّهَا تحيتك وتحية ذريتك قَالَ: السَّلام عليكم. فَقَالُوا: السَّلام عَلَيْكَ ورحمة الله. فزادوا ورحمة الله» . وقَالَ مجاهد: كَانَ عَبْد اللهِ بن عمر ﵄ يأخذ بيدي فيخَرَجَ إِلَى السوق يَقُولُ: إني لأخَرَجَ ومالي حَاجَة إلا لأسلم ويسلم عليَّ فأعطي واحدة واحدة وآخذ عشرًا، يَا مجاهد إن السَّلام من أسماء الله تَعَالَى فمن أكثر السَّلام أكثر ذكر الله، ومنها موافقته تحية أَهْل الْجَنَّة فَإِنَّ تحية أَهْل الْجَنَّة فيها سلام كما قَالَ جل شأنه ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ . والسَّلام كما تقدم تحية الْمُؤْمِنِينَ وشعارهم فلا نبدأ أَهْل الكتاب أَوْ الذمة به. ففي حديث أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا تبدؤا اليهود والنَّصَارَى بالسَّلام فإذا لقيتم أحدهم فِي طَرِيق فاضطروه إِلَى أضيقها» . رَوَاهُ أحمد ومسلم. ولما روى أبو نصرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّا غادون على يهود فلا تبدوهم بالسَّلام وإن سلموا عليكم فقولوا: وعليكم» . ويحرم بداءتهم بكيف أصبحت أَوْ كيف أمسيت، أَوْ كيف أَنْتَ أَوْ كيف حالك، أَوْ كما يفعله ضعاف العقول والدين بقولهم لَهُمْ صباح النُّور أَوْ مساء الْخَيْر مَعَ رفع أيديهم نسأل الله العافية أَوْ يقولون لَهُمْ والعياذ بِاللهِ أهلاً ومرحبًا. ولو كتب إِلَى كافر وأراد أن يكتب سلامًا كتب سلام على من اتبع الهدى لما روى الْبُخَارِيّ أنه ﷺ قَالَ ذَلِكَ فِي كتابه إِلَى هرقل عَظِيم الروم، ولأن ذَلِكَ معنى جامَعَ وإن سلم على من ظنه مسلمًا ثُمَّ تبين لَهُ أنه ذمي

стр. 901

استحب للمسلم أن يَقُولُ للذمي: رد عليَّ سلامي لما رُوِي عَنْ ابن عمر أنه مَرَّ على رجل فسلم عَلَيْهِ فقِيْل: إنه كافر. فقَالَ: رد عليَّ ما سلمت عَلَيْكَ. فرد عَلَيْهِ فقَالَ: أكثر الله مالك وولدك. ثُمَّ التفت إِلَى أصحابه. فقَالَ: أكثر للجزية. وإن سلم أحد أَهْل الذمة لزم رده فيقَالَ: وعليكم أَوْ يقَالَ: عليكم بلا واو. وفي الصحيحين عَنْ عَبْد اللهِ بن عمر ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا سلم عليكم اليهود فإنما يَقُولُ أحدهم: السام عَلَيْكَ فقل لَهُ: وعَلَيْكَ» . هكَذَا بالواو. وفي لفظ: «عَلَيْكَ» . بلا واو وعن أَنَس بن مالك أن رسول الله ﷺ قَالَ: «إِذَا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم» . رَوَاهُ أحمد. وفي لفظ للإمام أحمد: «فقولوا عليكم بلا واو» . وعن عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فَقَالُوا: السام عليكم. ففهمتها فَقُلْتُ: وعليكم السام واللعنة. فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مهلاً يا عَائِشَة فَإِنَّ الله يحب الرفق فِي الأَمْر كله» . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْ لم تسمَعَ ما قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَدْ قُلْتُ وعليكم» . متفق عَلَيْهِ. وفي لفظ قَدْ قُلْتُ: «عليكم» . لم يذكر مُسْلِم الواو وعَنْدَ الشَّيْخ تقي الدين يرد مثل تحيته فَيَقُولُ: وعَلَيْكَ مثل تحيتك ... انتهى. ومِمَّا يحرم ويجب النهي عَنْهُ ما يفعله كثير من النَّاس من السَّلام عَلَيْهمْ باليد بالإشارة وجعلها حذاء الرأس أَوْ وضعها على صدره احترامًا لأعداء الله وإشعارًا بأنه يحبهم نسأل الله العافية. قَالَ أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل سئل ايبتداء الذمى بالسَّلام إِذَا كَانَتْ لَهُ إليه حَاجَة؟ قَالَ: لا يعجبني. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنَّصَارَى، فَإِنَّ تسليم اليهود إشارة الأصابع وتسليم النَّصَارَى إشارة بالأكف» . رَوَاهُ الترمذي عَنْ عَبْد اللهِ بن عمرو بن العاص. ورُوِيَ: لا تسلموا تسليم اليهود

стр. 902

والنَّصَارَى فَإِنَّ تسليمهم إشارة بالكفوف والحواجب. تأمل يَا أخي سلام كثير من النَّاس تجده بالكفوف والحواجب فقط. اللَّهُمَّ نور قلوبنا بالإيمان وثبتها على قولك الثابت فِي الحياة الدُّنْيَا وفي الآخِرَة وَاجْعَلْنَا هداة مهتدين وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وألحقنا بعبادك الصالحين يَا أكرم الأكرمين ويا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. "فَصْلٌ " ويجب هجر من كفر أَوْ فسق ببدعة أَوْ دعا إِلَى بدعة مضللة أَوْ مفسقة وهؤلاء هم أهل الأهواء والبدع. وأما هجر من أظهر المعاصي وأعلنها فقِيْل: يسن. وقِيْل: يجب. قَالَ الإِمَام أحمد ﵁: إِذَا علم أنه مقيم على معصية وَهُوَ يعلم بذَلِكَ لم يأثُمَّ إن جفاه حَتَّى يرجع وإلا كيف يتبين للناس ما هُوَ عَلَيْهِ إِذَا لم ير منكر ولا جفوة من صديق. وقَدْ هجر ﷺ كعبًا وصاحبيه وأمر أصحابه بهجرهم خمسين يَوْمًا وهجر ﷺ زوجاته شهرًا. وهجرت عَائِشَة ﵂ ابن اختها عَبْد اللهِ بن الزبير ﵄ مدة. وهجر جماعة من الصحابة وماتوا متهاجرين رضوان الله عَلَيْهمْ أجمعين. قَالَ أبو داود ﵁: إِذَا كَانَتْ الهجرة لله فلَيْسَ من هَذَا يعني من أحاديث الوعيد بالهجران بشَيْء. فإن النَّبِيّ ﷺ هجر بَعْض نسائه أربعين يَوْمًا. وابن عمر ﵁ هجر ابنا لَهُ إِلَى أن مَاتَ. والإمام أحمد ﵁ هجر جماعة ممن أجابوا فِي المحنة مثل يحيي بن معين وعلي ابن المديني وَغَيْرِهمَا مَعَ فخامة شأنهم.

стр. 903

وَكَمْ إمام هجر صديقًا لَهُ كَانَ عزيزًا عَلَيْهِ لولا إنتهاكه لمحارم الله فصار بذَلِكَ كالجماد بل أدنى ويكفي من ذَلِكَ قصة النَّبِيَّ ﷺ مَعَ كعب وصاحبيه. وَاللهُ أَعْلَمُ. وصلى الله على مُحَمَّد. " موعظة " عباد الله لَقَدْ تغير أكثر أهل هَذَا الزمن فِي أحوالهم الدينية تغيرًا يدهش ذوى العقول تغيرًا من أمعن النظر فيهم ظن أنهم ليسوا من فريق الْمُؤْمِنِينَ. هذه الصَّلاة وهي عمود الإِسْلام آكد أركانه بعد الشهادتين أعرضوا عَنْهَا ولم يبالوا فيها جهلوا ما هِيَ الصَّلاة وأي قيمة قيمتها وما منزلتها بين سائر الطاعات. أما علموا أنها أول ما ينظر فيه من عمل الْعَبْد يوم القيامة فَإِنَّ وجدت تامة صَالِحَة قبلت منه وسائر عمله، وإن وجدت ناقصة ردت إليه وسائر عمله ثُمَّ تَكُون كالثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها. عباد الله إن الصَّلاة عبادة ومنجاة وقربى نظامها الركوع والسجود مَعَ التذلل والخضوع وأقولها. القراءة والتسيبح والإبتهال إِلَى الله وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم وروحها الإخلاص لله وسرها إظهار العبودية والإستكانة لعظمة الرب جَلَّ وَعَلا. إنها خمس صلوات فِي الْيَوْم واللَّيْلَة خمس وقفات يقفها الْعَبْد أمام سيده ومولاه خالقه ومدبر أمره ولها عَنْدَ الله ثواب خمسين صلاة شرعت لها الجماعة وأمر ببناء المساجد لأجلها وشرع لها الأذان لينتبه الغَافِل ويتذكر الناسي والجاهل إعلامًا لوقتها ليجتمَعَ المسلمون إليها ويؤدوها فِي جو يسوده الإخاء والمحبة والألفة.

стр. 904

وهي خَيْر العبادات وكَانَتْ قرة عين النَّبِيّ ﷺ كما فِي الْحَدِيث: «وجعلت قرة عينى فِي الصَّلاة» . وكَانَ ﷺ يَقُولُ: «أرحنا يَا بلال بالصَّلاة» . عباد الله إن الصَّلاة كما علمتم عماد الدين ونور اليقين ومصدر البر ومبعث الْخَيْر العميم وعصمة لمن وفقه الله عَنْ الفحشاء والْمُنْكَر ونجاة من خزي الدُّنْيَا وعذاب الآخِرَة. وقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيث: «الصَّلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء» . وذكرها رسول الله ﷺ يَوْمًا فقَالَ: «من حافظ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة» . عباد الله إن الصَّلاة من أجل الشعائر الدينية وأعظم المظاهر الإِسْلامية ومن أشرف العبادات وهي خَيْر ما يتقرب به الْعَبْد إِلَى الله وقَدْ كَانَ ﷺ يصلي حَتَّى تورمت قدماه. عباد الله إِذَا فهمتم ما سبق من عظم شأن الصَّلاة فما بال قوم يهملونها ويتهاونون بها ويتكاسلون عَنْهَا عَنْدَ حلول وقتها، وما بال أقوم يؤدونها على عجل وعلى غير وجهها وينقرونها نقر الغراب كأنهم مكرهون عَلَيْهَا وينسون أنها وقفة أمام بديع السموات والأرض، فمن الْخَيْر أن تطول هَذِهِ الوقفة. قَالَ ﷺ : «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه؛ فأطيلوا الصَّلاة وأقصروا الخطبة» . ومن المؤسف أنَّ أكثر الخطباء الْيَوْم عملوا بخلاف ذَلِكَ فأطالوا الخطبة وقصروا الصَّلاة فلا حول ولا قوة إلا بِاللهِ. عباد الله إن بَعْض النَّاس يؤدى الصَّلاة تعودًا لا تعبدًا وَهَذَا ما جعلها لا تنهاه عَنْ فحشاءٍ ولا منكر، لسان حالهم يَقُولُ: يَا إمام أرحنا من الصَّلاة. عباد الله إن الله جَلَّ وَعَلا أنعم عَلَيْنَا بنعم عظيمة لا تعد ولا تحصى جعلنا

стр. 905

من بني آدم وجعل لَنَا سمعًا وأبصارًا وأفئدة ومنحنا النَّشَاط والقوة وشد أسرنا ووهبنا الصحة والعافية والرزق وسهل عَلَيْنَا الحركة والسعى. هَذَا البعض اليسير من نعمه كله كرمًا منه وتفضلاً ولم يطلب منا إلا دقائق من يوم طويل نشكره فيها ونحمده ونسأله أن يعفو عنا ويرزقنا ويرحمنا ويحفظنا وأولادنا وأهلنا. وهذه لاتخَرَجَ عَنْ كونها لخيرنا فِي الدُّنْيَا والآخِرَة. فما لَنَا لا نقوم بهذه الدقائق بجد وإجتهاد وإخلاص ورغبة ونشاط ونسعى إِلَى مناجاة مولانَا وسيدنا راغبين ونحافظ على أوقات الصَّلاة ونقيمها على الوجه الأكمل، لا شك أن الْعَبْد عِنْدَمَا يحاسب نَفْسهُ يخجل ويستحي جدًا ويتذكر أن الصَّلاة التِي هِيَ صلة بينه وبين مولاه لا تأخذ من يومه إلا دقائق بينما لَهُ باقي الْيَوْم كله. اللَّهُمَّ ارزقنا المعرفة على بصيرة بك وبأسمائك وصفاتك وَوَفِّقْنَا لما تحبه وترضاه من الأَعْمَال وجنبنا ما تكرهه ولا ترضاه من الأقوال والأعمال وآتنا فِي الدُّنْيَا حسُنَّة وَفِي الآخِرَة حسُنَّة وقنا عذاب النار يَا عزيز ويا غفار واغفر لَنَا ولوالدينا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. " فَصْلٌ " " فيما ورد فِي الأخوة والألفة والصداقة فِي الله " عن أَنَس ﵁ عَنْ رسول الله ﷺ قَالَ: «ثلاث من كن فيه وَجَدَ بهن حلاوة الإِيمَان من كَانَ الله ورسوله أحب إليه مِمَّا سواهما ومن أحب عبدًا لا يحبه إلا لله» . الْحَدِيث رَوَاهُ الْبُخَارِيّ ومسلم والترمذي والنسائي.

стр. 906

وَفِي رواية: «ثلاث من كن فيه وَجَدَ بهن حلاوة الإِيمَان وطعمه: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مِمَّا سواهما، وأن يحب فِي الله ويبغض فِي الله» . الْحَدِيث رَوَاهُ الْبُخَارِيّ ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «إن الله تَعَالَى يَقُولُ يوم القيامة أين المتحابون بجلالي، الْيَوْم أظلهم فِي ظلي يوم لا ظِلّ إلا ظلي» . رَوَاهُ مُسْلِم. وعن أبي هريرة ﵁ عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «سبعة يظلهم الله فِي ظله يوم لا ظِلّ إلا ظله: الإِمَام العادل، وشاب نشأ فِي عبادة الله، ورجل معلق قَلْبهُ فِي المساجد، ورجلان تحابا فِي الله اجتمعا عَلَيْهِ وتفرقا عَلَيْهِ، ورجل دعته امراة ذات منصب وجمال فقَالَ: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفلها حَتَّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خَالِيًا ففاضت عَيْنَاهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيّ ومسلم وَغَيْرِهمَا. وعن أبي هريرة ﵁ عَنْ النَّبِيّ ﷺ أن رجلاً زار أخًا لَهُ فِي قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ملكًا فَلَمَّا أتى عَلَيْهِ قَالَ: أين تريد؟ قَالَ: أخًا لي فِي هَذِهِ القرية. قَالَ: هل لَكَ عَلَيْهِ من نعمة تربها؟ قَالَ: لا غير أني أحبه لله. قَالَ: فإني رسول الله إليك أن الله قَدْ أحبك كما أحببته فيه» . رَوَاهُ مُسْلِم. وعن أبي مُسْلِم قَالَ: قُلْتُ لمعاذ: وَاللهِ أني لأحبك لغير دنيا أرجو أن أصيبها منك ولا قرابة بيني وبينك. قال: فبأي شيء؟ قلت: لله. قال: فجذب جبوتي ثم قَالَ: أبشر إن كنت صادقًا فإني سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «المتحابون فِي الله فِي ظِلّ العرش يوم لا ظِلّ إلا ظله، يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء» . قَالَ: ولقيت عبادة بن الصامت فحدثته بحديث معاذ.

стр. 907

شِعْرًا: ... وَكُلُّ مَحَبَّةٍ فِي اللهِ تَبْقَى ... عَلَى الْحَالَيْنِ فِي سِعَةٍ وَضِيقِ وَكُلُّ مَحَبَّةٍ فِيمَا سِوَاهُ ... فَكَالْحَلَفَاءِ فِي لَهَبِ الْحَرِيقِ آخر: ... إِذَا اعْتَذَرَ الصَّدِّيقَ إِلَيْكَ يَوْمًا ... مِنَ التَّقْصِير عُذْر فَتَىً مُقِرّ فَصِنْهُ مِنْ عِتَابِكَ وَاعْفُ عَنْهُ ... فَإِنَّ الْعَفْوِ شِيمَةُ كُلَّ حُرّ شِعْرًا: ... لا تَهْجُرَنَّ أَخَاكَ إِنْ أَبْصَرْتَهُ ... لَكَ جَافِيًا وَلِمَا تُحِبُّ مُجَافِيَا فَالْغُصْنُ يَذْبُلُ ثُمَّ يُصْبِحُ مَورِقًا ... وَالْمَاء يَكدُّرُ ثُمَّ يُصْبِحُ صَافِيًا فقَالَ سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ عَنْ ربه ﵎: «حقت محبتي على الْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وحقت محبتي على المتناصحين فِيَّ، وحقت محبتي على المتباذلين فِيَّ. هم على منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء والصديقون» . رَوَاهُ ابن حبان فِي صحيحه. وعن عبادة بن الصامت ﵁ قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يأثر عَنْ ربه ﵎ يَقُولُ: «حقت محبتي للمتحابين فِيَّ، وحقت محبتي للمتواصلين فِيَّ، وحقت محبتي للمتزاورين فِيَّ، وحقت محبتي للمتباذلين فِيَّ» . رَوَاهُ أحمد بإسناد صحيح. وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إن من عباد الله عباد ليسوا بأنبياء يغبطهم الأَنْبِيَاء والشهداء» . قِيْل: من هم لعلنا نحبهم. قَالَ: «هم قوم تحابوا بنور الله من غير أرحام ولا أنساب، وجوهم نور على منابر من نور لا يخافون إِذَا خاف النَّاس ولا يحزنون إِذَا حزن النَّاس» . ثُمَّ قرأ: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . رَوَاهُ النسائي فِي صحيحه واللفظ لَهُ وَهُوَ أتم. وعن عمر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأَنْبِيَاء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله» . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ فأخبرنا من هم.

стр. 908

قَالَ: «هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فو الله إن وجوهم لنور وإنهم لعلى نور ولا يخافون إِذَا خاف النَّاس ولا يحزنون إِذَا حزن النَّاس» . وقرأ هَذِهِ الآية ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ رَوَاهُ أبو داود. وعن عمار بن ياسر أن أصحابه كَانُوا ينتظرونه فَلَمَّا خَرَجَ قَالُوا: ما أبطاك عنا أيها الأمير قَالَ: أما إني سوف أحدثكم أَنَّ أخًا لكم ممن كَانَ قبلكم وَهُوَ مُوَسى ﵇ قَالَ: يا رب حدثني بأحب النَّاس إليك قَالَ: ولم. قَالَ: لأحبه بحبك إياه. قَالَ: «عبد فِي أقصى الأرض أَوْ طرف الأرض سمَعَ به عبد آخر فِي أقصى أَوْ طرف الأرض لا يعرفه فَإِنَّ أصابته مصيبة فكأنما أصابته، وإن شاكته شوكتة فكأنَّما شاكته لا يحبه إلا لي فَذَلِكَ أحب خلقي إِلَي» . قَالَ: يَا رب خلقت خلقًا تدخلهم النار أَوْ تعذبهم فأوحى الله إليه» . كلهم خلقي. ثُمَّ قَالَ: ازرعْ زرعًا فَزَرَعَهُ فقَالَ: اسقه. فسقاه ثُمَّ قَالَ: قم عَلَيْهِ ما شَاءَ الله من ذَلِكَ فحصده ورفعه فقَالَ: ما فعل زرعك يَا مُوَسى؟ قَالَ: فرغت منه ورفعته. قَالَ: ما تركت منه شَيْئًا؟ قَالَ: ما لا خَيْر فيه أَوْ ما لا حَاجَة لي فيه. قَالَ: فكَذَلِكَ أَنَا لا أعذب إلا من لا خَيْر فيه» . قَالَ: ولو لم يكن فِي محبة الله إلا أنها تنجي محبة من عذابه لكَانَ ينبغي للعبد أن لا يتعوض عَنْهَا بشَيْء أبدًا. وسئل بَعْض الْعُلَمَاء: أين تجد فِي القرآن أن الْحَبِيب لا يعذب حبيبه؟ فقَالَ فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾ . الآية

стр. 909

اللَّهُمَّ وَفَّقَنَا لتدبر كتابك وإطالة التامل فيه وجمَعَ الفكر على معاني آياته. اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قواعد الإِيمَان فِي قلوبنا وشيد فيها بنيانه ووطد فيها أركانه وألهمنا ذكرك وشكرك وآتنا فِي الدُّنْيَا حسُنَّة وفي الآخِرَة حسُنَّة وقنا عذاب النار. وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين " موعظة " عباد الله لَقَدْ غفلت الألسُنَّة الْيَوْم عَنْ ذكر الله غَفْلَة تسر إبلَيْسَ وجنوده ولما غفلت الألسُنَّة غفلت الْقُلُوب عَنْ مُرَاقَبَة الله فِي السِّرّ والعلانية، ولما غفلت الْقُلُوب والألسُنَّة عَنْ ذكر الله اندفعت الْجَوَارِح فِي ميدان المعاصى إندفاعًا لا يصدق به إلا من تأمل النَّاس فِي تفننهم فِي الشرور وتسابقهم إليها. من تقليد للأجانب وشرب لدخان ومعاملات لا تجوز ونفاق وغش ونهش لأعراض الغافلين وخداع ومكر ورياء وربا وكبر وحسد وسماع للملاهي وحضورها وعقوق وشهادة زور ورشاء ومداهنات ونم وكذب ونحو ذَلِكَ. ولو تحركت الألسُنَّة بذكر الله لاستيقظت الْقُلُوب من غفلاتها القاتلات ولو استيقظت الْقُلُوب والتفتت إِلَى ذكر علام الغيوب ما رأيت جارحة من الْجَوَارِح تلتفت لشئ من المحظورات فَإِنَّ الغَفْلَة عَنْ ذكر الله هي أصل الشرور واليقظة هِيَ أصل الْخَيْر والسعادة فِي الدُّنْيَا والآخِرَة بإذن الله تَعَالَى. وإليك نماذج من كنوز ذكر الله تَعَالَى أولها كلمة الإخلاص لا إله إلا الله فَإِنَّهَا ترجح بكل ما سواها حَتَّى على الأرض والسماوات، وسبحان الله والحمد لله والله أكبر. فقَدْ رُوِي عَنْ النَّبِيّ ﷺ أنَّه قَالَ: «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إِلَى مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشمس» . رَوَاهُ مُسْلِم والترمذي.

стр. 910

شِعْرًا: ... وَمَنْ يُنْفِقُ السَّاعَاتِ فِي الذِّكْرِ رَابِحٌ ... يَفُزْ يَوْمَ لا ظِلٌّ سِوَى ظِلِّ رَبِّهِ آخر: ... مَنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتُهُ ذِكْرٌ وَقُرْآنُ ... فَإِنَّ أَوْقَاتَهُ نَقْصٌ وَخُسْرَانُ وعن أم هانئ قَالَتْ: مر بي رسول الله ﷺ ذات يوم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ كبرت سني وضعفت أَوْ كما قَالَتْ: فمرني بعمل أعمله وأنَا جالسة. قَالَ: «سبحي الله مائة مرة فَإِنَّهَا تعدل مائة رقبة تعتقينها من ولد إسماعيل، واحمدي الله مائة تحميدة فَإِنَّهَا تعدل لَكَ مائة فرس مسرجة ملجمة تحملين عَلَيْهَا فِي سبيل الله، وكبري الله مائة تكبيرة فَإِنَّهَا تعدل لَكَ مائة بدنة متقلبة، وهللي الله مائة تهليلة» . قَالَ أبو خلف أحسبه قَالَ: تملأ ما بين السماء والأرض ولا يرفع يومئذ لأحد عمل أَفضل مِمَّا يرفع لَكِ إلا أن يأتي بمثل ما أَتيت» . رَوَاهُ أحمد بإسناد حسن واللفظ لَهُ والنسائي ولم يقل ولا يرفع إِلَى آخره ولا حول ولا قوة إلا بِاللهِ دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الْهَّمّ كما فِي الْحَدِيث الذي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ. ولا حول ولا قوة إلا بِاللهِ كنز من كنوز الْجَنَّة وقول أعوذ بكلمَاتَ الله التامَاتَ من شر ما خلق حفظ لقائلها من العقرب ونحوها. ومن قَالَ: رضيت بِاللهِ ربًا وبالاسلام دينًا وبمُحَمَّد رسولاً فليبشر بأن النبي ﷺ زعيم لمن قالها: إِذَا أصبح أن يدخل الْجَنَّة. وقل: إِذَا أصبحت اللَّهُمَّ ما أصبح بي من نعمة أَوْ بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لَكَ، فلك الحمد ولك الشكر لتؤدي شكر يومك وقل مثلها إِذَا أمسيت لتؤدي شكر ليلتك. شِعْرًا: ... إِذَا مَا الْمَرْءُ أَخْطَأه ثَلاثٌ ... فَبِعْهُ وَلَوْ بِكَفٍ مِنْ رَمَادٍ رِضَا الرَّحْمَن مَعَ صِدْقٍ وَزُهْدٍ ... فَخُذْهَا وَاحْفَظَنْهَا فِي الْفُؤادِ

стр. 911

شِعْرًا: ... وَلوْلا ثَلاثٍ هُنَّ مِنْ لَذَّةِ الْفَتَى ... وَرَبُّكَ لَمْ أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُوَّدِي سِيَاحَةُ قَلْبِي فِي رِيَاضٍ أَرِيضَةً ... مِن الْعِلْمِ مُجْتَازًا عَلَى كُلِّ مَوْرِدِ وَتَسْبِيحُنَا للهِ ﷻ ... عَشِيًّا وَبِالإِبْكَارِ فِي كُلِّ مَسْجِدِ وَتَرْتلُ آيَاتِ الْكِتَابِ مُنَوِّرًا ... بِهَا جَوْفَ لَيْلَ فِي قِيَامِ التَّهَجُّدِ اللَّهُمَّ يا حي يَا قيوم يَا من لا تأخذه سُنَّة ولا نوم مكن محبتك فِي قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وأعنَّا على القيام بِطَاعَتكَ والانتهاء عَنْ معصيتك، اللَّهُمَّ افتح لدعائنا باب القبول والإجابة فإِنَّا ندعوك دعاء من كثرت ذنوبه وتصرمت آماله وبقيت آثامه وانسبلت دمعته وانقطعت مدته دعاء من لا يرجو لذنبه غافرًا غيرك ولا لما يؤلمه من الخيرات معطيًا سواك يا رب العالمين. وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. "فَصْلٌ " وعن أبي مالك الأشعري ﵁ عَنْ رسول الله ﷺ قَالَ: «يَا أيها النَّاس اسمعوا واعقلوا واعلموا أن لله عبادًا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء على منازلهم وقربهم من الله» . فجثى رجل من الأعراب من قاصية النَّاس وألوى بيده إِلَى النَّبِيّ ﷺ فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأَنْبِيَاء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله انعتهم لَنَا جلهم لَنَا - يعني صفهم لَنَا -. فسر وجه النَّبِيّ ﷺ بسؤال الأعرابي. فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هم ناس من أفناء النَّاس ونوازع القبائل لم تصل بينهم أرحام متقاربة تحابوا فِي الله وتصافوا يضع الله لَهُمْ يوم القيامة منابر من نور فيجلسون عَلَيْهَا فيجعل وجوهم وثيابهم نورًا يفزع النَّاس يوم القيامة ولا يفزعون وهم أولياء الله لا خوف عَلَيْهمْ ولا هم يحزنون» . رَوَاهُ أحمد وأبو يعلى بإسناد حسن والحاكم وقَالَ: صحيح الاسناد

стр. 912

وعن أبي هريرة ﵁ عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «إن فِي الْجَنَّة لعمدًا من ياقوت عَلَيْهَا غرف من زبرجد لها أبواب مفتحة تضيء كما يضيء الكوكب الدري: قَالَ: قلنا: يَا رَسُولَ اللهِ من يسكنها؟ قَالَ: «المتحابون فِي الله والمتباذلون فِي الله والمتلاقون فِي الله» . رَوَاهُ البزار. وعن بريدة ﵁ عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «إن فِي الْجَنَّة غرفًا تَرَى ظواهرها من بواطنها وبواطنها من ظواهرها أعدها الله للمتحابين فيه والمتزاورين فيه والمتباذلين فيه» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوسط. وعن أَنَس ﵁ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : متى الساعة؟ قَالَ: «وما أعددت لها» . قَالَ: لا شَيْء إلا إني أُحبُّ الله ورسوله. قَالَ: «أَنْتَ مَعَ من أحببت» . قَالَ أَنَس: فما فرحنا بشَيْء فرحنا بقول النبي ﷺ : «أَنْتَ مَعَ من أحببت» . قَالَ: أَنَس فأنَا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم» . رَوَاهُ مُسْلِم. ففي هَذَا الْحَدِيث بشارة لمن أحب الله ورسوله وأصحابه ومن اتبعهم واقتدى بِهُمْ ولهَذَا فرح أصحاب رسول الله ﷺ بهَذَا النبأ الحسن واغتبطوا لَهُ اغتباطًا فائقًا وإنما سروا به وفرحوا لأنهم كَانُوا يقيسون أنفسهم على شخص النبي ﷺ فِي العبادة وكَانَ ﷺ يأمر بالْقَصْد فيها والرفق بأنفسهم. ففي حديث الْبُخَارِيّ عَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: كَانَ رسول الله ﷺ إِذَا أمرهم، أمرهم من الأَعْمَال ما يطيقون، ويقولون: إِنَّا لسنا مثلك يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ الله قَدْ غفر لَكَ ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فيغضب حَتَّى يعرف فِي وحهه. ثُمَّ يَقُولُ: «أما وَاللهِ إني لأخشاكم لله وأتقاكم لَهُ» . وكأنهم يقولون أَنْتَ

стр. 913

مغفور لَكَ فلا تحتاج إِلَى كثرة أعمال بخلافنا فرد عَلَيْهمْ ﷺ بقوله: «أَنَا أولاكم بذَلِكَ لأني أتقاكم وأعلمك بِاللهِ» . مَنْ كَانَ كَذَلِكَ يكثر أعماله وتعظم عبادته لشدة خوفه من ربه وتمام معرفته بما يليق بجلال الله وعظمته ولأن نعم الله عَلَيْهِ أكثر من غيره قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ ولهَذَا سر الصحابة بما قاله النَّبِيّ ﷺ لهَذَا الرجل السائل. وقَالُوا: فما فرحنا بشَيْء فرحنا بقول الرَّسُول ﷺ : «أَنْتَ مَعَ من أحببت لما وفقك الله لَهُ من حسن النِّيْة والْقَصْد من غير اجهاد فِي الْعَمَل وزيادة فِي العبادة. والحق أنه لا يتم ولا يكتمل إيمان الإنسان إلا بإيثار النبي ﷺ بالمحبة والتعَظِيم على سائر خلق الله ففي الْحَدِيث أن رسول الله ﷺ قَالَ: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حَتَّى أكون أحب إليه من والده وولده» . وفي رواية: «والنَّاس أجمعين» . ومن علامَاتَ محبته إيثار رضاه والْعَمَل بشريعته ونصر سنته والتآسي به فِي شمائله وسيرته الكريمة المباركة أما من ادَّعَى محبته ولم يؤثر بالْعَمَل شريعته فتلك دعوى باطلة وتبجح كاذب لأن صاحبها لم يقم حجة على صحة دعواه وأحقية ما ادعاه. اللَّهُمَّ وَفَّقَنَا لمحبتك ومحبة رسلك وأوليائك وعبادك الصالحين واغفر لَنَا اللَّهُمَّ اسلك بنا سبيل الأبرار وَاجْعَلْنَا مِنْ عبادك المصطفين الأخيار وامنن عَلَيْنَا بالعفو والعتق من النار واغفر لَنَا ولوالدينا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

стр. 914

" فَصْلٌ " عن الوليد بن أبي مغيث عَنْ مجاهد قَالَ: إِذَا التقى المسلمان فتصافحا غفر لهما. قَالَ: قُلْتُ لمجاهد: بمصاحفة لهما؟ قَالَ مجاهد: أما سمعته يَقُولُ: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ . فقَالَ الوليد لمجاهد: أَنْتَ أعْلَمُ مني. وعن سلمان الفارسى أن رسول الله ﷺ قَالَ: «إن المسلم إِذَا لقى أخاه المسلم فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما تحات الورق عَنْ الشجرة اليابسة فِي يوم ريح عاصف وإلا غفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبد البحار» . وقَالَ أبو عمرو الأوزعي حدثني عبدة بن لبابة عَنْ مجاهد ولقيته فأخذ بيدي فقَالَ: إِذَا التقا المتحابان فِي الله فأخذ أحدهما بيد صاحبه وضحك إليه تحاتت خطاياهم كما تحات ورق الشجر. قَالَ عبدة: فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا يسير؟ فقَالَ: لا تقل ذَلِكَ فَإِنَّ الله يَقُولُ: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ . قَالَ عبدة: فعرفت أنه أفقه مني. " مَوْعِظَةٌ مِن كلامِ ابنِ الجَوْزِىْ ﵀ " يا من يرجى الثواب بغير عمل ويرجى التوبة بطول الأمل تَقُول فِي الدُّنْيَا قول الزاهدين وتعمل فيها عمل الراغبين لا بقليل مَنْهَا تقنع، ولا بكثير مَنْهَا تشبع تكره الموت لأجل ذنوبك وتقيم على ما تكره الموت لَهُ من عيوبك. تغلبك نفسك على ما تظن ولا تغلبها على ما تستقين، ما تثق من الرزق بما ضمن لَكَ، ولا تعمل من الْعَمَل ما فرض عَلَيْكَ وتستكثر من معصية غيرك ما تحتقره من نفسك. أما تعلم إِنَّ الدُّنْيَا كالحية لين ملمسها والسم الناقع فِي جوفها يهوى ألبها.

стр. 915

الصبي الجاهل ويحذرها اللبيب العاقل كيف تقر عين من عرفها وما أبعد أن يفطم عَنْهَا من ألفها فتفكروا إخواني فِي أهل الصلاح والفساد وميزوا بين أهل الْخُسْرَانُ وأهل الأرباح فيا سرعان عمر يفنيه المساء والصباح. " شِعرٌ لبَعْضِ الصَّالِحِيْنَ فِي مَدْحِ رَبِّ العِزَّةِ ﵎ " يَا فَاطِرَ الْخَلْقِ الْبَدِيعِ وَكَافِلاً ... رِزْقَ الْجَمِيعِ سِحَابُ جُودِكَ هَاطِلُ يَا مُسْبِغَ الْبَرِّ الْجَزِيلِ وَمُسْبِلَ السِّـ ... ـتْرِ الْجَمِيلِ عَمِيمُ طَوْلِكَ طَائِلُ يَا عَالِمَ السِّرِّ الْخَفِيّ وَمُنْجِزَ الْـ ... وَعْدِ الْوَفِيِّ قَضَاءُ حُكْمِكَ عَادِلُ عَظُمَتْ صِفَاتُكَ يَا عَظِيمُ فَجَلَّ إِنَّ ... يُحْصِي الثَّنَاءَ عَلَيْكَ فِيهَا قَائِلُ الذَّنْبُ أَنْتَ لَهُ بِمَنِّكَ غَافِرٌ ... وَلِتَوْبَةِ الْعَاصِي بِحِلْمِكَ قَابِلُ رَبٌّ يُرَبِي الْعَالَمِينَ بِبِرِّهِ ... وَنَوَالُهُ أَبَدًا إِلَيْهِمْ وَاصِلُ تَعْصِيهِ وَهُوَ يَسُوقُ نَحْوَكَ دَائِمًا ... مَا لا تَكُونُ لِبَعْضِهِ تَسْتَاهِلُ مُتَفَضِّلٌ أَبَدًا وَأَنْتَ لِجُودِهِ ... بِقَبَائِح الْعِصْيَانِ مِنْكَ تُقَابِلُ وَإِذَا دَجَى لَيْلُ الْخُطُوبِ وَأَظْلَمَتْ ... سُبْلُ الْخَلاصِ وَخَابَ فِيهَا الآمِلُ وَآيَسَتْ مِنْ وَجْهِ النَّجَاةِ فَمَا لَهَا ... سَبَبٌ وَلا يَدْنُو لَهَا مُتَناوَلُ يَأْتِيك مِنْ أَلْطَافِهِ الْفَرَجُ الَّذِي ... لَمْ تَحْتَسِبْهُ وَأَنْتَ عَنْهُ غَافِلُ يَا مُوجِدُ الأَشْيَاءِ مِنَ أَلْقَى إِلَى ... أَبْوَابِ غَيْرِكَ فَهُوَ غِرٌّ جَاهِلُ وَمَنْ اسْتَرَاحَ بِغَيْرِ ذِكْرِكَ أَوْ رَجَا ... أَحَدًا سِوَاكَ فَذَاكَ ظِلٌّ زَائِلُ عَمَلٌ أُرِيدَ بِهِ سِوَاكَ فَإِنَّهُ ... عَمَلُ وَإِنْ زَعَمَ الْمُرَائي بَاطِلُ وَإَذَا رَضِيتَ فَكُلُّ شَيْءٍ هَيِّنٌ ... وَإِذَا حَصَلْتَ فَكُلُّ شَيْءٍ حَاصِلُ أَنَا عَبْدُ سُوءٍ آبِقٌ كُلٌّ عَلَى ... مَوْلاهُ أَوْزَارُ الْكَبَائِرِ حَامِلُ قَدْ أَثَقَلَتْ ظَهْرِي الذُّنُوبُ وَسَوَّدَتْ ... صُحُفِي الْعُيوُبُ وَسِتْرُ غَفْوِكَ شَامِلُ هَا قَدْ أَتَيْتَ وَحُسْنُ ظَنِّي شَافِعِي ... وَوَسَائِلِي نَدَمٌ وَدَمَعٌ سَائِلُ فَاغْفِرْ لِعَبْدِكَ مَا مَضَى وَارْزُقْهُ تَوْ ... فِيقًا لِمَا تَرْضَى فَفَضْلُكَ كَامْلُ
следующие страницы →