← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

توحيده، وإلا فلو جرد توحيده لكَانَ لَهُ فيه شغل شاغل والله يتولى حفظه والدفع عَنْهُ، ولا بد وإن مزج لَهُ وإن كَانَ مرة ومرة فالله لَهُ مرة ومرة. كما قَالَ بَعْض السَّلَف: من أقبل على الله بكليته أقبل الله عَلَيْهِ جملة ومن أعرض عَنْ الله بكليته أعرض الله عَنْهُ جملة ومن كَانَ مرة ومرة فالله مرة ومرة، فالتَّوْحِيد حصن الله الأعظم الَّذِي من دخله كَانَ من الآمنين. قَالَ بَعْض السَّلَف: من خاف الله خافه كُلّ شَيْء، ومن لم يخف الله أخافه من كُلّ شَيْء. هذه عشرة أسباب يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر، ولَيْسَ لَهُ أنفع من التوجه إِلَى الله وإقباله عَلَيْهِ، وتوكله عَلَيْهِ، وثقته به، وأن لا يخاف معه غيره، بل يكون خوفه منه وحده، ولا يرجو سواه، بل يرجوه وحده. فلا يعلق قَلْبهُ بغيره، ولا يستغيث بسواه، ولا يرجو إلا إياه، ومتى علق قَلْبهُ بغيره ورجاه وخافه وكل إليه وخذل من جهته، فمن خاف شَيْئًا غير الله سلط عَلَيْهِ، ومن رجا شَيْئًا سِوَى الله خذل من جهته وحرم غيره، وهذه سُنَّة الله فِي خلقه، ولن تجد لسُنَّة الله تبديلاً. شِعْرًا: ... وَإِذَا اعْتَمَدْتَ عَلَى الإِلَهِ حَقِيقَةً ... نَمْ فَالْمَخَاوِف كُلّهُنَّ أَمَان اللَّهُمَّ ألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا الاستقامة طوع أمرك وتفضل عَلَيْنَا بعافيتك وجزيل عفوك. وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. شِعْرًا: ... أَرَى الصَّبْرَ مَحْمُودًا وعنَّهُ مُذَاهِبٌ فَكَيْفَ ... إِذَا مَا لَمْ يَكُنْ عَنْهُ مَذْهَب هُنَاكَ يَحِقّ الصَّبْرَ وَالصَّبْر وَاجِب ... وَمَا كَانَ مِنه لِلضَّرُورَة أَوْجَب هُوَ الْمَهْرَبُ الْمُنْجِي لَمَنْ أَحْدَقَتْ بِه ... مَكَارِه دَهْر لَيْسَ مِنْهُنَّ مَهْرَب

стр. 947

اعد خِلالاً فَليه لَيْسَ لِعَاقِلٍ ... مِنَ النَّاس إِنْ انْصَفَن عَنْهُنّ مَرْغَب لَبُوسُ جَمَالٍ جُنَّةٌ مِنْ شَمَاتَةٍ ... شِفَاءُ آسُّى يُثْنَى بِهِ وَيُثَوَّبُ فَيَا عَجَبًا لِشَيءٍ هَذِي خِلاله ... وَتَارِكْ مَا فِيهِ مِنْ الْحَظِّ أَعْجَبُ آخر: ... كُنْ حَلِيمًا إِذَا بُلِيتَ بغَيْضٍ ... وَصَبُورًا إِذَا أَتَتْكَ مُصِيبة فَاللَّيَالِي كَأَنَّهُنْ حُبَالَى ... مُثْقلات يَلِدْنّ كُلّ عَجِيب آخر: ... اصْبِرْ فَفِي الصَّبْرِ خَيْر لَوْ عَلِمْتَ بِهِ ... لَكُنْتَ بَارَكْتَ شُكْرَ أَصْحَابِ النِّعَمِ آخر: ... إِنِّي رَأَيْتُ الصَّبْرَ خَيْر مُعَوَّل ... فِي النَّائِبَاتِ لَمَنْ أَرَادَ مُعَوَّلا فَإِذَا نَبَا بي مَنْزِلٌ جَاوَزْتُهُ ... وَجَعَلْتَ مِنْهُ غَيْرَهُ لي مَنْزِلا وَإِذَا غَلا شَيْء عَلَيَّ تَرَكْتُهُ ... فَيَكُونُ أَرْخَصُ مَا يَكُونُ إِذَا غلا آخر: ... صَبِرْتُ عَلَى بَعْضِ الأَذَى خَوْف كله ... وَأَلْزَمْتُ نِفْسِي صَبْرَهَا فَاسْتَقَرَّت وَجَرَّعْتُهَا الْمَكْرُوهَ حَتَّى تَدَرَّبَتْ ... وَلَوْ حُمِّلْتَهُ جَمْلَةً لاشْمَأَزَّتْ فَيَا رَبِّ عِزّ جر لِلنَّفَسِ ذلةً ... وَيَا رَبّ نَفس بِالتَّذَلُل عَزَّتْ وَمَا الْعِزّ إِلا خِيفَة الله وَحْدَهُ ... وَمَنْ خَافَ مِنْهُ خَافَهُ مَا أقُلْتُ وَمَا صِدْقُ نَفْسِي إِنَّ فِي الصِّدْقِ حَاجَتِي ... فَارْضي بِدُنْيَايَ وِإِنْ هِيَ قَلَّت وَاهْجُرْ أَبْوَابِ الْمُلُوكَ فَإِنَّنِي ... أَرَى الْحِرْصَ جَلابَا لِكُلّ مَذَلّة إِذَا مَا مَدَدْتَ الْكَفَّ الْتَمْس الْغنى ... إِلَى غَيْرَ مَنْ قَالَ اسْأَلُونِي فَشُلَتْ إِذَا طَرَقَتْنِى الْحَادِثَاتِ بِنَكْبَةِ ... تَذَكَّرْتُ مَا عُوفِيت مِنْه فَقَلَّتْ وَمَا نَكْبَة إِلا وَللهِ مِنَّةٌ ... إِذَا قَابَلْتَهَا أَدْبَرْتَ وَاضْمَحَلْت اللَّهُمَّ باعد بيننا وبين خطايانَا كما باعدت بين المشرق والمغرب ونقنا من الخطايا كما ينقى الثوب الأَبْيَض من الدنس، اللَّهُمَّ ظلمنا أنفسنا فاغفر لَنَا ذنوبنا وهب لَنَا تقواك واهدنا بهداك ولا تكلنا إِلَى أحد سواك واجعل لَنَا من كُلّ هم فرجًا، ومن كُلّ ضيق مخرجًا، اللَّهُمَّ أعذنا بمعافاتك من عقوبتك وبرضاك من سخطك، واحفظ جوارحنا من مخالفة أمرك واغفر لَنَا

стр. 948

ولوالدينا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. "فَصْلٌ " وكما ورد فِي مدح الصبر والحث عَلَيْهِ آيات، ذكرنا طرفًا مَنْهَا فكَذَلِكَ وردت أحاديث نذكر إن شاء الله طرفًا مَنْهَا من ذَلِكَ ما ورد عَنْ صهيب بن سنان ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عجبًا لأمر المُؤْمِن إن أمره كله خَيْر ولَيْسَ ذَلِكَ لأحد إلا للمُؤْمِنِ إن أصابته سراء شكر فكَانَ خيرا لَهُ وإن إصابته ضراء صبر فكَانَ خيرًا لَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطى أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر» . متفق عَلَيْهِ. وعن أبي مالك الحارث بن عاصم الاشعرى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الطهور شطر الإِيمَان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السموات والأَرْض، والصَّلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلّ النَّاس يغدو فبائع نَفْسهُ فمعتقها أَوْ موبقها» . رَوَاهُ مُسْلِم. وعن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: " ما يصيب المُؤْمِن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حَتَّى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» . متفق عَلَيْهِ. وعن أَنَس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أراد الله بعبده الْخَيْر عجل لَهُ العقوبة فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أراد الله بعبده الشَّر أمسك عَنْهُ بذنبه حَتَّى يوافى به يوم القيامة» . وَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «إن عظم الجزاء مَعَ عظم البَلاء، وإن

стр. 949

الله إِذَا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرِّضَا ومن سخط فله السخط» . رَوَاهُ الترمذي وقَالَ: حديث حسن. وعن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الَّذِي يملك نَفْسهُ عَنْدَ الْغَضَب» . متفق عَلَيْهِ. وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ما يزال البَلاء بالمُؤْمِن والمؤمنة فِي نَفْسهُ وولده وماله حَتَّى يلقى الله وما عَلَيْهِ خطيئة» . رَوَاهُ الترمذي. وقَالَ: حديث حسن صحيح. وعن مصعب بن سعد عَنْ أبيه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أي النَّاس أشد بَلاء، قَالَ: «الأَنْبِيَاء ثُمَّ الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل حسب دينه فَإِنَّ كَانَ فِي دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كَانَ فِي دينه رقة ابتلاه الله حسب دينه، فما يبرح البَلاء فِي الْعَبْد حَتَّى يمشي على الأَرْض وما عَلَيْهِ خطيئة» . رَوَاهُ ابن ماجة وابن أبي الدُّنْيَا والترمذي وقَالَ: حديث حسن صحيح. عَنْ أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا يزال البَلاء بالمُؤْمِن والمؤمنة فِي جسده وَفِي ماله وَفِي ولده حَتَّى يلقى الله وما عَلَيْهِ خطيئة» . وقَالَ أَبُو هُرَيْرَةِ: دخل أعرابي على رسول الله ﷺ فقَالَ لَهُ رسول الله: «أخذتك أم ملدم "؟ قَالَ: وما أم ملدم؟ قَالَ: «حر يكون بين الجلد واللحم» . قَالَ: ما وجدت هَذَا قط. قَالَ: «فهل أخذك الصداع» . قَالَ: وما الصداع. قَالَ: «عرق يضرب على الإِنْسَان فِي رأسه» . قَالَ: ما وجدت هَذَا قط فَلَمَّا ولى قَالَ: «من أحب أن ينظر إِلَى رجل من أهل النار فلينظر إِلَى هَذَا» . رَوَاهُ أحمد. وعن جابر قَالَ: استأذنت الحمى على رسول الله ﷺ فقَالَ: «من هَذِهِ» قَالَتْ: أم ملدم فأمر بها إِلَى أَهْل قباء فلقوا مَنْهَا ما يعلم الله فأتوه فشكو ذَلِكَ إليه قَالَ: «ما شئتم إن شئتم أن أدعو الله فيكشفها عنكم وإن شئتم أن تَكُون لكم طهورًا» . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْ يفعل. قَالَ: «نعم» قَالُوا: فدعها يَا رَسُولَ اللهِ.

стр. 950

شِعْرًا: ... تَطْرُقُ أَهْلُ الْفَضْلِ دَونَ الْوَرَى ... مَصَائِب الدُّنْيَا وَآفَاتِهَا كَالطَّيْرِ لا يُسْجَنُ مِنْ بِيْنَهَا ... إِلا الَّتِي تُطْرَبُ أَصْوَاتُهَا ولابن حبان فِي صحيحه من رواية العلاء بن المسيب عَنْ أبيه عَنْ سعد قَالَ: سئل رسول الله ﷺ أي النَّاس أشد بَلاء قَالَ: «الأَنْبِيَاء ثُمَّ الأمثل فالأمثل يبتلى النَّاس على حسب دينهم، فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه، ومن ضعف دينه ضعف بَلاؤه، وإن الرجل ليصيبه البَلاء حَتَّى يمشي فِي النَّاس وما عَلَيْهِ خطيئة» . وعن أبي سعيد أنه دخل على رسول الله ﷺ وَهُوَ موعوك عَلَيْهِ قطيفة فوضع يده فوق القطيفة، فقَالَ: ما أشد حُمَّاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «إِنَّا كَذَلِكَ يُشَدَّدُ عَلَيْنَا البَلاء ويضاعف لَنَا الأجر» . ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ من أشد النَّاس بَلاء؟ قَالَ " الأَنْبِيَاء "، قَالَ: ثُمَّ من؟ قَالَ: «الْعُلَمَاء» . قَالَ: ثُمَّ من؟ قَالَ: «الصالحون كَانَ أحدهم يُبْتَلى بِالْقَمْلِ حَتَّى يَقْتُله وَيُبْتَلى أَحدهم بالفقر حَتَّى ما يجد إلا العباءة يلبسها، ولا أحدهم كَانَ أَشد فَرَحًا بالبَلاء من أحدكم بالعطاء» . رَوَاهُ ابن ماجة وابن أبي الدُّنْيَا والحاكم واللفظ لَهُ وقَالَ: صحيح على شرط مُسْلِم. وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إن الرجل ليكون لَهُ عَنْدَ الله المنزلة فما يبلغها بعمل فما يزال يبتليه بما يكره حَتَّى يبلغه إياها» . رَوَاهُ أبو يعلى وابن حبان فِي صحيحه من طريقه وَغَيْرِهمَا. وعن مُحَمَّد بن خالد عَنْ أبيه عَنْ جده وكَانَتْ لَهُ صحبة من رسول الله ﷺ قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «إن الْعَبْد إِذَا سبقت لَهُ من الله منزلة فلم يبلغها بعمل ابتلاه الله فِي جسده، أَوْ ماله، أَوْ فِي ولده، ثُمَّ صبر على ذَلِكَ حَتَّى يبلغه المنزلة التي سبقت لَهُ من الله » . رَوَاهُ أحمد وَأَبُو دَاود وأبو يعلى والطبراني فِي الكبير والأوسط.

стр. 951

وَرُوِيَ فيه أيضًا عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إن الله ليجرب أحدكم بالبَلاء كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار، فمنه ما يخَرَجَ كالذهب الإبريز فذاك الَّذِي حماه الله من الشبهات ومنه ما يخَرَجَ دون ذَلِكَ فَذَلِكَ الَّذِي يشك بَعْض الشك ومنه ما يخَرَجَ كالذهب الأسود فَذَلِكَ الَّذِي افتتن» . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. "موعظة " عباد الله كلنا ولله الحمد قَدْ رضي بِاللهِ ربًا وبالإسلام دينًا، وبمُحَمَّد نبيًا ورسولاً، وبالقرآن إمامًا، والكعبة قبلة، وبالْمُؤْمِنِينَ إِخوانًا وتبرأنَا من كُلّ دين يخالف دين الإِسْلام، وآمنا بكل كتاب أَنزله الله وبكل رسول أرسله الله، وبملائكة الله وبالقدر خيره وشره وبالْيَوْم الآخِر وبكل ما جَاءَ به مُحَمَّد ﷺ عَنْ الله، على ذَلِكَ نحيا وعَلَيْهِ نموت، وعَلَيْهِ نَبْعَث إنشاء الله من الآمنين الَّذِينَ لا خوف عَلَيْهمْ ولا هم يحزنون بفضله وكرمه. ثُمَّ اعلموا معاشر الإِخْوَان أنَّه من رضي بِاللهِ ربًا لزمه أن يرضى بتدبيره، واختياره لَهُ، وبمر قضائه، وأَن يقنع بما قسم لَهُ من الرزق، وأن يداوم على طاعته، ويحافظ على فرائضه، ويجتنب محارمه، ويكون صابرًا عَنْدَ بلائه، موطنًا نَفْسهُ على ما يصيبه من الشدائد، بعيدًا كل البعد عَنْ نار الجزع، التي تتأجج فِي قلب كُلّ امرئ يجهل بارئه ومولاه. فإن رَأَيْت نفسك أيها الأخ تريد أن تجزع عَنْدَ ملمة، فقف أمامها موقف الناصح القدير، أفهمها أنها هِيَ السبب فيما أنزل الله بها من بَلاء صغير أَوْ كبير. وإن لم تصدقك فاقرأ عَلَيْهَا قول الله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ فإنها إِذَا سمعت ذَلِكَ وجهت اللوم

стр. 952

إلى نفسها على معاصيها، وهدأت الثورة الثقِيْلة. وأفهمها أن لَيْسَ بينها ولا بين ربها عداوة، فإنه بعباده الرءوف الرحيم، وأفهمها أن البلايا قَدْ تلزم الْعَبْد حَتَّى يصبح مغفورة ذنوبه كُلّهَا، صغيرها، والكبير، وأفهمها أن نتيجة ذَلِكَ أن صَاحِب البلايا يأتي يوم القيامة فِي أمن مولاه الكريم. فعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «من يرد الله به خيرًا يصب منه» . رَوَاهُ الْبُخَارِيّ. وَفِي حديث أَنَس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «إِذَا أراد الله بعبده الْخَيْر عجل لَهُ العقوبة فِي الدُّنْيَا» . وقَالَ ﷺ : «إن عظم الجزاء مَعَ عظم البَلاء وإن الله إِذَا أحب قومًا ابتلاهم» . الْحَدِيث. وفي حديث أبي هريرة قَالَ: قَالَ: رسول الله ﷺ : «ما يزل البَلاء بالمُؤْمِن والمؤمنة فِي نَفْسهُ وولده وماله حَتَّى يلقى الله تَعَالَى وما عَلَيْهِ خطيئة» . رَوَاهُ الترمذي، وقَالَ: حديث حسن صحيح، أَفْهِمْ نفسك كُلّ ذَلِكَ فإنه يخفف عَنْهَا آلام البلايا، وَرُبَّمَا جعلها من المحبوبات. وأفهمها أن الله وعد الصابرين أن يجزيهم أجرهم بغير حساب وأفهمها أن الله حكيم فِي كُلّ تصرفاته، وقل لها أن الجزع لا يرد ما نزل من البلاء أبدًا، بل ما دبره الحكيم العليم لا بد من وقوعه فلا فائدة فِي الجزع والحزن، وقل إن عاقبة الجزع والتسخط النار، وعاقبة الصبر والرِّضَا بما قضاه الله الْجَنَّة، وقل أن شماتة الأعداء فِي الجزع، وغيظهم فِي الصبر، الَّذِي يتأكد لزومه على الرِّجَال والنساء. وتأكد واطمئن أنها إِذَا سمعت منك كُلّ ذَلِكَ رضيت بإذن الله كُلّ الرِّضَا، ولزمت الآداب، فتعيش كُلّ حياتها تروح وتغتدي فِي جنة رضاها،

стр. 953

مهما برحت بها البلايا والأوصاب، وبذَلِكَ مَعَ توفيق الله تَعَالَى تجمَعَ بين سعادة الدُّنْيَا والآخِرَة وهكَذَا تَكُون عواقب الصابرين الأبطال. شِعْرًا: ... وَأَصْبَحْتُ فِيمَا كُنْتُ أَبْغِي مِنَ الْغِنَا ... إِلَى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ أَحْوَجَا وَحَسِبْتُ نَفْسِي بَيْنَ وَبَيْتِي وَمَسْجِدِي ... وقَدْ صِرْتُ مِثْل النِّسْرِ أَهْوَى التَّعَرّجَا آخر: ... مَا أَحْسَنَ الصَّبْر فِي الدُّنْيَا وَأَجْمَلَهُ ... عَنْدَ الإِلَهِ وَأنْجَاهْ مِنْ الْجَزَعِ مَنْ شَدَّ بِالصَّبْرِ كَفًا عِنْدَ مُؤْلِمَةٍ ... أَلْوَتْ يَدَاهُ بِحَبْلٍ غَيْرَ مُنْقَطِعٍ اللَّهُمَّ نور قلوبنا واشرح صدورنا ويسر أمورنا وأحسن منقلبنا وأيدنا بروح منك وَوَفِّقْنَا لما تحبه وترضاه وثبتنا بالقول الثابت فِي الحياة الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة واغفر لَنَا ذنوبنا واستر عيوبنا واكشف كروبنا وأصلح ذات بينا وألف فِي طَاعَتكَ وطاعة رسولك بين قلوبنا واغفر لَنَا ولوالدين وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. " فَصْلٌ " ويكفي فِي مدح الصبر وشرفه وعلو مكانته وأَنَّه لا يناله إلا من وفقه الله، أن الصبر طريقة الرسل عَلَيْهمْ أفضل الصَّلاة والسَّلام، فقَدْ قَالَ الله تَعَالَى لنبيه ﷺ وصفوة خلقه: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ ، وقَالَ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . فبين تَعَالَى أن كُلَّ رسول أرسله إِلَى أمة من الأمم لاقى أذىً وألمًا من قومه وتكذيبًا، وقَالَ لرسوله ﷺ : آمرًا ومسليًا ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ الآية. ألا وإن من حكمة الله فِي تعريض صفوة خلقه لهذه المكاره والأذايا

стр. 954

وفي أمرهم بالصبر عَلَيْهَا إفهامًا لخلقه أَنَّ الدُّنْيَا دار بَلاءٍ واختبارٍ، لا دار مقامٍ ولذةٍ، واستقرارٍ، وأنها محدودة الأجل، مقصود مَنْهَا صالح الْعَمَل. فَانْظُرْ إِلَى آدم ﵇ وما نزل به الآلام والأحزان أَخْرَجَهُ الله بفتنة إبلَيْسَ من جنته وأهبطه إِلَى الأَرْض ليعمرها هُوَ وأبناؤه، وهي دار العناء والفناء وذاق ثكل ولده هابيل باعتداء أخيه عَلَيْهِ قابيل. وانظر أول رسول أرسل إِلَى أَهْل الأَرْض نوح عَلَيْهِ وعلى نبينا أفضل الصَّلاة والسَّلام وقَدْ مكث يدعو قومه ألف سُنَّة إلا خمسين عامًا (٩٥٠) وهم يهزؤون ويسخرون منه يدعوهم ليلاً ونهارًا سرًا وجهارًا ولم يتوانَا ولم يضجر ولم يمل بل واصل الجهود النبيلة الْخَالِصَة الكريمة بلا مصلحة لَهُ ولا منفعة مِنْهُمْ. ويحتمل فِي سبيل هَذِهِ الدعوة الاستكبار والإعراض، هَذِهِ المدة الطويلة والمستجيبون لا يزيدون، والمعرضون فِي زيادة، ولما أيس من إيمانهم أمر أن يصنع الفلك فكَانُوا إِذَا مروا عَلَيْهِ ضحكوا منه وسخروا وقَالُوا كَانَ بالأمس نبيًا والْيَوْم نجارًا ولا يزيد من جوابه على أن يَقُولُ: ﴿إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحَِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ . وزَادَ بلاؤه أن أُغْرِقَ ابنه ينظر إليه ولا يستطيع لَهُ إنقاذًا إذ قَدْ غلب على الابن الشقاء فناجى ربه نوح فقَالَ لَهُ ربه: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ . ثُمَّ انظر إِلَى شيخ المرسلين وَجَدَ الْمُسْلِمِين خليل الرحمن ﵇ وما تجرع من الغصص والآلام فقَدْ جد فِي دعوة أبيه إِلَى التَّوْحِيد حَتَّى هدده أبوه بالرجم والتعذيب وقومه قَالُوا: اقتلوه أَوْ احرقوه ثُمَّ ما جرى عَلَيْهِ حين أمر بذبح ابنه فأقَدِمَ عَلَى ذلك.

стр. 955

ثُمَّ انظر إِلَى مُوَسى وما جرى عَلَيْهِ وما لا قى فِي أول أمره وآخره مَعَ فرعون لعنه الله وقومه ثُمَّ انظر إِلَى عيسى ﵇ وما لقيه من قذف أمه وقذفه ﵄ واضطهاد بنى إسرائيل قومه حَتَّى ائتمروا على صلبه. ثُمَّ انظر إِلَى لوط ﵇ وما جرى لَهُ مَعَ قومه المنحرفين الشاذين المستهترين بالنذر، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ الآية، فصبر إِلَى أن نصره الله وأرسل على قومه حاصبًا وجعل عاليها سافلها واللهُ على كُلّ شَيْء قدير وَهُوَ نعم المولى ونعم النصير. شِعْرًا: ... ثَمَانِيَةٌ حَتْمٌ عَلَى سَائِرِ الْوَرَى ... فَكُلّ امْرِئٍ لا بُدَّهُ مِنْ ثَمَانِيَهْ سُرُورٌ وَاجْتِمَاعٌ وَفُرْقَة ... وَعُسْر وَيُسْر ثُمَّ سِقَم وَعَافِيَهْ آخر: ... إِنَّ الْحَيَاةَ مَنَامٌ وَالْمَآل بِنَا ... إِلَى انْتِبَاه وَآتٍ مِثْل مُنْعَدِمِ وَنَحْنُ فِي سَفَرٍ نَمْضِي إِلَى حُفَرٍ ... فَكُلُّ آنٍ لَنَا قُرْبٌ مِنْ عَدَمِ وَالْمَوْتُ يَشْمُلُنَا وَالْحَشْرُ يَجْمَعُنَا ... وَبِالتُّقَى الْفَخْرُ لا بِالْمَالِ وَالْحَشَمِ صُنْ بِالتَّعَفُّفِ عِزَّ النَّفْسَ مُجْتَهِدًا ... فَالنَّفْس أَعْلَى مِن الدُّنْيَا لِذِي الْهِمَم وَاغْضُضْ عُيُونَكَ عَنْ عَيْب الأَنَام وَكُنْ ... بِعَيْبِ نَفْسِكَ مَشْغُولاً عَنْ الأُمَمِ فَإِنَّ عَيْبَكَ تَبْدُو فِيكَ وَصَمْتُهُ ... وَأَنْتَ مِنْ عَيْبِهِمْ خَال مِنَ الوَصْم جَازِي الْمُسِيء بِإِحْسِانٍ لِتَمْلِكَهُ ... وَكُنْ كَعَوْدٍ يِفُوحُ الطِّيب فِي الضَّرْمِ وَمَنْ تَطَلَّبَ خِلا غَيْرَ ذَي عِوَجٍ ... يَكُنْ كَطَالِبِ مَاءٍ مِنْ لَظَى الْفَحْمِ وقَدْ سَمِعْنَا حِكَايَاتِ الصِّدْيِق وِلَمْ ... نَخُلْهُ إِلا خَيَالاً كَانَ فِي الْحِلْمِ إِنَّ الإقَامَةِ فِي أَرْضٍ تُظَام بِهَا ... وَالأَرْضُ وَاسِعَةٌ ذُلٌّ فَلا تُقِمِ وَلا كَمِال بِدَارٍ لا بَقَاءَ لَهَا ... فَيَا لَهَا قِسْمَةٌ مِنْ أَعْظَمِ الْقِسَمِ دَارٌ حَلاوَتُهَا لِلْجَاهِلِينَ بِهَا ... وَمُرُّهَا لِذَوِي الأَلْبَاب وَالْهِمَمِ أَبْغِي الْخَلاصِ وَمَا أَخْلَصْتَ فِي عَمَلٍ ... أَرْجُو النّجَاة وَمَا نَاجَيْتَ فِي الظُّلْمِ لَكِنْ لِي أَملاً فِي الله يُؤْنِسُنِي ... وَحُسْنُ ظَنِّ بِهِ ذَا الْجُود وَالْكَرَمِ

стр. 956

اللَّهُمَّ ثَبِّتْ مَحَبَّتَكْ فِي قلوبنا وقوها، اللَّهُمَّ ألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا محبة أوليائك وبغض أعدائك وهجرانهم والابتعاد عنهم واغفر لَنَا، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْنَا مِنْ المتقين الأَبْرَار واسكنا معهم فِي دار الْقَرَار، اللهم وَفَّقَنَا بحسن الإقبال عَلَيْكَ والإصغاء إليك وَوَفِّقْنَا لِلتَّعَاوُن فِي طَاعَتكَ والمبادرة إِلَى خدمتك وحسن الآدَاب فِي معاملتك والتسليم لأَمْرِكَ والرِّضَا بقضائك والصبر على بَلائِكَ وَالشُّكْر لنعمائك، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأحياء مِنْهُمْ والميتينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله صحبه أجمعين. " فَصْلٌ " ثُمَّ انظر إِلَى خطيب الأَنْبِيَاء ﵇، وما لا قى من قومه المتمردين على الحق والعدل، المفسدين فِي الأَرْض قطاع الطرق، والظلمة الَّذِينَ يفتنون النَّاس عَنْ دينهم، ويصدونهم، المقاتلين لمن يدعوهم إِلَى الأَعْمَال الصَّالِحَة والأَخْلاق الفاضلة بالقَسْوَة والغلظة، حيث يقولون: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ﴾ الآية. ثُمَّ انظر إِلَى صالح ﵇ حين دعاء قومه وما قابلوه به حين جَاءَ بالبينة الدالة على صدقه، فيعتدون عَلَيْهَا ويتحدونه باستعجال الْعَذَاب. ثُمَّ انظر إِلَى هود ﵇، واتهام قومه لَهُ بالسفاهة والكذب بلا ترو مِنْهُمْ ولا تدبر ولا دَلِيل، وأخيرًا يتحدونه بالْعَذَاب. وانظر إِلَى يونس وما لقي من قومه حَتَّى ضاق صدره بتكذيب قومه فأنذرهم بعذاب قريب، وغادرهم مغضبًا آبقًا فقاده الْغَضَب إِلَى شاطئ البحر، حيث ركب سفينةً مشحونةً وَفِي وسط لجة البحر ناوأتها الرياح والأمواج وأشرفت على الغرق، فساهموا على أن من تقع القرعة عَلَيْهِ يلقى فِي

стр. 957

البحر لتخف السَّفِينَة فوقعت القرعة على يونس نَبِيّ اللهِ ثلاث مرات وهم يبخلون به أن يلقى من بينهم. فتجرد من ثيابه ليلقي نَفْسهُ وهم يأبون عَلَيْهِ ذَلِكَ، وأمر الله تَعَالَى حوتًا من البحر الأخضر أن يشق البحار وأن يلتقم يونس ﵇، ولا يهشم لَهُ لحمًا ولا يكسر لَهُ عظمًا فَجَاءَ ذَلِكَ الحوت وألقى يونس نَفْسهُ فالتقمه الحوت وذهب به. ولما استقر يونس فِي بطن الحوت حسب أنه قَدْ مَاتَ، ثُمَّ حرك رأسه ورجليه، وأطرافه، فإذا هُوَ حي فقام فصلى فِي بطن الحوت، وكَانَ من جملة دعائه يَا رب اتخذت لَكَ مَسْجِدًا فِي موضع لم يبلغه أحد من النَّاس، فهَذَا ما لقيه يونس ﵇، ذكر ذَلِكَ بَعْض الْعُلَمَاء ﵏. ثُمَّ إِلَى ما لقيه صفوة الخلق مُحَمَّد ﷺ من قومه، من التكذيب والاستهزاء، والإيذاء في نَفْسهُ، وفيمن يتبعه من المستضعفين، حَتَّى ائتمروا على قتله، فهاجر إِلَى الْمَدِينَة تاركًا وطنه وعشيرته، وانظر ما لقيه فِي حروبهم، وقَدْ جرحوه، وكسروا رباعيته حَتَّى سال دمه. إذا نظرت إِلَى ذَلِكَ وإلى غيره علمت أنَّ الدُّنْيَا مشحونة بالمصائب والانكاد، وأنها دار ممر لا دار مقر، ولو كَانَتْ دار مقر واطمئنان، لكَانَ أولى بذَلِكَ رسل الله، وأنبياؤه، وأصفياؤه فالعاقل من يحرص على عقيدته الدينية كما يحرص على روحه فيحصنها من الزيغ والضلال، ويقوم بما فرض الله عَلَيْهِ، ويجتنب ما نهى الله عَنْهُ صابرًا على ما قدره الله عَلَيْهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ وصلى الله على مُحَمَّد وآله وسلم. " فَصْلٌ " اعْلَمْ وَفَّقَنَا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع الْمُسْلِمِين لما يحبه ويرضاه، أن لتسهيل

стр. 958

المصائب والشدائد البدنية والمالية أسباب إِذَا قارنت حزمًا وصادقت عزمًا هان وقعها، وقل تأثيرها على الدين والْقَلْب والبدن، بأذن الله تَعَالَى. فأَوَّلاً الآيات وَالأَحَادِيث المتقدمة التي فيها مدح الصابرين وبشارتهم ووعدهم بالجزاء الحسن ومن ذَلِكَ أن يعلم أن مرارة الدُّنْيَا هِيَ بعينها حلاوة فِي الآخِرَة وحلاوة الدُّنْيَا هِيَ بعينها مرارة الآخِرَة، ولأن ينتقل من مرارة منقطعة إِلَى حلاوة دائِمَّة خَيْر من عكس ذَلِكَ. وقَالَ ﷺ : «حفت الْجَنَّة بالمكاره وحفت النار بالشهوات "، وكَذَلِكَ قوله فِي الصحيح: «يؤتى يوم القيامة بأنعم أَهْل الدُّنْيَا من أَهْل النار فيصبغ فِي النار صبغة، ثُمَّ يقَالَ: يَا ابن آدم هل رَأَيْت خيرًا قط هل مر بك نعيم قط؟ فَيَقُولُ: لا وَاللهِ يَا رب، ويؤتى بأشد النَّاس بؤسًا فِي الدُّنْيَا من أَهْل الْجَنَّة فيصبغ فِي الْجَنَّة صبغة فيقَالَ لَهُ: يَا ابن آدم هل رَأَيْت بؤسًا قط هل مر بك شدة قط؟ فَيَقُولُ: لا وَاللهِ يَا رب " الْحَدِيث. ومن ذَلِكَ استشعار النفس بما تعلمه من نزول الْفَنَاء وتقضي المسار، وأن لها آجالاً منصرمةٌ ومددًا منقضيةً، إذ لَيْسَ للدنيا حالٌ تدوم ولا لمخلوق عَلَيْهَا بقاء كما قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وقَالَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ . شِعْرًا: ... بَنُو الوَقْتِ مِنْ فَجَعَاتِهِ فِي تَمَزُّقٍ ... فَكُلَهُمْ يَغْدُو بِشَلْوٍ مُقَدَّدِ وَإِنَّي رَأَيْتُ الوَقْتَ جَمًّا خُطُوبُهُ ... وَإِنْ لَمْ يُرَوْعْ حَادِث فكَأَنْ قَدِ وروى ابن مسعود ﵁ أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «ما مثلي ومثل الدُّنْيَا إلا كمثل راكب مال إِلَى ظِلّ شجرة فِي يوم صائف ثُمَّ راح وتركها» . ومنها أن يتصور انحلال الشدائد وانكشاف الهموم وأن الله قدرها فأوقات لا تنصرم قبلها ولا تستديم بعدها فلا تقصر تلك الأوقات بجزع

стр. 959

ولا تطول بصبر، وأن كُلّ يوم يمر بها يذهب مَنْهَا بشطر ويأخذ مَنْهَا بنصيب حَتَّى تنجلي وتنفرج ويزول ما كَانَ من المكاره والخطوب. وقَدْ قص الله عَلَيْنَا فِي كتابه قصصًا تتضمن وقوع الفرج بعد الكرب والشدة كما قص نجاة نوح ومن معه في الفلك من الكرب العظيم مع إغراق سائر أهل الأرض. وكما قص نجاة إبراهيم ﵇ من النار حين ألقاه المشركون فِي النار وأنه جعلها بردًا وسلامًا، وكما قص قصة إبراهيم ﵇ مَعَ ولده الَّذِي أمر بذبحة، ثُمَّ فداه الله بذبح عَظِيم. وكما قص قصة مُوَسى ﵇ مَعَ أمه لما ألقته فِي اليم حَتَّى التقطه آل فرعون، وقصته مَعَ فرعون لما نجى الله سُبْحَانَهُ مُوَسى وأغرق عدوه فرعون وقَوْمه. وكما قص قصة أيوب ويونس ويعقوب، ويوسف ﵈ قصة قوم يونس لما آمنوا، وكما قص قصص مُحَمَّد ﷺ ونصره على أعدائه بإنجائه مِنْهُمْ فِي عدة مواطن، مثل قصته فِي الغار، وقصة يوم بدر، ويوم أحد، ويوم حنين. وكما قص الله قصة عَائِشَة ﵂ وأرضاها فِي حديث الإفك وبرأها الله مِمَّا رميت به، وقصة الثلاثة الَّذِينَ خلفوا حَتَّى إِذَا ضاقت عَلَيْهمْ الأَرْض بما رحبت، وضاقت عَلَيْهمْ أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ثُمَّ تاب عَلَيْهمْ ليتوبوا. وَفِي السُنَّة من هَذَا المعنى شَيْءٌ كثير مثل قصة الثلاثة الَّذِينَ دخلوا الغار فانطبقت عَلَيْهمْ الصخرة، فدعوا الله بأَعْمَالُهُمْ الصَّالِحَة، ففرج الله عنهم، ومثل قصة إبراهيم وسارة مَعَ الجبار الَّذِي طلبها من إبراهيم ورد الله كيد الفاجر.

стр. 960

وَإِذَا اشتد الكرب وعظم الخطب كَانَ الفرج قريبًا فِي الغالب بإذن الله قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا﴾ ، وقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ . وأخبر عَنْ يعقوب أنه لم ييأس من لقاء يوسف وقَالَ لإخوته: اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله، وقَالَ: عَسَى الله إن يأتيني بِهُمْ جميعًا، ومن لطائف اقتران الفرج باشتداد الكرب، أن الكرب إِذَا اشتد، وعظم وتناهى، وُجِدَ الإياس من كشفه من جهة المخلوق، ووقع التعلق بالخالق. كما قَالَ الإِمَام أحمد واستدل عَلَيْهِ بقول إبراهيم ﵇ لما عرض لَهُ جبريل ﵇ فِي الهواء، وقَالَ: ألك حَاجَة، فقَالَ: أما أليك فلا وإما إِلَى الله فبلَى والتوكل من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج. فإن الله يكفي من توكل عَلَيْهِ كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ، ومنها أن الْعَبْد إِذَا اشتد عَلَيْهِ الكرب فإنه يحتاج حينئذ إِلَى مجاهدة الشيطان لأنه يأتيه فيقنطه ويسخطه ومنها أن المُؤْمِن إِذَا استبطأ الفرج وآيس منه ولاسيما بعد كثرة دعائه وتضرعه ولم يظهر لَهُ أثر الإجابة رجع على نَفْسهُ باللأَئِمَّة وَيَقُولُ لها إنما أتيت من قبلك ولو كَانَ فيك خيرًا لأجبت وَهَذَا اللوم أحب إِلَى الله من كثير من الطاعات. أ. هـ. شِعْرًا: ... وَهَوِّنْ عَلَيْكَ فَكُلُّ الأَمْرِ تَنْقَطِعُ ... وَخَلّ عَنْكَ عَنَانَ يَنْدَفِعُ فَكُلّ هَمٍّ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ فَرَجُ ... وَكُلُّ أَمْرٍ إِذَا مَا ضَاق يَتَّسِعُ إِنَّ البَلاءَ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ بِهِ ... فَاللهُ يُفَرِّجَهُ وَسَوْفَ يَنْقَطِعُ آخر: ... إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْيَأْسِ الْقُلُوبُ ... وَضَاقَ بِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرَّحِيبُ وَأَوْطَأَتْ الْمَكَارِهْ وَاطْمَأَنَّتْ ... وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الْخُطُوبِ

стр. 961

وَلَمْ تَرَ لانْكِشَافِ الضُّرِّ وَجْهًا ... وَلا أَغْنَى بِحِيلَتِهِ الأَرِيبُ أَتَاكَ عَلَى قُنُوطٍ مِنْكَ غَوْثٍ ... يَمُنُّ بِهِ اللطِيفُ الْمُسْتَجِيبُ وَكُلُّ الْحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ ... فَمَوْصُولٌ بِهَا فَرَجٌ قَرِيبُ آخر: ... إِنَّ الأُمُورَ إِذَا مَا اللهُ يَسَّرَهَا ... أَتَتْكَ مِنْ حَيْثُ لا تَرْجُو وَتَحْتَسِب وَكُلُّ مَا لَمْ يُقَدِّرَهُ الإِلَهُ فَمَا ... يُفِيدُ حِرْصُ الْفَتَى فِيهِ وَلا النَّصَبُ ثِقْ بِالإِلَهِ وَلا تَرْكَنُ إِلَى أَحَدٍ ... فَاللهُ أَكْرَمُ مَنْ يُرْجَ وَيُرْتَقَبُ آخر: ... وَكَمْ للهِ مِنْ لُطْفٍ خَفِيٍّ ... يَدِقُّ خَفَاهُ عَنْ فَهْمِ الذَّكِيِّ وَكَمْ يُسْرٍ أَتَى مِنْ بَعْدِ عُسْرٍ ... وَفَرَّجَ لَوْعَةَ الْقَلْبِ الشَّجِيِّ وَكَمْ هَمٍّ تُسَاءُ بِهِ صَبَاحًا ... فَتَعْقُبُهُ الْمَسَرَّةُ بِالْعَشِي إِذَا ضَاقَتْ بِكَ الأَسْبَابُ يَوْمًا ... فَثِقْ بِالْوَاحِدِ الأَحَدِ الْعَلِيِّ وَاللهُ أَعْلَمُ. وصلى الله على مُحَمَّد وآله وسلم. " فَصْلٌ " ومنها أن يتسلَّى بذوِي الغير، ويتسلَّى بأولى العبر، ويعلم أنهم الأكثرون عددًا والأسرعون مددًا، فيستجد من سلوة الأسى وحسن العزاء إِلَى ما يخفف حزنه ويقلل هلعه. وقَالَ عمر ﵁: الصقوا بذوي الغير تتسع قلوبكم. أي الَّذِينَ تنتقل أحوالهم إذ يتسلى مرقع الخف بالَّذِي مخرق خفه، ويتسلى مخرق الخف بالحاسر الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء، وتسلى الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء بالأعرج، والأعرج بالأقطع، وهكَذَا كُلّ يتسلى بمن هُوَ أعظم منه فِي المصيبة. والدُّنْيَا إِذَا تأملها اللبيب وجدها كُلّهَا متاعب وبلايا ومصائب، وقَدْ أحاطت بِالنَّاسِ من رؤوسهم إِلَى أقدامهم، فتَرَى مصابًا بالعلل والأسقام كُلَّما برئ من علة أصابته علة أخرى، كُلَّما شفاه الله من مرض جاءه مرض

стр. 962

آخر، وتجد هَذَا مصابًا بعقوق الأبناء لأنهم خرجوا عَنْ الصراط المستقيم، وسلكوا طَرِيق الشيطان، وتجد الآخر مصابًا بسوء خلق زوجته فهو معها دَائِمًا فِي شقاق وعناء ونشوز ولجاج. وتجد مصابًا بالفقر المدقع وَهَذَا تجده مصابًا بالعقم، وَهَذَا تجده مصابًا بكساد تجارته، وَهَذَا مصابًا ببوار زراعته، أَوْ صناعته، وَهَذَا مصابًا بجيران سوء يذيعون ما يسوءُ ويكتمون الْخَيْر، وتجده معهم دَائِمًا فِي لجاج، وَهَذَا تجده مَعَ أقربائه فِي شقاق وقطيعة، وشكاوى وتردد بين المحاكم والمناطق، وَهَذَا تجدع مَعَ شركائه أَوْ مَعَ أرحامه كَذَلِكَ فِي نكد. وتَرَى هَذَا لا حظ لَهُ فِي الحياة يجد ويجتهد ولا ينال مناه ويشقى ويتعب ولا يحصل على مبتغاه، وَهَذَا تجده مسلطين عَلَيْهِ والديه أَوْ أحدهما وَهَذَا تجده مظلومًا وَهَذَا مسجونًا، وهكَذَا إِلَى نهاية سلسلة الآلام التي لا تقف عَنْدَ حد ولا يحصيها عد، ولَقَدْ صدق من قَالَ: شِعْرًا: ... كُلُّ مَنْ لاقَيْتُ يَشْكُو دَهْرَهُ ... لَيْتَ شِعْرِي هَذِهِ الدُّنْيَا لِمَنْ آخر: ... أَلَحَّ عَلَيَّ السُّقْمُ حَتَّى أَلِفْتُهُ ... وَمَلَّ طَبِيبِي جَانِبِي وَالْعَوَائِدُ آخر: ... تَعَوَّدْتُ مَسَّ الشَّرَّ حَتَّى أَلِفْتُهُ ... وَأَسْلَمَنِي طُولُ البَلاءِ إِلَى الصَّبْرِ وَوَسَّعَ صَدْرِي لَلأَذَى كَثْرَةُ الأَذَى ... وَكَانَ قَدِيمًا قَدْ يضيق به صَدْرِي إِذَا أَنَا لِمْ أَقْبَلْ مِنَ الدَّهْرِ كُلَّمَا ... تَكَرَّهْتُهُ قَدْ طَالَ عُتْبِي عَلَى الدَّهْرِ آخر: ... رُوِّعْتُ بَالْبَيْنِ حَتَّى مَا أَرَاعَ لَهُ ... وَبِالْمَصَائِبِ فِي أَهْلِي وَجِيرَانِ آخر: ... تَعَزَّ بِحِسْنِ الصَّبْرِ عَنْ كُلِّ هَالِكِ ... فَفِي الصَّبْرِ مَسْلاةُ الْهُمُوم اللوَازِمِ إِذَا أَنْتَ لَمْ تَصْبِرْ عَزَاءً وَحِسْبَةً ... سَلَوْتَ كَمَا تَسْلُو قُلُوبُ الْبَهَائِمِ آخر: ... ولما رَأَيْتُ الوَقْتَ يُؤْذِنُ صَرْفُهُ ... بِتَفْرِيقِ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ الْحَبَائِبِ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي فَوَطَّنْتُهَا عَلَى ... رُكُوبِ جَمِيل الصَّبْرِ عَنْدَ النَّوَائِبِ وَمَنْ صَحِبَ الدُّنْيَا عَلَى سُوءِ فِعْلِهَا ... فَأَيَّامُهُ مَحْفُوفَةٌ بِالْمَصَائِبِ

стр. 963

وَمَنْ صَحِبَ الدُّنْيَا عَلَى سُوءِ فِعْلِهَا ... فَأَيَّامُهُ مَحْفُوفَةٌ بِالْمَصَائِبِ فَخُذْ خِلْسَةً مِنْ كُلِّ يَوْمٍ تَعِيشُهُ ... وَكُنْ حَذِرًا مِنْ كَآمِنَاتِ الْعَوَاقِبِ آخر: ... وَمَا خَيْرَ عَيْشُ نِصْفُهُ سِنَةُ الْكَرَى ... وَنِصَفٌ بِهِ نَعْتَلُ أَوْ نَتَوَجَّعُ مَعَ الوَقْتِ يَمْضِي بُؤْسُهُ وَنَعِيمُهُ ... كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَالوَقْتُ عُمْرُكَ أَجْمَعُ آخر: ... طُبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تَرُومُهَا ... صَفْوًا مِنَ الأَقْذَارِ وَالأَكْدَارِ وَمُكَلِّفُ الأَيَّامِ ضَدَّ طِبَاعِهَا ... مُتَطَلِّبُ فِي النَّارِ جَذْوَةَ نَارِ وَإِذَا رَجَوْتَ الْمُسْتَحِيلَ فَإِنَّمَا ... تَبْني الرَّجَاءَ عَلَى شَفِِيرٍ هَارٍ آخر: ... وَمَا اسْتَغْرَبَتْ عَيْنِي فِرَاقًا رَأَيْتُهُ ... وَلا أَعْلَمَتْنِي غَيْرَ مَا الْقَلْبِ عَالِمُهُ آخر: ... وَهَبْنِي مَلَكْتُ الأَرْضَ طُرَّا وَنِلْتُ مَا ... أُنِيلَ ابْنُ دَاودٍ مِنَ الْمَالِ وَالْمُلْكِ أَلَسْتُ أَخَلِّيهِ وَأُمْسِي مُسَلَّمًا ... بِرَغْمِي إِلَى الأَهْوَالِ فِي مَنْزِلٍ ضَنْكِ آخر: ... مَتَى تَسْتَزِدْ فَضْلاً مِنَ الْعُمْرِ تَغْتَرِفْ ... بِسِجِلَّيْكَ مِنْ أَرْيِ الْخُطُوبِ وَصَابِهَا يُسَرُّ بِعُمْرَانِ الدِّيَارِ مُظَلَّلٌ ... وَعُمْرَانُهَا يَدْنُوهُ بِهَا مِنْ خَرَابِهَا وَلَمْ ارْتَضِ الدُّنْيَا أَوَانَ مَجِيئَهَا ... فَكَيْفَ أَرْتَضِائيها أَوْانَ ذَهَابِهَا آخر: ... لَمْ يَبْقَ فِى الْعَيْشِ غَيْرَ الْبُؤْسِ وَالنَّكَدِ ... فَاهْرَبْ إِلَى الْمَوْتِ مِنْ هَمٍّ وَمِنْ كَمَدِ مَلأَتَ يَا دَهْرُ عَيْنِي مِنْ مَكَارِهِهَا ... يَا دَهْرُ حَسْبُكَ قَدْ أَسْرَفْتَ فَاقْتَصِدْ قَالَ ابن الجوزى: ولولا الدُّنْيَا دارُ ابتلاء لم تعتور فيها الأمراض والأكدار ولم يضق العيش فيها على الأَنْبِيَاء والأخيار فآدم يعاني المحن إِلَى أن خَرَجَ من الدُّنْيَا، ونوح بكى ثلاثمائة عام، وإبراهيم يكابد النار وذبح الولد، ويعقوب بكى حَتَّى ذهب بصره، ومُوَسى يقاسى فرعون ويلقى من قومه المحن. وعيسى بن مريم لا مأوى لَهُ إلا البراري فِي العيش الضنك ومُحَمَّد ﷺ يصابر الفقر وقتل عمه حمزة، وَهُوَ من أحب أقاربه إليه، ونفور قومه عَنْهُ، وقَدْ قَالَ ﷺ : «الدُّنْيَا سجن المُؤْمِن وجنة الكافر» . فإذا بان بأنها دار ابتلاء وسجن ومحن فلا ينبغي إنكار وقوع المصائب فيها وقَالَ: رَأَيْتُ جمهور النَّاس إِذَا طرقهم المرض أَوْ غيره من المصائب اشتغلوا تَارَّة بالجزع والشكوى، وتَارَّة بالتداوي، إِلَى أن يشتد عَلَيْهمْ فيشغلهم اشتداده عَنْ الالتفات إِلَى

стр. 964

المصالح، من وصية أَوْ فعل خَيْر أَوْ تأهب للموت. فكم ممن لَهُ ذنوب لا يتوب مَنْهَا أَوْ عنده ودائع لا يردها، أَوْ عَلَيْهِ دين أَوْ زكاة أَوْ فِي ذمته ظلامة لا يخطر لَهُ تداركها، وإنما حزنه على فراق الدُّنْيَا إِذَا لا هم لَهُ سواها وَرُبَّمَا أفاق وأوصى بجور ... انتهى كلامه. شِعْرًا: ... لَحَى اللهُ دُنْيَا لا تَكُونُ مَطِيَّةً ... إِلَى دَارِكَ الأُخْرَى تَزُمَّ وَتَرْكَبُ عَجِبْتُ لَمَنْ يَرْجو الرِّضَا وَهُوَ مُهْمِلٌ ... وَتَسْوِِيفُنَا مَعَ ذَلِكَ الْعِلْمُ أَعْجَبُ وَمَا هَذِهِ الأَيَّام إِلا مَرَاحِلُ ... وَأَجْدَر أبِهَا تُقْضَى قَرِيبًا وَتَنضِبُ إِذَا كانَا الأَنْفَاسُ لِلْعُمْرِ كَالْخُطَا ... فَإِنَّ الْمَدَى أَدْنَى مَنَالاً وَأَقْرَبُ وقَالَ بَعْضهمْ: إن المرء إِذَا طرقه عما يتحيف صبره ويضيق صدره يعود إِلَى علمه بالدُّنْيَا كيف نصبت على النقلة، وجنبت طول المهلة وابتدأت للنفاد وشفع كونها للخراب، وأن الثاوي فيها راحل، والأَيَّامُ فيها مراحل موهوبها مسلوب وان أرخى إِلَى مهل، وممنوحها محروم وإن أرخى إِلَى أجل ولو خلد من سبق لما وسعت الأَرْض ولِذَلِكَ جعلت الدُّنْيَا دار قلعة ومحل نجعة. شِعْرًا: ... كم رأينا من أناس هلكوا ... وبكى أحبابهم ثُمَّ بُكُوا تَرَكُوا الدُّنْيَا لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ ... وَدَّهُمْ لَوْ قَدَّمُوا مَا تَرَكُوا كَمْ رَأَيْنَا مِنْ مُلُوكٍ سَوَقَةَ ... وَرَأَيْنَا سَوَقَةً قّدْ مَلَكُوا هَذَا حُكْمٌ مِنْ حَكِيمٍ قَادِرٍ ... سَلَّمَ الأَمْرِ لِمَنْ أَجَرْى الْفَلَكُ لا تَكُنْ مِمَّنْ يُقَلِّدُ مُلْحِدًا ... كَمْ جَهُولٍ بِاعْتِرَاضَاتٍ هَلَكَ آخر: ... اطِل جَفْوَةَ الدُّنْيَا وَدَعْ عَنْكَ شَأْنَهَا ... فَمَا الغَافِلُ الْمَغْرُورُ فِيهَا بِعَاقِلٍ وَلَيْسَ الأَمَانِي لِلْبَقَاءِ وَإِنْ جَرَتْ ... بِهَا عَادَةٌ إِلا تَعَالِيلُ بِاطِلِ يُسَارُ بِنَا نَحْوَ الْمَنُونِ وَإِنَّنَا ... لَنُسْعَفُ فِي الدُّنْيَا بِطَيِّ الْمَرَاحِلِ غَفَلْنَا عَنْ الأَيَّامِ أَطْوَلَ غَفْلَةٍ ... وَمَا حُوبُهَا الْمَجْنِيُّ مِنَا بغَافِلِ

стр. 965

آخر: ... بِرُوحِي أُنَاسًا قَبْلَنَا قَدْ تَقَدَّمُوا ... وَنَادُوا بِنَا لَوْ أَنَّنَا نَسْمَعُ النِّدَا وَسَارَتْ بِهِمْ سَيْرَ المَطِيِّ نُعُوشُهمْ ... وَبَعْضُ َأِنينِ الْقَادِمِينَ لَهُمْ حُدَا وَأَمْسُوا عَلَى الْبِيْدَاءِ يَنْتَظِرُونَنَا ... إِلَى سَفَر يَقْضِي بَأَنْ نَتَزَوَّدَا فَرِيدُونَ فِي أَجْدَاثِهِمْ بِفِعَالِهِمْ ... وَكَمْ مِنْهُمْ مَنْ سَاقَ جُنْدًا مُجَنَّدَا تَسَاوَوْا عِدىً تَحْتَ الثُّرَى وَأَحِبَّةً ... فَلا فَرْقَ مَا بَينَ الأَحِبَّةِ وَالْعِدَى سَلِ الدَّهْرَ هَلْ أَعْفَى مِنَ الْمَوْتِ شَائِبًا ... غَدَاةَ أَدَارَ الْكَأْسَ أَمْ رَدَّ أَمْرَدَا آخر ... إِذَا مَا مَضَى الْقَرْنُ الَّذِي أَنْتَ فِيهِمْ ... وَخُلِّفْتَ فِي قَرْنٍ فأَنْتَ غَرِيبُ وَإِنْ امْرأً قَدْ سَارَ خَمْسِينَ حَجَّةً ... إِلَى مَنْهَلٍ مِنْ وِرْدِهِ لَقَرِيبُ آخر ... وَإِذَا حَمَلْتَ إِلَى الْقُبُورِ جَنَازَةً ... فَاعْلَمْ بِأَنَّكَ بَعْدَهَا مَحْمُولُ آخر ... قِفْ بِالْمَقَابِرِ وَاذْكُرْ إِنْ وَقَفْتَ بِهَا ... للهِ دُرُّكَ مَاذَا تَسْتُرُ الْحُفَرُ فَفِيهِمْ لَكَ يَا مَغْرُورُ مَوْعِظَةٌ ... وَفِيهِمْ لَكَ يَا مَغْرُورُ مُعْتَبَرُ كَانُوا مُلُوكًا تُوَارِيهِمْ قُصُورُهُمْ ... دَهْرًا فَوَارَتْهُمُ مِنْ بَعْدِهَا الْحُفَرُ اللَّهُمَّ يَا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أيقظنا من نوم الغَفْلَة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة وَوَفِّقْنَا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا وذنوبنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عَلَيْهِ ضمائرنا وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعائب التي تعلمها منا وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. " فَصْلٌ " وَمِمَّا يسلِي ويسهل المصائب أن يعلم الْعَبْد أنه لولا ما قدره الحكيم العليم على عباده من محن الدُّنْيَا ومصائبها لأصاب الإِنْسَان من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقَسْوَة الْقَلْب ما هُوَ سبب هلاكه عاجلاً وآجلاً، فمن رحمة أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ أن يتفقده فِي الأحيان بأنواع من أدوية المصائب تَكُون

стр. 966

حمية لَهُ من هَذِهِ الأدوية، وتَكُون حفظًا لصحة عبوديته، فسبحان من يرحم ببلائه ويبتلى بنعائمه كما قِيْل: شِعْرًا: ... (قَدْ يَنْعِمُ اللهُ بِالبَلْوَى وَإِنْ عَظُمَتْ ... وَيَبْتَلِي اللهُ بَعْضَ الْقَوْمِ بِالنِّعَمِ) آخر: ... أَرَى بَصَرِي قَدْ رَابَنِي بَعْدَ حِدَّةٍ ... وَحَسْيُكَ دَاءً أَنْ تَصِحَّ وَتَسْلَمَا وَلَنْ يَلْبَثِ الْعَصْرَ إِنْ يَوْمًا وَلَيْلَةً ... إِذَا طَلَبَا أَنْ يُدْرِكَا مَا تَيَمَّمَا آخر: ... يَا سَائِلِي عَنْ حَالَتِي ... خُذْ شَرْحَهَا مُلَخَّصَا قَدْ صِرْتُ بَعْدَ قُوَّةٍ ... تَقُصُّ أَصْلادَ الْحَصَا أَمْشِي عَلَى ثَلاثَةٍ ... أَجْوَدُ مَا فِيهَا الْعَصَا آخر: ... قَدْ أَمْشِي عَلَى ثِنْتَيْنِ مُعْتَدِلاً ... فَصِرْتُ أَمْشِي عَلَى أُخْْرَى مِنَ الشَّجَرِ آخر: ... إِذَا اشْتَدَّتِ الْبَلْوَى تُخَفَّفُ بِالرِّضَا ... عَنْ اللهِ قَدْ فَازَ الرَّضِيُّ الْمُرَاقِبُ وَكَمْ نِعْمَةٍ مَقْرُونَةٍ بِبَلِيَّةٍ ... عَلَى النَّاسِ تَخْفَى وَالْبَلايَا مَوَاهِبُ فلولا أَنه سُبْحَانَهُ يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا وبغوا وعتوا وتجبروا فدى الأَرْض. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ ، فَإِنَّ من شيم النُّفُوس إِذَا حصل لها صحة وفراغ وأمر ونهي وكلمة نافذة من غير زاجر شرعي يزجرها تمردت وظلمت وسعت فِي الأَرْض فسادًا كما قِيْل: (وَالظُّلْمُ مِنْ شِيَمِ النُّفُوسِ فَإِنْ تَجِدْ ... ذَا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظْلِمُ) ومِمَّا يسلي ويسهل المصائب ويكون سببًا للصبر على المصيبة أن يعلم الإِنْسَان أن الجزع لا يرد المصيبة، بل يضاعفها، فتزيد المصيبة وأن الجزع يشمت الْعَدُوّ ويسؤ الصديق، وينهك الجسم، ويسر شيطانه ويضعف النفس، وقَدْ يحبط الْعَمَل، وَإِذَا صبر واحتسب أخزى الشيطان وأرضى الرب، وسر الصديق، وساء الْعَدُوّ، وَهَذَا من الثبات فِي الأَمْر الديني. وَمِمَّا يسلي ويسهل المصائب أن يوطن الإِنْسَان نَفْسهُ أن كُلّ مصيبة تأتيه

стр. 967

هي من عَنْدَ الله وأنها بقضائه وقدره وأنه سُبْحَانَهُ لم يقدرها عَلَيْهِ ليهلكه بها ولا ليعذبه وإنما ابتلاه ليمتحن صبره ورضاه وشكواه إليه وابتهاله ودعاءه. شِعْرًا: ... وَكُلُّ مُصِيبَات أَتَتْنِي فَإِنَّهَا ... سِوَى غَضَبِ الرَّحْمَنِ هَيِّنَةُ الْخَطْبِ فإِن وفق للرضا وَالشُّكْر فقَدْ أفلح، وإن تسخط ولم يرض فقَدْ خاب وخسر. قَالَ أبو الفرج بن الجوزي: علاج المصائب بسبعة أشياء. الأول: أن يعلم بأن الدُّنْيَا دار ابَتلاء وكرب لا يرجى منه راحة فِي الدُّنْيَا مهما طال العمر ومهما اجتمَعَ للإنسان فيها من أسباب الغنى والثروة وسواء فِي ذَلِكَ الصعاليك والمماليك والملوك فلَقَدْ أودع الله فِي كُلّ نفس ما شغلها. ولو أن الإِنْسَان عرف قدر الدُّنْيَا وما طبعت عَلَيْهِ من الكدر والانكاد والمصائب والأحزان وعرف أن ما فيها محض خداع وسراب، بقيعة يحسبه الظمآن ماء حَتَّى إِذَا جاءه لم يجده شيئًا واستعان بما وهبه الله من نور الدين وقصر أمله لما آثرت فيه المصائب بإذن الله لأن قوة الإِيمَان بِاللهِ وقضائه وقدره يثمران الهدى وَالطُّمَأْنِينَة والرضي بما قسم وقدر. الثاني: أن يعلم أن المصيبة ثابتة. الثالث: أن يقدر وجود ما هُوَ أكثر من تلك المصيبة. الرابع: النظر فِي حال من ابتلي بمثل هَذَا البَلاء فَإِنَّ التأسي راحة عظيمة يخفف الحزن أَوْ يزيله بالكلية. قَالَتْ الخنساء: وَلَوْلا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي ... عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ... أَعَزِي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِي آخر: ... حَاسِبْ زَمَانَكَ فِي حَالِي تَصَرُّفِهِ ... تَجِدْهُ أَعْطَاكَ أَضْعَافَ الَّذِي سَلَبَا نَفْسِي الَّتِي تَمْلِكُ الأَشْيَاءِ ذَاهِبَةً ... فَكَيْفَ أَبْكِي عَلَى شَيْء إِذَا ذَهَبَا

стр. 968

آخر: ... لا تَعْتِبْ الدَّهْرَ فِي خَطْبٍ رَمَاكَ بِهِ ... إِذَا اسْتَرَدَّ فَقِدْمًا طَالَ مَا وَهَبَا وَرَأْسُ مَالِكَ وَهِيَ الرَّوُحُ إِنْ سَلِمَتْ ... لا تَأْسَفَنَّ لِشَيْءٍ بَعْدَهَا ذَهَبَا آخر: ... وَلَوْلا الأَسَى مَا عِشْتَ فِي النَّاسِ سَاعَةً ... وَلَكِنْ مَتَى نَادَيْتُ جَاوَبَنِي مِثْلِي الخامس: مِمَّا يهون المصائب ويخففها ويبعث الإِنْسَان على حمد الله وشكره وينفي هموم الدُّنْيَا وغمومها النظر والتفكر والاعتبار فيمن هم أعظم مصيبة منك وانظر حالتك بعد زيارتك للمقبرة، وانظر فيمن قبر ومن سيقبر وحالتك بعد ما تمر بالسجن وتَرَى المعذبين فيه بأنواع الْعَذَاب كما قَالَ بَعْضُهُمْ واصفا للسجن ببغداد: مَحَلُّ بِهِ تَهْفُو الْقُلُوبُ مِن الأَسَى ... فَإِنْ زُرْتَهُ فَارْبُطْ عَلَى الْقَلْبِ بَالْيَدِ وانظر حالتك إِذَا دخلت المستشفيات ورَأَيْت الباكين والَّذِي يئن والَّذِي تحت العملية لقطع عضو أَوْ نحوه، وسائر أنواع البلايا تجدك إن كنت ممن وفقه الله مكثرًا لحمد الله وشكره حيث عَافَاكَ مِمَّا تَرَى وتسمَعَ. وَكَمْ من إنسان أتى لعلاج بسيط فَلَمَّا رأى ما فِي الإسعاف، ومن تحت العمليات ومن يئن ومن يجر ليغسل ومن قَدْ مَاتَ، ومن يعمل لكسوره الجبس، خَرَجَ يحمد الله ورأى أنه ما فيه شَيْء يوجب العلاج. السادس: رجَاءَ الخلف إن كَانَ من مضى يصح عَنْهُ الخلف كالولد والزوجة قِيْل للقمان: ماتت زوجتك. قَالَ: تجدد فراشي. وقَالَ الشاعر: هَلْ وَصْلُ عَزَّةَ إِلا وَصْلُ غَانِيَةٍ ... فِي وَصْلِ غَانِيَةٍ مِنْ وَصْلِهَا خَلَفُ آخر: ... قَدْ نَرْكَبُ الْكُرْه أَحْيَانًا فَيُفرِجُهُ ... رَبٌّ نرجِّيهِ فِي الضَّرَاء وَسَرَّائي السابع: طلب الأجر بالصبر فِي فضائله وثواب الصابرين وسرورهم فِي صبرهم فَإِنَّ ترقى إِلَى مقام الرِّضَا فهو الغاية. انتهى كلامه بتصرف. ومِمَّا يسلى ويسهل المصائب ويجلب الصبر بإذن الله أن يعلم أن تشديد

стр. 969

البَلاء يخص الأخيار، ولهَذَا لما سئل رسول الله ﷺ أي النَّاس أشد بَلاء؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاء ثُمَّ الأمثل فالأمثل يبتلى النَّاس عَلَى قَدْرِ دينهم فمن ثَخُنَ دينه اشتد بلاءه، ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه، وإن الرجل ليصبه البَلاء حَتَّى يمشى على الأَرْض ما عَلَيْهِ خطيئة» . رَوَاهُ ابن حبان، ومنها أن يعلم أنه مملوك لله ولَيْسَ للملوك فِي نَفْسهُ شَيْء، ومنها أن يعلم أن هَذَا الواقع وقع برضى السيد فيرضى بما رَضِيَ به سيده ومولاه وَهُوَ الله جَلَّ وَعَلا رضينا به ربًا وبالإسلام دينا وبمُحَمَّدٍ رسولاً. قَالَ بَعْضهمْ: اصْبِرْ لِكُلِّ مُصِيبَةٍ وَتَجَلَّدِ ... وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْمَرْءَ غَيْرَ مُخَلَّدِ فَإِذَا ذَكَرْتَ مُصِيبَةً تَسْلُو بِهَا ... فَاذْكُرْ مُصَابَكَ بِالنَّبِيّ مُحَمَّدِ آخر: ... لا تَيْأَسَنَّ إِذَا مَا الأَمْرُ ضِقْتَ به ... ذَرْعاً ونَمْ مُسْتَريحاً خَالِي الْبَالِ مَا بَيْنَ رَقْدَةِ عَيْن وانتبَاهَتِهَا ... يُقَلَّبُ الدَّهْرُ مِنْ حَالٍ إِلى حَالِ ومن فَوَائِد المصائب والصبر عَلَيْهَا ما أجراه الله على الإِنْسَان مِمَّا يكرهه ما يعتاضه من الارتياض بنوائب عصره ويستفيده من استحكام الرأي والعقل بالتجارب ببَلاء دهره فيقوى عقله ويحصف رأيه بأذن الله ويكمل بأدنى شدته ورخائه ويتعظ بحالتي عفوه وبلائه. شِعْرًا: ... إِنِّي أَقُولُ لِنَفْسِي وَهِيَ ضَيَّقَةٌ ... وَقَدْ أَنَاخَ عَلَيْهَا الضُّرُّ بِالْعَجَبِ صَبْرًا عَلَى شِدَّةِ آلامِ إِنَّ لَهَا ... عُقْبَى وَمَا الصَّبْرُ إِلا عِنْدَ ذِي الْحَسَبِ سَيَفْتَحُ اللهُ عَنْ قُرْبٍ بِنَافِعَةٍ ... فِيهَا لِمِثْلِكِ رَاحَاتٌ مِنَ التَّعَبِ وأقل ما يؤتاه المُؤْمِن فِي المصائب الصبر الَّذِي يخفف وقعها على النفس وأكثره رحمة الله التي بها تتحول النقمة إِلَى نعمة بما يستفيد منه الاختبار والتمحيص وكمال العبرة والتهذيب.

стр. 970

وقَدْ يبتلي الله المُؤْمِن ويمتحن صبره فتعطيه قوة إيمانه من الرجَاءَ ما تخالط حلاوته مرارة المصيبة حَتَّى تغلبها وقَدْ يأنس بالمصيبة لعظم رجائه وصبره وذا وإن كَانَ نادرًا فهو واقع حاصل. قَالَ بَعْضهمْ: تَعَوَّدْتُ مَسَّ الضُّرِّ حَتَّى أَلِفْتُهُ ... وَمَلَّ طَبِيبِي جَانِبِي وَالْعَوَائِدُ آخر: ... وَوَسَّعَ صَدْرِي للأَذَى كَثْرَةَ الأَذَى ... وَكَانَ قَدِيمًا قَدْ يَضِيقُ بِهِ صَدْرِي ومنها أن يختبر أمور زمانه وينتبه على إصلاح شأنه فلا يغتر برخاء ولا يطمَعَ فِي استواء ولا يؤمل بقاء الدُّنْيَا على حالة فَإِنَّ من عرف الدُّنْيَا وخبر أحوالها هان عَلَيْهِ بؤسها ونعيمها، ولولا ما قدره الله من الحوادث والنوائب لم يعرف صبر الكرام ولا جزع للئام. فإذا ظفر المصاب بأحد هَذِهِ الأسباب تخففت بإذن الله عَنْهُ أحزانه، وتسهلت عَلَيْهِ أشجانه فصار سريع النسيان للمصائب، قليل الجزع حسن الصبر والتجمل عَنْدَ المصائب. شِعْرًا فِي ذَمِّ الدُّنْيَا: سَلامٌ عَلَى دَارِ الْغُرُورِ فَإِنَّهَا ... مُنَغَّصَّةٌ لَذَّاتُهَا بِالْفَجَائِعِ فَإِنْ جَمَعَتْ بَيْنَ الْمُحِبِّينَ سَاعَةً ... فَعَمَّا قَلِيلٍ أَرْدَفَتْ بِالْمَوَانِعِ آخر: ... وَمَا الْمَوْتُ إِلا رِحْلَةٌ غَيْرَ أَنَّهَا ... مِن الْمَنْزِلِ الْفَانِي إِلَى الْمَنْزِلِ الْبَاقِي آخر: ... رَأَيْت بَني الدُّنْيَا كَوَفْدَيْنِ كُلَّمَا ... تَرَحَّلَ وَفْدٌ حَطَّ فِي إِثْرِهِ وَفْدُ وَكُلِّ يَحُث السَّيْرَ عَنْهَا وَنَحْوَهَا ... فَيَمْضِي بِذَا نَعْشٌ وَيَأْتِي بِذَا مَهْدُ آخر: ... وَكُلِّ أَبٍ وَابْنٍ وَإِنْ مُتِّعَا مَعَا ... مُقِيمَيْنِ مَفْقُودٌ لِوَقْتٍ وَفَاقِدُ آخر: ... فَلا تَجْزَ عَنْ لِلْبَيْنِ كُلُّ جَمَاعَةٍ ... وَرَبِّكَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا التَّفَرُّقُ

стр. 971

وَخُذْ بِالتَّعَزِّي كُلَّ مَا أَنْتَ لابِسُ ... جَدِيدًا عَلَى الأَيَّامِ يَبْلَى وَيَخْلَقُ فَصَبْرُ الْفَتَى عَمَّا تَوَلَّى فَفَاتَهُ ... مِنْ الأَمْرِ أَوْلَى بِالسَّدَادِ وَأَوْفَقُ وَإِنَّكَ بِالإِشْفَاقِ لا تَدْفَعُ الرَّدَى ... وَلا الْخَيْرُ مَجْلُوبٌ فَمَا لَكَ تُشْفِقُ كَأَنْ لَمْ يَرُعْكَ الدَّهْرُ أَوْ أَنْتَ آمِنٌ ... لأَحْدَاثِهِ فِيمَا يُغَادِي وَيَطْرُقُ إخواني أين الأمم الماضية، أين القرون الخالية أين من نصبت على مفارقهم التيجان، أين الَّذِينَ قهروا الأبطال والشجعان، أين الَّذِينَ دانَتْ لَهُمْ المشارق والمغارب، أين الَّذِينَ تمتعوا باللذات من المطاعم والمشارب، أين الَّذِينَ اغتروا بالأجناد والسُّلْطَان. أين أصحاب السطوة والأعوان، أين أصحاب الأسرة والولايات، أين الَّذِينَ خفقت على رؤوسهم الألوية والرايات، أين الَّذِينَ قادوا العساكر، أين الَّذِينَ عمروا القصور الشامخات والفلل الفسيحات، أين الَّذِينَ غرسوا النخيل والأشجار المثمرات. أين الَّذِينَ ملؤوا ما بين الخافقين فخرًا وعزًا، أين الَّذِينَ فرشوا القصور خزَّا وقَزًّا، أفناهم الله مفنِي الأمم، وأبادهم مبيد الرمم، وأخرجهم من سعة المساكن، والقصور، وأسكنهم فِي ضيق اللحود وتحت الجنادل والصخور. قَدْ خلت من كثرتهم أماكنهم ولم ينفعهم ما جمعوا من الحطام، ولا أغنى عنهم ما كسبوا من حلال أَوْ حرام أسلمهم الأحبة والأَوْلِيَاء، وهجرهم الإِخْوَان والأصفياء ونسيهم الأقرباء والبعداء. شِعْرًا: ... مَنْ ذَا الَّذِي قَدْ نَالَ رَاحَةَ فِكْرِهِ ... فِي عُسْرِهِ مِنْ عُمْرِهِ أَوْ يُسْرِهِ يَلْقَى الْغَنِيُّ لِحِفْظِهِ مَا قَدْ حَوَى ... أَضْعَافَ مَا يَلْقَى الْفَقِيرُ لِفَقْرِهِ فَيَظَلُّ هَذَا سَاخِطًا فِي قِلِّهِ ... وَيَظَلُّ هَذَا تَاعِبًا فِي كُثْرِهِ عَمَّ الْبَلاءُ لِكُلِّ شَمْلٍ فُرْقَةٌ ... يُرْمَى بِهَا فِي يَوْمِهِ أَوْ شَهْرِهِ

стр. 972

وَالْجِنُّ مِثْلُ الإِنْسِ يَجْرِي فِيهِمُوا ... حُكْمُ الْقَضَاءِ بِحُلْوِهِ وَبِمُرِّهِ فَإِذَا الْمَرِيدُ أَتَى لِيَخْطِفَ خَطْفَةً ... جَاءَ الشِّهَابُ بِحَرْقِهِ وَبِزَجْرِهِ وَنَبِيُّ صِدْقٍ لا يَزَالُ مُكَذِّبًا ... يُرْمَى بِبَاطِلِ قَوْلِهِمْ وَبِسِحْرِهِ وَمُحَقِّقٌ فِي دِينِهِ لَمْ يَخْلُ مِنْ ... ضِدٍّ يُوَاجِهُهُ بِتُهْمَةِ كُفْرِهِ وَالْعَالِمْ الْمُفْتِي يَظَلُّ مُنَازَعًا ... بِالْمُشْكِلاتِ لَدَى مَجَالِسِ ذِكْرِهِ وَالْوَيْلُ إِنْ زَلَّ اللِّسَانُ فَلا يَرَى ... أَحَدًا يُسَاعِدُ فِي إِقَامَةِ عُذْرِهِ وَأَخُو الدِّيَانَةِ دَهْرُهُ مُتَنَغِّصٌ ... يَبْغِي التَّخَلُّصَ مِنْ مَخَاوِفِ قَبْرِهِ أَوْ مَا تَرَى الْمَلِكَ الْعَزِيزَ بِجُنْدِهِ ... رَهْنَ الْهُمُومِ عَلَى جَلالَةِ قَدْرِهِ فَيَسُّرُّهُ خَبَرٌ وَفِي أَعْقَابِهِ ... هَمٌّ تَضِيقُ بِهِ جَوَانِبُ قَصْرِهِ وَأَخُو التِّجَارَةِ حَائِرٌ مُتَفِكِّرٌ ... مِمَّا يُلاقِي مِنْ خَسَارَةِ سِعْرِهِ وَأَبُو الْعِيَالِ أَبُو الْهُمُومِ وَحَسْرَة الرَّ ... جُلِ الْعَقِيمِ كَمِينَةٌ فِي صَدْرِهِ وَتَرَى الْقَرِين مُضْمِّرًا لِقَرِينِهِ ... حَسَدًا وَحِقْدًا فِي غِنَاهُ وَفَقْرِهِ وَلَرُبَّ طَالِبُ رَاحَةٍ فِي نَوْمِهِ ... جَاءَتْهُ أَحْلامٌ فَهَامَ بِأَمْرِهِ وَالطِّفْلُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَخْرُجْ إِلَى ... غُصَصِ الْفِطَامِ تَرُوعُهُ فِي صِغْرِهِ وَلَقَدْ حَسَدْتَ الطَّيْرَ فِي أَوْكَارِهَا د ... فَوَجَدْتُ مِنْهَا مَا يُصَادُ بِوَكْرِهِ وَالْوَحْشُ يَأْتِيهِ الرَّدَى فِي بَرِّهِ ... وَالْحُوتُ يَأْتِي حَتْفُهُ فِي بَحْرِهِ وَلَرُبَّمَا تَأْتِي السِّبَاعُ لِمَيِّتٍ ... فَاسْتَخْرَجَتْهُ مِنْ قَرَارهِ قَبْرِهِ كَيْفَ الْتِذَاذُ أَخِي الْحَيَاةَ بِعَيْشِهِ ... مَا زَالَ وَهُوَ مُرَوَّعٌ فِي أَمْرِهِ تَاللهِ لَوْ عَاشَ الْفَتَى فِي أَهْلِهِ ... أَلْفًا مِن الأَعْوَامِ مَالِكَ أَمْرِهِ مُتَلَذِّذًا مَعَهُمْ بِكُلِّ لَذِيذَةٍ ... مُتَنَعِّمًا بِالْعَيْشِ مُدَّةَ عُمْرِهِ لا يَعْتَرِيهِ النَّقْصُ فِي أَحْوَالِهِ ... كَلا وَلا تَجْرِي الْهُمُومُ بِفِكْرِهِ مَا كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِمَّا يَفِي ... بِنُزُولِ أَوِّلِ لَيْلَةٍ فِي قَبْرِهِ كَيْفَ التَّخَلُّصُ يَا أَخِي مِمَّا تَرَى ... صَبْرًا عَلَى حُلْو الْقَضَاءِ وَمُرِّهِ

стр. 973

اللهم انظمنا في سلك حزبك المفلحين، واجعلنا من عبادك المخلصين وآمنا يوم الفزع الأكبر يوم الدين، واحشرنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. " فَصْلٌ " في هديه ﷺ في علاج حر المصيبة وحزنها قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ . وفي المسند عنه ﷺ أنه قال: «ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرًا منها» . وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عاجلته وآجلته. فإنها تتضمن أصلين عظيمين - إذا تحقق العبد بمعرفتها تسلى عن مصيبته - (أحدهما) : أن العبد وأهله وماله ملك لله حقيقةً. وقد جعله عند العبد عاريةً فإذا أخذه منه فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير وأيضًا فإنه محفوف بعدمين: عدم قبله، وعدم بعده، وملك العبد له متعة معارة في زمن يسير. وأيضًا فإنه ليس هو الذي أوجده من عدمه حتى يكون ملكه حقيقة؛ ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده ولا يبقى عليه وجوده. فليس له في تأثير ولا ملك حقيقي. وأيضًا فإنه متصرف العبد المأمور المنهي، لا تصرف الملاك. ولهذا لا يباح من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه الحقيقي.

стр. 974

وقال ابن سرين: (ما كان ضحكٌ قط، إلا كان من بعده بكاءٌ) . وقالت هند بنت النعمان: (لقد رأينا ونحن من أعز الناس وأشدهم ملكًا، ثم لم تغب الشمس حتى رأيتُنَا ونحن أقل الناس، وإنه حقٌ على الله أن لا يملأ دارًا خيرةً إلا ملأها عبرةً) . وسألها رجل أن تحدثه عن أمرها فقالت: (أصبحنا ذات صباح وما في العرب أحد إلا يرجونا، ثم أمسينا وما في العرب أحد إلا يرحمنا) . وبكت أختها حرقة بنت النعمان يومًا - وهي في عزها - فقيل لها: ما يبكيك؟ لعل أحد آذاك؟ قالت: (لا؛ ولكن رأيت غضارة في أهلي، وقلما امتلأت دار سرورًا إلا امتلأت حزنًا) . قال إسحاق بن طلحة: (دخلت عليها يومًا فقلت لها: كيف رأيت عبرات الملوك؟ فقالت: ما نحن فيه اليوم خير مما كنا فيه بالأمس؛ إنا نجد في الكنب أنه ليس من أهل بيت يعيشون في خيرة، إلا سيعقبون بعدها عبرةً، وإن الدهر لم يظهر لقوم بيوم يحبونه إلا بطن لهم بيوم يكرهونه) . ثم قالت: فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا ... إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ فَأُفٍّ لِدُنْيَا لا يَدُومُ نَعِيمُهَا ... تَقَلَّبُ تَارَاتٍ بِنَا وَتَصَرَّفُ ومن علاجها: أن يعلم أن الجزع لا يردها، بل يضافعها، وهو في الحقيقة من تزايد المرض. ومن علاجها: أن يعلم أن فوت ثواب الصبر والتسليم - وهو من الصلاة والرحمة والهداية التي ضمنها الله على الصبر والاسترجاع - أعظم من المصيبة في الحقيقة. ومن علاجها: أن يعلم أن الجزع يشمت عدوه، ويسيء صديقه،

стр. 975

ويغضب ربه، ويسر شيطانه، ويحبط أجره، ويضعف نَفْسهُ. وَإِذَا صبر واحتسب أقصى شيطانه، ورده خاسئًا، وأرضى ربه، وسر صديقه، وساء عدوه، وحمل عَنْ إخوانه، وعزَّاهم هُوَ قبل أن يعزوه. فهَذَا هُوَ الثبات والكمال الأعظم؛ لا لطم الخدود، وشق الجيوب والدُّعَاء بالويل والثبور، والسخط على المقدور. ومن علاجها: أن يعلم ما يعقبه الصبر والاحتساب - من اللذة والمسرة - أضعاف ما كَانَ يحصل لَهُ ببقاء ما أصيب به، لو بقي عَلَيْهِ. ويكفيه من ذَلِكَ بيت الحمد الَّذِي يبنى لَهُ فِي الْجَنَّة، على حمده لربه واسترجاعه. فلينظر أي المصيبتين أعظم: مصيبة العاجلة؟ أَوْ مصيبة فوات بيت الحمد فِي جنة الخلد؟ وَفِي الترمذي مرفوعا: «يود ناس يوم القيامة أن جلودهم كَانَتْ تقرض بالمقاريض فِي الدُّنْيَا، لما يرون من ثواب أَهْل البَلاء» . وقَالَ بَعْض السَّلَف: (لولا مصائب الدُّنْيَا، لوردنا القيامة مفالَيْسَ) . شِعْرًا: ... وَعُوِّضْتَ أَجْرًا مِنْ فَقِيدٍ فَلا يَكُنْ ... فَقِيدُكَ لا يَأْتِي وَأَجْرُكَ يَذْهَبُ ومن علاجها: أن يروح قَلْبهُ بروح رجَاءَ الخلف من الله، فإنه من كُلّ شَيْء عوض، إلا الله فما منه عوض. كما قِيْل: شِعْرًا: ... لَعَمْرِي مَا الرَّزِيَّةُ فُقْدَ قَصْرٍ ... فَسِيحٍ مُنَيةٌ لِلسَّاكِتِينَا وَلَكِنَّ الرَّزِيَّةِ فَقْدُ دِينٍ ... يَكُونُ بِفَقْدِهِ مِن كَافِرِينَا آخر: ... مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِذَا ضَيَّعْتَهُ عِوَضٌ ... وَمَا مِنَ الله إِنْ ضَيَّعْتَهُ عِوَضُ ومن علاجها: أن يعلم أن حظه من المصيبة ما تحدثه لَهُ، فمن رضي فله الرِّضَا، ومن سخط فله السخط. فحظك مَنْهَا ما أحدثته لَكَ، فاختر أما خَيْر الحظوظ، أَوْ شرها. فَإِنَّ أحدثت لَهُ سخطًا وكفرًا كتب فِي ديوان

стр. 976

الهالكين، وإن أحدثت لَهُ جزعًا وتفريطًا فِي ترك واجب، أَوْ فِي فعل محرم كتب فِي ديوان الهالكين، وإن حدثت لَهُ شكاية وعدم صبر كتب فِي ديوان المغبونين. وإن أحدثت لَهُ اعتراضًا على الله وقدحًا فِي حكمته فقَدْ قرع باب الزندقة أَوْ ولجه، وان أحدثت لَهُ صبرًا وثباتًا لله: كتب فِي (ديوان الصابرين) . وان أحدثت لَهُ الرِّضَا: كتب فِي (ديوان الراضين) . وان أحدثت لَهُ الحمد وَالشُّكْر: كتب فدى (ديوان الشاكرين) ، وكَانَ تحت لواء الحمد مَعَ الحمَّادين، وإن أحدثت لَهُ محبةً واشتياقًا إِلَى لقاء ربه: كتب فِي (ديوان المحبين المخلصين) . وَفِي مسند الإِمَام أحمد والترمذي - مِنْ حَدِيثِ محمود بن لبيد يرفعه -: «إن الله إِذَا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرِّضَا، ومن سخط فله السخط» . زَادَ أحمد: «ومن جزع فله الجزع» . ومن علاجها: أن يعلم أنه وإن بلغ فِي الجزع غايته فآخر أمره إِلَى صبر الاضطرار. وَهُوَ غيره محمود ولا مثاب. قَالَ بَعْض الحكماء: (العاقل يفعل فِي أول من المصيبة، ما يفعله الجاهل بعد أيام، ومن لم يصبر صبر الكرام، سلا سُلُوَّ البهائم) وَفِي الصحيح مرفوعًا: «الصبر عَنْدَ الصدمة الأولى» . وقَالَ الأشعث بن قيس: (إِنَّكَ إن صبرت إيمانًا واحتسابًا؛ وإلا سلوت سُلُوَّ البهائم) . ومن علاجها: أن يعلم أن أنفع الأدوية لَهُ موافقة ربه وإلهه، فيما أحبه ورضيه لَهُ، وان خاصية المحبة موافقة المحبوب، فمن ادعى محبة محبوب، ثُمَّ سخط ما يحبه وأحب ما يسخطه فقَدْ شهد على نَفْسهُ بكذبه، وتمقت إِلَى محبوبه.

стр. 977

وقَالَ أبو الدرداء: (إن الله إِذَا قضى قضاء، أحب أن يرضى به) . وكَانَ عمران ابن الحصين يَقُولُ فِي علته: (أحبه إِلَيَّ أحبه إليه) . وكَذَلِكَ قَالَ أَبُو العالية. وَهَذَا دواء وعلاج لا يعمل إلا مَعَ المحبين، ولا يمكن كُلّ أحد أن يتعالج به.. ومن علاجها: أن يوازن بين أعظم اللذتين والتمتعين وأدومها: لذة تمتعه بما أصيب به، ولذة تمتعه بثواب الله لَهُ فَإِنْ ظهر لَهُ الرجحان، فآثر الراجح فليحمد الله على توفيقه، وإن آثر المرجوح من كُلّ وجه فليعلم أن مصيبته فِي عقله وقَلْبهُ ودينه، وأعظم من مصيبته التي أصيب بها فِي دنياه. شِعْرًا: ... وَإِذَا تَصِبْكَ مُصِيبَة فَاصْبِرْ لَهَا ... عَظُمَتُ مُصِيبَةُ مُبْتَلَى لا يَصْبِرُ ومن علاجها: أن يعلم أن الَّذِي ابتلاه بها أحكم الحاكمين، وأَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وأنه سُبْحَانَهُ لم يرسل إليه البَلاء ليهلكه ولا ليعذبه به، ولا ليجتاحه، وإنما افتقده به ليمتحن صبره ورضاه عَنْهُ وإيمانه، وليسمَعَ تضرعه وابتهاله، وليراه طريحًا ببابه، لائذًا بجنابه، مكسور الْقَلْب بين يديه رافعًا قصص الشكوى إليه. قَالَ الشَّيْخ عبد القادر: (يَا بني إن المصيبة ما جاءت لتهلكك، وإنما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك: يَا بني القدر سبع، والسبع لا يأكل الميتة) . والمقصود: أن المصيبة كير الْعَبْد الَّذِي يسبك به حاصله، فَإِمَّا أن يخَرَجَ ذهبًا أحمر، وإما أن يخَرَجَ خبثًا كله. كما قِيْل: سَبَكْبَاهُ وَنَحْسِبُهُ لُجَيْنًا ... فَأَبْدَى الْكِيرُ عَنْ خَبَثِ الْحَدِيدِ فَإِنَّ لم ينفعه هَذَا الكير فِي الدُّنْيَا فبين يديه الكير الأعظم. فإذا علم الْعَبْد أن إدخاله كير الدُّنْيَا ومسبكها خَيْر لَهُ من ذَلِكَ الكير والمسبك، وأنه لابد من أحد الكيرين فليعلم قدر نعمة الله عَلَيْهِ فِي الكير العاجل.

стр. 978

فلولا أنه سُبْحَانَهُ يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء، لطغوا وبغوا وعتوا، وَاللهُ سُبْحَانَهُ إِذَا أراد بعبد خيرًا سقاه دواء - من الابتلاء والامتحان - عَلَى قَدْرِ حاله، يستفرغ به من الأدواء المهلكة؛ حَتَّى إِذَا هذبه وصفاه أهلَّه لأشرف مرا تب الدُّنْيَا - وهي عبوديته - وأرفع ثواب الآخِرَة، وَهُوَ رؤيته وقربه. ومن علاجها: أن يعلم أن مرارة الدُّنْيَا هِيَ بعينها حلاوة الآخِرَة، يقابلها الله سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ؛ وحلاوة الدُّنْيَا هِيَ بعينها مرارة الآخِرَة ولأن ينتقل من مرارة منقطعة، إِلَى حلاوة دائِمَّة خَيْر لَهُ من عكس ذَلِكَ. فَإِنَّ خفى عَلَيْكَ هَذَا فَانْظُرْ إِلَى قول الصادق المصدوق: «حفت الْجَنَّة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» . وَفِي هَذَا المقام تفاوتت عقول الخلائق، وظهرت حقائق الرِّجَال فأكثرهم آثر الحلاوة المنقطعة، على الحلاوة الدائِمَّة التي لا تزول، ولم يحتمل مرارة ساعة بحلاوة الأبد، ولا ذل ساعة لعز الأبد، ولا محنة ساعة لعافية الأبد. فَإِنَّ الحاضر عنده شهادةٌ، والمنتظر غيبٌ، والإِيمَان ضعيفٌ، وسلطان الشهوة حاكم. فتولد مَعَ ذَلِكَ إيثار العاجلة، ورفض الآخِرَة. وَهَذَا حال النظر الواقع على ظواهر الأمور وأوائلها ومبادئها، وأما النظر الثاقب الَّذِي يخرق حجب العاجلة، ويجاوزه إِلَى العواقب والغايات، فله شأنٌ آخر. فادع نفسك إِلَى ما أعد الله لأوليائه وأَهْل طاعته من النَّعِيم المقيم، والسعادة الأبدية، والفوز الأكبر، وما أعد لأَهْل البطالة والإضاعة من الخزي والعقاب، والحسرات الدائِمَّة، ثُمَّ اختر أي القسمين أليق بك. و ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ ، وكل أحد يصبو إِلَى ما يناسبه وما هُوَ الأولى به. ولا تستطل هَذَا العلاج فشدة الحاجة إليه - من الطبيب العليل - دعت إِلَى بسطه. وبِاللهِ التَّوْفِيق.

стр. 979

شِعْرًا: ... نُعَلِّلُ بِالدَّوَاءِ إِذَا مَرَضْنَا ... وَهَلْ يَشْفِِِِي مِنَ الْمَوْتِ الدَّوَاءُ وَنَخْتَارُ الطَّبِيبَ وَهَلْ طَبِيبٌ ... يُؤخِّرُ مَا يُقَدِّمُهُ الِْقَضَاءُ آخر: ... اصْبِرْ عَلَى حُلْوِ الِْقَضَاءِ وَمُرِّهِ ... وَاعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ بَالِغْ أَمْرِهَ فَالصَّدْرُ مَنْ يَلْقَى الْخُطُوبَ بِصَدْرِهِ ... وَبِصَبْرِهِ وَبِحَمْدِهِ وَبِشُكْرِهِ الْحُرُّ سَيْفٌ وَالذُّنُوبُ لِصَفْوِهِ ... صَدَأ وَصَيْقَلُهُ نَوَائِبُ دَهْرِهِ لَيْسَ الْحَوَادِثُ غَيْرَ أَعْمَالِ امْرِئٍ ... يُجْزَى بِهَا مِنْ خَيْرِهِ أَوْ شَرِّهِ فَإِذَا أُصِبْتَ بِمَا أُصِبْتَ فَلا تَقُلْ ... أُوذِيتُ مِنْ زَيْدِ الزَّمَانِ وَعَمْرِهِ وَاثْبُتْ فَكَمْ أَمْرٍ أَمَضَّكَ عُسْرُهُ ... لَيْلاً فَبَشَّرَكَ الصَّبَاحُ بِيُسْرِهِ وَلَكُمْ عَلَى نَاسٍ أَتَى فَرَجُ الْفَتَى ... مِن سِرِّ غَيْبٍ لا يَمُرُّ بِفِكْرِهِ فَاضْرَعْ إِلَى اللهِ الْكَرِيمِ وَلا تَسِلْ ... بَشَرًا فَلَيْسَ سِوَاهُ كَاشِفَ سِرِّهِ وَأَعْجَبْ لِنَظْمِي وَالْهُمُومُ شَوَاغِلٌ ... يُلْهِينَ عَنْ نَظْمِ الْكَلامِ وَنَثْرِهِ لا تَخْشَ مِنْ غَمٍّ كَغَيْمٍ عَارِضٍ ... فَلَسَوْفَ يُسْفِرُ عَنْ إِضَاءَةِ بَدْرِهِ إِنْ تُمْسِ عَنْ عَبَّاسِ حَالِكَ رَاوِيًا ... فَكَأَنَّنِي بِكَ رَاوِيًا عَنْ بِشْرِهِ وَلَقَدْ تَمُرُّ الْحَادِثَاتُ عَلَى الْفَتَى ... وَتَزُولُ حَتَّى مَا تَمُرُّ بِفِكْرِهِ هَوِّنْ عَلَيْكَ فَرُبَّ أَمْرٍ هَائِلٍ ... دُفِعَتْ قُوَاهُ بِدَافِعٍ لَمْ تَدْرِهِ وَلَرُبَّ لَيْلٍ بِالْهُمُومِ كَدُمَّلٍ ... صَابَرْتَهُ حَتَّى ظَفِرْتَ بِفَجْرِهِ ثُمَّ الصَّلاةُ على النَّبِيّ وَآلِهِ ... مَعَ صَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ لأَمْرِهِ اللَّهُمَّ اجعلنا من المتقين الأَبْرَار وأسكنا معهم فِي دار الْقَرَار، اللَّهُمَّ وَفَّقَنَا بحسن الإقبال عَلَيْكَ والإصغاء إليك وَوَفِّقْنَا لِلتَّعَاوُن فِي طَاعَتكَ،، اللَّهُمَّ يَا من خلق الإِنْسَان فِي أحسن تقويم وبقدرته التي لا يعجزها شَيْء يحيي العظام وهي رميم نسألك أن تهدينا إِلَى صراطك المستقيم صراط الَّذِينَ أنعمت عَلَيْهمْ من النبيين والصديقين والشهداء

стр. 980

والصالحين وأن تغفر لَنَا ولوالدينا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. " فَصْلٌ فِي الخَوْفِ " اعْلَمْ وَفَّقَنَا وَإِيَّاكَ لما يحبه ويرضاه أن الخوف عبارة عَنْ تألم الْقَلْب واحتراقه بسبب توقع مكروه فِي المستقبل وقِيْل الخوف قوة العلم بمجاري الأحكام وقِيْل هرب الْقَلْب من حلول المكروه عَنْدَ استشعاره. فالخوف لعام الْمُؤْمِنِينَ والخشية للعلماء العارفين والهيبة للمحبين والإجلال للمقربين، وعَلَى قَدْرِ العلم بِاللهِ ومعرفة الْعَبْد بنفسه يكون الخوف والخشية كما قَالَ النَّبِيّ ﷺ : «إني لأعلمكم بِاللهِ وأشدكم لَهُ خشية» . وَفِي رواية: «خوفًا» . وَإِذَا أكملت المعرفة أثرت الخوف ففاض أثره على الْقَلْب، ثُمَّ ظهر على الْجَوَارِح، والصفات النحول والاصفرار والبُكَاء والغشي، وقَدْ يفضي إِلَى الموت. وأما ظهور أثره على الْجَوَارِح فبكفها عَنْ المعاصي، وإلزامها الطاعات تلافيًا، واستدراكًا لما فرط، واستعدادًا للمستقبل. ومن ثمرات الخوف أنه يقمَعَ الشهوات، ويكدر اللذات، فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة، كما يصير العسل واللبن مكروهًا إِذَا علم أن فيه سُمًّا، فتحترق الشهوات بالخوف، وتتأدب الْجَوَارِح، ويذل الْقَلْب، ويستكين ويفارقه الكبر والحسد والحقَدْ، ويصير مستوعبًا الهم لخوفه والنظر فِي خطر عاقبته. فلا يتفرغ لغيره، ولا يكون لَهُ شغل ‘لا الْمُرَاقَبَة، والمحاسبة والمجاهدة، والبخل فِي الأنفاس، واللحظات، أن يصرفها فيما لا فائدة فيه، ومؤاخذة النفس فِي الخطرات، والخطوات، والكلمَاتَ، وقوة الخوف

стр. 981

بحسب قوة المعرفة بجلال الله تعالى، وصفاته وبعيوب النفس، وما بين يديها من الأخطار والأهوال. ومقدمَاتَ الخوف أربع. الأولى: ذكر الذُّنُوب الكثيرة العظيمة التي سلفت فيما مضى وكثرة ذكر الخصوم الَّذِينَ مضوا وأَنْتَ مرتهن لم يتبين لَكَ الخلاص حَتَّى الآن. وَالثَّانِيَة: ذكر شدة العقوبة. والثالثة: ذكر قدرة الله عَلَيْكَ متى شَاءَ وكيف شَاءَ. والرابعة: ذكر ضعفك عَنْ احتمال العقوبة. شِعْرًا: ... حَقِيق بِالتَّوَاضُعِ مَنْ يَمُوتُ ... وَيَكْفِي الْمَرْءُ مِنْ دُنْيَاهُ قُوتُ فَمَا لِلْمَرْءِ يُصْبِحَ ذَا هُمُومٍ ... وَحِرْصٍ لَيْسَ يُدْرِكُهُ النُّعُوتُ فَيَا هَذَا سَتَرْحَلُ عَنْ قَرِيبٍ ... إِلَى قَوْمٍ كَلامُهُمُ السُّكُوتُ آخر: ... النَّفْسُ تَبْكِي عَلَى الدُّنْيَا وَقَدْ عَلِمَتْ ... أَنَّ السَّلامَةَ مِنْهَا تَرْكُ مَا فِيهَا لا دَارَ لِلْمَرْءِ بَعْدَ الْمَوْتِ يَسْكُنُهَا ... إِلا الَّتِي كَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ بَانِيهَا فَإِنْ بَنَاهَا بِخَيْرٍ طَابَ مَسْكَنُهُ ... وَإِنْ بَنَاهَا بِشَرٍّ خَابَ بَانِيهَا آخر: ... وَمَا مَنْ يَخَافُ الْمَوْتَ وَالنَّارَ آمِنُ ... وَلَكِنْ حَزِينُ مُوجَعُ الْقَلْبِ خَائِفُ إِذَا عَنْ ذِكْرُ الْمَوْتِ أَوْجَعَ قَلْبَهُ ... وَهَيَّجَ أَحْزَانًا ذُنُوبٌ سَوَالِفُ ثُمَّ اعْلَمْ أن الخوف يحث على العلم، والْعَمَل، قَالَ أبو حفص: الخوف سوط الله، يقوم به الشاردين عَنْ بابه. وقَالَ: الخوف سراج فِي الْقَلْب، به يبصر ما فيه من الْخَيْر والشَّر، وكل أحد إِذَا خفته هربت منه إِلا الله فإنك إِذَا خفته هربت إليه فالخائف هارب من ربه إِلَى ربه. وقَالَ أبو سُلَيْمَانٌ: ما فارق الخوف قلبًا إلا خرب. وقَالَ إبراهيم بن سفيان: إِذَا سكن الخوف الْقُلُوب أحرق مواضع الشهوات مِنْهَا وطرد الدُّنْيَا عَنْهَا. قَالَ فِي مختصر مناهج القاصدين: والخوف لَهُ إفراط وله اعتدال، وله قصور والمحمود من ذَلِكَ الاعتدال.

стр. 982

وهو بمنزلة السوط للبهيمة، فَإِنَّ الأصلح للبهيمة أن لا تخلو عَنْ سوط ولَيْسَ المبالغة فِي الضرب محمودة، ولا المتقاصر عَنْ الخوف أيضا محمودًا، وَهُوَ كالَّذِي يخطر بالبال عَنْدَ سماع آية، أَوْ سبب هائل فيورث البُكَاء، فإذا غاب ذَلِكَ السبب عَنْ الحس رجع الْقَلْب إِلَى الغَفْلَة، فهو خوف قاصر قليل الجدوى ضعيف النفع، وَهُوَ كالقضيب الضعيف، الَّذِي يضرب به دابة قوية فلا يؤلمها ألمًا مبرحًا، فلا يسوقها إِلَى المقصد ولا يصلح لرياضتها. وَهَذَا هُوَ الغالب على النَّاس كلهم إلا العارفين والْعُلَمَاء أعنِي الْعُلَمَاء بِاللهِ وبآياته وقَدْ عز وجودهم، وأما المرتسمون برسوم العلم فَإِنَّهُمْ أبعد النَّاس عَنْ الخوف، وهل الْعُلَمَاء حَقِيقَة يأخذون من الدُّنْيَا إلا بقدر البلاغ. وأما القسم الأول وَهُوَ الخوف المفرط فهو كالَّذِي يقوى ويجاوز حد الاعتدال، حَتَّى يخَرَجَ إِلَى اليأس والقنوط، فهو أيضًا مذموم لأنه يمنع من الْعَمَل، وقَدْ يخَرَجَ إِلَى المرض والوله والموت، ولَيْسَ ذَلِكَ محمودًا. وكل ما يراد لأمر فالمحمود منه ما يفضِي إِلَى المراد المقصود منه، وما يقصر عَنْهُ أَوْ يجاوزه فهو مذموم وفائدة الخوف الحذر والورع والتقوى والمجاهدة والفكر والذكر والتعبد وسائر الأسباب التي توصل إِلَى الله تَعَالَى وكل ذَلِكَ يستدعى الحياة مَعَ صحة البدن وسلامة العقل فإذا قدح فِي ذَلِكَ شَيْء كَانَ مذمومًا وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين. " فَصْلٌ " وقَالَ ابن رجب ﵀: والقدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم فَإِنَّ زَادَ على ذَلِكَ بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير فِي نوافل الطاعات، والانكفاف عَنْ دقائق المكروهات، والتبسط فِي فضول المباحات، كَانَ ذَلِكَ فضلاً محمودًا.

стр. 983

شِعْرًا: ... خَفِ الله وَارْجُوهُ لِكُلِّ عَظِيمَةٍ ... وَلا تُطِعِ النَّفْسَ اللَّجُوجَ فَتَنْدَمَا وَكُنْ بَيْنَ هَاتَيْنِ مِن الْخَوْفِ وَالرَّجَاءَ ... وَأَبْشِرْ بِعَفْوِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مُسْلِمَا فإن تزايد على ذَلِكَ بأن أورث مرضًا أَوْ موتًا أَوْ همًا لازمًا بحيث يقطع عَنْ السعي فِي اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله لم يكن ذَلِكَ محمودًا. ولهَذَا كَانَ السَّلَف يخافون على عطاء السلمي من شدة خوفه الَّذِي أنساه القرآن وصار صَاحِب فراش، وَهَذَا لأن خوف العقاب لَيْسَ مقصودًا لذاته، إنما هُوَ سوط يساق به المتوانِي عَنْ الطاعة إليها ومن هنا كَانَتْ النار من جملة نِعَمِ الله على عباده الَّذِينَ خافوه واتقوه. ولهَذَا المعنى عدها الله من جملة آلائه على الثقلين فِي سورة الرحمان، وقَالَ سفيان بن عيينة: (خلق الله النار رحمةً يخوف بها عباده لينتهوا) . أَخْرَجَهُ أبو نعيم. والمقصود الأصلي هُوَ طاعة الله وفعل مراضيه ومحبوباته وترك مناهيه ومكروهاته، ولا ننكر أن خشية الله وهيبته وعظمته فِي الصدور وإجلاله مقصود أيضًا، ولكن القدر النافع من ذَلِكَ ما كَانَ عونًا على التقرب إِلَى الله، بفعل ما يحبه وترك ما يكرهه. ومتى صار الخوف مانعًا من ذَلِكَ وقاطعًا عَنْهُ فقد انعكس المقصود منه، ولكن إِذَا حصل ذَلِكَ عَنْ غلبةٍ كَانَ صاحبه معذورًا، وقَدْ كَانَ فِي السَّلَف من حصل لَهُ من خوف النار أهوال شتى لغلبة حال شهادة قُلُوبهمْ للنار، فمِنْهُمْ من كَانَ يلازمه القلق والبُكَاء وَرُبَّمَا اضطرب أَوْ غُشِيَ عَلَيْهِ إِذَا سمَعَ ذكر النار، مثل قوله تَعَالَى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ .

стр. 984

شِعْرًا: ... لَوْ يَعْلَمُ الرَّاقِدُ مَا فَاتَهْ ... وَأَيَّ مَجْدٍ هَدَّ أَبْيَاتَهُ لَقَلَّلَ النَّوْمَ عَلَى فُرْشِهِ ... وَسَدَّ بِالْخِدْمَةِ أَوْقَاتَهُ وَأَرْسَلَ الدَّمْعَةَ مَمْزُوجَةً ... عَلَى مَبِيتٍ طَالَ مَابَاتَهُ ضَيَّعَ فِيهِ الْحَظَّ مِنْ قُرْبِهِ ... وَلَمْ يُبَالِ بِالَّذِي فَاتَهُ آخر: ... فَبَادِرْ إِلَى الْخَيْرَاتِ قَبْلَ فَوَاتِهَا ... وَخَالِفْ مُرَادَ النَّفْسِ قَبْلَ مَمَاتِهَا سَتَبْكِي نُفُوسٌ فِي الْقِيَامَةٍ حَسْرَةً ... عَلَى فَوْتِ أَوْقَاتٍ زَمَانَ حَيَاتِهَا فَلا تَغْتَرِرْ بِالْعِزِّ وَالْمَالِ وَالْمُنَى ... فَكَمْ قَدْ بُلِينَا بِانْقِلابِ صِفَاتِهَا آخر: ... تَزَوَّدْ مِن الدُّنْيَا بِسَاعَتَكَ الَّتِي ... ظَفَرْتَ بِهَا مَا لَمْ تَعُقْكِ الْعَوَائِقُ فَلا يَوْمُكَ الْمَاضِي عَلَيْكَ بِعَائِدٍ ... وَلا يَوْمُكَ الآتِي بِهِ أَنْتَ وَاثِقٌ " فَصْلٌ ": وَمِمَّا ورد فِي الخوف من الآيات وَالأَحَادِيث ما يلي قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ، وقَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ ، وقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ . وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ . وقَالَ: ﴿فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ الآيات، وقَالَ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ . وقَالَ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ ، وقَالَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ .

стр. 985

وقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ . وَقَالَ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً * يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ الآيات، وقَالَ: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ . وقَالَ: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ وقَالَ: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَهُمْ يَتَّقُونَ﴾ . وقَالَ: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً﴾ وقَالَ: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ . وقَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ ، ولو لم يكن إلا هَذِهِ الآية لكَانَتْ كافية للتخويف، إذ شرط للمبالغة فِي مغفرته أربعة أمور، يعجز الْعَبْد عَنْ الواحد مهنا إن لم يعنه الله فأَوَّلاً: التوبة. والثاني: الإِيمَان. والثالث: الْعَمَل الصالح. والرابع: سلوك سبيل المهتدين شِعْرًا: ... يَا نَاظِرًا يَرْنُو بِعَيْنَيْ رَاقِدِ ... وَمُشَاهِدٌ لِلأَمْرِ غَيْرَ مُشَاهِدِ مَنَّيْتُ نَفْسَكَ ضِلَّةً وَأَبَحْتَهَا ... طُرْقَ الرَّجَاءَ وَهُنَّ غَيْرُ قَوَاصِدِ تَصِلُ الذُّنُوبَ إِلَى الذُّنُوبِ وَتَرْتَجِي ... سُكْنَى الْجِنَانِ بِهَا وَفَوْزَ الْعَابِدِ وَنَسِيتَ أَنَّ اللهَ أخَرَجَ آدَمًا ... مِنْهَا إِلَى الدُّنْيَا بِذَنْبٍ وَاحِدِ وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾
следующие страницы →